تكريم الدكتور نقولا زيادة.

  ان تكريم البروفسور نقولا زيادة اليوم هو بعض من حقه علينا نحن من نقل الينا المعرفة الدفينة في ثنايا المصادر العربية بشكل خاص ،ومن علمنا الخوض في كنوزها ،وفتح امامنا سبل مناهج التأريخ، وهذا التكريم ليس الا تكريما للمعرفة ،وانصافا لمؤرخ قد لا يفيه سوى بعض حقه ، وما مشاركتي في هذا الاحتفال العلمي الا امتيازا لي تخولني الخوض ،علنا، في مؤلفاته التي ارخ فيها للتاريخ العربي الوسيط،وتجيز لي استنتاج مميزاته التأريخية بحضوره ،وهي ايضا امتحان له في مدى المعرفة التي نقلها الي

     ايها الحفل الكريم، ان نقرأ مؤلفات الدكتور زيادة في التاريخ العربي والاسلامي الوسيط،نقر اننا امام مؤرخ واسع المعرفة،عميق الاطلاع، ينفرد بمنهج متمايز،وبنظرة تاريخية خاصة، شغوف بالرحلات والجغرافيين العرب وبمن شابههم،تسلبه دراسة الحضارة لبه،وتستهلك معظم وقته.

      وقبل الولوج في كنوز مؤلفاته اجيز لنفسي استعارة قول من اقواله المأثورة في التاريخ ” في التاريخ العربي قاعات قل داخلوها، وسبل قل طارقوها، وزوايا قل والجوها، وفي هذه القاعات والسبل والزوايا خير كثير، لو انصفها الناس “[1].لذلك جهد استاذي لابراز قدر ما يستطيع من هذا الخير. و خيره ليست الصراعات العسكرية ,‏،والفذلكات السياسية، وهي لا تأخذ حيزا مهما في مؤلفاته،لان معظمها استهلك ،وما برح المؤرخون متخاصمين فكريا حولها. ان معرفتها ضرورية لانها تخدم التطور الحضاري الذي يستند برأيه الى عدة ركائز:اهمية البلاد من حيث الموقع والتضاريس والموانيء والعواصم والمدن والاسواق والتجارة،وكل النواحي الاقنصادية الاخرى، وميادين العلوم كافة.لذلك تحتل هذه المواضيع مركز الصدارة في مؤلفاته وابحاثه، وتسقط منها المواضيع التي اصبحت معروفة، ويلج ما صعب او الذي لم ينل قسطا وافيا من البحث والدراسة. وبتعبير اوضح تلك التي لها علاقة بالعمران، عمران ابن خلدون ، وعمران الحضارة في القرن الثالث الهجري، عمران المدن والمدارس والثقافة والاسواق والطرق التجارية، والمجتمعات العربية كلها، والصينية،والبيزنطية وغيرها.عمران العلاقات الانسانية بين مختلف المجموعات البشرية المتنافر منها والمتآلف. وهو لا يخوض في الجزئيات لان الكليات هي الاهم. وتتبدى الكليات تصميما مفصلا يستند الى المزايا والخاصات الرئيسة ويبتغي منها امتاع القارىء وتثقيفه في آن. ولان الدخول في الجزئيات يتطلب فهم جدلية المعادلات المتعارضة، واثبات مقولات، والدخول في المنهج الجدلي ما يقتضي من القارئ ثقافة عالية جدا خصوصا في المناهج والمدارس التاريخية المتعددة، وهذا لايعني مطلقا ان المحتفى به لم يؤرخ للمثقفين والباحثين، بل هم الذين قصدهم راسما لهم الخطوط الكبرى، ومضمنا مؤلفاته كما هائلا من المعلومات النادرة والغنية، وارشادا لتعميق كل نقطة من نقاط ابحاثه. حتى ان كل بحث من من ابحاثه يصلح ليكون موضوع اطروحة دكتوراه.

       اما ابرز كتبه التي سأتناول  في هذه العجالة فهي:عربيات ،قمم من الفكر الاسلامي ،صور من التاريخ العربي، الجغرافيا والرحلات عند العرب،وافريقيات.

عربيات :ان كتاب عربيات هو في الحضارة، التي برأي الدكتور زيادة لا تنفصل عن التاريخ السياسي،الذي هو في اساس كل تطور.لذلك تركز ابحاث الكتاب على المميزات الرئيسية للعهود السياسية الوسيطة من دون الدخول في تفصيلاتها،ويرسم خطوطها العامة فاسحا في المجال امام من يريد التبحر فيها العودة الى مصادر ومراجع الابحاث ،او الى غيرها وهي وفيرة.

     وعربيات هي منطقة الشرق الادنى التي انتشرت فيها اللغة العربية وسادت.فبه معلومات قيمة عن شبه الجزيرة العربية بقسميها الجنوبي والشمالي:تضاريس وسكانا وحيوانا ودولا بما في ذلك انظمة الحكم ،وبعض العلاقات السياسية ان في ما بين هذه الدول او من حيث ارتباطها بالامبراطوريتين البيزنطية والساسانية،اضافة الى لمحات اقتصادية ولاسيما التجارية لينفذ منها الى دور مكة التجاري في ظل تنظيم قريش.

      وبما ان نشؤ الاسلام وانتشاره،والتغيير الذي اصاب الناس بفضله اصبح معارف عامة لا يرى الباحث ضرورة لاعادة تكرارها،انما يركز على الخاصات الاقتصادية الحجازية،ويعتبر ان موارد ثروة الحجاز ثلاث:الضرائب التي كانت تحمل اليه في عهدي الرسول والخلفاء الراشدين،والحج ،والتجارة. وبما ان الامرين الاوليين معروفان يسقطهما من تأريخه،ويتبحر بالناحية التجارية بالاستناد الى مصادر الجغرافيين والرحالة العرب.

      وبكلامه على انتقال الحكم الى العباسيين يسلط الضوء بايجاز رائع على نقاط الضعف الاموي،ويصرح بانه لا ينوي التأريخ للخلافة العباسية لا كلا ولا جزءا،بل يرسم الاطار الذي تمت بداخله تبدلات وتطورات وتغييرات شملت المجتمع من حيث الادارة والتنظيم و التمزق السياسي[2]،مختصرا ،بفن المؤرخ ،استعادة ماض والوقوف على اهم منجزاته وهناته.[3]والاسواق ،برأيه، ركن من اركان المجتمع لانها صورة للحياة العقلية والاجتماعية،وهي كلما تعددت وازدهرت تعكس بالمقدار نفسه النشاط في حياة الجماعة ،وما ركودها الا نتيجة اضطراب شؤون المعاش والاحوال.[4]ولهذا تحتل الاسواق منزلة مهمة في كتاب عربيات،وهي متعددة :الموسمي كالحج ،وهبوب الرياح الموسمية في الشرق الاقصى،والاسبوعية والشهرية. ومنها الثابت .ولكل من النوعين دور في انتظام الحركتين التجارية والاقتصادية.من هذا المنطلق نجد في كتاب عربيات عدة ابحاث اخرى تتحدث عن التجارة :اثنين عن بلاد الشام الاول يبحث في تطور التجارة الداخلية ،والثاني في التجارة الخارجية او العالمية،وبحث ثالث عن تطور التجارة في العهد الصليبي.

      يعتبر الدكتور زيادة ان ديار الشام اغنى الجهات بالاسواق ومواقع الخانات ونقط الاراحة،[5]وهي عريقة بالقدم لمرور الطرق التجارية الواصلة الى بلاد الرافدين فيها،ولحاجة هذه البلاد الى البخور ليحرق في الاحتفالات الدينية،ولمشتقات اخرى من الطيوب.فالبخور الاصلي (اللبان)مصدره جضرموت، واليمن مستودع طيوب متعددة مصدرها جنوب شبه الجزيرة العربية والقرن الافريقي.ويعدد المحتفى به الخاصات المهمة لهذه الطرق ويؤكد انها هي التي دفعت الامبراطوريتين البيزنطية والفارسية لاحتوائها ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل .[6]وتمكنت مكة في ظل تنظيم قريش من  تولي زعامة هذه الطرق ،او على الاقل السيطرة على الطريق الرئيسي .

   وبقيام الاسلام وتوسع الفتوحات زالت معظم العقبات امام التاجر العربي ،وانفتحت امامه كل الطرق التجارية من حدود الصين وحوض السند الى ايبيريا . والتجارة ،باعتقاده تتركز على العرض و الطلب.والطلب متوقف الى درجة كبيرة على المستوى الحضاري الذي بلغته الجماعة التي تطلب السلع بما في ذلك التقاليد والعادات الاجتماعية والدينية.واما العرض فمتوقف على مقدرة المنتج[7].وساهمت الصناعة بديار الشام بتطور الحركة التجارية بعد ان اصبحت دمشق عاصمة الخلافة،وبعد قيام ارستقراطية عربية قادرة على الاستهلاك ولا سيما بوفرة الغنائم والتوظيفات[8].

     ويمكن للباحث استخلاص ان نمو التجارة الخارجية الشامية ولاسيما في العهد العباسي يعود الى عدة عوامل اساسية هي : 1- النمو السريع للسكان وتجمعهم في المدن[9].

  • حمل الرقيق بجنسيه الاسود والابيض الى الدولة العباسية [10].
  •  بلوغ السكان مستوى عال من الحضارة واقبالهم على استهلاك السلع المتنوعة كالطيوب والتوابل والاقمشة الفاخرة[11].
  • ازدياد عدد الجند وجنوحهم الى السلطة ما افرز عددا من الدويلات.[12]
  • عناية الدولة العباسية بالطرق والبريد والخانات والمحطات على تنوعها.
  • تطور علم الطب واشتداد الطلب على السلع الطبية.[13]
  • الحاجة الماسة الى الورق.[14]
  • نزويد الجيوش بحاجتها من الثياب والسلاح.[15]
  • اعتياد اهل الصين على استهلاك منتوجات آسيا الغربية عبر القرون السابقة لقيام الدولة العربية.[16]

     وتتضمن هذه الابحاث معلومات قيمة عن انواع السلع ومصادرها ،ودورها في الحياتين الاجتماعية والسياسية،ومستواها بما في ذلك الذهب والفضة ،واسباب التضخم المالي، هذا فضلا عن دراسة للطرق التجارية وتطور المحطات عليها .

     والدكتور زيادة لا يترك فراغا في الحقبات التاريخية والتجارية ،فيتحفنا ببحث عن العلاقات التجارية في العهد الصليبي يكمل الابحاث التي تحدثت عنها خصوصا تلك التي تناولت التجارة العالمية في العصور الوسطى .ويطرح فيه تساؤلا اساسيا عن الصراعات العسكرية يمكن اعتاره ثابتة تاريخية،وعبرة للحاضر .يقول ما حرفيته:”هل من درس تمليه علينا هذه الاحداث البعيدة؟هل من رؤية يمكن ان تعكسها تلك الحوادث بانكساراتها وانتصاراتها بآمالها وآلامها بحيث بدل ان نتلفت الى الخلف تحملنا الى التطلع الى الامام؟[17]

   قمم من الفكر العربي الاسلامي ،الاهلية للنشر والتوزيع ،بيروت،1987 .

      يدرس الدكتور زيادة في هذا الكتاب سبعا وعشرين شخصية بين مؤرخ ومحدث وفقيه ورحالة واداري وكاتب تراجم وطبيب وفيلسوف وعالم اجتماع بدءا بابن اسحق صاحب اتم وافضل سيرة نبوية شريفة ،وانتهاء بالمقريزي .يمهد لكل واحد من هؤلاء بدراسة مهنته في عصره تبيانا لمنزلته من جهة،وكي يتمكن الباحث او القارئ العادي من تتبع التطور الذي اصاب هذه المهنة من منتصف القرن الثامن وحتى اواخر القرن 15م. ثم يكتب سيرة حياته:مكان وتاريخ مولده،رحلاته في طلب العلم،الاماكن التي درس فيها ،استيطانه،ومؤلفاته،ويعين مكانته في تاريخ الفكر العربي والاسلامي. ثم يختار نماذج من كتاباته التي تصب في خانة الحضارة .ويقر استاذي انه لا يفي هذا الرجل حقه لان الغاية الاساسية من كل ذلك القاء نظرة واضحة على قيمة العمل الذي قام به في تاريخ الحضارة العربية والاسلامية ،وهو يقول في هذا الصدد:”لسنا نحسب ان العالم عرف في تاريخه الطويل ،ما عرفه ابان قيام الدولة العربية الاسلامية ونشؤ المحتمع العربي الاسلامي وتطور الحضارة المرتبطة بالامرين،وذلك من حيث الاختلاط والامتزاج والتفاعل والتجاذب بين شعوب مختلفة وحضارات متباينة حية او بائدة وثقافات روحية ومادية.”[18]

    الرحالة العرب ، دار الهلال ،1956 .

      يبداء الكتاب بالتعريف باهمية الرحلات،ودورها في الحضارة وتوسيع المعرفة.وهو لا يختلف منهجا عن الكتاب السابق(قمم…) الا من حيث الفترة الزمنية،وتجانس الشخصيات .فهو يتناول الرحالة العرب وفق القرون بدءا بالقرن 12م. وانتهاءا بالقرن 15م. منتقيا ابرز الرحالة في كل قرن.ويفرد فصلا طويلا لابن بطوطة لانه يعتبره رحالة محترفا امضى 28 سنة في الحل والترحال منقبا عن كل ما يتعلق بالحضارة الانسانية في معظم مجتمعات العالم القديم[19].ويقول فيه:”لقد طبع ابن بطوطة الرحلة في القرن 14م. بشخصيته القوية النابضة بالحياة،المتطلعة الى كل ما حولها بشوق دائم…وقدرت المسافة التي قطعها بنحو 120الف كلم .وقد جرب الا يقطع الطريق مرتين ونجح في ذلك الا في ما ندر. ولا يعرف تاريخ الرحلات من اجتاز مثل هذه المسافة قبل العصور الحديثة”[20].

    وان شغف الدكتور زيادة بالحضارة دفعه لانتقاء نماذج من مؤلفات الرحالة تناسب النواحي الاجتماعية :فاختار من الجزيرة العربية انواع الابنية وطرق بنائها،الشوارع،المياه،الثمار،التجارة و الحج؛ومن العراق وصف المدن ولاسيما بغداد،والاسواق،والقيساريات،والخانات،وبيوت العامة وبيوت الجند.[21]ومن بلاد الشام المدن والابنية:جوامع وكنائس،والمدارس والاسواق،والاسوار.[22]

     ان شغف الدكتور زيادة بالرحلات له ما يبرره لانه هو نفسه رحالة،ويتبدا لنا ذلك في مقدمة كتابه افريقيات التي يحدثنا فيها عن تطوافه في انحاء المغرب العربي كلها،وفي صور من التاريخ العربي الاسلامي،وفي لبنانيات ،وشاميات،واكثر ما يظهر ذلك في جزئي كتابه “ايامي”.

       افريقيات ،رياض الريس ،بيروت-لندن ،1991 .

    يتناول الكتاب مواضيع متعددة بعضها وسيط وبعضها الاخر حديث قاسمها المشترك هي الحضارة،يتصدرها بحث “المدينة في الاسلام وظيفتها وخصائصها”[23] يعدد مؤرخنا وظائف المدينة الاسلامية داعما رأيه بالبينات .فهي اما ان تكون مركزا للجيش مثل القيروان والبصرة والكوفة،او مركزا للملك والادارة وفي الغلب هي العاصمة،او مركزا لادارة محلية كتونس وقرطبة.والى جانب هذه الوظائف الاساسية الاصيلةتمتعت بعض المدن بوظائف خاصة وبدور ميزها عن غيرها مثل دمشق التي كان لها الفضل في التنظيم البيروقراطي الاداري في الدولة العربية الناشئة.[24]اما بغداد فهي عربية المنشأ وتمثلت وظائفها الخاصة بنقل التراث الهندي والفارسي والسرياني واليوناني الى اللغة العربية ثم انها بنفسها خلقت الحضارة العربية والاسلامية.[25]وتتمتع مراكش بوظائف خاصة من حيث انها اولا كانت معقل الاسلام في الرقعة الجنوبية الغربية للمغرب العربي،ونقطة انطلاقه لتوضيحه وتفسيره بشكل صحيح .وثانيا لحماية العرب والمسلمين في الاندلس فمنها انطلق المرابطون والموحدون لتقديم الحماية اللازمة.[26]وكانت قرطبة نقطة اجتماع لعناصر مختلفة من الشعوب والثقافات،ولم يكن فيها غليان فكري وتصارع حضاري على غرار مدن الثقافة المشرقية،انما كان فيها قبول لما ينتج في الشرق وامتصاص لعادات اجتماعية كانت هناك.[27]انما كانت لقرطبة وغيرها من مدن الاندلس وظائف اخرى اذ شكلت معبرا رئيسيا للفكر العربي الاسلامي والفلسفة العربية الاسلامية وغير ذلك من العلوم الى اوروبا .[28]

      واختصت القاهرة باكثر من وظيفة:فهي انشاء فاطمي، وتحولت الى دار علم ونشر لفلسفة ودعوة جديدة عبر الازهر الشريف.[29]وتحولت في العهد المملوكي الى عاصمة سلطنة عظيمة وتمثلت وظيفتها باخراج الصليبيين من الشرق وصد الهجمات المغولية.[30] وتعهدت فاس في عهد بني مرين في القرانين 13 و14م. اختزان العلم واحتضانه،وصارت ضمير الاسلام المتعلم في المغرب الاسلامي.[31]ويخلص استاذنا في بحثه هذا الى انه صار في طرفي العلم العربي مستودعان للمعرفة الاسلامية بواسطة وظائف المدن.

      المدرسة الاسلامية في المغرب العربي :ابداء هذا البحث بقول للبروفسور زيادة “في تاريخ الاسلام صفحات مشرقة وخالدة كثيرة،ولعل من اكثرها اشراقا تلك التي سجلها الاسلام في تاريخ التعليم”.[32] لقد عرف العالم الاسلامي مؤسسات تعليمية متنوعة مثل الكتاب وهو اول مؤسسة تربوية اختصت بتعليم الاطفال،والرباط وهو في الاساس ثكنة عسكرية اقيمت لمراقبة السواحل وكانت المدرسة من بين المهمات التي اطلع بها.[33]ولكن الرباط اخنص تدريجا بالناحية العسكرية لتقوم الزاوية بمهمة التعليم مكانه. ويفند المحتفى به انواع الذوايا الثلاث،ويعتبر ان المدرسة مثلت المرحلة الثانوية.[34]واختصت المدارس الموحدية ايام عبد المؤمن كل واحدة بوظيفة:تخريج الموظفين الاداريين،وتعليم الامراء الموحدين،وتخريج الملاحين .[35]

    اما المدرسة المشرقية فكان يتم اختيار طلابها اما لذكائهم،او منزلتهم الاجتماعية،ويتوقف نجاحها على الشيخ الذي يعنى بها.[36]وضمت المدرسة الى الفقهاء والمحدثين الاطباء والمهندسين والفلكيين واصحاب المعارف بالرياضيات والزراعة وغير ذلك. والى جانب المدرسة نشأت الجوامع الكبرى التي تشبه الجامعات اليوم،[37]لان التعليم فيها كان اعمق والصق بالجذور.[38]وثمة فرق بين المؤسستين”ان المدرسة كانت للدولة ومع الدولة، ولكن الجامع مع علمه ومع نفسه .”[39]

   هذا غيض من فيض مميزات مؤلفات الدكتور نقولا زيادة  في التاريخ العربي والاسلامي في العصور الوسطى،فهو عربي بامتياز ،بعيد عن العصبيات الاقليمية ،فهو في آن شامي وحجازي ومصري ومغربي. نذر حياته لنبش كنوز الحضارة العربية والاسلامية من بين حنايا وجنبات المصادر وسطرها ابحاثا ومؤلفات خالدة تتحدى صناديق الاهمال والنسيان .                                                        اننا بتكريمه اليوم نكرم انسانية الانسان،والمؤرخ العربي،ونكرم المعرفة بمعناها الاوسع والاعم،كما نكرم الالتزام بالحضارة العربية. ارجو من الله ان يمد بعمره كي يزيد على المكتبة العربية علما،وعلى الحضارة الانسانية حضارة .


[1] -الاهداء ،زيادة نقولا،كتاب، صور من التاريخ العربي .

[2] – زيادة (نقولا)،عربيات ،رياض الريس ،بيروت-لندن ، 1994، ص 100

[3] – نفسه ،ص 106-116

[4] – نفسه ،ص 117.

[5] – نفسه ،ص 131.

[6] -عربيات ، ص134.

[7] – نفسه ،ص 131-132 .

[8] – نفسه ، ص139-140 .

[9] – عربيات ، ص 150 .

[10] – نفسه ،ص 151 و 159 .

[11] – عربيات ، ص 150 .

[12] – نفسه ،ص 152 .

[13] – عربيات ،ص 160 .

[14] – نفسه نص 160 .

[15] – نفسه ،ص 181 .

[16] -المكان نفسه .

[17] – عربيات ، ص 171 .

[18] – زيادة (نقولا)،قمم من الفكر العربي الاسلامي ،الاهلية للنشر والتوزيع ،بيروت ،1987 ، ص 44

[19] – زيادة (نقولا) ،الرحالة العرب ،دار الهلال ،1956 ، ص 122 .

[20] – المكان نفسه .

[21] -المرجع السابق ،ص 72-73 .

[22] – نفسه ،ص 72-75 .

[23] – زيادة ( نقولا )،افريقيات ،رياض الريس ،بيروت – لندن، 1991 ،ص 99 .

[24] – نفسه ، ص 99 .

[25] – افريقيات ، ص 100 .

[26] – المكان نفسه .

[27] – المكان نفسه .

[28] – افريقيات ، ص 101

[29] – المكان نفسه .

[30] – المكان نفسه .

[31] – افريقيات ، ص 101 .

[32] – المرجع نفسه ،ص 197 .

[33] – نفسه ،ص 198 .

[34] – افريقيات ، ص 199 .

[35] – المكان نفسه .

[36] – افريقيات ، ص 199 – 200 .

[37] – نفسه ، ص 200 .

[38] – افريقيات ، ص 201

[39] – المكان نفسه .

نقولا زيادة وعربيات

منصات كثيرة اعتليت من دون ان اخشى موقف المناسبة ولا موضوعها، فقد كنت اخوض غمارها برباطة جأش وثقة كبيرة بالنفس. اما اليوم فالامر مختلف فانت يا استاذي الكبير في حضرة الله وانا امام هذا الحفل الكريم من احبائك واصدقائك وغيرهم من اعلام الثقافة والفكر. ومن على هذه المنصة المخصصة لك بل لدراسة فكرك واعمالك ومنهجك وثقافتك العابرة للحضارات. انها منصة امتحاني للفكر الذي زرعته فيّ المنهج الذي ارسيت اسسه في ابحاثي ودرّبتني عليه. لهذا كله اخشى الاّ افيك حقّك في العبور الى اغوار بعض مؤلفاتك التي تناولت العربية لغة وحضارة وثقافة افتش بين طيات صفحاتها على الوسائل التي اعتمدتها والاهداف التي ابتغيتها لا لتترك بصماتك واضحة في مضمار الحضارة العربية فحسب بل لتبرز خاصات جديدة كان اغفلها مفكرون آخرون. ومن ذلك قولك: ” في التاريخ العربي قاعات قل داخلوها، وسبل قل طارقوها، وزوايا قل والجوها، وفي هذه القاعات والسبل والزوايا خير كثير، لو انصفها الناس “[1].

تماهيا مع هذا القول وقف استاذي عمره المديد على الولوج الى صناديق النسيان يوقظ منها وثائق كثيرة كانت قد ارتاحت فيها بسبات عميق، يتبحّر بمضامينها ويستقرؤها باسئلة ذكية ويدوّن اجوبتها كتبا ملأت رفوف المكتبات العربية والعالمية. ولعل من ابرزها والتي ساتناولها في هذه العجالة هي:عربيات ،قمم من الفكر الاسلامي ،صور من التاريخ العربي، الجغرافيا والرحلات عند العرب، وافريقيات.

 تدفعنا هذه المؤلفات، كما ساوضح لاحقا، الى الاقرار اننا امام مؤرخ واسع المعرفة، عميق الاطلاع، ينفرد بمنهج متمايز، وبنظرة تاريخية خاصة، شغوف بالرحلات والجغرافيين العرب وبمن شابههم، تسلبه لبه دراسة الحضارة، وتستهلك معظم وقته.

 ان الخير الذي ذكره في قوله المأثور لا تمثّله الصراعات العسكرية‏، ولا الفذلكات السياسية، لان معظمها قد استهلك، وما برح المؤرخون متخاصمين فكريا حولها. وهو يرى ان معرفتها ضرورية كونها تخدم التطور الحضاري الذي يستند برأيه الى عدة ركائز: اهمية البلاد من حيث الموقع والتضاريس والموانيء والعواصم والمدن والاسواق والتجارة، وكل ما له علاقة بالاقتصاد وميادين العلوم كافة. وبتعبير اوضح كل ما يتصل بالعمران، عمران ابن خلدون، والحضارة العربية في القرن الثالث الهجري، عمران المدن والمدارس والثقافة والاسواق والطرق التجارية، والمجتمعات العربية كلها، والمجتمعات الصينية والبيزنطية وغيرها. عمران العلاقات الانسانية بين مختلف المجموعات البشرية.

كتاب عربيات:

يتناول كتاب عربيات الحضارة العربية والاسلامية التي انطلقت من رحم التاريخ السياسي، الذي هو، وفق الدكتور زيادة، في اساس كل تطور. و اعني انا بمصطلح عربيات كل انتاج حضاري تركه لنا العرب خلال العصور الوسطى وحفظه لنا المؤرخون العرب والمسلمون. اما مصطلح عربيات التي قصدها الدكتور زيادة فيدل على منطقة الشرق الادنى التي انتشرت فيها اللغة العربية وسادت منذ القدم. والكتاب كناية عن مجموعة ابحاث تركز على المميزات الرئيسية للعهود السياسية الوسيطة من دون الدخول في تفصيلاتها. وتتضمّن معلومات قيمة عن شبه الجزيرة العربية في فترة ما قبل الاسلام بقسميها الجنوبي والشمالي: تضاريس وسكانا وحيوانا ودولا بما في ذلك انظمة الحكم، وبعض العلاقات السياسية ان في ما بين هذه الدول او من حيث ارتباطها بالامبراطوريتين البيزنطية والساسانية، اضافة الى لمحات اقتصادية مركزا على التجارة لينفذ منها الى دور مكة التجاري في ظل تنظيم قريش.

    وبما ان نشؤ الاسلام وانتشاره والتغيير الذي اصاب الناس بفضله اصبح من المعارف العامة لا يجد الباحث ضرورة لاعادة تكراره، مكتفيا بالتركيز على الخاصات الاقتصادية الحجازية. ويعتبر ان موارد الحجاز الاقتصادية بل ثروته كانت تقوم على ثلاث ركائز: الضرائب التي كانت تحمل اليه في عهدي الرسول والخلفاء الراشدين، والحج، والتجارة. وهو يسقط من تأريخه الامرين الاوليين لأنهما معروفان، معتنيا بالناحية التجارية معولا على مصادر الجغرافيين والرحالة العرب متبحرا فيها للخلوص بنتائج اقتصادية واجتماعية.

  ويكتفي بكلامه على انتقال الحكم الى العباسيين يتسليط الضوء بايجاز رائع على نقاط ضعف السياسة الاموية. ويصرح بانه لا ينوي التأريخ للخلافة العباسية لا كلا ولا جزءا، بل يريد رسم اطارها السياسي العام الذي تمت بداخله تبدلات وتطورات وتغييرات شملت المجتمع من حيث الادارة والتنظيم والتمزق السياسي[2]، مختصرا، بفن المؤرخ الفذ، استعادة ماض والوقوف على اهم منجزاته وهناته.[3]

تشكل الاسواق ،برأيه، ركنا بارزا في المجتمع لانها صورة للحياة العقلية والاجتماعية، وهي كلما تعددت وازدهرت تعكس بالمقدار عينه النشاط في حياة الجماعة، وما ركودها الا نتيجة اضطراب شؤون المعاش والاحوال.[4]ولهذا تحتل الاسواق الحجازية منزلة مهمة في كتاب عربيات لأنها جعلت المجتمع دائم الحيوية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي لشدة تنوعها واستمرارها طيلة ايام السنة. فكان بعضها موسميا كالحج، وهبوب الرياح الموسمية في الشرق الاقصى، والبعض الآخر اسبوعيا، ونوع ثالث شهريا، ناهيك بالثابت منها. وكان لكل سوق دور بارز في انتظام الحركتين التجارية والاقتصادية. والدكتور زيادة يعتبر ان التجارة كانت احد اهم اركان المجتمع ليس من بعدها التجاري فحسب بل لدور التجار في نقل الافكار والمعارف والتقاليد والعادات من اقليم الى آخر بل من بلد الى نظيره. من هذا المنطلق حوى عربيات عدة ابحاث اخرى تتحدث عن التجارة : اثنين عن بلاد الشام؛ يبحث الاول في تطور التجارة الداخلية، والثاني في التجارة الخارجية او العالمية، وبحث ثالث يعالج تطور التجارة في العهد الصليبي.

      يعتبر الدكتور زيادة ان ديار الشام كانت اغنى الجهات بالاسواق ومواقع الخانات ونقاط الاراحة،[5] لأنها عريقة بالقدم تعود الى العصور التاريخية. ومرد هذه العراقة الى لمرور في بلاد الشام الطرق التجارية الواصلة الى بلاد الرافدين، ولحاجة هذه البلاد الى البخور ليحرق في الاحتفالات الدينية، ولمشتقات اخرى من الطيوب. فالبخور الاصلي (اللبان) كان مصدره جضرموت، وكانت اليمن مستودع طيوب متعددة مصدرها جنوب شبه الجزيرة العربية والقرن الافريقي. ويعدد مؤرخنا الخاصات المهمة لتلك الطرق ويؤكد انها هي التي دفعت الامبراطوريتين البيزنطية والفارسية للعمل هلى احتوائها عبر محاولات متكررة باءت  في نهاية الامر بالفشل .[6]وتمكنت مكة في ظل تنظيم قريش من  تولي زعامة هذه الطرق، او على الاقل السيطرة على الطريق الرئيسي .

   وبقيام الاسلام وتوسع الفتوحات زالت معظم العقبات امام التاجر العربي، وانفتحت امامه كل الطرق التجارية من حدود الصين وحوض السند الى ايبيريا . وتتركز التجارة كما هو معروف على العرض و الطلب. والطلب متوقف الى درجة كبيرة على المستوى الحضاري الذي بلغته الجماعة التي تطلب السلع بما في ذلك ما تقتضيه التقاليد والعادات الاجتماعية والدينية. واما العرض فمتوقف بدوره على مقدرة المنتج[7]. وساهمت الصناعة بديار الشام بتطور الحركة التجارية بعد ان اصبحت دمشق عاصمة الخلافة، ونشأت ارستقراطية عربية قادرة على الاستهلاك نعمت بوفرة الغنائم والتوظيفات[8].

     وهو يرى ان نمو التجارة الخارجية الشامية ولاسيما في العهد العباسي يعود الى عدة عوامل اساسية هي:

1- النمو السريع للسكان وتجمعهم في المدن[9].

  • حمل الرقيق بجنسيه الاسود والابيض الى الدولة العباسية [10].
  •  بلوغ السكان مستوى عال من الحضارة واقبالهم على استهلاك السلع المتنوعة كالطيوب والتوابل والاقمشة الفاخرة[11].
  • ازدياد عدد الجند وجنوحهم الى السلطة ما افرز عددا من الدويلات شبه المستقلة في ظل الخلافة العباسية.[12]
  • عناية الدولة العباسية بالطرق والبريد والخانات والمحطات التجارية على تنوعها.
  • تطور علم الطب واشتداد الطلب على السلع الطبية.[13]
  • الحاجة الماسة الى الورق.[14]
  • نزويد الجيوش بحاجتها من الثياب والسلاح.[15]
  • اعتياد اهل الصين على استهلاك منتوجات آسيا الغربية عبر القرون السابقة لقيام الدولة العربية.[16]

     وتتضمن هذه الابحاث معلومات قيمة عن انواع السلع ومصادرها، ودورها في الحياتين الاجتماعية والسياسية، وتحدد مستواهما العام بما في ذلك مقدار استهلاك الحكام والسكان للذهب والفضة. وتتطرّق هذه الابحاث ايضا الى اسباب التضخم المالي وانعكاساته على الوضعين الاجتماعي والسياسي، والى دراسة الطرق التجارية وتطور المحطات عليها .

     والدكتور زيادة لا يترك فراغا في الحقبات التاريخية، فيتحفنا ببحث عن العلاقات التجارية في العهد الصليبي يكمل الصورة الاقتصادية العامة للابحاث السابقة. ويطرح فيه تساؤلا اساسيا، يختل عبرا بل امثولات عن دور الصراعات العسكرية وانعكاساتها على الاجتماع الانساني بقوله:”هل من درس تمليه علينا هذه الاحداث البعيدة؟ هل من رؤية يمكن ان تعكسها تلك الحوادث بانكساراتها وانتصاراتها بآمالها وآلامها بحيث بدل ان نتلفت الى الخلف تحملنا الى التطلع الى الامام؟[17]

   قمم من الفكر العربي الاسلامي، الاهلية للنشر والتوزيع ،بيروت،1987 .

      يدرس الدكتور زيادة في هذا الكتاب سبعا وعشرين شخصية بين مؤرخ ومحدث وفقيه ورحالة واداري وكاتب تراجم وطبيب وفيلسوف وعالم اجتماع بدءا بابن اسحق صاحب اتم وافضل سيرة نبوية شريفة، وانتهاء بالمقريزي. يمهد لكل واحد منهم بدراسة مهنته في عصره تبيانا لمنزلته من جهة، ولتمكين الباحث او القارئ العادي من تتبع التطور الذي اصاب هذه المهنة منذ منتصف القرن الثاني/الثامن وحتى اواخر القرن التاسع/ الخامس عشر م. ويضمّن سيرة حياته: مكان وتاريخ مولده، رحلاته في طلب العلم، الاماكن التي درس فيها، استيطاناته الجديدة، ومؤلفاته، ثم يعين مكانته في تاريخ الفكر العربي والاسلامي. وتدليلاً على اهميته يختار نماذج من كتاباته التي توضح تطوّر الحضارة العربية والاسلامية. ويقر استاذنا انه لا يفي اولئك الاعلام حقهم لان الغاية الاساسية من دراستهم تتمثّل بتوضيح مساهمتهم بالحضارة العربية والاسلامية، مدللاً على ذلك بقوله: “لسنا نحسب ان العالم عرف في تاريخه الطويل، ما عرفه ابان قيام الدولة العربية الاسلامية ونشؤ المحتمع العربي الاسلامي وتطور الحضارة المرتبطة بالامرين، وذلك من حيث الاختلاط والامتزاج والتفاعل والتجاذب بين شعوب مختلفة وحضارات متباينة حية او بائدة وثقافات روحية ومادية.”[18]

    الرحالة العرب ، دار الهلال ،1956 .

      يستهل الكتاب بالتعريف باهمية الرحلات، ودورها في تطوّر الحضارة وتوسيع المعرفة. ويعزو الدكتور زيادة بعض عوامل تطوّر الحضارة العربية والاسلامية الى المعارف التي قدّمها الرحالة عبر رحلاتهم خصوصا بالتعريف بالاقاليم والمدن والقصبات، وتحديد المسافات التي تفصل بينها. وبالكيانات السياسية غير العربية وعادات وتقاليد شعوبها المتنوعة الاعراق. وبرسم الرحالة بذلك الطرق التجارية والمحطات المتنوعة عليها، يعرّفون بانواع السلع وبمصادرها، وكيفية استهلاك الغريب منها. والى ذلك يشكّل الرحالة العرب والمسلمون فرادة في تاريخ العصور الوسطى.

 والكتاب لا يختلف منهجا عن سابقه (قمم…) الا من حيث الفترة الزمنية، وتجانس الشخصيات. فهو يتناول ابرز الرحالة العرب والمسلمين وفق تواليهم الزمني خلال القرن الواحد بدءا بالقرن 6 / 12م. وانتهاءا بالقرن 9/ 15م.، ويفرد فيه فصلا طويلا لابن بطوطة لانه كان يعتبره رحالة محترفا امضى 28 سنة في الحل والترحال منقبا عن كل ما يتعلق بالحضارة الانسانية في معظم مجتمعات العالم القديم[19]. ويقول فيه:”لقد طبع ابن بطوطة الرحلة في القرن 14م. بشخصيته القوية النابضة بالحياة، المتطلعة الى كل ما حولها بشوق دائم…وقُدّرت المسافة التي قطعها بنحو مائة وعشرين الف كلم. وقد جرّب الا يقطع الطريق مرتين ونجح في ذلك الا في ما ندر. ولا يعرف تاريخ الرحلات من اجتاز مثل هذه المسافة قبل العصور الحديثة”[20].

    وان شغف الدكتور زيادة بالحضارة دفعه لانتقاء نماذج من مؤلفات الرحالة تتناسب مع النواحي الاجتماعية الدالة على تطور الحضاري؛ فاختار من الجزيرة العربية انواع الابنية وطرق بنائها، والشوارع، وا لمياه، والثمار، والتجارة، والحج. ومن العراق وصف المدن ولاسيما بغداد، والاسواق، والقيساريات، والخانات، وبيوت العامة وبيوت الجند[21]. ومن بلاد الشام المدن والابنية كالجوامع والكنائس والمدارس والاسواق والاسوار.[22]

   ان تعلّقه بالرحلات له ما يبرره فهو نفسه كان رحالة بامتياز، ويتبدا  ذلك في مقدمة كتابه افريقيات التي يحدثنا فيها عن تطوافه في انحاء المغرب العربي كلها، وفي صور من التاريخ العربي الاسلامي، وفي لبنانيات، وشاميات، واكثر ما يظهر ذلك في جزئي كتابه “ايامي“.

       افريقيات ،رياض الريس ،بيروت-لندن ،1991 .

    يتناول الكتاب مواضيع متعددة من التاريخخين الوسيط الحديث تمثّل الحضارة قاسمها المشترك. يتصدرها بحث “المدينة في الاسلام وظيفتها وخصائصها”[23]. يعتقد مؤرخنا انه كان لكل مدينة اسلامية وظيفة محددة داعما رأيه بالبينات. فهي كانت اما مركزا للجيش مثل القيروان والبصرة والكوفة، او مركزا للملك والادارة، او مركز لادارة محلية كتونس وقرطبة وفي الغالب تكون هي العاصمة. والى جانب هذه الوظائف الاساسية الاصيلة تمتعت بعض المدن بخاصات اخرى وبدور ميزها من غيرها مثل دمشق التي كان لها الفضل في التنظيم البيروقراطي الاداري في الدولة العربية الناشئة[24]. وبغداد العربية المنشأ والتي تميّزت بنقل التراث الهندي والفارسي والسرياني واليوناني الى اللغة العربية، ثم انها بنفسها خلقت الحضارة العربية والاسلامية[25]. وكانت لمراكش وظائف خاصة من حيث انها اولا كانت معقل الاسلام في الرقعة الجنوبية الغربية للمغرب العربي، ونقطة انطلاقه لتوضيحه وتفسيره بشكل صحيح. وثانيا لحماية العرب والمسلمين في الاندلس؛ فمنها انطلق المرابطون والموحدون لتقديم الحماية اللازمة[26]. وكانت قرطبة نقطة اجتماع لعناصر مختلفة من الشعوب والثقافات، ولم يكن فيها غليان فكري وتصارع حضاري على غرار مدن الثقافة المشرقية، انما كان فيها قبول لما ينتج في الشرق وامتصاص لعادات اجتماعية كانت هناك[27]. وشكّلت مع غيرها من مدن الاندلس معبرا رئيسا للحضارة العربية والاسلامية الى اوروبا بما فيها الفلسفة والفكر العلوم على اختلاف انواعها.[28]

      واختصت القاهرة باكثر من وظيفة: فهي انشاء فاطمي، وتحوّلت الى دار علم ونشر لفلسفة ودعوة جديدة عبر الازهر الشريف[29]. واصبحت في العهد المملوكي عاصمة سلطنة عظيمة فغدت وظيفتها اخراج الصليبيين من الشرق وصد الهجمات المغولية[30].  وتعهدت فاس في عهد بني مرين في القرانين 7/ 14 و 8/ 15م. اختزان العلم واحتضانه، وصارت ضمير الاسلام المتعلم في المغرب الاسلامي[31]. ويخلص استاذنا في بحثه هذا الى انه صار في طرفي العلم العربي مستودعان للمعرفة الاسلامية بواسطة وظائف المدن.

   ويتضمّن الكتاب ايضا بحثالمدرسة الاسلامية في المغرب العربي”: سأستهله بقول للبروفسور زيادة “في تاريخ الاسلام صفحات مشرقة وخالدة كثيرة، ولعل من اكثرها اشراقا تلك التي سجلها الاسلام في تاريخ التعليم”[32]. لقد عرف العالم الاسلامي مؤسسات تعليمية متنوعة مثل الكتّاب وهو اول مؤسسة تربوية اختصت بتعليم الاطفال، والرباط وكان في الاساس ثكنة عسكرية اقيمت لمراقبة السواحل وكانت المدرسة من بين المهمات التي اطلع بها[33]. ولكنه نحا تدريجا للاهتمام بالناحية العسكرية الصرفة لتقوم الزاوية بمهمة التعليم مكانه. و بكلامه عن الزوايا يفند االدكتور زيادة انواعها الثلاث. واذا كانت المدرسة تمثّل المرحلة الثانوية،[34]فان المدارس الموحدية ايام عبد المؤمن اختصت كل واحدة منها بوظيفة محددة كاعداد الموظفين الاداريين، وتعليم الامراء الموحدين، وتخريج الملاحين[35].

    اما المدرسة المشرقية فقد تميّزت عن مثيلاتها المغربية بحيث كان يتم اختيار طلابها اما لذكائهم، او منزلتهم الاجتماعية، ويتوقف نجاحها على الشيخ الذي كان يعنى بها[36]. وهي ضمّت الى الفقهاء والمحدثين، الاطباء والمهندسين والفلكيين واصحاب المعارف بالرياضيات والزراعة عيرهم. وشكّلت الجوامع الكبرى ما يشبه الجامعات اليوم[37]، لان التعليم فيها كان اعمق وألصق بالجذور[38]. وثمة فرق بين المؤسستين :”ان المدرسة كانت للدولة ومع الدولة، ولكن الجامع مع علمه ومع نفسه “[39].

وتحتل هذه المواضيع مركز الصدارة في مؤلفاته وابحاثه، وتَسْقطُ منها المواضيع التي باتت معروفة.   هذا غيض من فيض مميزات مؤلفات راحلنا الجليل في التاريخ العربي والاسلامي في العصور الوسطى، فكتبه تألفت من مجموعة ابحاث متجانسة من حيث الموضوع يكمل بعضها البعض الآخر اكتمالا لنظرته التاريخية. وقد دوّنها بطريقة فذة اخّاذة بمنهج توخّى فيه الاّ يخوض في الجزئيات لان الكليات هي الاهم. وما الكليات الا تصميم مفصل يستند الى المزايا والخاصات الرئيسة بطريقة سهلة واضحة خالية من التعقيدات المنهجية الجافة لأنه ابتغى بمنهجه هذا امتاع القارىء وتثقيفه عن طريق ابراز ركائز الحضارة التي ارسى اجدادهم اسسها ورفعوا مستواها الى ارقى درجات المعرفة في العصور الوسطى، فكانوا بحق رواد الحضارة العالمية. وما اقتصاره على الكليات الا لان الدخول في الجزئيات يوجب فهم جدلية المعادلات المتعارضة، واثبات مقولات، والدخول في المنهج الجدلي ما يقتضي من القارئ ثقافة عالية جدا خصوصا في المناهج والمدارس التاريخية المتعددة. وهذا لايعني مطلقا ان استاذي لم يؤرخ للمثقفين والباحثين، بل هم الذين خصّهم بها بالدرجة الاولى فاسحا لهم في المجال لتوسيع الافكار بل الخطوط الكبرى التي رسمها والعمل انطلاقا من الخاصات التي ابرزها، بحيث ان كل مقال من ابحاثه المنتشرة على صفحات مؤلفاته الوفيرة جدا يصلح موضوعا لاطروحة دكتوراه.

 وتأسيسا على مؤلفاته الوفيرة وانطلاقاً من العلاقة التي جمعت بين الطالب والاستاذ والصداقة التي ربطت بيننا على مدى ثلاثة وثلاثين عاما اقول بكل ثقة: ان نقولا زيادة كان عربيا بامتياز عابرا لحدود الكيانات السياسية الوسيطة والحديثة والمعاصرة، بعيدا عن العصبيات الاقليمية؛ فكان في آن واحد فلسطينيا ولبنانيا وشاميا وحجازيا ومصريا ومغربيا، نذر حياته لنبش كنوز الحضارة العربية والاسلامية من بين حنايا وجنبات المصادر ليسطرها ابحاثا ومؤلفات خالدة جديرة ان تتصدّر المكتبات العامة والخاصة .

      اننا باستذكاره اليوم نكرم انسانية الانسان المبدع، والمؤرخ العربي الفذ، ونكرم المعرفة بمعناها الاوسع والاعم. وما إلتزامنا معه بالحضارة العربية الا عنوان انتمائنا للفضاء العربي الحضاري الرحب.

فاليك مني، وانت في حضرة الله يا استاذي ويا صديقي الغالي تحية اكبار واجلال وتقدير.

الدكتور انطوان خليل ضومط


[1] -الاهداء ،زيادة نقولا،كتاب، صور من التاريخ العربي .

[2] – زيادة (نقولا)،عربيات ،رياض الريس ،بيروت-لندن ، 1994، ص 100

[3] – نفسه ،ص 106-116

[4] – نفسه ،ص 117.

[5] – نفسه ،ص 131.

[6] -عربيات ، ص134.

[7] – نفسه ،ص 131-132 .

[8] – نفسه ، ص139-140 .

[9] – عربيات ، ص 150 .

[10] – نفسه ،ص 151 و 159 .

[11] – عربيات ، ص 150 .

[12] – نفسه ،ص 152 .

[13] – عربيات ،ص 160 .

[14] – نفسه نص 160 .

[15] – نفسه ،ص 181 .

[16] -المكان نفسه .

[17] – عربيات ، ص 171 .

[18] – زيادة (نقولا)،قمم من الفكر العربي الاسلامي ،الاهلية للنشر والتوزيع ،بيروت ،1987 ، ص 44

[19] – زيادة (نقولا) ،الرحالة العرب ،دار الهلال ،1956 ، ص 122 .

[20] – المكان نفسه .

[21] -المرجع السابق ،ص 72-73 .

[22] – نفسه ،ص 72-75 .

[23] – زيادة ( نقولا )،افريقيات ،رياض الريس ،بيروت – لندن، 1991 ،ص 99 .

[24] – نفسه ، ص 99 .

[25] – افريقيات ، ص 100 .

[26] – المكان نفسه .

[27] – المكان نفسه .

[28] – افريقيات ، ص 101

[29] – المكان نفسه .

[30] – المكان نفسه .

[31] – افريقيات ، ص 101 .

[32] – المرجع نفسه ،ص 197 .

[33] – نفسه ،ص 198 .

[34] – افريقيات ، ص 199 .

[35] – المكان نفسه .

[36] – افريقيات ، ص 199 – 200 .

[37] – نفسه ، ص 200 .

[38] – افريقيات ، ص 201

[39] – المكان نفسه .

التجارة والصيرفة في مؤلفات نقولا زيادة

قد تكون التجارة، منذ استقرار البشر في مجتمعات وان بشكل بدائي، احدى اولى السمات الانسانية الناظمة للعلاقات الاقتصادية بين الاقوام، وصارت تتقدم بمقدار ارتقاء المجتمعات وتأسيس الدول وتطور العلوم ولا سيما الجغرافيا والفلك. حتى بات التبادل التجاري يأخذ حيّزا مهما في علاقات الحرب والسلام ويشكل  احد روافد الحضارة.

ولعل هذه المقولة هي احدى العوامل العديدة التي دفعت الدكتور نقولا زيادة كي يتناول موضوعي التجارة والصيرفة في مقالات كثيرة تنوّعت مراحلها التاريخية؛ فبعضها يرقى الى بدايات العصور القديمة، وبعضها الآخر الى العصور الوسطى.ويبدو انه من هذا المنطلق محض الرحالة والجغرافيين ولا سيما العرب منهم ثقة كبيرة وافسح لهم مساحة مهمة في مؤلفاته العديدة[1]، ونال بعضهم وخصوصا ابن بطوطة منزلة عالية واحتراما بيّنا ودراسة موسّعة[2]، لأنهم شكلوا رسل حضارة بين ارجاء العالم الاسلامي من جهة، وبلاد الشعوب الاخرى من ناحية ثانية. ولأنهم ايضا رسموا بمؤلفاتهم الطرق الواصلة بين مختلف الدول المعروفة انذاك، وبين مدن الدولة الواحدة، وبالتالي حددوا مسالك الطرق التجارية العالمية بين المشرق العربي والشرق الاقصى من جهة، وبينه والبلاد الافريقية من جهة اخرى، وبعض البلاد الاوروبية من ناحية ثالثة. واشاروا الى الطرق الداخلية المشرقية والمحطات التجارية ونقاط الاراحة عليها.

وهكذا بدا هؤلاء الرحالة تجارا حقيقيين من دون ان يمارسوا مهنة التجارة، وجغرافيين بالوصف الدقيق لتضاريس البلاد التي وطأتها اقدامهم وللثغور البحرية التي حلوا فيها. فتحدثوا عن انواع السلع التي ترد اليها من بلاد اجنبية او التي تنتج فيها او التي ترد اليها من اريافها ومدنها غير المرفئية. واستهوتهم عادات وحضارات شعوب معينة بما فيها اساليب معاشهم فنالت فسحة في مؤلفاتهم.

ان مؤرخنا درس التجارة والصيرفة منذ العصور القديمة وصولا الى اواخر العصور الوسطى في مقالات قيلت في مناسبات مختلفة من حيث المكان والزمن ومن ثمّ فرزها وزّعها تبعا لمواضيعها على بعض مؤلفاته التي من ابررزها: ” مشرقيات في صلات التجارة والفكر ” و”عربيات حضارة ولغة” و”متوسطيات تجارة وحياة فكرية” هذا اضافة الى مقالات في ارشيفه لم تنشر بعد او ان بعضها على طريق النشر، وهي التالية:” من جنوب الجزيرة العربية الى شمالها” و”اقدم خط بحري في العالم القديم” و”طرق التجارة العالمية ومراكزها” و” التجارة والصيرفة من اواسط القرن الرابع الى اواسط القرن السادس للهجرة[3]“.

وسأحاول في هذا البحث تناول التجارة عبر تواليها الزمني من خلال ابحاث الدكتور نقولا زيادة بعين واعية ورؤية المؤرخ الناقد من دون محاباة. وسأجهد لدراسة تطور الطرق التجارية منذ العصور التاريخية القديمة وحتى نهاية العصور الوسطى محاولا قدر المستطاع اكمال نقاط لم يُعن بها كثيرا مؤرخنا الكبير بالاعتماد على المصادر والمراجع المتخصصة العربية والاجنبية.

وسأتبع في هذا البحث الخطة التالية:

اولا: التجارة في العصور القديمة لأنها تعتبر مقدمة لبقية الابحاث .

ثانيا: التجارة في العصور الاسلامية ومن ضمنها التجارة في العهد الصليبي في المشرق العربي.

ثالثا:الصيرفة.

رابعا: منهج الدكتور زيادة.

اولا: التجارة خلال العصور القديمة.

كان الدكتور نقولا زيادة عربيا بامتياز، بهرته الحضارة العربية فاحب اظهارها للملأ اقتناعا منه بانها كانت من ارقى حضارات العالم ان لم تكن افضلها. لذلك جهد، في مؤلفاته الوفيرة جدا يبرز دور العرب الحضاري على مختلف المستويات بما فيها التجارة التي تشكل برأيه عاملا اساسيا في تطور المجتمعات الانسانية. ويعتبر بحثه ” دليل البحر الارثري[4]” نموذجا واضحا في هذا الاطار.

 يتحدث فيه عن دور العرب في تجارة الهند معتبرا انه بعد انحسار النفوذ الفينيقي عن البحر الاحمر استأثر العرب بتجارة هذا البحر ولا سيما خلال قيام الامبراطوريات البرية مثل الآشورية والبابلية والفارسية التي اعتنت بتجارة القوافل او ما يعرف بالتجارة البرية.[5]وقد سيطر العرب لمدة طويلة على اسرار الطريق البحري بين جنوب الجزيرة العربية والشرق الاقصى. ويعتقد ان اهمية الطريق البحري بين الهند والبحر الاحمر المسيطر عليه من قبل العرب، حيث كانت تنقل عبر موانئ الخليج العربي وحتى سنة 1500 ق.م. سلع بلاد السند الى بلاد الرافدين ومنها الاخشاب والقطن والعاج والعقيق الاحمر واللازورد، دفعت الملك الفارسي داريوس حوالى سنة 510 الى ارسال بحار يوناني اسمه سكيلاكس لكي يكتشف الطريق المذكور ويرفع تقريرا عن نتائج بعثته. وللغاية عينها ارسل الاسكندر الكبير بعثة رأسها امير البحر نيخاريوس الذي دامت رحلته 146 يوما وقد حفظها لنا كاملة أريان مؤرخ الاسكندر[6] من دون ان تنجح البعثتان باكتشاف اسرار الطريق البحري. مؤشرا بالامرين معا على اهمية التجارة في البحر الاحمر خصوصا اذا علمنا ان المر واللبان، وهما سلعتان ثمينتان كانا ينتجان في جنوب الجزيرة العربية في منطقة حضرموت-ظفار، وفي الصومال ايضا وينقلان الى مصر عبر البحر المذكور[7].

وفي تقويمه لدليل البحر الارثري يستمر الدكتور زيادة في ترجمة الكتاب ويضيئ على بعض ما جاء فيه بتعليقات سياسية واقتصادية، ثم ينهيه بتقويم عام للتجارة في هذا البحر مركزا على الجزيرة العربية كنقطة محورية[8] فيقول: انه كانت هناك اربع مناطق ذات موارد طبيعية او فيها نتاج صناعي صالح للتبادل التجاري وهي: الهند ويقابلها في الطرف الثاني البعيد الامبراطورية الرومانية تتوسطهما منطقان هما الجزيرة العربية وشرق افريقيا. وقد جعل من هذه المعادلة محورا لدراسة التجارة اذ نجدها تتكرر وفق صيغ أخرى مشابهة لها في العديد من مؤلفاته وابحاثه [9].

ويتحدث عن انواع السلع التجارية في كل منطقة والطرق التي تنقل عليها[10]، من دون ان يهمل الكلام على الموانئ الاساسية كهرموس = ابو سُمَر، الذي يليه شرقا ميناء محصّن يدعى القرية البيضاء او لوكي كومي=الحوراء، ويمتد منه طريق الى البتراء. وكان التجار بل البحّارة يحاذرون سلوك شواطئ البحر الاحمر بسبب الامواج العاتية وقلة الموانئ الصالحة لرسو السفن[11].

ويستكمل الدكتور زيادة مفهومه للتجارة في العصور القديمة ببحث آخر هو “تجارة البحار الشرقية في العصور القديمة”[12]: ويستهله بالقول:” ان تطور التجارة في البحار الشرقية في العصور القديمة يدرس في مناطق ثلاث هي:الجزء الغربي من المحيط الهندي والبحار والخلجان المتصلة به، والمنطقة الهندية الاندونسية، وبحر الصين الجنوبي.”[13]

ان العلاقات التجارية بين منطقة البحر المتوسط من جهة وبلاد الصين من ناحية ثانية قديمة جدا ترقى الى بدايات العصور القديمة. وفي الغالب كانت تتم برا بواسطة القوافل التي تجتاز مسافة احد عشر ألف كلم. عبر الصحارى والجبال الوعرة.[14] وهذا الطريق استمر سلوكه مدى العصور الوسطى على الاقل. والدكتور زيادة لا يحدد في هذا البحث مسالكه ومساربه المتعددة انما يفصلها في بحث آخر هو ” التجارة الاسلامية من القرن الثاني الى القرن السابع الهجري”[15] . وبالاستناد اليها يمكننا رسم طريق الحرير كما يلي: ينطلق من وسط آسيا والهند عبر جبالها وممراتها الى بخارى، ومنها يتجه الى حلب فموانئ البحر المتوسط، او الى بغداد وديار بكر[16]، من دون ان يشير الى تفرعاته نحو آسيا الصغرى فاوروبا.[17]

وفي هذه الفترة التاريخية ما بين 205ق.م. الى 226م. كانت الطرق آمنة اجمالا لأنها كانت تخضع لسيطرة اربع دول كبرى هي : الامبراطورية الرومانية في اقصى الغرب، والصينية في عهد اسرة هان (206-220ق.م.) في اقصى الشرق، وكوشان الهندية ( حوالى40-220م.) التي كانت تسيطر على شمال الهند وافغانستان، ودولة الفرثيين في بلاد فارس وجوارها (حوالى 250ق.م.-226م.).[18] ويبدو ان موقف تلك الدول كان مشجعا للمبادلات التجارية لما فيها مصلحة للجميع. وفي هذه الحقبة التاريخية نشأت وانتظمت الطرق المعروفة بطريق الحرير. وكان اي خلل في العلاقات بين هذه الدول او بروز الضعف في واحدة منها يهدد بقطع تلك الطرق بحيث تصبح عرضة لقطاع الطرق المتعددي الانتماءات. وهذا ما حصل في اواسط القرن الثاني الميلادي حين اختل الوضع الامني في اواسط آسيا ما جعل التجار لا يجازفون بكثرة في ارتياد طريق الحرير. ولم تكن العلاقات السياسية دائما جيدة بين الامبراطورية الفرثية (البارثية) التي كانت تشغل الرقعة الجغرافية الممتدة من حدود افغانستان اليوم الى نهر الفرات وتسيطر على الجزء الشمالي الشرقي من الخليج العربي، والامبراطورية الرومانية. وكلما اختلت كانت تقع الحرب وبالتالي ينقطع الطريق البري. وقل الامر عينه عن علاقتها مع دولة كاشان في شمالي الهند.[19] وكانت الحوادث الامنية تتكرر على الطريق المذكور في أكثر من مناسبة؛ ومنها هجوم قبائل الهون على لويانغ وتدميرها سنة 311م.، واحتلال قبائل الهياطلة التركية الجزء الشمالي من الصين.[20]وازداد طريق الحرير صعوبة بسبب الجبال المرتفعة وثلوجها، والصحارى الواسعة وجفافها، وبتربص اللصوص بالتجار…”[21]

لم تكن حاله افضل خلال العصور الوسطى خصوصا بعد الضعف الذي اصاب الخلافة العباسية وسبب باتشار الدويلات العرقية والمذهبية على اطرافها الشرقية وفي مصر وبلاد الشام.[22] اذ صار الامان عليه يخضع لمزاج حكام الدول او الدويلات المسيطرة عليها، ولتعديات القبائل المتنوعة الاعراق التي كانت تضرب رحالها في سهوب تلك البقاع. وقد استمر هذا الامر على هذا النحو حتى اواخر العصور الوسطى ومطلع العصور الحديثة[23].

وفي المقابل كانت هناك طرق بحرية تضاهي الطرق البرية مسافة انما اقل خطورة رغم المصاعب التي كانت تنجم عن العوامل الطبيعية وعمليات القرصنة، مما جعلها الاكثر ارتيادا. ولعل من ابرزها الطريق الذي” يصل موانئ البحر الاحمر وجزيرة العرب الجنوبية، مثل عدن وقنا (عش الغراب) ورأس فاتك، ورأس غودفروا في القرن الافريقي وموانئ الخليج العربي في الجهة الغربية من المحيط الهندي بالموانئ الهندية الواقعة في الساحل الغربي لبلاد الهند…وبموانئ سيلان.”[24] ذلك ان عمليات التبادل التجاري بين شواطئ الهند الغربية، وسواحل بلاد فارس، وشطآن الخليج العربي وجنوب الجزيرة العربية، والبحر الاحمر ومصر والقرن الافريقي كانت نشطة[25]. والتجارة البحرية كانت أكثر تنوعا وغنى لكثرة انتشار المحطات التجارية البحرية التي كانت تتغذى بالسلع من المناطق الداخلية[26].

ويشرح الدكتور زيادة علميا اهتمام الحكام القدامى مثل داريوس (دارا) والاسكندر بالطرق البحرية وتحديدا الطريق بين مصب نهر السند وبلاد العرب.[27] ويعتبر ان النقل البحري بين جنوب الجزيرة العربية وافريقيا من جهة وبلاد الهند من ناحية ثانية تبدل في العقد السابع من القرن الاول الميلادي نحو الافضل بسبب اكتشاف هيباليوس مسيرة هبوب الرياح الموسمية[28]. ناهيك ان اسبابا اخرى ادت الى ازدهار الطرق البحرية على حساب مثيلاتها البرية، وكان اولها: اضطراب الامن في اواسط آسيا ما جعل الطريق محفوفا بالخطر، وثانيها ان عرب جنوب الجزيرة احتفظوا بسر المهنة البحرية[29] وتعرفوا الى المسالك المائية الاكثر امانا وقاموا بدور الوسيط التجاري الى ان اكتشف هيباليوس مواعيد هبوب الرياح الموسمية. اما السبب الاخير فهو ان السلع الهندية بما فيها التوابل والاحجار الكريمة والاخشاب النفيسة كان التجار العرب يدفعون ثمنها ذهبا[30]. ونلاحظ بوضوح تركيز الدكتور زيادة على محورية العرب في ازدهار التجارة العالمية في تلك الفترة.

واعتقد ان المحطات التجارية المتنوعة على الطرق البحرية شكلت عوامل مساعدة لتطور التجارة عليها، فضلا عن دوافع سياسية واقتصادية تمت على مراحل وسنذكرها تباعا وفقا لجدول مؤرخنا: شكّل قيام الدولة الساسانية عام 226م حدثا تاريخيا مهما لأنها بدأت تتوسع شرقا فاستولت على دولة كوشان الهندية، وشبه سيطرت على قسم كبير من الطريق البري الممتد من شمال الهند الى بلاد فارس. ما مكّنها من السيطرة على طريق التركستان الصيني وتفرعاته، واهمها الطريق الذي يصل الى حوض السند[31].

وعمل الساسانيون على اصلاح موانئ على الخليج العربي، والافادة من تجّار موانئ كوشان في شمال غرب الهند. ولعل الوهن الذي اصاب الامبراطورية الرومانية اضعف دور مصر التجاري مما سمح للساسانيين انتزاع هذا الدور. واكتملت سيطرتهم على التجارة البحرية عندما استولوا على اليمن عام 575 م. وبسطوا سلطانهم على مدخل المحيط الهندي الغربي.[32]

ويعزو الدكتور زيادة ايضا انتعاش الطريق البحري لاسباب ساسانية محضة؛ ان سيطرة الساسانيين على معظم الطريق البري دفعهم لاحتكار تجارة الحرير الصيني بالكامل، فحرصوا على منع التجار من عبور الطريق المذكور. ومن ناحية ثانية ادركوا ازدياد طلب الصين الجنوبية على السلع الغربية فقاموا بدور الوسيط التجاري عبر سيلان (سريلانكا)[33] وبالتالي صارت سيطرتهم على التجارة مع الشرق الاقصى شبه تامة.[34] 

من خلال هذين البحثين تمكّن مؤرخنا من اعطاء صورة الى حد بعيد واضحة عن التجارة المثلثة المحاور في العصور القديمة. ويمكننا اعتبار ما اورده من مقالات في كتابه “مشرقيات” مقدمة لتطور التجارة في القرون الوسطى التي سيتناولها في كتابيه:” متوسطيات تجارة وحياة فكرية، وعربيات لغة وحضارة”، اضافة الى ما وجدته في ارشفيه وعلى الاخص ” التجارة والصيرفة في الفترة من اواسط القرن الرابع الى اواسط القرن السادس/ العاشر- الثاني عشر م.”

ويمكن تقويم مفهوم الدكتور زيادة للتجارة في العصور القديمةبالميزات التالية:

1 – محورية الجزيرة العربية فيها واستئثار العرب بتجارة المحيط الهندي لمدة طويلة.

2 – ابراز اهمية طريق الحرير ودوره في التجارة العالمية، وتأثيره على العلاقات السياسية والعسكرية بين الدول المتصلة به. وعندما كان يختل الامان عليه، او عندما ايضا حاول الساسنيون احتكار تجارة الحرير انتعشت الطرق البحرية الموازية له.

3 – ادى اكتشاف هيباليوس لمواقيت هبوب الرياح الموسمية الى اطراد التجارة البحرية. 

ثانيا: تجارة العالم الاسلامي في العصور الوسطى: في هذا المدى التاريخي الطويل سأحاول دراسة التجارة في المشرق العربي فقط وعلاقته باوروبا من جهة والشرق الاقصى من جهة ثانية. لأننا اذا اردنا دراسة استنتاجية التجارة في شمال افريقيا والاندلس والصين لتطلب ذلك كتابا بحد ذاته. وساراعي في هذه الدراسة الاستنتاجية التوالي الزمني قدر المستطاع مستفيدا من كل ما تركه عنها مؤرخنا الكبير.

الوضع العام في العالم الاسلامي: لعل من ابرز الابحاث التي كتبها الدكتور زيادة هو” التجارة الاسلامية منذ القرن الثاني الى السابع الهجري”[35] وهو يتماثل الى حد بعيد مع ما وجدته في ارشيفه ” التجارة والصيرفة…” يدرس فيهما التجارة العالمية بشكل عام مركزا على علاقات المشرق العربي مع الشرق الاقصى من جهة، ومع بعض الغرب الاوروبي من جهة ثانية، هذا اضافة الى عدد آخر من الابحاث التي تصب في خانة البحثين المذكورين وتتمهما خصوصا ما كتبه عن الاسواق العربية، والادارة في العهد الاموي، وتكتمل الحلقة التجارية ببحث التجارة في العهد الصليبي. ولكي نفهم تصوّره للعلاقات التجارية خلال العصور الوسطى سأعمد دراسة استنتاجية مبنية على التداخل بين ابحاثه الموزعة على عدد من مؤلفاته لأن بعضها يتمم البعض الآخر ويضيء عليه.

يمهد لموضوع التجارة في المشرق العربي خلال العصور الوسطى بمقدمة واسعة جدا يتناول فيها تطور الاوضاع السياسية في العالم الاسلامي منذ قيام الدولة العباسية عام 132/750 وحتى مجيئ المماليك الى السلطة سنة 648/1250 تضع القارئ في صورة جليّة لتطور الاحداث السياسية واثرها على العلاقات الاقتصادية خصوصا بعد التجزئة التي مزقت الخلافة العباسية الى دويلات. وبرأيه لم يكن التفتت السياسي يؤثّر سلبا على الاوضاع التجارية، لأنه ادى بطرق عديدة الى تطوّرها، موائما بين الانعكاس السلبيني لاحتلال الصليبيين للسواحل الشامية على المستوين السياسي والعسكري، وبين التطور الايجابي للحركة التجارية العالمية التي ازدادت زخما باشتراك الايطاليين فيها[36].

وبعد ان يعلل دور طريق الحرير في الحركة التجارية يعتبر ان سلبياته ادت الى تطور خطوط الملاحة البحرية بين الخليج العربي والبحر الاحمر من جهة، والشرق الاقصى من جهة ثانية، لا سيما بعد ان احتكر الساسانيون تجارة الحرير، الامر الذي ادى الى نشاط تجاري كبير في المحيط الهندي، بحيث برزت سيلان (سريلانكا) كمركز تجاري مهم بل وسيط تجاري يعمل لصالح الساسانيين[37]. ما يعني ان مؤرخنا يؤسس للمسار التجاري في العصور الوسطى بما كان عليه الوضع خلال العصور القديمة القديمة معتبرا ان تطوّر الاحداث السياسية يؤدي الى تحولات جزئية فيه. وتوكيدا لهذه الرؤية يعمد قبل ان يشرع بدراسة التجارة الى تحديد اهم العوامل التي اثرت في تطوّرها منذ القرن الثاني/الثامن الى القرن السابع/ الثالث عشر م. :

 اولا: النمو السكاني الناتج اساسا عن انتشار الامن والسلام في ربوع العالم الاسلامي، وعن الهجرات السكانية الداخلية والخارجية المتكررة عبر القرون الاربعة المعنية. فقد ساهمت هجرات القبائل المتنوعة الاتنيات ولا سيما تلك التي دخلت في جيوش الخلافات (جمع خلافة) الاسلامية مثل بربر شمال افريقيا في جيوش الفاطميين، والاتراك والاكراد والفرس الديالمة في جيوش العباسيين والفاطميين على حد سواء… فضلا عن الرقيق الذي حمل الى اكثر من دولة او دويلة على اثر تفكك الخلافة العباسية الى دويلات، ناهيك ان هذه اسست حواضر او عواصم لها وصارت بحاجة الى الاساليب الحضارية المتنوعة[38]، ما ادى الى اغناء الارياف والمدن اقتصاديا على حد سواء.[39] ويُذكَر في هذا الاطار امران: تجمع السكان في المدن الكبيرة التي اعتادت بعد الفتوح وبناء المعسكرات، التي تحولت بدورها الى مدن كبرى، على حياة الترف والتمتع بالسلع المتنوعة. ويساق الامر عينه على المدن التي استحدثت لضرورات سياسية وغيرها كبغداد وسر من رأى وواسط، والقاهرة الفاطمية. وشمل النمو السكاني ايضا معظم مدن الساحل من شمال افريقيا الى انطاكيا. ومن الواضح ان سكان المدن هم احوج الى السلع الصناعية من سكان الارياف. ومعلوم ان الحضارة التي تمتع بها السكان في العالم الاسلامي “كانت عالية جدا فقد عرفوا السلع الاستهلاكية من طيوب وعطور وتوابل واقمشة حريرية وقطنية…وازدات حاجات الناس.”[40] واقتضى كل ذلك انتعاش الارياف لسد متطلبات المدن والحواضر.

وتطلبت الجيوش التابعة للدويلات مواد غذائية أكثر وصارت بحاجة الى الطراز بشكل أكبر ومستمر، والى خيول واسلحة، تطلبت صناعة تلك السلع مواد اولية كالحديد والجلود للتروس ومعظمها كان يستورد من الخارج.[41]

وكانت العناية بالطرق من العوامل المساعدة  بنمو التجارة خصوصا تأمين طرق الحج من مختلف المناطق،[42] الذي انصب الاهتمام عليه منذ العهد الاموي؛ فالخليفة الوليد بن عبد الملك بنى عليه المستشفيات والخانات وحفر الآبار لتأمين المياه[43]

ويمكن ان نضيف اليها المشاكل الاقتصادية التي سببتها جيوش الدويلات التي نشأت في رحم الخلافة العباسية من حيث اعتمادها على انظمة الاقطاع العسكرية، وسوء استغلالها للارض ما اضعف الزراعة والصناعة[44].  ويشار في الاطار عينه الى ازدهار معظم المدن المرفئية على ساحل بلاد الشام التي قامت فيها حكومات محلية في ظل الضعف الذي اصاب الخلافتين العباسية والفاطمية على حد سواء، جراء خضوع الخلفاء في بغداد لسيطرة الحكام الاتراك والفرس الديالمة ثم السلاجقة، وفي القاهرة لسلطة الوزراء الفاطميين.[45] .

الطرق التجارية: هي مدخل اساسي لدراسة التجارة فعبرها يتم نقل السلع وانتقال التجار. ان الطرق التجارية البرية والبحرية بين الشرق الاقصى والغرب الاوروبي عبر الجسر البري المتمثل بقسم كبير منه بمصر وبلاد الشام قديمة جدا، واستمرت هي عينها منذ ما قبل الميلاد وحتى اواخر العصور الوسطى على الاقل مع بعض التبديل المؤقت، الذي كان يطرأ على قسم من مسار بعضها لاسباب متنوّعة لعل من ابرزها الصراعات العسكرية للقوى السياسية المنتشرة عليها، وما ان كانت تنتهي اسبابها حتى تعود حال الطرق الى مجراها الطبيعي[46]. وقد اشار الدكتور زيادة الى هذا الموضوع مركّزا على طريق الحرير بشكل اساسي. اما الطرق الاخرى فقد تناول بعضها بشيئ من التوسيع ومرّ على البعض الآخر بصورة سريعة ومتقطعة.

ويبدو انه لم يكن يهتم بتتبع مسار كل طريق على حدة بدءا من احد الموانئ او المحطات التجارية الرئيسة وصولا الى ميناء آخر او محطة تجارية اخرى ذاكرا كل محطاته الاساسية والتفرعات الاساسية المنطلقة منه. بل يذكر مراحل من طريق محدد شأن كلامه على الطريق بين ساحل ملبار وبعض الموانئ على البحر الاحمر، ليعود في مكان آخر ومناسبة مختلفة الى الكلام على القسم المكمل له والذي يربطه بمحطة تجارية كما في حديثه على الطريق الذي يربط موانئ البحر الاحمر بدمشق مثلا[47]. ويعطي اهمية للطرق المنطلقة من مرافئ بلاد الشام بحيث ان لكل منها ممر طبيعي يصله بالداخل:”فالسويدية لها منفذ الى انطاكيا وحلب، واللاذقية يطل عليها ممر لسهل الغاب وحماه…”[48]  اما الطرق في بلاد الشام الشمالية فان اكثرها :” كان يتصل بآمد (ديار بكر) ومن هذه تخرج طرق تتصل بمعظم الثغور التي بازاء بلاد الروم.”.[49] ورسم بتفصيل طريقا رئيسيا يصل بغداد بدمشق وهذه بالقاهرة: يخرج الاول:” من بغداد الى الموصل ومدينة بلد بحذاء دجلة…فالى سنجار ونصّيبين ورأس العين والرقة ومنبج وحلب وحماه وحمص وبعلبك ودمشق. ومن هذه الى طبرية والرملة بالقاهرة.”[50] لم يتناول كل طرق القوافل او البرية بالتفصيل، فقد ذكر بعضها من خلال نصوص حرفية استقاها من الرحالة والجغرافيين العرب.[51] او مستفيدا من نصوصهم كما في رسم الطرق التالية المستوحات من ابن خرداذبه:- قنسرين-حماه-حمص-جوسية –دمشق

– طريق الحج من دمشق- ذات المنازل- عمان- تبوك- مدائن صالح (الحجر)- وادي القرى- الرحيبة- ذي خشب- المديتة المنورة – مكة المكرمة.

– طريق الحج المصري: كان يلتقي بطريق الحج الشامي في وادي القرى.[52]

ومن الجدير ذكره ان القوافل كانت تسلك طرقا شبه ثابتة تربط بين مختلف محطات وموانئ مصر وبلاد الشام والعراق وصولا الى بلاد فارس عبر الهضبة الايرانية، ومنها الى آسيا الصغرى.[53] وقد انتشرت عليها الخانات من اجل اراحة التجار ودوابهم، وكانت تتم فيها ايضا مبادلات تجارية بين تجار من جنسيات متنوّعة[54]. وقد ذكر الرحالة والجغرافيون العرب معظم طرق القوافل بشكل مفصل، استفاد من مؤلفاتهم بعض المستشرقين الاوروبيين والاميركيين ليرسموا الخطوط التجارية الداخلية. وقد ركز بعضهم على الخطوط المؤدية الى المرافئ اللبنانية والفلسطينية بسبب اهتمامهم بالتجارة في العهد الصليبي من جهة، وبالتجارة مع الغرب الاوروبي من جهة ثانية في مختلف العصور.[55] ولم يفصّل الدكتور زيادة مسالك كل الطرق التجارية اعتقادا منه انها كانت مطروقة منذ القدم وقد باتت معروفة[56]. واهتم بالناحية الامنية عليها فاوضح انها كانت محمية من قبل السلطة السياسية كونها عصب الادارة وسبل الاتجار التي تدر على بيت مال المسلمين اموالا طائلة بفعل التمكيس[57]، ومن جهة ثانية كان كثير منها يشكل طريق الحج الذي يعتبر الامان عليه واجبا دينيا لتأمين وصول الحجيج سالمين الى بيت الله الحرام. وكانت العناية به قديمة جدا تعود الى بدايات الدولة الاموية خصوصا في عهدي الوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، حيث تم فيهما حفر الآبار وبناء الخانات والبيمارستانات على الطريق المذكور [58]. اضافة الى ذلك اتسمت الطرق التي تصل بلاد الشام بالحجاز بميزات محددة: فالمنطقة كانت مأهولة بالسكان منذ العهد الروماني واستمرت كذلك مدى العصور الاسلامية. وقد اقيمت القصور الاموية على الطرق التجارية او على ملتقاها.[59] ان كل ذلك عزز الامان برأيه على طريق الحج.

الموانئ والمحطات التجارية: تعتبر الموانئ والمحطات العصب الثاني للتجارة، وقد تحدث مؤرخنا الكبير عن معظم الموانئ التي كان لها ارتباط تجاري بمنطقة الشرق العربي وتناول ادوارها التجارية عبر مختلف العصور بدأ بفترة ما قبل الميلاد وحتى اواخر العصور الوسطى. ووجد انها تتمحور حول ثلاثة مراكز رئيسة هي: موانئ الخليج العربي وجنوب شبه الجزيرة العربية والبحر الاحمر، والموانئ المتوسطية، واخيرا موانئ الشرق الاقصى التي كانت لها علاقة مع مثيلاتها في الخليج العربي بخاصة تلك المنتشرة على ساحل ملبار الهندي. ولم يكتف بابراز اهميتها الجغرافية بل تحدث عن انواع السلع التي كانت متوفرة فيها أكانت منتجة محليا او مرسلة اليها من مناطقها الداخلية. وتكلم احيانا على بعض الموانئ الافريقية التي كانت تزود مرافئ جنوب شبه الجزيرة العربية بسلع افريقية بما في ذلك تلك المنتشرة على البحر الاحمر.لم يصف الحركة التجارية فيها الا فيما ندر مستعينا بالرحالة العرب.

موانئ الخليج العربي والبحر الاحمر: تعددت هذه الموانئ وتراوحت منزلتها من حيث الاهمية تبعا للقرون والعوامل السياسية. فكان بعضها يزدهر لفترة قد تطاول القرنين من الزمن ثم تخبو اهميتها لصالح موانئ اخرى شأن كلامه على: سيراف (خلال القرنين الثالث/التاسع والرابع/العاشر م، وقيس او كيش التي عملت خلال القرون: الخامس والسادس والسابع/الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر م. وهرمز التي صار لها مركز الصدارة منذ القرن السابع/الثالث عشر[60]. اما الموانئ جنوب الجزيرة العربية فكانت: عدن وجدة والجار وقنا وصُحار ومسقط وظفار وقلهات[61].

موانئ البحر الاحمر: كان ابرزها عدن وعيذاب وسواكن وكانت على اتصال دائم بمثيلاتها في المحيط الهندي.

موانئ البحر المتوسط: وقبل ان يتحدث عنها رسم اطارا سياسيا عسكريا بحريا للعرب والبيزنطيين؛ مظهرا ان قوة العرب البحرية خلال القرن العاشر بدأت تتأرجح وتميل نحو الضعف، وفي الوقت عينه قويت نسبيا القوى البحرية البيزنطية بحيث بلغ تعداد سفن الاسطول البيزنطي ألفي سفينة حربية و1360 سفينة تموين. وتمكنت هذه العمارة البحرية الضخمة من احتلال جزيرة كريت سنة 350/961 . وعلى رغم انتصار هذا الاسطول على الاساطيل الاقليمية سنة 379/989 فان بعض الوهن داخله[62]. وتوضيحا للصورة العامة في المتوسط يشير الدكتور زيادة الى ان مقابل والوهن الذي لحق بالاساطيل الاسلامية والبيزنطية ارتفع شأن اساطيل الجمهوريات الايطالية ولا سيما البندقية وجنوا وبيزا  مما سيكون له تأثير مهم على الوضع التجاري في المشرق العربي والاسلامي[63].

كانت بيروت وصور وعكا من ابرز الموانئ المتوسطية وقد استقى المعلومات عنها من ثلاثة رحالة اثنين اروبيين اضافة الى ابن جبير[64]. ومن الموانئ المتوسطية المهمة الاسكندرية ودمياط. وكانت جميعها لها علاقات تجارية مهمة مع معظم مدن ودول الغرب الاوروبي[65]. وهو لا يتحدث بالتفصيل عن الموانئ المشرقية في البحر المتوسط او يتناول كل ميناء على حدة بل تحدث عنها بشكل عام عندما درس التجارة الصليبية في المشرق العربي، وفي كلامه على اهمية طبيعة بلاد الشام اذ يقول:” فالموانئ التي تقع على ساحل المتوسط والتي تستقبل السفن واحمالها، تنتهي كل منها عند ممر يصلها بالداخل”[66]. ويربط انتعاش الموانئ المتوسطية باسباب ازدهار التجارة الايطالية الناجم عن تطوّر الصناعة في اوروبا بحيث صار بامكان التجار الايطاليين مبادلة السلع الاوروبية بسلع مشرقية خصوصا بعد ان قل وجود الذهب والفضة.[67]وهوينقل عن بيغولوتي من دون ان يذكر كتابه ان 183 صنفا من السلع كان يتم تبادلها في منطقة البحر المتوسط[68].

موانئ الشرق الاقصى: كان من ابرزها: كلا الواقعة في الجهة الشرقية من بحر كندهار (خليج البنغال)، وهي النقطة الابعد التي استطاع العرب والفرس بلوغها لتسليم سلعهم الى السفن الهندية او الصينية. ويبدو انه كان فيها جالية تجارية عربية.[69]والى جانبها كانت هناك مرافئ اخرى مهمة مثل: كجرات وديو والديبل وقليقوت (كلكوتا) وكولام وسرنديب = سيلان[70].

واذا اخذنا بالاعتبار الطرق التجارية الواصلة بين هذه الموانئ وبين المحطات التجارية الداخلية ولا سيما المدن الكبرى العريقة مثل دمشق وحلب وبغداد والقاهرة والفسطاط وتلك المنتشرة على طريق الحرير مثل بخارى وطشقند…نلاحظ انها كلها كانت تتذود بمختلف انواع السلع ومن مصادر متعددة، وبالتالي لعبت بعض المحطات والموانئ دور الوسيط التجاري، حتى يمكن القول ان محور التجارة العالمية تمركز في المشرق العربي. وهذا يدفعنا للكلام على السلع التجارية.

السلع التجارية: شكّلت السلع لب العملية التجارية، واستفاض الدكتور زيادة بالكلام عليها. فنحن نجد معلوات وفيرة عنها في كل ابحاثه. ان السلع في اساس التجارة وفي تطوّر الموانئ والثغور، ومرتبطة الى حد بعيد بالانتاجين الزراعي والصناعي. ومن العسير جدا الكلام في هذه العجالة على الزراعة والصناعة وتطوّرهما آنذاك. وساحاول رسم صورة موجزة للتفاصيل التي زوّدنا بها الدكتور زيادة عن السلع، محاولا قدر المستطاع الاضاءة على سلع كل منطقة على حدة جاعلا منها مقدمة للكلام على الحركة التجارية.

السلع الاوروبية: كانت السفن الاوروبية وفي مقدمتها الايطالية تحمل الى موانئ الشرق العربي السلاح والزجاج والخمور والحديد والاخشاب والاقمشة التي تطوّرت صناعتها في اوروبا بشكل جيد خصوصا الفرنسية والفلمنكية[71]. والمعادن المتنوعة ومنها النحاس والقصدير والزئبق والزنك وسبائك الفضة، والكتب المختلفة خصوصا الدينية، والجلود والفرو[72].

سلع مشرقية الى اوروبا: كانت السفن الاوروبية تحمل في طريق عودتها اصنافا كثيرة بعضها من انتاج مشرقي والبعض الآخر مستورد من الشرق الاقصى، ومن ابرز ما كانت تحمله:” القماش الكتاني الطراز والتوابل…والسكر والعسل وزيت الزيتون، والمصنوعات النحاسية واخصّها الادوات المنزلية او الزخرفية من صنع دمشق، والادوات القاطعة من صنع تنّيس في مصر، وحجر الشب من المشرق العربي.” والاقمشة الحريرية ولاسيما تلك التي كانت تصنع بيروت وصيدا وصور وكانت تسمى النيما، والقطنية، والكتانية المصنوعة في جبيل وبيروت وصور واللاذقية، والمصاغ الذهبي والفضي، والفلفل والزنجبيل، وجوزة الطيب ومثيلاتها من الافاويه، والطيوب مثل المسك والعنبر، واللبان والمر ومواد الدباغة والصموغ والمواد الطبية والاقمشة الدمقسية والموصلينية والحلبية، فضلا عن العلب والبراويز والصناديق والمرايا والطاولات المزخرفة جميعها بالعاج[73].

سلع مشرقية الى الشرق الاقصى: كانت اصناف كثيرة مما تستورده منطقة الشرق الاقصى يأتيها من شرق افريقيا عبر الموانئ على البحر الاحمر عموما وقسم اخر من المشرق العربي، وقسم ثالث من اوروبا. ومن ابرز ما كان يصدر الى الشرق الاقصى: زيت الزيتون والاقمشة المصرية والشامية والاقمشة القطنية والصوفية والكتانية، ومصنوعات دمشق النحاسية والبلورية[74]. والذِّبْل والحبوب والذهب واللؤلؤ والعاج الافريقي والتمور[75]

سلع الشرق الاقصى الى المشرق العربي: كانت منطقة الشرق الاقصى تنتج اصنافا كثيرة مطلوبة في المشرق العربي وفي اوروبا ويمكن اجمالها بما يلي: “خشب التيك والحديد الخام والفولاذ، والفضة والاحجار الكريمة ومنها اللؤلؤ السوباري والعاج الهندي والطيوب والتوابل والعطور، والفلفل…ومواد الصباغة والدباغة…والعنبر…واقمشة قطنية وصوفية وصنادل.” والحرير والبورسلين بنوعيه البسيط والمطلي، والشاي، والفولاذ الهندي وخشب الصندل والارز والدهون الهندية. والكهرمان، والذِّبْل (غلاف السلاحف) والمرجان والخمور والارز والدهون الهندية والسكر والعقيق والياقوت الازرق والكحل والقطن. والكافور ومواد طبية والسيوف الهندية ودم الاخوين[76]

لا يمكن فهم الحركة التجارية الا في اطارها العام، المثلث المحاور الشرق الاقصى واوروبا الجسر الذي يصل بينهما ويعني به استاذنا بلاد الشام ومصر.

الاسواق: من المسلم به انه كانت لجميع المدن والمرافئ اسواق شبه دائمة كان بعضها ينشط بوصول السفن او القوافل التجارية اليها. وهي تشكل حسب الدكتور زيادة ركنا بارزا في المجتمع لانها صورة للحياة العقلية والاجتماعية، وكلما تعددت وازدهرت تعكس بالمقدار عينه النشاط في حياة الجماعة، وما ركودها الا نتيجة اضطراب شؤون المعاش والاحوال.[77] والاسواق العربية جعلت المجتمع دائم الحيوية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي لشدة تنوعها واستمرارها طيلة ايام السنة. فكان بعضها موسميا كسوق المربد في البصرة، واسواق بزاغة الى الشرق من حلب، وسوق ابن ادهم في جبلة[78] واسواق الحج، وتلك المتعلقة بهبوب الرياح الموسمية في الشرق الاقصى. وكان البعض الآخر اسبوعيا، ونوع ثالث شهريا، ناهيك بالثابت منها[79]. وكان لكل سوق دور بارز في انتظام الحركتين التجارية والاقتصادية. وكان في بعضها مراكز صناعية او على الاقل مشاغل صناعية شأن اسواق الجوهريين والدباغين والصيادلة والغزالين… وكذلك اسواق عكا وحلب ودمشق [80] ولهذا كانت مسقوفة اجمالا[81]. وهي لعبت دورا بارزا في تأمين تبادل السلع التجارية بين مختلف مناطق العالم القديم.

عوامل التجارة الصليبية: لا يستقيم الكلام على هذا الموضوع بمعزل عمّا كان عليه الوضع السياسي في العالم الاسلامي انذاك؛ كانت الخلافة العباسية قد تمزقت الى دويلات ودول في مصر وبلاد الشام وفي اطرافها الشرقية. ونجح الشيعة الاسماعيليون باحتلال مصر عام 358/969 بعد ان كانوا انشاءوا خلافة لهم في المغرب سنة 297/909 . وتمكّن السلاجقة بعد سيطرتهم على العراق من ارجاع الهيبة والقوة للعباسيين، ولكنهم لم يلبثوا ان ضعفوا ونشأت في كنف سلطنتهم اتابكيات تنتمي اسميا الى السلطنة السلجوقية وكانت في الوقت عينه تتصارع فيما بينها.[82] وعلى الرغم من هذا الوضع المهتز في العالم الاسلامي فان التجارة فيه ومنه واليه بلغت مرحلة مزدهرة جدا في القرنين العاشر والحادي عشر قبل اندلاع الحروب التي سميت فيما بعد (صليبية).

وكان للتجار الغربيين وبخاصة الايطاليين، قبل اندلاعها، تجارة مهمة في المشرق العربي لا سيما في الاسكندرية وبيروت وطرابلس وصور، وينوبوا عنهم اثناء غيابهم وكلاء تجاريون،[83] كانت لهم في الوقت عينه علاقات تجارية مهمة مع القسطنطينية وغيرها من موانئ البحر الاسود ولا ادل على ذلك من المعاهدات التجارية التي عقدت بين الطرفين.[84]

لن ندخل في اسباب الحروب الصليبية وفي جدليتها المتعددة الوجوه والاهداف، انما سنتوقف قليلا عند العوامل الاقتصادية التي دفعت الاوروبيين للمجيء الى المشرق العربي لأنها كانت، على ما اعتقد،  في اساس الهجمة الصليبية، ومكتفيا بنقلها كما رآها الدكتور زيادة.

كانت قوة الاساطيل الايطالية تتطوّر بشكل ملحوظ في مقابل الضعف الذي كان ينال من الاسطولين الاسلامي والبزنطي على السواء، حتى كادت تكون سيطرة الايطاليين شبه تامة في البحر المتوسط. ذلك انه لم يكن لبعض المدن الايطالية كالبندقية مورد رزق سوى التجارة مما جعلها تعتمد بشكل شبه تام على البحر.

وشهدت اوروبا حركة ازدهار اقتصادية ملموسة على اكثر من مستوى، ولعل من ابرز مؤشراتها تطور الزراعة في فرنسا نوعا وكما فازدادت ثروة الفرنج وصار بمقدورهم دفع ثمن السلع المستوردة عينا من انتاجهم الزراعي. وتقدمت صناعة الاقمشة في البلاد الفلمنكية وفي فرنسا وصارت تنقل الى الموانئ الايطالية لتحل مكان السلع المستوردة من المشرق العربي. وجهد المسؤولون في اروربا للاهتمام بالطرق من اجل حسن سير التجارة، ولتأمين انتقال الحجاج الى زيارة اماكن بعض القديسين التي تحولت مراكزهم اسواقا موسمية لتبادل السلع المصنوعة محليا وتلك القادمة من الشرق. وسهّل سك النقود تبادل السلع نقدا عوضا عن المقايضة العينية فتحسّنت العمليات التجارية[85].

 ان هذا التطور الاقتصادي الاوروبي ادى  الى رفاه في المجتمعات الاوروبية التي صار بمقدورها شراء السلع المرتفعة الثمن. وادى نمو المدن في غرب اوروبا ثم في وسطها وكذلك تركيز الصناعة في اسواقها الى ازدياد في زخم التطوّر الاقتصادي الاوروبي بحيث صار سهلا اتقال التجار من مدينة الى اخرى والتمركز فيها حاملين معهم سلعهم[86].

فاذا كانت هذه الاسباب قد شكّلت دوافع لنمو التجارة في اوروبا فان عوامل اخرى فاقتها اهمية واوصلت الحركة التجارية الصليبية الى اوج ازدهارها. واعني بها الامتيازات التجارية، التي حصلت عليها بعض المدن الاوروبية خصوصا الايطالية او”الجمهوريات الايطالية” مثل البندقية وجنوا وبيزا وآملفي… في المدن الساحلية المشرقية بدءا من انطاكيا وحتى حدود مصر لقاء خدمات الايطاليين العسكرية التي لولاها لما اقدم الفرنجة على المجيء الى المشرق العربي ولا تمكنوا من احتلاله.[87]

 كانت جنوا اول المدن الايطالية التي شاركت بالحملة الاولى على المشرق سنة 1097-1098 ثم تلتها بيزا، ولكن الثقل العسري المهم شكلته البندقية فيما بعد[88]. ونالت جنوا مقابل خدماتها كنيسة وسوقا وثلاثين حيا في انطاكيا، وحازت بيزا وآمالفي مثل ذلك في اماكن اخرى. اما البندقية فقد استخدمت قوة كبيرة من السفن والمحاربين وعلى فترات متلاحقة ما جعل حصّتها في المملكة (اللاتينية) حيا بالقدس وربع ميناء عكا وثلث مدينتي صور وعسقلان. ومنح تجار البندقية حرية التجارة في ارجاء المملكة واعفوا من ضرائب في الموانئ والاسواق. هذه الامتيازات جعلت احياء الايطاليين مناطق خاصة وشبه مستقلة ضمن المدن يدير شؤونها قناصل ايطاليين.[89]

الحركة التجارية او الميزان التجاري: ان المعلومات الرقمية حول هذا الموضوع تستدعي العودة الى ارشيف المدن الايطالية، وبما الامر صعب جدا[90] استعاض الدكتور زيادة عنه بالاعتماد على حركة تبادل السلع بالمراجع الاجنبية التي اعتمد بعضها جزئيا على الارشيف المذكور. فقد رأى ان التجارة في الخليج العربي والمحيط الهندي ازدادت زخما بما كان يصلها من سلع الشرق الاقصى المطلوبة في المشرق العربي وفي اوروبا، وبالسلع الاوروبية الموجّهة الى الشرق الاقصى بفعل نشاط الاساطيل التجارية الايطالية، حتى بلغ به الموقف الى القول: ان تجارة بلاد الشام الساحلية اصبحت موجهة نحو الحاجات الاوروبية[91]. وفي الوقت عينه اخذت اوروبا تعنى بتصدير ما تصنعه الى الشرق عن طريق الموانئ الصليبية في المشرق العربي وعبر الاسكندرية ودمياط. ومن ناحية ثانية كانت تلبي حاجات الفرنج من بلادهم ولا سيما الثياب للمناسبات الرسمية، وتعود محملة بانواع السلع المشرقية المطلوبة في اوروبا[92]. ويعتقد مؤرخنا بالاستناد الى مجموع الوثائق التجارية ان تجارة اوروبا مع موانئ شرق المتوسط الشامية في النصف الاول من القرن السادس/الثاني عشر جاوزت مجموع التجارة بين اوروبا وبيزنطة ومصر مجتمعتين.[93]

هذا باختصار كل ما زوّدنا به الدكتور نقولا زيادة حول التجارة المثلثة الاتجاهات: الشرق الاقصى، العالم الاسلامي المشرقي، واوروبا. وهويعتقد ان حجم التجارة اي القيمة المالية التي كان يتم تبادلها بلغت اقصى اتساعها في فترة الحروب الصليبية، علما ان التجارة العالمية قبل ذلك كانت مزدهرة. وبالتالي فان الحروب بين الصليبيين والمسلمين لم تُفْقد التجارة زخمها بل عمل الفريقان على اطرادها[94]، خصوصا ان السفن صارت اكبر واسرع بفعل تطوّر صناعتها، ما جعل الاعتماد  على النقل البحري اكثر جدوى من النقل البري، الامر الذي ادى الى تطوّر الملاحة والطرق البحرية والى تحديد مواعيد ثابتة لرحلات السفن من حيث قدومها الى المشرق العربي وعودتها الى اوروبا، وقد اطلق بعض المؤرخين الاوروبيين على هذه العملية اسم “سفن المدة”[95].

واستطرادا نقول انه لا يمكن فهم الحركة التجارية الا في اطارها العام من حيث وضع البلاد الجغرافي وما حصل فيها من تطوّر او تقهقر في الموانئ والطرق التجارية والسلامة عليها، والاخذ بالاعتبار الوضع السياسي والعسكري تأزيما او مهادنة، ولايفهم ايضا الا في اطار المعاهدات التجارية التي كانت تتم بين التجار والحكام في المشرق العربي، وهذا امر اشار اليه الدكتور زيادة بشكل سريع جدا ومن دون تفصيل. فالعالم آنذاك كما تصوّره مؤرخنا :” هو وريث عالم اقدم تدور حياته الاقتصادية والسياسية وحتى الثقافيةحول منطقتين:… غربية وهي دائرة حوض المتوسط، والثانية شرقية…هي الصين والهند وهذه المنطقة فيها المحيط الهندي وذراعاه الخليج العربي والبحر الاحمر وامتدادته.”[96] ويضيف ان هناك جسرا كان يربط بين المنطقتين تمثّل ببلاد الشام[97]، وكأنه ضمنا يبرز دور الموانئ الشامية في التجارة العالمية، معتمدا نظرية جيوسياسية تقارن بين مرحلتي التاريخ القديم والتاريخ الوسيط؛ ففي الاولى لم يلحظ وجودا لبلاد الشام لأنها كانت جزءا من الامبراطورية الرومانية، واعطاها في الثانية دورا محوريا لأنها كانت في صلب العالم الاسلامي. واكتمالا لصورة الحركة التجارية يضيف:” كان لعالم البحر المتوسط امتداداته…في البحر الاسود…”[98]

الصيرفة

لا تقتصر الحركة التجارية على عملية بيع وشراء السلع او مقايضتها، وعلى الاسواق من حيث توفّر السلع…بل ايضا على مقدار الضرائب المجباة، وكمية النقود المتداولة وانواعها، وعلى حركة الصيرفة، وخضوع كل ذلك الى تشريعات ترعى تطبيقها. ويمكن البحث في الامور المالية واساليبها على ركيزتين: المعاملات الرسمية، والمعاملات الخاصة. ومن العسير فهم الحركة التجارية وموضوع الصيرفة بمعزل عنهما.

 وتجدر الاشارة الى انه حتى القرن الرابع/العاشر كان النقد “في شرق عالمنا فضيا وكان ذهبيا في غربه” ثم صار بعد ذلك ذهبيا في كل التبادل التجاري العالمي.[99]وكان المشرق العربي غنيا ماليا اجمالا وزاد في غناه المالي تدفق الجاليات الايطالية اليه واستقرار بعضهم في المدن الخاضعة للسيطرة الصليبية، وبذلك التقت فيه النقود البيزنطية مع الدينار العربي والنقود التي سكّها الصليبيون مثل الدينار الاسلامي.[100]ان هذا الكم من النقود المتنوعة المصادر والنشاط التجاري المتزايد اوجبا ايجاد مراكز مصرفية، وفي الوقت عينه مؤسسات مالية رسمية. وكانت الجمهوريات الايطالية تملك مصارف ضخمة توزّعت فروعها في انحاء عديدة من العالم بما فيها المدن الصليبية في المشرق ما اسهم قي تسهيل عملية التبادل التجاري.[101]وقابل هذا العمل المالي مراكز مصرفية مشرقية مهمة جدا كانت السبّاقة في هذا الميدان كما سنلاحظ ذلك في الصفحات اللاحقة.

المعاملات الرسمية: عرّفها الدكتور زيادة بما يلي:” تشمل هذه جمع الضرائب من المناطق المختلفة وتحويلها الى العاصمة والقيام باقراض اهل الحكم، والحفاظ على اموالهم الخاصة.”[102]وكان يقوم بمهامها عدد من الموظفين من ابرزهم:

الجهبذ: هي وظيفة قديمة جدا تعود الى ايام الساسانيين، وعُمل بها منذ بدايات الدولة العربية الاسلامية، وافرد لها العباسيون ديوان خاصا. وكان من مهامه استلام الوارد من الخراج وغيره من الضرائب، وتحضير حسابات شهرية وسنوية بالمداخيل.[103]

ادارة الاموال: كانت الاموال خلال العصور الوسطى وفيرة جدا في ايدي التجار وكبار موظفي الدولة. ويعمد هؤلاء ولا سيما التجار الى اخفاء ثرواتهم خوفا من مصادرة ارباب الدولة لها اما بدفنها في الارض او يعهدون بها الى الصيارفة، لأن الجهابذة والصيارفة يقومون بنقل الاموال الخاصة والرسمية ويدينون الاموال للمؤسسات الرسمية وللاشخاص.[104]

كان الصيارفة وغيرهم من الموظفين الماليين ممن يديرون اموال ارباب الدولة يحصلون على عمولة عليها، وينالون ارباحا اخرى تنتج عن اختلاف اسعار النقد، ومن الفوائد على الديون. هذا ناهيك ان هؤلاء كانوا يقومون بجميع انواع التجارة أكان في النقد او في السلع.[105] ويقول مؤرخنا ان :” المعاملات المالية والتجارة والصيرفة كانت مترابطة فيما بينها في ذلك الزمن، ومن التنظيمات التي تمت ايامها انشاء اول مصرف رسمي سنة 301/913″ [106]  . وقد اقتضت الامور والمؤسسات المالية قيام شركات تجارية او مصرفية.

الشراكة: ان كثرة الاموال ووفرتها في القرون الوسطى ادت الى انشاء الشركات التجارية من اجل تسهيل التجارة والحصول على اكبر قدر ممكن من الارباح. واذا كانت الشراكة قديمة العهد عند العرب وترقى الى ما قبل الاسلام، فانها انتظمت في التشريع الاسلامي وقوننتها كتب الفقه.

 ويمكن اعتبار تجارة المفاوضة النوع الرئيس في الاتجار وقد تكون بين شريكين او اكثر، وكل ما يتجر به بيعا وشراء خاص بالشركة، والشركاء مسؤولون بالتساوي، والشريك هنا كفيل.[107]

وتعتبر “تجارة العنان” الوسيلة الثانية للاتجار، واساسها هو كل ما لا تقبله شركة المفاوضة. وقد يشترك في تأسيسها وادارتها طرفان او اكثر، وقد تتخصص بنوع واحد من الثياب، وفي هذه الحال لا يكون الشريك كفيلا.

وكانت الشركات لا تحبّذ نقل الاموال بين الاماكن المتباعدة او من بلد الى آخر بسبب الاخطار المتعددة التي قد تصادف ناقل الاموال على الطرقات، لذلك اعتمد على “الصك” وسيلة بديلة عن الاموال النقدية وهو يماثل الشك في ايامنا. هذا اضافة الى ان التجار قد يحتاجون احيانا الى الاموال فكانوا يلجؤن الى الصيارفة يستلفونها منهم بالطريقة عينها. استخدم الصك في كامل البلاد الاسلامية في الشؤون الكبيرة والصغيرة. كانت الارباح على الصكوك كبيرة جدا لان الصيارفة كانوا يتقاضون درهما واحدا عن كل دينار في صك، وازدادت ارباحهم كثيرا عندما تعاملوا مع الحكومات .[108]

واستخدمت “السُفْتَجة” (مشابهة للصك) كوسيلة اخرى لنقل الاموال وكان معظم التعامل يتم بها بين الجهابذة. والى جانب السفتجة والصك، الذين اعتمدا في نقل الاموال، استخدمت الحوالة في جميع اصناف المبادلات المالية والتجارية اي التعامل بالسلع على انواعها.[109]

كان هناك صنف آخر من التجارة عرف بتجارة الصداقة او الصحبة وهي تقوم بين تجار يعيشون في اماكن متباعدة. وقوامها ان يرسل تاجر بضاعةً الى آخر لا يعرفه شخصيا انما يتمتع بسمعة طيبة، فيبيعها له هذا ويحاول الحصول على اكبر قدر ممكن من الارباح من دون ان يتقاضى عمولة لقاء هذه الخدمة، ومن ثم يرسل ما حصل عليه الى تاجر قريب منه كان المرسل اعتمده وكيلا عنه. وكان هناك صنف آخر من الشراكة عرف بشراكة الاسرة قوامها الآباء والاخوة والاعمام.[110]

وكيل التجار: وقد وجدت فئة من التجار لم تعثر على تجار مراسلين تتعامل معهم فنشأ عنها منصب “وكيل التجار” ويقول فيه مؤرخنا:” قد يكون مجرد رجل عادي يتعامل في تجارات صغيرة، او تاجرا كبيرا يتعامل مع كبار التجار لقاء مبلغ معيّن من نسبة الارباح. وفي هذه الحال يكون هو نفسه تاجرا ثريا معروفا، وتكون له “دار وكالة”…وهو يعتبر نقلا عن Goitein ان منصب القنصل في الجاليات الايطالية نشأ عن المنصب المذكور.[111]ويضيف غويتن ان المدن التجارية الكبرى مثل الفسطاط وصور وحلب… حفلت بالكثير من الوكلاء التجاريين حتى ان بعض البلدات العادية كان فيها وكيل تجاري[112].

توابع تجارة: واقتضت التجارة على اختلاف انواعها تأمين “توابع تجارة” ومنها : استئجار اشخاص لحراسة للسلع ونقلها، او لايداع السلع عند اشخاص آخرين تمهيدا لبيعها او تخزينها لحين الحاجة اليها. وفي مثل هذه الوضعية قد يتطلب الامر تمديد المهلة الزمنية للاعتماد المالي.[113] واقتضت التجارة ومستلزماتها المالية والادارية تشريعات فقهية افتى بها المذهب الحنفي ولا سيما في ما يقتضيه ” تحصيل الربح” من العمل التجاري.[114]

منهج نقولا زيادة في دراسة التجارة والصيرفة:لا يمكن فهم شغف نقولا زيادة بالرحالة اذا لم نكن قد عايشناه واستمعنا الى رؤيته للاحداث والى تعليقاته عليها، او ان نقرأ بامعان مؤلفاته وندخل الى اعماق تفكيره، فهو نفسه كان رحالة بامتياز. ولست اغالي ان قلت، كونني كنت تلميذه وصديقه على مدى اربع وثلاثين سنة، انه زار معظم البلاد والمدن بل الاماكن التي تحدث عنها في مؤلفاته.

ولنستوعب منهجه يجب ان ندرك انه كان شغوفا بعادات الشعوب واساليب معاشها؛ استهوته الاسواق ولا سيما الاسواق العربية ما جعله يولي دراستها عناية خاصة في مؤلفاته، فوصفها بكثير من الدقة من دون ان يهمل الكلام على الانجازات البنائية على اختلاف انواعها وهندساتها المعمارية للبلاد او المدن التي تناولها.

ولعل ما يحدونا لفهم اهتمامه بالتجارة، هو اعتباره لها شكلا حضاريا متطوّرا يتوافق مع نظرته التاريخية المبنية على الولع بدراسة الانجازات الحضارية. فهو قلّما أرخ لمواضيع عسكرية صرفة، وما كان تناوُلُه لبعضها بشكل سريع الا للإضاة على نواح حضارية تخدم موضوعه. لم تكن تهمه التفاصيل العسكرية الا للمعارك التي انتصر فيها من لم يكن يُنتظر انتصاره. كان يركّز على ابداعاته العسكرية الفذة، انطلاقا من اهتمامه بنتائج المعارك الايجابية اوتداعياتها بعد ان يكون تحدث بعمق عن اسبابها.

واذا تفحصنا مؤلفات الدكتور زيادة من حيث التركيب البنيوي نلاحظ: ان معظمها قُسّم الى فصول او نقاط او اقسام رئيسة، يضم كل واحد منها مجموعة ابحاث متجانسة الى حد او متقاطعة مع المحور الرئيس.  من هذا المنطلق لم يدرس  التجارة كموضوع مستقل وفي كتاب تام، بل تطرق اليها من خلال ابحاث كان انجزها منذ فترات بعيدة قدّم بعضها في ندوات او مؤتمرات علمية، والبعض الآخر نشره في دوريات متخصصة، ثم جمعها وفق تجانس مواضيعها ومراحلها الزمنية ووزعها على عدد من مؤلفاته مثل:” مشرقيات في صلات التجارة والفكر ” و”عربيات حضارة ولغة” و”متوسطيات تجارة وحياة فكرية” هذا اضافة الى مقالات موجودة في ارشيفه لم تنشر بعد او ان بعضها على طريق النشر، وهي التالية:” من جنوب الجزيرة العربية الى شمالها” و”اقدم خط بحري في العالم القديم” و”طرق التجارة العالمية ومراكزها” و” التجارة والصيرفة من اواسط القرن الرابع الى اواسط القرن السادس للهجرة”.

لذلك، لا يمكننا دراسة التجارة عند نقولا زيادة على انها كل متكامل وفي كتاب واحد، لأن بعض المواضيع تكررت فيها معلومات ذكرت في ابحاث سابقة او اخرى لاحقة تبعا لتوالي صدورها الزمني. وللاضاءة على دراسة التجارة في التاريخ القديم علينا اعتبار بحث” دليل البحر الارثري” الصادر في سبعينيات القرن الماضي[115] مقدمة لما سيليه من ابحاث تتعلق بالتجارة في تلك الفترة، او انا على الاقل اعتقد ذلك. وقد حاول المؤلف ان يجمع هذه الابحاث بل يصنّفها ضمن الكتاب الواحد الذي تتآلف فيه. ويؤكّد هذه النظرة البحوثُ التي تليه في (مشرقيات) مثل: “تجارة البحار الشرقية في العصور الوسطى”، و:” تطوّر الطرق التجارية بين البحر الاحمر والمحيط الهندي”. ما يعطي دليلا دامغا على ان المؤلف لم يرد دراسة التجارة بشكل متكامل ومطرد بل جزّءها تبعا للعصور وتواؤم ابحاثه معها. وقد تداخلت معلومات الابحاث فيما بينها ما يعني ان مؤرخنا كتبها بالتدرج مستعينا لبعضها الاكثر حداثة بمعلومات استقاها من سابقاتها، مطوّرا الجديدة بمعلومات اضافية اكثر حداثة.

جاءت التجارة في العصور الوسطى كناية عن ابحاث يتطرق كل واحد منها الى موضوع محدد يتناسب مع العناوين المتجانسة في فصل محدد من احد كتبه التي ذكرت، قد يكون عن تجارة منطقة جغرافية او دولة معينة في فترة التاريخ القديم يرقى الى ما قبل الميلاد ويتجاوزه الى ما بعده[116].ولا بد من الاشارة هنا الى ان المقالات في كتبه وارشيفه متداخلة، بل ان بعضها يزاوج بعضا آخر حتى ان مقاطع حرفية او شبه حرفيا استخدمت في اكثر من بحث. ما يجعل كتاباته في موضوع التجارة  ككل تفتقر الى خط محوري واضح يشد اجزائها بعضها الى البعض الآخر ويؤسس الى مركزية الموضوع. فالمحور غير مقسّم الى نقاط رئيسة تستند الواحدة على الاخرى او تمهّد لما سيليها، وتمنع التكرار. وبالتالي فان هذه الابحاث تتحدد بارتباطها بموضوعي التجارة والصيرفة، وبالانتماء العام الى الحضارة التي تشكل عمودها الفقري، وهذا لا يبخسها قيمتها العلمية الراقية ولا فهم مؤرخنا لابعاد التجارة عبر العصور من حيث الطرق التي تبّدل بعضها بفعل عوامل سياسية او ادارية، ومن حيث الموانئ ايضا التي ضعف بعضها وتطوّر بعضها الآخر. وخصوصا انه يتابع مصادر السلع وانواعها واهمية كل منها في التجارة العالمية، ليعطينا معلومات عن اهمية بعض السلع وتطوّر تصديرها منذ ما قبل الميلاد وحتى اواخر العصور الوسطى شأن البخور والمر واللبان والحرير والتوابل والافاويه والاقمشة… ومن الملاحظات المهمة في ابحاث الدكتور زيادة ان كل واحد منها يرسم مصورا جغرافي للبلاد التي يتناولها، فتدرك انك امام جغرافي بارع يهدف الى ايصال المعلومات التي يريد باكبر قدر ممكن من ايضاح الصورة وبايجاز ملفت للانتباه. فمؤرخنا لم يحاول اعادة صوغ ابحاثه في كتاب واحد مبني على معطيات ابحاثه بل اكتفى منهجيا بما ذكرت. ربما ليعرف القارئ بتطوّر تفكيره ومنهجه منذ بدايات حياته البحثية والاكديمية.

يعرفنا الدكتور زيادة باسماء المناطق والمدن التي كانت تشتهر بها عبر التاريخ القديم والوسيط وباسمائها الجديدة مثلا: قنا = بير علي، واورغانا = هرموز، وجزيرة اوركتا = قشم، ونهر أناميس = ميناب، وموزا = مخا، لوكي كومي = الحوراء. [117]وهي ميزة مهمة جدا في البحث الاكديمي تضع القارئ على الخط الجغرافي الصحيح.

ويقتبس احيانا في اسلوبه نهج الرحالة العرب والمسلمين خلال العصور الوسطى، بمنهج جديد يعتمد على وحدة الموضوع والتدرج التاريخي. ويعزز هذا الرأي ايراده في مؤلفاته لمقاطع طويلة جدا مأخوذة بحذافيرها عن الرحالة العرب. اما لغته عربية فهي ممتازة تركيبا واعرابا ووضوحا في الافكار، سلسة خالية من الابهام والتورية والوصف الشاعري، كتبت باسلوب علمي سهل خال من الجفاف.

اعتمد مؤرخنا الكبير في كتاباته حول التجارة على المصادر العربية خصوصا مؤلفات الرحالة والجغرافيين العرب، الذين بوّأهم منزلة عالية للصبر المنقطع النظير على المشقات والمخاوف التي كابدوها في رحلاتهم، ولوصفهم الدقيق للاماكن التي زاروها ودوّنوا مشاهداتهم عنها، ولا سيما ان الدكتور زيادة زار معظم الاماكن التي وردت في مؤلفاتهم. ونبع تقديره لهم ايضا من المعلومات الحضارية التي زوّدونا بها عن الطرق والموانئ التجارية وكل ما له العلاقة بموضوع التجارة.

 ويؤخذ عليه اعتماده بشكل رئيسي على المراجع التي كان يثق بها ولا سيما الاجنبية منها اكثر من استخدامه المصادر. فمثلا استقى معظم معلوماته عن الصيرفة من مرجعين اثنين اجنبيين هما Goitein و Fischel الذين بدورهما استقيا معلوماتهما، على ما اعتقد، من المصادر الفقهية كمؤلفات الطوسي صاحب “النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى”، والسرخسي صاحب ” المبسوط”، والكاساني في ” بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع”[118]وغيرهم.

كان نقولا زيادة يخزّن في ذاكرته الكثير من المعلومات التي استقاها من المصادر والمراجع او من المشاهدات العينية، لذلك قد نقرأ له فقرات بل صفحات احيانا من دون ان نجد فيها هامشا واحدا، بل بحثا تاما من دون هوامش. اذ كان يكتفي باحالتنا على المصادر والمراجع التي تطال البحث المذكور والتي كان قد تبحّر فيها. كان شديد الثقة بمعلوماته، معتمدا على ذاكرة قل نظيرها في تخزين المعلومات لازمته حتى آخر يوم من حياته، كانت قادرة على حفظ الحدث وتخزينه لمدة طويلة بشكله شبه التام. ومما زاد في ثقة معلوماته انه كان يقرأ بطريقة الباحث الواعي فما كان يفسح في المجال لمرور بعض الافكار من دون ان يستوعبها. ومن يطالع كتبه الشخصية التي قرأها ( كان لي شرف الاطلاع على بعضها) يجد انه دوّن ملاحظات على هوامشها اوتعليقات على مؤلفيها خصوصا اؤلئك الذين كانوا يقعون باخطاء على مستوى الحدث التاريخي او الموقع الجغرافي. ولطالما حدثني عن اساليب مؤرخين وكتاب مشهورين كان يأنف من قراءة مؤلفاتهم بسبب صياغتها المتكلّفة، او لان افكارا مبهمة ترد فيها احيانا، واسلوبها غير مباشر ومفرط في التوريات…

رحم الله استاذي الكبير الدكتور نقولا زيادة، الذي اكن له تقديرا واحتراما منقطعي النظير،  وآمل من روحه الطاهرة ومن القراء الكرام ان يغفروا لي هفوات قد اكون ارتكبتها عفوا، او لانني لم افه حقه وقدره العلمي.

انطوان ضومط  


[1] – زيادة(نقولا)، رواد الشرق العربي في العصور الوسطى، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ط2، 1986 سنرمز اليه (رواد)

[2] –  المرجع السابق، ص  92- 94

[3] –  لا ادري اذا كان هذا البحث قد نشر  حتى تاريخه، لأن الدكتور زيادة يشير في اعلى الصفحة الثانية منه  انه اعد للموسوعة العربية المعنونة ” الكتاب المرجع لتاريخ الامة العربية” في المجلد الثالث: الاوج والازدهار، وسأرمز اليه ب تجارة وصيرفة. وقد شاركت انا شخصيا في بحث عن الاقتصاد والمجتمع في عهد المماليك في الموسوعة عينها ولا ادري حتى تاريخه اذا كان تم نشره.

[4] –  زيادة(نقولا)، مشرقيات في صلاة التجارة والفكر، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 2002، ص 87-104 وسنرمز اليه ب مشرقيات

[5] –  مشرقيات ، ص88

[6] –  المرجع السابق ص 88

[7] – مشرقيات، ص87

[8]  – زيادة،(نقولا) مشرقيات ، ص 102.

[9]  –  ” كان العالم…تدور حياته الاقتصادية والسياسية وحتى الثقافية حول منطقتين: المنطقة الواحدة هي الغربية وهي دائرة حوض البحر المتوسط والثانية شرقية وتشمل مساحة اوسع ورقعة اكبر وهي الصين والهند؛ =

=وهذه المنطقة قيها المحيط الهندي وذراعاه الخليج العربي والبحر الاحمر…وكان ثمة جسر بري يوصل بين اجزائهما.”زيادة، مشرقيات، ص 133-134

[10]  –  مشرقيات ص 102 – 104

[11] –  مشرقيات، ص 92

[12] –  زيادة، مشرقيات، ص 105- 115 . لا يشير المؤلف متى اصدر هذا البحث وفي اية مجلة

[13] –  زيادة، مشرقيات، ص 105

[14]  –  المكان نفسه، عربيات، ص 184

[15]  –  زيادة(نقولا)، متوسطيات تجارة وحياة فكرية، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 2002 ، ص 68، وهناك تفاصيل اضافية توضح مسالك هذا الطريق في ” التجارة والصيرفة ” ، يذكر ما حرفيته:” يبدأ من شانغ-آن مرورا ب تشو وآن-هزي…ويتجه الى ميران…وكَشغر ثم الى طشقند وسمرقند وبخارى ومنها الى بغداد.” ص8 ، ولنا وقفة طويلة مع البحثين معا بدراسة طويلة.

[16] – فهمي،( نعيم زكي)، طرق التجارة الدولية ومحطاتها بين الشرق والغرب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1973، ص 154. وسنرمز  اليه ب طرق التجارة

[17] –  المكان نفسه

[18] –  زيادة، مشرقيات، ص 106

[19]  – المرجع السابق، ص122

[20] –  زيادة مشرقيات، ص107

[21] – تجارة وصيرفة، ص 9

[22] –  ضومط، (انطوان) وآخرون، الشرق العربي في القرون الوسطى، الدار اللبنانية للنشر الجامعي، بيروت، 1996، ص135-137،171-172، 182-184 . سنرمز اليه ب الشرق العربي

[23] – Gayet, Le Cours, Histoire du commerce, T II, Paris, 1923, p 315 سنرمز اليه ب Gayet

ضومط،( انطوان)، الدولة المملوكية، التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، دار الحداثة بيروت، ط1، 1980، ص 183 سنرمز اليه ب الدولة المملوكية

[24]  –  زيادة (نقولا)، عربيات حضارة ولغة، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 2002 ، ص 184  سارمز اليه ب عربيات

[25] – زيادة، مشرقيات، ص105

[26]– هناك العديد من المؤلفات التي تناولت هذا الموضوه نذكر منها: – Depping. G. B, Histoire du commerce entre le levant et l’Europe depuis les Croisades jusqu’à la fondation des colonies d’Ameriques.T I et II, T I. pp.33.36, 38,39 ….

المسعودي، (علي بن الحسن)، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق شارل بّلا، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1966 . سنرمز اليه ب مروج

Heyd, W. Histoire du commerce du Levant au moyen age ,T I et II    في اماكن عديدة

[27] – زيادة، مشرقيات، ص 105

[28] – زيادة مشرقيات، ص106

– عربيات ، ص 78

[29] – J. Oliver Thomson, History of ancient geography, New York, 1965, p. 134   Oliverسنرمز اليه

خصوصا ان العرب احتكروا تجارة البخور بنوعيه اللبان والمر، والطيوب والافاويه، والحجارة الكريمة.

[30] –  زيادة مشرقيات، ص 106-107

[31] –  زيادة، مشرقيات، ص 107

[32] –  زيادة، مشرقيات، ص 107

[33] –  المرجع السابق، ص108

[34]  –  يتوسع الدكتور زيادة بالحديث عن التجارة داخل الصين ونحن لن نتعرّض لهذا الموضوع لأن ما يهمنا هو التجارة في المشرق العربي الاسلامي منذ العصور القديمة وخلال العصور الوسطى التي هي موضوع اختصاصنا.

[35] –  زيادة ،متوسطيات، ص 59-118

[36] –  متوسطيات، ص 60-68، 73-74

– تجارة وصيرفة، ص 1-2

[37]  –  زيادة، متوسطيات، ص 68 ، عربيات، ص 168

[38] – متوسطيات، ص 69 ، تجارة وصيرفة، ص 3

[39] –  متوسطيات، ص 69، تجارة وصيرفة، ص 3

[40] – متوسطيات، ص 70

[41] – متوسطيات، ص 70، تجارة وصيرفة، ص4

[42] – متوسطيات، 70،

[43] – متوسطيات، ص 104

[44] –  لمزيد من الاطلاع انظر : ضومط (انطوان)، “ملامح من الاقطاع العسكري في العصور الوسطى”، مجلة المسرة، المطبعة البولسية، بيروت، 1985، العددان 719-720، ص 723-742 وسنرمز اليه ب ملامح

[45] – الشرق العربي، ص 112-114، 135-138،171-174،182-184،235-238

[46] – لمزيد من الاطلاع على الطرق بين الشرق والغرب انظر: طرق التجارة، ص 118، 124، 154، 161 ، وضومط، الدولة المملوكية، ص 182_184

[47] – انظر على سبيل المثال الطريق الذي يربط البحر الاحمر بالفسطاط، متوسطيات، ص 139، وكذلك الطريق بين الخليج العربي والشام، متوسطيات، ص 103

[48]  –  عربيات، ص، 91، 165

[49] –  المرجع السابق، ص 191

[50] – نفسه، ص 190-191

[51] –  عربيات، ص 49-52

[52] –  عربيات، ص 178

[53] –  ضوط، الدولة المملوكية، ص 183

[54] –  ضومط، الدولة المملوكية، ص 184-188، وانظر ايضا: ضومط (انطوان)، ” التجارة الصليبية في المدن اللبنانية” مجلة تاريخ العرب والعالم، العدد  195 كانون الثاني يناير- شباط/ فبراير  2002  والعدد 196 آذار /مارس 2002 وسأرمز اليه ب التجارة الصليبية

[55] –  لقد رسمت انا عددا من هذه الطرق ولا سيما الطريق الذي يصل بين حلب وطرابلس وكذلك الطريق الذي كان يربط بني دمشق وبيروت او صور  معتمدا على ابن خرداذبه و ناصر خسرو والادريسي وابن جبير وابن بطوطة، فضلا عن مراجع اجنبية، انظر: التجارة الصليبية، العدد 196 ص 40-41

[56] – تجارة وصيرفة، ص 5

[57] – المكان عينه، متوسطيات، ص 105، 108، تجارة وصيرفة، ص 5

[58] – متوسطيات، ص 104، عربيات، ص  175، 191

[59] – المرجع السابق، ص 104-105 ، هربيات، ص  179

[60]– متوسطيات، ص 72

[61]  –  متوسطيات، ص 72 ،  عربيات، ص 49-50، تجارة وصيرفة، ص 6

[62]  –  عربيات، ص 131، تجارة وصيرفة، 3

[63] – متوسطيا ت، ص 73، 131- 132، تجارة وصيرفة، 13  

[64] –  متوسطيات، ص 143

[65]  – تجارة وصيرفة، ص  11

[66] – متوسطيات، ص 91 انظر تفصيل ذلك اعلاه.

[67] –  المرجع السابق، 73-74

[68] – متوسطيات، ص 74

[69]  –  متوسطيات، ص 72

[70]  – المكان عينه، تجارة وصيرفة، ص 5

[71] – متوسطيات، ص 132، عربيات، ص 174

[72] –  متوسطيات، ص 75،  تجارة وصيرفة، ص 16

[73] – متوسطيات، ص 100، 102، 133، 153، 148

[74]  –  متوسطيات، ص 137

[75] – عربيات، ص 168

[76]  عربيات، ص 168، 183-184، تجارة وصيرفة 6-7

[77] –  عربيات، ص 147

[78] –  المرجع السابق، ص 148

[79] – عربيات، ص 148، متوسطيات، ص 100، 139

[80] –  عربيات، ص 149

[81] –  المكان عينه، متوسطيات، ص 100-101

[82] – عربيات، ص 209-211 ، متوسطيات، ص  120، 125-128

[83] –  عربيات، ص  212-213 متوسطيات، ص 132 ولمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع انظر: Byrne, E.H Genosese Shipping in the twelfth and thirteenth Centuries Cambridge, 1930, pp.5-6

  • Cahen, C., “Le commerce d’Amalfi avant pendant et après la croisade”, Comtes-rendus de l’Académie des Inscriptions et Belles Lettres, Paris, 1977, pp.29-310, pp.295-296
  • ضومط، التجارة الصليبية، ص 7، 9_10. وهناك الكثير من المؤلفات التي تناولت هذا الموضوع.

[84] – متوسطيات، ص  132

[85]  – تجارة وصيرفة، ص 14

[86] – متوسطيات، ص 132-133،  تجارة وصيرفة، ص 14،

[87] – ذكر الدكتور زيادة بعض تلك الامتيازات بايجاز واضح، انما كانت هناك امتيازات اكبر واوسع ذكرتها مصادر متنوّعة بالتفصيل، انظرها في : ضومط، التجارة الصليبية، وساذكر بعضها في الهامش رقم 89  

[88]  –  زيادة (نقولا)، عالم الحروب الصليبية، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 2002، ص، 247-251  متوسطيات، ص 146، تجارة وصيرفة،  22-23

[89]  –  متوسطيات، ص 146-147 ، تجارة وصيرفة، ص 22-23 . تجدر الاشارة الى ان  الايطاليين حصلوا على امتيازات في صيدا وبيروت وطرابلس وغيرها. وحاول الفرنجة في اوقات عديدة الانقلاب او التملص منها ما ادى الى صراع بينهم وبين الفرنجة، ومن جهة ثانية سببت حروبا في ما بين الجمهوريات الايطالية نفسها. لمزيد من الاطلاع انظر: هايد،(ف) تاريخ التجارة في الشرق الادنى في العصور الوسطى، تعريب احمد محمد رضا، القاهرة، الهيئة المصرية العامة، 1985 4 اجزاء، ج1، 326، 329، سنرمز اليه (تاريخ التجارة). بالار (ميشال)، “الجمهوريات البحرية الايطالية والتجارة في الشام-فلسطين، من القرن الحادي عشر الى القرن الثالث عشر” ضمن كتاب الصراع الاسلامي-الفرنجي على فلسطين في القرون الوسطى، تحرير هادية الدجاني شكيل وبرهان الدجاني، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1994، ص 191، 194. ضومط، التجارة الصليبية، ص 16-20  

[90]  – لضخامة الارشيف ولأن  الوثائق كتبت بالايطالية القديمة

[91] – تجارة وصيرفة، ص 24

[92] –  متوسطيات، ص 149، تجارة وصيرفة، ص 24-25،  وانظر حول التبادل التجاري فصل السلع التجارية

[93] – تجارة وصيرفة، ص 24

[94]  –  متوسطيات، ص 107، 147،

[95] –  متوسطيات، ص 144-145 لمزيد من الاطلاع على موضوع مواعيد السفن او سفن المدة وتطور صناعة السفن انظر: ضومط: التجارة الصليبية، ص 44-45، و الدولة المملوكية، ص 211-212

[96] –  متوسطيات، ص 133-134

[97] – متوسطيات، ص 134

[98] – متوسطيات، ص 134

[99]  –  تجارة وصيرفة، ص، 35

[100] –  ضومط، التجارة الصليبية، ص 43

[101] – التجارة الصليبية، ص  44 ، تجدر الاشارة الى ان الدكتور زيادة لم يذكر هذا الموضوع ولكنني وجدت ان البحث يستدعي التطرق اليه ولو جزئيا.

[102]  –  تجارة وصيرفة، ص 35

[103] – تجارة وصيرفة، ص 37

[104] –  المرجع السابق، ص 38، ولمزيد من الاطلاع انظر المرجعين الذين استخدمهما الدكتور زيادة: الدوري ( عبد العزيز)، تاريخ العرب الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، دار المشرق، بيروت، 1986 ص 168

Fischel, Walter, Jews in the Economic and Political Lief of Medieval Islam, K T A V, Publishing House, New York, 1969, pp. 14-21

[105] –  تجارة وصيرفة، ص 39 ، وتجدر الاشارة الى ان كلمة “الشك” اصلها عربي اشتق من كلمة “الصك” انتقلت الى جميع اللغات العالمية

[106]  – تجارة وصيرفة، ص 39  

[107] –  تجارة وصيرفة، ص 40

[108] – المرحع السابق ص 40

[109] – تجارة وصيرفة، ص  42-43

[110]  –  المرجع السابق، ص 44، كان هناك شركات تجارية اخرى لم يذكرها الدكتور زيادة مثل: شركة الوجوه، وشركة التقبيل، وشركة الابدان لمزيد من الاطلاع انظر: الكاساني (ابو بكر)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، القاهرة، 1910، ج6، ص 57-58 ، والسمرقندي (محمد بن احمد)، تحفة الفقهاء، دمشق، 1964،ج 3، ص1

[111] – تجارة وصيرفة، ص  46 ، لمزيد من الاطلاع حول الصيرفة انظر: المرجع التالي الذي استخمه مؤرخنا بكثرة

Goitein, D. S.” Changes in the Middle East 950-1150 as illustrated by the documets  of the Cairo Geniza” in Islamic Civilization, ed. D.S. Richards. Oxford Cassieres, 1973

[112] –  تجارة وصيرفة، ص 46

[113] –  تجارة وصيرفة، ص 47 

[114] –  المكان عينه

[115]  – زيادة( نقولا)، ” تطور الطرق البحرية التجارية بين البحر الاحمر والخليج العربي والمحيط الهندي، دراسات الخليج والجزيرة العربية، العدد 4، السنة غير مذكورة كاملة(197)

[116] – انظر مثلا فهرس الموضوعات في “مشرقيات” و”عربيات” و متوسطيات”…

[117]  – عربيات، ص  71، 76، 78-79 ، مشرقيات، ص 92 وغيرها في كتبه الاخرى

[118] –  ان هذه المؤلفات وغيرها تبحّرت شخصيا بها، وهي غنية بكل ما له علاقة بالتجارة والصناعة والاحكام الفقهية حولها.

التجارة الصليبية في المدن اللبنانية.

  • مفهوم الحملات الصليبية: ما يزال الباحثون ينظرون الى الحروب الصليبية من زوايا مختلفة ان من حيث اسبابها ودوافعها ، او من حيث تطورها وجدواها ،وبالتالي نتائجها.ولايتطلب موضوعنا الخوض في كل ذلك ، اوانه لايتسع لها. انما من المفيد التأسيس له بالمنطلقات التالية: شكلت الغاية الدينية احدى اهم منطلقاتها ، واسست للمناخ ، الذي شحن العواطف الدينية في غرب اوروبا فانضوت تحت لوائها وتلبية لرغبة البابا جموع غفيرة متناقضة الاهداف والغايات. فانخرط فيها بعضهم مدفوعا بحب المغامرة ، ولاسيما النبلاء وحاشياتهم ، كما توسلها البعض الآخر من الفئة عينها ، ومعظمهم من الوصوليين ، للحصول على اقطاع ، او امارة في المشرق العربي كان عسيرا عليهم تحقيقه في بلادهم الاصلية. وهدفت الفئات الشعبية الكثيرة العدد ، من خلالها ، الغفران والتكفير عن الذنوب ومرضاة لله تبعا للفكر السائد انذاك ، فضلا عن انها توخت الهروب من وضعها المتردي ، ان لم نقل المأسوي.وتوخت البرجوازية ، ان جازت التسمية في ذلك الوقت ، اكتناز ثروات المشرق العربي مدفوعة بحمية مادية فاقت الحمية الدينية.

        ولم يكن بمقدور الفرنجة ، الذين شكلوا غالبية الجيش البري ان لم يكن كله ، تحقيق المشروع بفردهم لافتقارهم على الاقل للاساطيل الضرورية في هكذا مشروع ، الذي تعرف بدايته ولا تدرك نهايته.فكان ان تم الاستنجاد باساطيل الجمهوريات الايطالية وعلى الاخص : جنوا ، والبندقية ، وبيزا.وكان بعض تجار هذه الجمهوريات قد اقاموا علائق تجارية خجولة مع حكام المشرق عامة ، في مصر وبعض الساحل اللبناني وتعرفوا الى ما يمكن ان يقدمه المشرق العربي من ثروات فاقتنص “برجوازيوها” الدور العسكري البحري لتحقيق مشاريع البرجوازية المتعطشة الى الربح الوفير ، خصوصا ان جمهوريتي جنوا وبيزا كانت قد تطورت فيهما الحياة السياسية بطريقة جعلت من العسير جدا وقف تطورهما العسكري ، الذي كانت قد نعمت به البندقية قبل ذلك[1].ومع ذلك جاء انخراط الجمهوريات المذكورة في المشروع الصليبي متفاوتا ، اذ لب بعضها الطلب العسكري مباشرة ، وتريث بعضها الآخر

    وازعم ان تطور العلاقات المادية الناتج عن الحروب الصليبية وتطوره انما يرجع بالدرجة الاولى الى القوى العسكرية ، التي لم تكن تؤمن اجمالا الا بكسب الثروات المالية ، الذي سيطور وضعها الاقتصادي ولاسيما التجاري ، وتاليا قدراتها العسكرية ، التي ستدفعها للسيطرة على غالبية الاسواق التجارية في المشرق العربي وفي اوروبا.

     ويصعب فهم التجارة الصليبية في المدن اللبنانية بمعزل عن مفهوم التجارة الصليبية عامة في حوض المتوسط ، اومن دون التوقف عند العلاقات بين المدن او الجمهوريات الايطالية في ما بينها عداء ووئاما ، كما من دون التطرق للعلاقات عينها بين الحكام الصليبيين انفسهم من جهة ، ومع حكام الداخل المشرقي على تنوعهم في المدى التاريخي[2].كما يفترض فهمها دراسة تطور التجارة المشرقية العربية والاسلامية خصوصا مع الشرق الاقصى ومع بلاد فارس ، التي سيقتصرها هذا البحث على دراسة الطرق التجارية ودورها في تنمية التجارة العالمية.

     وساحاول في هذا البحث التمييز قدر المستطاع بين عدة مراحل شكلت ، بحسب تقديري ، مفاصل الحركة التجارية الصليبية :

  • منذ تأسيس الممالك والامارات الصليبية ، ولاسيما تطورها في القرن الثاني عشر حتى مجيء السلطان صلاح الدين الايوبي .
  •  العهد الايوبي خصوصا عهد صلاح الدين .
  •  واخيرا العهد المملوكي.

آخذا في الاعتبار تطور اساطيل الجمهوريات الايطالية ، وتنوع نقودها ، والمعهادات التجارية مع الحكام الصليبيين من حيث مراعاة تنفيذها وتأثيراتها ، كما تلك التي ابرمت مع حكام المشرق العربي.

      وما تجدر الاشارة اليه بايجاز ، قبل ولوج الحركة التجارية في المدن اللبنانية خلال العهد الصليبي ، هو وضع الفرنجة العسكريين من جهة ، ووضع المدن او الجمهوريات الايطالية المتنافسة تجاريا من جهة ثانية ، فضلا عن حاجة الفرنجة للاساطيل الايطالية ، ما فرض تنازلات من قبلهم لصالح الايطاليين.

الامتيازات التجارية:

  1. حاجة الفرنجة للايطليين: ويبدو ان الحكام الصليبيين ادركوا اهمية المواقع السترتيجية للمدن الساحلية اللبنانية والسورية والفلسطينية والدور التجاري الذي يمكن ان تطلع به ، وكانوا على معرفة بينة بان قدراتهم العسكرية والتجارية كفرنجة غير كافية ابدا للقيام بدور الوسيط في التجارة العالمية ، وكانوا يدركون ايضا حاجتهم الملحة للقدرة العسكرية الايطالية للاستيلاء على الثغور الساحلية اللبنانية والفلسطينية ولاسيما انهم ما كانوا يملكون الاساطيل العسكرية الضرورية لفتحها من جهة ، وللمحافظة عليها من جهة ثانية.

     وبديهي القول ان  الاستيلاء على الثغور المذكورة شكل مسألة حياة او موت بالنسبة للفرنجة على حد تعبير المؤرخ هايد :” فكان امتلاكها وحده يضمن لهذه الدول – أي الفرنجة – اتصالها بالغرب حتى تصلها منه المعونات البشرية والمالية الضرورية لبقائها “[3] .

  • اوضاع الجمهوريات الايطالية عشية الحروب الصليبية : وكان يبرز انذاك في الميدانين العسكري والتجاري معا ثلاث جمهوريات ايطالية يحكمها برجواريون هي : البندقية ، وجنوا ، وبيزا.وادركت كل مدينة ، لشدة التنافس التجاري في ما بينها ، اهمية بناء الاساطيل التجارية واولوية حمايتها من القراصنة من جهة ، ومن منافسيها التجاريين من ناحية ثانية.كما ادركت ايضا اهمية تنظيم الرحلات التجارية . وهكذا اعتمدت البندقية على نوعين من السفن: المستديرة المخصصة للشحن التي تعتمد  كليا على الاشرعة وتستخدم في الشحنات الثقيلة ، والطويلة التي خصصت لاغراض حربية صرفة[4]. اما جنوى فقد اعتمدت ثلاثة انواع : السفن الشراعية فقط ، والشراعية ذات مجذاف او اثنين ، والثالث المخصص للحمولة الثقيلة ويعتمد على عدد من الاشرعة والمجاذيف[5].غير ان هذه النماذج ستتطور خلال القرنين الثاني والثالث عشر لتلائم ازدهار الحركة التجارية المضطرد.كما ان  الوضعين السياسي والتجاري في الجمهوريات الايطالية قبيل الحروب الصليبية اثرا على دور كل منها من حيث الناحيتين الحربية والتجارية. 

أ جنوا : في اواخر القرن الحادي عشر ، كان يحكم جنوا قناصل انتخبهم البرجوازيون الاحرار[6]، ثم شهدت هذه الجمهورية حربا اهلية ادت الى الغاء النظام القديم ، حتى بدت بلا حكام شرعيين.وما كان بوسع برجوازييها تفويت فرصة المشاركة بالحروب الصليبية ، لذلك انتظم بعضهم فيما بينهم ، وتولوا تجهيز السفن الضرورية ، وكان ابرزهم بلا شك ، على حد تعبير “هايد ” الاخوان امبرياكو وبريمس امبرياتشي Embriaco Guillaume et Primus ، الذان سيكون لهما شأن في كونتية طرابلس.[7]وعادت الاوضاع بعد ذلك في جنوا الى ما كانت عليه ونشأت فيها حكومة جديدة شبيهة بحكومة القناصل ، رغم معارضة الاحزاب السياسية ورجال الدين.[8]ما دفعها للمشاركة الفعالة في الحروب الصليبية.وما تجدر ملاحظته ان تجارا جنويين كانوا قد قدموا الى بلاد الشام في العهد الفاطمي ، كما ان بعضهم كان اتى الى الاسكندرية والفسطاط بعد عقود على قدوم الفاطميين الى مصر في عام 969، ويؤكد ذلك نصوص ديوان التجارة الذي يشير الى رسوا سفن جنوية عام 1.7. في ميناء الاسكندرية.[9]مما يعني ان الجنويين تعرفوا الى اهمية التجارة المشرقية ، ما زاد باندفاعهم للمشاركة بالمشروع الصليبي.

   ب-  بيزا : كان وضعها مماثلا لوضع جنوا السياسي اذ بعد عدة صراعات بين الفيكونت ، الذين انضموا الى الكومون ، مع بعض الاسر البرجوازية ، اعترفت كل القوى المتنازعة في بيزا بسلطة القومون البرجوازيين بموجب ميثاق للسلام[10].

      وهكذا انتظم الوضع السياسي في الجمهوريتين جنوا وبيزا ، وصار بامكانهما دخول حلبة الصراع الاقتصادي والسياسي ، الذي كانت البندقية قد مارسته قبل ذلك التاريخ واقامت علاقات اقتصادية في اماكن عديدة في غربي المتوسط ، واخرى خجولة في المشرق العربي على ما يعتقد ” بالار ” [11] ، وعلاقات تجارية بارزة في القسطنطينية.

  ج- امالفي : لاتشير المعلومات التي تمكنت من الاطلاع عليها الى دور عسكري مهم لأمالفي كالادوار ، التي اطلعت فيها الجمهوريات الايطالية الاخرى ، انما دورها التجاري السابق للحروب الصليبية كان ، على مايبدو ، مهما.فهي كانت تربطها بالفاطميين علائق تجارية مهمة تعود الى عام 969 ، ويشير احد نصوص ديوان التجارة الى  وجود مئتي تاجر امالفي في القاهرة على حد تعبير كلود كاهين.[12]

   د- البندقية : كانت احدى اهم الجمهوريات الايطالية ، ووضعها السياسي مستقرا اجمالا قياسا بزميلاتها ، يحكمها دوق ، ويساعده مجلس – من البرجوازيين – ، وكانت تربطها علاقات تجارية مميزة بالدولة البيزنطية ، ولها اسواق فيها.ويرجح ميشال بالار ، انها كانت على علاقة تجارية مع الفاطميين او مع المشرق العربي عامة قبل عام 1095 [13].وقد يكون مرد تريثها بالمشاركة بالمشروع الصليبي الى عدم ترجيحها نجاحه الامر الذي قد يفقدها مركزها التجاري او يضعفه.

   ان التنافس التجاري بين الجمهوريات الايطالية ، وحاجة الفرنجة الملحة لقدراتها العسكرية البحرية جعلا العنصر البرجوازي الايطالي يدخل مسرح الحروب الصليبية من بابه الكبير. فانطلقت السفن الايطالية الاولى باتجاه المشرق العربي تحمل من ثغورها المؤن واسلحة الحصار والجنود الصليبيين[14] متوخية  ان يحتل الايطاليون المركز الاول في العملية التجارية بين الشرق والغرب. ان كل ذلك باعتقادي دفع الحكام الصليبيين لتقديم تنازلات مهمة للجمهوريات الايطالية ، التي كان حكامها مقتنعين بحاجة القادة والحكام الصليبيين لخدماتهم  لذلك كانوا يشترطون ، قبل الاقدام على تنفيذ اية مهمة ، ثمنا لمساعدتهم.وهكذا عقدوا معهم معاهدات لتحفظ لهم حقوقا مشروعة.وما يهمنا في موضوعنا هذا هي المعاهدات التي ابرمها حكام المدن اللبنانية الصليبيين ولاسيما طرابلس وصور وبدرجة اقل بيروت ، وجبيل ، وصيدا.

  • امتيازات الجنويين: ان معظم الابحاث التاريخية التي تناولت الحروب الصليبية تعتبر ان كل الجمهوريات الايطالية شاركت بالحروب الصليبية منذ انطلاقها ، انما الباحث المدقق يلاحظ تفاوتا بين تاريخ ودور وفعالية كل منها ، اذ لبت جنوا الدعوة مباشرة ، وتلتها بيزا ، وتريثت كل من البندقية وامالفي.ويبدو جليا ان العقدين الاولين من الوجود الصليبي في الشرق قد تميزا بالحروب ، التي ادت الى اقامة الحدود بين مدن الساحل – كل الساحل الفلسطين ، واللبناني والسوري – والمنطقة الداخلية التي كان يسيطر عليها الحكام المسلمون ، ما اعاق انطلاق الحركة التجارية في الثغور [15]. وقد يكون لذلك الامر دوره الفعال في حصول الايطاليين على امتيازات واسعة ومهمة ، وقد يفسر ايضا ما ذهبت اليه آنفا أي التباين في مباشرة الجمهوريات الايطالية الاشتراك بالحملات الى الشرق.

      حاولت جنوا ان تكون السباقة لتقطف ثمار مجهودها على حساب زميلاتها ، فلبت الدعوة مباشرة من خلال بعض برجوازييها ، انما حكومة ” الكومبانيا ” القناصل التي نشأت عقب ذلك اتخذت التدابير الضرورية لوضع الاساطيل الجنوية بخدمة الفرنجة.وقام الاخوان امبرياتشي بدور حاسم في هذا المجال ، وجهزا الات حصار بعض مدن الساحلية من خشبهما الخاص.ويمكن التأكيد مشاركة الجنويين الفعالة في العمليات الحربية ما بين 1098 و 1110 ما ادى الى حصولهم على امتيازات تجارية مهمة في الثغور الساحلية التي يهمنا منها طرابلس وصور وبيروت وجبيل وصيدا ، أي المدن الساحلية اللبنانية.[16]

   وقد وقع ملك القدس معهادة اولية مع الجنويين عقب احتلال يافا عام 1110، انما المعاهدة الاساسية ، التي اعتبرت المستند الرئيسي لكل الامتيازات الجنوية في المشرق العربي ، هي التي وقعت بين الجانبين المذكورين سنة 1104 ، مكافأة للجنويين ، الذين وضعوا اسطولا حربيا كبيرا في خدمة الملك بلدوين الاول ساهم بفعلية باحتلال عكا الميناء الذائع الصيت من حيث اهميته العسكرية والاستراتيجية ، وفي احتلال بيروت ايضا ، وقد اجازت للجنويين امتلاك كنيسة في عكا وثلث المدن التالية: ارسوف وقيسارية وعكا ، والتمتع بالسيادة الكاملة على شارع واحد في عكا وفي القدس ، وباعفاءات تامة من الضرائب والمكوس ، كما وعد الملك بتسليم الجنويين ممتلكات وسلع كل جنوي يتوفى في ارجاء مملكة القدس[17].وقد حرص الجنويون على نقش مضمون الامتيازات ، التي نالوها من بلدوين الاول ، خلف مذبح كنيسة القيامة ، بحروف مذهبة [18]، على الارجح كي لا يقدم الحكام الصليبيون في قابل الايام على التنصل منها.

    وقد تجددت هذه المعاهدة واضيفت اليها ملحقات او اضافات حتى بات الجنوييون يتمتعون باعفاءات ضرائبية على البضائع المستوردة من الاراضي الاسلامية ، كما حصلوا على محاكمهم الخاصة خصوصا في صور وفي عكا.[19]

    وحصل الجنويون في عهد يوحنا ابيلين حاكم بيروت على امتيازات مشابهة لما تمتعوا بها في عكا وصور اذ اعفوا من الضرائب والرسوم على الصادرات والواردات ، كما حصلوا على  محكمة خاصة بهم  , [20]  ، وسوق في بيروت نفسها[21]، مستثنيا بعض السلع من الاعفاآت الضرائبية مثل الخزف والزيت.[22] اما  الامتيازات الجنوية في طرابلس فقد تكون الاهم بين الامتيازات الاخرى التي منحها الصليبيون لهم ، بحيث ان الاخوين امبرياتشي مكنوا الصليبيين من احتلال مدينة جبيل سنة 1104 ، فمنحهم ريمون دي سانجيل ثلثها. ثم في عام 1109وقع خلاف بين برتران ابنه وابن اخيه وليم Guillaume كونت سردينيا ، وشارك الجنويون في هذا النزاع وآزروا الاول مشترطين عليه الحصول على جبيل كاملة ، وعلى ثلث مدينة طرابلس.وبانتصاره حصل على الارث ، واتم فتح المدينة ، ولكنه رفض تنفيذ المعاهدة فاحتل الجنويون كامل مدينة جبيل [23]. ولكن هايد يذكر ان برتران اعطى الجنويين ، عوضا عن ثلث طرابلس ، منطقة تعرف باسم ” جبل القائد العام – الهري-Puy de Connetable .[24] وفي سنة 1168 قدم آل امبرياتشي وتحديدا هيو امتيازات تجارية للجنويين تقوم على حرية التجارة والاعفاءات الضرائبية والجمركية[25].ولم يحصل الجنويون على امتيازات تجارية وضرائبية في طرابلس الا في مطلع القرن الثالث عشر في عهد بوهيمون الرابع بدءا من سنة 1205 الذي اعفاهم من ضريبة البيع في اسواق المدينة ، وسمح لهم بمحكمة خاصة بهم[26]

    على الرغم من مساهمة الجنويين في احتلال السواحل اللبنانية والفلسطينية فانهم لم يحصلوا في صور على امتيازات تجارية ، في بداية الامر ، على غرار امتيازات البنادقة ، لانهم لم يساهموا في احتلال المدينة. ولكن الصليبيين احتاجوا الى الخدمات العسكرية الجنوية لتحصين المدينة بعد هزيمتهم في حطين وخسارتهم القدس عام 1187 ، وبالتالي فقد حصلوا تدريجا على امتيازات شبيهة بما حصل عليه البنادقة في بداية العهد الصليبي ، اذ نالوا في بداية الامر محكمة خاصة بهم وسوق وابنية ، كما منحوا  حرية التجارة برا وبحرا. ويذكر الامير موريس شهاب ان كونراد دي مونتفرات ثبت الامتيازات المذكورة وعزز امتيازات الجنويين بمعاهدة جديدة من ابرز بنودها: الاعفاء من الضرائب على المكاييل والموازين ، وحصولهم على حقول متعددة ، وحمامين احدهما للنساء والآخر للرجال ، وفرن ، وسوق ، وعدد من المنازل فضلا عن ثلث عائدات مرفأ المدينة.[27]ويقول الياس القطار ، مستندا الى دسيموني  Desimoni ، انه بفضل دو شمباني حاكم صور اصبح للجنويين في صور محاكمهم الخاصة يتقاضون فيها  بكل ما يتعلق بشؤونهم بما في ذلك الجرائم ، ونالوا جزءا من مكوس الجمارك المفروضة على سلع العبور ( الترانزيت ) ، ولا يدفعون الضرائب على البضائع المعروضة في مخازنهم او المرسلة بطريق البر.[28]كما صار لهم مراكز صيرفة خاصة بهم ، وحمام ، ومجرى ماء لحاجياتهم.[29]ويعتبر انهم تمتعوا بكل تلك الحقوق مقابل حماية حاكم المدينة ، وترميم المرفأ ، وعلى الا يزيدوا طبقات منازلهم او يستحدثوا مسامك وملحمات في حيهم من دون ترخيص مسبق[30].

    البيازنة: من الواضح ان بيزا هي الجمهورية الايطالية الثانية التي وضعت قدراتها العسكرية في خدمة الفرنجة بعد جنوا ، وجاءت امتيازاتهم الاولى في امارة انطاكيا.[31] ومنحوا  امتيازات تجارية وضرائبية في مملكة القدس ، معظمها في المدن الفلسطينية [32].اما في عهد بلدوين الثاني ( 1118- 1131) فقد حصلوا على خمسة بيوت في صور، ووكالة تجارية قرب المرفأ[33] وفي عهد بلدوين الثالث وتحديدا في سنة 1156 على محكمة خاصة ،[34]ونالوا في المدينة عينها فرنا وخمسة افدنة من الاراضي خارجها[35].وكلما كانت تتعرض احدى المدن الصليبية الى خطر محدق يعمد حكامها الى تقديم تنازلات جديدة للايطاليين ، كما يحيون العمل بالمعاهدات السابقة التي كانوا قد اختزلوا عددا من مضامينها.ويتبدى ذلك عندما احدق الخطر بصور في عهد صلاح الدين الايوبي ، ولاسيما قبيل عام 1187  وخلاله ، بخاصة عندما  خسرالصليبيون القدس.لذلك يمكن ان يتوضح دور البيازنة التجاري في المدن اللبنانية من خلال معاهدة 1187 التي ابرمها مع كونراد دي مونتفرات حاكم مدينة  صور، وتضمنت ابرز بنودها :”منح البيازنة قطعة ارض لبناء البيوت قرب الموانىء فضلا عن حمامات وافران ، تعيين موظفين من قبلهم للاشراف على جميع المعاملات التي يقوم بها تجارهم[36] ، واعفاؤهم من الضرائب والرسوم ، ومنح القناصل البيازنة الاستقلال في ادارة كل ما يتعلق بشؤون المستوطنة البيزاوية ، منحهم ايضا سلطات قضائية على مستوطنيهم في كل الحالات ، ما عدا الجرائم الموجهة ضد غير البيازنة[37] ، حماية بضائعهم وممتلكاتهم في حال غرق سفنهم او تحطمها قرب السواحل الصليبية. كما نالوا فرنا وحماما وعدة منازل مع حقولها داخل المدينة.[38] مقابل تقديمهم المساعدة العسكرية لاسترداد مدينتي يافا وعكا من السلطان صلاح الدين الايوبي والدفاع عن مدينة صور ضد محاولات صلاح الدين للاستيلاء عليها[39].  كما حصلوا على حق استعمال المكاييل والموازين الملكية المعفاة من الضرائب .ويضيف القطار بان كونراد دي مونتفرات عزز امتيازاتهم بسماحه لهم العمل على ابواب المدينة وفي مرفئها وفي سوقها لمراقبة حسن استيفاء الضرائب ، واعفاهم ايضا من الضرائب على السفن الغارقة [40].وبذلك اضحت امتيازاتهم في صور تضاهي الى حد ، من حيث الاهمية ، مثيلاتها التي تمتع بها البنادقة والجنويين.

  ولم يحصل البيازنة على امتيازات  في مدينة طرابلس الا سنة 1179 حين وهبهم ريمون الثالث بيتا ،ثم حصلوا على محكمة خاصة بهم كما اعفوا من الضرائب الجمركية[41]

      البنادقة : منذ بداية حروب الفرنجة في الشرق تريث البنادقة فترة [42].ولما وقع امير انطاكيا في الاسر ، وازدادت هجمات الزنكيين ضد الفرنجة ارسل هؤلاء الى دوق البندقية يطلبون النجدة العسكرية على جناح السرعة ، كما تدخل البابا لدى البنادقة للغية عينها [43]، فلبوا  النداء، وقاد دوقها بنفسه اسطولا قوامه مئتا سفينة وانقذ موقف الصليبيين الحرج ، واحتلوا مدينة صور [44]، وبالتالي وقعت معاهدة 1124 بين البنادقة والبطريرك غورمون نيابة عن الملك المأسور، وهي تعتبر اساسا لكل المعاهدات والامتيازات البندقية في مملكة القدس ، وقد فصلها وليم الصوري بكل دقة : يمتلك البنادقة ملكا خالصا كنيسة وحيا وفرنا وطاحونة وساحة في كل مدينة وبارونية خاضعة لبلدوين الثاني وخلفائه.ولهم حق استخدام مكاييلهم وموازينهم ، الا اذا اشتروا سلعا من تجار آخرين ، ومنحتهم المعاهدة استخدام محاكم خاصة بهم يحتكمون اليها الا في حال حصول خلاف بين البنادقة وآخرين فيخضعون عندها لمحاكم الملك.واعفتهم ايضا من الرسوم والضرائب على انواعها في التصدير والاستيراد والمكوث في المملكة ، واستثنت منها الضرائب على نقل الحجاج .كما اقرت لهم بوراثة كل تاجر يتوفى في المملكة ، كما سلع السفن التي تغرق او تتحطم في موانئ مملكة القدس. ومنحتهم ايضا ثلث مدينة صور  وملحقاتها ملكا تاما ، واوجبت على الملك دفع مبلغ 3.. دوكة لدوق البندقية من عائدات مرفأ صور.[45] اما اولى المعاهدات التي وقعت بين الجانبين فكانت في عهد غودفروا دي بيون في تموز عام 1100 عندما قدم اسطول بندقي الى الشواطئ الفلسطينية وتوقف قبالة شواطئ يافا ، وطالب البنادقة مقابل خدماتنهم التي قاربت الشهر عقد معاهدة حصلوا فيها على اعفاء من الرسوم والضرائب الجمركية في مملكة القدس ، وثلث كل مدينة يساهمون في احتلالها، فضلا عن سوق وكنيسة   [46]

بيروت والبنادقة منحهم حنا ابلين حاكم بيروت تشجيعا لتجارة المدينة حقوقا تجارية وامتيازات نصت على الاعفاء من الضرائب الجمركية على بعض السلع.[47]

 جاليات اخرى : حصلت بعض الجاليات الافرنجية والايطالية على بعض الامتيازات التجارية انما في وقت متأخر اذ منح منح كونراد دي مونتفرات الكتلانيين ، وتجار مرسيليا ومونبليه اعفاء من الضرائب على تجارتهم ، وكذلك على موازينهم ومكاييلهم[48] .

 التنافس التجاري وعلاقة الجاليات الايطالية بالحكام الافرنج: ومن الواضح ان الايطاليين لم يتمتعوا بكامل الامتيازات التي نالوها من الفرنجة اذ عمد هؤلاء الى المراوغة للتملص من تنفيذ بنود المعهدات ولا سيما في الفترة التي تلت الاحتلال الفرنجي للمدن الساحلية على امتداد الشواطئ من فلسطين الى اعالي سورية ، وعمد بعض الملوك والحكام في طرابلس وصور وجبيل وبيروت وصيدا – وهي المدن التي تعنينا في هذا البحث- الى التلاعب بمضامين المعاهدات المتعاقبة تحصينا لمواقعهم الاقتصادية وكي يقاسموا الايطاليين الارباح.[49] وتعتبر الامتيازات التي نالها الفرنجة في القرن الثالث عشر تكملة لما كانوا قد حصلوا عليه سابقا منذ مساهمتهم العسكرية الاولى في القرن الحادي عشر انما طرأعليها تحول اثناء حملات صلاح الدين الايوبي التي استرد خلالها بعض المدن وهدد المدينتين اللبنانيتين الرئيسيتين طرابلس وصور [50]، وبالتالي عمد الايطاليون الى الابتزاز كي يعيد الفرنجة العمل بالمعاهدات الاولى وللحصول ايضا على امتيازات جديدة كي يمكن تأمين الحماية العسكرية ليس للمدينتين المذكورتين فحسب بل ايضا لاسترداد المدن التي استولى عليها صلاح الدين.

   ويمكن تسجيل اكثر من ملاحظة في هذا الشأن: ادراك الفرنجة خطورة مشاركة الايطاليين لهم في حكم المدن الساحلية عموما ومنها المدن اللبنانية على اسس فيودالية مما كان يفقدهم دور الريادة والقيادة السياسية ، وقد ادت الامتيازات الى قيام نوع من حكم اقليات ضمن مملكة القدس واماراتها ولا سيما في جبيل ،وفي احياء طرابلس وصور وبيروت التي تقاسمتها الجاليات الايطالية الجنوية والبيزية والبندقية.[51]وان نظرة على الجهازالاداري للجاليات ايطالية في المدن اللبنانية الرئيسية تعطينا فكرة واضحة عن فعالية ذلك الجهاز ، وعن دوره في تقاسم السلطة مع الحكم الصليبي الفرنجي. خصوصا ان الجمهوريات الايطالية ، بعد ان انتزعت الامتيازات من الفرنجة ولاسيما امتلاك الاحياء والمشاركة بالاشراف على الجمارك ، والحصول على محاكم خاصة الخ…، ادركت اهمية ادارة جالياتها في المشرق العربي ،فعينت كل منها مديرا يشبه عمل القنصل اليوم ولقب بلقب خاص. فعرف البندقي بلقب بايلو Bailo وكان مركزه في عكا ويساعده مساعدون في المدن الصليبية الاخرى عرف الواحد منهم بلقب فيكونت [52] ، اذ توجب على كل جالية تملك ثلث المدينة ان تعين عليها حاكما ، وقاضيا ، كانت الدجمهورية التابع لها تدافع عن الحاكم ضد اية اعتدآت[53].ولينا نموذج واضح علىذلك ، اذ عينت جنوا ، عندما امتلكت ثلث جبيل ، اسمه انسالدو كارسو[54]. وقد تمتع البايلو بصلاحيات واسعة جدا: مثل عقد المعاهدات بالنيابة عن دوق البندقية ، والاحتجاج لدى المراجع الصليبية كلما دعت الحاجة الى ذلك ،  وكان يعتبر المرجع الرئيسي لكل الموظفين البنادقة في صور وطرابلس وبيروت وغيرها من المدن الصليبية [55]، ويجهد كي لا يتلقى رعاياه امرا او يلتمسوا عدالة من موظفي الدولة الفرنجية[56].  وكان للبيازنة موظف كبير يدير شؤونهم عرف بالقنصل وكان مركزه في عكا.[57]اما الجنويون فقد احتكر آل امبيرياتشي ادارة جالياتهم لمدة طويلة اي لغاية عام 119. وكان مقرهم في مدينة جبيل.[58]وثم مارس الحكام الجنويون هذا الدور فعينوا قنصلا لتولي المهام الادارية كلها وفيكونتا لتولي الامور القضائية[59] ، وبما ان طرابلس شكلت مركز الثقل التجاري للجنويين ، عينت فيها جنوا فيكونتا تلي رتبته الفيكونت الاعلى[60]. ومنذ عام 1274 استبدل القنصل ب بودستا وحل مكانه في جميع صلاحياته واستقر في مدينة صور.وكان عمل ممثل الجاليات يشبه الى حد كبير دور البايل البندقي ، وبالتالي تعددت الصلاحيات في المدينة الواحدة ، وتضاربت مع الوظيفة الاساسية للحاكم الصليبي ، وادى الى مشاكل جمة ، وكادت السلطة الرئيسية تضيع في خضم تلك الصلاحيات المتداخلة ، ولاسيما ان كل جالية جهدت لتأمين مصالحها التجارية والسياسية.

 ان كل ذلك ، فضلا عن السيطرة الايطالية العسكرية وحاجة الفرنجة المستمرة لهذ القوة العسكرية افقدت الصليببين القدرة على رعاية التجارة بحيث انهم فقدوا السيطرة على التجار الذين ،وفقا لاحكام المعاهدات التجارية، احتكموا الى محاكمهم الخاصة ، وعاشوا في احيائهم الخاصة ، التي كانت ادارتها محض ايطالية  ، وبالتالي فقدوا القدرات الاقتصادية ، التي كان يمكن لو تمتعوا بها بطريقة صحيحة الاستغناء تدريجا عن الوصاية الايطالية.ولعب ايضا في هذا الشأن تصادم مصالح الحكام الصليبيين في ما بينهم من جهة ، ومع ملك القدس من جهة ثانية ، مما زاد الارباك السياسي ، والحاجة الماسة للقدرة العسكرية الايطالية ، التي تماهت في ذلك الصراع جريا وراء مصالح كل جالية ، ما ادى للاحتكام للسيف ، وتاليا تعرض الجالية المنهزمة لفقدان امتيازاتها.

  وعليه يصعب ادراك ابعاد الحركة التجارية الايطالية في المشرق العربي عموما وفي المدن اللبنانية خصوصا الا من خلال التنافس التجاري والعسكري المنوه عنه آنفا. ومن الامثلة على ذلك الصراع الذي حصل ما بين  1190 و1192 بين غي دي لوزنجيان وكونراد دي مونتفرات على عرش مملكة القدس بحيث جهد كل منهما للتحالف مع القوى العسكرية التجارية الايطالية عن طريق تقديم امتيازات جديدة لمن يؤازره. فدعم البيازنة غي ، في حين آزر الجنويون كونراد ، وبانتصار الاخير طرد البيازنة [61]من صور. وتجدد الصراع على العرش عينه ما بين 1193و 1195 بين غي دي لوزنجيان حاكم قبرص وهنري شمبانيا متولي صور الذي آزره الجنويون فما كان من هنري الا ان طرد البيازنة من صور ولم يتمكنوا من العودة الى احيائهم الا بعد ان وقع الصلح بين الطرفين عام 1195[62]

طرابلس:لم تتمركز الجاليات الايطالية بالمدينة فعليا الا في مطلع القرن الثالث عشر او بعيده، ومرد ذلك الى ان حصول الايطاليين على الامتيازات فيها جاء متأخرا قياسا بالمدن الاخرى.

جبيل : سقطت جبيل عام 1187 بيد صلاح الدين واسر صاحبها (من آل امبرياتشي)،وتم استرداد المدينة عام 1193 وعلى الرغم من بقائها تحت سيطرة آل امبرياتشي ،وعلى الرغم ايضا من ان الجاليات الايطالية فيها كانت معفية من كامل الرسم والضرائب ،الا ان تلك الاسرة غدت تابعة لحكام طرابلس.

صور: كان ميناؤها افضل من ميناء عكا لانه يتسع لمعظم انواع السفن[63].وعلى الرغم من ان فيليب دي مونتفرات طرد البناقة منها وعلى الرغم انهم لم يتمكنوا من العودة اليها الا عام 1277 فانهم استمروا في سك الدنانير الذهبية التي تحمل شعائر اسلامية لانها تجلب التجار المسلمين اليها وتسهل التعامل التجاري[64]. وازدادت اعداد الجاليات الايطالية فيها بعد عام 1187 حين حصل الجنويون والبيازنة على امتيازات تجارية وفيرة. وغدا الجنويون اكثر الجاليات الاخرى نشاطا واهمية بسبب مساعدتهم لحكام صور واستمر الامر على هذا النحوا الى حين الجلاء الصليبي عن الشرق

الطرق والسلع التجارية

الطرق التجارية الرئيسة: كان في العصور الوسطى ثلاث طرق رئيسة تربط الشرق الاقصى بالمشرق العربي تراوحت المخاطر عليها تبعا للظروف السياسية والعبات الطبيعية. كان الطريق الاول بحري ينطلق من الصين مرورا بالهند فالخليج العربي حيث يتفرع باتجاهين: غربا الى دمشق، وشمالا الى ديار بكر[65]. اما الثاني فيأتي ايضا من الشرق الاقصى عبر المحيط الهندي الى البحر الاحمر، ثم يسلك اتجاهين: عبر سيناء الى دمشق فموانئ الساحل الشامي، او الى القاهرة[66]. وكان الثالث بريا عبر الهند وجبالها وهو لا يعنينا اجمالا في هذا البحث.

وقد تعددت المحطات التجارية البحرية والبرية على هذه الطرق مما سهّل عبور القوافل عليها[67]. وقد أمّنت تلك الطرق والمحطات بانتظام وصول سلع الشرق الاقصى الى موانئ ساحل بلاد الشام ومدنها الداخلية، وكذلك السلع الاوروبية باتجاه الشرق الاقصى. وحرص الحكام في منطقة الخليج العربي ومنطقة الحجاز على ان تبقى الطرق الرئيسة خفية على التجار الافرنج على اختلاف جنسياتهم، ومنعوا على الحكام الافرنج ايضا عبور تلك المنطقة.

طرق القوافل او الداخلية : ان الطرق الداخلية التي كانت تربط المدن الداخلية في بلاد الشام والمشرق العربي عموما بالمدن الساحلية كانت متعددة سنركز على ابرزها. الطريق الآتي من الفسطاط( مصر القديمة) الى دمشق مارا بالرملة وطبرية ومنها الى الموانئ الرئيسة على الساحل التي يعتبرها ابن خرداذبه المخرج الطبيعي لتجارة بلاد الشام[68]. وكانت حلب وفق ناصر خسرو ملتقى الطرق التجارية الواصلة اليها من مناطق مختلفة ومنها الى دمشق فبيروت، او الى حمص فطرابلس، لأن حمص كانت بدورها محطة إلتقاء عدد من القوافل القادمة اليها من الرقة والفرات بمحاذاة الصحراء [69]. ويتفرع طريق حماه باتجاهين: احدهما باتجاه الساحل غرب الشام الى عرقة فطرابلس، والآخر جنوبا الى دمشق[70]. ولشدة اهمية الطريق الذي ينطلق من حلب الى دمشق او بالعكس فقد خصّه ابن جبير المعاصر للافرنج بوصف مهم لشدة ازدهاره:” تقيّد اسواقها – اي حلب- الابصار حسنا وعجبا، ومليئة بالحوانيت، واكثر حوانيتها من خشب بديع الصنعة…ومنها الى قنسرين، فمرواحين وفيها خان كبير…يعرف بخان التركمان،  وخانات هذا الطريق كأنها القلاع امتناعا وحصانة، وابوابها حديد…ومنها الى ثمنى وفيها ايضا خان…فبلاد معرّة النعمان فجبال لبنان او الى اللاذقية…ومن معرة النعمان الى حماه…ثم الى حمص فبعلبك…الى بيروت…والطريق من حمص الى دمشق قليل العمارة…”[71].

يمكن الخلوص من وصف ابن جبير الى كثرة الخانات[72]، وسهولة عبوره بسبب التسهيلات الكثيرة عليه هو ومتفرعاته، وامكانية التبادل التجاري في خاناته، او التزود بسلع جديدة، وتؤشر كثرة الخانات الى شدة ازدهار الطرق المذكورة. وقد وصف ابن جبير الطرق البرية التي تصل الى صيدا وصور وعكا: فالقوافل كانت تنطلق من مصر عبر طبرية الى دمشق ومنها الى دارية، فبانياس، ثم الى تبنين حيث كانت السلع تمكس، ومنها الى عكا، ثم الى اسكندرونة فالى صور[73].

ويتبيّن من دراسة طرق القوافل ان دمشق وحلب كانت تزخران بمختلف انواع السلع، ومن ابرز المراكز التجارية الداخلية التي كانت مستودع السلع القادمة اليها عن طريق مصر أكانت مصرية المصدر او من الشرق الاقصى. وكانت الموانئ بخاصة اللبنانية منها ولا سيما صور وطرابلس وصيدا من ابرز الموانئ التجارية والعسكرية على حد سواء. ولعل صور وفق معظم المؤرخين كانت الاهم والاوسع بينها، اذ كان لها ميناآن داخلي وخارجي، الاول لاستقبال السفن الصغيرة لأن الكبيرة قد تتعرض للعواصف من دون امكانية حمايتها، على عكس الثاني الذي كان يفوق ميناء عكا اتساعا ويستقبل السفن من مختلف الاحجام، وكان يشكل مأوى امينا لها.[74]

كانت تخضع لكونتية طرابلس عدة مرافئ ما كان يسهل الاعمال التجارية فيها تتلائم مع كبر السفن واحجامها مثل طرطوس[75] ، وجبيل المخصص لاستقبال السفن الصغيرة ،[76] وميناء طرابلس نفسها تلك المدينة الشديدة التحصين باسوارها العالية الذي كان يستقبل السفن من مختلف الانواع والاحجام[77]. ولم يكن ميناء بيروت من الاهمية الكبرى ليضاهي موانئ طرابلس وصور وعكا، بل كان يستقبل السفن المتوسطة الكبر و، وكانت تكمن منزلته بانه كان ملتقى التجار من حلب ودمشق وبعلبك[78].

وهكذا لعبت الموانئ المشرقية المتوسطية التي كان يسيطر عليها الافرنج دورا اساسيا وبارزا في التجارة التي مارسها الايطاليون بوجه الخصوص مستفيدين من الامتيازات التجارية التي حازوها اثناء تكوين مملكة القدس والكونتيات والامارت الاخرى او السنيوريات التي كانت خاضعة لمملكة القدس اللاتينية. فقد فريدة من حيث قرب بعضها من البعض الآخر اذ كان النجدة تأتي لاي ميناء يتعرض الى الخطر من الموانئ الاخرى، ولسهولة وصول التجار اليها اما بحرا او عبر القوافل، اما وسطاء للتجار الايطاليين وغيرهم من الاوروبيين، او للتجار المشارقة او للقيام باعمالهم التجارية الخاصة. ناهيك بالامان الطبيعي الذي حبته لها الطبيعة من شمالي لبنان حتى مشارف عكا اذ تحيط بها الجبال مكونة لها حصونا طبيعية صعبة الاختراق.

الصادرات : كان طلب الاوروبيين على السلع في المشرق العربي شديدا أكانت منتجة فيه او مصدرة اليه من الشرق الاقصى وبلاد فارس.وقد اورد بيرين Pirenne ثبتا بابرز السلع المشرقية : الارز ، الليمون ، المشمش ، الزبيب ، العطور ن الادوية ن الاصباغ ، الاخشاب الممتازة كالصندل … والقطن الذي اعطى اسمه العربي الى كل اللغات ، والحرير الخام . هذا اضافة الى انواع من الملبوسات ، التي عرفت باسماء مصادرها ، مثل الدمسق نسبة الى دمشق ، و بلدكان BALDAQUIN نسبة الى بغداد ، والموسلين نسبة الى الموصل ، وgaz  نسبة الى غزة [79].هذا فضلا عن اقمشة  Samit و Camelot وانسجة سميكة من وبر الجمال او الماعز او الصوف ، والصابون والاواني النحاسية المكفتة.[80]ناهيك عن المسك ، وخشب الصبر ، والبهار ، والهال ، والقرفة ، والخولخان[81]، وجوز الطيب ، والكافور ، والقرنفل ، والتين واللوز ، وقصب السكر ، والنبيذ ، والسمسم ، والثمار الزيتية ، والنيلة ، والفوة[82]، والخزف والزجاج.[83]

اما سلع الشرق الاقصى التي كانت تصدر الى اوروبا فقد ذكرها كل من ابن خرداذبة والادريسي. وهي مواد طبية مثل القسط والبقم[84]، والبهار والقنا [85]، والخيزران ، والعود[86]، والعنبر الطيب الرائحة تزن الواحدة منه ما يقارب القنطار احيانا ، واللؤلؤ ، والياقوت ، والماس ، والزمرد ، والاحجار الكريمة ، واصناف عدة من العطر والبلور[87].  كانت المنسوجات الحريرية من ابرز الصادرات الى الغرب الاوروبي، وقد تميزت طرابلس بهذه الصناعة خلال العصور القديمة و الاسلامية والبيزنطية وخلال العصر الصليبي ايضا [88].وكان في طرابلس وحدها حوالى اربعة آلاف شخص يعملون في صناعة الحريرخلال القرن الثالث عشر [89].وكان في صورمصانع للحرير شهيرة ولاسيما صناعة الحرير الابيض الذي شكل مصدرا رئيسا للحي البندقي فيها الذي كان يصدر الى الغرب الاوروبي [90]،   ونقلت الى المدن الصليبية وبخاصة اللبنانية منها الاقمشة الحريرية والمنسوجات الاخرى على اختلاف انواعها من المدن السورية ولاسيما دمشق وصدرت منها الى اوروبا[91] . وقد احتل الزجاج الصوري المرتبة العالمية الاولىمن حيث جودته [92]. ، ولاسيما ان صور اشتهرت بمصانع الزجاج التي كان يديرها اليهود ، وقد خصص فيها ربض لصناعة الزجاج الجيد والفخار ايضا على حد تعبير الادريسي.[93] وقداشتهرت صور بصناعة متنوعة للزجاج كالزهريات الشفافة والفائقة الجودة لاستخدام الصوريين مواد اولية ممتازة مستخرجة من المدينة عينها كالرماد مثلا[94] ، وقد كان يصنع ايضا في طرابلس وصيدا بطريقة ممتازة وان لم يكن يضاهي الزجاج الصوري[95] ، وكان قصب السكر يزرع بكميات وافرة في بساتين صيدا وصور وفي طرابلس[96] وصناعة السكر كانت من الصناعات الرئيسية في صور. وكانت معاصره منتشرة داخل المدينة يملك بعضها الملك وبعضها الآخر البنادقة والجنويين[97] ، كما دخلت صناعته في تركيب الادوية. وصدرت المدن اللبنانية زيت الزيتون الذي كان يطلق عليه الصليبين الزيت الطيب والذي كان يجلب اليها من مناطق متعددة كالخليل ونابلس.[98] وتميزت صور ايضا بصناعة الاقمشة البيضاء الممتازة الصنع والباهظة الثمن ولايصنع شبيه لها في سائر البلاد المحيطة بصور وكانت تحمل الى كل الآفاق.[99]وقد اشتهرت صور بعدد آخر من الصناعات ذكرها الامير موريس شهاب مثل صناعة المصاغ والحلي على انواعها.[100]

  الواردات:  ان السلع التي صدرها الايطاليون الى المدن الصليبية كان قسم منها للاستهلاك المحلي والقسم الاخر لاعادة التصدير للداخل المشرقي الى اسواق مصر وسوريا وفلسطين بواسطة الصليبيين انفسهم او بواسطة تجار مشرقيين[101].وبعض هذه السلع تولى تصديرها تجار مشرقيين الى الشرق الاقصى.اما اهم السلع التي صدرها التجار الايطاليون الى الشرق فهي: الاخشاب والاسلحة ولاسيما الخوذ[102] والسيوف [103]،والرقيق وقد شكلت صور احد اهم اسواقه [104]، والاقمشة على اختلاف انواعها ومن مصادر متعددة :ايطالية وفرنسية.[105]     الصادرات الصليبية: نقل الصليبيون السلع المشرقية الى الغرب الاوروبي ولاسيما الصناعات التي اشتهرت بها المصانع في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان.فقد نقلوا من مصر اما عبر الاسكندرية او من الموانئ اللبنانية المنسوجات الكتانية التي اشتهرت بصناعتها المدن المصرية مثل تنيس ودمياط والاسكندرية والفرما وغيرها[106] اضافة الى المنسوجات الحريرية والقطنية والصوفية.[107] وتعرف الايطاليون الى اهمية الشب في الصباغة وغدا استخدامه ضروريا في الصناعة الاوروبية.[108] كما نقلوا ايضا من مصر الزمرد[109] ، كما جلبوا منها قصب السكر والسكر.[110]

  الضرائب : ان مسألة دفع الضرائب في الموانئ الفرنجية خضعت لعملية مد وجذر تبعا لحاجة الفرنجة الى الخدمات الايطالية العسكرية،وبالتالي لم تنفذ بنود المعاهدات التي تحدثنا عنها الا كيفيا ان جاز التعبير.انما من الواضح وفق المصادر والمراجع الصليبية كانت السفن عندما تصل الى قبالة اي ميناء صليبي تخضع للتدابير التالية : تقرع الاجراس اعلانا لوصولها،ويتوجه نحوها قارب صغير لارشادها للمكان المخصص لرسوها ، او تعمد عدة قوارب صغيرة لتفريغ حمولتها ونقلها الى الشاطئ. اي يكن التدبير التي كانت تخضع له السفينة من التدابير التي ذكرت ،كان يتبعها المراحل الاربع التالية: انزال البضائع، ثم تسجيلها في الدوائر المختصة منعا للتلاعب ،وبعد ذلك تخزن البضائع، واخيرا تتم عملية البيع ،وهذه العمليات الاربع ادت الى تنوع الضرائب وتعددها بحيث دفع التجار الايطاليون الضرائب التالية : الرسو، والميناء ،والمبادلات التجارية او حركة السوق من بيع وشراء واخيرا ضريبة العودة او مغادرة السفينة الميناء[111] .وقد عمد المؤرخ البريطاني الحديث ماير Mayer  بالاستناد الى مصادرة متعددة الى تحديد الى حد بعيد قيمة الضرائب التي دفعها الايطاليون في الموانئ الفرنجية وهو ميز بين الضرائب على السلع بحيث استوفى الصليبيون ضرائب مرتفعة على السلع المعدة للاستهلاك المحلي فوصلت قيتها الى 15% ،في حين تراوحت قيمة الضرائب المعدة لاعادة التصدير والتي جلبها الايطاليون بين 6،4 و2،11 % من قيمتها الاصلية.

  وكما ذكرنا سابقا فان اهم مرفأين لبنانيين في العهد الفرنجي تمثلا بطرابلس وبصور، ولم يكن فيهما على ما يبدو مراكز للضرائب على السلع المشرقية ،فالسلع القادمة الى صور كانت تخضع للضرائب في حصن هونين التابع  لملك القدس[112].

     التنظيمات التجارية :


[1] – هايد ، تاريخ التجارة في الشرق الادنى في العصور الوسطى ، تعريب احمد محمد رضا ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة ، 4اجزاء ،  ج1 ، ص 146

[2] – سلاجقة ، فاطميون ، ايوبيون ومماليك

[3]  – هايد ، تاريخ التجارة في الشرق الادنى في العصور الوسطى ، تعريب احمد محمد رضا ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1985 ، 4اجزاء ، ج 1 ، ص 149

[4] – زيتون عادل ، العلاقات الاقتصادية بين الشرق والغرب في العصور الوسطى ، دار دمشق ، دمشق ، 1098 ، ص 55 – 56

4-0Byrne , E. H. , Genosese Shipping in the twelfth and thirteenth centuries , Cambridge , 1930 , pp. 5-6

[6]  – هايد ، المرجع السابق ، ج 1 ، ص 146

[7] – المكان عينه

[8] – بالار ( ميشال ) ، ” الجمهوريات البحرية الايطالية والتجارة في الشام- فلسطين ، من القرن الحادي عشر الى القرن الثالث عشر ” ضمن كتاب الصراع الاسلامي – الفرنجي على فلسطين في القرون الوسطى ، تحرير هادية الدجاني شكيل و برهان الدجاني ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت ، 1994 ، ص 182- 183 

[9] – Ashtor , E. , A Social an Economic History of the Near East in the Middle Ages , London , 1977 , pp. 196, 353

[10]  – هايد ، ج 1 ، ص 146

[11] – بالار ، الجمهوريات البحرية ، ص 183

[12]   Cahen , C.,” Le commerce d’Amalfi avant pendant et apres la croisade “Comtes-rendus de l’Academie des Inscriptions et Belles Lettres , Paris , 1977 , pp. 29 – 31. , p. 295

[13] – بالار ، الجمهوريات البحرية ، ص 184

[14] – Recuil des Historiens des croisades , Lois , 2 T. , T.I , Assises de Jerusalem , publie par le conte

Deugnot , T.I , pp. 276 , 29.

[15] – Cahen , C. , Orient et Occident : au temps des croisades , Paris , Aubier , 1983 , p. 1.7

[16] – Ibid , p.p. 78 – 79 

[17] – Wiilliame of Tyre , A History of deeds done beyond the sea , II vols , translated by Bebcok and Kery , Newyork , 1943 , v I , p. 434 – 438 , 454 – 456

[18] – هايد ، ج 1 ، ص 152

[19] – Lamonte , J. L. ,Feudal monarchy in the Latin Kingdom of Jerusalem 11.. – 1291 , Cambridge , Massachusetts . 1932 , p. 264 – 265

[20]   Novar , Philip de , The wars , of Frederick II , against the Ibelins in Syria and Cyprus , translated by Lamont J. I. , New york , 1936 , pp. 136 , 144

[21] – William of Tyr, op. Cit 456

[22] – Novar , op. Cit. P 136

 [23] Lamonte , J. L., Feudal minarchy in the latin kingdom of Jerusalem , 11.. to 1291 , Cambridge , Massachusetts , 1932 , p 229

[24] –    هايد ، تاريخ التجارة ،  ج 1 ، ص 162

  [25] Lamont , feudal , p. 269

[26] – القطار، الياس ، المجتمع في صور في العهد الفرنجي ، ضمن كتاب وثائق المؤتمر الثاني لتاريخ مدينة صور ، 1998 ، ص 123

[27] Chehab,M., Tyr ‏à l’époque des croisades histoire religieuse et economique, ed. Maisonneuve, T2, Paris,1979,pp. 362-372 

[28] – القطار ، الياس ، المجتمع في صور ، ص 124 – 125

[29] – المكان عينه

[30] – القطار ، المرجع السابق ، ص 125

[31] – بما ان بحثي لا يتناول الا المدن اللبنانية فلن اتحدث عن الامتيازات التي نالها البيازنة في امارة انطاكيا التي فصلها كل من : Nicholson , R. . L. , Tancrad , Chicago , 194. , pp. 166.  و Lamonte , Feudal , p. 27. ، وهايد ، ج1 ، ص 154 – 155

[32] – لمزيد من التفاصيل انظر : زيتون ، العلاقات الاقتصادية ، ص 135

[33] – القطار ، المجتمع في صور ، ص 125

[34] – Lamonte , Feudal monarchy , p 269

[35] – القطار ، المجتمع ، ص 126

[36] – Chehab , Tyr , tII , p 362-372

[37] – زيتون ، المرجع السابق ، ص 137 – 138

[38] – القطار ، المجتمع ، ص 126

[39] – هايد ، ج1 ، ص 148 ، و زيتون ، المرجع السابق ، ص 137 – 138

[40] – القطار ، المجتمع ، ص 126

[41] –     – Lamonte , Monarchy , p 271

[42] – انظر ما سبق

[43] – هايد ، ج1 ، ص 155

[44] – هايد ، ج1 ، ص 157

[45] – Guillaume of Tyr , op. Cit. , I , 552 – 556 ، وليم الصوري ، تاريخ الحروب الصليبية ، ج1 ، 702 ، وهايد  ، ج1 ، ص 166

[46] – الصوري ،( وليم ) ، تاريخ الحروب الصليبية ، ترجمة سهيل زكار ، بيروت ، 199. ، جزءان ، ج1 ، 6.1 ، وانظر ايضا ،

Nicholson , r. l. , Tancred , Chicago , 1940 , p 113

[47] – Riley- Smith ,” Governent , in latin Syria and the commercial privileges of foreign merchants “, in the relathons beween east west , Edinburgh , 1973 , p 11.

[48] Richard , J. ,Le Royaume gatin de Jerusalem , Paris . 1953 , p. 225

[49] -Riley-Smith , The feudal nobility and the kingdom of Jerusalem 1174- 1277, London , 1973 ,pp. 67-68

[50] – ابن الاثير ، عز الدين ، الكامل في التاريخ ، ج9 ، ص 179-182

[51] – Riley-Smith , feudality , pp. 67-68

[52] – Novar , op. Cit. , pp. 205

[53] – هايد ، ج1 ، ص 17.

[54] – المكان نفسه

[55] -Lamonte , Feudal , p. 234

[56] – بلار ، الجمهوريات البحرية ، ص 194

[57] – Riley-Smith , nobility , p. 7.

[58] – Mayer , H. E., The crusades , Oxford , 1972 , p 175

[59] – Novar , op. Cit. , p 208

[60] – Brousset , R. , L’Empire du Levant , Payot , Paris , 1979 , p 53.

[61] – Flemhng , W, B. , The history of Tyr , Cogombia , 1915 , pp. 1.7- 11.

[62] – ibid

[63] – ابن بطوطة ، الرحلة ، ص 62

[64] – Mayer , Crusades , p 163

[65] – فهمي، نعيم زكي، طرق التجارة الدولية ومحطاتها بين الشرق والغرب، الهيئة المصرية العامة العامة للكتاب، القاهرة، 1973، ص 124 .

ضومط، انطوان، الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، دار الحداثة، ط1 بيروت، 1980، ص182

[66] – فهمي، طرق، ص 124

ضومط، الدولة، ص 182

[67] – لمزيد من التفاصيل انظر:                                                                                           Heyd, T I, p. 457, II p.58

Depping, Histoire du commerce entre le Levantet l Europedepuis les Croisades des colonies d Amerique, t II, Paris, 1865, pp. 76-77, 102-103

اليوزبكي، توفيق اسكندر تاريخ تجارة مصر في عصر المماليك، الموصل، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، 1975، ص 73-77

ضومط، الدولة، المملوكية، ص 184-189

[68] – ابن خرداذبه، المسالك والممالك، تحقيق محمد مخزوم، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1988، ص74-76 

[69] – خسرو، سفر نامة، 46-47

الادريسي، ابو عبد الله محمد، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، طبعة نابولي-روما، ج2، ص137

[70] – خسرو، سفر، ص46-47

[71] – ابن جبير، محمد بن احمد، الرحلة، دار صادر، بيروت، 1983، ص227- 233

[72]  – والخان هو محطة تجارية للتجار الشرقيين، وهو يتألف من مجموعة ضخمة من الحوانيت والمستودعات التجارية، في وسطها بهو كبير مسقوف معد لحفظ سلع التجار. وفي الخان يرتاح التاجر ويريح دوابه، ويمكنه المبيت فيه، وان اراد اكمال رحلته مباشرة ان يفيد من سبيل الماء والحانوت الواقعين خارج الخان حيث يستطيع التزود بما يشاء. انظر ابن بطوطة، محمد بن عبد الله، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاقطار، المطبعة الاميرية، القاهرة، 1923، ج1، ص 43.

ضومط، الدولة المملوكية، ص210-211   

[73] – ابن جبير، الرحلة، ص 272-274، 282

ابن بطوطة، عجائب، ص 62

[74] – المصدر السابق، ص 62

رانسيمانز، ستيفن، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة السيد الباز العريني، بيروت، 1967-69، ج3، ص61

Ziadeh,N, Urban life in Syria under the early Mamluk, Beyrut, 1953, pp. 135-136

[75] – الادريسي، ج1، ص358 -359

[76] – المصدر السابق، ج1، ص 365

[77] – المكان عينه

[78] – Heyd, t I, pp.459-460

Depping, T I, p. 96

Pirenne , H. , Histoire economique et sociale du Moyen-Age , Presse universitaire , Paris , 1969 , p 122

[80] –  Grousset , op. Cit. , pp. 323 – 324

[81] هو نبات طبي من فصيلة الزنجبيل

[82] – هي عشبة يستخرج من جذورها مادة عشبية تستعمل في صناعة الصوف والحرير

[83] – هايد ، تاريخ النجارة ، ج1 ، ص 176 – 177 و 188 – 189 و 191

[84] – دواء يستخرج من سم الافاعي

[85] – قصب يصنع منه الحصر

[86] – ابن خرداذبه ، المسالك والممالك ، تحقيق محمد مخزوم ، دار احياء التراث العربي ، بيروت ، 1988 ، ص 62 – 63

[87] – الادريسي ( ابو عبدالله محمد ) ، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ، طبعة نابولي-روما ، دون تاريخ ، ج1 ، ص 64 – 66 ، 68 –69 ، 73 – 74 ، 77 ، 81 – 82 ، 84 ، 88 ، 91 – 92 ، 99

[88] – Prawer , J. , The latin , kingdom of Jerusalem , London , 1972 , p 393

[89] – زيتون ،  ص 172- 173

[90] – الطليطلي ، بنيامين ، رحلة الطليطلي ، ترجمة عازار حداد ، بغداد ، 1945 ، ص 92

[91] – زيتون ، المكان عينه

[92] – Riley-Smith , nobility , pp. 63-64

[93] – الطليطلي ، الرحلة ، ص 92 ،

– الادريسي ، ( محمد بن عبد الله ) ، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ، جزءان ، عالم الكتب ، بيروت ، 1989 ، ص 365 – 366

[94] – هايد ، تاريخ التجارة ، ج1 ، ص 191

[95] – Riley- Smith , nobility , pp. 64 – 65

[96] – Fleming , p 95

[97] – القطار ، ( الياس ) ، الحياة الاقتصادية في صور ، ضمن كتاب وثائق المؤتمر الاول لتاريخ مدينة صور ، 1996 ، ص 79

[98] – ابن بطوطة ،  ج1 ، ص 6.

[99] – الطليطتلي ، الرحلة ، ص 92 ، والادريسي ، نزهة ، ج1 ، ص 366

[100] – Chihab , op , cit. , p 34.

[101] – زيتون ، ص 178

[102] – Riley-Smith , nobility , p 64

[103] – Prawer , op, cit. , p 1..

[104] – Fleming , op. Cit., pp. 113-114

[105] – Prawer , op cit. P 1..

[106] – المقريزي ، ( تقي الدين احمد ) ، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار صادر، بيروت ، لا تاريخ ، جزءان ، ج1 ، ص 1.1 – 1.2

[107] – المقريزي ، ( تقي الدين احمد ) ، كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك ، تحقيق سعيد عاشور، القاهرة ، 197. ، ج1 القسم 2 ، ص 449 ، وايضا: الظاهري ، ( خليل بن شاهين  ) ، زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك ، تحقيق ، بولس راويس، باريس ن 1894 ، ص 41

[108] – ابن مماتي ، ( اسعد بن الخطير ) ، قوانين الدواوين ، جمعه وحققه عزيز عطية ، القاهرة ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، ط1 ، 1991 ن ص 328 ، والمقريزي ، خطط ، ج1 ن ص 1.8

[109] – ابن مماتي ، ص 81 ن

[110] – المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 1.2 ، والظاهري ، ص 35

[111] – Riley-Smith , nobility , pp. 7.-72

[112] – ابن جبير ، الرحلة ، ص 1.2

دور القدس في تجارة الافرنج خلال القرن الخامس/ الثاني عشر

مخطط البحث

اولا: الوضع في اوروبا عشية الحروب الافرنجية في المشرق العربي.

– القدس في المنظارين الاوروبي والاسلامي.

– حاجة الافرنج للجمهوريات الايطالية.

– اوضاع الجمهوريات الايطالية.

ثانيا: الافرنج في المشرق العربي.

  • الوضع السياسي والعسكري في العالم الاسلامي.
  • تأسيس مملكة القدس اللاتينية.
  • دور المملكة في احتلال جبيل وطرابلس.
  • دور المملكة في احتلال صور.
  • علاقة القلاع والحصون بالتجارة.

ثالثا: الامتيازات التجارية والادارية.

  • امتيازات الجنويين
  • امتيازات البيازنة
  • امتيازات البنادقة
  • امتيازات جاليات اخرى.

رابعا: التنافس التجاري.

  • دور المعاهدات الاداري.
  • الاحتكام الى السيف لصون المعاهدات.
  • نماذج من التنفيذ الفعلي للامتيازات.

خامسا: الطرق والسلع التجارية.

  • الطرق العالمية الرئيسة.
  • طرق القوافل او الداخلية.
  • السلع التجارية:
  • الصادرات
  • الواردات الايطالية.

سادسا: الحركة التجارية.

  • النقود.
  • الصيرفة والمصارف.
  • الرحلات التجارية.
  • التجار المنفردون.
  • الضرائب.

ان فهم تجارة الافرنج في المشرق العربي ابان الحملات العسكرية التي اسميت في ما بعد “الحروب الصليبية” يقتضي الوقوف على معطيات عدة لسبر اغوار بعض المعتركات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المشرق العربي من جهة، وفي اوروبا الغربية من جهة ثانية. فاذا كان للعوامل الدينية، بخاصة في العصور الوسطى، التي اسماها بعضهم عصور الايمان والبعض الآخر عصور الظلام، دور في تحريك مشاعر الشعوب في المشرق وفي اوروبا على حد سواء لرفض الآخر، وفي احتدام الصراع بين الطرفين، فانه كان ايضا للدوافع السياسية والاقتصادية على وجه الخصوص الدور الافعل في قيام تلك الحروب، وفي تطوّر مناحيها.

 ومن المفيد جدا توضيح مركزية القدس في نشأة الحملات العسكرية الافرنجية، اذ انه لولا رفع شعار حماية الاراضي المقدسة من سيطرة المسلمين وتأمين طرق الحاج المسيحي الى القدس لما كانت نشأت مملكة القدس اللاتينية، التي كان من المفترض ان تحتكر مركزية القرار في الامارت والكونتيات الافرنجية في المشرق العربي. ان تأسيس المملكة المذكورة التي تزعمها وتولى حكمها الافرنج ( الفرنسيون) ما كان ليتم لولا مساعدة  الجمهوريات او الكومونات الايطالية الفعّالة. ولم تكن خدمات الايطاليين مجانية او لقاء اموال عينية، انما لقاء اجر دائم تمثّل بامتيازات اقتصادية على وجه الخصوص واخرى سياسية وادارية في المدن التي احنلها الافرنج[1]. ولا اعتقد ان دور الدين شكل انعطافا وجدانيا عند تلك الجمهوريات التي كان الكسب المادي رائدها الدائم والافعل. وتقتضي منهجية البحث من جهة اولى فهم الوضع السياسي والاقتصادي لتلك الجمهوريات، ومدى حاجة الافرنج لخدماتهم العسكرية البحرية على وجه الخصوص. ومن جهة ثانية الوقوف على الوضع السياسي الذي كان مأزوما في العالم الاسلامي خلال القرن الثاني عشر. 

اولا: الوضع في اوروبا عشية الحروب الافرنجية:

 القدس في المنظارين الاوروبي والاسلامي: كان للقدس، في العصور الوسطى، هالة مميزة تقربها من منزلة القداسة عند المسيحيين، فهي تحتل ابدا منزلة الصدارة في وجدانهم بخاصة عند شعوب الغرب الاوروبي الذي لم يشاهدها معظمهم انما كانوا يتوقون اليها ويمنون النفس بالتبرك منها؛ فهي مركز حجّهم لأنها تضم كنيسة القيامة حيث قبر السيد المسيح. وكانت شهادات الحجاج المسيحيين الاوروبيين الى الاراضي المقدسة واخبارهم تشد المؤمنين الى التوجه الى القدس والتبرك بقبر السيد المسيح، وزيارة مغارة المهد املا بالحصول على الغفران[2]. ويكفي ان نقف على منزلتها في وجدان بعض المتدينين في عصرنا الحاضر بالاعتماد على رأي احد ابرز المثقفين المحدثين هو جون مانفيل رئيس قسم الاديان في جامعة بريتش كولومبيا الذي زكاها على ما عداها من المدن والبلاد:” …ارض الميعاد التي يطلق عليها الناس الاراضي المقدسة فهي اجل البلاد كلها، وسيدة على كل ما عداها.”[3] فاذا كانت هكذا نظرة بعض المثقفين اليها في اواخر القرن العشرين فكم كانت منزلتها مرتفعة في اذهان المؤمنين العاديين خلال العصور الوسطى؟! ذلك ان المسيح قد عاش فيها وتعتبرحياته نبراسا لهم ما جعلها اقدس الاماكن واكثرها اجلالا واحتراما.

وهي عند المسلمين تلي الحرمين الشريفين اهمية وقداسة، وكان ينظر اليها على انها عربون خير وبلاد الصالحين واكثر الاماكن تفاؤلا من حيث المناخ والاقتصاد. ويجعلها المقدسي البلد الاروع والاخصب :” اذا كانت الدنيا في بلاء وقحط كانت الشام في رخاء وعافية. واذا كانت الشام في بلاء وقحط، كانت فلسطين في رخاء وعافية، واذا كانت فلسطين في بلاء وقحط، كان بيت المقدس في رخاء وعافية. ويضيف الشام مباركة وفلسطين مقدسة وبيت المقدس قدس القدس.”[4]

وهكذا صارت السيطرة على القدس ذات بعد ديني روحاني ومادي عند المؤمنين من كلا الفريقين، وقد استخدمها القادة السياسيون والاقتصاديون بشدة لاهداف دينية في الظاهر، واقتصادية وسياسية من حيث الهدف الابعد. ومن هذا المنطلق يمكن فهم موقف البابا اوربانوس الثاني في كليرمون فيران بعد ترؤسه مجمعا كنسيا ومن ثم دعوته الى الحرب المقدسة لتحرير القدس من ايدي السلاجقة” تلك القوة الشريرة الكافرة القاصدة تهديد كيان الكنيسة الميسيحية المشريقية”[5] على حد تعبيره، بخاصة عندما تأسست دولة سلاجقة الروم في آسيا الصغرى على أثر معركة منزكرت[6].

حاجة الافرنج للجمهوريات الايطالية: ولم يكن بمقدور الافرنج، الذين شكلوا غالبية الجيش البري ان لم يكن كله، تحقيق مشروع تحرير القدس من سلطة المسلمين بمفردهم لافتقارهم على الاقل للاساطيل الضرورية. فكان ان تم الاستنجاد باساطيل الجمهوريات الايطالية وعلى الاخص: جنوا، والبندقية، وبيزا. وكان بعض تجار هذه الجمهوريات قد اقاموا علائق تجارية خجولة مع حكام المشرق عامة، في مصر وبعض الساحل اللبناني وتعرفوا الى ما يمكن ان يقدمه المشرق العربي من ثروات. فاقتنص “برجوازيوها” الدور العسكري البحري لتحقيق مشاريعهم المتعطشة الى الربح الوفير، خصوصا ان جمهوريتي جنوا وبيزا كانت قد تطورت فيهما الحياة السياسية بطريقة جعلت من العسير جدا وقف تطورهما العسكري والاقتصادي الذي كانت قد نعمت به البندقية قبل ذلك[7]. ومع ذلك جاء انخراط الجمهوريات المذكورة في المشروع الافرنجي متفاوتا، اذ لبى بعضها الطلب العسكري مباشرة ، وتريث بعضها الآخر

    وازعم ان تطور العلاقات المادية الناتج عن الحروب الافرنجية وتطورها انما يرجع بالدرجة الاولى الى القوى العسكرية، التي لم تكن تُؤْمن اجمالا الا بكسب الثروات، الذي سيطور وضعها الاقتصادي ولاسيما التجاري، وتاليا قدراتها العسكرية التي ستدفعها للسيطرة على غالبية الاسواق التجارية في المشرق العربي وفي اوروبا.

 ويصعب فهم التجارة خلال الحروب الافرنجية في المشرق العربي بمعزل عن مفهومها العام في حوض المتوسط، اومن دون التوقف عند العلاقات بين المدن او الجمهوريات الايطالية في ما بينها عداء ووئاما، كما من دون التطرق الى العلاقات عينها بين الحكام الافرنج انفسهم من جهة، ومع حكام الداخل المشرقي على تنوعهم في المدى التاريخي[8]. كما يفترض فهمها دراسة تطور التجارة المشرقية العربية والاسلامية خصوصا مع الشرق الاقصى ومع بلاد فارس، التي سيقتصر هذا البحث على دراسة طرقها التجارية ودورها في تنمية التجارة العالمية.

 وساحاول التمييز قدر المستطاع بين عدة مراحل شكلت، بتقديري، مفاصل الحركات السياسية والتجارية الافرنجية :

عهد تأسيس الممالك والامارات الافرنجية.

  تطورها في القرن الثاني عشر حتى مجيء السلطان صلاح الدين الايوبي.

عهد صلاح الدين.

 آخذا بالاعتبار تطور اساطيل الجمهوريات الايطالية، وتنوع نقودها، والمعهادات التجارية مع الحكام الافرنج من حيث مراعاة تنفيذها وتأثيراتها، كما تلك التي ابرمت مع حكام المشرق العربي. متخذا من وضع مملكة القدس ولاسيما دور عاصمتها القدس نقطة مركزية في تطور الاحداث ذات الابعاد والدلالات المتنوعة.

  وما تجدر الاشارة اليه بايجاز قبل الولوج بدراسة الحركة التجارية الافرنجية خلال القرن الثاني عشر هو مدى جهوزية الافرنج العسكرية من جهة، والاوضاع السياسية والادارية والاقتصادية في المدن او الجمهوريات الايطالية المتنافسة من جهة ثانية. اذ يبدو ان القادة والحكام الافرنج ادركوا اهمية المواقع السترتيجية للمدن الساحلية الشامية والدور التجاري الذي يمكن ان تطلع به، وكانوا على معرفة بينة بان قدراتهم العسكرية والتجارية كفرنجة غير كافية ابدا للقيام بدور الوسيط في التجارة العالمية وغير قادرين عسكريا على الاقل في البحر لاحتلال الساحل وبعض الداخل، فما كان لهم غنى عن الاساطيل العسكرية العسكرية الايطالية الضرورية ليس لفتحها فحسب بل للمحافظة عليها ايضا. وبديهي القول ان  الاستيلاء على الثغور المذكورة شكل مسألة حياة او موت بالنسبة للافرنج على حد تعبير المؤرخ هايد :” فكان امتلاكها وحده يضمن  للفرنجة الاتصالها بالغرب حتى تصلها منه المعونات البشرية والمالية الضرورية لبقائها “[9]

اوضاع الجمهوريات الايطالية: وكان يبرز انذاك في الميدانين العسكري والتجاري معا ثلاث جمهوريات ايطالية يحكمها برجواريون هي : البندقية ، وجنوا ، وبيزا. وكانت كل مدينة قد ادركت، لشدة التنافس التجاري في ما بينها، اهمية بناء الاساطيل التجارية واولوية حمايتها من القراصنة ومن منافسيها التجاريين. وأخذت ايضا بالاعتبار اهمية تنظيم الرحلات التجارية الى حوض المتوسط الشرقي والغربي. وهكذا اعتمدت البندقية على نوعين من السفن: المستديرة المخصصة للشحن التي تعتمد  كليا على الاشرعة وتستخدم في الشحنات الثقيلة، والطويلة التي خصصت لاغراض حربية صرفة[10]. اما جنوى فقد اعتمدت ثلاثة انواع : السفن الشراعية فقط، والشراعية ذات مجذاف او اثنين،  والثالث المخصص للحمولة الثقيلة ويعتمد على عدد من الاشرعة والمجاذيف[11]. غير ان هذه النماذج ستتطور خلال القرنين الثاني والثالث عشر لتلائم ازدهار الحركة التجارية المضطرد. كما ان الوضعين السياسي والتجاري في الجمهوريات الايطالية قبيل الحروب الافرنجية اثرا على دور كل منها من حيث الناحيتين الحربية والتجارية.

جنوا : في اواخر القرن الحادي عشر ، كان يحكم جنوا قناصل انتخبهم البرجوازيون الاحرار[12]، ثم شهدت هذه الجمهورية حربا اهلية ادت الى الغاء النظام القديم، حتى بدت بلا حكام شرعيين. وما كان بوسع برجوازييها تفويت فرصة المشاركة بالحروب الافرنجية، لذلك انتظم بعضهم فيما بينهم وتولوا تجهيز السفن الضرورية، وكان ابرزهم بلا شك، على حد تعبير “هايد “، الاخوان امبرياكو وبريمس امبرياتشي Embriaco Guillaume et Primus، الذان سيكون لهما شأن في كونتية طرابلس.[13]وعادت الاوضاع بعد ذلك في جنوا الى ما كانت عليه ونشأت فيها حكومة جديدة شبيهة بحكومة القناصل، رغم معارضة الاحزاب السياسية ورجال الدين.[14]ما دفعها للمشاركة الفعالة في الحروب الافرنجية. وما تجدر ملاحظته ان تجارا جنويين كانوا قد قدموا الى بلاد الشام في العهد الفاطمي، كما ان بعضهم كان اتى الى الاسكندرية والفسطاط بعد عقود على قدوم الفاطميين الى مصر في عام 969، ويؤكد ذلك نصوص ديوان التجارة الذي يشير الى رسوا سفن جنوية عام 1070 في ميناء الاسكندرية.[15]مما يعني ان الجنويين تعرفوا الى اهمية التجارة المشرقية، ما زاد باندفاعهم للمشاركة بالمشروع الافرنجي.

بيزا : كان وضعها مماثلا لوضع جنوا السياسي اذ بعد عدة صراعات بين الفيكونت، الذين انضموا الى الكومون، مع بعض الاسر البرجوازية اعترفت كل القوى المتنازعة في بيزا بسلطة القومون البرجوازيين بموجب ميثاق للسلام[16].

 وهكذا انتظم الوضع السياسي في الجمهوريتين جنوا وبيزا، وصار بامكانهما دخول حلبة الصراع الاقتصادي والسياسي، الذي كانت البندقية قد مارسته قبل ذلك التاريخ واقامت علاقات اقتصادية في اماكن عديدة في غربي المتوسط، واخرى خجولة في المشرق العربي على ما يعتقد ” بالار ”  وعلاقات تجارية بارزة في القسطنطينية[17].

امالفي : لاتشير المعلومات التي تمكنت من التبحر فيها الى دور عسكري مهم لأمالفي كالادوار التي اطلعت بها الجمهوريات الايطالية الاخرى، انما دورها التجاري السابق للحروب الافرنجية كان على مايبدو مهما؛ فهي كانت تربطها بالفاطميين علائق تجارية مهمة تعود الى عام 969، ويشير احد نصوص ديوان التجارة الى  وجود مائتي تاجر امالفي في القاهرة على حد تعبير كلود كاهين.[18]

 البندقية : كانت احدى اهم الجمهوريات الايطالية، ووضعها السياسي مستقرا اجمالا قياسا بزميلاتها، يحكمها دوق يساعده مجلس – من البرجوازيين – وكانت تربطها علاقات تجارية مميزة بالدولة البيزنطية  ولها اسواق فيها. ويرجح ميشال بالار انها كانت على علاقة تجارية متواضعة نسبيا مع الفاطميين او مع المشرق العربي عامة قبل عام 1095 [19].

وقد يكون مرد تريثها بالمشاركة بالمشروع الافرنجي الى عدم ترجيحها نجاحه الامر الذي قد يفقدها مركزها التجاري او يضعفه. ان التنافس التجاري بين الجمهوريات الايطالية وحاجة الفرنجة الملحة لقدراتها العسكرية البحرية جعلا العنصر البرجوازي الايطالي يدخل مسرح الحروب الافرنجية من بابه الكبير. فانطلقت السفن الايطالية الاولى باتجاه المشرق العربي تحمل من ثغورها المؤن واسلحة الحصار والجنود[20] متوخية  ان يحتل الايطاليون المركز الاول في العملية التجارية بين الشرق والغرب. ما دفع الحكام الصليبيين لتقديم تنازلات مهمة للجمهوريات الايطالية، التي كان حكامها مقتنعين بحاجة القادة والحكام اللافرنج لخدماتهم.  لذلك كانوا يشترطون قبل الاقدام على تنفيذ اية مهمة ثمنا لمساعدتهم، وبالتالي عقدوا معهم معاهدات لتحفظ لهم حقوقا مشروعة.

ثانيا:الافرنج في المشرق العربي

 الوضع السياسي والعسكري في العالم الاسلامي المشرقي: لن نتوسع في دراسات هذه الناحية لكي لا نخرج عن الهدف الاساسي لهذا البحث، انما ساعطي اطارا عاما لوضع الحكام المسلمين من حيث تفكك اوضاعهم السياسية والادارية انذاك، ان لم نقل العلاقات العدائية فيما بينهم. ما ان تولى العرش السلطان ملكشاه 465/1073 حتى بدأت السلطنة السلجوقية بالتفكك لكثرة قيام الامارات او الاتابكياتت المستقلة او على الاقل تمتعت بنوع من الاقطاع الاداري شبه المستقل تماما عن السلطنة الام. فنشأت دولة سلاجقة الروم في آسيا الصغرى سنة 470/1077، وحكم تاج الدولة تتش بلاد الشام باسم اخيه ملكشاه[21]. وزاد بالامر سؤا النزاع بين اولاد ملكشاه برقيا روق ومحمود ومحمد وسنجر وما تلا ذلك من احداث عسكرية زادت في ضعف السلاجقة[22].

 وكان العالم الاسلامي المشرقي منقسما بين السلاجقة السنة المتسلطين على الخلفاء العباسيين، وبين الخلفاء الفاطميين في مصر وبعض بلاد الشام المتسلط عليهم وزراؤهم بخاصة منذ تولي بدر الجمالي الوزارة سنة 1074. ودار صراع مرير بين الفريقين فاضعفهما معا بخاصة في بلاد الشام ولا سيما في مدنه الساحلية.[23] ما سهل فتوحات الافرنج في المشرق العربي وأمّن لهم تأسيس المملكة اللاتينية والامارات والكونتيات وغيرها.

تأسيس مماكة القدس: من الواضح جدا ان الافرنج هدفوا الى احتلال القدس لجعلها المرتكز الاساسي لوجودهم في المشرق، لأنها شكلت هدفهم الاسمى. لن نتحدث عن التفاصيل العسكرية للمشروع لأنه بات معروفا بل عن الدور الذي مارسته القدس بوصفها عاصمة الافرنج في احتلال المدن الساحلية وبعض الداخل لتكوين مملكة القدس، وسنربطه بالمفهوم المركيتنلي الايطالي بحيث ان الجمهوريات الايطالية التي انخرطت بالمشروع حازت على امتيازات هائلة جعلت من كل جمهورية دويلة داخل المملكة، وبالتالي تأثر دور التجارة العالمية انذاك بتلك المحورية التي مارستها المملكة اللاتينية من القدس.

سقطت القدس في 22 شعبان 422/الخميس 14 تموز 1099 بعد حصار دام شهرا، الامر الذي مكن الافرنج في المشرق من وضع قدمهم على ارض صلبة ولكنها لم تكن كافية لاستمرار وجودهم وتأمين للسلطة العليا فيها، لأن رؤيتهم لمفهوم الحكم السياسي والاداري في المشرق ما كانت واضحة، لأن القادة العسكريون جميعهم كانوا من طبقة النبلاء، بدليل انه تم انتخاب Godefroy de Bouillon غودفروا ( قيّم كنيسة القيامة)[24]، ولقب ببارون القبر المقدس وحاميه وقام بدور الملك. وتأمينا للدور الديني تم انتخاب Malecorne    Arnoul اول بطريرك لاتيني فيها[25] فنشأت ان جاز التعبير ازدواجية سلطة. ما اغرى بودوان كونت مدينة الرها وبوهيمنود امير انطاكيا للحج اليها، ليطلعا عن كثب على الاحوال الادارية والسياسية فيها لتحديد مصالحة كل منهما فيها ان من حيث الارتباط بها او الاستقلال عنها، وبالتالي تحديد وضع احدهما تجاه الآخر تبعا لمصالح الشخصية لكل منهما الامر الذي ادى احيانا الى حد التقاتل. وتصرّف غودفروا على انه الملك او على الاقل يملك السلطة العليا في المدينتة ومنع ريمون دوسانجيل Raymond de Saint Gilles من التمركز بارصوف او عسقلان[26]  ليحصر مركزية المملكة به.

لكن هذه المملكة لم تصبح صلبة العود وواضحة المعالم الى حد الا بعد ان خلف بودوان (بلدوين) اخاه في حكم القدس بعد ان نصّبه بطريرك القدس دامبير، الذي خلف البطريرك الاول، ملكا عليها سنة 1100 [27]. فقد احتل ارصوف Arsur في نيسان 1101 بمساعدة الجنويين[28]، ثم قيصرية في ايار 1101.

ان هذا المآل ليس كافيا لفهم دور القدس في تطور وانحطات تجارة الايطاليين في المشرق، انما الاحداث اللاحقة هي التي ستوضح هذا الدور، عنيت بذلك سقوط المدن الساحل الاساسية بمساهمة فعّالة من الايطاليون وبالتالي نالوا امتيازات منقطعت النظير من حيث الاهمية، هي التي ستوضّح دور القدس في تنامي التجارة او اضعافه.

دور مملكة القدس باحتلال جبيل وطرابلس: كانت طرابلس احد اهم الموانئ الفاطمية على الساحل الشامي وفيها كان يجتمع الاسطول الفاطمي. وبعد ان فشل ريمون دي سان جيل بالحصول على عرش مملكة القدس او الحصول على امارة في المدن المحيطة بها راوده حلم احتلا طرابلس وتكوين كونتية خاصة به تدور في فلك مملكة القدس وبدأ بتنفيذ مشروعه. تمكن من احتلال طرطوس في آذار 1102 بمساعدة من الجنويين، وشرع بمحاصرة طرابلس[29] . وعجز طيلة تلك السنة عن تحقيق حلمه، ولكنه احتل حصن الاكراد[30]. وصار عليه لزاما الاستيلاء على جبيل لمحاصرة طرابلس واضعافها ليتمكن من السيطرة عليها بسهولة اكبر. فاستعان بالاخوين امبرياتشي القادمين على رأس اسطول من اربعين سفينة جنوية للمشاركة بغنائم مملكة القدس واحتل المدينة التي صارت ملكا للاخوين باحتفال الملك بودوان الاول سنة 1103.[31]

توفي ريمون سنة 1105 من دون تحيق حلمه وخلفه باحتلال طرابلس فخلفه في مشروعه ابن عمه غليوم جوردان، الذي نازعه ابن ريمون ارث والده بعد ان قدم الى الشرق على رأس اسطول جنوي كبير فقدم ملك القدس بودوان الاول الى طرابلس وقسم اراضي الكونيتة فاعطى طرابلس الى ابن سان جيل، وارضى المدعين الاخرين بمدن كانوا قد احتلوها. وبالتالي لعب ملك القدس دورا حاسما باسقاط طرابلس وبحل مشاكلها، ومن ناحية ثانية بحصول الجنويين على امتيازات خيالية فيها[32]

 دور القدس في سقوط صور: من الواضح ان قيام مملكة القدس اللاتينية في القدس وبعض الساحل كان مهددا بالسقوط لان القوى الاسلامية كانت تعمل جاهدة على الحد من تطور قوة الافرنج في المشرق العربي. فاغرى الافرنج الجمهوريات الايطالية بالمسعادة العسكرية البحرية الفعالة لتوسيع رقعة المملكة وتحصينها بالسيطرة على مدن الساحلية من انطاكيا الى حدود مصر.

وكانت صور بمينائها الحصين وموقعها الستراتيجي المهم وغناها، بخاصة بعدما لجأ اليها كل الهاربين من القدس والمدن الاخرى المجاورة لها التي سقطت بيد الافرنج، محط انظار مملكة القدس[33].  فاغرى بطريركها جرمون البنادقة ومنّاهم بالحصول على امتيازات دسمة ان ساهموا باسقاطها. وبدأ حصار المدينة وعوضا عن ان يعمل الفاطميون على فكه، حاولوا الضغط على الافرنج بمهاجمة القدس وجوارها عبر عسقلان من دون ان يحققوا نتائج تذكر. تقاعس السلاجقة عن انقاذ المدينة، لأن الجهد الذي بذلوه لم يكن كافيا، بخاصة بعد مقتل بلق في منبج بحيث اتفق طغتكين مع خاكم القدس على تسليم المدينة صلحا وانقاذ سكانها وتسلمها الافرنج في 23 جمادي الاولى 518/ 8 تموز 1124.[34] – سنعود الى الامتيازات في فقرة الامتيازات-[35]

دور القلاع والحصون التجاري: بنى الصليبيون عددا مهما من الاقلاع والحصون حصانة لمملكة القدس، وحفاظا على القدس بالذات من السقوط بايدي المسلمين، ومن اشهرها: الشوبك سنة 1112 في منطقة البحر الاحمر الذي بناه بودوان الاول، وجبل غلافيان يحمي بيروت، وشقيف ارنون تحمي صور، واسكندرون تحمي صيدا[36]، وستقوم هذه الحصون والقلاع بدور اساسي في حماية التجار الافرنج والشرقيين على حد سواء بل بحماية الطرق التجارية من اللصوص وقطاع الطرق لوقوعها على الخطوط التجارية الاساسية.

ثالثا: الامتيازات التجارية.

امتيازات الجنويين: ان معظم الابحاث التاريخية التي تناولت الحروب الافرنجية تعتبر ان الجمهوريات الايطالية شاركت بتلك الحروب منذ انطلاقها، انما الباحث المدقق يلاحظ تفاوتا بين تاريخ ودور وفعالية كل منها، اذ لبت جنوا الدعوة مباشرة  وتلتها بيزا  وتريثت كل من البندقية وامالفي. ويبدو جليا ان العقدين الاولين من الوجود الافرنجي في الشرق قد تميزا بالحروب، التي ادت الى اقامة الحدود بين مدن الساحل والمنطقة الداخلية التي كان يسيطر عليها الحكام المسلمون ما اعاق انطلاق الحركة التجارية في الثغور[37]. وقد يكون لذلك الامر دوره الفعال في حصول الايطاليين على امتيازات خيالية، وقد يفسر ايضا ما ذهبت اليه آنفا أي التباين في مباشرة الجمهوريات الايطالية الاشتراك بالحملات الى الشرق.      حاولت جنوا ان تكون السباقة لتقطف ثمار مجهودها على حساب زميلاتها، فلبى الدعوة مباشرة بعض برجوازييها، انما حكومة ” الكومبانيا ” القناصل التي نشأت عقب ذلك اتخذت التدابير الضرورية لوضع الاساطيل الجنوية بخدمة الافرنج. وقام الاخوان امبرياتشي بدور حاسم في هذا المجال، وجهزا آلات حصار بعض مدن الساحلية ولا سيما حبيل من خشبهما الخاص. وكان لمشاركة الجنويين الفعالة في العمليات الحربية ما بين 1098 و 1110 الدور الحاسم بحصولهم على امتيازات تجارية مهمة في الثغور الساحلية.[38]

 وقد وقع ملك القدس معهادة اولية معهم عقب احتلال يافا عام 1110، انما المعاهدة الاساسية التي اعتبرت المستند الرئيسي لكل الامتيازات الجنوية في المشرق العربي، فهي التي وقعت بين الجانبين المذكورين سنة 1104 مكافأة للجنويين لقاء اشتراك اسطولهم شبه الكامل في خدمة الملك بلدوين الاول فتمكن من احتلال عكا الموقع الاستراتيجي المنيع، ومن الاستيلاء على بيروت. فحاز الجنويون لقاء ذلك امتلاك كنيسة في عكا وثلث المدن التالية: ارسوف وقيسارية وعكا، وتمتعوا بالسيادة الكاملة على شارع واحد في عكا وفي القدس، وباعفاءات تامة من الضرائب والمكوس، كما وعدهم  الملك بتسليم ممتلكات وسلع كل جنوي يتوفى في ارجاء مملكة القدس[39]. وقد حرص الجنويون على نقش مضمون الامتيازات المذكورة بحروف مذهبة خلف مذبح كنيسة القيامة[40]، مخافة ان يقدم الحكام الافرنج في قابل الايام على التنصل منها.

   وقد تجددت تلك المعاهدة واضيفت اليها ملحقات او اضافات حتى بات الجنوييون يتمتعون باعفاءات ضرائبية على البضائع المستوردة من الاراضي الاسلامية، كما حصلوا على محاكمهم الخاصة لا سيما في صور وعكا.[41] ونالوا في عهد يوحنا ابيلين حاكم بيروت على امتيازات مشابهة اذ اعفوا من الضرائب والرسوم على الصادرات والواردات ومنحهم محكمة خاصة بهم [42]، وسوق في بيروت نفسها[43]، مستثنيا بعض السلع من الاعفاآت الضرائبية مثل الخزف والزيت.[44]

اما  الامتيازات الجنوية في طرابلس فقد تكون الاهم بين نظيراتها التي منحها لهم الافرنج، بحيث ان الاخوين امبرياتشي مكنوا سان جيل من احتلال مدينة جبيل سنة 1104 ، فمنحهم الكونت ريمون ثلثها ثم تحولت المدينة الى مستعمرة لاسرة امبرياتشي. وفي عام 1109وقع خلاف بين برتران ابنه وابن اخيه وليم Guillaume كونت سردينيا، وشارك الجنويون في هذا النزاع وآزروا الاول مشترطين عليه الحصول على جبيل كاملة، وعلى ثلث مدينة طرابلس. وبانتصاره حصلوا على الارث واتم هو فتح المدينة ولكنه رفض تنفيذ المعاهدة ما دفع الجنويين الى احتلال كامل مدينة جبيل [45]. ولكن هايد يذكر ان برتران اعطهم، عوضا عن ثلث طرابلس ، منطقة تعرف باسم ” الهري” Puy de Connetable .[46] وفي سنة 1168 قدم آل امبرياتشي وتحديدا “هيو” امتيازات تجارية للجنويين تقوم على حرية التجارة والاعفاءات الضرائبية والجمركية[47]. ولكنهم لم يمارسوا تلك الامتيازات التجارية والضرائبية في طرابلس بشكل فعلي الا في مطلع القرن الثالث عشر على عهد بوهيمون الرابع بدءا من سنة 1205 الذي اعفاهم من ضريبة البيع في اسواق المدينة  وسمح لهم بمحكمة خاصة بهم[48].

  على الرغم من مساهمة الجنويين في احتلال المدن الساحلية فانهم لم يحصلوا في بداية الامر على امتيازات تجارية في صور على غرار امتيازات البنادقة، لانهم لم يساهموا في احتلال المدينة. ولكن الافرنج احتاجوا الى خدماتهم العسكرية لتحصين المدينة بعد هزيمتهم في حطين وخسارتهم القدس عام 1187، ما أمّني لهم الحصول تدريجا على امتيازات شبيهة بما كان قد حازه البنادقة في بداية العهد الافرنجي. ويذكر الامير موريس شهاب ان كونراد دي مونتفرات ثبت الامتيازات المذكورة وعززها بمعاهدة جديدة، ومن ابرز بنودها: اعفاء الجنويين من الضرائب على المكاييل والموازين، وحصولهم على حقول متعددة، وحمامين احدهما للنساء والآخر للرجال، وفرن، وسوق، وعدد من المنازل فضلا عن ثلث عائدات مرفأ المدينة.[49]ويقول الياس القطار ، مستندا الى دسيموني  Desimoni ، انه بفضل دو شمباني حاكم صور اصبح للجنويين في صور محاكمهم الخاصة يتقاضون فيها بكل ما يتعلق بشؤونهم بما في ذلك الجرائم. ونالوا جزءا من مكوس الجمارك المفروضة على سلع العبور ( الترانزيت )، ولا يدفعون الضرائب على البضائع المعروضة في مخازنهم او المرسلة اليهم بطريق البر[50].كما صار لهم مراكز صيرفة خاصة بهم وحمام ومجرى ماء لحاجياتهم.[51]ويضيف انهم تمتعوا بكل تلك الحقوق مقابل حمايتهم لحاكم المدينة وترميم مرفئها، وعلى الا يزيدوا طبقات منازلهم او يستحدثوا مسامك وملحمات في حيهم من دون ترخيص مسبق[52].

امتيازات البيازنة: من الواضح ان بيزا هي الجمهورية الايطالية الثانية التي وضعت قدراتها العسكرية في خدمة الافرنج بعد جنوا فجاءت امتيازاتهم الاولى في امارة انطاكيا.[53] ثم منحوا  امتيازات تجارية وضرائبية في مملكة القدس، كان معظمها في المدن الفلسطينية [54]. في عهد بلدوين الثاني ( 1118- 1131) حصلوا على خمسة بيوت في صور، ووكالة تجارية قرب المرفأ[55]. وفي عهد بلدوين الثالث وتحديدا في سنة 1156 نالوا محكمة خاصة،[56] وفرنا وخمسة افدنة من الاراضي خارجها[57].

وكلما كانت تتعرض احدى المدن الافرنجية الى خطر محدق كان يعمد حكامها الى تقديم تنازلات جديدة للايطاليين، ويحيون العمل بالمعاهدات السابقة التي كانوا قد اختزلوا بعضا من مضامينها. ويتبدى ذلك عندما احدق الخطر بصور في عهد صلاح الدين الايوبي، ولاسيما قبيل عام 1187 وخلاله، بخاصة عندما خسر الافرنج القدس. لذلك يمكن ان يتوضح دور البيازنة التجاري في المدن اللبنانية من خلال معاهدة 1187 التي ابرمها مع كونراد دي مونتفرات حاكم مدينة صور، وجاء في ابرز بنودها :”منح البيازنة قطعة ارض لبناء البيوت قرب الموانىء فضلا عن حمامات وافران، وتعيين موظفين من قبلهم للاشراف على جميع المعاملات التي يقوم بها تجارهم[58] ، واعفاؤهم من الضرائب والرسوم، ومنح قناصلهم الاستقلال في ادارة كل ما يتعلق بشؤون المستوطنة البيزاوية، منحتهم المعاهدة الآنفة سلطات قضائية على مستوطنيهم في كل الحالات ، ما عدا الجرائم الموجهة ضد غير البيازنة[59] ، وحماية بضائعهم وممتلكاتهم في حال غرق سفنهم او تحطمها قرب السواحل الافرنجية. كما نالوا فرنا وحماما وعدة منازل مع حقولها داخل المدينة[60]، كل ذلك مقابل تقديمهم المساعدة العسكرية لاسترداد مدينتي يافا وعكا من السلطان صلاح الدين الايوبي والدفاع عن مدينة صور ضد محاولات صلاح الدين للاستيلاء عليها[61].  كما حصلوا على حق استعمال المكاييل والموازين الملكية المعفاة من الضرائب. ويضيف القطار بان كونراد دي مونتفرات عزز امتيازاتهم بسماحه لهم العمل على ابواب المدينة وفي مرفئها وفي سوقها ومراقبة حسن استيفاء الضرائب واعفاهم من الضرائب على السفن الغارقة [62]. وبذلك اضحت امتيازاتهم في صور تضاهي الى حد، من حيث الاهمية، مثيلاتها التي تمتع بها البنادقة والجنويون. ولم يحصل البيازنة على امتيازات  في مدينة طرابلس الا سنة 1179 حين وهبهم ريمون الثالث بيتا، ثم حصلوا على محكمة خاصة بهم كما اعفوا من الضرائب الجمركية[63]

 امتيازات البنادقة : منذ بداية حروب الافرنج في الشرق تريث البنادقة فترة [64]. ولكن عندما وقع امير انطاكيا في الاسر وازدادت هجمات الزنكيين ضد الافرنج ارسل هؤلاء الى دوق البندقية يطلبون النجدة العسكرية على جناح السرعة، وتدخل البابا طالبا منهم تلبية المساعدة [65]. فلبوا  النداء وقاد دوقها بنفسه اسطولا قوامه مئتا سفينة وانقذ موقف الافرنج الحرج، واحتلا مدينة صور[66]، وعلى أثرها وقعت معاهدة 1124 بين البنادقة والبطريرك غورمون نيابة عن الملك المأسور، وهي تعتبر اساسا لكل المعاهدات والامتيازات البندقية في مملكة القدس، وقد اورد وليم الصوري تفاصيلها بكل دقة : يمتلك البنادقة ملكا خالصا كنيسة وحيا وفرنا وطاحونة وساحة في كل مدينة وبارونية خاضعة لبلدوين الثاني وخلفائه. ولهم حق استخدام مكاييلهم وموازينهم  الا اذا اشتروا سلعا من تجار آخرين.  ومنحتهم المعاهدة استخدام محاكم خاصة بهم يحتكمون اليها الا في حال حصول خلاف بين البنادقة وآخرين فيخضعون عندها لمحاكم الملك. واعفتهم ايضا من الرسوم والضرائب على انواعها في التصدير والاستيراد والمكوث في المملكة، واستثنت منها الضرائب على نقل الحجاج. كما اقرت لهم بوراثة كل تاجر يتوفى في المملكة، وحقهم بسلع السفن التي تغرق او تتحطم في موانئ مملكة القدس. ونالوا بموجب تلك المعاهدة ايضا ثلث مدينة صور وملحقاتها ملكا تاما، وهي اوجبت على الملك دفع مبلغ 300 دوكة لدوق البندقية من عائدات مرفأ صور.[67] اما اولى المعاهدات التي وقعت بين الجانبين فكانت في عهد غودفروا دي بيون في تموز عام 1100 عندما قدم اسطول بندقي وتوقف قبالة شواطئ يافا، طالب البنادقة مقابل خدماتنهم التي قاربت الشهر عقد معاهدة حصلوا فيها على اعفاء من الرسوم والضرائب الجمركية في مملكة القدس وثلث كل مدينة يساهمون في احتلالها، فضلا عن سوق وكنيسة[68]. منحهم حنا ابلين حاكم بيروت تشجيعا لتجارة المدينة حقوقا تجارية وامتيازات نصت على الاعفاء من الضرائب الجمركية على بعض السلع.[69]

اما معلوماتنا عن مرسيليا ومونبليه فهي قليلة، ونعرف فقط انهم اعفوا من الضرائب على تجارتهم وعلى موازينهم ومكاييلهم[70] .

امتيازات تجار آخرين: لا نملك معلومات كافية حول دور التجار الافرنج في مماكة القدس اللاتينية، انما بالعودة الى بعض المراجع الاجنبية تبيّن لنا ان تجار مرسيليا ومونبليه اعفوا من الضرائب على تجارتهم، وعلى موازينهم ومكاييلهم التي حق لهم استخدانها[71].

رابعا: التنافس التجاري وعلاقة الجاليات الايطالية بالحكام الافرنج:

دور المعاهدات الاداري:ومن الواضح ان الايطاليين لم يتمتعوا بكامل الامتيازات التي نالوها من الفرنجة اذ عمد هؤلاء الى المراوغة للتملص من تنفيذ بنود المعهدات ولا سيما في الفترة التي تلت الاحتلال الفرنجي للمدن الساحلية على امتداد الشواطئ من فلسطين الى اعالي سورية. اذ عمد بعض الملوك والحكام في مملكة القدس بخاصة في العاصمة ومعظم مدن الساوحل كطرابلس وصور وجبيل وبيروت وصيدا الى التلاعب بمضامين المعاهدات المتعاقبة تحصينا لمواقعهم الاقتصادية وكي يقاسموا الايطاليين الارباح [72]، لأن الاوضاع العسكرية فيها كانت شبه قد استقرت ولم تجابه خطرا حقيقيا الا في عهد السلطان الايوبي صلاح الدين.

 وتعتبر الامتيازات التي نالتها الجمهوريات الايطالية في القرن الثالث عشر تكملة لما كان قد حصل عليه الايطاليون سابقا منذ مساهمتهم العسكرية الاولى في القرن الحادي عشر  ومطلع الثاني عشر انما طرأعليها تحول اثناء حملات صلاح الدين الايوبي التي استرد خلالها بعض المدن وهدد المدينتين اللبنانيتين الرئيسيتين طرابلس وصور [73]، وبالتالي عمد الايطاليون الى الابتزاز كي يعيد الفرنجة العمل بالمعاهدات الاولى وللحصول ايضا على امتيازات جديدة كي يؤمنوا الحماية العسكرية ليس للمدينتين المذكورتين فحسب انما ايضا لاسترداد المدن التي استولى عليها صلاح الدين.

   ويمكن تسجيل اكثر من ملاحظة في هذا الشأن: ادراك الافرنج خطورة مشاركة الايطاليين لهم في حكم المدن الساحلية عموما على اسس فيودالية مما كان يفقدهم دور الريادة والقيادة السياسية، وقد ادت الامتيازات الى قيام نوع من حكم اقليات ضمن مملكة القدس واماراتها ولا سيما في جبيل، وفي احياء طرابلس وصور وبيروت وعكا التي تقاسمتها الجاليات الايطالية الجنوية والبيزية والبندقية.[74]وان نظرة على الجهاز الاداري للجاليات ايطالية في المدن الرئيسية تعطينا فكرة واضحة عن فعالية ذلك الجهاز، وعن دوره في تقاسم السلطة مع الافرنج. خصوصا ان الجمهوريات الايطالية، بعد ان انتزعت الامتيازات من منهم ولاسيما امتلاك الاحياء والمشاركة بالاشراف على الجمارك والحصول على محاكم خاصة الخ…، ادركت اهمية ادارة جالياتها في المشرق العربي، فعينت كل منها مديرا يشبه عمل القنصل اليوم ولقب بلقب خاص. فعرف البندقي بلقب بايلو Bailo وكان مركزه في عكا ويساعده مساعدون في المدن الالافرنجية الاخرى عرف الواحد منهم بلقب فيكونت [75] ، اذ توجب على كل جالية تملك ثلث المدينة ان تعين عليها حاكما وقاضيا، كانت الدجمهورية التابع لها تدافع عن الحاكم ضد اية اعتدآت[76]. ولينا نموذج واضح على ذلك؛ اذ عينت جنوا  عندما امتلكت ثلث جبيل حاكما من قبلها على المدينة اسمه انسالدو كارسو[77]. وقد تمتع البايلو بصلاحيات واسعة جدا: مثل عقد المعاهدات بالنيابة عن دوق البندقية، والاحتجاج لدى المراجع الافرنجية كلما دعت الحاجة الى ذلك ،  وكان يعتبر المرجع الرئيسي لكل الموظفين البنادقة في صور وطرابلس وبيروت وغيرها من المدن الافرنجية [78]، ويجهد كي لا يتلقى رعاياه امرا او يلتمسوا عدالة من موظفي الدولة الافرنجي[79].

 وكان للبيازنة موظف كبير يدير شؤونهم عرف بالقنصل وكان مركزه في عكا.[80]اما الجنويون فقد احتكر آل امبيرياتشي ادارة جالياتهم لمدة طويلة اي لغاية عام 119. وكان مقرهم في مدينة جبيل.[81]وثم مارس الحكام الجنويون هذا الدور فعينوا قنصلا لتولي المهام الادارية كلها وفيكونتا لتولي الامور القضائية[82]. وبما ان طرابلس شكلت مركز الثقل التجاري للجنويين عينت فيها جنوا فيكونتا تلي رتبته الفيكونت الاعلى[83]. ومنذ عام 1274 استبدل القنصل ب بودستا وحل مكانه في جميع صلاحياته واستقر في مدينة صور. وكان عمل ممثل الجاليات يشبه الى حد كبير دور البايل البندقي، وبالتالي تعددت الصلاحيات في المدينة الواحدة، وتضاربت مع الوظيفة الاساسية للحاكم الافرنجي ملكا كان او سنيورا وادى الى مشاكل جمة، وكادت السلطة الرئيسية تضيع في خضم تلك الصلاحيات المتداخلة، ولاسيما ان كل جالية جهدت لتأمين مصالحها التجارية على وجه الخصوص.

الاحتكام الى السيف لصون المعاهدات: ان السيطرة الايطالية العسكرية وحاجة الافرنج المستمرة لهذ القوة العسكرية افقدت الحكام الافرنج على تنوّع مستوياتهم القدرة على رعاية التجارة بحيث انهم فقدوا السيطرة على التجار الذين، وفقا لاحكام المعاهدات التجارية، احتكموا الى محاكمهم الخاصة، وعاشوا في احيائهم الخاصة، التي كانت ادارتها محض ايطالية. وبالتالي فقدوا القدرات الاقتصادية التي لو تمتعوا بها بطريقة صحيحة لتمكنوا من الاستغناء تدريجا عن الوصاية الايطالية. ولعب ايضا في هذا الشأن تصادم مصالح الحكام الافرنج في ما بينهم من جهة، ومع ملك القدس من جهة ثانية، مما زاد الارباك السياسي، والحاجة الماسة للقدرة العسكرية الايطالية، التي تماهت في ذلك الصراع جريا وراء مصالح كل جالية، ما ادى للاحتكام للسيف، وتاليا تعرض الجالية المنهزمة لفقدان امتيازاتها.

وعليه يصعب ادراك ابعاد الحركة التجارية الايطالية في المشرق العربي عموما الا من خلال التنافس التجاري والعسكري المنوه عنه آنفا. ومن الامثلة على ذلك الصراع الذي حصل ما بين  1190 و1192 بين غي دي لوزنجيان وكونراد دي مونتفرات على عرش مملكة القدس بحيث جهد كل منهما للتحالف مع القوى العسكرية التجارية الايطالية عن طريق تقديم امتيازات جديدة لمن يؤازره. فدعم البيازنة غي، في حين آزر الجنويون كونراد، وبانتصار الاخير طرد البيازنة [84]من صور. وتجدد الصراع على العرش عينه ما بين 1193و 1195 بين غي دي لوزنجيان حاكم قبرص وهنري شمبانيا متولي صور الذي آزره الجنويون فما كان من هنري الا ان طرد البيازنة من صور ولم يتمكنوا من العودة الى احيائهم الا بعد ان وقع الصلح بين الطرفين عام 1195[85].

نماذج من التنفيذ الفعلي للامتيازات:

طرابلس:لم تتمركز الجاليات الايطالية بالمدينة فعليا الا في مطلع القرن الثالث عشر او بعيده، ومرد ذلك الى ان حصول الايطاليين على الامتيازات فيها جاء متأخرا قياسا بالمدن الاخرى.

جبيل : سقطت جبيل عام 1187 بيد صلاح الدين واسر صاحبها (من آل امبرياتشي)، وتم استردادها عام 1193 وعلى الرغم من بقائها تحت سيطرة آل امبرياتشي، وعلى الرغم ايضا من ان الجاليات الايطالية فيها كانت معفية من كامل الرسم والضرائب، الا ان تلك الاسرة غدت تابعة لحكام طرابلس.

صور: كان ميناؤها افضل من ميناء عكا لانه يتسع لمعظم انواع السفن[86]. وعلى الرغم من ان فيليب دي مونتفرات طرد البناقة منها وعلى الرغم انهم لم يتمكنوا من العودة اليها الا عام 1277 فانهم استمروا في سك الدنانير الذهبية التي تحمل شعائر اسلامية لانها تجلب التجار المسلمين اليها وتسهل التعامل التجاري[87]. وازدادت اعداد الجاليات الايطالية فيها بعد عام 1187 حين حصل الجنويون والبيازنة على امتيازات تجارية وفيرة. وغدا الجنويون اكثر الجاليات الاوروبية نشاطا واهمية بسبب مساعدتهم لحكام صور، واستمر الامر على هذا النحوا الى حين الجلاء الافرنجي عن الشرق.

ان كل ذلك يمكن ان يفسّر دور المركزي لمملكة القدس بالتحول التجاري الايطالي الايجابي، فالملوك الافرنج ابتزوا الجمهوريات الايطالية في فترة الاستقرار العام وخالفوا جهارا مضامين الامتيازات التجارية والادارية – وهي لها علاقة مباشرة بالدور التجاري للجاليات في مملكة القدس- فاختزلوا من المعاهدات المبرمة ما كان يناسب اوضاعهم الاقتصادية والادارية. ولما كاد السلطان صلاح الدين ان يسقط مملكة القدس سارع حكامها لتقديم تنازلات للجمهوريات الايطالية التي عمدت بدورها الى الابتزاز للحصول على اعلى قدر ممكن من التسهيلات التجارية لتستعيد الارباح التجارية الخيالية التي كان يحققها الايطاليون. وان نظرة على تطور الطرق التجارية، وعلى انواع السلع التجارية المتبادلة بين الشرق والغرب يوضح هذه المعادلة المركزية القائمة على الحاجة الى القدرة العسكرية الايطالية في مملكة القدس اللاتينية ومحاولة الحكام الافرنج التملص من التنفيذ الفعلي لكامل بنود المعاهدات التجارية، وبالتالي الابتزاز المتبادل بين الفريقين لصالح القوي بينهما وفق الميزان السياسي والعسكري العام.

خامسا:الطرق والسلع التجارية

الطرق التجارية العالمية الرئيسة: كان في العصور الوسطى ثلاث طرق رئيسة تربط الشرق الاقصى بالمشرق العربي تراوحت المخاطر عليها تبعا للظروف السياسية والعبات الطبيعية. كان الطريق الاول بحري ينطلق من الصين مرورا بالهند فالخليج العربي حيث يتفرع باتجاهين: غربا الى دمشق، وشمالا الى ديار بكر[88]. اما الثاني فيأتي ايضا من الشرق الاقصى عبر المحيط الهندي الى البحر الاحمر، ثم يسلك اتجاهين: عبر سيناء الى دمشق فموانئ الساحل الشامي، او الى القاهرة[89]. وكان الثالث بريا عبر الهند وجبالها وهو لا يعنينا اجمالا في هذا البحث.

وقد تعددت المحطات التجارية البحرية والبرية على هذه الطرق مما سهّل عبور القوافل عليها[90]. وقد أمّنت تلك الطرق والمحطات بانتظام وصول سلع الشرق الاقصى الى موانئ ساحل بلاد الشام ومدنها الداخلية، وأمنت ايضا انتقال السلع الاوروبية باتجاه الشرق الاقصى. وحرص الحكام في منطقة الخليج العربي ومنطقة الحجاز على ان تبقى الطرق الرئيسة خفية على التجار الافرنج على اختلاف جنسياتهم، ومنعوا على الحكام الافرنج ايضا من عبور تلك المنطقة.

طرق القوافل او الداخلية : ان الطرق الداخلية التي كانت تربط المدن الداخلية في بلاد الشام والمشرق العربي عموما بالمدن الساحلية كانت متعددة، وسنركز على ابرزها. الطريق الآتي من الفسطاط( مصر القديمة) الى دمشق مارا بالرملة وطبرية ومنها الى الموانئ الرئيسة على الساحل التي يعتبرها ابن خرداذبه المخرج الطبيعي لتجارة بلاد الشام[91]. وكانت حلب وفق ناصر خسرو ملتقى الطرق التجارية الواصلة اليها من مناطق مختلفة ويأتي طريق منها الى دمشق فبيروت، او الى حمص فطرابلس، لأن حمص كانت بدورها محطة إلتقاء عدد من القوافل القادمة اليها من الرقة والفرات بمحاذاة الصحراء [92]. ويتفرع طريق حماه باتجاهين: احدهما نحو الساحل غرب الشام الى عرقة فطرابلس، والآخر نحو الجنوب الى دمشق[93]. ولشدة اهمية وازدها الطريق الذي ينطلق من حلب الى دمشق خصّه ابن جبير المعاصر لمرحلة مهمة من عهد الافرنج بوصف مهم[94] يمكن الخلوص منه: التركيز والتنويه بكثرة الخانات[95]، وسهولة عبور الطريق المذكور نظرا للتسهيلات الكثيرة المتوفرة عليه وعلى متفرعاته، وامكانية التبادل التجاري في خاناته، او التزود بسلع جديدة منها. وتؤشر كثرة الخانات الى شدة ازدهار الطرق المذكورة. وقد وصف ابن جبير ايضا الطرق البرية التي تصل الى صيدا وصور وعكا: فالقوافل كانت تنطلق من مصر عبر طبرية الى دمشق ومنها الى دارية، فبانياس، ثم الى تبنين حيث كانت السلع تمكس، ومنها الى عكا، ثم الى اسكندرونة فالى صور[96].

وتبيّن دراسة طرق القوافل ان دمشق وحلب كانتا من ابرز المراكز التجارية الداخلية وتزخران بمختلف انواع السلع، بحيث شكلتا مستودعا للسلع القادمة اليها عن طريق مصر أكانت مصرية المصدر او مجلوبة  من الشرق الاقصى. وكانت الموانئ الساحلية مخرج التجارة الدمشقية، بخاصة اللبنانية منها ولا سيما صور وطرابلس وصيدا لأنها كانت من ابرز الموانئ التجارية والعسكرية على حد سواء. ولعل صور وفق معظم المؤرخين كانت الاهم والاوسع بينها، اذ كان لها ميناآن داخلي وخارجي، الاول لاستقبال السفن الصغيرة لأن الكبيرة قد تتعرض للعواصف من دون امكانية حمايتها، على عكس الثاني الذي كان يفوق ميناء عكا اتساعا ويستقبل السفن من مختلف الاحجام، وكان يشكل مأوى امينا لها.[97]

كانت تخضع لكونتية طرابلس عدة مرافئ ما كان يسهل الاعمال التجارية فيها، لأنها كانت تتلائم مع كبر السفن واحجامها مثل طرطوس[98] ، وجبيل المخصص لاستقبال السفن الصغيرة ،[99] وميناء طرابلس نفسها تلك المدينة الشديدة التحصين باسوارها العالية الذي كان يستقبل السفن من مختلف الانواع والاحجام[100]. ولم يكن ميناء بيروت من الاهمية الكبرى ليضاهي موانئ طرابلس وصور وعكا، بل كان يستقبل السفن المتوسطة الحجم، وكانت تكمن منزلته بانه كان ملتقى التجار من حلب ودمشق وبعلبك[101].

وهكذا لعبت الموانئ المشرقية المتوسطية التي كان يسيطر عليها الافرنج دورا اساسيا وبارزا في التجارة التي مارسها الايطاليون بوجه الخصوص مستفيدين من الامتيازات التجارية التي حازوها اثناء تكوين مملكة القدس والكونتيات والامارت الاخرى، او السنيوريات التي كانت خاضعة لمملكة القدس اللاتينية. فقد كانت فريدة من حيث قرب بعضها من البعض الآخر؛ فكان اذ تعرّض ميناء منها لأي خطر كان النجدة تصله بسرعة فائقة من الموانئ الاخرى. وتتمثّل فريدتها ايضا بسهولة وصول التجار اليها بحرا او عبر القوافل، او وصول وسطائهم للقيام باعمالهم التجارية الخاصة. ناهيك بالامان الطبيعي الذي حباها الله لها من شمالي لبنان حتى مشارف عكا اذ تحيط بها الجبال العالية التي تشكل حصونا طبيعية لها يصعب اختراقها.

 السلع التجارية:

 الصادرات : كان طلب الاوروبيين على السلع في المشرق العربي شديدا أكانت منتجة فيه او مصدرة اليه من الشرق الاقصى وبلاد فارس. وقد اورد بيرين Pirenne ثبتا بابرز السلع المشرقية : الارز، الليمون، المشمش، الزبيب، العطور، الادوية، الاصباغ، الاخشاب الممتازة كالصندل … والقطن الذي اعطى اسمه العربي الى كل اللغات، والحرير الخام . هذا اضافة الى انواع من الملبوسات ، التي عرفت باسماء مصادرها، مثل الدمسق نسبة الى دمشق، وبلدكان BALDAQUIN نسبة الى بغداد، والموسلين نسبة الى الموصل، وgaz  نسبة الى غزة [102]. هذا فضلا عن اقمشة  Samit و Camelot وانسجة  سميكة من وبر الجمال او الماعز او الصوف، والصابون والاواني النحاسية المكفتة.[103]ناهيك عن المسك، وخشب الصبر، والبهار، والهال، والقرفة، والخولخان[104]، وجوز الطيب، والكافور، والقرنفل، والتين واللوز، وقصب السكر، والنبيذ، والسمسم، والثمار الزيتية، والنيلة، والفوة[105]، والخزف والزجاج.[106]

اما سلع الشرق الاقصى التي كانت تصدر الى اوروبا فقد ذكرها كل من ابن خرداذبة والادريسي. وهي مواد طبية مثل القسط والبقم[107]، والبهار والقنا [108]، والخيزران، والعود[109]، والعنبر الطيب الرائحة تزن الواحدة منه ما يقارب القنطار احيانا، واللؤلؤ، والياقوت، والماس، والزمرد، والاحجار الكريمة، واصناف عدة من العطر والبلور[110].

وحمل التجار الاوروبيون السلع المشرقية الى الغرب الاوروبي، فنقلوا من مصر الزمرد[111] قصب السكر والسكر.[112]والمنسوجات بخاصة الصناعات التي اشتهرت بها المصانع في مصر والشام وفلسطين ولبنان. فقد نقلوا من مصر عبر الاسكندرية او الموانئ اللبنانية المنسوجات الكتانية التي اشتهرت بصناعتها المدن المصرية مثل تنيس ودمياط والاسكندرية والفرما وغيرها[113]، اضافة الى المنسوجات الحريرية والقطنية والصوفية.[114] وقد تميزت طرابلس بالصناعة النسيجية خلال العصور القديمة و الاسلامية والبيزنطية وخلال العصر الصليبي ايضا [115]. وكان في طرابلس وحدها حوالى اربعة آلاف شخص يعملون في صناعة الحريرخلال القرن الثالث عشر[116]، انما على الارجح كانوا يعملون في مختلف انواع المنسوجات. وكان في صورمصانع للحرير شهيرة ولاسيما صناعة الحرير الابيض الذي شكل مصدرا رئيسا للحي البندقي فيها الذي كان يصدر الى الغرب الاوروبي [117]،  ونقلت الى المدن الافرنجية وبخاصة اللبنانية منها الاقمشة الحريرية والمنسوجات الاخرى على اختلاف انواعها من المدن الشامية ولاسيما دمشق، ومنها كانت تصدر الى اوروبا[118]. وقد احتل الزجاج الصوري المرتبة العالمية الاولى من حيث جودته [119]، وقد خصص فيها ربض لصناعة الزجاج الجيد، والفخار على حد تعبير الادريسي.[120] وتعود شهرة الزجاج المصنع فيها كالزهريات الشفافة والفائقة الجودة لاستخدام الصوريين مواد اولية ممتازة مستخرجة من المدينة عينها كالرماد مثلا[121]. وكان تلك المصنوعات معروفة في طرابلس وصيدا وتصنّع بطريقة ممتازة وان لم تكن تضاهي الزجاج الصوري[122] . وكان قصب السكر يزرع بكميات وافرة في بساتين صيدا وصور وفي طرابلس[123]. وكانت صناعة السكر من الصناعات الرئيسية في صور معاصره منتشرة داخل المدينة التي كان يملك بعضها الملك وبعضها الآخر البنادقة والجنويون[124]، واعتمدت صناعته في تركيب الادوية. وصدرت المدن اللبنانية زيت الزيتون، الذي كان يطلق عليه الافرنج الزيت الطيب، الذي كان يجلب اليها من مناطق متعددة كالخليل ونابلس.[125] وتميزت صور ايضا بصناعة الاقمشة البيضاء الممتازة الصنع والباهظة الثمن والتي لم يكن يصنع شبيه لها في سائر البلاد المحيطة بها، وكانت تصدر الى كل الآفاق.[126]وقد اشتهرت صور بعدد آخر من الصناعات ذكرها الامير موريس شهاب مثل صناعة المصاغ والحلي على انواعها.[127]ناهيك عما كان ينتجه سهل البقاع من مختلف انواع الحبوب حيث كان للافرنج ثلث محصوله على الاقل في العهد السلجوقي.[128] ونقل الايطاليون المنسوجات المصرية التي كانت تصنعها تنّيس، دمياط، الاسكندرية والفرما[129]، عبر الاسكندرية مباشرة او من الموانئ اللبنانية[130].

لقد وفّرت المدن اللبنانية ولا سيما طرابلس وصور اصنافا عديدة من منتوجاتها الزراعية. كانت سهول طرابلس فسيحة وتتمتع بخصوبة مدهشة وغنية بالحدائق والبساتين الغاصة بالفواكه مثل: النارنج، والترنج، والتين، واللوز، وقصب السكر، وحقول السمسم، والثمار الزيتية خصوصا في أنفة[131]. وتعرّف الايطاليون الى اهمية الشب في الصباغة وغدا استخدامه ضروريا في صناعات اوروبية.[132]  

  الواردات الافرنجية:  ان السلع التي صدرها الايطاليون الى المدن الافرنجية المشرقية كان قسم منها معدا للاستهلاك المحلي والقسم الاخر لاعادة التصدير للداخل المشرقي الى اسواق مصر وسوريا وفلسطين بواسطة التجار الاروربيين انفسهم او عن طريق تجار مشرقيين[133]. وتولى تصدير بعض هذه السلع تجار مشرقيون الى الشرق الاقصى. اما اهم السلع التي صدرها التجار الايطاليون الى الشرق فهي: الاخشاب والاسلحة ولاسيما الخوذ[134] والسيوف [135]، والرقيق، وشكلت صور احد اهم اسواقه [136]، والاقمشة على اختلاف انواعها ومن مصادر متعددة :ايطالية وفرنسية[137] مثل اقمشة شامبانيا Champagneواللانغدوق Languedoc، الفلاندر، بال، انكلترا، آفنيون، واقمشة اخرى مصنوعة من خيوط الذهب في جنوى ولوك، وكذلك نسيج الكتان المشبوك الحبك، ومنسوجات باريسية. ناهيك عن شحنات من القصدير، والمرجان، والزئبق، وجلود الثعالب، والفراء، والقمح، وزيت الزيتون[138]. وجلب الايطاليون الى المشرق الرقيق والعسل والشمع[139].

ان هذا الكم الكبير من السلع التجارية المتبادلة يؤشر الى الحجم الكبير بل المضطرد في الحركة التجارية الواسعة، ويؤشر ايضا على نسبة الارباح الهائلة التي كان يحققها التجار الايطاليون بصورة خاصة. وما كان ذلك ليتم لو لم يساعد الايطاليون بفعالية الافرنج بفتوحاتهم ويحصلوا على الامتيازات المذكورة آنفا. وما كان ذلك لينجح لولا تطور في المواصلات، وانتظام الطرق التجارية العالمية بين الشرق والغرب، والسهر على سلامتها بحمايتها من اللصوص وقطاع الطرق على اختلاف تلاوينهم. وأمن حمايتها كلا الجانبين الافرنج والحكام المسلمين لأن الافادة المادية شملتهما معا.

سادسا: الحركة التجارية: لا تقتصرالحركة التجارية على بيع وشراء السلع او مقايضتها وكيفية وصولها الى الاسواق، انما على مقدار الضرائب المجباة، وكمية النقود، وحركة الصيرفة، وورود السفن ومغادرتها ضمن مواعيد محددة بدقة. وان افتقارنا الى البيانات والوثائق التجارية التي تغني البحث، يدفعنا الى الاعتماد على ما جاء اجمالا في المراجع الاجنبية، وعلى تقديرات عامة.

النقود: ادى تدفق الجاليات الايطالية الى المشرق العربي وممارساتهم التجارية الى فورة نقدية على مستوى وفرة العملات وتنوعها بحيث تلاقت النقود البيزنطية مع الدنانير العربية والاسلامية، ومع النقود التي سكها الافرنج كالدينار الاسلامي الذي جاء تقليدا للدينار الفاطمي لتسهيل التبادل التجاري مع المسلمين، ثم استبدل به دنانير مسيحية بتدخل من البابا انوسانت الرابع[140]. وضربت بصور دنانير اسلامية تعود الى عهدي السلاجقة والايوبيين ومطلع العهد المملوكي[141]. وسك الافرنج البيزنت Bezant الذهبي[142] وكانت قيمته تفوق الدينار العادي.[143]وكان يحق للايطاليين رغم الامتيازات التي حازوها سك نقودا ذهبية خاصة بهم، انما اجيز لهم سك دراهم برونزية عرفت باسم “بافيش”Bafych [144]ورفض كثيرون التعامل بها لشدة ما لحق بها من غش.[145]هذا بوجه عام لأن فلامنغ يؤكد ان البناقدة سكوا نقودا ذهبية في صور اجازتها لهم معاهدة 1124 واستمروا مستفيدا منها حتى عهد فيليب دي مونتفرات، وجاءت مشابهة للدنانير الاسلامية[146]

المصارف والصيرفة: اوجب الكم الهائل من النقود والنشاط التجاري المتزايد قيام مراكز مصرفية. بخاصة ان الجمهوريات الايطالية كانت تملك مصارف ضخمة انتشرت فروعها في انحاء عديدة من العالم بما فيها المدن الساحلية الافرنجية لتسهيل التبادل التجاري[147]. وقد زاولت المؤسسات الدينية العسكرية مثل الداوية والاسبيتارية وغيرهما الصيرفة بفضل ممتلكاتها الشاسعة في مختلف انحاء اوروبا، وعرفت نظام السحب والايداع والايصالات في التعامل النقدي[148]، وشارك في هذه الاعمال مصرفيون ايطاليون ويهود.[149]

لقد جنى المصرفيون والصيارفة اموالا طائلة خوّلت ملوك المملكة اللاتينية في القدس الاستدانة منهم عند الحاجة[150]. فاذا اعتمدنا صور وحدها كنموذج لتلك العمليات، كما اوردها الياس القطار، لتبيّن لنا مقدار الدورة النقدية وتطوّرها، وبالتالي النمو المضطرد للحياة الاقتصادية عامة والتجارية خاصة. فقد كان البنادقة لوحدهم يملكون فيها تسع مراكز لصرف النقود تمركز احدها في فندق الملك، وكان للجنويين اربعة مراكز فضلا عن شارع بكامله خصص للصيرفة والاعمال المصرفية، ومركز خاص باليهود.[151] ولم تقل الاعمال الصيرفية والمصرفية في طرابلس عمّا كانت عليه في صور بخاصة بعد سقوط انطاكيا وانتقال اسرة امبرياتشي اليها.

الرحلات التجارية: ما ان استقرت الجاليات الايطالية في مدن مملكة القدس اللاتينية حتى شرعوا بتنظيم اعمالهم التجارية ومنها تنظيم الرحلات التجارية الكبرى بين اوروبا والمشرق العربي ذهابا وايابا. وقد خصصت رحلتان فقط في السنة الواحدة تتلاءم مع هبوب الرياح المرسمية التي لا تهب الا في الربيع والخريف[152]. فكانت الاولى تبدأ في شهر آذار، والثانية في شهر ايلول.[153]وتوافق قدوم السفن مع انعقاد الاسواق التي كانت على ثلاثة انواع: موسمية تنعقد في مواعيد وصول السفن لتلاؤمها مع هبوب الرياح الموسمية[154]، والسنوية التي كانت تنعقد في فترة الاعياد الدينية، وبما ان مواعيدها لم تكن ثابة فقد جرى تقليد انعقادها مرة ثانية مع وصول “سفن المدة” توخيا للربح الناتج عن التبادل التجاري مع الايطاليين[155]، والمحلية التي كانت دائمة اجمالا.[156]

زاد هذا الغنى بالاسواق وتوفر السلع بشكل مستمر بحجم التبادل التجاري، فانشئت المستودعات الكبيرة لتخزين السلع بانتظار عودة سفن المدة التي كان مجيؤها يشكل سوقا كبيرا وحركة اقتصادية تامة يشارك فيها التجار المشارقة والاوروبيون. وادى ازدهار التجارة في مملكة القدس الى تطوّر في صناعة السفن، ففي القرن الثالث عشر صار بعضها يحمل ما مقداره ستمائة طنا بعد ان كانت الحمولة القصوى في القرن السابق عليه خمسمائة [157]. لقد لبى هذا التطور حاجات التجارة المضطردة الازدهار، وصارت سفن المدة تحمل مئات التجار وعددا هائلا من المستثمرين الاوروبيين بخاصة الايطاليين الذين كانوا يقصود المشرق لتوظيف اموالهم بالتجارة[158]، فنشأ تبعا لذلك شركات تجارية ذات رؤوس اموال متعددة المصادر.

دور التجار والحجاج المنفردين: ان ما تجدر ملاحطته في هذا السياق العام هو ان الحركة التجارية لم تكن وقفا على كبار التجار والشركات التجارية الضخمة، انما شارك فيها الحجاج الاوروبيون والتجار المنفردون ممن كانوا يفتقرون الى اماكن سكنية خاصة بهم، فكان الواحد منهم ملزما استئجار مكان اقامة او منزل في حي جاليته ما كان يرفع قيمة الايجارات عند انعقاد الاسواق، وبخاصة عند قدوم سفن المدة، الامر الذي كان يزيد في زخم الحركة التجارية [159].   

  الضرائب : ان مسألة دفع الضرائب في الموانئ الفرنجية خضعت لعملية مد وجذر تبعا لحاجة الفرنجة الى الخدمات الايطالية العسكرية،وبالتالي لم تنفذ بنود المعاهدات التي تحدثنا عنها الا كيفيا ان جاز التعبير.انما من الواضح وفق المصادر والمراجع الصليبية كانت السفن عندما تصل الى قبالة اي ميناء صليبي تخضع للتدابير التالية : تقرع الاجراس اعلانا لوصولها،ويتوجه نحوها قارب صغير لارشادها للمكان المخصص لرسوها ، او تعمد عدة قوارب صغيرة لتفريغ حمولتها ونقلها الى الشاطئ. اي يكن التدبير التي كانت تخضع له السفينة من التدابير التي ذكرت ،كان يتبعها المراحل الاربع التالية: انزال البضائع، ثم تسجيلها في الدوائر المختصة منعا للتلاعب ،وبعد ذلك تخزن البضائع، واخيرا تتم عملية البيع ،وهذه العمليات الاربع ادت الى تنوع الضرائب وتعددها بحيث دفع التجار الايطاليون الضرائب التالية : الرسو، والميناء ،والمبادلات التجارية او حركة السوق من بيع وشراء واخيرا ضريبة العودة او مغادرة السفينة الميناء[160] .وقد عمد المؤرخ البريطاني الحديث ماير Mayer  بالاستناد الى مصادرة متعددة الى تحديد الى حد بعيد قيمة الضرائب التي دفعها الايطاليون في الموانئ الفرنجية وهو ميز بين الضرائب على السلع بحيث استوفى الصليبيون ضرائب مرتفعة على السلع المعدة للاستهلاك المحلي فوصلت قيتها الى 15% ،في حين تراوحت قيمة الضرائب المعدة لاعادة التصدير والتي جلبها الايطاليون بين 6،4 و2،11 % من قيمتها الاصلية.

  وكما ذكرنا سابقا فان اهم مرفأين لبنانيين في العهد الفرنجي تمثلا بطرابلس وبصور، ولم يكن فيهما على ما يبدو مراكز للضرائب على السلع المشرقية، فالسلع القادمة الى صور مثلا كانت تمكّس في حصن هونين التابع  لملك القدس[161].

وهكذا افاد الافرنج من الضرائب المتعددة التي كانوا يجبونها على السلعة الواحدة في عدد من المراكز تعويضا لهم عن الخسائر التي كانوا يتكبدونها نتيجة منحهم الامتيازات للايطاليين حين تم تأسيس مملكة القدس وملحقاتها على مراحل، وكذلك من اجل حمايتها من السقوط، الامر  الذي اعفى الايطاليين من عدد كبير من الرسوم والضرائب، واجاز لهم حق استعمالهم مكاييلهم وموازينهم الخاصة المعفاة من الضرائب، لأنهم لو استخدموا موازين ومكاييل الملك لكانوا دفعوا الضرائب المتوجبة عليها. لأن  الافرنج  لم يدركوا عند التأسيس اهمية التجارة وقيمة حركتها الحقيقية، ولا دور الايطاليين المستقبلي على المستويين التجاري والاداري.

وعلى هذا افاد الايطاليون من خدماتهم العسكرية التي وضعوها في خدمة الافرنج الى ابعد، لأنهم تمتعوا برؤية مستقبلية واسعة ودقيقة. وقد نجح احيانا الافرنج في اختزال بعض مضامين الامتيازات، انما التطورات السياسية والعسكرية كانت تجفعهم مجددا الى خدمات الايطاليين العسكرية، فتتجد اذ ذاك المعاهدات ويحصل الايطاليون على امتيازات اضافية احيانا.

.


[1] –  لنا عودة تفصيلية لتلك الامتيازات

[2] – EI2, “ Al- kuds” v. 1, pp. 324…

[3] – The travels of Sir Jhon Mandville, translated and introduced by C. W. R. D. Mosley, London. Penguin Books, 1983. p. 43

[4] – المقدسي، محمد بن احمد البشاري، احسن التقاسيم في معرفة الاقاليم، وضع مقدمته وهوامشه وفهارسه محمد مخزوم، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1978، ص 153.

[5] -“ The Springs of Western Ideas of the Holy War”, in  The Holy War, ed. Thomas P. Murphy. Columbus Ohio, Ohio State University Press, 1976, p 27

لمزيد من التفاصيل: انظر: بني كول ” فلسطين في كتابات العالم الغربي اللاتيني في القرنين 13و14 م.” ضمن كتاب الصراع الاسلامي- الفرنجي على فلسطين في القرون الوسطى، هادية الدجاني شكيل، وبرهان الدجاني، مؤسسة الدراسات الفلسطينية بيروت، 1994، ص101

[6] – ابن الاثير، عز الدين، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1979، ج10، ص 66-67

ضومط، انطوان وآخرون، الشرق العربي في القرون الوسطى، الدار اللبنانية للنشر الجامعي، بيروت، 1996، ص، 183

[7] – هايد ، تاريخ التجارة في الشرق الادنى في العصور الوسطى ، تعريب احمد محمد رضا ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة ، 4اجزاء ،  ج1 ، ص 146

[8] – سلاجقة ، فاطميون ، ايوبيون ومماليك

[9]  – هايد ، تاريخ التجارة في الشرق الادنى في العصور الوسطى ، تعريب احمد محمد رضا ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1985 ، 4اجزاء ، ج 1 ، ص 149

[10] – زيتون عادل ، العلاقات الاقتصادية بين الشرق والغرب في العصور الوسطى ، دار دمشق ، دمشق ، 1098 ، ص 55 – 56

-11 Byrne , E. H. , Genosese Shipping in the twelfth and thirteenth centuries , Cambridge , 193 pp 5-6

.

[12]  – هايد ، المرجع السابق ، ج 1 ، ص 146

[13] – المكان عينه

[14] – بالار ( ميشال ) ، ” الجمهوريات البحرية الايطالية والتجارة في الشام- فلسطين ، من القرن الحادي عشر الى القرن الثالث عشر ” ضمن كتاب الصراع الاسلامي – الفرنجي على فلسطين في القرون الوسطى ، تحرير هادية الدجاني شكيل و برهان الدجاني ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت ، 1994 ، ص 182- 183 

[15] – Ashtor , E. , A Social an Economic History of the Near East in the Middle Ages , London , 1977 , pp. 196, 353

[16]  – هايد ، ج 1 ، ص 146

[17] – بالار ، الجمهوريات البحرية ، ص 183

[18]   Cahen , C.,” Le commerce d’Amalfi avant pendant et apres la croisade “Comtes-rendus de l’Academie des Inscriptions et Belles Lettres , Paris , 1977 , pp. 29 – 31. , p. 295

[19] – بالار ، الجمهوريات البحرية ، ص 184

[20] – Recuil des Historiens des croisades , Lois , 2 T. , T.I , Assises de Jerusalem , publie par le conte

Deugnot , T.I , pp. 276 , 29.

[21]  – السيني، صدر الدين علي، زبدة التواريخ، اخبار الامراء والملوك السلجوقية، تحقيق محمد نور الدين، دار اقرأ، بيروت، 1986، ص 53، 55،

ابن القلانسي، ذيل، ص 178-183

[22]  –  لمزيد من التفاصيل انظر: الحسيني، زبدة، والاصفهاني، تاريخ دولة آل سلجوق،

وابن الاثير، عز الدين، الباهر في الدولة الاتابكية، القاهرة، 1963 …

[23] – لمزيد من الاطلاع انظر السيد، ايمن فؤاد، الدولة الفاطمية في مصر- تفسير جديد، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط2، 2000 ص 209 وما بعد

[24] –  ريشار، جان،” تكوين مملكة القدس”، ضمن كتاب، الصراع الاسلامي الفرنجي على فلسطين في القرون الوسطى، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1994، ص 149

[25] – D’Aix A, Conquete de la Terre Sainte (1096-1118), Guizot, 2t, ed. de l’Orient, Beyrouth, 1993, pp.352

De Tyr, Guillaume, Le Royaume De Jerusalem, Guizot,3t. ed. de l’Oeient, 1992, tII,pp 1-16.

[26] – D’Aixe, I, pp. 359-372, 385

– ريشار، تكوين، ص 149

[27] –  De Chartre, III, pp. 378-379.

 de Tyr, roy. II, pp 60-65

Grousset, Hist., II, pp. 204-29

[28] – D’Aix, Con., I, p. 444,

De Chartre, hist., pp. 117-118

ابن القلانسي، حمزة بن اسد، ذيل تاريخ دمشق، تحقيق سهيل زكار، دار حسان، دمشق، 1983، ص 225.

[29] – de Tyr, roy, II, pp. 84-85

 Richard, roy. P. 86

[30] – Grousset, Hist., II, pp. 167-169

لمزيد من التفاصيل انظر: قطار الياس، لبنان في القرون الوسطى، ج2، بيروت، 2008، ص65-67  

[31] – القطار المرجع السابق، ص 67-68

[32] – لمزيد من التفاصيل حول الناحية العسكرية انظر: القطار، لبنان، ص 70-77

[33] – Eracles, l’histoire de Eracles Empereur, et conquete de la terre d’outre mer, RHC. T II, Paris, 1844, pp. 558-563

Diehl, Charles, La republique de Venise. Flamarion, 1967, pp.55-56

Grousset, R, Histoire dfs Croisades et du Royoaume franc de Jerusalem, Paris, 1981, t III, pp. 114-116

[34] -De Tyr, Guillaume, Le Royaume de Jerusalem, ed. Guizot, Paris. 1992 II, pp.260-275

Lamont, J. L.Feodal monarchy in the Latin Kingdom of Jerusalem. 1100 to 1291. Cambridge, Massachusetts, 1932. p 31

Grousset, His, III, 114-129.

[35] – وساهمت مملكة القدس بسقوط كل مدن الساحل اللبناني، ولنا عودة الى الامتيازات التي هي لب موضوعنا

[36] –  ريشار، جان، تكوين مملكة القدس اللاتينية وبنيتها، ضمن كتاب الصراع الاسلامي- الفرنجي، ص 150

[37] – Cahen , C. , Orient et Occident : au temps des croisades , Paris , Aubier , 1983 , p. 1.7

[38] – Ibid , p.p. 78 – 79 

[39] – Wiilliame of Tyre , A History of deeds done beyond the sea , II vols , translated by Bebcok and Kery , Newyork , 1943 , v I , p. 434 – 438 , 454 – 456

[40] – هايد ، ج 1 ، ص 152

[41] – Lamonte , J. L. ,Feudal monarchy in the Latin Kingdom of Jerusalem 11.. – 1291 , Cambridge , Massachusetts . 1932 , p. 264 – 265

[42]   Novar , Philip de , The wars , of Frederick II , against the Ibelins in Syria and Cyprus , translated by Lamont J. I. , New york , 1936 , pp. 136 , 144

[43] – William of Tyr, op. Cit 456

[44] – Novar , op. Cit. P 136

 [45] Lamonte , J. L., Feudal minarchy in the latin kingdom of Jerusalem , 11.. to 1291 , Cambridge , Massachusetts , 1932 , p 229

[46] –    هايد ، تاريخ التجارة ،  ج 1 ، ص 162

  [47] Lamont , feudal , p. 269

[48] – القطار، الياس ، المجتمع في صور في العهد الفرنجي ، ضمن كتاب وثائق المؤتمر الثاني لتاريخ مدينة صور ، 1998 ، ص 123

[49] Chehab,M., Tyr ‏à l’époque des croisades histoire religieuse et economique, ed. Maisonneuve, T2, Paris,1979,pp. 362-372 

[50] – القطار ، الياس ، المجتمع في صور ، ص 124 – 125

[51] – المكان عينه

[52] – القطار ، المرجع السابق ، ص 125

[53] – بما ان بحثي لا يتناول الا المدن اللبنانية فلن اتحدث عن الامتيازات التي نالها البيازنة في امارة انطاكيا التي فصلها كل من : Nicholson , R. . L. , Tancrad , Chicago , 194. , pp. 166.  و Lamonte , Feudal , p. 27. ، وهايد ، ج1 ، ص 154 – 155

[54] – لمزيد من التفاصيل انظر : زيتون ، العلاقات الاقتصادية ، ص 135

[55] – القطار ، المجتمع في صور ، ص 125

[56] – Lamonte , Feudal monarchy , p 269

[57] – القطار ، المجتمع ، ص 126

[58] – Chehab , Tyr , tII , p 362-372

[59] – زيتون ، المرجع السابق ، ص 137 – 138

[60] – القطار ، المجتمع ، ص 126

[61] – هايد ، ج1 ، ص 148 ، و زيتون ، المرجع السابق ، ص 137 – 138

[62] – القطار ، المجتمع ، ص 126

[63] –     – Lamonte , Monarchy , p 271

[64] – انظر ما سبق

[65] – هايد ، ج1 ، ص 155

[66] – هايد ، ج1 ، ص 157

[67] – Guillaume of Tyr , op. Cit. , I , 552 – 556 ، وليم الصوري ، تاريخ الحروب الصليبية ، ج1 ، 702 ، وهايد  ، ج1 ، ص 166

[68] – الصوري ،( وليم ) ، تاريخ الحروب الصليبية ، ترجمة سهيل زكار ، بيروت ، 199. ، جزءان ، ج1 ، 6.1 ، وانظر ايضا ،

Nicholson , r. l. , Tancred , Chicago , 1940 , p 113

[69] – Riley- Smith ,” Governent , in latin Syria and the commercial privileges of foreign merchants “, in the relathons beween east west , Edinburgh , 1973 , p 11.

[70] Richard , J. ,Le Royaume gatin de Jerusalem , Paris . 1953 , p. 225

[71] Richard , J. ,Le Royaume gatin de Jerusalem , Paris . 1953 , p. 225

[72] -Riley-Smith , The feudal nobility and the kingdom of Jerusalem 1174- 1277, London , 1973 ,pp. 67-68

[73] – ابن الاثير ، عز الدين ، الكامل في التاريخ ، ج9 ، ص 179-182

[74] – Riley-Smith , feudality , pp. 67-68

[75] – Novar , op. Cit. , pp. 205

[76] – هايد ، ج1 ، ص 17.

[77] – المكان نفسه

[78] -Lamonte , Feudal , p. 234

[79] – بلار ، الجمهوريات البحرية ، ص 194

[80] – Riley-Smith , nobility , p. 7.

[81] – Mayer , H. E., The crusades , Oxford , 1972 , p 175

[82] – Novar , op. Cit. , p 208

[83] – Brousset , R. , L’Empire du Levant , Payot , Paris , 1979 , p 53.

[84] – Flemhng , W, B. , The history of Tyr , Cogombia , 1915 , pp. 1.7- 11.

[85] – ibid

[86] – ابن بطوطة ، الرحلة ، ص 62

[87] – Mayer , Crusades , p 163

[88] – فهمي، نعيم زكي، طرق التجارة الدولية ومحطاتها بين الشرق والغرب، الهيئة المصرية العامة العامة للكتاب، القاهرة، 1973، ص 124 .

ضومط، انطوان، الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، دار الحداثة، ط1 بيروت، 1980، ص182

[89] – فهمي، طرق، ص 124

ضومط، الدولة، ص 182

[90] – لمزيد من التفاصيل انظر:                                                                                           Heyd, T I, p. 457, II p.58

Depping, Histoire du commerce entre le Levantet l Europedepuis les Croisades des colonies d Amerique, t II, Paris, 1865, pp. 76-77, 102-103

اليوزبكي، توفيق اسكندر تاريخ تجارة مصر في عصر المماليك، الموصل، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، 1975، ص 73-77

ضومط، الدولة، المملوكية، ص 184-189

[91] – ابن خرداذبه، المسالك والممالك، تحقيق محمد مخزوم، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1988، ص74-76 

[92] – خسرو، سفر نامة، 46-47

الادريسي، ابو عبد الله محمد، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، طبعة نابولي-روما، ج2، ص137

[93] – خسرو، سفر، ص46-47

[94] – ابن جبير، محمد بن احمد، الرحلة، دار صادر، بيروت، 1983، ص227- 233

[95]  – والخان هو محطة تجارية للتجار الشرقيين، وهو يتألف من مجموعة ضخمة من الحوانيت والمستودعات التجارية، في وسطها بهو كبير مسقوف معد لحفظ سلع التجار. وفي الخان يرتاح التاجر ويريح دوابه، ويمكنه المبيت فيه، وان اراد اكمال رحلته مباشرة ان يفيد من سبيل الماء والحانوت الواقعين خارج الخان حيث يستطيع التزود بما يشاء. انظر ابن بطوطة، محمد بن عبد الله، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاقطار، المطبعة الاميرية، القاهرة، 1923، ج1، ص 43.

ضومط، الدولة المملوكية، ص210-211   

[96] – ابن جبير، الرحلة، ص 272-274، 282

ابن بطوطة، عجائب، ص 62

:” تقيّد اسواقها – اي حلب- الابصار حسنا وعجبا، ومليئة بالحوانيت، واكثر حوانيتها من خشب بديع الصنعة…ومنها الى قنسرين، فمرواحين وفيها خان كبير…يعرف بخان التركمان،  وخانات هذا الطريق كأنها القلاع امتناعا وحصانة، وابوابها حديد…ومنها الى ثمنى وفيها ايضا خان…فبلاد معرّة النعمان فجبال لبنان او الى اللاذقية…ومن معرة النعمان الى حماه…ثم الى حمص فبعلبك…الى بيروت…والطريق من حمص الى دمشق قليل العمارة…

[97] – المصدر السابق، ص 62

رانسيمانز، ستيفن، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة السيد الباز العريني، بيروت، 1967-69، ج3، ص61

Ziadeh,N, Urban life in Syria under the early Mamluk, Beyrut, 1953, pp. 135-136

[98] – الادريسي، ج1، ص358 -359

[99] – المصدر السابق، ج1، ص 365

[100] – المكان عينه

[101] – Heyd, t I, pp.459-460

Depping, T I, p. 96

[102] Pirenne , H. , Histoire economique et sociale du Moyen-Age , Presse universitaire , Paris , 1969 , p 122

[103] –  Grousset , op. Cit. , pp. 323 – 324

[104] هو نبات طبي من فصيلة الزنجبيل

[105] – هي عشبة يستخرج من جذورها مادة عشبية تستعمل في صناعة الصوف والحرير

[106] – هايد ، تاريخ النجارة ، ج1 ، ص 176 – 177 و 188 – 189 و 191

[107] – دواء يستخرج من سم الافاعي

[108] – قصب يصنع منه الحصر

[109] – ابن خرداذبه ، المسالك والممالك ، تحقيق محمد مخزوم ، دار احياء التراث العربي ، بيروت ، 1988 ، ص 62 – 63

[110] – الادريسي ( ابو عبدالله محمد ) ، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ، طبعة نابولي-روما ، دون تاريخ ، ج1 ، ص 64 – 66 ، 68 –69 ، 73 – 74 ، 77 ، 81 – 82 ، 84 ، 88 ، 91 – 92 ، 99

[111] – ابن مماتي ، ص 81 ن

[112] – المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 1.2 ، والظاهري ، ص 35

[113] – المقريزي ، ( تقي الدين احمد ) ، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار صادر، بيروت ، لا تاريخ ، جزءان ، ج1 ، ص 1.1 – 1.2

[114] – المقريزي ، ( تقي الدين احمد ) ، كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك ، تحقيق سعيد عاشور، القاهرة ، 197. ، ج1 القسم 2 ، ص 449 ، وايضا: الظاهري ، ( خليل بن شاهين  ) ، زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك ، تحقيق ، بولس راويس، باريس ن 1894 ، ص 41

[115] – Prawer , J. , The latin , kingdom of Jerusalem , London , 1972 , p 393

[116] – زيتون ،  ص 172- 173

[117] – الطليطلي ، بنيامين ، رحلة الطليطلي ، ترجمة عازار حداد ، بغداد ، 1945 ، ص 92

[118] – زيتون ، المكان عينه

[119] – Riley-Smith , nobility , pp. 63-64

[120] – الطليطلي ، الرحلة ، ص 92 ،

– الادريسي ، ( محمد بن عبد الله ) ، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ، جزءان ، عالم الكتب ، بيروت ، 1989 ، ص 365 – 366

[121] – هايد ، تاريخ التجارة ، ج1 ، ص 191

[122] – Riley- Smith , nobility , pp. 64 – 65

[123] – Fleming , p 95

[124] – القطار ، ( الياس ) ، الحياة الاقتصادية في صور ، ضمن كتاب وثائق المؤتمر الاول لتاريخ مدينة صور ، 1996 ، ص 79

[125] – ابن بطوطة ،  ج1 ، ص 6.

[126] – الطليطتلي ، الرحلة ، ص 92 ، والادريسي ، نزهة ، ج1 ، ص 366

[127] – Chihab , op , cit. , p 34.

[128] – ابن القلانسي، حمزة بن اسد، ذيل تاريخ دمشق، تحقيق سهيل زكار، دار حسان، دمشق، 1983، ص 264

[129] – المقريزي، تقي الدين احمد، كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق سعيد عاشور، القاهرة، 1970، ج1 القسم الثاني، ص449

الظاهري، خليل بن شاهين، زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، تحقيق بولس راويس، باريس، 1894، ص 41

[130] – المقريزي، تقي الدين احمد، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار صادر، بيروت، لا تاريخ، ج1، ص101-102

[131] – خسرو، ناصر، سفر نامة، ترجمة يحي الخشاب، ص 47،

هايد، تاريخ، ج1، ص 188-189

كاهن، كاود، الشرق والغرب، ص 207

[132] – ابن مماتي ، ( اسعد بن الخطير ) ، قوانين الدواوين ، جمعه وحققه عزيز عطية ، القاهرة ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، ط1 ، 1991 ن ص 328 ، والمقريزي ، خطط ، ج1 ن ص 1.8

[133] – زيتون ، ص 178

[134] – Riley-Smith , nobility , p 64

[135] – Prawer , op, cit. , p 1..

[136] – Fleming , op. Cit., pp. 113-114

[137] – Prawer , op cit. P 1..

[138] – بالار، الجمهوريات، ص208

[139] – ضومط، الدولة المملوكية، ص240

[140] Chehab, T II, pp.455-456

[141]  ابن جبير، الرحلة، ص 274.

ابن تغري بردي، النجوم في ملوك مصر والقاهرة، القاهرة، القاهرة، 1930-1956، ج6، ص37

[142] – Lamont, Feudal Mon., p.74

[143] – Chehab, op. cit. p.456

[144] Lamont, Feudal, p.74

[145] Chehab, op. cit. p456

[146] – Fleming, History of Tyr, p.160

[147] – فهمي، طرق التجارة، ص 340 .

نعينع، الاهمية التجارية، ص 103

[148] – Chehab, op. cit. p.454

[149] -chehab, op. cit. p.454

نعينع، المرجع السابق، ص 104                                                                                                           

[150] – Chehab, ibid

[151]  – القطار، الحياة الاقتصادية، ص87

[152]  ابن جبير الرحلة، ص256

[153] Depphng, T I, p60

Mayer, The crusades, p 220

Riliey-Smith, Nobility,pp.67, 447

[154] – Clerget Barcel, Le Caire etude de geographie urbaine et d’histoire economique, T II, le Caire, 1934, p39

ضومط، الدولة المملوكية، ص 211-212

[155] – ضومط، الدولة المملوكية، ص 212

[156] – زيتون، ص 171

[157] – زيتون، ص 171

[158] Byrn, Genoeses, pp. 160-161

[159]  – هايد، تاريخ التجارة، ج1، 165

[160] – Riley-Smith , nobility , pp. 7.-72

[161] – ابن جبير ، الرحلة ، ص 1.2

الحملات المملوكية على كسروان.

ألقي هذا البحث في المعهد الثقافي الفرنسي في بيروت بتاريخ 22 – 1 – 2014

ان موضوع الحملات المملوكية على كسروان اشبع درسا، ومع هذا يستوقفني في هذه المداخلة ثلاث نقاط نقاط اساسية لا بد من ابراز دورها في هذا الشأن، لأنها باعتقادي تتقاطع مع بعض اسباب الحملات التي درسها المؤرخون، وتضيء على بعضها الآخر، وبالتالي يصبح النقاش أكثر غنى واثارة، والافادة اعم. اما النقاط فهي:

1 – محورية معركة عين جالوت كنقطة تحول في تاريخ المشرق العربي عامة، وفي تدعيم ركائز دولة المماليك. باثبات جدارة المماليك بحكم مصر والشام، وبالعمل على طرد كل القوى الغريبة غير المسلمة، واخضاع كل المناطق العاصية. ومنها كسروان.

2 –  استناد الجيش المملوكي على اجناد الحلقة كعنصر اساسي في بداية عهدهم، وتبيان علاقتهم التنافسية في ما بعد بالمماليك السلطانية، ودورهم في الحملات على كسروان.

3 – فساد المماليك منذ نشأتهم والصراع المستمر في بين كبار الامراء، حتى في احلك الظروف، ودوره في الحملات.

1 – اثبات جدارة المماليك: درس معظم المؤرخين الحملات المملوكية وكأنها عمل منفصل عن الوضع الداخلي عند المماليك. فلم يتطرقوا الى السلوك العدائي لكبار الامراء  بعضهم ضد البعض الآخر. فمنذ قيام دولتهم لم يبالوا بجدية بالمخاطر المحدقة بهم، الا في حالات نادرة. فمنذ  استيلائهم على السلطة في مصر  عام 1250 استمر امراء  البحرية الكبار المعروفون بامراء المائة بالصراع على السلطة، وانقسموا على انفسهم وتحاربوا تكرارا، لأنهم كانوا في العرف المملوكي متساويين تماما في المنزلة، ويعتبرون السلطان اول بين متساويين ليس الا. هذا الامر يفسر قلة مبالاتهم بالخطر الايوبي على دولتهم الفتية. حتى ان بعضم التحق بخدمة ايوبيي بلاد الشام الطامعين بعرش مصر، نكاية بمن بيده السلطة، اما لأنه لم يعطهم اقطاعات تتناسب مع ما يطمحون اليه، او لرفضه الخضوع لسطوتهم  والتناغم مع اهوائهم. ما اضعف منزلتهم عند المسلمين عامة، وسمح للايوبيين مرارا العمل على استرداد عرش مصر السليب. ولكن الخطر المغولي وحدهم آنيا في معركة عين جلوت 1260، من دون ان يزيل الاحقاد والاطماع الدفينة، لأن مصيرهم كان على المحك. ومن العسير نفسير قتل السلطان قطز بطل عين جالوت على يد بيبرس، الذي تبوأ العرش مكانه، الا من هذا المنظار، وهو دليل قاطع على تجذر معظمهم بقلة الوفاء والخيانة.

اراد بيبرس اثبات جدارته، اولا بازالة المؤامرات الداخلية وهو الخبير بها تماما، ومن ثم وتأمين حدود الدولة بازالة ما يمكنه من الخطرين المغولي والصليبي. فجهد يضرب القوى المناوئة في بلاد الشام الداخلية، وعلى اطرافها الشمالية، ويسترد المدن الساحلية من الصليبيين من دون ان يتمكن منها كلها. ونجح قلاوون ومن بعده ابنه الاشرف، بتحرير السواحل من الصليبيين. وبقيت مناطق داخلية حليفة للاعداء عصية على الدولة كان لابد من اخضاعها. وهنا تداخلت اسباب كثيرة في ما بينها حتمت على المماليك اخضاع الكسروانيين، لن اكررها بل سأحاول تبيان تقاطعها مع نقاط هذا البحث الاساسية.

من الواضح ان الشعور الديني والمذهبي بلغ مستويات عالية جدا منذ دخول الصليبيين الى الشرق، وازداد حدة بهجوم المغول على البلاد الاسلامية والقضاء على دولها تباعا كالخوارزمية وسلاجقة الروم، ومن ثم انهاء الخلافة العباسية في بغداد 1258. فبات المسلمون في ضياع ديني ان صح التعبير. وزاد في الامر سوءا استغلال هولاكو الصراع السني الشيعي الذي ظل محتدما في تلك الاوقات الحرجة بل المصيرية، فاتخذ احتياطات امنت سلامة قبر الامام علي بالنجف من التدمير. وتشير بعض المصادر الى مساعدة الشيعة للمغول. ما اجج الصراع المذهبي الاسلامي.

 كانت دولة المماليك الوحيدة التي تمكنت من ايقاف المد المغولي، لذا توجب على سلاطينها الاستعداد للتصدي لهجمات المغول المتوقعة، والعمل ايضا على طرد الصليبيين من سواحل بلاد الشام، وتحصين دولتهم ضد كل الاغراب. ما يعني  الاقتصاص من كل من يساعد اعداء الاسلام او يعتقدون انه سيساعدهم. وباعتقادي انهم كانوا يحاولون حفظ انفسهم من السقوط اكثر من التزامهم الديني، لأن تاريخ المماليك يشي بذلك. وباتوا بنظر  معظم المسلمين حماة الاسلام، ما اوجب على السلاطين مجاراة بعض رجال الدين السنة ممن كانوا يرغبون بتحويل كل السكان على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم الى الدين الحنيف. ويحتل ابن تيمية مركزا متقدما في هذا الاطار، ويليه آخرون لا سيما تقي الدين السبكي،( كتابه الدسائس في الكنائس)، والشيخ خضر بن ابي بكر العدوي وغيرهم… الذين أججوا الصراعين الديني والمذهبي،  ما حتم اخضاع المتمردين في جبل لبنان من الشيعة، والدروز والموارنة، تبعا لهذه المقولة، التي تبناها مؤرخي العصور الوسطى ومعظم المحدثين .

ولكن هل هذه الدوافع وحدها هي التي حدت بالمماليك التصرف بوحيشية قاتلة ضد الكسروانيين ؟!! وبالتالي الى اي حد كانت قوة الكسروانيين فاعلة او قادرة للخروج على السلطة المملوكية واعلان دولتهم  او الامارة المستقلة عن الدولة ان جاز التعبير؟!! وهل كانوا على درجة عالية من الغباء للوقوف بوجه سلطة تمكنت من المغول، واستولت على الكثير من المدن والابراج الصليبية، ام كان موقفهم دفاعيا محضا ؟!

يستوقفني امر في غاية الاهمية: هل عرض المماليك على الكسروانيين الخضوع للسلطة الجديدة والانخراط في الحلقة، والافادة من مميزاتها الاقطاعية؟! ام طلب منهم فقط وفقا للمؤرخين المعاصرين التخلي عن مذهبهم واعتاق الاسلام على المذهب السني، انها اسئلة بل معادلات بحاجة الى نقاش معمق.

هناك سؤال آخر قد يكون اكثر اهمية: لماذا لم تعط المناطق الكسروانية بعد اخضاعها، بالوحشية التي صوّرتها المصادر، والتي افقدت الكسروانيين كل مقدرة قتالية، وكل امكانية للعيش البسيط، الى التنوخيين حلفاء المماليك، وهم اجناد في الحلقة المملوكية؟! ما يدفعني للكلام على النقطة الثانية: اي علاقة اجناد الحلقة بالجيش المملوكي، وبالسلطان والامراء.  

2 – دور اجناد الحلقة: نشأ مفهوم الحلقة، كجيش مرتزق من الاقطاع منذ شيوع انظمة الاقطاع العسكري في المشرق العربي، وتحديدا منذ العصر العباسي الثاني. واخذت ابعادها الحقيقية في العهد السلجوقي من دون ان يسمى افرادها يومئذ اجناد حلقة، على الرغم من التشابه الكبير في المميزات. وفي العهد الايوبي اتضحت تماما الخصائص الرئيسة لاجناد الحلقة الذين شكلوا عصب الجيش.

ضمّت الحلقة في العهد المملوكي ثلاثة انواع رئيسة: الاجناد الاساسيين ممن حق لهم قانونا بالاقطاعات، وكانوا يشكلون في بداية العهد المملوكي عماد الجيش، بل كانوا جند السلطان المختارين (نجوم، 7، 160-161)، ومن ثم شكلوا غالبية الجيش المملوكي، وكان نصيبهم من الاقطاعات اربعة قراريط من اصل اربع وعشرين قيراطا، وهو مقدار وافر جدا يدل على منزلتهم الرفيعة. ويعتبر ابن تغري بردي ان الحلقة  ظلت في مطلع عهد بيبرس جند السلطان المختارين، ولما انتصر على التتار سنة 671ه خلع على مقدمي الحلقة ما يليق بكل واحد منهم. تبدلت بنية الجيش عندما انشأ السلطان قلاوون فرقة المماليك الجراكسة، وصارت نوعين: المماليك السلطانية، واجناد الحلقة. يتوزع المماليك السلطانية الى اربع اقسام: الاجلاب، القرانصة، والسيفية، واولاد الناس. وسكن هؤلاء جميعهم في الطباقات اي الثكنات العسكرية. وتكوّن القرانصة من مماليك السلاطين السابقين اي مماليك بيبرس واولاده، ومن تلاهم من سلاطين توفوا او قتلوا او عزلوا. اما السيفية فكانوا مماليك الامراء السابقين ممن توفوا او عزلوا. وعرف ابناء السلاطين باولاد الناس. وانتسب الى الحلقة ايضا جماعات من الوافدية متعددي الجنسيات او الاعراق: كالخوارزمية، والشهرزورية – نسبة الى مدينة شهر زور – السليمانية اليوم_ الهاربين من وجه هولاكوا. ومغول، تركمان، اتراك واكراد وغير ذلك…وبالتالي لم يعد اجناد الحلقة متجانسين من حيث العرق، والتربية والعادات، وجرى  تنافس شديد في ما بينهم على الاقطاعات والنفوذ والمراتب. كما تنافسوا في ما بعد مع المماليك السلطانية الذين صاروا يتاقضون، اضافة الى  جوامكهم، (رواتب) عينه اي اقطاعات في الحلقة متجاوزين القوانين المرعية الاجراء، التي تجيز لهم الجوامك فقط. ما ادى الى تنازع بين اجناد الحلقة على الاقطاعات.

اما الفريق الثاني من اجناد الحلقة فتشكل عموما من العربان على اطراف الصحراء، والقبائل في ارجاء الدولة، ولا سيما في الثغور،  وكان منهم التنوخيون. ونالوا جميعهم اقطاعات مقابل خدمات يؤدونها، كتأمين طرق البريد، والدفاع عن مناطقهم ضد الغزاة، والخلود الى السكينة، من دون ان يتمتعوا بمناصب ادارية التي احتكرها المماليك والمتعممون. وحرص المماليك على الا يرتقي هؤلاء سلم الامرة الا بدرجات متدنية، وقلما حصل احدهم على امرة اربعين او طبلخاناه.

شكل الوافدية اي القبائل والعناصر التي قدمت الى مصر وبلاد الشام هربا من هولاكو ولاسباب اخرى، ركائز اساسية في اجناد الحلقة في عهدي بيبرس وقلاوون، فاقطعوهما مناطق ساحلية للدفاع عنها. واستأمنت جماعات من مغول القبجاق في ايام بيبرس على دفعات، ومنهم من جاؤا بعيالهم مثل الشهرزورية (ابن واصل، مفرج، ج2، ص 406-407) Poliak, Le caractere colonial de l’etat mamlook, R.E.I, 1953m, cahier III. P. 233 ( وأثرت عادات وتقاليد الوافدية لاسيما المغول والتتر في الانظمة المملوكية العسكرية والاقطاعية، لدرجة صار التقاضي المرتبط بالاقطاعية يخضع لليسق المغولي وليس للشرع الاسلامي. Poliak. Some notes on the feudal system of the mamlouks, L.R.A.S. 1937, p 97 ا

اما الفريق الثالث (لا يعنينا في هذه الدراسة ) فتشكل من المتعممين وبعض المدنيين ممن اشتروا حقوق بعض اجناد الخلقة.

وتجدر الاشارة هنا الى انه بعد ان تفسّخت الامبراطورية المغولية نشأت دولة الإلخانيات في بلاد فارس واعتنق حكامها الاسلام على المذهب الشيعي الاثني عشري، ما دفعهم لاختيار احد امرين: الخضوع او التبعية الدينية الاسمية لسلطة المماليك الباسطين سلطانهم على الاماكن الاسلامية المقدسة او انتزاع تلك الاماكن منهم، ما يحتم عليهم انتصارا كبيرا على المماليك. وهذا الامر يفسّر انتهاز لخان الكبير غازان سنة 1299 فرصة اختلال الاوضاع المملوكية الداخلية بعيْد وفاة السلطان الاشرف خليل، للهجوم على حلب وحماه وتدميرهما، والانتصار على الجيش المملوكي المفتقر الى قيادة حقيقية في معركة وادي الخازندار قرب حماه، وتشتيت من نجا منهم بكل اتجاه. فاختار بعضهم الهروب عبر الساحل اللبناني حيث كمن لهم الكسروانيون عند وادي نهر الكلب فقتلوا عددا منهم امراء وجنود، وقبضوا على آخرين وباعوهم من الافرنج ما استدعى غضب المماليك، وكان  ذلك خطأ فادحا لن يغفره المماليك ابدا .

وزاد في الطين بلّة زحف غازان على دمشق واستباحها بمساعدة بعض الشيعة والدروز ممن تركوا بصمات شنيعة بخاصة في جبل قاسيون، وحفظت تلك الاعمال المصادر المعاصرة للحدث وجعلت منها مبررا للحملات المملوكية على كسروان، ولتصنيف سكانه بالمارقين والخارجين على السلطة، فهدروا دماءهم تبعا لفتوى ابن تيمية ما جعل قتالهم واجبا دينيا حسب ما تورده الحوليات. ما يدفعني للتساؤل:هل خضع المماليك الى فتاوى ابن تيمية وتأثروا به، وبالتالي كم كانت منزلته رفيعة عند السلاطين وعند نظرائه من عالماء عصره؟! ونحن نعلم انهم جهدوا للحط من قدره، وألّبوا السلطة المملوكية عليه، فتعرض في اواخر حياته للضرب، والسجن والاهانات المتنوعة، ومات مسجونا بقلعة دمشق.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: هل تصرف الكسروانيون تجاه المماليك بداعي العداء المطلق او بقصد الربح المادي؟ وهي عادة كانت متبعة في كل ارجاء المشرق العربي، بل في العالم القديم كله. اي الافادة المادية من الجيوش المنهزمة. بخاصة ان المماليك ما كانوا بعد قد بسطوا سيطرتهم على كسروان؟! وما كان سكانه  من رعاياهم.

ويتجلّى الصراع على زعامة العالم الاسلامي بصورة افضل بحملة غازان الجديدة على بلاد المماليك عام 1302 حيث انهزم في فلسطين في معركة مرج الصفر. فصار الكسروانيون متهمين بامرين لا تهاون بهما عند الأئمة السنة المتطرفين وعند المماليك السنة ايضا المحتاجين لتأييد اولئك الأئمة على حد زعم البعض: التعاون مع الصليبيين قبل جلائهم عن الشرق وبعده، ومع المغول عدويّ المماليك، وبالتالي صار تأديبهم واجبا شرعيا حسب مؤرخي العصور الوسطى ومعظم المحدثين، من النظر الى القضية من الناحية الاستراتيجية العامة للدولة.

على هذا لا بد من السؤال: هل فعلا كان المماليك بحاجة الى فتاوى شرعية لقتال الكسروانيين، ام ان الفتاوى الدينية المتشددة تقاطعت مع استرتيجيتهم العامة القاضية بالسيطرة على كل المناطق في بلاد الشام لاحكام السيطرة التامة عليها، لتمنع اولا تسهيل عودة الصلبيين الى السواحل او غزوها على الاقل، ولتأمين الخطوط التجارية بين المناطق المملوكية كلها، لا سيما ان مرافئ بلاد الشام كانت مشهورة بمواقعها البالغة الاهمية.

وفي الاطار عينه الى اي مدى كان المماليك متقيدين بالموجبات الدينية، اي بالشرع الاسلامي؟ وسير معظم سلاطينهم وكبار امرائهم تشي بالخروج على التقاليد والتعاليم الاسلامية، حتى في بعض الامور الدينية البديهية. اما السؤال الابرز الذي يحضرني، وقد اهمله المؤرخون: هل كان الكسروانيون اشد خطرا من الاسماعيلية على المماليك؟! فاذا كان الدور المذهبي يحتل اولوية عند المماليك، لماذا لم يطلب بيبرس من الاسماعيلية التخلي عن مذهبهم قبل قتالهم، ام ان الاستتراتيجية المملوكية كانت تقضي اخضاع كل من شكل حطرا على الدولة الفتية؟   

3 – فساد المماليك: منذ قيام الدولة المملوكية رافقها صراع شبه دائم بين كبار الامراء على السلطة، وهذا امر ادركه بيبرس الخبير الابرز بعقلية المماليك وتطلعاتهم لأنه كان رائدا فيه. لكي يتمكن من الحكم، كان عليه التصدي للمماليك المعزية – نسبة الى المعز قطز- وغيرهم بمن فيهم خشدادشيته من البحرية. فعمد  الى استقدام اعداد كبيرة من الارقاء القبجاق وجعلهم مماليكه الخاصكية، وصار يعتمد عليهم في معظم مهامه خوفا من غدر البحرية. فتحول الجيش عدة اقسام: المماليك السلطانية الجدد، والبحرية، والمعزية، واجناد الحلقة بمن فيهم الوافدية على تنوع اجناسها.

ولما اغتصب قلاوون العرش من سلامش ابن بيبرس سنة 1279 ناصبه المماليك الظاهرية (نسبة الى الظاهر بيبرس) العداء. فاسس سنة 1281 فرقة المماليك الجراكسة واسكنها ابراج القلعة وجعلها مميزة عن بقية الجيش، فاخلصت له. وسار ابنه الاشرف خليل على خطاه حتى بلغت اعداد البرجية في نهاية عهده 5700 مملوك. ما ادى الى انقسام الجيش عنصريا الى قسمين: الاتراك بزعامة بيدرا، والبرجية الجراكسة بزعامة السلطان.ولاحت علامات الغدر في اكثر من مناسبة، واجتهد كل معسكر للانقضاد على الآخر، وبات الاشرف خليل هدفا للاتراك، حتى تمكن بيدرا من قتله غدرا سنة 1293.

لماذا قتل الاشرف خليل، ألأنه حقق انجازا هائلا عجز عنه حكام عظماء كصلاح الدين الايوبي وبيبرس الاول، وقلاوون؟ بأعتقادي قتل لاسباب اخرى اقل اهمية بكثير من ذلك، تمثل بتعلقه الكبير بالمماليك البرجية، وخروجه على التقاليد المتبعة راضاء لهم: اذ سمح لهم بالنزول من القلعة الى القاهرة نهارا على ان يبيتوا في الطباقات ليلا، ورقاهم الى سلاحدارية، وجمدارية، واوشاقية، وجاشنكيرية. اي انه استمالهم اليه محققا لهم اهدافا لا يمكن لمن يأتي بعده استرجاعها منهم الا بالقتل او العزل، وكان للامرين محاذير خطيرة. فتعلقوا به وتفانوا بالمحافظة عليه وصونه من الاعداء، ما ادى الى نقمة الامراء الكبار ممن شكلوا جهازه الاداري والعسكري، لأنهم كانوا شبه مقتنعين ان السلطان سيتخلص منهم تباعا كلما سنحت له الظروف، ليحل مكانهم مماليكه. وهكذا انقسم الجيش والجهاز الاداري بين البرجية والاتراك. ولما قتل الاشرف حليل غدرا غدت البرجية بدون  قيادية حقيقية وهدف، وثارت على  كل من يعترض طريقها، ودأبت تسعى للنيل من قاتل استاذها. ما حتم اعطاء العرش للناصر محمد بن قلاوون وهو بعد طفل، ولم تهدأ البرجية نسبيا الا بعد ان قتلت بيدرا. ولكن الانقسام بين البرجية والاتراك استمر واستغله كبار الامراء، وتزاحموا على الرئاسة، فتوالى على العرش في هذه الفترة العصيبة والوجيزة 1293 – 1308 خمسة سلاطين: محمد بن قلاوون، كتبغا، لاجين،محمد بن قلاوون للمرة الثانية، وبيبرس الجاشنكير.

تلازم الصراع على العرش مع تنافس الامراء على الاقطاعات والمراكز الاسياسية في الادارة، التي شكلت سببا وجيها في الولاء للسلطان او لمنافسه. ما يعني ان الولاء خلا من اي بعد انساني، والشعور بالمسؤولية، ولا بخطر المغول المحدق دائما بهم. وليس ادل على نفسية واخلاق المماليك سوى تحذير السلطان ايبك للامير عمر مغيث الايوبي منهم قائلا:” البحرية قوم مناحيس اطراف – الطرف هو الرجل الذي لا يثبت على صحبة احد- لا يقفون عند الايمان، ولا يرجعون الى كلام من هو اكبر منهم، وان استأمنتهم خانوا، وان وثقت بهم غدروا…فانهم غدارون مكارون خوانون…” فصار ابعاد المنافسين او قتلهم هدفا رئيسا عند معظم السلاطين.

على هذا، فان استعراضا بسيطا لامراء حملة 1292 نجد من ان قائدها الامير بيدرا قاتل الاشرف خليل، ويخطئ ابن كثير ويسميه بندار، والامير سنقر الاشقر الذي لا تخلو مؤامرة من اشتراكه بها، وغيرهما من كبار الامراء المنافسين ليس للاشرف خليل، بل ايضا بعضهم للبعض الآخر. ويقول ابن كثير: وخرج الشيخ ابن تيمية ومعه كثير من المتطوعة والحوارنة، وهم في حقيقة الامر اجناد في حلقة دمشق. اما في حملة 1300 حسب رواية المقريزي فقد شارك فيها نواب البلاد الشامية باجنادهم وهم من اجناد الحلقة، وشارك فيها سنقر الاشقر ايضا.

يمكن اضافة الى اسباب حملات 1292 و1300، 1305  التي تناولها معظم مؤرخي المماليك والمؤرخون المحدثون، سببين اضافيين: ابعاد بعض الامراء ممن كانوا يشكلون خطرا على السلاطين اما بسبب زعامتهم على فريق من المماليك، لأنهم قد يقتلون في المعارك، وستخلو الساحة بغيابهم من المؤامرات لفترة تتيح للسلطان التقاط انفاسه. وفي هذا السياق يمكن تفسير  قيادة بيدرا حملة 1292. اذ على الرغم من كثرة المماليك واهمية القائد نائب السلطان من حيث المنزلة الادارية وزعامته للاجناد الاتراك، وانهزامه شر هزيمة، واتهامه بالخيانة والرشوة وقلة الدربة، لم يتمكن الاشرف خليل من عزله او انه لم يجرؤ، على الرغم من الاسباب الموجبة لذلك، ومع قناعته انه كان رأس المتآمرين عليه، مخافة ثورة المماليك الاتراك. وعوضا عن ذلك حاول متأخرا استرضاءه، وارسل له مائة ألف دينار.

ام السبب الثاني فكان استخدام القسم الاكبر من اجناد الحلقة في تلك الحملة، لأنهم باتوا يشكلون عامل عدم ارتياح في القاهرة على الاقل، لاسيما بعد ان منح السلاطين مماليكهم اقطاعات على حساب الحلقة في الروك الحسامي 1298. وفي الوقت عينه كانوا يشكلون قوة هائلة في النيابات الشامية كانت قادرة على تغليب فريق على آخر. هذا فضلا عن ان كثرة تغيير السلاطين وانتساب مماليك سلطانية الى كل منهم، سبب ازعاجا كبير للسلاطين الجدد، ولاجناد الحلقة بالذات. بحيث كان يتوجب على كل سلطان جديد الاعتماد على قسم من مماليك السلطان السابق، واحيانا على مماليك السلطان الاسبق، ويطلق على هؤلاء اسم القرانصة، وكانوا يقّضون مضجع السلطان القائم بطلباتهم غير المنقطعة وسوء تصرفهم، وهو كان بامس الحاجة اليهم ريثما يكبر مماليكه الخاصكية، فيحيل القسم الاكبر منهم الى اجناد في الحلقة. وكان القسم الاخر من مماليك السلاطين السابقين يحولهم السلطان القائم مباشرة الى اجناد في الحلقة بعد وفاة او عزل اساتذتهم. ولكثرة ما ضمت الحلقة من اجناد متعددي الولاآت، لم يعد تضامنها مكفولا، وصارت مصدر ازعاج، شأنها يضعف تدريجا، حتى شبه انهارت في مطلع القرن الخامس عشر.

لآهمية العامل الاقتصادي في حياة المماليك لاسيما الامراء عدل السلطان لاجين 1298 انصبة الاقطاع لكامل مستحقيها بالروك المعروف باسمه (الروك الحسامي) فكان نصيب اجناد الحلقة قبل الروك وافرا: اربعة قراريط، وكان يحق لهم توريث اقطاعاتهم لابنائهم لكي تستمر الحلقة قوية ولا تتناقص اعدادها. ولما ازدادت اعداد الحلقة بالوافدية وبالقرانصة واولاد الناس والسيفية، بات من الضروري منع التوريث لتظل الانصبة الاقطاعية مقبولة وتمكن صاحبها من العيش. وكان من دواعي الروك الحسامي ايضا حصول بعض كبار الامراء على اقطاعات تفوق بكثير ما كان يحق لهم اما بسب توددهم الى السلاطين، او ان هؤلاء استمالوهم املا بالا يتآمرون عليهم. انما اثبتت الاحداث انه كلما كانت تزداد الامكانات المادية للامير يصبح اشد خطرا، وكان بعضهم يوظف امواله باستجلاب الامراء والاجناد، للوثوب على العرش، او دفع احد الامراء الضعاف اليه فيحكم من خلاله. وبموجب هذا الروك ضمت اقطاعات  اجناد الحلقة الى الامراء واجنادهم من السيفية عشرة قراريط فقلت كثيرا. وبلغت حصة المماليك السلطانية وحدهم عشرة قراريط، وتنعم السلطان باربعة قراريط كاملة، واحتفظ السلطان بقيراط للحالات الطارئة او الخاصة. ما يعني ان الاستغناء عن اجناد الحلقة بات هدفا، وكذلك تعزيز شأن المماليك السلطانية.

احتل الدور الاقتصادي دورا بالغ الاهمية في تفشي الفساد في العهد المملوكي لا سيما في الفترة التي تلت عهد السلطان قلاوون، وصار ولاء كبار الامراء للمال أكثر مما هو لخدمة السلطان ومنعة الدولة. لذلك جهد السلاطين للتخلص من امراء المائة الطامحين الى العرش، والذين كانوا يهددون استقرار البلاد، اما بالقتل او بارسالهم في حملات عسكرية خارج القاهرة ودمشق المركزين الاساسيين للتآمر. وينطبق هذا الامر على الامير بيدرا وكبار معاونيه في حملة 1292 على كسروان. وقل الامر عينه عن حملة 1300 التي قادها آقوش الافرم، وساعده سنقر الاشقر احد اهم طابخي المؤامرات. لاسيما ان السلطة المملوكية كانت في الفترة الممتدة ما بين 1293 و1309 في حالة فوضى سياسية عارمة وصراع عسكري مخيف. فكان ابعاد الامراء والاجناد المعادين للسلطان في حملات خارجية يريحه نسبيا.

اما حملة 1305، وان تقاطعت اسبابها مع الحملتين السابقتين، فان سببا رئيسا يبدو لي شديد الاهمية تمثل بهيبة الدولة واستراتجيتها العامة، القاضية بقطع دابر المخلين بالامن، وفرض هيبة الدولة. لا سيما بعد معركة مرج الصفر سنة 1302. التي تجرأ فيها المغول وتوغلوا في عمق الدولة الى فلسطين.

اخيرا، يستوقفني في تاريخ صالح بن يحي ملاحظات اساسية تجعل السبب الديني والمذهبي يأتي في المرتبة الثانية على الاقل؛ كان التدمير الذي لحق بالكسروانيين وبممتلكاتهم رهيبا، ومع ذلك تم استخدام بعضهم في حلقة طرابلس، اي انهم صاروا اجناد في حلقتها. واعطي فريق آخر وظائف مدنية في طرابلس ايضا. ولا ندري ماذا يقصد ابن يحي بالمدنية، لأن الوظائف المدنية كانت من حق المتعممين وحدهم. فهل هذا يعني ان من لجأ الى طرابلس بدّل مذهبه وخضع تماما للسلطة المملوكية جريا وراء المكاسب، وانتهك الولاء المذهبي والمناطقي؟!!

على هذا، ألم يكن اجدر بالمماليك اغراء الكسروانيين بوظائف في حلقة طرابلس اي حماية الخط الساحلي الممتد من المعملتين حتى مغارة الاسد الذي اعطي سنة 1305 الى الامير علاء الدين بن معتب البعلبكي ووابن صبح، ثم استرد منهما واعطي العسافيين التركمان الاغراب. علما ان دورهم اقتصر على الامن فقط، وتأمين الخط الساحلي من هجمات الاعداء. في حين ان الادارة على كل مستوياتها كانت حكرا على المماليك وحدهم، وساعدهم في الوظائف الديوانية غير العسكرية المتعممون.

الخاص والمشترك في لبنان

ان العنوان يطرح اشكالية ايديولوجية طالما تجاذبها المؤرخون كل من موقعه، ولكنني لن ادخل في هذه المتاهة وسأحاول ان اكون موضوعيا، علما انني حضرت هذا الموضوع بعجالة لان الاتفاق مع الصديق فرحان صالح كان حول “الخاص والعام في العصور الوسطى” وهو ينأى عن موضوعنا وان كان يطال بعض جوانبه.

    يقتضي البحث المنهجي اولا تحديد لبنان جغرافيا، فهل وجد هذا التعبير عبر العصور ؟ لن اردد اقوالا كثيرة في هذا الشأن ولكن من الثابت ان كلمة لبنان استخدمت منذ العصور التاريخية، ولكن الحدود غير معروفة وغير ثابتة ايضا.وبالتالي سأستعيد الطرح الذي اقترحته في مؤتمر المقاصد” كتابة تاريخ لبنان الي اين” اي انطلق من الحدود الحالية للبنان واعود من خلالها لمعالجة الموضوع عبر الزمن.ويبقى سؤال اساسي منذ متى نشأت الحدود السياسية والدولية للاوطان؟ وهل كانت التسميات تتجاوز التعبير الجغرافي مثلا بلاد الشام، او آسيا الصغرى، وافريقيا للدلالة على المغرب العربي الحالي، او المغرب الادنى، او الاوسط…اذا الحدود بمعناها الحالي لم تكن معروفة، والدول كانت تكبر او تصغر تبعا للقوة العسكرية خلال الزمن التاريخي.من هنا يجب تحديد العام بالدولة الاساسية التي كانت تسيطر على لبنان، والمشترك تتحدد بالمناطق التي كانت ترتبط مباشرة بتلك الدولة وتسير بفلكها من دون اعتراض مهم، والخاص هي المناطق التي كانت خاضعة بشكل ما للدولة الاساسية من دون ارتباط مباشر اي لم يكن عليها تنفيذ سياستها بالكمال والتمام.

   وانطلاقا من ذلك يصبح الساحل اللباني هو المشترك، وقسم كبير من الجبل هو الخاص.ومن المفيد العودة الى بداية الفتوح لتوضيح هذه المسألة. لقد تم فتح السواحل، ولن اتوقف عند كلمة الفتح اليسير، لانها تحتمل نقاشا، ولكن المهم ان المصادر العربية لا تتحدث ابدا عن الفتوح في الجبل.ما يعني ان الجبل استمر بعيدا عن سيطرة السلطة العربية الاسلامية المباشرة.وتحجم المصادر ايضا عن توضيح الضرائب التي فرضت على الجبل ولا ندري ان كانت قد جبيت سوى من مناطق المنيطرة التي اقتضت الثورة على عامل صالح بن يحي في مطلع العهد العباسي، ولكن المنطق يفترض ان ضرائب ما فرضت على الجبل من دون ان ندري مقدارها، ولا كيفية جبايتها.وهناك من يذهب الى ان الجبل لم يدفع الضرائب.المهم في المعادلتين ان خصوصية ما تمتع بها الجبل اللباني.

    المشكلة الاساسية تكمن اذا بالتاريخ العام الذي لا يوضح اي من المسائل التي طرحت، خصوصا على مدى العصر الراشدي. وهذا يطرح تساؤلا رئيسا هل رضي الخلفاء الراشدون بالسيطرة على السواحل فقط لضبطها ومنع البيزنطيين من العودة اليها؟ ايضا لاجواب واضح حول الموضوع. ومن جهة ثانية ، كان سكان الجبل متفاهمين مع الامويين ما قيل عهد عبد الملك، ويحصلون على اعانات اموية خصوصا من معاوية، ويذهب الدكتور كمال الصليب، في تفسيره لاسباب ثورة المنيطرة، الى القول ان هذه الاعانات استمرت حتى نهاية العهد الاموي. ما يعني ايضا وضعا خاصا للجبل. في المقابل وعلى اثر الفتوح اسكن العرب جماعات من الفرس واليهود والعرب وغيرهم عل السواحل لحمايتها، وبالتالي ارتبط هؤلاء بالسلطة العربية مباشرة، ونفذوا ما كان يطلب منهم، ما يعني انهم لم يتمتعوا باي خصوصية حتى ذلك التاريخ. ولكن بعد ثورة المنيطرة وما ترتب عليها من آثار بالغة الخطورة شجع العباسيون قبائل عربية على السكن في السواحل واطرافها واعطوا المناطق التي سكنوها اقطاعات يستغلونها عوضا عن الرواتب النقدية، بمعنى انهم ربطوا مصير القبائل بتلك المناطق. وهكذا اسس التنوخيون اول امارة عربية في لبنان، وخدموا الدولة العربية حتى في عهود انحطاطها اي في العهود الطولونيين، والاخشيديين، والفاطميين، والسلاجقة والايوبيين، والمماليك. وهذا لا يعني انه لم يتمتع التنوخيون بوضع خاص، فقد اسسوا امارة سلالية تعتبر الى حد دويلة دامت أكثر من اية امارة عربية وغير عربية عبر التاريخ الوسيط، وكان يتم الاعتراف بالسلطة التنوخية وسلطانها على بيروت والغرب، حتى في العهد الصليبي انما بمقدار اقل، وتبعا لقوة وضعف الصليبيين.    

  ونجح يوحنا مارون بحسن تدبيره وقيادته الواعية ان يؤسس الامة المارونية في لبنان ان جاز التعبير، اذ لم يغضب الخلفاء الامويين ، ولم تسئ تصرفاته اليهم ، وتمكن في آن من وضع حد نهائي لتدخل الروم في شؤون طائفته ، وذلك عندما ارسلوا – على الارجح عام 685 – حملة عسكرية لتأديب الموارنة لخروجهم على طاعة المجمع المسكوني، فقتلت عددا من الرهبان في دير مار مارون ، وتبعت الفارين بقيادة بطريركهم الى لبنان للنيل منه ومن اتباعه ، ولكن الموارنة دحروا المهاجمين في اميون وقتلوا قائديهم موريق وموريقيان.

    ولم يعترض السكان الاصليون في جبال لبنان الشمالية على النازحين الجدد ، لأن المذهب الخلقدوني كان يجمع بينهم ، بل اندمجوا في بوتقة واحدة في العهد الاموي لتأسيس امة (جماعة) لها مقوماتها الخاصة في ظل تنظيمها الكنسي ، الذي اتخذ بعدا زمنيا من دون ان يتحول الكنسي الى نظام سياسي. وقد ساهمت جغرافية المكان المنيعة ، التي تحميها الجبال العالية والمعابر الصعبة المسالك ، بتمتع المجتمع الجديد ، الذي غدا مارونيا ، بمقدار كبير من الاستقلال خصوصا ان الموارنة لم يسيئوا الى الدولة الاموية ، بل تحولوا الى حلفاء لها بعد ان ناصبوا الروم العداء حين عمد هؤلاء الى استغلالهم استخدامهم من اجل المصالح الرومية البحتة. 

       ويمكن القول ان العهد الاموي اسس لتوزيع ديموغرافي جديد في لبنان ، بحيث استقر الموارنة في شماله ولاسيما في الجبال ، واقامت في معظم مدن الساحل حاميات اسلامية قد تكون حصلت على ارضي زراعية لاستغلالها عن طريق الاقطاع وهذا يفترض وجود سكان غير عرب لاستثمارها لان العرب انفوا من العمل الزراعي ومنعوا عن ممارسته ، ونعتقد ان بعض السكان عادوا بعد ان هدأت الفتوحات للاقامة ان لم يكن في المدن انما في جوارها، اي السفوح الجبلية. وقد استقرت في لبنان الجنوبي عناصر عربية الى جانب السكان الاصليين ، وقد يكون الامويون قد جعلوا منه منفى لاعدائهم ونستدل على ذلك من نفي معاوية لابي ذر الغفاري اليه ، ما يفترض ان انتشارا اسلاميا بدأ فيه. وقد جعل الامويون بعلبك قاعدة اساسية لمنطقة البقاع ، ومركزا لقاعدة عسكرية تغذي المناطق عند الضرورة ، وبنوا فيه قلعة عنجر. وكان المسيحيون الملكيون الذين سيعرفون في ما بعد بالارثوذكس منتشرين على السواحل الشمالية للبنان، ولاسيما في الكورة. ويذهب بعض المؤرخين الى الاعتقاد ان الملكيين كانوا منتشرين ايضا في المتن.ان هذا التوزيع الديموغرافي سيكون له شأن في مفهوم الخاص والمشترك

  خصوصية الجبل وقيام المقدمية المارونية :

يرجع الدويهي قيام السلطة الزمنية في شمالي لبنان الى عهد البطريرك يوحنا مارون وتحديدا الى نسل اخته التي انجبت ولدين:ابراهيم وقورش، بحيث تولى الاول تدبير امر الجماعة المارونية عسكريا، وسلك اخوه طريق خاله يوحنا مارون.و كأن الدويهي يريد ان يقول لنا ان هناك تزامنا بين السلطتين الروحية والزمنية، لا بل يذهب ابعد من ذلك وهو تاسيس دويلة مارونية في الجبل لها سلطاتها الدينية الخاصة والزمنية وتساعد الواحدة الاخرى. وليس لدينا مصدر آخر يبت بالامر سلبا او ايجابا، والدويهي وان كان يعكس تفكير موارنة زمانه، فانه يعني انه كانت لذلك التفكير جذور قديمة راسخة في اذهان الناس ان صحّت روايته او لم تصدق.

  واذا اخنا بعين الاعتبار رواية ابن القلاعي عن ثورة المنيطرة والاحداث التي سبقتها:لبس المقدم الياس التاج ورفع الصليب شعارا لثورته او دويلته، نلاحظ التوجه عينه عند الاثنين، واذا كان ابن القلاعي عاش في بداية العهد المملوكي، والدويهي في القرن 18 فانهما يعكسان التوجه عينه، ما يعني عمليا ومنهجيا انه كانت للجبل ميزاته الخاصة ونوع من الاستقلال الذاتي. ويؤيد ذلك صراع موارنة الجبل مع الحكام الصليبيين عندما حاول هؤلاء فرض نظمهم الاقطاعية على موارنة الجرد، والتدخل في شؤونهم الخاصة .وهنا تفسير مهم للدكتور كمال الصليبي بين فيه الخلاف لا بل الصراع بين الفريقين وكيف ان موارنة الجرد خرجوا على طاعة الكرسي الرسولي في روما وانتخبوا بطريركا خاصا بهم هو لوقا البنهراني بوجود بطريرك آخر تابع لروما هو ارميا الدملصاوي. واذا عدنا للعنطوريني نجده يحدد الحكام الموارنة في العهد الصليب ويسميهم الرقباء ويذكر ان الرقيب على جهة بشري كان شدياقا وهي رتبة كنسية. ويربط الياس القطار بين الامرين ليبين مدى اهتمام الحكام الموارنة بالارتباط بالكنسي. ويذهب الدويهي ابعد من ذلك بنقله رواية عن ابن القلاعي:انه كان يوجد ثمة امير ماروني على كسروان يدعى يوحنا، ومن ثم يسميه الملك ( هاجر الى قبرص بعد سقوط طرابلس). ونفيد من النص عينه الذي حلله القطار: ان عدد المقدمين بلغ ثلاثين، وحدد مقدمية كل منهم. ويستخلص ايضا مدى عمق الترابط بين السلطتين الزمنية والروحية. ومن ثم يصور الهالة الروحية والقدرة التي وهبها الله للبطريرك الذي لعن المقدم سالم الذي لم يلبث ان توفي بعد ثلاثة ايام. كما كانت له ايضا السلطة على رسم المقدمين الذين كان دورهم الى جانب جباية الضرائب حماية الموارنة من اي اعتداء خارجي.

    واذا عرضنا للرواية التي انفرد بها الدويهي عن التجاء الظاهر برقوق الى وادي قنوبين وتثبيته للمقدم يعقوب ابن ايوب مقدما وكأنه بذلك يكرس سلطته من اعلى سلطة مملوكية انذاك، ويؤسس لعلاقة جديدة بين المماليك والموارنة بعد الحملات المملوكية على لبنان. وهوبذلك ينقل السلطة من بلاد جبيل الى جبة بشراي. اذا ربطنا كل ذلك بعضه بالبعض الآخر يمكننا الاستنتاج ان حكما ما لا نعرف مدى نسبته من الاستقلال كان قائما في الجبل بين جبة بشراي من جهة وبلاد جبيل من جهة ثانية، وان السلطة الاسلامية لم تتعرض له بل تركت له حرية التصرف ما دام القيمون عليه لا يعادونها جهارا، وبالتالي كان هذا نوعا خاصا انفرد به الجبل اللبناني المذكور.

الامارة التنوخية :يذهب محمد علي مكي الى القول ان ثورة المنيطرة اثارت حفيظة العباسيين فشجعوا قبائل عربية الى الانتقال والاقامة في الساحل اللبناني لحمايته مخافة ان يقوم تحالف بين البيزنطيين وموارنة الجبل. طبعا لن اناقش هذا الرأي على ضعفه، انما ما يهمنا هو انتقال التنوخيين الى البقاع اولا ثم الى بيروت للاستقرار فيها ونيلهم اقطاعات في منطقة الغرب، – الانتقال الى البقاع اولا يضحض رأي مكي حول التحالف بين الموارنة والبيزنطيين- ومن ثم حدث صراع بينهم وبين موارنة سن الفيل ادى بالتنوخيين الى الرحيل عنها الى الشويفات، وتوسعت هذه الامارة فيما بعد على عهد المأمون لتشمل صفد في فلسطين. وعمد الخلفاء العباسيون الى زيادة حصون السواحل من اجل ان تصبح شديدة المناعة واوكلوا امر الدفاع عنها الى التنوخيين وهكذا اصبحت بيروت مركز التنوخيين ومناطق الغرب امتدادا لهذا التواجد وعصبا له. تمكن الامير النعمان التنوخي من توريث امارته، وغدا الامر سابقة جرى على خطاها كل الامراء التنوخيين على الرغم من الخلافات التي جرت بين افراد العائلة الواحدة، كما في كل العائلات، من دون ان تؤثر على طبيعة الامارة.

هكذا نشأت هذه الامارة برضى السلطة الحاكمة، ونفذت مقرراتها، وسارت بفلكها بامانة. وهذا امر خاص بكل تأكيد له مقوماته وان كان يختلف عن الخاص في المقدمية المارونية.  لان الامارة التنوخية لم تخرج عن السلطة الحاكمة ايا كانت حتى في عهود الانحطاط، فلم تحارب الطولونيين ولا الاخشيدين، وكانت عضدا للفاطميين. وبعد الدعوة الى الوهية الحاكم بامر الله الفاطمي اعتنقت الدعوة الدرزية وحاربت من اجلها.وبالتالي نشأت الامارة التنوخية سلطة زمنية لخدمة الديني على غرار المقدمية المارونية ولكن الاهداف كانت مختلفة، فكان لكل منهما وضعا خاصا لا نجده في اية منطقة اخرى.

   وقياسا على الامارة التنوخيو والمقدمية المارونية فان الدويلات التي نشأت في لبنان لم تدم سوى سنوات قليلة فالامارة المرداسية او الدولة المرداسية التي أسسها صالح بن مرداس في شمالي سوريا ولبنان انتهت في معركة الاقحوانة 1030 . وفي العهد الفاطمي نشأت امارة بني عمار في طرابلس ولم تكن مؤلفة من ابناء البلاد وحدهم ولم تكن بخدمة الخلافة الفاطمية وحدها، انما تأرجح ولاؤها بين الفاطميين والسلاجقة، ومن ثم سقطت من دون ان تشكل وضعا خاصا بالمعنى الحقيقي، بل مشتركا بين السلطة الفاطمية اجمالا ودورها كدويلة داخل لبنان. وهي على غرار امارة ابن الشيخ في صور ، وكذلك امارة بني عقيل في صور ايضا التي تقلبت بين الفاطميين والسلاجقة ومن ثم قضى عليها بدر الجمالي.لم تدم سوى سنوات، الامر الذي يميز المقدمية المارونية والامارة التنوخية عن الدويلات التي نشأت في لبنان.  

تصدت الامارة التنوخية للصليبين بمساعدت الفاطيين والسلاجقة انما تأرجح ولاؤها فتخلت عن السلاجقة عندما انجدها الفاطميون باسطول ، ثم عادت لخدمة السلاجقة او على الاقل التعاون معهم. وبالتالي استمرت تخدم الديني الذي من اجله نشأت. وقد استمرت ايضا في الفترة الصليبية، وان خرجت من بيروت الى منطقة الغرب عام 1111. ولما تولى المماليك السصلطة ارتبط بهم التنوخيون ارتباطا وثيقا .

    اما المدن الرئيسة اللبنانية فكانت مراكز ادارية للسلطة العربية او الاسلامية الحاكمة ؛ فبعلبك كانت باستمرار مركز اداري مهم جدا منذ العهد الاموي على واحتلت مركزا مرموقا جدا في العهد المملوكي بحيث اصبحت نيابة صغرى. وكانت صور مركزا بحريا مهما ترابط فيه باستمرار قطع للاسطول العربي والاسلامي، وتتواجد فيها حامية عسكرية مهمة. اما طرابلس فكان لها شأن عظيم ففيها كان يرالابط الاسطول الاسلامي، ويحكمها وال على الاقل منذ العهد الفاطمي، وتحولت الى نيابة كبرى في العهد المملوكي. ما يعني ان مدن الساحل ارتبطت بالسلطة العسكرية الحاكمة منذ العهد الاموي، وكانت تنفذ سياستها، ما كان يكسبها وضعا خاصا بعلاقتها بهذه السلطات ووضعا مشتركا كونها لبنانية وتشرف على عدد من المناطق اللبنانية.

    الحملات المملوكية :قد تكون هذه الحملات على اختلاف دوافعها اكسبت قسما كبيار من اللبنانيين وضعا خاصا، واضفت على بعض المناطق اللبنانية ايضا وضعا خاصا. فللمرة الاولى نشهد تحالفا لبنانيا بين المسيحيين والشيعة على تنوع مذاهبهم، وبعض الدروز خصوصا في معركة 1305 ولم يكن هذا الموقف الا تعبيرا عن الدفاع عن الخاص اللبناني، وعن مواقع الطوائف والمذاهب المتميز كل في منطقته. وكان لانتصار المماليك دور في اعادة التوزيع الديموغرافي في لبنان، وفي ازدياد العزلة عن المحيط. وتكمن اهمية الخاص في لبنان ان الاسر الكردية والتركمانية التي اسكنها المماليك على الساحل بين انطلياس وعكار اندمجت في المجتمع اللبناني ونسيت هويتها الاساسية لتصبح لبنانية من حيث التقاليد والعادات بما في ذلك التنافس السياسي.

   وفي العهد المعني سيكتسب لبنان وضعا خاصا بامتياز من حيث ازالة العوائق التي فرضتها السلطة الاسلامية على التجنيد، اذ تمكن فخر الدين من جمع معظم اللبنانيين في بوتقة واحدة مرسيا بذور وطن له معالمه الخاصة بدليل ان الحرب العثمانية الثانية على لبنان جرت على الارض اللبنانية وليس خارجها على رغم وسع الرقعة الجغرافية التي كان يحكمها الامير اللبناني، وكان سقوطه على الارض اللبنانية.وسيكسب الميثاق الشهابي لبنان ايضا وضعا متميزا :من حيث تنظيم الحكم في الجبل ومن حيث قواعد السلوك السياسي على حد تعبير الدكتور جان شرف:”كان من المستغرب ان تقبل الحزبيات الدرزية بأمير غريب الدار مطلق الصلاحية في ادارة شؤون الجبل.” فنظام الحكم هذا قام على مبدأ الشورى بين الامير والاعيان فالامير يكون حصرا من العائلة الشهابية التي خصت بامتيازات لقاء تعهد الامير بالا يزيد الضرائب على الاعيان.قضية التجنيد من ماله الخاص،  لا يستطيع تجنيد الاهلين الا برضى الاعيان.وبالتالي انتقل مجتمع الجبل من التعايش الى الاجتماع السياسي.وهو امر له مدلوله الكبير والمهم على مستوى الخاص في لبنان عامة والجبل خاصة لان سلطة الامير الشهابي شملت عموما معظم لبان الحالي.وقواعد السلوك السياسي ارتكزت على المناصب بما في ذلك الامير، وهذه المناصب التي تبناها الميثاق حدت من سلطة الامير وجعلت الاعيان يلتفون حوله وبالتالي دفع الميثاق اصحاب المناصب لمقاومة الاتراك.ونجد تحليلا رائعا لجان شرف حول هذا الموضوع.

مرتكزات المشترك والخاص :ادت الحملات المملوكية الى فراغ سكاني في كسروان وبعض المتن، وبدأت عملية النزوح التدريجي الذي تزايد منذ اواسط القرن 17 الى كسروان والشوف بغية تلبية حاجات متبادلة افرزت نظام التعايش الدرزي الماروني من دون ان يلغي الخاص بكل جماعة التي حافظت على خصائصها.واخذ هذا التباين بعده الثاني المهم في ركائز نظام التعايش من خلال الديموغرافيا التي ارتبطت بنظام الالتزام العثماني الذي ادى بطريقة ما الى صراع قيسي يمني حدد التوجه السياسي وكان مشتركا بين فئتي المجتمع.واذا عدنا الى كتاب الحركات لحسين غضبان ابوشقرا “كانت الطائفتان محبة احداهما للاخرى آنسة ايها”.وقد اعترفت كل واحدة بالاخر وبخصوصياته وبحق التمايز:الدين واليقين هما من الخصوصيات، وهما على هامش العلاقات الاقتصادية.ويبرز هذا الامر واضحا ليس لدى العامة فقط بل ايضا لدى الاعيان الدروز الذين سمحوا لبعض الموارنة الاهتمام بمصالحهم.و”شكل التسليم بالحريات الاساسية وفي طليعتها الحرية الدينية المرتكز الثاني للخاص وفي الوقت عينه للمشترك وهو تعبير سوسيولوجي للافراد والجماعات.وشكل حق الملكية المرتكز الثالث للخاص والمشترك في آن لان الجبل تميز بوضع خاص على هذا الصعيد عن الولايات العثمانية.وقد بدأ حق التصرف بالارض منذ فخر الدين الثاني الذي اعتبر نفسه بديلا من السلطان في الجبل واعطى الموارنة حق التصرف ببعض الاراضي، والاهم بعد فخر الدين حيث عم نظام الالتزام وتحول الى ملكان.واهم ما يميز الجبل ان عقود البيع لم تسجل في المحكمة الشرعية في صيدا او في طرابلس على غرار ما كان يتمم في مناطق الساحل.الميزة الرابعة ان علاقة الجبل بالعثمانيين لم تتعد الحالة الامنية ودفع الضرائب لان الشأن الداخلي ترك امره للامير والاعيان خصوصا على صعيد ملكية الاراضي بيعا وشراء وحرية تصرف.( عقود الشراكة)

    متى اهتز هذا النظام؟ عند التدخل الاجنبي بدأ من عهد الجزار.

العوامل البعيدة لصراع الطوائف في لبنان

عند الفتح العربي الاسلامي هاجر قسم من السكان اللبنانيين، وكانوا مسيحين، مع البيزنطيين والقسم الآخر لجأ الى الجبال معتصما بها. ويزعم بعض المؤرخين، لدوافع ايديولوجية او دينية اسلامية، ان لبنان كان خاليا من السكان. انها نظرية ساقطة. ومن الواضح ان هوية الجبل السكانية السياسية تحددت: باستقرار المردة – الجراجمة في الجبل بعد تفاهمهم مع الامويين، ومن ثم قيام المقدمية المارونية الذراع الاداري والعسكري للموارنة في ظل البطريركية. وبقيام الامارة التنوخية في منطقة الغرب الخاضعة مباشرة لسلطة الخلافة العباسية والمنفذة تعليماتها، وخضعت فيما بعد للسلطات العسكرية التي صادرت صلاحيات الخلفاء السياسية والعسكرية. وباستقرار جماعات من الشيعة في جبل عامل. وحدث تحوّل في اتنية السكان وفي طوائفهم ومذاهبهم في المدن خلال العهدين الفاطمي والصليبي. واحدث العهد المملوكي، نتيجة الحملات العسكرية على لبنان ولا سيما بعد سنة 1305، تبدلا ديموغرافيا عميقا باسكان قبائل كردية وتركمانية على امتداد الساحل من انطلياس وصولا الى مغارة الاسد في معاملة طرابلس، وبافراغ السفوح الجبلية من السكان الشيعة والدروز، ناهيك بقدوم قبائل عربية جديدة الى لبنان كالشهابيين والمعنيين…وتحويل سكان المدن الساحلية في العهدين  المملوكي والعثماني الى اغلبية سنية.

ان التركيب السكاني المذكور بتعدد الطوائف والمذاهب استمر موضوع خلاف بين الطوائف على مستويين سوسيولوجي واقتصادي، وهما بلا شك مرتبطين عضويا. وكان اي تحوّل في هذا البنيان سيشكل عامل صراع، يهز بنيان الجبل. لأن الحكم الذاتي كان سمة المجموعات الطائفية اللبنانية، وشكل عوامل قسمة بين اللبنانيين. ومن المفيد التوضيح ان المسيحيين في لبنان لا سيما الموارنة كانوا دائمي القلق على مصيرهم، ويخشون باستمرا ابناء وطنهم من الطوائف الاخرى الذين كانوا شبه مرتبطين بالقوى السياسية المهيمنة على الحكم خىلال العصور العباسية، بخاصة الفاطميين الذين كانوا دائمي الصراع مع القوى السنية لا سيما السلاجقة. وصاروا اشد ارتباطا بهم في عهود الصليبيين والسلاجقة والايوبيين، وعلى الاخص في العهد المملوكي حيث تم فيه اضطهاد المسيحيين. وحدثت معارك بين الفرقاء جميعهم.

ادت هذه العوامل الى احقاد بين الافرقاء اللبنانيين لاسيما بين التنوخيين والموارنة على اثر المعارك التي حدثت بين الفريقين. ولعب الوجود الصليبي دورا في اذكاء الخلاف بين المسيحيين، الذين لم يفيدوا من وجودهم الا جزئيا، والمسلمين الذين اعتبروا المسيحيين حلفاء طبيعيين للصليبيين، من دون ان يأحذوا بالاعتبار الصراع الماروني الصليبي، الذي اندلع بسبب التدخل الصليبي في الشؤون المارونية الداخلية.

ساهم عهد الامير فخر الدين الثاني، ومن ثم عهود الامراء الشهابيين بتطوّر ديموغرافي اساسي لصالح المسيحيين الذين تسربوا تدريجا نحو المناطق التي خلت بسبب الحملات المملوكية، كما بانتقالهم الى المناطق الدرزية مشكلين ايدي عاملة. ومن ثم تطوّرت ملكياتهم عن طريق عقود الشراكة، وبفضل انتشار الاديار برعاية من الامراء الشهابيين، التي ازدادت املاكها تدريجا وازداد معها بشكل ملحوظ عدد السكان المسيحيين. وطرح هذا المتطور، غير المنتظر مفهوم السلطة في الاجتماع السياسي التعاقدي بين الدروز والمسيحيين، ودفع الى ضرورة تعديل التراتب بينهما في الاجتماع السياسي، وشكّل عاملا اساسيا في اعتناق بعض الامراء من اللمعيين والشهابيين المسيحية.

حاول الامير بشير الثاني اقامة توازن بين المكونات الاجتماعية وفق رؤية جديدة توازن بين الطوائف وتضعف المقاطعجية. ولتحقيق هذه السياسة، ومنعا لأي انحياز لأي فريق داخلي، تبنى الامير بشير الشرع الاسلامي المدني وطبّقه على كل الرعايا مسيحيين ودروزا. لأن القضاء كان قبل ذلك من اختصاص المقاطعجية، فمن اجل اضعافهم وبسط سلطته كاملة على ارجاء البلاد عمد الامير الى اختيار قضاة من كل الطوائف درسوا الشرع الاسلامي، وصاروا يطبقونه في كل المعاملات المدنية. ولم يحدد لهم اماكن اقامة ثابتة للقيام بمهامهم بل كانوا يتجوّلون في ارجاء الجبل يفضّون المنازعات. ونذكر من القضاة المسيحيين البارزين: حنا حبيب مؤسس جمعية المرسلين، ويوسف اسطفان قبل ان يصبح مطرانا.

وامعن الامير باضعاف المقاطعجية الذين كان الامن من اختصاصهم فكانوا يسجنون، ويسوطون، ويلاحقون المخلين به. فجند جيشا محترفا من دون ان يكون افراده من رجاله، جعله يرابط في الثكنات ويتلقى اوامره مباشرة منه، ولم يكن للأعيان علاقة به،  وصار ينفذ اوامر السلطة في مختلف المجالات: فنفّذ احكام القضاة، وجبى الضرائب…الامر الذي اضعف المقاطعجية فلاذ كل فريق منهم بطائفته واستغلها ضد الفريق الآخر ما أجج الضغائن والاحقاد التي ستنفجر عند بروز اية فرصة.

 وزادت المسألة الشرقية، االمتمثلة باطماع الدول الاوروبية الكبرى في المشرق العربي وبالسلطنة العثمانية خصوصا، بازدياد الشحن الطائفي لأنها كانت تتحيّن الفرص لتذر قرنها في الصراعات الداخلية وتوظفها لصالحها. وهي التي فرضت على السلطنة العثمانية اصلاحات خطيْ شريف كلخاناه وهمايون 1856 و1839 بحيث ساوى السلطان العثماني بين المسييحن والمسلمين في الحقوق والواجبات. وهو امر رفضه المسلمون وشكل صدمة عنيفة لهم.

من الواضح تماما ان احتلال ابراهيم باشا بلاد الشام بالتحالف مع الامير بشير الثاني، وتدخله في الشؤون الداخلية اللبنانية كفرض التجنيد الالزامي، وجمع السلاح من اللبنانيين، ومساواته في الخدمة العسكرية بين كل الطوائف خلافا للشرع الاسلامي والعرف السائد، ومعاداة الدروز له بسبب مخالفته لتقاليدهم وعاداتهم، وانحياز الامير الى جانب المسيحيين، ومحاربته الدروز بجيش من المسيحيين. ان كل ذلك اشعل نار الحقد بين فريقي الاجتماع السياسي في الجبل، وزاد في الانقسام العمودي بينهما الذي كان بدأ يتأسس نتيجة التطور الديمغرافي والعقاري.

ارسى حكم الامير بشير الثاني،الذي عزل عام 1840، انقلابا اساسيا في الجبل لصالح المسيحيين على مستويين ديمغرافي وعقاري اقتصادي، مما كان يعني ان العقد السياسي والاجتماعي القديم ما عاد ممكنا استمراره، وبالتالي لا بد من اعتماد صيغة جديدة يرضى بها الدروز والمسيحيون. وكانت المنطقة حبلى بالكثير من التعقيدات التي تداخلت فيها مصالح الدول الكبرى، حتى بات الجبل اللبناني جزءا اساسيا من المسألة الشرقية، وما عاد ممكنا حل قضاياه بمعزل عن تطوّر الاحداث المتسارعة في الشرق العربي.

لم يؤد اعتماد نظام القائمقاميتين الى رأب الصدع الداخلي انما زاده تعقيدا، ولم ينه المجازر بين المسيحيين والدروز بل ازدادت حدة بتدخل الجيش العثماني فيها لصالح الدروز. ولم يرتح الجبل ويزدهر الا بعد اعتماد نظام المتصرفية. انما تأزم الوضع مجددا بين المسلمين والمسيحيين بانشاء الفرنسيين دولة لبنان الكبير بضغط من المسيحيين، لأن المسلمين عامة لاسيما سكان المدن الساحلية وابناء الاقضية الاربعة رفضوا الانضمام اليه، وطالببوا الانضمام الى الدولة الاسلامية برئاسة الامير فيصل. ونظموا مؤتمرات الساحل الداعية الى انفصالهم عن لبنان.

هذه هي الاسباب البعيدة للصراع الطائفي في لبنان، والتي لم تندمل بعد فالفرقاء المسلمون ما يزالون حتى اليوم يتطلعون الى العالم الاسلامي الواسع وهم يعتبرون الحدود السياسية مصطنعة وضعها المستعمرون لاضعاف المسلمين، ويرتبطون ببعض دوله، وينفذون مصالحها.

انها مسألة تخلف في الاجتماع السياسي بين كل الافرقاء اللبنانيين نأمل ان نصل يوما الى تخطيها ونبني وطنا علمانيا صرفا يكون فيه الوطن للجميع وعبادة الله بالطريقة التي يشتهيها كل فرد ويؤمن بها.

                           الدكتور انطوان ضومط استاذ سابق في الجامعة اللبنانية

دور القائمقاميتين والمتصرفية واشكالية الحداثة

القسم الاول: الجغرافيا والسكان.

 الاطار الجغرافي: ان دراسة تاريخ لبنان خلال العصور الوسطى تطرح مسألتين اساسيتين: كمية المصادر، والمنهجية.

  ان النقص في الاصول والمصادر واضح جدا اما لغياب المؤرخين اللبنانيين او لضياع كتبهم. فاكتفى الاختصاصيون والباحثون بكتب التاريخ العام التي لم تتناول من تاريخ لبنان الا ما كان يتوافق مع متطلبات الفتح والرؤية السياسية العامة في دولة الخلافة التي انحصرت اهتماماتها بالدفاع عن الثغور الساحلية، واقامة الحاميات الاسلامية فيها.

اما في المنهج فقد تناول عدد قليل من المؤرخين تلك المرحلة ومعظمهم دخل على التأريخ بمواقف مسبقة من الاحداث فنظروا الى الماضي انطلاقا من قيم ومفاهيم الحاضر الحبلى بالكثير من الاشكالات السياسية فتداخل فيها الديني بالقومي المتعدد الوجوه والتشعبات، حتى باتت دراسة الماضي مقترنة بمعطيات الحاضر، وبالتالي وقع هؤلاء بمغالطات منهجية فادحة عقدت دراسة الماضي.

وتأسيسا على ذلك، تطرح المنطلقات الاساسية للبحث سؤالا مركزيا: كيف عُرّف لبنان في العصور الوسطى، وكيف حُدد؟ للاجابة على هذا السؤال لجأت الى مؤلفات الجغرافيين العرب التي حددت الاقاليم والمناطق باسمائها، ووصفتها، وما يزال معظم تسمياتها مستخدم حتى اليوم، فباتت مصطلحات جغرافية طبيعية. وفي القرن العشرين حوّل بعض اصحاب العقائد والايديولوجيات بعض تلك المصطلحات الجغرافية الى تعابير سياسية، بل افترضوا لها كيانات سياسية ما كانت معروفة في الزمن التاريخي، ومنها بلاد الشام.

وابتغاء للفائدة ولعدم الوقوع في مهاوٍ ايديولوجية عدت الى بعض مؤلفات الجغرافيين العرب للاسترشاد بها: فوجدت ان المقدسي حدد بلاد الشام بما يلي:” واهل العراق يسمّون كل ما كان وراء الفرات شاما… وانما الشام كل ما قابل اليمن وكان الحجاز بينهما . . . وحدود الشام التي رسمناها مُجمع عليها”[1]. وهذا التحديد هو محض جغرافي ولم يكن يوما كيانا سياسيا قائما بذاته، بل كان موزّعا الى عدد من الولايات او النيابات تبعا للعهود. وبالتالي تصبح بلاد الشام منطقة جغرافية مثل: بلاد ما بين النهرين، وآسيا الصغرى، وبادية الشام، والحجاز… وصنّف الجغرافيون لبنان في بلاد الشام على اساس الاصطلاح الجغرافي، وحدده المقدسي بما يلي:” اما جبل لبنان فهو متصل بهذا الجبل – جبل اللكام-.[2]” واعتبره ابن الفقيه الهمذاني:” وبدمشق – اي في جند دمشق- لبنان وهو الجبل الذي يكون عليه العُبّاد والابدال…وهو متصل ببلاد الروم.”[3]، وعرّفه ياقوت الحموي:” ولبنان جبل…وقيل: ان فيه سبعين لسانا لا يعرف كل قوم لسان الاخرين الا بترجمان، وفي هذا الجبل المسمى لبنان…وفيه يكون الابدال من الصالحين.”[4] واعتبره المسعودي احد مراكز الموارنة:” وظهر رجل…من مدينة حمص يعرف بمارون اليه تنتسب المارونية من النصارى الى هذا الوقت- القرن الرابع/ العاشر…أكثرهم بجبل لبنان…”[5] وذكره جغرافيون عرب آخرون بما يتفق مع هذه التعاريف. فهو الى ذلك، اصطلاح جغرافي له مدلول اجتماعي متميّز بالابدال من الصالحين اي النساك، وبانه احد مراكز الموارنة. ونحن لن نتوقف في دراسة تاريخ لبنان الوسيط الا حول اشكاليتين اساسيتين لنتمكّن من الوقوف على التحولات المفصلية في القرن التاسع عشر، وهما الكيان اللبناني وشكله، والديمغرافية عند الفتح وتطوّرها.

الديموغرافيا: عند الفتح العربي الاسلامي هاجر قسم من السكان مع البيزنطيين والقسم الآخر لجأ الى الجبال معتصما بها. ويزعم بعض المؤرخين، لدوافع ايديولوجية او دينية، ان لبنان كان خاليا من السكان، لن نتوقف كثيرا عند هذه النقطة التي نرفض مضمونها جملة وتفصيلا ونحيل المهتمين على نص اليعقوبي من مؤرخي القرن الثالث/التاسع[6] الذي حدد الانتشار الديمغرافي في لبنان والمناطق المجاورة. ومن الثابت ان العرب، في مطلع الفتوحات، اسكنوا في المدن الساحلية عناصر فارسية للدفاع عنها ضد هجمات البيزنطيين المتوقعة، انما بنية الجبل السكانية وهويته السياسية تحددت لاحقا وعلى مراحل ويمكن ايجازها بما يلي: استقرار المردة – الجراجمة في الجبل بعد تفاهمهم مع الامويين، وقيام المقدمية المارونية الذراع الاداري والعسكري للموارنة في ظل البطريركية، والامارة التنوخية في منطقة الغرب الخاضعة مباشرة لسلطة الخلافة العباسية وفيما بعد للسلطة العسكرية التي صادرت صلاحيات الخلفاء السياسية والعسكرية، واستقرار جماعات من الشيعة في جبل عامل بعد نفي معاوية لابي ذر الغفاري الى الجنوب اللبناني. من دون ان ننسى التحوّل في اتنية السكان وفي طائفيتهم ومذاهبهم في المدن خلال العهدين الفاطمي والصليبي. واحدث العهد المملوكي، اثر الحملات العسكرية على لبنان ولا سيما بعد سنة 1305، تبدلا ديموغرافيا عميقا باسكان قبائل كردية وتركمانية على امتداد الساحل من انطلياس وصولا الى مغارة الاسد في معاملة طرابلس، وافرغ السفوح الجبلية من السكان الشيعة والدروز، ناهيك بقدوم قبائل عربية جديدة الى لبنان كالشهابيين والمعنيين…

موقف المؤرخين: جاءت مواقف المؤرخين متباينة من هذا التبدل والتطور السكاني، فاصحاب المواقف المسبقة استمروا يعتبرون لبنان جزءا اساسيا ليس من بلاد الشام كتعبير او مصطلح جغرافي بل من سوريا في حدودها الحالية مسبغين عليها ذاتية سياسية مفترضة، وهذا موضوع وإن كنا لا نقر منطلقاته وخلاصاته، يستأهل محاضرات كثيرة. وفريق آخر ما يزال حتى الآن يخلط بين العرب والمسلمين معتبرا ان كل مسلم عربي، وهذه مقولة دونها محاذير كثيرة غيّبت الحقيقة التاريخية وقضت قضاء مزدوجا على مفهوم العروبة اي السياسية والقومي بشقيه الجذري والانتمائي والحضاري.

القسم الثاني: العوامل التي ادت قيام كيان لبناني خاص.

1 – العوامل الداخلية.

ان التركيب السكاني المذكور بتعدد الطوائف والمذاهب استمر موضوع خلاف بين الطوائف على مستويين سوسيولوجي واقتصادي، وهما بلا شك مرتبطين عضويا، وكان اي تحوّل في هذا البنيان سيشكل عامل صراع، لأن الفريق الذي سيشعر ان مركزه مهدد سيبذل كل ما في وسعه للمحافظة على مكتسباته. اما الوضع السياسي فكان منبثقا من التركيبين المذكورين ويتأثر بالتحولات التي كانت تصيب المنطقة العربية جزئيا او كليا، وبالتالي لم يكن التحول في الحكم افراز اشكالية داخلية صرفة، لأن الحكم الذاتي لم يفارق المجموعات الاجتماعية اللبنانية المتعددة. وقد شكل الانتماء الطائفي والمذهبي وتلونهما بالتحولات السياسية عوامل قسمة بين اللبنانيين ( ويشمل كلامنا لبنان بحدوده الحالية لأن الكيانات السياسية بحدودها السياسية لم توجد قبل نهاية الحرب العالمية الاولى). هذا ناهيك بان العوامل التي ادت الى الصراع الطائفي في لبنان كثيرة جدا، ويصعب الوقوف عليها كلها، لأنها كانت حصيلة عوامل شديدة التشعب نشأت في الزمن التاريخي الطويل، وسنقتصر بالحديث على ابرزها لعلاقاتها السببية بقيام نظام القائمقاميتين، وتنظيمات شكيب افندي، ومن ثم بالمتصرفية :

أ – الميثاق الشهابي: بعد انقراض السلالة المعنية عام 1697 ارتضى الدروز اعطاء الامارة للأسرة الشهابية السنية، وكان من المستغرب ان يقبلوا بأمير ” غريب الدار” لو لم يتحدد في هذا الانتقال التحوّل من نظام التعايش الى الاجتماع السياسي الذي جعل نظام الامارة الجديد يقوم على مبدأ سلطة الشورى بين الاعيان والامير. ولعل ابرز مقوّمات هذا الميثاق كما حددها الدكتور جان شرف كانت: حصول العائلة الشهابية على امتيازات لقاء عدم زيادة الضريبة الا بمقدار معيّن. وبألاّ يجنّد الامير الاهلين الا برضى الاعيان لأنهم قادة مجنّديهم الفعليين وما الامير الا القائد الاعلى، وبتعبير اوضح اول بين متساوين. واعتماد تراتب اداري في المناصب يجعل من الامراء المتولين المقاطعات مساوين للأمير الكبير[7] على هذا المستوى.

ان هذا الميثاق يفسّر كل التحوّلات القسرية التي حصلت في الجبل، ويشرح من جهة ثانية عمليات التحوّل الاساسية في عهد الامير بشير الثاني بسبب خروجه عليه من اجل تحديث الادارة في الجبل، وما كان ممكنا تحديثها بوجود سلطة فاعلة للاعيان.

ب – اعتناق الامراء المسيحية: ساهم عهد الامير فخر الدين الثاني، ومن ثم عهود الامراء الشهابيين بتطوّر ديموغرافي اساسي لصالح المسيحيين الذين شرعوا ينزحون تدريجا نحو المناطق التي خلت بسبب الحملات المملوكية، كما بانتقالهم الى المناطق الدرزية مشكلين ايدي عاملة، وتطوّرت ملكياتهم عن طريق عقود الشراكة، وبفضل الاديار، التي برعاية من الامراء الشهابيين، انتشرت في الاشواف وازدادت املاكها تدريجا وازداد معها عدد السكان المسيحيين بوفرة ملحوظة. واخلّ هذا المتطور، غير المنتظر من الدروز، بشروط الميثاق الشهابي و” طرح مفهوم السلطة في الاجتماع السياسي التعاقدي… ودفع الى ضرورة تعديل التراتب بين الدروز والنصارى في الاجتماع السياسي… لا بل ان هذا العامل كان من اسباب تنصّر بالامراء”.[8] ويؤكّد هذا التنصّر مؤرخون كثر من بينهم حسين غضبان ابو شقرا المؤرخ الدرزي المعاصر للأحداث[9].

   وهكذا، فان العقد الاجتماعي غير المكتوب بين المسيحيين ( الايدي العاملة) والدروز الاقطاعيين كان في تبدل مستمر وابدا لصالح المسيحيين الذين حازوا ملكيات كثيرة كانت للدروز، وبالتالي فرض الوضع السوسيولوجي والاقتصادي والعددي الجديد واقعا مختلفا ادرك الامراء الشهابيون ابعاده، فكان هذا التحوّل المتنامي احد ابرز عوامل تحوّل الامراء  اللمعيين والشهابيين الى المسيحية.

ج – اصلاحات الامير بشير الثاني: عندما اخلّ الامير يوسف الشهابي بالميثاق الشهابي، وبسبب ما حلّ بالبلاد من المشاكل كادت ان تؤدي الى خطر حقيقي، اجمع الاعيان على تولية الامير بشير الثاني واشترطوا عليه بالمقابل العودة الى التعاطي السياسي معهم ” حسب احكام السالفين”، اي وفق الميثاق الشهابي. لكن الاوضاع السياسية المتلاحقة ودور الجزار فرضت سياسة جديدة واكبت هذه المرحلة الصعبة، وحتمت على الامير، من اجل استتباب الاوضاع، نقض الميثاق الشهابي واستبداله باصلاحات حدّت من سلطة الاعيان، ومنها: فصل الامور التعبدية عن الخدمة السياسية التي هي من اختصاص رجال السياسة، واقامة دولة العدل والمساواة والقضاء والامن وجباية الضرائب.

* في القضاء: ولتحقيق هذه السياسة، ومنعا لأي انحياز لأي فريق داخلي،  تبنى الامير بشير الشرع الاسلامي المدني وطبّقه على كل الرعايا مسيحيين ودروزا. لأن القضاء كان من اختصاص المقاطعجية، فمن اجل اضعافهم وبسط سلطته كاملة على ارجاء البلاد عمد الامير الى اختيار قضاة من كل الطوائف درسوا الشرع الاسلامي، وصاروا يطبقونه في كل المعاملات المدنية، ولم يحدد لهم اماكن اقامة ثابتة للقيام بمهامهم بل كانوا يتجوّلون في ارجاء الجبل يفضون المنازعات. ونذكر من القضاة المسيحيين البارزين: حنا حبيب مؤسس جمعية المرسلين، ويوسف اسطفان قبل ان يصبح مطرانا.

* في الامن: كان الامن في المقاطعات من اختصاص المقاطعجية: يسجنون، ويسوطون، ويلاحقون المخلين به. وكان ممنوع على الامير وفق الميثاق الشهابي تجنيد جيش من اتباعه الا بموافقة الاعيان، ومنعا لأي اشكال معهم، عمد الامير الى تجنيد جيش محترف من دون ان يكون افراده من رجاله جعله يرابط في الثكنات ويتلقى اوامره مباشرة منه، ولم يكن للأعيان علاقة به،  وصار ينفذ اوامر السلطة في مختلف المجالات: فنفّذ احكام القضاة، وجبى الضرائب…

* الضرائب:كان فرضها وجمعها من اختصاص المقاطعجية ” فنظّم الامير طريقة فرضها، فوضع قوائم اسمية بالمكلفين حُددت فيها المبالغ المتوجبة على كل منهم، وصار” الحوّالة” يجمعونها[10].

    وهكذا سحب الامير معظم السلطات من الاعيان واناطها به من خلال المؤسسات المستحدثة، فتحرر العامة من سلطة الاعيان ووصايتهم، وادركوا تدريجا اهمية دورهم حتى فرضوا عامية انطلياس عام 1821 وقادوها وفاوضوا الامير. ومن الادلة على ارتفاع شأنهم انضواء بعض الاعيان تحت لوائهم. ويوضح سير الاحداث انهم كانوا على مستوى مهم من المعرفة والادراك، ومن الادلة على ذلك ما ورد في مطالبهم في العامية: ان يكون للأمير ديوان ” مجلس تمثيلي” تتمثّل فيه كل طائفة بعضوين. ومن الاشارات المهمة على التبدل الديموغرافي ان قادة العامية كانوا عشرة من المسيحيين واربعة من الدروز.

د – حقوق الملّة: فرض الاوروبيون على العثمانيين اصلاحات على التواليي فكان خطي شريف كلخانه اولاها، تساوت بموجبه كل الطوائف امام القانون في الحقوق والواجبات. فافاد منها الموارنة ومن التبدل الديموغرافي لأنهم كانوا الطائفة الاكثر عددا للمطالبة بحقوق الملّة اي ان يكون الحاكم على الجبل مارونيا.

2 – العوامل الخارجية وانعكاساتها الداخلية. لن ندخل في تفاصيل هذه العوامل لأنها تقتضي دراسة واسعة وشاملة تتداخل مع المسألة الشرقية، ولأن تأثيرها لم يضاه العوامل الداخلية. ويمكن اختصارها: بان اطماع الدول الاوروبية الكبرى في المشرق العربي وبالسلطنة العثمانية ككل لعبت دورا اساسيا في مجريات الاحداث في جبل لبنان، فتلك الدول كانت تتحيّن الفرص لتذر قرنها في الصراعات الداخلية وتوظفها لصالحها.

من الواضح تماما ان احتلال ابراهيم باشا بلاد الشام بالتحالف مع الامير بشير الثاني، وتدخله في الشؤون الداخلية اللبنانية كفرض التجنيد الالزامي، وجمع السلاح من اللبنانيين، ومساواته في الخدمة العسكرية بين كل الطوائف خلافا للشرع الاسلامي والعرف السائد، ومعاداة الدروز له بسبب مخالفته لتقاليدهم وعاداتهم، وانحياز الامير الى جانب المسيحيين، ومحاربته الدروز بهم اشعلت نار الحقد بين فريقي الاجتماع السياسي في الجبل، وزادت في الانقسام العمودي بينهما الذي كان بدأ يتأسس نتيجة التطور الديمغرافي والعقاري.

وشكّلت الاصلاحات العثمانية الاولى عام 1839، بضغط من الدول الاوروربية الكبرى، صدمة كبيرة للمسلمين الذين ما اعتادوا ان يتساووا بالمسيحيين فاعتبروا الاصلاحات انتقاصا من حقوقهم. وفي الوقت عينه لم تكن الدولة العثمانية مقتنعة بالاصلاحات التي فرضتها عليها الدول الاوروبية، وتريد التخلص من الضغط الماروني في الجبل المطالب بالحكم بعد القضاء على ابراهيم باشا ونفي الامير بشير الثاني عام 1840. وأمن لها خلفه الامير بشير الثالث الفرصة الذهبية بما اتصف به من ضعف اداري وعجز سياسي، فاستغل العثمانيون الصراع الطائفي في الجبل وتحالفوا مع الدروز للقضاء على الموارنة. ولعل ما اورده ابو شقرا عن الانقلاب في مراكز القوى لأكبر دليل على ما ذهبنا اليه:” وفي احوال البلاد والعباد تغيّرات عظيمة ذات بال اذ وجدوا الدروز على شفير الهلاك والاضمحلال وفي حالة الضعف والهوان…وبعكس ذلك النصارى فقد وجدوهم على خلاف ما يعهدونهم من صفر الايدي، وخلو الوفاض، والخشوع والاحتشام، ولين الكلام. شاهدوهم في قعس وخيلاء، وعتوّ وشموخ آناف مرتبطين الجياد الصافنات بعد ارتباط الحمير والابقار وسكناهم العلالي الشاهقة بعد الاكواخ، تقبض منهم الأُكف على نصاب الحسام الصقيل بعد ان كانت لا تعرف مقبضا غير نصاب المخرز والمطرقة…فلم يغرب عنهم ان هذه الادلة الغريبة والحوالة العجيبة ان هي الا مغبة اضطهاد الامير بشير وحيفه وجوره على هؤلاء وميله الى اولئك حاصرا فيهم جميع الوظائف والمأموريات التي كانت تدر بها المنافع وتستنزف الاموال…الى غير ذلك من الامورالتي احزنت ذوي المقاطعات واوغرت منهم الصدور، فجعلوا يعملون في ارجاع القديم الى قدمه ساعين في تعزيز شؤون ابناء طائفتهم واصلاح احوالهم…مما شق على النصارى امره وابو الاستكانة والرضوخ له”[11]

   وعلى الرغم من المبالغة في موقف ابي شقرا تجاه نمط حكم الامير بشير الثاني، فقد اوضح ان انقلابا اساسيا حصل في الجبل لصالح المسيحيين على مستويين ديمغرافي وعقاري اقتصادي، مما كان يعني ان العقد السياسي والاجتماعي القديم ما عاد ممكنا استمراره، وبالتالي لا بد من اعتماد صيغة جديدة يرضى بها الدروز والمسيحيون. وكانت المنطقة حبلى بالكثير من التعقيدات التي تداخلت فيها مصالح الدول الكبرى، حتى بات الجبل اللبناني جزءا اساسيا من المسألة الشرقية، وما عاد ممكنا حل قضاياه بمعزل عن تطوّر الاحداث المتسارعة في الشرق العربي.

 وهكذا، احتلت الاسباب الداخلية الاجتماعية والسكانية والاقتصادية والدينية المرتبة الاولى في الصراع الذي نشأ في الجبل، وزادتها تعقيدا ممارسات الدول الكبرى الساعية ابدا لتحقيق مصالحها، مما ادى الى الانفجار الداخلي الكبير، الذي تعذّر حلّه بالعودة الى نظام ما قبل 1840 اي حكم الامراء فكان لا بد من اعتماد نظام جديد.

القسم الثالث: الحداثة

1 – دور القائمقاميتين في التحديث: اقر هذا النظام في 15 ايلول 1842 نتيجة تداول الدول الكبرى التي وافقت على اقتراح مترنيخ مستشار النمسا، واعتبرته انتصارا باهرا لدبلوماسيتها فقسمت الجبل الى قائمقاميتين. وبدت الاشكالية النظرية اكثر صعوبة عند التطبيق: فهل يجب اعتماد التقسيم جغرافيا بمعزل عن الوضع الديمغرافي الطائفي، ام طوائفيا يجعل كل طائفة تحتكم الى حكام من ابنائها بمعزل عن القائمقام الدرزي او الماروني؟

جاء هذا الطرح حادا في القرى المختلطة، وبدا أكثر تأزيما في القائمقامية الدرزية بسبب وفرة اعداد المسيحيين فيها، وكثرة القرى المختلطة. وتداول المعنيون حلولا عديدة: ومنها، تقسيم جذري مبني على تبادل سكاني بين القائمقاميتين بحيث تصبح كل قائمقامية متشكلة من طائفة واحدة متجانسة دينيا. او اعتماد وكلاء للدروز والمسيحيين في كل قائمقامية لرعاية شؤون ابنائهم، على ان يرتبطوا مباشرة بالقائمقام. وفي جلسة 7 كانون الاول 1842 تبنى العثمانيون الامر الثاني، وجعلوا طريق بيروت-دمشق خطا جغرافيا فاصلا بين القائمقاميتين.

لم يرض المسيحيون بهذا الحل الدستوري غير المتوزان لأنه لم يكن مبنيا على النسبية الطائفية، ولأنه يضعهم في الوقت عينه تحت الهيمنة الدرزية في القائمقامية الدرزية رغم عددهم الكبير فيها، في حين تمسك به الدروز لأنه جعلهم مساوين عدديا وعقاريا بالمسيحيين. وبدا الامر وكأنه مرحلة استعداد لجولة جديدة من الصراع الطائفي التي حدثت فعلا في 1844-1845 لتطرح مجددا مفهوم العلاقة الدستورية بين الفريقين، ومدى فعاليتها: فهل الافضلية للصيغة الدستورية النظرية غير القابلة للتطبيق العملي بفعل توحّد الطائفة رغم الامتداد الجغرافي وعدم تنازل ابنائها عن هذه الوحدة تحت اية ظروف، مما كان يطرح وجود الطائفة بالذات وتكافل ابنائها حتى في وجودهم في القائمقامية المغايرة لطائفتهم؟ فصيغة الوجود والتأكيد عليها كانت اهم من التعاقد الدستوري المبني فقط على الجغرافيا وحدها، لأن التوسع الجغرافي هو حق من حقوق الطائفة ولا يمكن التنازل عنه، بل هو في اساس التعاقد الدستوري، مما كان يعني ان اي دستور جديد كان عليه الاخذ بالاعتبار امران: وحدة الطائفة الدينية والحقوقية، وامتدادها الجغرافي من ضمن المنظور عينه اي وحدة الطائفة[12].

    وعليه، فشلت مشاريع التبادل السكاني، وصار عسيرا جدا إن لم نقل مستحيلا العودة الى النظام القديم المبني على وحدة الجبل في ظل حكم الامارة، ما حتّم تعديل نظام القائمقاميتين بما يكفل الوحدة السوسيولوجية للطوائف وابعادها الحقوقية.

تنظيمات شكيب افندي: في صيف 1845 وصل شكيب افندي مندوب الدولة العثماني الى الجبل فاوقف القتال واعتقل مسببيه، وجمع السلاح، ثم بادر الى تعديل نظام القائمقاميتين بعد ان ادرك الابعاد البنيوية في تركيبة الجبل الطائفية والسوسيولوجية، واعتبر ان المشاركة التامة للطوائف في تقرير السياسة العامة لكل قائمقامية قد تعيد الهدوء الى الجبل، وربما اللحمة القديمة. فعمد الى انشاء مجلس في كل قائمقامية تتمثّل فيه الطوائف جميعها بالتساوي من دون الالتفات الى التفاوت العددي بينها، مستعيضا عن النظام الاكثري بالمساواة بين الطوائف؛ فصارت كل قائمقامية تتألف كما يلي: القائمقام مع وكيل من طائفته يُنتخب من الاعيان وينوب عنه في غيابه. وتألف مجلس القائمقامية من: قاض ومستشار عن كل من: الدروز، والموارنة، والكاثوليك، وارثوذكس، وقاض ومستشاريْن عن المسلمين[13] باعتبار ان القاضي المسلم يصلح لكل المسلمين. وقد برر هذا التنظيم قائلاً:” لما كان اهالي جبل لبنان مقسومين الى طوائف عديدة يجب ان تتمتع جميعها بنعم الحضرة السلطانية فينتخب اعضاء المجلس من الاعيان الاكثر جدارة في كل طائفة…وهؤلاء القضاة والمستشارين يعينون بمعرفة مطارنة وعقّال كلتا الطائفتين[14] وقد حدد شكيب افندي صفات اعضاء المجلسين ورسم طريقة ممارستهم لمهامهم بما يلي:” يجب ان يتمتع كل عضو بالنزاهة والاخلاص ، وان يواظبوا على وظائفهم دون انقطاع، ويجتهدوا ان يكونوا على اتم الوفاق فيما بينهم وبين قائمقام كل منهم وان ينظروا في دعاوى ابناء مذهبهم ويفصلوا بها بالنزاهة والانصاف. واذا ثبت على احدهم انه سلك سلوكا مخالفا للمهمة الموكلة اليه وجب طرده والعمل على تعيين بديل منه…”[15]

  الى اي مدى ارست تنظيمات شكيب افندي اسس دولة لبنان الحديث؟

لست ادري اذا كان يصح اعتبار جبل لبنان انذاك دولة بالمعنى القانوني والحصري، ومع ذلك فان تلك التنظيمات حوت مبادئ دستورية حقيقية.

1 – فقد وضع لأول مرة نظام مكتوب لجبل لبنان اسس لنوع من دستور اعاد الوحدة الى الطائفة وللمرة الاولى على اساس دستوري وليس على اساس عرفي مذهبي او طوائفي عملا باحكام العصور الوسطى بجعل الطائفة يحكمها احد ابنائها.

2 – لقد اعترف العثمانيون ولأول مرة بحقوق الطوائف الدستورية عمليا وليس نظريا كما جاء في خطي شريف كلخانة عام 1839، وساوى ايضا بين الطوائف، وهي رؤية عثمانية جديدة بل متطوّرة في شرعة الحكم تتعارض بنيويا مع المفهوم العثماني السائد الذي كان يحصر مذهب الحكام باهل السنةّ .

3 – انشأ ما يشبه مجلس للسلطة الاجرائية برئاسة القائمقام، لامس جوهره صلاحيات مجلسٍ وزاري، لأن الصفة التقريرية لم تعد محصورة بشخص القائمقام انما باعضاء المجلس مجتمعين، وهي خطوة دستورية ديمقراطية حقيقية فيما لو مورست فعليا.

4 – اعترفت تلك التنظيمات بحق الاختلاف بين طائفة وأخرى، والقبول بهذا الاختلاف ومراعاته من اجل صون التعايش السوسيولوجي والدستوري، مما يعني انها اسست لقبول رأي الاخر ومناقشته، وبالتالي عملت على تطوير صيغة العيش المشترك.

5 –تميّز تنظيمات القئمقاميتين ببروز مؤسسة القضاء المستقلة، والخارجة عن سلطة القائمقام او اي حاكم آخر، ففصلت بين السلطات، وجعلت كل واحدة مستقلة عن الاخرى؛ وهي الى ذلك حدّت من هيمنة الاقطاعيين وتدخلاتهم، ضمنت حقوق المواطنين.

 6 – يمكن اعتبار تركيب مجلس القائمقامية نوعا من فدرالية الطوائف التي ارتضت بالاجتماع السياسي التعاقدي الذي يكفل دستوريا حقوق الطوائف والمذاهب من دون الافساح في المجال لهيمنة او امتياز طائفة على اخرى.

7 – من المؤسف ان تلك التنظيمات شددت على دور الاعيان الذي كان الامير بشير الثاني قد حدّ من فعاليته ورفع من شأن العامة مرسيا نوعا من التوازن الاجتماعي. فاسست من غير قصد لانفجار الحرب الطائفية الثانية.

8 – اعطت رجال الدين دورا فعالا بل محوريا في انتخاب ممثلي الطوائف، واذا كان الانتخاب عملية ديمقراطية، فانه تنافى مع تطلعات العامة التي وجدت فيه اعادة للصيغة القديمة المبنية على التآلف بين الاعيان ورجال الدين.

9 – لم تلحظ التنظيمات اي دور اساسي اداري او سياسي للأمراء بل اعتبروا من الاعيان، ودليلنا على ذلك خلو اسماء اعضاء القائمقاميتين من اي امير[16]، وهي خطوة ايجابية على صعيد المساواة.

10 – اوجبت على المجالس النظر الجماعي في الامور المعروضة عليها، فصار الاطلاع على مجريات الامور في الجبل واضحة للجميع، وبالتالي بات تلافي الخلل الامني قبل استفحاله ممكنا اذا صفت النوايا.  

11 – اناطت بوالي صيدا العثماني تعيين اصحاب المناصب ومراقبة الحكم، فصار مسؤولا عن تطوّر الاوضاع في الجبل، وما عاد ممكنا للدولة العثمانية، تجاه الدول الاوروبية الكبرى، التملص من سؤوليتها عن تردّي الاوضاع فيه..

   فعلى رغم كل ذاك التحديث الدستوري التعاقدي الذي كفل وحدة الطوائف، وأسس فعليا لقيام نظام حكم حقيقي تضامني فدرالي ينبض بركائز ديمقراطية متعددة، نتسأل لماذا فشل نظام القائمقاميتين، او بالحري لماذ حصلت الحرب الطائفية الثانية؟

فهل الفدرالية نظام سيّء، ام ان عقلية الاعيان انذاك كانت اعجز من ان تستوعب آلية التطوّر؟ لأنهم جهدوا لاستعادة حقوقهم بل سلطاتهم التي كان تخطاها التطور السياسي والعقاري والفكري، من دون التبصر بالنتائج.

فعلى الرغم من ان تنظيمات شكيب افندي خصّت الاعيان بمنزلة عالية فانهم رفضوا قبول التطور المؤسسي، وظنوا ان بامكانهم اعادة الزمن الى الوراء، فعندما اقترحوا الامير احمد ارسلان قائمقاما جعلوه يوقّع عهدا بانه اولٌ بين متساوين، مما كان يعني العودة للعمل بالميثاق الشهابي في فترة كانت الاحداث اقوى من ان تحل بالاعراف القديمة. فالميثاق الشهابي كان عاجزا عن مواكبة الاحداث المتفاقمة والمتسارعة وعن استيعابها اوحلها. ولما  عزل احمد وعيّن ابنه امين مكانه رفض مقولة الاعيان متذرعا ان الباب العالي عينه من دون استشلرة الاعيان، مما ادى الى انقسام الدروز على انفسهم.

    ولم يكن حال الموارنة بافضل اذ انقسموا بدورهم على انفسهم: فصار آل ابي اللمع فريقين واحد ايد الامير بشير عساف، والآخر الامير بشير احمد، وزاد في الامر سوءا مطالبة آل الخازن باسترداد ما كان أخذه منهم الامير بشير الثاني متوائمين مع الطرح الدرزي اي العودة الى نظام الاعراف، ناهيك بظهور آل كرم في الشمال منافسين للعائلات التقليدية.

    وعلى ذلك، لم يفشل نظام القائمقاميتن، كنظام مؤسسي، ولم يفرز مذابح جديدة في الجبل، بل ان الرؤية المتخلفة للأعيان عند كلا الفريقين المسيحي والدرزي هي التي ادت الى قيام الحرب الطائفية الثانية، لأنهم عجزوا عن استيعاب عجلة التطوّر ورفضوا الاعتراف بالحركية الزمنية، بل حتى بالتطوّر البطيء.  ولم يدركوا ان العامة لن تستمر ابدا في خدمتهم غير آبهين باختلال توازن الملكية العقارية التي كانت باستمرار لصالح العامة التي دأبت تستل نفوذهم. فشكّل تعنت الاعيان السبب المباشر للحرب الطائفية الثانية.

   وزاد بالامر سوءا عدم استيعاب الاعيان ابعاد ثورة طانيوس شاهين عام 1858 المطالبة بالجمهورية – حكم العامة- التي بدأت في كسروان كثورة اجتماعية لأنصاف العامة بالاشتراك بالحكم، لأن الاعيان تعاموا عن تطوّر اوضاعها غير آبهين بحيازتها ملكيات عقارية مهمة، وغير واعين للتطوّر الفكري الناتج عن نشوء المدارس، ومتخلفين عن رؤية الدوافع الحقيقية للعاميات على المستويين السياسي والسوسيولوجي؛ بدءا بعامية 1821 وانتهاء بعامية 1840، واعتبروها حركات ظرفية. ولم يدركوا خطورتها على اوضاعهم وامتيازاتهم الا عندما انتقلت الثورة الى الشوف طلبا لمؤازرة عامته الدرزية والمسيحية. عندئذ حوّلوها الى فتنة طائفية سنة 1860 حفاظا على اوضاعهم. واعمى التعصّب الطائفي العامة عن حقوقها ومطالبها وعن هدف الثورة الاساسي بعد ان طواطأ العثمانيون مع الدروز للقضاء على المد الماروني الديمغرافي والاقتصادي والفكري والسياسي.

وعليه، تبيّن ان الحكم الذاتي في الجبل ضمن صيغة التعايش التعاقدي الدستوري لم يتم استيعابه بشكل حقيقي بسبب تخلّف فكر الاعيان عن ادراك القيّم الدستورية، والتطور السوسيولوجي، وازدياد التعصّب الطائفي، فتصادمت دمويا طوائف الجبل الواحد سعيا وراء المكاسب. ولم يدرك لا الدروز ولا المسيحيون دقة الظرف، واستقوى كل منهم بالخارج حتى تدمّرت البنية الداخلية على المستويات كافة، مما يعني ان القصور في الوعي الذاتي من جهة، والجماعي من ناحية ثانية جاء كارثيا.

   ومنعا لتفاقم الامر كان لا بد من ايجاد صيغة دستورية أخرى تأخذ بالاعتبار بنية القائمقاميتين الدستورية وتُطوّرها، وتفرضها على الفرقاء المتنازعين، فخسر اللبنانيون حكمهم الذاتي لصالح حاكم اجنبي فرضته الدول الاوروبية الكبرى بالاشتراك مع الدولة العثمانية، فكان نظام المتصرفية.

  2– نظام المتصرفية والتحديث: أقرّ بروتوكول 1861 بالمجتمع التعددي في الجبل، وانطلقمن وحدة الطائفة فجعلها اساسا للتعاقد الدستوري، ومنطلقا للتنتظيم الاداري والقضائي. فصارت وحدة قائمة بذاتهايتعاطى ابناؤها فيما بينهم على المستويات كافة، وتعيش جنبا الى جنب مع الطوائف الاخرى وتتعاطى معها سوسيولوجيا واقتصاديا بطريقة تتكامل فيها الدورة الاقتصادية، وتستقر الحياة الامنية، وتتحفّذ الحالية السياسية نحو الافضل. وقد يكون من هذا المنطلق قسّمت المادة الثالثة من القانون الاساسي الجبل الى ست مقاطعات ادارية هي:

1″ – الكورة…الآهلة بالروم الارثوذوكس، ما عدا بلدة القلمون…وكل سكانها تقريبا من المسلمين.

2 – الجهة الشمالية في لبنان، ما عدا الكورة حتى نهر الكلب.

3 – زحلة وما يتبعها من ارض.

4 – المتن بما فيه ساحل النصارى واراضي القاطع وصليما.

5 – الارض الكائنة في جنوب طريق الشام حتى جزين.

6 – جزين واقليم التفاح.”

   ” ويكون في كل من هذه المقاطعات مأمور اداري يعيّنه المتصرّف، ويختار من الطائفة الغالبة، سواء بعدد نفوسها او باهمية املاكها.”

وعملا بالمادة الخامسة قُسّمت المقاطعات ” الى نواح…ولا يكون فيها ما امكن الا جماعات متجانسة من السكان. وتقسم النواحي الى قرى…ويكون في كل ناحية موظف يعيّنه المتصرف بناء على اقتراح مدير المقاطعة. ويرأس كل قرية شيخ ينتخبه الاهلون ويعيّنه المتصرف. وفي القرى المختلطة يكون لكل عنصر كافي العدد من السكان شيخ خاص لا شأن له الا مع ابناء مذهبه.” فتكرس بذلك حكم الطائفة الذاتي فيالشؤون الحقوقية والامنية للطائفة.

الجهاز الحاكم” يتولى ادارة جبل لبنان، بموجب المادة الاولى، متصرف مسيحي ينصّبه الباب العالي ويكون مرجعه اليه رأسا، ويعطى هذا الموظفالقابل للعزل كل حقوق السلطة التنفيذية، ويسهر على حفظ الامن العام في كل انحاء الجبل، ويحصّل الاموال الاميرية، وبمقتضى الرخصة التي ينالها من لدن الحضرة الشاهانية ينصّب تحت مسؤوليته مأموري الادارة المحلية، وهو يولّي القضاة ويعقد المجلس الاداري الكبير، ويتولى رئاسته، وينفّذ الاحكام الصادرة عن المحاكم…وكل عنصر من عناصر سكان الجبل يمثّله لدى المتصرف وكيل يعيّنه الكبراء والوجهاء في طائفته.”

   وتألف المجلس الاداري الكبير بموجب المادة الثانية من 12 عضوا بالتساوي بين الطوائف والمذاهب: 2 عن كل من: الموارنة، والكاثوليك، والارثوذكس، والدروز، والسنة، والشيعة. و” يكلّف هذا المجلس توزيع الضرائب، والبحث في ادارة موارد الجبل ونفقاته، وبيان آرائه الشورية في المسائل التي يعرضها عليه المتصرف كلها.” وهو الى ذلك يشابه دور المجلس النيابي اذ انيطت به الشؤون التشريعية.

” ويكون في كل مقاطعة مجلس ادارة محلي مؤلف من ثلاثة اعضاء الى ستة، يمثّل عناصر السكان ومصالح الملكية العقارية في المقاطعة…وعليه ان ينظر قبل كل شيء في الامور القضائية والادارية ويسمع مطالب الاهلين، ويبلغ المعلومات الاحصائية اللازمة لتوزيع الضرائب في المقاطعة. ويعطي رأيه الشورى في كل المسائل المتعلّقة بالمنافع المحلية.” مما جعل هذا المجلس شبيها بمجلس نيابي بسبب دوره التشريعي والرقابي.

   القضاء: اما بنية القضاء فقد نظمتها المادة السابعة:” يكون في كل ناحية قاضي صلح لكل طائفة، ومجلس قضائي ابتدائي من اثني عشر عضوا بنسبة اثنين لكل طائفة من الطوائف الست المذكورة في المادة الثانية، ويضاف اليهم عضو من المذهب البروتستانتي او الاسرائيلي كلما كان لأحد من هذه المذاهب مصلحة او دعوى، وتكون رئاسة المجالس القضائية لكل من اعضائها بدوره كل ثلاثة اشهر.” الامر الذي يؤكد على مساواة حقيقية ضمن فدرالية الطوائف، بل ممارسة ديمقراطية.

   اما المحاكم فتتم بموجب المادة التاسعة، على درجات:” وهي ان ينظر في دعوى المخالفات قضاة الصلح، وفي الجنح المحاكم الابتدائية، وفي الجنايات مجلس المحاكمة الكبير…”

” كل اعضاء مجلس الادارة بلا استثناء، وقضاة الصلح ايضا يتم انتخابهم ويعيّنهم رؤساء طوائفهم بالاتفاق مع كبراء الطائفة، وتنصّبهم الحكومة. اما اعضاء المجالس الادارية فيجدد انتخاب نصفهم كل سنة، ويجوز تجديد الانتخاب للذين انتهت مدتهم.”

  وبما ان النظام لم يكن جامدا، بل خاضعا لمقتضيات التطوّر والواقع فقد ادخل على نظام البروتوكول عام 1864 تعديلات شكلية لم تطل بنيانه الاساسي، ولعل ابرز التعديلات تبنت مبدأ النسبية في التمثيل الطائفي في مجلس الادارة فصار اعضاؤه على الوجه الآتي: 4 موارنة، 1 كاثوليك، 1 ارثوذكس، 3 دروز، 1 شيعي (متوالي)، و2 سنة.

   وعليه: يمكن الخلوص بان هذا النظام افرز  بعض الخصائص البنيوية المبدئيةالتالية:

1 – أكّد على وحدة كل طائفة بمعزل عن توزعها الجغرافي، وعلى دورها في مختلف الميادين السياسية والادارية والقضائية، فكانت المرجع الاساسي في التعيين في كل المناصب حتى الوضيعة منها.

2 – ثبّت دور رجال الدين في المجتمع والسياسة والقضاء فاعطائهم الحق الاساسي في انتخاب ممثلي الطائفة في الحقول كافة، ودورا قياديا ضمنيا.

3 – وضع الاعيان في المرتبة الهرمية الاجتماعية الثانية بعد رجال الدين، وأكّد على دورهم في اختيار الموظفين.

4 – اضعف دور رجال الاقطاع لصالح الوظيفة العامة التي صارت تختصر الوجاهة والقيادة، فعزّز المؤسسات الى حد ما على حساب الاشخاص، مراعيا فيها هرمية ادارية في منتهى الدقة والتنظيم…

 5 –  انطوى البروتوكول على ثغرة اساسية اذ لم تعط مواده العامة اي شأن، بل لم تذكرهم، في حين شددت على دور الاعيان، الذين قد يكون بينهم بعض العامة من المثقفين، او الذين حازوا عقارات مهمة، عاكسة بذلك الرؤية العثمانية الاجتماعية والسياسية، وبالتالي اقرت التفاوت الطبقي في مجتمع الجبل وعززذزته .

6 – اشركت بنود النظام الاساسي كل الطوائف في حل المعضلات الكبرى من خلال المجالس: مجلس الادارة الذي روعي فيه مبدأ النسبية، ومجلس المقاطعة، ومجلس القضاء. مما اسس لتطبيق نوع من  الديمقراطية في نظام الجبل الاداري.

8 – جعل المتصرف حكما في ظل المجلس، مما يعني: بقدر ما يكون ممثلو الطوائف واعين للأمور والقضايا المعروضة عليهم، ويجهدون بصدق لحلّها بالمقدار عينه يمكنهم استبعاد التدخل الاحادي للمتصرف.

9 – لم يجعل هذا النظام من المتصرّف المرجع الاعلى للجبل بل ربطه بوالي صيدا، ومن خلاله بالصدر الاعظم، فالسلطان. وربط ضمان تنفيذ مواده بالدول الكبرى. وبالتالي اوجد عدة مستويات من المراقبة لحسن التنفيذ.

10 – تمّ الفصل بين السلطتين الاجرائية والقضائية، وهذا منتهى التحديث في شرق كانت تسيطر عليه نظم بالية.

11- عزّز البروتوكول اعتماد اللامركزية الادارية من طريق مجالس المقاطعات مرسيا حوافز للتنمية ولوعي الذات الاجتماعية والانمائية في كل مقاطعة، وبالتالي التنافس الايجابي بين المقاطعات.

12-  شددت مواد النظام الاساسي على وحدة كل طائفة ضمن المجتمع المتنوع، وعلى اعطائها استقلالاً ذاتيا، وأكد في آن على تآزر داخلي بين الطوائف من اجل حسن انتظام الامور المشتركة وادارة شؤون البلاد، والحد من تدخل المتصرف. وباختصار انشأ فدرالية الطوائف واعترف بالمجتمع التعددي وبخصوصية كل طائفة، وابقى على وحدة الارض والدولة معا، فما عاد من حاجة الى تقسيم الارض والحكم.

13 – شكّل البروتوكول خطوة على طريق التطور في نظام الحكم، ونموذجا للتآلف بين الجماعات في المجتمع التعددي. فعلى رغم ارتباط المتصرف بالدولة العثمانية، واجتهاد معظم المتصرفين لتنفيذ سياستها، وعلى الرغم ايضا من سوء ادارة عدد وافر منهم وجشعهم للمال وانتشار الرشوة في عهودهم، فان عهد المتصرفية يعتبر من ازهى العهود التي عرفها لبنان في مختلف الحقول.

   واذا كان في التاريخ عبرا ومواعظ: نطرح سؤالا مركزيا في مقاربة لواقعنا الحالي: هل نحن في لبنان، على الرغم من حصولنا على الاستقلال الناجز، بحاجة الى بروتوكول جديد يعيد تنظيم اجتماعنا السياسي فيحصر تطلّعنا الى الداخل اللبناني فقط من دون اي ارتباط بالخارج مهما بلغت درجة قرابته منا، ومهما اعتقدنا انه يأخذ مصالحنا بعين الاعتبار.

 سانهي بحثي مستعيرا خاتمة كتابي “المماليك والعثمانيون “الصادر عام 1995 لأقول:” انها ثوابت تاريخية، معادلات لا تتبدل، صراع ابدي على السلطة، تلك السلطة الاعصار لا ترحم ولا تشفق، جشعة ابدا للدماء، شرهة دائما للضحايا، لا ترعى حرمة دين وان كان دينها، او عرق، ولا تميّز بين اخ وعدو، تجتاح كل من يعترض سبيلها. هكذا ولدت ولن تتبدل، وتستمر الشعوب الضعيفة تدفع ثمن صراعاتها وصراعات الآخرين: زعماء محليين او اجانب، لافرق، تلك الشعوب ستستمر ابدا وقود نار التنافس املاً بانبلاج فجر جديد من العدالة الاجتماعية.

في 30 – 1 – 2005                             انطوان ضومط  


[1] – المقدسي، احسن التقاسيم في معرفة الاقاليم، تحقيق محمد مخزوم، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1987، ص134

[2] – المصدر السابق، ص160، 162

[3] – الهمذاني، احمد بن محمد المعروف بان الفقيه، مختصر كتاب البلدان، تحقيق محمد مخزوم، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1988، ص108

[4] – الحموي، ياقوت، معجم البلدان، دار صادر، بيروت، 1968، ص131

[5] – المسعودي، احمد بن علي، التنبيه والاشراف، بيروت، 1968، ص131

[6] – اليعقوبي، احمد بن واضح، كتاب البلدان، طبعة دار صادر، دون تاريخ، ص327

[7] – لمزيد من الاطلاع انظر: شرف، جان، الايديولوجية المجتمعية، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1996، ص378 وما بعد

[8] – المرجع نفسه، ص417

[9] – ابو شقرا، حسين غضبان، الحركات في لبنان الى عهد المتصرفية، بيروت، دون تاريخ، ص8

[10] – شرف، الايديولوجية، ص379-380

[11] ابو شقرا، الحركات في لبنان، نقلا عن جان شرف، ” صيغة التعايش الدستوري في لبنان” حاليات، العدد 33، السنة 1984، ص30

[12] – شرف، صيغة التعايش الدستوري، ص33

[13] – مجموعة المحررات السياسية عن سوريا ولبنان، المجلد الاول، من سنة 1840الى 1860، تعريب فيليب وفريد الخازن، مطبعة الصبر، جونية، 1910، ص219

[14] – المصدر السابق، ص 219-220

[15] – المحررات السياسية، ص219

[16] – انظر قائمة اسماء اعضاء القائمقاميتين في المحررات السياسية، ص220-221

لبنان ونظرية الملجأ

تكثر في الاوطان المتعددة الديانات والمذاهب والاعراق والتوجهات السياسية النظريات السياسية والاجتماعية اما لتبرير توجه ايديولوجي، او ترسيخا لقناعة ذاتية ترسبت عبر الزمن التاريخي وصارت ثقافة عامة لاصحابها، او تماهيا مع الاخر في الظاهر واضمارا لباطن ما تفاديا لصراعات محتملة. وقد يتوسل الباحثون والمنظرون سبلا عدة تسويغا لنظرياتهم ينطلق بعضها من الواقع الجغرافي، والبعض الاخر من التاريخ والجغرافيا معا، وفريق ثالث من ابعاد اجتماعية بما في ذلك تقاليد وعادات، وفريق رابع ربما من مناح دينية او مذهبية… ولسنا ندري لماذا كل تلك التبريرات: اهي لاقناع الاخرين بصوابية نظرية ما تتلاءم وتوجه اصحابها السياسي او الديني وربما المذهبي؟! ام هي عملية تضاد مع رؤى الآخرين يطلقها منظروها بعداء سياسي اوفكري او ديني او مذهبي؟! ام هي تنطلق من واقع ترسبات الزمن التاريخي المتنوعة لتطرح بدائل سياسية قابلة للنقاش بغية افراز نقاط مشتركة حقيقية تؤسس لنظام سياسي بعيد من التكاذب والرئاء؟!

   ان كل الاحتمالات واردة، وارى ان السبيل الاسلم لمثل نقد هكذا اطروحات او لتبني اخرى يجدر ان يأخذ بالاعتبار الواقع الجغرافي، والعلاقات بين الجماعات التي افرزها الزمن التاريخي، ووضع كل جماعة منفردة، ودرسها جميعها بموضوعية، خصوصا في هذه المرحلة المخاض من تاريخنا المعاصر، أملا بفجر جديد من السلوك السياسي يرسي قواعد صلبة، بل اقتناعات واعية عند كل اللبنانيين.

واعترف بصراحة كلية ان المواقف المسبقة، في مثل هكذا موضوع، قد تطغى بنسب متفاوتة على مواقف الباحثين، لا سيما المنضوين في التنظيمات السياسية، او اولئك المحابين لهم، او اصحاب غايات لها تبريرات متنوعة، ونأمل من الباحثين ان يتخطوها الى الموضوعية البحثية. 

نظرية الملجأ والجغرافيا: كثيرون ممن درسوا جغرافية لبنان خلصوا الى ان التضاريس اللبنانية ولا سيما الجبال ومسالكها الوعرة تشكل حصنا طبيعيا منيعا كان شديد الفعالية في تحصين الجماعات خلال معظم العصور الوسطى وبعض الحديثة، مستفيدين من موقع المنخفضات والسفوح التي تشكلها تلك الجبال، لما توفّره من موارد طبيعية: زراعة وتربية ماشية لوفرة الانهار وغزارة مياه بعضها طيلة ايام السنة. ومتوسلين البحر الذي يشكل بدوره ملجأ ومتنفسا طبيعيا في آن، فيغدو لبنان ولا سيما منطقته الساحلية مقصدا للغزاة بما هو موقع استراتيجي متميز من الجغرافية العامة لبلاد الشام…ويصبح الجبل ملاذا منيعا.

وقد قال كثيرون بهذه النظرية منذ اوائل القرن الماضي نذكر منهم: الاب اليسوعي هنري لامنس وقد يكون رائدهم، والمفكر والسياسي جواد بولس، والمؤرخ فيليب حتي… وانتقدها آخرون. وقد برر كل واحد نظريته الجغرافية بمستندات علمية قابلة للنقاش، لن ندخل في جدليتها لأنها وحدها تؤلف اكثر من بحث او مقالة، وازعم ان في كل منها وجهة نظر تتلاءم وتوجه بعض الفئات اللبنانية بطوائفها ومذاهبها المتعددة وميولها السياسية المتنوعة الاتجاهات.

فاذا تجولنا في ارجاء جبل لبنان من شماله الى جنوبه نجد فيه آثارا تعود الى ما قبل المسيح، بل يرقى بعضها الى بدايات العصور التاريخية. وهنا اسأل نفسي، كما اطرح السؤال على الاخرين: لماذا سكن الناس في تلك المناطق النائية الوعرة غير الصالحة اجمالا للزراعة متحملين شظف العيش والصراع مع الحيوانات المفترسة، افليس هربا من اضطهاد اعداء من بني جنسهم ممن يفوقونهم قوة عدة وعديدا ؟! يبقى الجواب رهنا بما يقدمه علماء الاثار ومؤرخي التاريخ القديم من معلومات موثّقة، رغم انني اجيز القول بان من سكن تلك المناطق وفضلها على السواحل الاكثر كرما والاقل عدائية انما اراد الفرار من واقع مرير للاستقرار بملجأ اعتبره آمنا.

وبديهي القول ان الاضطهاد ليس وليد مرحلة تاريخية محددة لأنه متواءم مع عمر الانسان، شأن الفرار من ضغط المنتصر. فالصحارى كانت موائل لعدد من القبائل تآلف بعضها مع البعض الآخر، وتخاصمت قبائل فيما بينها، وكان المهزوم ينأى عن المنتصر ويفتش عن ملجأ يحميه ويكفيه شر المعتدين. ولا بد ان يجد متتبع تاريخ هجرات الشعوب ضمن القارة الواحدة، او من قارة الى اخرى، ان ابتغاء الاقامة في منطقة معزولة تؤمن له مستلزمات الحياة ولو بحدودها الدنيا كان من ضمن الاسباب العديدة لفرار المهزومين. وكذلك فان المنتصر كان يفتش على الارض الأكثر خصوبة وجودة ويستعمرها، ويسعى باستمرار نحو التوسع واستعباد المهزومين، وبذلك نشأت الامبراطوريات الكبرى باخضاعها تباعا شعوبا متعددة الاعراق لسيطرتها.

نظرية الملجأ والفكر السياسي: ان معادلة الصراع بين الضعيف والقوي استمرت هي عينها تحكم سلوك الانسان عبر الزمن التاريخي، ونتساءل اذا كانت قد صحت في مجتمعات العصور الغابرة فهل ما تزال تصح في عصرنا هذا بما يحويه من انظمة وقوانين ومنظمات دولية واقليمية تنظم سلوك الدول وشعوبها وتفصل في نزاعاتها؟!

واذا كان طرح هذا الموضوع ” لبنان ونظرية الملجأ” اليوم لضحد المواقف السابقة لمفكرين ومثقفين وسياسيين لبنانيين وغيرهم تسويغا لقيام وطننا لبنان باعتبار ان كل اللبنانيين شركاء فيه، فان الوطن صار موجودا، ووجوده نهائي لكل ابنائه، واذا كان لهدف آخر عنيت به التشديد على الوحدة اللبنانية في وجه ما يحضر على المستوى الاقليمي من انظمة سياسية ليس اقلها الفدرالية، فان الموقف من الماضي بل من التاريخ لا يلغي هذه التطلعات او التوجهات، لأن للماضي ظروفه وزمانه، والحدث التاريخي لا يفهم الا في هذا الاطار. وبالتالي فان قياس الماضي بكل ظروفه ومقتضيات نوازعه على الحاضر بكل تشعباته ورؤى ابنائه المتنوعة لا يصح ولا يؤسس لانطلاقة واقعية، انما انماء الثقة بين اللبنانيين هي التي تئد كل تلك النظريات والداعين اليها أكانوا مصيبين او مخطئين. ان الوضع اللبناني كثير الهشاشة، وبحاجة الى وعي اجتماعي بالدرجة الاولى، لأنه يؤسس لاكتساب ثقافي، بل استيعاب ثقافي واع يحدّ من غلواء بعض الفرقاء لأي حزب او توجه او دين او مذهب انتموا، ويصبح بالتالي النضوج السياسي تتويجا للمرحلتين.

واذا عدنا الى التاريخ نتوسل منه نظرية لبنان الملجأ قد نجد لها مبررات في بعض المناطق اللبنانية ليس في الجبل وحده على امتداده كله، بل ايضا في الجنوب اللبناني، وفي بعض البقاع. ذلك ان الدواعي الدينية بل النزاع الديني ضمن الطائفة الواحدة كان من ابرز الاسباب التي دفعت معظم المهزومين للاتجاء الى لبنان، من دون اسقاط الصراع بين الطوائف من الحسبان.

فبالعودة الى التاريخ القديم، وانا لست ضليعا فيه، ازعم ان الفينيقيين الذين سكنوا المناطق العالية في جبل لبنان هربوا من هجمات واضطهاد الشعوب المتنوعة التي اخضعت الفينيقيين وتسلطت عليهم، وجعلتهم يدورون في فلكهم، ولنا نماذج متعددة من سلوك الفراعنة والاشوريين والفرس…

اما بالنسبة الى تاريخ لبنان الوسيط، واعتقد انه لبّ الموضوع، فالبعض يرفض نظرية لبنان الملجأ لاسباب متنوّعة ليس اقلها الخلاف على تحديد العلاقة الدينية بين المسيحيين والمسلمين، وبدرجة اقل العلاقة المذهبية بين المسلمين انفسهم، من دون ان يجرؤ بعض الرافضين لهذه النظرية الافصاح عن دوافعهم الاساسية. ولكنني اقارب الموضع من ناحية مختلفة ببعض وجوهها لاناقش المعضلة بكل موضوعية: فالموارنة الذين هاجروا من مناطقهم الاساسية على ضفاف العاصي وفي منطقتي حماه وحمص والتجأوا الى لبنان كان دافعهم الرئيسي تأمين مركز حماية من مسيحيين آخرين يريدون قتلهم او تحويلهم الى مذهب اليعاقبة لأن انسحاب البيزنطيين من بلاد الشام تحت وطأة الفتح العربي جعلهم من دون حماية، فاعتصموا في المناطق الجبلية اللبنانية الاشد وعورة في المسالك، وقد تكون الاكثر ارهاقا من حيث الاستغلال. ومن ناحية ثانية فان علاقاتهم المتعددة الوجوه مع الامويين فرضت عليهم السكن في تلك المناطق؛ فحافظ الموارنة على وحدتهم الذاتية واستقلالهم الداخلي وعاشوا في ظل تنظيمهم الخاص: البطاركة زعماؤهم الدينيون او الروحيون، والمقدمون قادتهم السياسيون والعسكريون المدافعون عنهم، واستمر الحال على هذا المنوال حتى اواخر القرن الثامن عشر.

وبالنسبة للشيعة اشتدت صراعاتهم مع اهل السنة بعد مقتل الامام علي ومن بعده الامام الحسين في كربلاء، وكان في معظم الاحيان لصالح السنة، وان نجح احيانا الشيعة بتأسيس دويلات لهم لم تلبث ان كانت تزول لا سيما في بلاد فارس وبعض بلاد الشام: كالحمدانيين في الموصل وحلب، والقرامطة في جنوب بلاد الشام (في البحرين)… الى ان اسس الشيعة الاسماعيلية الخلافة الفاطمية في المغرب عام 909 ونقلوها في اواخر عهد الخليفة المعز لدين الله الى مصر عام 969.

اذا في البداية كان الصراع لصالح السنة وكل من اضر بهم كان نصيبه الاضطهاد اما نفيا او سجنا او قتلا، وكان ابو ذر الغفاري اول ضحاياه، اذ نفاه معاوية الى جنوب لبنان لتتأسس معه اول جالية شيعية استكانت فيه، ثم تبعته اعداد من الشيعة طلبا للحماية توزعت في جبل عاملة، وفي مناطق من كسروان والبقاع. واذا كان التاريخ لا يمدنا باخبار صراعية بين السنة والشيعة في جنوب لبنان فلأن الشيعة فيه، على ما أرجّح، لم يشكلوا معضلة او عصيانا بيّنا ضد السنة.

وحوالى العام 760 او بعيده اسكن العباسيون في بيروت ومنطقة الغرب قبائل تنوخية ردا على ثورة المنيطرة المارونية، وللمحافظة على بيروت من الهجمات البيزنطية، على ما تذهب اليه المراجع التاريخية المتأخرة، فاستمر هؤلاء عونا للسلطة الحاكمة في بغداد خلال العصر العباسي الاول، وفي دمشق اجمالا في العصور التي تلت. ولم يشكل التنوخيون ازعاجا حقيقيا للسلطات الفاطمية في القاهرة الا بعد ان اعتنقوا (الدرزية)، وبالتالي ومخافة من الاضطهاد، ومحافظة على كيانهم اعلنوا اقفال باب الدعوة واستمروا في خدمة السلطة الحاكمة في دمشق ينفذون رغباتها.

 ان اقفال باب الدعوة وتنفيذ رغبات السلطات الحاكمة في دمشق، منذ اواسط العهد الفاطمي مرورا بالعهد الاتابكي السلجوقي فالايوبي وصولا الى المملوكي، كان في جزء منه على الاقل حماية للموحدين الدروز من نقمة السلطات السنية، واعتصاما لهم بل ملجأ في معاقلهم المتعددة والمكشوفة. ولم يكن انقسامهم بين مؤيد للسلطة الحاكمة في دمشق وبين اعدائها الا حماية للفريق الخاسر بينهم، مما يعني ان لبنان شكل ملاذا ملائما لهم، ونجحوا في ادارته.

واعتصم فريق من الشيعة العلوية في بلاد الظنيين ( الضنية) لأنه كان فريقا مستهدفا من الفقهاء السنة، وهي بلاد ذات موقع طبيعي حصين جدا، وصاروا هم والموارنة بمنأى عن النفوذ المباشر للسلطات الحاكمة التي كان يدور لبنان في فلكها الى ان تمكن اللمماليك منذ عام 1268 من مهاجة المعاقل الجبلية اللبنانية وكان آخرها عام 1305. وقد ادت تلك الحملات الى تغيير في ديموغرافية لبنان، وفي تركيبه السكاني؛ اذ اسكن المماليك قبائل كردية وتركمانية على امتداد الساحل من انطلياس الى مغارة الاسد في عكار. ومع ذلك استمرت الجماعات اللبنانية تعيش كل واحدة في منطقتها، وفي شبه عزلة، حتى تلك القبائل الكردية والتركمانية تلونت، بعد فترة زمنية، بالميول الطوائفية والسياسية اللبنانية.

لن اخوض في التاريخ اكثر من ذلك كي لا يتحول البحث الى دراسة في التاريخ، انما هذه البنى الاثنية والدينية والمذهبية عاشت على الرقعة المعروفة اليوم باسم لبنان، كل واحدة في حيّزها الخاص، تمتاز بسلوكها الخاص، ويجمع بينها العديد من التقاليد والعادات، رغم وجود بعض التمايز فيما بينها. ايمكننا ان ننفي سلوكها السياسي والديني والمذهبي، الا يعتبر اختيارها الاماكن الامنة ملجأ لهم من الاضطهاد، خصوصا ان استكانتهم فيه ما كانت تزعج السلطات التي كان يخضع لها لبنان مرغما، ولن تتكبد هي مشقة معاقبتهم لأن تأثيرهم على الآخرين استمر ضعيفا جدا ان لم يكن معدوما.

وعليه، فان سلمنا جدلا بهذه النظرية: “لبنان الملجأ” او رفضناها، رغم ان العديد من المؤرخين والمفكرين تناولوها منذ العصور الوسطى: كابن القلاعي في زجليته التي أرّخ فيها بعضا من تاريخ الموارنة ولا سيما المقدمية المارونية والعلاقات الصراعية بين الموارنة والسلطات الحاكمة، شأن ما تناوله العنطوريني في “تاريخه”، والبطريرك اصطفان الدويهي في” تاريخ الازمنة” الذي كان أكثر وضوحا. ونجد ايضا مؤرخين دروزا أرخوا لتاريخ الموحدين الدروز على الرغم من ان بعض المؤرخين والمفكرين يرون انهم كتبوا تاريخ الاسرة التنوخية الحاكمة، او تاريخ الامير فخر الدين متجاهلين ان هذه الاسر كانت درزية وحكمت الدروز بالدرجة الاولى، نذكر منهم صالح بن يحي في “تاريخ بيروت وامراء الغرب”، واحمد خالد الصفدي في تاريخ الامير فخر الدين، والامير حيدر الشهابي في “الغرر الحسان”، وابو شقرا في كتاب “الحركات في لبنان”. ويصنّف ” اخبار الاعيان في جبل لبنان” لطنوس الشدياق كأحد المؤلفات التي تناولت المقاطعات اللبنانية، بمعنى ان تلك الكتابات جاءت تاريخا اُسَريّا طوائفيا. ويمكن الحصول على ادلة دامغة في ان لبنان خلال العصور الوسطى والحديثة كان يعيش على شكل اسر طائفية مذهبية منطوية على ذاتها لا تتقاطع مع الاخرين صراعا الا ربما في مناطق التماس، او بامر من السلطات الحاكمة التي كانت تأتمر بها، من كتب الرحالة الاجانب التي زارت لبنان في العصور الحديثة وكتبت مشاهداتها. فاذا كانت الحال في تلك العصور على ما وصفها الرحالة فكم بالحري كان وضعها في العصور التي سبقتها؟

ان التركيب السكاني في العصور الوسطى بتعدد الطوائف والمذاهب ونموه في العصور الحديثة استمر موضوع خلاف بين الطوائف على مستويين سوسيولوجي واقتصادي، وهما بلا شك مرتبطين عضويا، وكان اي تحوّل في هذا البنيان سيشكل عامل صراع، لأن الفريق الذي سيشعر ان مركزه مهدد سيبذل كل ما في وسعه للمحافظة على مكتسباته.

ومن الامثلة الشديدة الوضوح على تقوقع الجماعات السياسية والسوسيولوجية خلال العصور الوسطى وبعض العصور الحديثة والتشبث بالمكتسبات شأن التمسك بنظام الحكم بموجب الميثاق الشهابي اذ بعد انقراض السلالة المعنية عام 1697 ارتضى الدروز بموجبه اعطاء الامارة للأسرة الشهابية السنية، وكان من المستغرب ان يقبلوا بأمير ” غريب الدار” اي غير درزي لو لم يتحدد في هذا الانتقال التحوّل من نظام التعايش الى الاجتماع السياسي الذي جعل نظام الامارة الجديد يقوم على مبدأ سلطة الشورى بين الاعيان والامير، وبالتالي صار الامير محدد الصلاحيات بموجب الميثاق المذكور تأمينا لمصالح الدروز لكي لا يطغى السنة على الحكم بمعزل عن الدروز. بمعنى ان تقاطع المصالح السياسية ضمن الطائفة الواحدة ما كان ممكنا الا بمقدار، وبالتالي فان انتقال العيش من الوجود السوسيولوجي في كل بيئة على حدة – رغم العديد من التقاليد والعادات المشتركة- الى الاجتماع السياسي بين الطوائف والمذاهب كانت دونه عقبات كبرى لأنه كان نمطا من التعاقد السياسي، بدليل حصول صراعات رئيسة في لبنان خلال القرن التاسع عشر بسبب حدة التحولات من البيئات الفردية الى الاجتماع السياسي وما رافقها من نمو ديمغرافي اخلّ بالتوازنات القديمة. فاستتبعه حكما تحول في التعاقد السياسي: فاعتمد نظام القائمقاميتين الذي عدلته ترتيبات شكيب افندي، وهو لم يكن سوى رؤية جديدة لنظرية الملجأ ادرك من خلالها شكيب افندي عام 1845 الابعاد البنيوية في تركيبة الجبل الطائفية والسوسيولوجية، وتوّقع اعادة الهدوء الى الجبل عبر المشاركة التامة للطوائف في تقرير السياسة العامة لكل قائمقامية. ولم يكن فشل نظام القائمقاميتين الا لتخلف فكر الاعيان عن ادراك القيم الدستورية والتطور السوسيولوجي، لعجزهم عن استيعاب التطوّر الذي حظي به العامة عبر تخطيهم التدريجي لنظرية الملجأ نحو المواطنية في ظل “الدستور” اي التعاقد السياسي الذي اقره شكيب افندي وكان نوعا من فدرالية الطوائف المبنية على حقوق الطائفة وعلى المساحة الجغرافية للجبل*، وهي رؤية فيها انعتاق الى حد بعيد من نظرية الملجأ. وجاء نظام المتصرفية وهو نظرية منقحة عن النظام السابق مع فارق ان رئاسة النظام كانت لحاكم اجنبي، و رغم كونه نوع من فدرالية الطوائف تجاوز نظرية الملجأ نسبيا من حيث التداخل السوسيولوجي بين الطوائف، وانحسار الحدة الطائفية .

  وفي محصلة الموضوع لم ينجح اللبنانيون حتى اليوم بتخطي التقوقع الطائفي، وكأن نظرية لبنان الملجأ صارت صنوا لوجود الطوائف، بل اساسا لتركيب لبنان السوسيولوجي والسياسي، واستمر التعاقد السياسي ابرز نماذجه، وهو باعتقادي تعاقد هش لأن الولاء المنطلق هرميا من العائلة الى الطائفة فالى المنطقة الجغرافية واخيرا الى للدولة، يُبقي نظرية لبنان الملجأ، اي تعدد الطوائف وتقوقعها كل واحدة الى حد ضمن رقعة جغرافية معينة، رغمخ بعض التداخل المهم احيانا، ماثلة امام كثيرين من اللبنانيين. فاذا كان اللبنانيون لم يستطيعوا، حتى الآن، الاتفاق على الرؤية الى السياسية الخارجية للبنان اذ ما يزالون يتصارعون سياسيا ودينيا ومذهبيا حولها: فبعضنا يغلّب مصالح اقليمية وفئوية مذهبية على مصالح لبنان الحيوية لأنها برأيه اضمن لوجوده ونفوذه، وفريق آخر يضع اولويات اخرى تناقض رؤية الفريق المذكور وهكذا…مما يعني ان استقواء كل فريق بل كل طائفة ومذهب بالخارج هو احد ابرز مرتكزات نظرية الملجأ التي لن تؤسس لقيام دولة متماسكة دستوريا وسياسيا واجتماعيا وثقافة عامة

فعلى ضوء ذلك اقول: ان نظرية الملجأ التي طالما سعينا الى اسقاطها من نفوس اللبنانيين ما تزال حيّة في وجدانهم بطريقة او باخرى، حتى لو استبدلنا اسمها بتعابير مستحدثة، فهي ابدا تتمتع بمقومات النظرية السابقة، رغم ان الملجأ الجغرافي بمعنى الحماية من الاعداء ما عاد متوفرا. ولا ارى حلا لكل هذا الاشكال في الاجتماعين السوسيولوجي والسياسي في لبنان الا بالعلمنة الشاملة الواعية التي تقضي على اهداف ورؤى المتعلقين بنظرية ” لبنان الملجأ” والمستقوين ابدا بالخارج الذي لم يكن يومنا في صالحنا، وتدفع اللبنانيين للخروج على نظام الطوائف والمذاهب الذي هدّم وما يزال مقوّمات المواطنية والولاء السياسي المطلق للدولة اللبنانية. وهنا تلعب مؤسسات المجتمع المدني دورا اساسيا في بلورة هذه الرؤية الثقافية السياسية الاجتماعية، فتقرب وجهات النظر، وتضعف المخاوف، وتبث الفكر الانفتاحي، وتساهم بقبول الاخر كما هو، ولكن تبقى سيادة القانون على الجميع من دون استثناء الضمانة الاساسية للقضاء على نظرية الملجأ.

*- اخذنا وضع الجبل كنموذج لنظرية الملجأ وهو يماثل المناطق الاخرى من حيث البنى السياسية والطائفية والفكرية.

                                              الدكتور انطوان ضومط