امين الريحاني

ايها الاصدقاء

في اطار مهرجانها الحادي والعشرين للكتاب، ومن ضمن تراثها الثقافي المتجدد ابدا بتكريم اعلام الفكر اللبناني والعربي، تستذكر الحركة الثقافية –انطلياس معكم فكر امين الريحاني بمناسبة مرور مئة وخمسة وعشرين عاما على ولادته. وتفتح نوافذ على جوانب منه نحن قد نكون بامس الحاجة الى استقرائها اليوم، بما يتخبط به وطننا راهنا من مشاكل كان الريحاني قد صاغ افكارا تصلح كقاعدة لحلول لها

   ايها الاصدقاء، ابصر امين الريحاني النور في السنة عينها 1876 التي تولى فيها العرش العثماني السلطان عبد الحميد الثاني، والتي  شهدت ايضا ولادة الدستور العثماني.ترى اهي مصادفة جمعت بين تناقضين :  فكر الريحاني الرحب والخلاق الذي سبقت بعض نواحيه فكر معاصريه رؤية نافذة للعولمة والاصلاح والديمقراطية ومعنى العروبة.ونظرة السلطان عبد الحميد الثاني المعادية بامتياز لكل ذلك.ام ان الارهاب الفكري والسياسي التي شهدته تلك الحقبة الزمنية ولا سيما بتولي جمعية الاتحاد والترقي السلطة الفعلية التي توسلت الاستبداد نهجا، والطورانية المتقوقعة مبدأ ، وقتل وسجن الوطنيين والمصلحين اسلوبا .هل ان كل ذلك ساهم بتكوين فكر الريحاني؟ لانه كان في تلك الحقبة الزمنية المشرقية الحالكة ينهل من فكر شكسبير، ويختزن آراء فكتور هيغو الثورية والاصلاحية، وتحتضن حنايا ذاكرته كل ما توفر له من روائع المؤلفات العالمية المتعددة الاتجاهات.

        وكان فيلسوف الفريكة منذ حداثته يدرك ان المعرفة الاحادية الاتجاه ، وخصوصا الغريبة عن موطنه تظل ابدا منقوصة، ان لم تستكمل بالفكر المشرقي الذي ينتمي اليه، ما دفعه الى الكب على الثقافة العربية المشرقية يختزن انسانيتها، ويستصفي روائع شعرها، و قد خص ابا العلاء المعري منزلةمميزة. ما جعل الجدلية الثقافية المشرقية -الغربية اساسا لفكره.

    وبديهي القول ان هجرته الى اميركا، وترحاله في اوروبا لم يعمقا فكره الثقافي الحضاري الاجتماعي الفلسفي حصرا، انما ايضا آفاقه السياسية ، ولا سيما انه كان قد  بدأ تخصصه في الحقوق.اضافة الى حضوره السياسي على اعلى المستويات، وفي ارفع المحافل: كاجتماعه بالرئيس الاميركي روزفلت، وحضوره مؤتمر لاهاي للسلام عام  1919 .ولم يكن انخراطه في المجال السياسي على هذا المستوى ابتغاء لمركز سياسي مرموق في وطنه، انما خدمة له ولكل البلاد العربية التي كانت ترزح بمعظمها تحت استعمار مقنع اتخذ تسميات ملطفة كالحماية والانتداب.

       من هنا قام برحلته العربية عام 1922 بهدف شحذ الشعور القومي العربي، وحض الملوك والرؤوساء العرب على التضامن والعمل المشترك من اجل العمل الدؤوب والفعال لحل القضايا العربية المحورية.وقد اكسبته هذه الرحلة ايضا معلومات جغرافية واجتماعية زخرت بها مؤلفاته.فكان الرحالة العربي الحديث بامتياز ممن اكمل النهج الذي كان بدأه الجغرافيون العرب منذ القرن التاسع الميلادي وزاد عليه.

    لن اتطرق الى مضمون وميزات مؤلفاته لانها ليست من عمل هذه المقدمة، انما سأمر سريعا على بعض سيماتها فاسحلا في المجال للمحاضرين الكرام لاشباع جوعنا اليها.

        قد يكون الريحاني احد ابرز رواد العولمة، من دون ان تكون تلك التسمية معروفة، كانت اعماقه تزخر بصورة الشرقي بكل ما تضم من طيبة سجية يجسدها التآلف الاجتماعي، وتترنح تحت السطوة الغربية الطماعة.كما انه كان قد عايش الحضارة الغربية المادية التي افرزتها الثورة الصناعية..فبدا العالم وكأنه يخوض صراعا حضاريا بين عالمين متمايزين.لذا جاءت دعوته الى عولمة مبنية على الفكرين معا من دون تصارع يرهق العالم كله.

        وكان الريحاني قد خبر الديمقراطيات في اميركا واوروبا، ووعى مباشرة مضامين الاصلاح السياسي، الذي ينعكس باستمرار على الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية.وكان ايضا ، وكما اسلفت، قد عايش العسف السياسي الذي بدأه عبد الحميد الثاني، واكملت مسيرته بوطأة اشد  جمعية الاتحاد والترقي.وكان شهد ايضا التخبط السياسي في البلاد العربية بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى، والنزاعات الداخلية، والانقسامات الطائفية.فجاءت كتبه صدى رافضا لكل تلك الممارسات، ودعوة صادقة للاصلاح مبنية على العلمانية، وعلى الديمقراطية.

      ونحن اليوم اذ نستذكرك يا فيلسوف لبنان والعرب جميعهم، ندعوك الى القيام برحلة روحية الى البلاد العربية، تشرح للملوك والرؤوساء والامراء العرب، الذين ستنعقد قمتهم قريبا في لبنان، ان خلافاتهم وتصفية صراعاتهم على الارض اللبنانية ومن خلال اللبنانيين ، جعلت ديمقراطية لبنان تتوكأ عصا هزيلة محدودبة، وتحولت كابوسا سياسيا ترك بصمات مخيفة على الاقتصاد والمجتمع في لبنان.ونرجوك ان تعيد صوغ ما كنت قد قلته لهم عن فلسطين، ارفع الحجاب عن اعينهم، واشفي صممهم علهم يشاهدون المجازر الاسرائيلية، ويسمعون صرخات وانين الفلسطينيين، فييخذون موقفا تضامنيا انقاذيا على الاقل بحده الادنى.

                                                انطوان ضومط

احمد ابو سعد مبدع من قريتي.

    في جنبات قرية وديعة تحتضنها ايكات الزيتون ولد احمد ابو سعد في المغيرية سنة 1921 ،في بيت قوامه غرفة واحدة سطحه ترابي شأن معظم بيوت ضيعتنا آنذاك، ابوه لم يكن يملك ارضا بل كان يعتمد على ساعديه في اعالة عائلته ولاسيما ان كثيرين فقدوا، ابان الحرب العالمية الاولى وبسبب الازمتين الاقتصادية لاجتماعية،ليس اراضيهم فقط انما ايضا ما كانوا يملكون من اوان ومال.وسليمة والدته لها اياد بيض على معظم ابناء القرية ،لانها ساعدت بتوليدهم اذ كانت قابلة “داية بالتعبير العامي” وسيكون لهذه الولدة الفاضلة الدور الابرز في توجيه ابنها احمد وفي تربية اولادها ومساعدة زوجها بطريقة فعالة في اعالتهم. وقريتنا يوم ذاك كانت تفتقر الى ابسط مقومات المدنية لا الحضارية لان الحضارة تراث لا ينطبق عليه معيار المدنية،كانت تفتقر على وجه الخصوص الى مدرسة،وما كان اناس القرية يهتمون بالعلم ،لان مقياس الوجاهة كانيتمثل عند الاغلبية بينهم ، بمن يملك عرنة القمح وخابية الزيت،وهذا المعيار شكل ايضا احد اهم مقومات الحياة انذاك.الى ان تكرمت لجنة عمر الداعوق الدينية مشكورة،وافتتحت مدرسة في المغيرية تألفت من غرفة يتيمة  تجاور نظيرة لها خصصت جامعا للصلاة .هناك وفي تلك الظروف،وبتوجيه مركز من والدته بدأ احمد دروسه في المدارس الدينية المسيحية في” مجدلونا” القرية المجارة لقريتنا، ثم في مدرسة القرية .

        ان السؤال البديهي الذي يطرح نفسه: هل ان كل تلك الظروف كانت ستسمح لاحد اطفال المغيرية ان يتبوأ مركزا ادبيا وعلميا مرموقا على مستوى العالم العربي كله لو لم يكن هو نفسه يملك ارادة حديدية ،واناة طويلة،ورغبة جامحة للعلم وطموحا ابعد من الافق؟

    عرفته وانا بعد يافع بفعل صداقة متينة العرى ربطته ببيتنا،وكنت اتساءل وما زلت هل عرف الحقد والكراهية طريقا الى قلب هذا الرجل الذي لم تبرح البسمة تفتر على ثغره مدى حياته؟ احمد ابو سعد الذي  كان ينضح طيبة ومحبة لكل الناس،لم يعامل احدا بقساوة،ولم يصادق كل من في القرية بل احسن اختيار اصدقائه،كانوا كلهم اما من المثقين او من يمكن اثارة الثقافة في نفوسهم لتحويلهم فاعلين من اجل الصالح العام،لم يكن للجهلة – الذين يضمرون الشر للآخرين- مكان في زوايا قلبه .عرفته ايها الاصدقاء بركان ثورة على الجهلة على من يدعون احتكار

المعرفة بحدودها الضيقة المتزمتة ،على من اعتبروا المال مقياس الانسانية والمعرفة،على الاقطاعيين المحليين والسياسيين،الذين رأوا في المثقفين عقبة تعترض سبيلهم.  وثورته تلك كانت الثقافة ابدا محركها ، الثقافة بمعناها الارحب :احياء التراث والتقاليد والمحافظة على مضمونهما الانساني.وقد يكون مرد ذلك الى الحب الذي كنه للقرية بكل ما فيها :العابها،طبيعتها بساطة ناسها،كان همه المحافظة على تراثها الذي اختزنه في روحه وقلبه، ان تعم ايضا المعرفة العلمية وان تسود الثقافة في اوساط ابناء ضيعته،ولم تبق هذه الرغبات مجرد امنيات،بل جسدها افعالا كلما وجد الى تحقيق ذلك سبيلا: فعندما تم افتتاح ناد في مسقط رأسه جاءت مساهمة احمد ابو سعد فيه تقدمة حوالى ثلاث مئة كتاب لمكتبته.لم تمثل الثقافة شعارا فارغا عنده ،او مساهمات مادية فقط، بل جاءت ممارسة حقيقية فعالة ،اذ حارب بفكره غطرسة رؤساء العائلات  ممن اعتبروا انفسهم مقدسين وبالتالي كانوا يعتقدون  ان على الجميع الخضوع   لرغباتهم لانها لم تكن آراء بل اوامر يجب الانصياع اليها ،اولئك ممن كان يزعم بعضهم ان كل العلم الذي يحصله المتعلم لا يضاهي بذار طربوش من القمح.

    ايها الحفل الكريم ان قريتنا مثال في تركيبها للمجتمع اللبناني فهي مختلطة يتعايش فيها المسيحيون والمسلمون ،وكما في كل بيئة هناك من يرفض استمرار هذا العيش بصيغته النبيلة وقد نفذوا من خلال الاحداث المشؤمة الى ضرب التعايش ،وكانت لاحمد انذاك الكلمة الطولى في عائلته ان لم نقل القيادة بعد ان كان في ما مضى باسفل سلمها الاجتماعي ،فقد رفض سياسة الامر الواقع وجهد لاحباط مؤامرات صغيري النفوس بكل ما مكنته الظروف من وسائل،وقد لعب اخوه علي دورا مهما على هذا الصعيد،وبالتأكيد لشهامة في نفسه،وبتوجيه ايضا من احمد .

     قد يتبادر الى اذهان بعض من يسمع حديثي عن صديقي احمد انه كان متعاليا لا يحب الاختلاط بالناس ويجانبهم ،انما العكس كان صحيحا ،فهو لم يترك مناسبة اجتماعيا الا وشارك فيها،قاسم الناس احزانهم وشاطرهم افراحهم ليس بشد الايدي فقط بل كان يؤاسيهم في احزانهم ،ويشاطرهم افراحهم يرقص الدبكة معهم وينادمهم .وانني اقول وبكل صدق ان الفرح والادب الاجتماعي والفوكلور شكلوا عنوان مسيرته الادبية والتاريخية والاجتماعية.

     وعلى رغم كل الطيبة ودماثة الخلق والاخلاص التي اثرت عنه كانت تنتفض في حنايا نفسه ،منذ نعومة اظفاره، بوادر ثورة ما برحت تتنامى وترافق دربه مدى حياته.ثورة على التخلف والرجعية ،ليس في محيط قريته ووطنه فحسب، بل ثورة على جمود في عقول من اعتبرهم سببا في تفكك  المجتمع العربي الرحب. وان من انتفض عليهم ليسوا فئة متجانسة من حيث الانتماء الطائفي او الفكري او الحضاري انما هم يتآلفون بالتمسك بالتقليد وان كان رثا منهجا ايا يكن هذا التحجر والى اي مضمار ينتسب .وقد تأثر كثيرا بآراء صديقه المغفور له الشيخ عبد الله العلايلي التي تدعو الى نبذ الجمود الفكري في المجالات كافة مع الحفاظ على الرصانة واخذ الابداع والعصرنة بعين الاعتبار. وقد اشتعل لهيب ثورته وهو بعد يافعا برفضه المنهج التقليدي في تعليم الدين الاسلامي مقترحا الحداثة والعصرنة لانها ،برأيه ،اكثر ملاءمة وافادة للمتعلم ، فحوكم على جرأته وكاد الامر يعتبر زندقة.لكن صدى ثورته ،على رغم كل ذلك،لم يكن صرخة في واد اذ تبعته اصوات كثيرة تدعو الى ما ذهب اليه احمد ابو سعد، وقد يكون بعضهم قد سبقه الى ذلك متأثرا بالشيخ علي عبد الرازق ورفاقه من دون ان يجرأوا الى الجهر بافكارهم . ومن ثم تنامت الاصوات الرافضة للتقليد وشكلت تيارا فكريا متكاملا كان احمد في صميمه .

      ايها الحفل الكريم ان احمد ابو سعد لم يرفض القديم نتيجة لقدمه ولاسيما التراث،انما رفض المنهج القديم الذي يتنافى مع العصرنة ،وخير دليل على ذلك انه استقى ثقافته من كنوز الترث العربي ،وراح يفتش في امهات الكتب العربية التراثية عن مواضيع غمرتها صناديق النسيان ليعيد بريقها الى اذهان الناس بمنهج خلاق مبدع يدعم توجه ثورته ،لاننا مهما حاولنا تلمس معارف الماضي وفق المنهج التقليدي المتقوقع لن نحقق مأربنا،لان في التراث كنوزا وخيرا كثيرا وبقدرما نطرح عليها اسئلة ذكية بالمقدار عينه تجيب .وازعم انه لا يمكن تحقيق الابداع في التجديد من دون شعور مرهف،وحس انساني عميق تدغدغ حناياه العودة الى الماضي،وليس بحقد ورفض لهذا الماضي لأن الحقد والرفض يؤديان بالضرورة الى نظيرهما،وبالتالي الى القتل والاتلاف،وبتعبير اوضح الى اعدام الماضي .ولم يكن احمد بقاتل ،بل عدو القتلة والجهلة،فهل يعقل ان يرفض الماضي كما حاول بعضهم ،عن غباوة، اعتباره ضد القديم اي عدو التراث؟! ولاسيما قبل ان يصدر مؤلفاته التراثية.لم يستطع هؤلاء

التمييز بين المنهج والمضمون،بين احمد ابو سعد الثائر على المنهج المتخلف والرجل نفسه الذي احب مضمون الماضي بكل ما فيه جيده ورثه.وهذا الحب بزعمي ما جعله يقدم على اصدار  كتابه بل رسالته  المعنونة “اغاني ترقيص الاطفال عند العرب ” التي نال على اساسها شهادة الماجستير في الادب العربي ،وهي لعمري مفخرة ادبية تراثية تضاهي ابداعات الكتب العالمية في المجال عينه.وادرك احمد بحبه العميق للاطفال والتراث ان هذا الفن الادبي الفوركلوري لم يتأت للعرب بتأثير الحضارات الاخرى انما نبع من تطور اجتماعي متدرج ومتراكم تواءم مع التطور الفكري ضمن البيئة الاقتصادية العربية منذ العهد الجاهلي.وقد اثبت ان تلك الاغاني “اغاني ترقيص الاطفال عند العرب” انما هي فوركلور شعبي ،وبالتالي فهي قابلة للديمومة ما دام الشعب الذي صدرت عنه حيا في عميق وجدانه،وما كان ليتمكن من ذلك لولا اعتماده منهجا ابداعيا.

     استمرت ثورة احمد وهذه المرة على المدنية ليست لانها تزيد من رفاهية الانسان بل لانها تقضي على التراث،وتبتلع جمال الماضي ببراءته وروعته وبكل ما فيه من معاني الانسانية  البسيطة بتواضعها، المرهفة بوقعتها، الرائعة بعفويتها.وهذه الثورة لم تحدث صدفة انما تأتت من تعلق احمد بالتراث،ومن حبه العميق للارض ارض ضيعته ،مهد طفولته حيث مرغ رجليه الحافيتين بتراب ازقتها الناعم مع اتراب له يلعبون ببراءة ألعاب القرية لافتقار السوق آنذاك الى اللعب التي تتربع اليوم على رفوف الحوانيت وتتصدر واجهات المحال الانيقة،ولافتقار الناس ايضا للمال الضروري لشراء الالعاب .وكان سعيدا جدا بممارسة تلك الالعاب البريئة المليئة بالحيوية،وهي بدأت منذ زمن غير قصير تفقد بريقها تدريجا مع تقدم المدنية وغزوها ليس شوارع المدن ومنازلها ورياض الاطفال فحسب،بل اندفع جوعها المادي ينهش العاب القرية وبالتالي طفولة احمد وصباه،فاعتراه حنين الى ساحات القرية وبيادرها حيث كان يمارس ألعاب” البيل” و”السبركة” و”تقطيع الاراضي”…

    ان كل ذلك دفعه الى وضع “معجم الالعاب الشعبة اللبنانية” ولم يكتف بما كان يعرف من العاب،بل جمع الالعاب المبعثرة في مختلف القرى اللبنانية ومن كل مناطق لبنان،ولم تفته الالعاب التي كانت تزدحم بها شوارع المدن.لقد حماها كلها من التلف والضياع في صناديق الذاكرة  واذا كان قد عجز عن اعادة الحياة اليها الا انها ستظل ،وبفضله،جزءا من التراث،ومحفوظة بمعجمه”الالعاب الشعبية اللبنانية”

      لقد كان احمد ابو سعد تراثيا من الطراز الاول،اذ عمد الى تطوير ما كان بدأه مارون عبود الذي فصح بعض الكلمات العامية في خطوة استمرت خجولة بفعل المتشددين اللغويين الذين اعتبروا اللغة المحكية ،من منظورهم المتحجر،عارا على الادب.فثار عليهم  ثورة نبعت من حنين صادق يتآلف مع معتقدات الناس،كل الناس في القرى والمدن، دخل الى اعماقهم ،وجسد حنينهم الى البساطة بحفظه تراثهم الشعبي في قاموسه”معجم المصطلحات والتعابير الشعبية” بحيث اوضح معاني التعابير الشعبية ومصطلحاتها التي درج الناس على استعمالها من دون ان يفقهوا بعض معانيها احيانا سوى ما التصق بذاكرتهم ،ان بسبب التحريف الذي اصابها وافقدها اصل اشتقاقها،او لانها اعجمية.وهي تعابير شديدة اللصوق بمعتقداتهم وبثقافتهم العامة،وهي الى ذلك فوركلور ادبي قل نظيره.فخدم بذلك ليس التراث الشعبي من التلف ولا الادباء ممن يجهلون تلك المصطلحات ،بل ايضا المؤرخين الذين هم باعتقادي احوج الناس اليها، ولاسيما ان مخطوطات عصور الانحطات سطرت مختلطة بين العامية والفصحى،وعجز بعض مؤرخي القرن الحالي عن تحديد معنى بعض المصطلحات الشعبية،او انهم فسروها بغير معناها الحقيقي .

         ان احمد ابو سعد لم يتجاوز الادب الى التاريخ بمعجم “المصطلحات والتعابير الشعبية”،او في “اغاني ترقيص الاطفال” فقط بل ايضا بمعجم “اسماء الاسر والاشخاص ولمحات من تاريخ العائلات”،وهو لعمري عمل موسوعي جبار.حاول فيه المؤلف التعريف بالاسر من حيث جذورها اي الاماكن التي ارتحلت عنها،وسبب انتقالها،واين استقرت، وأصل عائلاتها بعد ان اصابها التحريف او الاشتقاق بفعل جهل الاشخاص او الادارة.كما عرف بالشخصيات البارزة فيها من حيث علومهم،وشهاداتهم،ومؤلفاتهم،والاعمال التي يمارسونها ودورهم في الحياة الثقافية العامة.

       ان هذا المعجم وككل عمل موسوعي يفتح مجالا لهامش الخطأ، وهو خطأ غير مقصود ومبرر في آن، استغله مدعو المعرفة الكاملة والتامة لينالوا من مؤلفه،علما انه في اكثر من مناسبة ثقافية ،وهي وفيرة،توجه احمد لكل من يملك معلومة صحيحة حول الاخطاء التي  وردت في معجمه ان يزودوه بها لانه في طور اعداد طبعة جديدة منقحة.

       وانني من على هذه المنصة الثقافية الرائدة اتوجه الى اولئك الذين تعمدوا النقد في سبيل النقد فقط، واسوق اليهم بعض الحقائق حول مؤلفات مشابهة: فاذا عدنا الى” انساب الاشراف” للبلاذري،وقبله الى هشام بن محمد الكلبي وغيرهم من رواد علم الانساب عند العرب في العصور الاسلامية،والى البطريرك اسطفان الدويهي في “تاريخ الازمنة” والى طنوس الشدياق في “اخبار الاعيان في جبل لبنان” وغيرهما لوجدنا ان  دراسة بعض العائلات من حيث اصولها ،وانتقالها ،واستقرارها، وسيرة بعض الشخصيات البارزة فيها ، يعتريها بعض الخطأ.وهذا ليس تبريرا لعمل احمد ابو سعد،او ان الخطأ واجب في دراسة الانساب،بل لالفت الانتباه الى ان هكذا عملا موسوعيا ضخما عرضة للخطأ ،وانه من واجب المثقفين مد يد العون لتصويب الاخطاء وشكر من بذل جهدا جبار لاتمامه .

        ان هذه الكلمة الموجزة لن تفي ،من دون ادنى شك،حق احمد ابو سعد علينا نحن المثقفين،بل هي فقط تحية اكبار لمبدع من ضيعتي ،خدم الانسان العربي المثقف على كامل مساحة العلم العربي.

                                   انطوان ضومط

المماليك

  الصالح نجم الدين ايوب: كان الصالح نجم الدين ايوب ابن الكامل قد دخل بصراع مرير مع اخوته وابناء عمومته في بلاد الشام على احقية عرش مصر، وبالتالي الخضوع له او الاعتراف به سلطانا على الايوبيين. ومن اجل الانتصار عليهم، وتأمين جيش يكون ولاؤه له وحده، عمد كغيره من الملوك الايوبيين الى شراء اعداد من المماليك وعمل على اعدادهم عسكريا ودينيا. واختار جزيرة الروضة مكانا لاقامته فبنى فيها قصرا وطباقات لمماليكه في شباط 1241/639. وبنى في الوقت عينه مدينة عسكرية على طرف الصحراء اسماها الصالحية تيمنا بلقبه.

    لم يحسم الصراع بين الايوبيين الذي كانت بلاد الشام مسرحا له، وشارك فيه الصليبيون وحققوا مكاسب من دون قتال لأنهم تعهدوا مساعدة الصالح اسماعيل لقاء حصولهم على صفد وشقيف ارنون: فقد حاصر الصالح اسماعيل صاحب دمشق قلعة شقيف ارنون واستولى عليها وقدمها لمتولي صيدا الصليبي سنة 638/1240، وقدم للصليبيين طبرية وعسقلان في العام التالي 639/1241.

   وهكذا تحالف الصالح اسماعيل مع الصليبيين والناصر داوود ملك الكرك، وصلاح الدين شيركوه امير حمص وهاجموا جميعهم مصر وانهزموا في تشرين الاول 1244 امام الصالح نجم الدين وحلفائه الخوارزمية الذين كانوا هاجموا القدس واستولوا عليها في 11 تموز 1244 /642، مما ادى الى اعتراف الملوك الايوبيين في الشام بسلطنة الصالح نجم الدين الذي دخل دمشق عام في 26 آذار 1247، وبعلبك، والقدس، ثم عاد الى القاهرة وامر باعدام اخيه العادل في سجنه مخافة ان يعود بطريقة ما الى الحكم.

الحملة الصليبية السابعة: ادى سقوط القدس الى ارسال حملة صليبة جديدة بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع او القديس لويس التي ابحرت من مرسيليا عام 1248/646، وامضت الشتاء في قبرص مما اضعف من زخم مقاتليها، ثم توجهت الى مصر ووصلت الى دمياط في 4 حزيران 1249 وكان الصالح نجم الدين ايوب مريضا، وعجز الايوبيون بقيادة الوزير فخر الدين يوسف عن حماية دمياط التي سقطت بايدي الصليبيين، وتوفي الصالح نجم الدين خلال المعركة، وكتمت زوجته شجر الدر الخبر عن جيشه الذي تمكن من تحويل نصر الصليبيين الى هزيمة لسوء تصرف الفرنسيين.

 الدولة بعد بيبرس: كان بيبرس يدرك تماما ذهنية المماليك، ورفضهم الشديد لمبدأ وراثة العرش، ومع ذلك جهد ليقنع نفسه بقدرته على تغيير تلك الذهنية فعهد لابنه السعيد بركة خان بالعرش سنة 660/1262 في حياته، واقسم كبار الامراء يمين الولاء له. ومارس السعيد بركة الحكم في غياب والده الذي طالما غاب عن مصر بسبب كثرة حروبه مع المغول والارمن والصليبيين والحشاشين ( الفداوية). وفي سنة 1264 اقام بيبرس احتفالا حضره الخليفة والعلماء وكبار القضاة فوّض فيه العرش الى ابنه السعيد بركة. وطلب الى ابنه، وهو في حالة النزاع الاخير سنة 1277 ، الحذر من كبار الامراء ” فهؤلاء الامراء يرونك بعين الصبي” ونصحه بقتل كل امير يشك بولائه او اذا قويت شوكته كثيرا.

   ولما اعتلي السعيد بركة خان العرش شرع الامراء يسببون له المشاكل ويدسون له الدسائس: فقد اتهموه بدس السم للامير بدر الدين بليك نائب السلطنة، وكلما عيّن نائبا جديدا للسلطنة عمدت بطانة السلطان الى تخويفه منه. حتى صار يقرّب منه صغار الامراء، فابتعد الكبار عنه وشرعوا بالتآمر عليه. وفي عام 1278 اراد السلطان زيارة بلاد الشام لتفقد احوالها فظن نوابها انه يريد بهم شرا، فهربوا منه من دون ان يتمكن من استمالتهم او طمأنتهم. ولما عاد الى القاهرة دخلها بصعوبة فحاصره الامراء بالقلعة حتى الزموه بالتنازل عن العرش سنة 1279. فعرض العرش على الامير قلاون اقوى الامراء والعقل المدبر لخلع السلطان فرفضه لأن الفرصة لم تكن قد نضجت بعد، وقدّمه الى سلامش الابن الثاني لبيبرس البالغ السابعة من العمر وصار وصيا عليه. وبعد مضي ثلاثة اشهر مهّد الطريق الى العرش بان احدث تشكيلات جديدة ابعد بها المؤيدين لبيت بيبرس واحل مكانهم جماعة من مناصريه، ثم خلع سلامش بالطريقة التقليدية واعتلى العرش مكانه عام 1279.

اسرة قلاوون: نشأ مجتمع المماليك على التحاسد والخديعة والغدر، ولم يكن من فضل لأحد الامراء على الاخر الا كثرة دهائه وشدة حذره وغدره. ولم يكن الامراء يعتقدون باحقية احدهم على الاخر وينظرون الى السلطان على انه اول بين متساوين، واذا كان ليّن العريكة واحتجب عنهم يصبح من الضروري خلعه ليخلفه في معظم الاحيان اقوى الامراء الذي غالبا ما يكون وراء عزله. ولم ينظر قلاوون الى بيبرس الا من هذه الزاوية، وكان يرتقب الفرصة لينتزع العرش. وكان امراء المائة في العرف المملوكي متساوين من حيث المنزلة، ولا يمتاز واحد عن الاخر الا بالوظيفة التي يشغلها، وكان كل واحد يجهد الى الوصول الى اعلى المراكز، ونظروا الى اولادهم نظرة استعلاء، ولم يعتبروهم من المماليك لأن الرق لم يمسهم، وسمحوا لهم بالانضمام الى الجيش المملوكي تحت اسم اولاد الناس، وكانت رتبة الواحد منهم امير خمسة، مما جعل فكرة وراثة العرش بعيدة عن اقتناعات المماليك. وعلى رغم اقتناع بيبرس بهذه الذهنية فانه اراد الخروج عليها معتمدا وسائل بدائية مثل تزويج ابنه السعيد بركة من غازية خاتون ابنة قلاوون معتقدا ان قلاوون لن يضحي بصهره. واثبت الوقائع ان قلاوون ترك صهره يهوي من دون ان يرشده،  وكان احد الذين اتهموه بدس السم لنائب السلطنة.

   تعرّضت بداية عهد قلاوون الى مثل ما كانت تتعرض له بدايات عهود السلاطين من امتناع بعض النواب عن تأييد ما حصل خصوصا من قبل نائب دمشق. فقد خرج نائب دمشق الامير سنقر الاشقر على قلاوون ونادى بنفسه سلطانا معتبرا ان لا شيئ يميز السلطان عنه. ولما فشل مشروعه عام 1280 اثر الحملة العسكرية الكبرى التي ارسلها قلاوون الى بلاد الشام إلتجأ الى المغول وزيّن لهم الهجوم على بلاد الشام، وتآمر في العام التالي مع بعض الامراء الظاهرية والصليبيين للانقضاض على الدولة المملوكية، ولكن المؤامرة كشفت واعدم المتآمرون سوى سنقر الذي فر الى المغول في العراق.

   وشعر قلاوون بسوء نية المماليك الظاهرية، وخاف على نفسه من كثرتهم، فانشاء فرقة من المماليك الجراكسة ليكون ولاؤها له وحده، وجهد يزيد تعداد اعضائها حتى بلغوا في نهاية عهده حوالى 3700 مملوك. وواجهته الى جانب الثورات الداخلية مشاكل اخرى لها علاقة بها في بعض جوانبها اذ عمد سنقر الاشقر الى احتلال بعض القلاع في بلاد الشام مثل قلعة صهيون واتصل بالمغول والصليبيين لمساعدته ضد السلطان، الامر الذي شجع المغول للهجوم على تخريب بعض قلاع بلاد الشام عام 1280 ثم الدخول الى حلب وتخريبها واحراق قسم منها. وفشل الصليبيون بالاستيلاء على حصن الاكراد عام 1280. فعمد قلاوون الى مهادنة الصليبيين المتمثلين بفرسان الداوية والهيكليين وبوهيموند السابع كونت طرابلس وعقد معهم هدنة لمدة عشر سنوات للانصراف الى محاربة المغول ووضع حد لاعمالهم التخريبية بل لردعهم عن بلاد الشام. وتمكن في تشرين الاول من العام 1281 من انزال الهزيمة بالمغول المتحالفين مع مملكة ارمينيا في معركة حمص اجبرتهم الى الفرار الى العراق.

  واستمر الصليبيون كعادتهم يتنازعون فيما بينهم على الملكيات ووراثة العرش على تنوّعها، فاستغل قلاوون النزاع بين الصليبيين واستولى سنة 1287 على اللاذقية آخر مدن امارة انطاكيا. وتوفي في السنة عينها كونت طرابلس من دون ان يترك وريثا فتنازع الصليبيون على وراثة الكونتية واستنجد بعضهم بقلاوون، الذي اغتنم الفرصة وجهّز جيشا كبيرا واحتل طرابلس في نيسان 1289. ثم سقطت المدن الساحلية المتممة لطرابلس مثل جبله وبيروت، ولم يبق للصليبيين سوىصيدا وصور وعكا وعثليث.

اولاد قلاوون: وقع قلاوون بالخطأ نفسه الذي ارتكبه بيبرس اذا عهد سنة 1280 بالعرش الى ابنه علاء الدين علي بحياته وبايعه سلطانا وليس وريثا كما فعل بيبرس قاطعا بذلك الطريق على الامراء الى العرش بعد موته. ولكن علاء الدين مات عام 1288 مسموما في حياة ابيه، ويعتقد عدد من المؤرخين ان اخاه خليل هو الذي دسّ لهم السم. ورفض قلاوون توقيع العهد بالعرش لابنه خليل من بعده لأنه لم يكن رجل دولة بل فاسقا يحب سفك الدماء.

   تعرض مطلع عهد الاشرف خليل الى ثورة الامير حسام الدين طرانطاي نائب السلطنة اعتقادا منه بانه احق من خليل بالعرش متآمر على السلطان الذي كشف المؤامرة وقبض على المتآمرين وقتلهم وصادر ممتلكاتهم، وجعل الامير بيدرا نائب للسلطنة. وتمكن في مطلع نيسان 1291 من الاستيلاء على عكا آخر الحصون الصليبية في الشرق، وبالتالي جلا الصليبيون نهائيا عن المشرق.

   ازداد الاشرف خليل بعد هذا الانجاز المهم تعاليا على الامراء وانفة، من دون ان يترقب العواقب، او ان يفهم العقلية المملوكية المتمحورة على الغدر والخديعة، او انه فهمها واعتبر نفسه اقوى من يصاب بمكروه خصوصا انه زاد باعداد المماليك البرجية ألفي مملوك وبالتالي صار عدد البرجية كبيرا 5700 مملوك ارعبت الامراء. لكن ذلك لم يمنع بيدرا نائب السلطنة مع الامراء وعلى رأسهم حسام الدين لاجين من التآمر على السلطان وقتله وهو في الصيد عام 1293. بايع القتلة الامير بيدرا قاتل السلطان بالعرش في مسرح الجريمة، وعجزوا عن الوصول الى القاهرة لأن المماليك البرجية بزعامة الامير زين الدين كتبغا طاردوا المجرمين وقتلوا بيدرا ونصّبوا محمد الابن الثالث لقلاوون سلطانا وعمره لم يجاوز التسع سنوات من دون ان يجرؤ احد على الوقوف بوجهها، وجعلوا الامير كتبغا التركي زعيم البرجية وصيا عليه. لم يكافئ كتبغا البرجية بل اتهمهم باثارة الفتن فشتت قسما منهم، فقاموا بثورة فاشلة استغلها كتبغا لصالحه فخلع الناصر محمد واعتلى العرش مكانه عام 1294.

      ومن سوء طالعه جاء فيضان النيل متدنيا فارتفعت الاسعار وعمت المجاعة وانتشر الوباء. كان كتبغا قصير النظر اذ عفا عن حسام الدين لاجين المشارك بمقتل الاشرف خليل وجعله نائبا للسلطان من دون الاخذ بعين الاعتبار شعور البرجية او الانتباه الى مصالحها. وزاد في الطين بلة انه استقدم جماعة من المغول المعروفين بالاويراتية – وهو من اصول مغولية اسر في معركة حمص على عهد قلاوون- وكانوا وثنيين وقرّبهم منه مما اثار عليه نقمة الشعب. واستمر ينكل بالبرجية حتى ساءت اوضاعهم الاقتصادي والاداري، فتآمروا عليه مع لاجين وخلعوه واعتلى لاجين العرش مكانه عام 1296. ولضعفه رضي كتبغا بالتنازل عن العرش والاقامة في صرخد احدى بلدات دمشق، وهو السلطان الوحيد الذي رضي بترك عرشه من دون بذل جهود لاسترداده.

  تميّز عهد لاجين بالفوضى الادارية: فقد انصاع كليا لمنكوتمر أحد مماليكه الذي صار عمليا سلطانا، فتعالى على الامراء، واهان بعضهم. ومن ثم قام بالروك الحسامي فساوى فيه حصص المماليك الجراكسة بالمماليك الاتراك مما ادى الى ارتفاع منزلة الجراكسة مجددا. واستبد منكوتمر بامور الدولة من دون رادع او وازع او يحترم اي امير مهما بلغت منزلته مما ادى الى قتله على يد كرجي احد زعماء البرجية. وكان الصراع على اشده بين البرجية والاتراك من دون ان يجرؤ اي من الفريقين تقديم العرش لأحد الامراء، وكحل للمشكلة اعيد الناصر محمد الى الحكم للمرة الثانية (1298 –1308) وصار الامير سلار التركي نائبا له.

    استغل المغول بقيادة غازان الوضع غير السوي عند المماليك واغاروا على بلاد الشام وانتصروا على المماليك سنة 1298 في معركة مجمع المروج بين حمص وحماه، واستباحوا دمشق، ثم عاد غازان الى بلاده لما علم بالحملة الكبيرة التي اعدها السلطان الى بلاد الشام. وتجددت المعارك بين الفريقين الى ان انتصر المماليك على غازان انتصارا ساحقا في معركة مرج الصفر سنة 1302 ابعدت خطرهم الى اجل طويل جدا مما قوّى مركز البرجية لأنها كانت قلب الجيش المملوكي.

     كان وضع الناصر محمد حرجا جدا، لأنه عجز عن مجابهة كبار الامراء، وكان ان اشتد الصراع بين البرجية بزعامة بيبرس الجاشنكير، وسلار زعيم الاتراك، ومنعوه حتى عن الاتصال بالناس، وضيقوا عليه، فضاق ذرعا بالوضع، ثم استقال سنة 1308 متذرعا انه يريد الحج واعتصم بالكرك. واعتلى العرش مكانه زعيم البرجية سيدة الموقف. ولم يكن المظفر بيبرس الجاشنكير رجل الساعة، وتدخل الشعب للمرة الاولى وسار في تظاهرة في شوارع القاهرة مطالبا بعودة الناصر محمد لتشاؤم الناس من انخفاض مستوى الفيضان، فكانوا يرددون في تظاهرتهم: سطاننا ركين ( تصغير لركن الدين) ونائبن دقين ( يقصدون سلار شبه اجرد الزقن) يجينا المي منين، جيبون الاعرج. ولم يرض نواب بلاد الشام بما حصل ورفض قسم منهم الاعتراف ببيبرس الجاشنطير سلطانا، وكاتب نواب حلب وحماه وطرابلس الناصر محمد واستأذنوه بالقدوم الى الكرك. وحاول بيبرس ترهيب الناصر محمد بتهديده بمصير ابناء الظاهر بيبرس، وحاول تجريده من مماليكه وما عنده من خيول وسلاح، مما دفع الناصر الى طلب معونة حلفائه في بلاد الشام، وتوجه الى دمشق، والتف الناس والامراء والمماليك حول الناصر. فلم يجد السلطان بدا من الرضوخ، وطلب الغفران من الناصر فاعيد النصر محمد الى العرش للمرة الثالثة سنة 1309 واستمر في الحكم حتى عام 1340.

    يعتبرعهد الناصر الثالث ابهى عهود المماليك، واكثرها هدوءا ورخاء، فحكم البلاد بيد من حديد: فقتل بيبرس الجاشنكير، وسجن سلار حتى مات، وشتت افراد البرجية الذي جهد بانشائها وتمييزها عن بقية الفرق المملوكية ابوه واخوه خليل. وكلما شك بامير قتله، واذا اجتمع اميران من دون اذنه كان يأمر بقتلهما، وكلما كبر مستوى احد الامراء عزله او قتله. وامتدت رقعة الدولة في عهده من المغرب غربا الى الشام والحجاز شرقا، ومن النوبة جنوبا الى آسيا الصغرى شمالا.

عهود اولاد واحفاد الناصر😦 1340-1382) لم يتمتع اي من السلاطين الاثني عشر الذين خلفوا الناصر من سلالته باي مأثرة تستحق الذكر او التوقف للكلام على صاحبها. فحكم في العشرين سنة الاولى لوفاته( 1341-1361) ثمانية من اولاده، وفي الواحد والعشرين سنة الثانية اربعة من احفاده. وجدير بالذكر ان بعض هؤلاء حكم وله من العمر سنة واحدة، وبعضهم الاخر لم يستمر حكمه اكثر من شهرين. اما الكبار في السن الذين تولوا العرش ما استطاعوا ممارسة صلاحياتهم بشكل سليم لأن كان كبار الامراء كانوا يحكمون من خلالهم. وكانت عهودهم من اسوأ مراحل السلطنة المملوكية سفكا للدماء، ووفرة في الثرات، واخلالا في النظام العام، وخروجا على الاعراف والتقاليد. ومما يلفت الانتباه في عهود هؤلاء السلاطين ان: ستة منهم اقيلوا، واثنين توفيا طبيعيا، واربعة قتلوا. وقد تميزوا اجمالا بشرب الخمر، والانغماس باللهو والمجون، والانعام على المحظيات والخدم بالاموال والاملاك والهبات المتنوّعة.

    واستنزفت في عهودهم الحروب غير المنتهية بين فئات المماليك المتنوعة طاقات البلاد الاقتصادية. غدا بامكان بعض الامراء الاقوياء زيادة تعداد مماليكهم اضعاف الاضعاف التي يسمح بها النظام العسكري فبلغ تعداد مماليك يلبغا العمري ما يزيد على 3500 مملوك. واكتفى كبير الامراء او اشدهم نفوذا بالحكم الفعلي من خلال السلطان بتوليه منصب اتابك العسكر، ولم يجرؤ على عزل السلطان خوفا من امراء آخرين كبار

كان الضعف قد تسرب الى قلب الدولة خصوصا في مطلع منتصف القرن الرابع عشر فاستبيح النظامان العسكري والاقطاعي المملوكيان.

    ان كل ذلك سمح لوراثة العرش في الدولة الاولى خصوصا في اسرة قلاوون بالنجاح من دون ان يعني ذلك نجاحا في الحكم بل انهيارا.   

ندوة مناقشة كتاب د. وجيه كوثراني ولاية الفقيه

في اطار نشاطاتها في مهرجان اللبناني للكتاب تعقد الحركة الثقافية – انطلياس مجموعة ندوات ثقافية ومن بينها ندوتنا هذه التي يناقش فيها الزملاء الدكاترة الكرام وليد خوري ورضوان السيد ومنذر جابر كتاب الزميل الصديق الدكتور وجيه كوثراني المعنون:” بين فقه الاصلاح الشيعي وولاية الفقيه- الدولة والمواطن”. وقد تكون ندوتنا الاكثر حرارة ومتعة في النقاش بما يطرحه موضوعها من محاور تتقاطع مع تجاذبات سياسية لبنانية داخلية راهنة، وصراع فقهي وآخر سياسي اقليمي.

ايها الاصدقاء تتنازع راهنا شعوب العالم الاسلامي ازدواجية ولاء؛ بعضهم يتوق الى دولة مدنية تراعي المقتضيات الدينية، والبعض الآخر الى دولة شرعية دينية توجهها اجتهادات فقهية. ولعل معادلات الدولة الدينية وفق ولاية الفقيه وما يعادلها تشددا او اعتدالا في المذاهب الفقهية السنية انتعشت وازدهرت في اواخر القرن الماضي لاسباب كثيرة لا مجال للخوض فيها الآن. واذا اردنا العودة الى التاريخ نستلهم منه العبر والسلوك السياسي لتبين لنا ان العصور الوسطى التي اطلق عليها بعض المؤرخين عصور الايمان وبعضهم الآخر عصور الظلام لخضوع الدول شرقا وغربا لسيطرة الفكر الديني على الافكار وعلى مناحي الدولة السياسية والعسكرية والاجنماعية والدينية وحتى الاقتصادية. وقد عاشت دول اوروبا ازمة مزاوجة السياسي بالديني مدة طويلة، ومن ثم انتهت لصالح الدولة المدنية بعد ان تم حسم ادوار الصراع بين البابوية والامبراطورية وتلاه الصراع الديني في اوروبا الذي دعا خلاله مارتن لوثر الى فصل الزمني عن الروحي. واكتملت سيادة الدول المدنية بعد الثورة الفرنسية 1789.

واُعتمد في الاسلام، منذ حكومة الرسول في المدينية وحتى سقوط دولة المماليك سنة 1517 التشريع الاسلامي نهجا بل دستورا سياسيا واسلوب حياة. وشهد هذا المدى الطويل احداثا مفصلية كثيرة وجّهت تاريخ المسلمين وتركت بصمات ما تزال فاعلة في احداثهم حتى اليوم. ولعل من ابرزها الصراع على منصب الخلافة التي استبعد عنه الامام علي ثلاث مرات. وادى مقتله ومن ثم استشهاد الحسين في كربلاء 61 هجرية الى نشوء نظرية الامام المعصوم التي لم تكن واحدة عند جميع الفرق الشيعية. لتقابل منصب الخلافة عند السنة مع فارق التقديس او القداسة للائمة الاثني عشر عند الامامية، والائمة السبعة عند الاسماعيلية اضافة الى الامام الاكثر اهمية وقداسة عندهم عنيت به محمد بن اسماعيل او المكتوم. وجهد الشيعة للوصول الى الحكم فنجحوا على الاقل في مرحلتين واضحتي المعالم: الخلافة الفاطمية في المغرب سنة 909 ثم انتقالها الى مصر سنة 969 التي اسسها سعيد ابن الحسين الملقب بالمهدي وتلاه خلافاء ائمة تبعا للنظرية الاسماعيلية في الالوهية(ليس الآن موضوع بحثها). والثانية كانت الدولة البويهية في العراق وبلاد فارس. فاذا كان الشيعة الاسماعيلية عملوا على تطبيق نظريتهم في الخلافة الفاطمية ومارسوا ما يشبه ولاية الفقيه لأن الخليفة عندهم كان اماما فقيها، ومن اكثر نماذجه وضوحا الخليفة المعز لدين الله الذي نظّر للعقيدة الاسماعيلية. فانهم صادفوا مشاكل وعقبات كادت تودي بدولتهم من الدويلات الشيعية نفسها كالقرامطة والحمدانيين والبويهيين الذين شكلوا رأس حربة في هذا الموضوع علما ان ولاية الفقيه ستتمأسس في عهدهم. ولم تعمّر النظرية الاسماعيلية حتى في العهد الفاطمي عينه بحيث فقدت الامامة مضمونها.

وفي القرن الرابع الهجري واجه البويهيون اشكالا اساسيا: تمثّل بازدواجية الولاء السياسي والديني، كانوا شيعة متغلّبين على دولة الخلافة العباسية، وكحل لذلك الاشكال اوجدو ولاية الفقيه، اذ دعا ركن الدولة البويهي الشيخ محمد بن بابويه المعروف باسم “الصدوق” ليكون مرشدا له في السياسة والمجتمع والدين، وبالتالي تمأسست ولاية الفقيه وتحوّل التشيّع وللمرة الاول، بعد غيبة الائمة المعصومين، الى مجال ايديولوجي-سياسي استمد منه البويهيون شرعيتهم في مواجهة الخلفاء العباسيين وافقدوهم كل قدرة سياسية وعسكرية، حتى باتوا يملكون ولا يحكمون.

وتمأسست ولاية الفقيه مرة ثانية بوضوح اكثر جلاء بقيام الدولة الصفوية في بلاد فارس سنة 1501 وهي تختلف عن وضع الدولة البويهية لأنها لم تعرف ازدواجية الولاء ولم تكن دولة متغلّبة. وادعى الشاه اسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية ان المهدي ألبسه في طريقه الى مكة التاج الاحمر وعلّق به السف وقال له:” اذهب قد أذنت لك“، ما يعني ان المهدي اعطى الشاه ولاية خاصة، وصار يؤكّد لمريديه انه لا يتصرّف الا بناء على اوامر الائمة الاثني عشر، لذلك صار معصوما مثلهم. وهكذا بات الحاكم السياسي يخضع لسلطة الامام او لنائبه. وع ذلك فان التمأسس الحقيقي لولاية الفقيه عند الصفويين تم في عهد طهمسب ابن الشاه وخليفته الذي استدعى الشيخ علي بن عبد العالي الكركي ليقيم مؤسسة تبث التشيّع عملا بنيابة الفقيه الامام المهدي وولايته العامة في عصر الغيبة، وبالتالي صار للشيخ الكركي حرية التصرف بشؤون الدولة الشيعية الجديدة كونه نائبا عاما عن المهدي نفسه وبوصف الملك او الشاه نائبا عنه. وهكذا صار الديني يسيّر الزمني ويسيطر عليه.

اما في العالم السياسي السني فقد مورست ولاية الفقيه بطرق غير مباشرة منذ الخلفاء الراشدين، فهم كانوا يعتبرون فقهاء لأن المذاهب الفقهية لم تظهر قبل اواسط القرن الثاني/الثامن، واستعانوا بآخرين لهم معرفة بشؤون الشرع لادارة شؤون دولة الخلافة. واستعان الامويون بالائمة والفقهاء تبريرا ديدنيا لشرعية دولتهم. وفي مرحلة لاحقة استعار الخلفاء العباسيون سلطات دينية بلغت حد التقديس ردا على مواقف الشيعة وآرائهم وثوراتهم بان جعلوا انفسهم ممثلين لله على الارض. اضف الى ذلك ان الشرع الاسلامي كان مطبقا في مناحي الحياة كافة، وكان الديني مسيطرا على المدني. وقد خضع الخلفاء والسلاطين والحكام السنة عامة في العصور الوسطى الى سلطة الفقهاء في امور كثيرة، حتى ان بعض الفقهاء فرضوا آراءهم على السلاطين شأن الماوردي الذي حدد سلوك الحكام في كتابه “الاحكام السلطانية”، وابن تيمية الذي افتى للمماليك قتال الشيعة والدروز والموارنة في لبنان، والاسماعيلية في بلاد الشام لأنه واجب شرعي … (لن نخوض كثيرا في هذا الموضوع) وعندما انتصر العثمانيون على المماليك في معركتي مرج دابق 1516 والريدانية في مصر عام 1517 انتزعوا الخلافة من العباسيين وصار السلاطين خلفاء يجمعون السلطتين الدينية والزمنية باشخاصهم، فمارسوا بذلك ولاية الفقيه التي اكتملت بالسلطات التي انيطت بشيخ الاسلام او مفتي اسطنبول الذي كان باستطاعته، على الاقل نظريا، عزل السلطان العثماني.

وقابل نظرية ولاية الفقيه الشيعية النظرية الجهادية عند بعض السنة المعروفة ب” الحاكمية لله” وهي تتصوّر الامام او الخليفة نائبا لله او خليفة له على الارض، وهو مسؤول امامه وحده فقط. ولا يؤذن للبشر بالتشريع لأنه امر مختص بالله وحده، حتى ان القاضي لا يتولى منصبه كونه نائبا عن الخليفة بل لانه نائب عن الله وعليه تنفيذ القانون الالهي. واصحابها يكفّرون كل المجتمعات الاسلامية التي لا تطبق الحاكمية لله، ويعتبرون المجتمعات الاسلامية الحاضرة وتلك غير الاسلامي مجتمعات جاهلية كافرة.

وما تجدرملاحظته ان فقيها واحدا فقط في العالم الاسلامي كله يتمتع بسلطة نائب الامام المعصوم الغائب وبسلطات مركزية وسلطان كامل على كل المسلمين الشيعة ، ما يعني ان نائب الامام هذا يتمتع بهالة دينية وعند بعضهم بهالة قدسية ويدعوا من ضمن التطلعات الكبرى او الاهداف البعيدة الى دولة اسلامية شيعية موحدة تسيّرها سياسته. وبالتالي تتجاوز دعوته وسلطاته القوميات والكيانات السياسية الحديثة المعترف بها من قبل الامم المتحدة، ويمثله فيها نواب له يأتمرون به وحده.

ايها الاصدقاء فشلت ولاية الفقيه عند البويهيين والصفويين، و ما تزال تجربتها في ايران بين اخذ ورد، بين معتدلين مصلحين وآخرين متشددين. وقد حارب عدد وافر من علماء الدين السنة نظرية الحاكمية لله. وانا وان كنت على معرفية في موضوع الاصلاح السياسي الاسلامي لن ادخل في تفصيلاته لأنه موضوع المحاضرين الكرام. هذا الاصلاح الذي اطلع به متنورون من الفقهاء الشيعة في ايران ولبنان، ورواد الجامعة الاسلامية في القرن التاسع عشر، وغيرهم من المصلحين السنة في ارجاء العالم الاسلامي ممن قاربوا بين الدولة المدنية والدولة الدينية، وعالجوا مصطلحات وافكارا غربية وقاربوها بمثيلات لها اسلامية، او شرحوا مدلولاتها وافتوا بها، شأن الديمقراطية، والجنسية، والمواطنة، والتعددية. او وجدوا لها صدى في المفردات والممارسات الاسلامية. في حين كان بعض الفقهاء وعلماء الدين المتزمتون يعتبرونها دخيلة بل غريبة ومرذولة. ونحن وان كنا نأمل بقيام الدولة المدنية في لبنان حرصا منا على المجتمع التعددي، فاننا نتوخى حصول اصلاح سياسي يوفر للمواطنين حدا ادنى من الطمأنين والعيش الكريم، ويبعد شبابنا عن الهجرة 

ادارة ندوة المدارس ونظام التعليم في العهد المملوكي.

تميّز العهد المملوكي عن غيره من عهود العصور الوسطى بخاصات فريدة، ويعجز الباحث اذا لم يقف على بنية النظام العسكري، عن فهم تلك الخاصات التي ادت الى تقلبات في الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعمرانية خلال حكم المماليك. لأن نظامهم العسكري شكل المحور الاساسي لحكمهم؛ فقد كان على رأسه السلطان، يليه الامراء الكبار او مقدمو الألوف، الذين منهم ينتقى السلاطين، ثم امراء الاربعون، فصغار الامراء. ويقبع في اسفل سلمه الاجنادُ الذين انتظموا بدورهم من حيث الاهمية وفق الهرمية التالية: المماليك السلطانية على اختلاف مراتبهم، ثم فرسان الحلقة، فمماليك الامراء.

لقد حمل هذا التقسيم في طياته بذور الفساد والانحطاط، لأنه تلاءم مع مصالح جماعة عسكرية غريبة عن مصر وبلاد الشام، وحوّل مجتمعها الى مجتمع عسكري مغلق عن ابناء البلاد وجامد على وجه العموم، حتى بات الانتقال بين فئاته نادرا، وانحصر اجمالا بارتقاء عدد محدود جدا من الامراء والمماليك السلطانية ليشغلوا المراكز الشاغرة التي كانت تعلو رتبهم،  في غالب الاحيان تمتع الانتهازيون بهذه الامتيازات. ومن ناحية ثانية ترك النظام العسكري العرش مشاعا ليتبوؤه كل قادر، بل، على وجه العموم، أكثر الامراء الكبار حنكة ودهاء، وغدرا، وخيانة.

 والى ذلك، ومن اجل حصول الامراء على المراكز الاكثر مردودا اقتصاديا ومنزلة عسكرية، تحوّل العهد المملوكي الى سلسلة غير منتهية من الصراعات العسكرية الدامية والمدمرة للحياة الاجتماعية والاقتصادية،  بحيث كان ينقسم فيها معظم الامراء على اختلاف مراتبهم، وغالبية الاجناد، الى فريقين متحاربين، متخذين اسواق وساحات المدن الرئيسة كالقاهرة ودمشق وحلب وغيرها مسرحا قتاليا، الامر الذي كان يدمرها ويستنزف طاقاتها الاقتصادية والحياتية، ويعرّض السكان الى ابشع انواع المظالم. ومن المؤسف حقا ان حالات انضباط المماليك نلحظها بعهود عديد ضئيل جدا من السلاطين الاقوياء.

وارتبط النظام العسكري عضويا بالنظام الاقطاعي الذي غدا عسكريا بامتياز، واستغل المماليك بموجبه كل مقدرات البلاد الاقتصادية بما فيها الزراعية والصناعية، وصولا الى مردود الجمارك البرية والبحرية، وتقاسموا كل تلك الخيرات الوفيرة جدا وفق ترتيبهم العسكري، فعاشوا فئة مميزة غريبة عن ابناء البلاد، بعاداتها، وتقاليدها، ولغتها، وقوانينها.

وتكفيرا عن ذنوبهم الاقتصادية، وبما تسببوا به من خراب ودمار نتيجة صراعاتهم الداخلية شبه الدائمة، تقرّب السلاطين وكبار امراء من الشعب، بالاكثار من الابنية الدينية المتنوعة، وتشييد المدارس، التي لم يبنوا معظمها بدافع ديني بل رغبة بالحفاظ على ثروات السلاطين والامراء الكبار المنقطعة النظير، متوسلين نمط الوقف الذري ملاذا لاستمرارها بذريتهم، التي جعلوا منها شريكا للمؤسسات الخيرية، ولا سيما المدارس، بادارة املاكهم واستغلال مردودها. لان الوراثة كانت غير جائزة في نظام المماليك، ما ادى الى اطراد في دور التعليم، وليس ادل على ذلك من اسماء المدارس التي تنتسب الى مؤسسيها في مصر وبلاد الشام.

شكل الوقف المرتكز الاقتصادي الاساسي للتعليم، لأن الواقف كان يحدد رواتب المعلمين، وعدد طلاب المدرسة، ورواتبهم، وما يحتاجون اليه من اقلام ودفاتر… ومكان اقامتهم. ولم يكن التعليم وقفا على المدارس وان شكلت عموده الفقري، لأن المساجد، والجوامع، ودور الحديث، والخوانق، والربط، والزوايا، والترب، والبيمارستانات ساهمت بدورها بالحركة التعليمية.

اما هيئة التدريس فقد تألفت من الشيخ وهو على العموم من مشاهير العلماء، ومن المقرئ اي من يقرأ القرآن، والمحدث. وكان يحظى بعض المدرسين بلقب تشريف ( الاستاذ)، ويساعده معيد، وهو احد الطلاب النجباء الذي كان يعيد الدرس بعد انصراف المدرس ليركز باذهان من لم يستوعبه.

اما طرائق التدريس فكانت متنوعة: الالقاء او المحاضرة، وما كان مسموحا للطلاب مقاطعة المحاضر، بل كانت تطرح اسئلتهم في نهاية المحاضرة. والسماع او السماعات، وهو الاستماع الى المحدث او الفقيه يقرأ في مؤلف محدد على الطلاب، ويستمر يسمعهم حتى يتأكد له انهم حفظوا الدرس. والتلقين، والاملاء، والمناظرة او المحاورة.

ويحصل الطالب في نهاية تعليمه على اجازة من شيخه تثبت كفايته في حقله، وكانت الاجازات متنوعة: العامة، او بالفتيا، والتدريس، والتحريرية، وبعراضة الكتب، وبالمرويات…ولم يكن التعليم الديني المتنوع الاختصاصات يختلف كثيرا بين مدينة واخرى من حيث المضمون، انما انحصر التمايز بالمستوى الثقافي للمدرسين.

ايها الحضور الكريم، لن اتوسع في هذا الموضوع فاسحا في المجال للمحاضريْن الكريمين العميد احمد حطيط، والدكتور عمر تدمري التعمّق بالكلام عليه. وانما اريد اضافة ملاحظة اخيرة وهي اننا اذا تفحصنا بامعان نظام التدريس من حيث اسماء المدرسين والشهادات، لوجدنا فيها تقاطعا مهما مع ما يماثلها في حاضرنا: فالاستاذ لقب عالمي متعارف عليه، يماثله “بروفسور” في اللغات الاجنبية، ويتقاطع مع لقب محاضر او الاستاذ الدكتور، وكان يساعده شيوخ اقل منزلة منه تضاهي رتبهم في ايامنا رتبة الاستاذ المساعد، اما المعيد فهو المبتدئ في سلم التعليم العالي، وباتت جميع هذه الالقاب موحدة عالميا. والاجازة مصطلح ما يزال معمول به حتى اليوم في كل جامعات العالم.

ايها الحضور الكريم كان التعليم في العصور الوسطى رسالة اجمالا، فهل ما يزال كذلك في ايامنا؟ وربما يشكل هذا السؤال عنوانا لمؤتمر جديد.    

ادارة ندوة كتاب الدكتورة سعاد سليم ابو الروس “الوقف الارثوذكسي خلال العهد العثماني “

ان الحركة الثقافية – انطلياس في اطار نشاطات المهرجان اللبناني للكتاب، تنظّم هذه الندوة حول كتاب الصديقة والزميلة الدكتورة سعاد ابو الروس سليم المعنون ” الوقف الارثوذكسي في لبنان خلال العهد العثماني”، نظرا لاهميته، وتعميما للفائدة حول موضوع الاوقاف في لبنان.     

ايها الاصدقاء

منذ ان استقر الانسان في جماعة نشأت علاقاته الجدية بالارض، وعلى رغم انتظام اموره الاجتماعية والقانونية او العرفية بخاصة في الاميراطوريات الكبرى استمرت الاشكالات حول ملكية الارض واستغلالها،  وقد تباينت احكامها في ما بين الدول.

وان عجز الانسان عن تفسير معنى الوجود ومسألة الخلود دفعه الى ابتداع الآلهة ليلوذ بها، فشيّد لها الحكام على وجه العموم الكثير من الابنية الدينية، وخصصوا لها الكهّان ومساعديهم، وافردوا لها الاراضي اما اقطاعا او استغلالا. لأنها وحدها كانت باعتقادهم قادرة على السيطرة على مصائر الناس والتأثير باحوال الطقس ، والتخفيف من الكوارث، والبراء من الامراض، والانتصار في النعارك وهكذا… واعتقد الناس انهم كلما تماهوا في عبادتها وقدّموا لها القرابين والهدايا والهبات واكثروا من وهبه الاراضي لها، بالمقدار عينه تمنحهم بركاتها وتستجيب لطلباتهم. والى ذلك شكّل وهب الاراضي لأماكن العبادة احد اهم ركائز نشؤ نظام الاوقاف.

وعجزت الديانات التوحيدية عن محو تلك العادات لأنها باتت في صلب الثقافة العامة الاجتماعية والتراثية. واستبدل المؤمنون المسيحيون الآهة المتعددة بالآه الواحد والقديسين، وشيّدوا لهم الكنائس والاديار، واوقفوا عليها الاراضي. وفرضت الانظمة الديرية على رهبان الاديار نمطا قاسيا من حياة التقشف والزهد فمارسوا الى جانب عباداتهم، وما تفرضه عليهم حياتهم الدينية من علاقة اجتماعية واخلاقية ودينية ورعائية تجاه محيطهم الاجتماعي، العمل القاسي بالارض، فباتوا فلاحين او مزارعين في اديارهم واستصلحوا الاراضي.

واذا كانت المسيحية قد اقرّت نظام الوقف فان الاسلام حدد له شروطا خاصة، فالارض في الاسلام هي ملك لله، ويحقّ للخليفة او من ينوب عنه اقطاع الاراضي اوتمليكها. ولما كثرت الاماكن الدينية الاسلامية كالمساجد، والجوامع، والتكايا، والزوايا، والربط، والترب والمدارس…التي انشأها الحكام او اصحاب المراكز السامية، و اهل الخير والصلاح، واوقفوا عليها الاراضي والمعاصر وما الى ذلك لكي يرتزق بها القيمون عليها، وهي في المنظار الاشلامي الشرعي وقفا ابديا لا رجوع عنه.

والجدير ذكره ان العالم الاسلامي المشرقي، بوجه عام في العصور الوسطى بدءا باواخر العصر العباسي الثاني وانتهاء بعهد المماليك، قد حكمته انظمة عسكرية تمتع بموجبها اولئك الحكام الاغراب بحق الانتفاع بالارض من طريق الاقطاع اما استغلالا او تمليكا، وبتعبير اوضح اُعطي الاقطاع للوظيفة. وكان يسقط عن صاحبها بمجرد تركه الخدمة. وكان بعض اصحاب ذي الشأن قد ملكوا الكثير من الاراضي ابان ممارستهم لوظائفهم، ورغبة منهم بتوريث بعضها في ذريتهم، لكي لا يسترجعها بيت مال المسلمين، ابتدعوا نمطا جديدا من الوقف عرف ” بالوقف الذري”. وهي طريقة احتيالية على الشرع ان جاز التعبير، بحيث كانوا يوقفون الكثير من الاراضي التي كانت في حوزتهم اما على تربة او مدرسة شيّدوها، او مسجد بنوه او غير ذلك مما ذكرنا من الابنية الدينية والاجتماعية والثقافية، ويذكرون في وقفياتهم عدد القيّمين على الوقف ومهام ومقدار راتب كل منهم،  ويجعلون احد ورثتهم قيّما عاما عليه يتوارث مركزه ابناؤه من بعده. وانتقل هذا النمط، بنسب متفاوتة، الى الاوقاف المسيحية، فعمّ المناطق المشرقية كلها ومنها لبنان، ولم يكن حكرا على مذهب محدد، بل شمل كل المداهب المسيحية.

ودرج الحكام بخاصة السلاطين وكلما كانت تزداد الاملاك الموقوفة نتيجة مساهامات المؤمنين لاهداف دينية محضة، او غايات اجتماعية اما تقربا من الله في المطلق، او ايفاءا لنذور، على السطو عليها متوسلينن انواع الذرائع، كالاستعداد لمجابهة خطر خارجي، او لبناء اسطول، او لأن قحطا ما قد ضرب البلاد… ولم تسلم الاوقاف المسيحية بدورها من عملية السطو تلك، فتوسّل السلاطين ذرائع لايمكن تصنيفها الا في خانة السلب لزيادة اموالهم، او لتوفير بعضها لصالح بيت المال الذي يكونون شبه افرغوه  من الاموال،  كأن يُزعم ان الافرنج سطو على مراكب تجارية اسلامية، او اعتدوا على ثغر اسلامي ما، وما الى ذلك.

اما الاراضي الاقطاعية في العهد العثماني فقد توزعت وفق تنظيم جديد: التيمار، والزعامت، والخاص الهمايون. وغدت اراضي الاوقاف المسيحية جزءا من اراضي التيمار، ويسري عليها القانون العثماني الذي كان يميّز بين اراضي الملك التي تخضع لضريبة الخراج، والاراضي الاقطاعية الاخرى التي تضمّن وفق النظام المذكور. ولم يسر الاقطاع العثماني على نمط واحد: فقد بدأ بنظام فرسان السباهية، ثم الملكانة فالالتزام  بانواعه المتعددة. ولم تكن دائما مواقف السلاطين والولاة والحكام الاقل شأنا متطابقة الرؤى الاقتصادية والمواقف تجاه المسيحيين ومنها مسألة الاوقاف، فهي تنوعت بين تأزيم وتساهل، بخاصة انه يمكننا ان نميّز في العهد العثماني بين ثلاثة مراحل محددة المعالم: القوة والازدهار، الانحطاط، التنظيمات على الرغم من كونه جزءا من عهد الانحطاط. وهي من دون شك كانت بالغة التأثير على حكام المقاطعات اللبنانية.

ايها الاصدقاء، لن اتطرق بالكلام على الاقطاع العثماني الى اكثر من ذلك لأنه يتقاطع مع موضوع هذه الندوة من حيث علاقته العضوية بالاراضي الوقفية، علما ان لي مساهمات واسعة فيه، ولا سيما الدرسة المعنونة ” الاقطاع العثماني بين الحداثة والتقليد”، فاسحا في المجال للمحاضرين الكرام للكلام عليه.

في 21 – 3 2009

التجارة الصليبية في المدن اللبنانية.

  • مفهوم الحملات الصليبية: ما يزال الباحثون ينظرون الى الحروب الصليبية من زوايا مختلفة ان من حيث اسبابها ودوافعها ، او من حيث تطورها وجدواها ،وبالتالي نتائجها.ولايتطلب موضوعنا الخوض في كل ذلك ، اوانه لايتسع لها. انما من المفيد التأسيس له بالمنطلقات التالية: شكلت الغاية الدينية احدى اهم منطلقاتها ، واسست للمناخ ، الذي شحن العواطف الدينية في غرب اوروبا فانضوت تحت لوائها وتلبية لرغبة البابا جموع غفيرة متناقضة الاهداف والغايات. فانخرط فيها بعضهم مدفوعا بحب المغامرة ، ولاسيما النبلاء وحاشياتهم ، كما توسلها البعض الآخر من الفئة عينها ، ومعظمهم من الوصوليين ، للحصول على اقطاع ، او امارة في المشرق العربي كان عسيرا عليهم تحقيقه في بلادهم الاصلية. وهدفت الفئات الشعبية الكثيرة العدد ، من خلالها ، الغفران والتكفير عن الذنوب ومرضاة لله تبعا للفكر السائد انذاك ، فضلا عن انها توخت الهروب من وضعها المتردي ، ان لم نقل المأسوي.وتوخت البرجوازية ، ان جازت التسمية في ذلك الوقت ، اكتناز ثروات المشرق العربي مدفوعة بحمية مادية فاقت الحمية الدينية.

        ولم يكن بمقدور الفرنجة ، الذين شكلوا غالبية الجيش البري ان لم يكن كله ، تحقيق المشروع بفردهم لافتقارهم على الاقل للاساطيل الضرورية في هكذا مشروع ، الذي تعرف بدايته ولا تدرك نهايته.فكان ان تم الاستنجاد باساطيل الجمهوريات الايطالية وعلى الاخص : جنوا ، والبندقية ، وبيزا.وكان بعض تجار هذه الجمهوريات قد اقاموا علائق تجارية خجولة مع حكام المشرق عامة ، في مصر وبعض الساحل اللبناني وتعرفوا الى ما يمكن ان يقدمه المشرق العربي من ثروات فاقتنص “برجوازيوها” الدور العسكري البحري لتحقيق مشاريع البرجوازية المتعطشة الى الربح الوفير ، خصوصا ان جمهوريتي جنوا وبيزا كانت قد تطورت فيهما الحياة السياسية بطريقة جعلت من العسير جدا وقف تطورهما العسكري ، الذي كانت قد نعمت به البندقية قبل ذلك[1].ومع ذلك جاء انخراط الجمهوريات المذكورة في المشروع الصليبي متفاوتا ، اذ لب بعضها الطلب العسكري مباشرة ، وتريث بعضها الآخر

    وازعم ان تطور العلاقات المادية الناتج عن الحروب الصليبية وتطوره انما يرجع بالدرجة الاولى الى القوى العسكرية ، التي لم تكن تؤمن اجمالا الا بكسب الثروات المالية ، الذي سيطور وضعها الاقتصادي ولاسيما التجاري ، وتاليا قدراتها العسكرية ، التي ستدفعها للسيطرة على غالبية الاسواق التجارية في المشرق العربي وفي اوروبا.

     ويصعب فهم التجارة الصليبية في المدن اللبنانية بمعزل عن مفهوم التجارة الصليبية عامة في حوض المتوسط ، اومن دون التوقف عند العلاقات بين المدن او الجمهوريات الايطالية في ما بينها عداء ووئاما ، كما من دون التطرق للعلاقات عينها بين الحكام الصليبيين انفسهم من جهة ، ومع حكام الداخل المشرقي على تنوعهم في المدى التاريخي[2].كما يفترض فهمها دراسة تطور التجارة المشرقية العربية والاسلامية خصوصا مع الشرق الاقصى ومع بلاد فارس ، التي سيقتصرها هذا البحث على دراسة الطرق التجارية ودورها في تنمية التجارة العالمية.

     وساحاول في هذا البحث التمييز قدر المستطاع بين عدة مراحل شكلت ، بحسب تقديري ، مفاصل الحركة التجارية الصليبية :

  • منذ تأسيس الممالك والامارات الصليبية ، ولاسيما تطورها في القرن الثاني عشر حتى مجيء السلطان صلاح الدين الايوبي .
  •  العهد الايوبي خصوصا عهد صلاح الدين .
  •  واخيرا العهد المملوكي.

آخذا في الاعتبار تطور اساطيل الجمهوريات الايطالية ، وتنوع نقودها ، والمعهادات التجارية مع الحكام الصليبيين من حيث مراعاة تنفيذها وتأثيراتها ، كما تلك التي ابرمت مع حكام المشرق العربي.

      وما تجدر الاشارة اليه بايجاز ، قبل ولوج الحركة التجارية في المدن اللبنانية خلال العهد الصليبي ، هو وضع الفرنجة العسكريين من جهة ، ووضع المدن او الجمهوريات الايطالية المتنافسة تجاريا من جهة ثانية ، فضلا عن حاجة الفرنجة للاساطيل الايطالية ، ما فرض تنازلات من قبلهم لصالح الايطاليين.

الامتيازات التجارية:

  1. حاجة الفرنجة للايطليين: ويبدو ان الحكام الصليبيين ادركوا اهمية المواقع السترتيجية للمدن الساحلية اللبنانية والسورية والفلسطينية والدور التجاري الذي يمكن ان تطلع به ، وكانوا على معرفة بينة بان قدراتهم العسكرية والتجارية كفرنجة غير كافية ابدا للقيام بدور الوسيط في التجارة العالمية ، وكانوا يدركون ايضا حاجتهم الملحة للقدرة العسكرية الايطالية للاستيلاء على الثغور الساحلية اللبنانية والفلسطينية ولاسيما انهم ما كانوا يملكون الاساطيل العسكرية الضرورية لفتحها من جهة ، وللمحافظة عليها من جهة ثانية.

     وبديهي القول ان  الاستيلاء على الثغور المذكورة شكل مسألة حياة او موت بالنسبة للفرنجة على حد تعبير المؤرخ هايد :” فكان امتلاكها وحده يضمن لهذه الدول – أي الفرنجة – اتصالها بالغرب حتى تصلها منه المعونات البشرية والمالية الضرورية لبقائها “[3] .

  • اوضاع الجمهوريات الايطالية عشية الحروب الصليبية : وكان يبرز انذاك في الميدانين العسكري والتجاري معا ثلاث جمهوريات ايطالية يحكمها برجواريون هي : البندقية ، وجنوا ، وبيزا.وادركت كل مدينة ، لشدة التنافس التجاري في ما بينها ، اهمية بناء الاساطيل التجارية واولوية حمايتها من القراصنة من جهة ، ومن منافسيها التجاريين من ناحية ثانية.كما ادركت ايضا اهمية تنظيم الرحلات التجارية . وهكذا اعتمدت البندقية على نوعين من السفن: المستديرة المخصصة للشحن التي تعتمد  كليا على الاشرعة وتستخدم في الشحنات الثقيلة ، والطويلة التي خصصت لاغراض حربية صرفة[4]. اما جنوى فقد اعتمدت ثلاثة انواع : السفن الشراعية فقط ، والشراعية ذات مجذاف او اثنين ، والثالث المخصص للحمولة الثقيلة ويعتمد على عدد من الاشرعة والمجاذيف[5].غير ان هذه النماذج ستتطور خلال القرنين الثاني والثالث عشر لتلائم ازدهار الحركة التجارية المضطرد.كما ان  الوضعين السياسي والتجاري في الجمهوريات الايطالية قبيل الحروب الصليبية اثرا على دور كل منها من حيث الناحيتين الحربية والتجارية. 

أ جنوا : في اواخر القرن الحادي عشر ، كان يحكم جنوا قناصل انتخبهم البرجوازيون الاحرار[6]، ثم شهدت هذه الجمهورية حربا اهلية ادت الى الغاء النظام القديم ، حتى بدت بلا حكام شرعيين.وما كان بوسع برجوازييها تفويت فرصة المشاركة بالحروب الصليبية ، لذلك انتظم بعضهم فيما بينهم ، وتولوا تجهيز السفن الضرورية ، وكان ابرزهم بلا شك ، على حد تعبير “هايد ” الاخوان امبرياكو وبريمس امبرياتشي Embriaco Guillaume et Primus ، الذان سيكون لهما شأن في كونتية طرابلس.[7]وعادت الاوضاع بعد ذلك في جنوا الى ما كانت عليه ونشأت فيها حكومة جديدة شبيهة بحكومة القناصل ، رغم معارضة الاحزاب السياسية ورجال الدين.[8]ما دفعها للمشاركة الفعالة في الحروب الصليبية.وما تجدر ملاحظته ان تجارا جنويين كانوا قد قدموا الى بلاد الشام في العهد الفاطمي ، كما ان بعضهم كان اتى الى الاسكندرية والفسطاط بعد عقود على قدوم الفاطميين الى مصر في عام 969، ويؤكد ذلك نصوص ديوان التجارة الذي يشير الى رسوا سفن جنوية عام 1.7. في ميناء الاسكندرية.[9]مما يعني ان الجنويين تعرفوا الى اهمية التجارة المشرقية ، ما زاد باندفاعهم للمشاركة بالمشروع الصليبي.

   ب-  بيزا : كان وضعها مماثلا لوضع جنوا السياسي اذ بعد عدة صراعات بين الفيكونت ، الذين انضموا الى الكومون ، مع بعض الاسر البرجوازية ، اعترفت كل القوى المتنازعة في بيزا بسلطة القومون البرجوازيين بموجب ميثاق للسلام[10].

      وهكذا انتظم الوضع السياسي في الجمهوريتين جنوا وبيزا ، وصار بامكانهما دخول حلبة الصراع الاقتصادي والسياسي ، الذي كانت البندقية قد مارسته قبل ذلك التاريخ واقامت علاقات اقتصادية في اماكن عديدة في غربي المتوسط ، واخرى خجولة في المشرق العربي على ما يعتقد ” بالار ” [11] ، وعلاقات تجارية بارزة في القسطنطينية.

  ج- امالفي : لاتشير المعلومات التي تمكنت من الاطلاع عليها الى دور عسكري مهم لأمالفي كالادوار ، التي اطلعت فيها الجمهوريات الايطالية الاخرى ، انما دورها التجاري السابق للحروب الصليبية كان ، على مايبدو ، مهما.فهي كانت تربطها بالفاطميين علائق تجارية مهمة تعود الى عام 969 ، ويشير احد نصوص ديوان التجارة الى  وجود مئتي تاجر امالفي في القاهرة على حد تعبير كلود كاهين.[12]

   د- البندقية : كانت احدى اهم الجمهوريات الايطالية ، ووضعها السياسي مستقرا اجمالا قياسا بزميلاتها ، يحكمها دوق ، ويساعده مجلس – من البرجوازيين – ، وكانت تربطها علاقات تجارية مميزة بالدولة البيزنطية ، ولها اسواق فيها.ويرجح ميشال بالار ، انها كانت على علاقة تجارية مع الفاطميين او مع المشرق العربي عامة قبل عام 1095 [13].وقد يكون مرد تريثها بالمشاركة بالمشروع الصليبي الى عدم ترجيحها نجاحه الامر الذي قد يفقدها مركزها التجاري او يضعفه.

   ان التنافس التجاري بين الجمهوريات الايطالية ، وحاجة الفرنجة الملحة لقدراتها العسكرية البحرية جعلا العنصر البرجوازي الايطالي يدخل مسرح الحروب الصليبية من بابه الكبير. فانطلقت السفن الايطالية الاولى باتجاه المشرق العربي تحمل من ثغورها المؤن واسلحة الحصار والجنود الصليبيين[14] متوخية  ان يحتل الايطاليون المركز الاول في العملية التجارية بين الشرق والغرب. ان كل ذلك باعتقادي دفع الحكام الصليبيين لتقديم تنازلات مهمة للجمهوريات الايطالية ، التي كان حكامها مقتنعين بحاجة القادة والحكام الصليبيين لخدماتهم  لذلك كانوا يشترطون ، قبل الاقدام على تنفيذ اية مهمة ، ثمنا لمساعدتهم.وهكذا عقدوا معهم معاهدات لتحفظ لهم حقوقا مشروعة.وما يهمنا في موضوعنا هذا هي المعاهدات التي ابرمها حكام المدن اللبنانية الصليبيين ولاسيما طرابلس وصور وبدرجة اقل بيروت ، وجبيل ، وصيدا.

  • امتيازات الجنويين: ان معظم الابحاث التاريخية التي تناولت الحروب الصليبية تعتبر ان كل الجمهوريات الايطالية شاركت بالحروب الصليبية منذ انطلاقها ، انما الباحث المدقق يلاحظ تفاوتا بين تاريخ ودور وفعالية كل منها ، اذ لبت جنوا الدعوة مباشرة ، وتلتها بيزا ، وتريثت كل من البندقية وامالفي.ويبدو جليا ان العقدين الاولين من الوجود الصليبي في الشرق قد تميزا بالحروب ، التي ادت الى اقامة الحدود بين مدن الساحل – كل الساحل الفلسطين ، واللبناني والسوري – والمنطقة الداخلية التي كان يسيطر عليها الحكام المسلمون ، ما اعاق انطلاق الحركة التجارية في الثغور [15]. وقد يكون لذلك الامر دوره الفعال في حصول الايطاليين على امتيازات واسعة ومهمة ، وقد يفسر ايضا ما ذهبت اليه آنفا أي التباين في مباشرة الجمهوريات الايطالية الاشتراك بالحملات الى الشرق.

      حاولت جنوا ان تكون السباقة لتقطف ثمار مجهودها على حساب زميلاتها ، فلبت الدعوة مباشرة من خلال بعض برجوازييها ، انما حكومة ” الكومبانيا ” القناصل التي نشأت عقب ذلك اتخذت التدابير الضرورية لوضع الاساطيل الجنوية بخدمة الفرنجة.وقام الاخوان امبرياتشي بدور حاسم في هذا المجال ، وجهزا الات حصار بعض مدن الساحلية من خشبهما الخاص.ويمكن التأكيد مشاركة الجنويين الفعالة في العمليات الحربية ما بين 1098 و 1110 ما ادى الى حصولهم على امتيازات تجارية مهمة في الثغور الساحلية التي يهمنا منها طرابلس وصور وبيروت وجبيل وصيدا ، أي المدن الساحلية اللبنانية.[16]

   وقد وقع ملك القدس معهادة اولية مع الجنويين عقب احتلال يافا عام 1110، انما المعاهدة الاساسية ، التي اعتبرت المستند الرئيسي لكل الامتيازات الجنوية في المشرق العربي ، هي التي وقعت بين الجانبين المذكورين سنة 1104 ، مكافأة للجنويين ، الذين وضعوا اسطولا حربيا كبيرا في خدمة الملك بلدوين الاول ساهم بفعلية باحتلال عكا الميناء الذائع الصيت من حيث اهميته العسكرية والاستراتيجية ، وفي احتلال بيروت ايضا ، وقد اجازت للجنويين امتلاك كنيسة في عكا وثلث المدن التالية: ارسوف وقيسارية وعكا ، والتمتع بالسيادة الكاملة على شارع واحد في عكا وفي القدس ، وباعفاءات تامة من الضرائب والمكوس ، كما وعد الملك بتسليم الجنويين ممتلكات وسلع كل جنوي يتوفى في ارجاء مملكة القدس[17].وقد حرص الجنويون على نقش مضمون الامتيازات ، التي نالوها من بلدوين الاول ، خلف مذبح كنيسة القيامة ، بحروف مذهبة [18]، على الارجح كي لا يقدم الحكام الصليبيون في قابل الايام على التنصل منها.

    وقد تجددت هذه المعاهدة واضيفت اليها ملحقات او اضافات حتى بات الجنوييون يتمتعون باعفاءات ضرائبية على البضائع المستوردة من الاراضي الاسلامية ، كما حصلوا على محاكمهم الخاصة خصوصا في صور وفي عكا.[19]

    وحصل الجنويون في عهد يوحنا ابيلين حاكم بيروت على امتيازات مشابهة لما تمتعوا بها في عكا وصور اذ اعفوا من الضرائب والرسوم على الصادرات والواردات ، كما حصلوا على  محكمة خاصة بهم  , [20]  ، وسوق في بيروت نفسها[21]، مستثنيا بعض السلع من الاعفاآت الضرائبية مثل الخزف والزيت.[22] اما  الامتيازات الجنوية في طرابلس فقد تكون الاهم بين الامتيازات الاخرى التي منحها الصليبيون لهم ، بحيث ان الاخوين امبرياتشي مكنوا الصليبيين من احتلال مدينة جبيل سنة 1104 ، فمنحهم ريمون دي سانجيل ثلثها. ثم في عام 1109وقع خلاف بين برتران ابنه وابن اخيه وليم Guillaume كونت سردينيا ، وشارك الجنويون في هذا النزاع وآزروا الاول مشترطين عليه الحصول على جبيل كاملة ، وعلى ثلث مدينة طرابلس.وبانتصاره حصل على الارث ، واتم فتح المدينة ، ولكنه رفض تنفيذ المعاهدة فاحتل الجنويون كامل مدينة جبيل [23]. ولكن هايد يذكر ان برتران اعطى الجنويين ، عوضا عن ثلث طرابلس ، منطقة تعرف باسم ” جبل القائد العام – الهري-Puy de Connetable .[24] وفي سنة 1168 قدم آل امبرياتشي وتحديدا هيو امتيازات تجارية للجنويين تقوم على حرية التجارة والاعفاءات الضرائبية والجمركية[25].ولم يحصل الجنويون على امتيازات تجارية وضرائبية في طرابلس الا في مطلع القرن الثالث عشر في عهد بوهيمون الرابع بدءا من سنة 1205 الذي اعفاهم من ضريبة البيع في اسواق المدينة ، وسمح لهم بمحكمة خاصة بهم[26]

    على الرغم من مساهمة الجنويين في احتلال السواحل اللبنانية والفلسطينية فانهم لم يحصلوا في صور على امتيازات تجارية ، في بداية الامر ، على غرار امتيازات البنادقة ، لانهم لم يساهموا في احتلال المدينة. ولكن الصليبيين احتاجوا الى الخدمات العسكرية الجنوية لتحصين المدينة بعد هزيمتهم في حطين وخسارتهم القدس عام 1187 ، وبالتالي فقد حصلوا تدريجا على امتيازات شبيهة بما حصل عليه البنادقة في بداية العهد الصليبي ، اذ نالوا في بداية الامر محكمة خاصة بهم وسوق وابنية ، كما منحوا  حرية التجارة برا وبحرا. ويذكر الامير موريس شهاب ان كونراد دي مونتفرات ثبت الامتيازات المذكورة وعزز امتيازات الجنويين بمعاهدة جديدة من ابرز بنودها: الاعفاء من الضرائب على المكاييل والموازين ، وحصولهم على حقول متعددة ، وحمامين احدهما للنساء والآخر للرجال ، وفرن ، وسوق ، وعدد من المنازل فضلا عن ثلث عائدات مرفأ المدينة.[27]ويقول الياس القطار ، مستندا الى دسيموني  Desimoni ، انه بفضل دو شمباني حاكم صور اصبح للجنويين في صور محاكمهم الخاصة يتقاضون فيها  بكل ما يتعلق بشؤونهم بما في ذلك الجرائم ، ونالوا جزءا من مكوس الجمارك المفروضة على سلع العبور ( الترانزيت ) ، ولا يدفعون الضرائب على البضائع المعروضة في مخازنهم او المرسلة بطريق البر.[28]كما صار لهم مراكز صيرفة خاصة بهم ، وحمام ، ومجرى ماء لحاجياتهم.[29]ويعتبر انهم تمتعوا بكل تلك الحقوق مقابل حماية حاكم المدينة ، وترميم المرفأ ، وعلى الا يزيدوا طبقات منازلهم او يستحدثوا مسامك وملحمات في حيهم من دون ترخيص مسبق[30].

    البيازنة: من الواضح ان بيزا هي الجمهورية الايطالية الثانية التي وضعت قدراتها العسكرية في خدمة الفرنجة بعد جنوا ، وجاءت امتيازاتهم الاولى في امارة انطاكيا.[31] ومنحوا  امتيازات تجارية وضرائبية في مملكة القدس ، معظمها في المدن الفلسطينية [32].اما في عهد بلدوين الثاني ( 1118- 1131) فقد حصلوا على خمسة بيوت في صور، ووكالة تجارية قرب المرفأ[33] وفي عهد بلدوين الثالث وتحديدا في سنة 1156 على محكمة خاصة ،[34]ونالوا في المدينة عينها فرنا وخمسة افدنة من الاراضي خارجها[35].وكلما كانت تتعرض احدى المدن الصليبية الى خطر محدق يعمد حكامها الى تقديم تنازلات جديدة للايطاليين ، كما يحيون العمل بالمعاهدات السابقة التي كانوا قد اختزلوا عددا من مضامينها.ويتبدى ذلك عندما احدق الخطر بصور في عهد صلاح الدين الايوبي ، ولاسيما قبيل عام 1187  وخلاله ، بخاصة عندما  خسرالصليبيون القدس.لذلك يمكن ان يتوضح دور البيازنة التجاري في المدن اللبنانية من خلال معاهدة 1187 التي ابرمها مع كونراد دي مونتفرات حاكم مدينة  صور، وتضمنت ابرز بنودها :”منح البيازنة قطعة ارض لبناء البيوت قرب الموانىء فضلا عن حمامات وافران ، تعيين موظفين من قبلهم للاشراف على جميع المعاملات التي يقوم بها تجارهم[36] ، واعفاؤهم من الضرائب والرسوم ، ومنح القناصل البيازنة الاستقلال في ادارة كل ما يتعلق بشؤون المستوطنة البيزاوية ، منحهم ايضا سلطات قضائية على مستوطنيهم في كل الحالات ، ما عدا الجرائم الموجهة ضد غير البيازنة[37] ، حماية بضائعهم وممتلكاتهم في حال غرق سفنهم او تحطمها قرب السواحل الصليبية. كما نالوا فرنا وحماما وعدة منازل مع حقولها داخل المدينة.[38] مقابل تقديمهم المساعدة العسكرية لاسترداد مدينتي يافا وعكا من السلطان صلاح الدين الايوبي والدفاع عن مدينة صور ضد محاولات صلاح الدين للاستيلاء عليها[39].  كما حصلوا على حق استعمال المكاييل والموازين الملكية المعفاة من الضرائب .ويضيف القطار بان كونراد دي مونتفرات عزز امتيازاتهم بسماحه لهم العمل على ابواب المدينة وفي مرفئها وفي سوقها لمراقبة حسن استيفاء الضرائب ، واعفاهم ايضا من الضرائب على السفن الغارقة [40].وبذلك اضحت امتيازاتهم في صور تضاهي الى حد ، من حيث الاهمية ، مثيلاتها التي تمتع بها البنادقة والجنويين.

  ولم يحصل البيازنة على امتيازات  في مدينة طرابلس الا سنة 1179 حين وهبهم ريمون الثالث بيتا ،ثم حصلوا على محكمة خاصة بهم كما اعفوا من الضرائب الجمركية[41]

      البنادقة : منذ بداية حروب الفرنجة في الشرق تريث البنادقة فترة [42].ولما وقع امير انطاكيا في الاسر ، وازدادت هجمات الزنكيين ضد الفرنجة ارسل هؤلاء الى دوق البندقية يطلبون النجدة العسكرية على جناح السرعة ، كما تدخل البابا لدى البنادقة للغية عينها [43]، فلبوا  النداء، وقاد دوقها بنفسه اسطولا قوامه مئتا سفينة وانقذ موقف الصليبيين الحرج ، واحتلوا مدينة صور [44]، وبالتالي وقعت معاهدة 1124 بين البنادقة والبطريرك غورمون نيابة عن الملك المأسور، وهي تعتبر اساسا لكل المعاهدات والامتيازات البندقية في مملكة القدس ، وقد فصلها وليم الصوري بكل دقة : يمتلك البنادقة ملكا خالصا كنيسة وحيا وفرنا وطاحونة وساحة في كل مدينة وبارونية خاضعة لبلدوين الثاني وخلفائه.ولهم حق استخدام مكاييلهم وموازينهم ، الا اذا اشتروا سلعا من تجار آخرين ، ومنحتهم المعاهدة استخدام محاكم خاصة بهم يحتكمون اليها الا في حال حصول خلاف بين البنادقة وآخرين فيخضعون عندها لمحاكم الملك.واعفتهم ايضا من الرسوم والضرائب على انواعها في التصدير والاستيراد والمكوث في المملكة ، واستثنت منها الضرائب على نقل الحجاج .كما اقرت لهم بوراثة كل تاجر يتوفى في المملكة ، كما سلع السفن التي تغرق او تتحطم في موانئ مملكة القدس. ومنحتهم ايضا ثلث مدينة صور  وملحقاتها ملكا تاما ، واوجبت على الملك دفع مبلغ 3.. دوكة لدوق البندقية من عائدات مرفأ صور.[45] اما اولى المعاهدات التي وقعت بين الجانبين فكانت في عهد غودفروا دي بيون في تموز عام 1100 عندما قدم اسطول بندقي الى الشواطئ الفلسطينية وتوقف قبالة شواطئ يافا ، وطالب البنادقة مقابل خدماتنهم التي قاربت الشهر عقد معاهدة حصلوا فيها على اعفاء من الرسوم والضرائب الجمركية في مملكة القدس ، وثلث كل مدينة يساهمون في احتلالها، فضلا عن سوق وكنيسة   [46]

بيروت والبنادقة منحهم حنا ابلين حاكم بيروت تشجيعا لتجارة المدينة حقوقا تجارية وامتيازات نصت على الاعفاء من الضرائب الجمركية على بعض السلع.[47]

 جاليات اخرى : حصلت بعض الجاليات الافرنجية والايطالية على بعض الامتيازات التجارية انما في وقت متأخر اذ منح منح كونراد دي مونتفرات الكتلانيين ، وتجار مرسيليا ومونبليه اعفاء من الضرائب على تجارتهم ، وكذلك على موازينهم ومكاييلهم[48] .

 التنافس التجاري وعلاقة الجاليات الايطالية بالحكام الافرنج: ومن الواضح ان الايطاليين لم يتمتعوا بكامل الامتيازات التي نالوها من الفرنجة اذ عمد هؤلاء الى المراوغة للتملص من تنفيذ بنود المعهدات ولا سيما في الفترة التي تلت الاحتلال الفرنجي للمدن الساحلية على امتداد الشواطئ من فلسطين الى اعالي سورية ، وعمد بعض الملوك والحكام في طرابلس وصور وجبيل وبيروت وصيدا – وهي المدن التي تعنينا في هذا البحث- الى التلاعب بمضامين المعاهدات المتعاقبة تحصينا لمواقعهم الاقتصادية وكي يقاسموا الايطاليين الارباح.[49] وتعتبر الامتيازات التي نالها الفرنجة في القرن الثالث عشر تكملة لما كانوا قد حصلوا عليه سابقا منذ مساهمتهم العسكرية الاولى في القرن الحادي عشر انما طرأعليها تحول اثناء حملات صلاح الدين الايوبي التي استرد خلالها بعض المدن وهدد المدينتين اللبنانيتين الرئيسيتين طرابلس وصور [50]، وبالتالي عمد الايطاليون الى الابتزاز كي يعيد الفرنجة العمل بالمعاهدات الاولى وللحصول ايضا على امتيازات جديدة كي يمكن تأمين الحماية العسكرية ليس للمدينتين المذكورتين فحسب بل ايضا لاسترداد المدن التي استولى عليها صلاح الدين.

   ويمكن تسجيل اكثر من ملاحظة في هذا الشأن: ادراك الفرنجة خطورة مشاركة الايطاليين لهم في حكم المدن الساحلية عموما ومنها المدن اللبنانية على اسس فيودالية مما كان يفقدهم دور الريادة والقيادة السياسية ، وقد ادت الامتيازات الى قيام نوع من حكم اقليات ضمن مملكة القدس واماراتها ولا سيما في جبيل ،وفي احياء طرابلس وصور وبيروت التي تقاسمتها الجاليات الايطالية الجنوية والبيزية والبندقية.[51]وان نظرة على الجهازالاداري للجاليات ايطالية في المدن اللبنانية الرئيسية تعطينا فكرة واضحة عن فعالية ذلك الجهاز ، وعن دوره في تقاسم السلطة مع الحكم الصليبي الفرنجي. خصوصا ان الجمهوريات الايطالية ، بعد ان انتزعت الامتيازات من الفرنجة ولاسيما امتلاك الاحياء والمشاركة بالاشراف على الجمارك ، والحصول على محاكم خاصة الخ…، ادركت اهمية ادارة جالياتها في المشرق العربي ،فعينت كل منها مديرا يشبه عمل القنصل اليوم ولقب بلقب خاص. فعرف البندقي بلقب بايلو Bailo وكان مركزه في عكا ويساعده مساعدون في المدن الصليبية الاخرى عرف الواحد منهم بلقب فيكونت [52] ، اذ توجب على كل جالية تملك ثلث المدينة ان تعين عليها حاكما ، وقاضيا ، كانت الدجمهورية التابع لها تدافع عن الحاكم ضد اية اعتدآت[53].ولينا نموذج واضح علىذلك ، اذ عينت جنوا ، عندما امتلكت ثلث جبيل ، اسمه انسالدو كارسو[54]. وقد تمتع البايلو بصلاحيات واسعة جدا: مثل عقد المعاهدات بالنيابة عن دوق البندقية ، والاحتجاج لدى المراجع الصليبية كلما دعت الحاجة الى ذلك ،  وكان يعتبر المرجع الرئيسي لكل الموظفين البنادقة في صور وطرابلس وبيروت وغيرها من المدن الصليبية [55]، ويجهد كي لا يتلقى رعاياه امرا او يلتمسوا عدالة من موظفي الدولة الفرنجية[56].  وكان للبيازنة موظف كبير يدير شؤونهم عرف بالقنصل وكان مركزه في عكا.[57]اما الجنويون فقد احتكر آل امبيرياتشي ادارة جالياتهم لمدة طويلة اي لغاية عام 119. وكان مقرهم في مدينة جبيل.[58]وثم مارس الحكام الجنويون هذا الدور فعينوا قنصلا لتولي المهام الادارية كلها وفيكونتا لتولي الامور القضائية[59] ، وبما ان طرابلس شكلت مركز الثقل التجاري للجنويين ، عينت فيها جنوا فيكونتا تلي رتبته الفيكونت الاعلى[60]. ومنذ عام 1274 استبدل القنصل ب بودستا وحل مكانه في جميع صلاحياته واستقر في مدينة صور.وكان عمل ممثل الجاليات يشبه الى حد كبير دور البايل البندقي ، وبالتالي تعددت الصلاحيات في المدينة الواحدة ، وتضاربت مع الوظيفة الاساسية للحاكم الصليبي ، وادى الى مشاكل جمة ، وكادت السلطة الرئيسية تضيع في خضم تلك الصلاحيات المتداخلة ، ولاسيما ان كل جالية جهدت لتأمين مصالحها التجارية والسياسية.

 ان كل ذلك ، فضلا عن السيطرة الايطالية العسكرية وحاجة الفرنجة المستمرة لهذ القوة العسكرية افقدت الصليببين القدرة على رعاية التجارة بحيث انهم فقدوا السيطرة على التجار الذين ،وفقا لاحكام المعاهدات التجارية، احتكموا الى محاكمهم الخاصة ، وعاشوا في احيائهم الخاصة ، التي كانت ادارتها محض ايطالية  ، وبالتالي فقدوا القدرات الاقتصادية ، التي كان يمكن لو تمتعوا بها بطريقة صحيحة الاستغناء تدريجا عن الوصاية الايطالية.ولعب ايضا في هذا الشأن تصادم مصالح الحكام الصليبيين في ما بينهم من جهة ، ومع ملك القدس من جهة ثانية ، مما زاد الارباك السياسي ، والحاجة الماسة للقدرة العسكرية الايطالية ، التي تماهت في ذلك الصراع جريا وراء مصالح كل جالية ، ما ادى للاحتكام للسيف ، وتاليا تعرض الجالية المنهزمة لفقدان امتيازاتها.

  وعليه يصعب ادراك ابعاد الحركة التجارية الايطالية في المشرق العربي عموما وفي المدن اللبنانية خصوصا الا من خلال التنافس التجاري والعسكري المنوه عنه آنفا. ومن الامثلة على ذلك الصراع الذي حصل ما بين  1190 و1192 بين غي دي لوزنجيان وكونراد دي مونتفرات على عرش مملكة القدس بحيث جهد كل منهما للتحالف مع القوى العسكرية التجارية الايطالية عن طريق تقديم امتيازات جديدة لمن يؤازره. فدعم البيازنة غي ، في حين آزر الجنويون كونراد ، وبانتصار الاخير طرد البيازنة [61]من صور. وتجدد الصراع على العرش عينه ما بين 1193و 1195 بين غي دي لوزنجيان حاكم قبرص وهنري شمبانيا متولي صور الذي آزره الجنويون فما كان من هنري الا ان طرد البيازنة من صور ولم يتمكنوا من العودة الى احيائهم الا بعد ان وقع الصلح بين الطرفين عام 1195[62]

طرابلس:لم تتمركز الجاليات الايطالية بالمدينة فعليا الا في مطلع القرن الثالث عشر او بعيده، ومرد ذلك الى ان حصول الايطاليين على الامتيازات فيها جاء متأخرا قياسا بالمدن الاخرى.

جبيل : سقطت جبيل عام 1187 بيد صلاح الدين واسر صاحبها (من آل امبرياتشي)،وتم استرداد المدينة عام 1193 وعلى الرغم من بقائها تحت سيطرة آل امبرياتشي ،وعلى الرغم ايضا من ان الجاليات الايطالية فيها كانت معفية من كامل الرسم والضرائب ،الا ان تلك الاسرة غدت تابعة لحكام طرابلس.

صور: كان ميناؤها افضل من ميناء عكا لانه يتسع لمعظم انواع السفن[63].وعلى الرغم من ان فيليب دي مونتفرات طرد البناقة منها وعلى الرغم انهم لم يتمكنوا من العودة اليها الا عام 1277 فانهم استمروا في سك الدنانير الذهبية التي تحمل شعائر اسلامية لانها تجلب التجار المسلمين اليها وتسهل التعامل التجاري[64]. وازدادت اعداد الجاليات الايطالية فيها بعد عام 1187 حين حصل الجنويون والبيازنة على امتيازات تجارية وفيرة. وغدا الجنويون اكثر الجاليات الاخرى نشاطا واهمية بسبب مساعدتهم لحكام صور واستمر الامر على هذا النحوا الى حين الجلاء الصليبي عن الشرق

الطرق والسلع التجارية

الطرق التجارية الرئيسة: كان في العصور الوسطى ثلاث طرق رئيسة تربط الشرق الاقصى بالمشرق العربي تراوحت المخاطر عليها تبعا للظروف السياسية والعبات الطبيعية. كان الطريق الاول بحري ينطلق من الصين مرورا بالهند فالخليج العربي حيث يتفرع باتجاهين: غربا الى دمشق، وشمالا الى ديار بكر[65]. اما الثاني فيأتي ايضا من الشرق الاقصى عبر المحيط الهندي الى البحر الاحمر، ثم يسلك اتجاهين: عبر سيناء الى دمشق فموانئ الساحل الشامي، او الى القاهرة[66]. وكان الثالث بريا عبر الهند وجبالها وهو لا يعنينا اجمالا في هذا البحث.

وقد تعددت المحطات التجارية البحرية والبرية على هذه الطرق مما سهّل عبور القوافل عليها[67]. وقد أمّنت تلك الطرق والمحطات بانتظام وصول سلع الشرق الاقصى الى موانئ ساحل بلاد الشام ومدنها الداخلية، وكذلك السلع الاوروبية باتجاه الشرق الاقصى. وحرص الحكام في منطقة الخليج العربي ومنطقة الحجاز على ان تبقى الطرق الرئيسة خفية على التجار الافرنج على اختلاف جنسياتهم، ومنعوا على الحكام الافرنج ايضا عبور تلك المنطقة.

طرق القوافل او الداخلية : ان الطرق الداخلية التي كانت تربط المدن الداخلية في بلاد الشام والمشرق العربي عموما بالمدن الساحلية كانت متعددة سنركز على ابرزها. الطريق الآتي من الفسطاط( مصر القديمة) الى دمشق مارا بالرملة وطبرية ومنها الى الموانئ الرئيسة على الساحل التي يعتبرها ابن خرداذبه المخرج الطبيعي لتجارة بلاد الشام[68]. وكانت حلب وفق ناصر خسرو ملتقى الطرق التجارية الواصلة اليها من مناطق مختلفة ومنها الى دمشق فبيروت، او الى حمص فطرابلس، لأن حمص كانت بدورها محطة إلتقاء عدد من القوافل القادمة اليها من الرقة والفرات بمحاذاة الصحراء [69]. ويتفرع طريق حماه باتجاهين: احدهما باتجاه الساحل غرب الشام الى عرقة فطرابلس، والآخر جنوبا الى دمشق[70]. ولشدة اهمية الطريق الذي ينطلق من حلب الى دمشق او بالعكس فقد خصّه ابن جبير المعاصر للافرنج بوصف مهم لشدة ازدهاره:” تقيّد اسواقها – اي حلب- الابصار حسنا وعجبا، ومليئة بالحوانيت، واكثر حوانيتها من خشب بديع الصنعة…ومنها الى قنسرين، فمرواحين وفيها خان كبير…يعرف بخان التركمان،  وخانات هذا الطريق كأنها القلاع امتناعا وحصانة، وابوابها حديد…ومنها الى ثمنى وفيها ايضا خان…فبلاد معرّة النعمان فجبال لبنان او الى اللاذقية…ومن معرة النعمان الى حماه…ثم الى حمص فبعلبك…الى بيروت…والطريق من حمص الى دمشق قليل العمارة…”[71].

يمكن الخلوص من وصف ابن جبير الى كثرة الخانات[72]، وسهولة عبوره بسبب التسهيلات الكثيرة عليه هو ومتفرعاته، وامكانية التبادل التجاري في خاناته، او التزود بسلع جديدة، وتؤشر كثرة الخانات الى شدة ازدهار الطرق المذكورة. وقد وصف ابن جبير الطرق البرية التي تصل الى صيدا وصور وعكا: فالقوافل كانت تنطلق من مصر عبر طبرية الى دمشق ومنها الى دارية، فبانياس، ثم الى تبنين حيث كانت السلع تمكس، ومنها الى عكا، ثم الى اسكندرونة فالى صور[73].

ويتبيّن من دراسة طرق القوافل ان دمشق وحلب كانت تزخران بمختلف انواع السلع، ومن ابرز المراكز التجارية الداخلية التي كانت مستودع السلع القادمة اليها عن طريق مصر أكانت مصرية المصدر او من الشرق الاقصى. وكانت الموانئ بخاصة اللبنانية منها ولا سيما صور وطرابلس وصيدا من ابرز الموانئ التجارية والعسكرية على حد سواء. ولعل صور وفق معظم المؤرخين كانت الاهم والاوسع بينها، اذ كان لها ميناآن داخلي وخارجي، الاول لاستقبال السفن الصغيرة لأن الكبيرة قد تتعرض للعواصف من دون امكانية حمايتها، على عكس الثاني الذي كان يفوق ميناء عكا اتساعا ويستقبل السفن من مختلف الاحجام، وكان يشكل مأوى امينا لها.[74]

كانت تخضع لكونتية طرابلس عدة مرافئ ما كان يسهل الاعمال التجارية فيها تتلائم مع كبر السفن واحجامها مثل طرطوس[75] ، وجبيل المخصص لاستقبال السفن الصغيرة ،[76] وميناء طرابلس نفسها تلك المدينة الشديدة التحصين باسوارها العالية الذي كان يستقبل السفن من مختلف الانواع والاحجام[77]. ولم يكن ميناء بيروت من الاهمية الكبرى ليضاهي موانئ طرابلس وصور وعكا، بل كان يستقبل السفن المتوسطة الكبر و، وكانت تكمن منزلته بانه كان ملتقى التجار من حلب ودمشق وبعلبك[78].

وهكذا لعبت الموانئ المشرقية المتوسطية التي كان يسيطر عليها الافرنج دورا اساسيا وبارزا في التجارة التي مارسها الايطاليون بوجه الخصوص مستفيدين من الامتيازات التجارية التي حازوها اثناء تكوين مملكة القدس والكونتيات والامارت الاخرى او السنيوريات التي كانت خاضعة لمملكة القدس اللاتينية. فقد فريدة من حيث قرب بعضها من البعض الآخر اذ كان النجدة تأتي لاي ميناء يتعرض الى الخطر من الموانئ الاخرى، ولسهولة وصول التجار اليها اما بحرا او عبر القوافل، اما وسطاء للتجار الايطاليين وغيرهم من الاوروبيين، او للتجار المشارقة او للقيام باعمالهم التجارية الخاصة. ناهيك بالامان الطبيعي الذي حبته لها الطبيعة من شمالي لبنان حتى مشارف عكا اذ تحيط بها الجبال مكونة لها حصونا طبيعية صعبة الاختراق.

الصادرات : كان طلب الاوروبيين على السلع في المشرق العربي شديدا أكانت منتجة فيه او مصدرة اليه من الشرق الاقصى وبلاد فارس.وقد اورد بيرين Pirenne ثبتا بابرز السلع المشرقية : الارز ، الليمون ، المشمش ، الزبيب ، العطور ن الادوية ن الاصباغ ، الاخشاب الممتازة كالصندل … والقطن الذي اعطى اسمه العربي الى كل اللغات ، والحرير الخام . هذا اضافة الى انواع من الملبوسات ، التي عرفت باسماء مصادرها ، مثل الدمسق نسبة الى دمشق ، و بلدكان BALDAQUIN نسبة الى بغداد ، والموسلين نسبة الى الموصل ، وgaz  نسبة الى غزة [79].هذا فضلا عن اقمشة  Samit و Camelot وانسجة سميكة من وبر الجمال او الماعز او الصوف ، والصابون والاواني النحاسية المكفتة.[80]ناهيك عن المسك ، وخشب الصبر ، والبهار ، والهال ، والقرفة ، والخولخان[81]، وجوز الطيب ، والكافور ، والقرنفل ، والتين واللوز ، وقصب السكر ، والنبيذ ، والسمسم ، والثمار الزيتية ، والنيلة ، والفوة[82]، والخزف والزجاج.[83]

اما سلع الشرق الاقصى التي كانت تصدر الى اوروبا فقد ذكرها كل من ابن خرداذبة والادريسي. وهي مواد طبية مثل القسط والبقم[84]، والبهار والقنا [85]، والخيزران ، والعود[86]، والعنبر الطيب الرائحة تزن الواحدة منه ما يقارب القنطار احيانا ، واللؤلؤ ، والياقوت ، والماس ، والزمرد ، والاحجار الكريمة ، واصناف عدة من العطر والبلور[87].  كانت المنسوجات الحريرية من ابرز الصادرات الى الغرب الاوروبي، وقد تميزت طرابلس بهذه الصناعة خلال العصور القديمة و الاسلامية والبيزنطية وخلال العصر الصليبي ايضا [88].وكان في طرابلس وحدها حوالى اربعة آلاف شخص يعملون في صناعة الحريرخلال القرن الثالث عشر [89].وكان في صورمصانع للحرير شهيرة ولاسيما صناعة الحرير الابيض الذي شكل مصدرا رئيسا للحي البندقي فيها الذي كان يصدر الى الغرب الاوروبي [90]،   ونقلت الى المدن الصليبية وبخاصة اللبنانية منها الاقمشة الحريرية والمنسوجات الاخرى على اختلاف انواعها من المدن السورية ولاسيما دمشق وصدرت منها الى اوروبا[91] . وقد احتل الزجاج الصوري المرتبة العالمية الاولىمن حيث جودته [92]. ، ولاسيما ان صور اشتهرت بمصانع الزجاج التي كان يديرها اليهود ، وقد خصص فيها ربض لصناعة الزجاج الجيد والفخار ايضا على حد تعبير الادريسي.[93] وقداشتهرت صور بصناعة متنوعة للزجاج كالزهريات الشفافة والفائقة الجودة لاستخدام الصوريين مواد اولية ممتازة مستخرجة من المدينة عينها كالرماد مثلا[94] ، وقد كان يصنع ايضا في طرابلس وصيدا بطريقة ممتازة وان لم يكن يضاهي الزجاج الصوري[95] ، وكان قصب السكر يزرع بكميات وافرة في بساتين صيدا وصور وفي طرابلس[96] وصناعة السكر كانت من الصناعات الرئيسية في صور. وكانت معاصره منتشرة داخل المدينة يملك بعضها الملك وبعضها الآخر البنادقة والجنويين[97] ، كما دخلت صناعته في تركيب الادوية. وصدرت المدن اللبنانية زيت الزيتون الذي كان يطلق عليه الصليبين الزيت الطيب والذي كان يجلب اليها من مناطق متعددة كالخليل ونابلس.[98] وتميزت صور ايضا بصناعة الاقمشة البيضاء الممتازة الصنع والباهظة الثمن ولايصنع شبيه لها في سائر البلاد المحيطة بصور وكانت تحمل الى كل الآفاق.[99]وقد اشتهرت صور بعدد آخر من الصناعات ذكرها الامير موريس شهاب مثل صناعة المصاغ والحلي على انواعها.[100]

  الواردات:  ان السلع التي صدرها الايطاليون الى المدن الصليبية كان قسم منها للاستهلاك المحلي والقسم الاخر لاعادة التصدير للداخل المشرقي الى اسواق مصر وسوريا وفلسطين بواسطة الصليبيين انفسهم او بواسطة تجار مشرقيين[101].وبعض هذه السلع تولى تصديرها تجار مشرقيين الى الشرق الاقصى.اما اهم السلع التي صدرها التجار الايطاليون الى الشرق فهي: الاخشاب والاسلحة ولاسيما الخوذ[102] والسيوف [103]،والرقيق وقد شكلت صور احد اهم اسواقه [104]، والاقمشة على اختلاف انواعها ومن مصادر متعددة :ايطالية وفرنسية.[105]     الصادرات الصليبية: نقل الصليبيون السلع المشرقية الى الغرب الاوروبي ولاسيما الصناعات التي اشتهرت بها المصانع في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان.فقد نقلوا من مصر اما عبر الاسكندرية او من الموانئ اللبنانية المنسوجات الكتانية التي اشتهرت بصناعتها المدن المصرية مثل تنيس ودمياط والاسكندرية والفرما وغيرها[106] اضافة الى المنسوجات الحريرية والقطنية والصوفية.[107] وتعرف الايطاليون الى اهمية الشب في الصباغة وغدا استخدامه ضروريا في الصناعة الاوروبية.[108] كما نقلوا ايضا من مصر الزمرد[109] ، كما جلبوا منها قصب السكر والسكر.[110]

  الضرائب : ان مسألة دفع الضرائب في الموانئ الفرنجية خضعت لعملية مد وجذر تبعا لحاجة الفرنجة الى الخدمات الايطالية العسكرية،وبالتالي لم تنفذ بنود المعاهدات التي تحدثنا عنها الا كيفيا ان جاز التعبير.انما من الواضح وفق المصادر والمراجع الصليبية كانت السفن عندما تصل الى قبالة اي ميناء صليبي تخضع للتدابير التالية : تقرع الاجراس اعلانا لوصولها،ويتوجه نحوها قارب صغير لارشادها للمكان المخصص لرسوها ، او تعمد عدة قوارب صغيرة لتفريغ حمولتها ونقلها الى الشاطئ. اي يكن التدبير التي كانت تخضع له السفينة من التدابير التي ذكرت ،كان يتبعها المراحل الاربع التالية: انزال البضائع، ثم تسجيلها في الدوائر المختصة منعا للتلاعب ،وبعد ذلك تخزن البضائع، واخيرا تتم عملية البيع ،وهذه العمليات الاربع ادت الى تنوع الضرائب وتعددها بحيث دفع التجار الايطاليون الضرائب التالية : الرسو، والميناء ،والمبادلات التجارية او حركة السوق من بيع وشراء واخيرا ضريبة العودة او مغادرة السفينة الميناء[111] .وقد عمد المؤرخ البريطاني الحديث ماير Mayer  بالاستناد الى مصادرة متعددة الى تحديد الى حد بعيد قيمة الضرائب التي دفعها الايطاليون في الموانئ الفرنجية وهو ميز بين الضرائب على السلع بحيث استوفى الصليبيون ضرائب مرتفعة على السلع المعدة للاستهلاك المحلي فوصلت قيتها الى 15% ،في حين تراوحت قيمة الضرائب المعدة لاعادة التصدير والتي جلبها الايطاليون بين 6،4 و2،11 % من قيمتها الاصلية.

  وكما ذكرنا سابقا فان اهم مرفأين لبنانيين في العهد الفرنجي تمثلا بطرابلس وبصور، ولم يكن فيهما على ما يبدو مراكز للضرائب على السلع المشرقية ،فالسلع القادمة الى صور كانت تخضع للضرائب في حصن هونين التابع  لملك القدس[112].

     التنظيمات التجارية :


[1] – هايد ، تاريخ التجارة في الشرق الادنى في العصور الوسطى ، تعريب احمد محمد رضا ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة ، 4اجزاء ،  ج1 ، ص 146

[2] – سلاجقة ، فاطميون ، ايوبيون ومماليك

[3]  – هايد ، تاريخ التجارة في الشرق الادنى في العصور الوسطى ، تعريب احمد محمد رضا ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1985 ، 4اجزاء ، ج 1 ، ص 149

[4] – زيتون عادل ، العلاقات الاقتصادية بين الشرق والغرب في العصور الوسطى ، دار دمشق ، دمشق ، 1098 ، ص 55 – 56

4-0Byrne , E. H. , Genosese Shipping in the twelfth and thirteenth centuries , Cambridge , 1930 , pp. 5-6

[6]  – هايد ، المرجع السابق ، ج 1 ، ص 146

[7] – المكان عينه

[8] – بالار ( ميشال ) ، ” الجمهوريات البحرية الايطالية والتجارة في الشام- فلسطين ، من القرن الحادي عشر الى القرن الثالث عشر ” ضمن كتاب الصراع الاسلامي – الفرنجي على فلسطين في القرون الوسطى ، تحرير هادية الدجاني شكيل و برهان الدجاني ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت ، 1994 ، ص 182- 183 

[9] – Ashtor , E. , A Social an Economic History of the Near East in the Middle Ages , London , 1977 , pp. 196, 353

[10]  – هايد ، ج 1 ، ص 146

[11] – بالار ، الجمهوريات البحرية ، ص 183

[12]   Cahen , C.,” Le commerce d’Amalfi avant pendant et apres la croisade “Comtes-rendus de l’Academie des Inscriptions et Belles Lettres , Paris , 1977 , pp. 29 – 31. , p. 295

[13] – بالار ، الجمهوريات البحرية ، ص 184

[14] – Recuil des Historiens des croisades , Lois , 2 T. , T.I , Assises de Jerusalem , publie par le conte

Deugnot , T.I , pp. 276 , 29.

[15] – Cahen , C. , Orient et Occident : au temps des croisades , Paris , Aubier , 1983 , p. 1.7

[16] – Ibid , p.p. 78 – 79 

[17] – Wiilliame of Tyre , A History of deeds done beyond the sea , II vols , translated by Bebcok and Kery , Newyork , 1943 , v I , p. 434 – 438 , 454 – 456

[18] – هايد ، ج 1 ، ص 152

[19] – Lamonte , J. L. ,Feudal monarchy in the Latin Kingdom of Jerusalem 11.. – 1291 , Cambridge , Massachusetts . 1932 , p. 264 – 265

[20]   Novar , Philip de , The wars , of Frederick II , against the Ibelins in Syria and Cyprus , translated by Lamont J. I. , New york , 1936 , pp. 136 , 144

[21] – William of Tyr, op. Cit 456

[22] – Novar , op. Cit. P 136

 [23] Lamonte , J. L., Feudal minarchy in the latin kingdom of Jerusalem , 11.. to 1291 , Cambridge , Massachusetts , 1932 , p 229

[24] –    هايد ، تاريخ التجارة ،  ج 1 ، ص 162

  [25] Lamont , feudal , p. 269

[26] – القطار، الياس ، المجتمع في صور في العهد الفرنجي ، ضمن كتاب وثائق المؤتمر الثاني لتاريخ مدينة صور ، 1998 ، ص 123

[27] Chehab,M., Tyr ‏à l’époque des croisades histoire religieuse et economique, ed. Maisonneuve, T2, Paris,1979,pp. 362-372 

[28] – القطار ، الياس ، المجتمع في صور ، ص 124 – 125

[29] – المكان عينه

[30] – القطار ، المرجع السابق ، ص 125

[31] – بما ان بحثي لا يتناول الا المدن اللبنانية فلن اتحدث عن الامتيازات التي نالها البيازنة في امارة انطاكيا التي فصلها كل من : Nicholson , R. . L. , Tancrad , Chicago , 194. , pp. 166.  و Lamonte , Feudal , p. 27. ، وهايد ، ج1 ، ص 154 – 155

[32] – لمزيد من التفاصيل انظر : زيتون ، العلاقات الاقتصادية ، ص 135

[33] – القطار ، المجتمع في صور ، ص 125

[34] – Lamonte , Feudal monarchy , p 269

[35] – القطار ، المجتمع ، ص 126

[36] – Chehab , Tyr , tII , p 362-372

[37] – زيتون ، المرجع السابق ، ص 137 – 138

[38] – القطار ، المجتمع ، ص 126

[39] – هايد ، ج1 ، ص 148 ، و زيتون ، المرجع السابق ، ص 137 – 138

[40] – القطار ، المجتمع ، ص 126

[41] –     – Lamonte , Monarchy , p 271

[42] – انظر ما سبق

[43] – هايد ، ج1 ، ص 155

[44] – هايد ، ج1 ، ص 157

[45] – Guillaume of Tyr , op. Cit. , I , 552 – 556 ، وليم الصوري ، تاريخ الحروب الصليبية ، ج1 ، 702 ، وهايد  ، ج1 ، ص 166

[46] – الصوري ،( وليم ) ، تاريخ الحروب الصليبية ، ترجمة سهيل زكار ، بيروت ، 199. ، جزءان ، ج1 ، 6.1 ، وانظر ايضا ،

Nicholson , r. l. , Tancred , Chicago , 1940 , p 113

[47] – Riley- Smith ,” Governent , in latin Syria and the commercial privileges of foreign merchants “, in the relathons beween east west , Edinburgh , 1973 , p 11.

[48] Richard , J. ,Le Royaume gatin de Jerusalem , Paris . 1953 , p. 225

[49] -Riley-Smith , The feudal nobility and the kingdom of Jerusalem 1174- 1277, London , 1973 ,pp. 67-68

[50] – ابن الاثير ، عز الدين ، الكامل في التاريخ ، ج9 ، ص 179-182

[51] – Riley-Smith , feudality , pp. 67-68

[52] – Novar , op. Cit. , pp. 205

[53] – هايد ، ج1 ، ص 17.

[54] – المكان نفسه

[55] -Lamonte , Feudal , p. 234

[56] – بلار ، الجمهوريات البحرية ، ص 194

[57] – Riley-Smith , nobility , p. 7.

[58] – Mayer , H. E., The crusades , Oxford , 1972 , p 175

[59] – Novar , op. Cit. , p 208

[60] – Brousset , R. , L’Empire du Levant , Payot , Paris , 1979 , p 53.

[61] – Flemhng , W, B. , The history of Tyr , Cogombia , 1915 , pp. 1.7- 11.

[62] – ibid

[63] – ابن بطوطة ، الرحلة ، ص 62

[64] – Mayer , Crusades , p 163

[65] – فهمي، نعيم زكي، طرق التجارة الدولية ومحطاتها بين الشرق والغرب، الهيئة المصرية العامة العامة للكتاب، القاهرة، 1973، ص 124 .

ضومط، انطوان، الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، دار الحداثة، ط1 بيروت، 1980، ص182

[66] – فهمي، طرق، ص 124

ضومط، الدولة، ص 182

[67] – لمزيد من التفاصيل انظر:                                                                                           Heyd, T I, p. 457, II p.58

Depping, Histoire du commerce entre le Levantet l Europedepuis les Croisades des colonies d Amerique, t II, Paris, 1865, pp. 76-77, 102-103

اليوزبكي، توفيق اسكندر تاريخ تجارة مصر في عصر المماليك، الموصل، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، 1975، ص 73-77

ضومط، الدولة، المملوكية، ص 184-189

[68] – ابن خرداذبه، المسالك والممالك، تحقيق محمد مخزوم، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1988، ص74-76 

[69] – خسرو، سفر نامة، 46-47

الادريسي، ابو عبد الله محمد، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، طبعة نابولي-روما، ج2، ص137

[70] – خسرو، سفر، ص46-47

[71] – ابن جبير، محمد بن احمد، الرحلة، دار صادر، بيروت، 1983، ص227- 233

[72]  – والخان هو محطة تجارية للتجار الشرقيين، وهو يتألف من مجموعة ضخمة من الحوانيت والمستودعات التجارية، في وسطها بهو كبير مسقوف معد لحفظ سلع التجار. وفي الخان يرتاح التاجر ويريح دوابه، ويمكنه المبيت فيه، وان اراد اكمال رحلته مباشرة ان يفيد من سبيل الماء والحانوت الواقعين خارج الخان حيث يستطيع التزود بما يشاء. انظر ابن بطوطة، محمد بن عبد الله، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاقطار، المطبعة الاميرية، القاهرة، 1923، ج1، ص 43.

ضومط، الدولة المملوكية، ص210-211   

[73] – ابن جبير، الرحلة، ص 272-274، 282

ابن بطوطة، عجائب، ص 62

[74] – المصدر السابق، ص 62

رانسيمانز، ستيفن، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة السيد الباز العريني، بيروت، 1967-69، ج3، ص61

Ziadeh,N, Urban life in Syria under the early Mamluk, Beyrut, 1953, pp. 135-136

[75] – الادريسي، ج1، ص358 -359

[76] – المصدر السابق، ج1، ص 365

[77] – المكان عينه

[78] – Heyd, t I, pp.459-460

Depping, T I, p. 96

Pirenne , H. , Histoire economique et sociale du Moyen-Age , Presse universitaire , Paris , 1969 , p 122

[80] –  Grousset , op. Cit. , pp. 323 – 324

[81] هو نبات طبي من فصيلة الزنجبيل

[82] – هي عشبة يستخرج من جذورها مادة عشبية تستعمل في صناعة الصوف والحرير

[83] – هايد ، تاريخ النجارة ، ج1 ، ص 176 – 177 و 188 – 189 و 191

[84] – دواء يستخرج من سم الافاعي

[85] – قصب يصنع منه الحصر

[86] – ابن خرداذبه ، المسالك والممالك ، تحقيق محمد مخزوم ، دار احياء التراث العربي ، بيروت ، 1988 ، ص 62 – 63

[87] – الادريسي ( ابو عبدالله محمد ) ، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ، طبعة نابولي-روما ، دون تاريخ ، ج1 ، ص 64 – 66 ، 68 –69 ، 73 – 74 ، 77 ، 81 – 82 ، 84 ، 88 ، 91 – 92 ، 99

[88] – Prawer , J. , The latin , kingdom of Jerusalem , London , 1972 , p 393

[89] – زيتون ،  ص 172- 173

[90] – الطليطلي ، بنيامين ، رحلة الطليطلي ، ترجمة عازار حداد ، بغداد ، 1945 ، ص 92

[91] – زيتون ، المكان عينه

[92] – Riley-Smith , nobility , pp. 63-64

[93] – الطليطلي ، الرحلة ، ص 92 ،

– الادريسي ، ( محمد بن عبد الله ) ، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ، جزءان ، عالم الكتب ، بيروت ، 1989 ، ص 365 – 366

[94] – هايد ، تاريخ التجارة ، ج1 ، ص 191

[95] – Riley- Smith , nobility , pp. 64 – 65

[96] – Fleming , p 95

[97] – القطار ، ( الياس ) ، الحياة الاقتصادية في صور ، ضمن كتاب وثائق المؤتمر الاول لتاريخ مدينة صور ، 1996 ، ص 79

[98] – ابن بطوطة ،  ج1 ، ص 6.

[99] – الطليطتلي ، الرحلة ، ص 92 ، والادريسي ، نزهة ، ج1 ، ص 366

[100] – Chihab , op , cit. , p 34.

[101] – زيتون ، ص 178

[102] – Riley-Smith , nobility , p 64

[103] – Prawer , op, cit. , p 1..

[104] – Fleming , op. Cit., pp. 113-114

[105] – Prawer , op cit. P 1..

[106] – المقريزي ، ( تقي الدين احمد ) ، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار صادر، بيروت ، لا تاريخ ، جزءان ، ج1 ، ص 1.1 – 1.2

[107] – المقريزي ، ( تقي الدين احمد ) ، كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك ، تحقيق سعيد عاشور، القاهرة ، 197. ، ج1 القسم 2 ، ص 449 ، وايضا: الظاهري ، ( خليل بن شاهين  ) ، زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك ، تحقيق ، بولس راويس، باريس ن 1894 ، ص 41

[108] – ابن مماتي ، ( اسعد بن الخطير ) ، قوانين الدواوين ، جمعه وحققه عزيز عطية ، القاهرة ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، ط1 ، 1991 ن ص 328 ، والمقريزي ، خطط ، ج1 ن ص 1.8

[109] – ابن مماتي ، ص 81 ن

[110] – المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 1.2 ، والظاهري ، ص 35

[111] – Riley-Smith , nobility , pp. 7.-72

[112] – ابن جبير ، الرحلة ، ص 1.2

ادارة ندوة الدكتورين منير وعادل اسماعيل

ان الحركة الثقافية انطلياس، في اطار المهرجان اللبناني للكتاب، وفاء وتقفديرا منها لاهل الفكر، درجت على تكريمهم بتخصيص ندوات تلقي الضوء على انجازاتهم الحضارية والفكرية والانسانية عامة، شأن هذه الندوة التي نخصصها لاستذكار الدكتورين الاخوين منير وعادل اسماعيل ونخصهما بلفتة ثقافية.

ايها الاصدقاء 

كلما شاركت بتكريم مثقف كلما ازداد حبور نفسي وسمت بي مشاعر العز والافتخار ببعض من ناسنا نحن اللبنانيين ممن يزالون يقدرون جهود وانجازات من وقفوا انفسهم لخدمة الانسان، اولئك الذين اجتهدوا هم وآخرون ما يزالون يكدون من اجل تطوير الانسانية كل ضمن اختصاصه .

 ان تكريم المثقف هو خشوع للمعرفة واهلها واجلال للفكر، وتعبير عن ذواتنا في محاولة لفهم ذاتية المثقف، واحتضان لانسانيتنا في عالم بدأ نسبيا يفقد معاني الانسانية، انه حضور العقل في عالم الفكر يحفّزنا ابدا للكد والجد. وهو تبريك قربان على مذبح الحضارة، وتعبير عن تقديرنا لمدى مساهمة المثقف فيها، فاسمه، عندما تختفي معظم الاسماء في العالم الفاني، سيبقى ابدا خالدا في سجل الحضارة. وباختصار ليس استذكار مثقف الا شهادة للحق في زمان صار الحق فيه نادرا.

ايها الاصدقاء ان التكريم الذي تحتفل به مؤسسات المجتمع المدني يظل، باعتقادي، افعل من نظيره الرسمي، الذي تجرى مراسمه، بشكل عام، تبعا لآلية برتوكولية رتيبة يحضرها بعض الرسميين او من ينوب عنهم، وهي على اهميتها، تظل ابدا في الاطار الرمزي للمناسبة، ولن تضاهي احتفالا ثقافيا يجهد المشاركون فيه لتبيان مساهمات المكرم الفكرية ودورها الحضاري شأن ندوتنا اليوم التي نستذكر فيها الصديقين المؤرخين الاخوين الدكتورين عادل ومنير اسماعيل، ونحبوهما تحية ثقافية نابعة من قلب صادق، واقلام بارعة.

لقد كانا مؤرخين وترك كل منهما عددا وافرا من المؤلفات يتمحور مظمها حول تاريخ لبنان الحديث، وتشاركا احيانا باصدار المؤلف الواحد. وولم تكن مهمتهما سهلة، لأن التأريخ كما بات معروفا مسيرة شاقة، لأنه يقتضي الكثير من الاناة والجهد المتواصل والعيش في عالم الوثائق، ويجتهد المؤرخ لايقاظ الوثائق والاصول من صناديق النسيان بعد ثبات عميق ويعمد الى احيائها بعد مماتها ويرفق بها لكي لا تتلف او تصاب بضرر، وقد تغدو احيانا احد افضل اصدقائه. ويجهد لتبيان صحيحها من منحولها، وثابتها من مزيفها. ولا تقتضي مهمته التأليف في ما بينها بطريقة توليفية او سردية، بل عليه اليتبحر بالوثائق والاصول والمصادر لاعادة رسم الحدث ليس  يرغب بتكوينه تبعا لاهوائه وميوله، مدفوعا بمواقف مسبقة، بل يعمد الى اعادة رسمه بل تركيبه كما جرى في زمانه ومكانه، وبالتالي يعمل للاقتراب قدر الامكان من الحقيقة التاريخية، التي هي دائما مطلقة انما الوصول اليها يظل ابدا نسبيا ومرهونا بتوفر الوثائق والمصادر الضرورية والعمل على استجوابها او استقراءها بذكاء واناة، وع ذلك لن يكتمل العمل بطريقة سليمة الا اذا امتلك المؤرخ بصيرة ثاقبة وسليمة ومنهجية تحليلية تركيبية لاعادة تكوين الماضي.

 ولهذا ولاسباب اخرى غيرها، لست الآن بوارد ذكرها او مناقشتها، تتباين مواقف المؤرخين من احداث الماضي، وما النقد البناء الذي يصوب الى المؤرخ الا عملية تحفيذية من اجل تأريخ افضل.

وعلى هذا، الآن سينبري الاصدقاء المحاضرون العميد احمد حطيط والدكتوران سعاد ابو الروس سليم والياس القطار لدراسة او القاء الضوء، في هذه العجالة، على بعض من سيرة  ومؤلفات المغفور لهما ودورهما التأريخي.

هوية الكسروانيين ابن الحملات المملوكية

ادارة ندوة كتاب هوية الكسروانيين للدكتور لطيف لطيف.

ايها الاصدقاء نناقش في هذه الندوة كتاب الدكتور لطيف الياس لطيف المعنون ” قراءة جديدة في مذهب الكسروانيين ابان الحملات المملوكية”، وهو موضوع شائك وشيّق في آن. وقد اسرني منهج الدكتور لطيف العلمي الصارم الدقيق للتبحر بكل جوانب الموضوع منهجا ومضمونا بخاصة انني مختص بالعهد المملوكي من جهة، ودرّست مناهج التأريخ عند العرب والمسلمين في العصور الوسطى مدة ثلاثين سنة من ناحية ثانية.

ايها الاصدقاء اعتمد التأريخ في العصور الوسطى في المشرق العربي على عدة انماط ولعل من ابرزها: التاريخ العام الشامل الذي يتناول فيه صاحبه كل الاحداث في المشرق العربي مركزا على الكبرى منها، بخاصة تلك التي تؤثر على تطور الاوضاع في حاضرة الدولة. ويمتاز عنه التأريخ الاقليمي او المحلي بتدوين الاحداث التي وقعت في الاقليم الذي ينتمي اليه، من دون تجاهل الاحداث الكبرى من حيث تفصيلها بقدر انعكاسها على اقليمه، وتقدير اهميتها من زاويته الشخصية. ويعنى منهجي التراجم ولطبقات بكتابة سير موجزة لشحصيات مشهورة ( c.v.) تتناول مآثرهم ومثالبهم في آن واحد، ويشمل الاول شخصيات متنوعة غير متجانسة في حين ان الثاني يدون اخبار شخصيات متجانسة من حيث العمل مما يجعل من المنهجين مفاتيح للتأريخ العام لأن شخصياتهما تركت بصمات واضحة على احداث البلاد. اما منهج السيرة  فهو يؤرّخ تفصيليا لشخصية مشهورة ربما ترد فيها معلومات قد لا نجدها في مصدر آخر ما يجعل الاطلاع عليها ضروريا لتفسير بعض الاحداث. والى جانب هذه المناهج انتشرت كتب الادارة التي تركّز بشكل اساسي على نظم الحكم من دون ان تهمل التأريخ للاحداث التاريخية المهمة. وتكمن اهمية هذه المناهج بان بعضها يضيء على البعض الآخر بطريقة تكاملية، وتساعد المؤرخ على فهم الاحداث بطريقة افضل، وتمكنه من الاجتهاد عند غموض الحدث. وبالتالي يصبح لزاما على المؤرخ دراستها كلها.

ومن المؤسف حقا ان الموضوع الذي نناقشه اليوم لم يتناوله في مكانه وزمانه اي من المؤرخين اللبنانيين في العصور الوسطى صمن مفهوم التاريخ الاقليمي الذي لا يضيئ على الاحداث فقط بل يفصّلها، وهو عادة اكثر دقة وشمولا من التاريخ العام الذي يركز على الاحداث الكبرى في الاقاليم او يذكرها سريعا انطلاقا من تأثيرها على الدولةولم يؤرخ للحملات المملوكية على لبنان حين وقوعها اي من المؤرخين اللبنانيين، انما تناولها بعضهم في فترة لاحقة شأن صالح بن يحي في كتابه تاريخ بيروت، ما يحتّم علينا كمؤرخين لبنانيين الاعتماد على كتب التراجم والطبقات والسير والادارة وبخاصة على التاريخ العام لمؤرخين مصريين او من بلاد الشام.

ويقتضي المنهج السليم تحديد المصطلحات التي يشكل عدم الالتباس في مضامينها نقاط ارتكاز للتأريخ موضوعي يجنب المؤرخين الشطط والتفسيرات الكيفية. ويحوي كتاب الدكتور لطيف عددا من المصطلحات الرئيسة: كالرافضة، والظنيين، المارقين، اهل البدع، التيامنة، الدروز، الموحدين، جبال الظنيين، كسروان…من المفضل تحديد معانيها قبل استخدامها.

الى ذلك، يكتسب موضوع الكتاب ابعادا ايديولوجية ومذهبية بامتياز، ويتنازعها عدد من المؤرخين اللبنانيين المحدثين، ويزعم كل منهم ان الكسروانيين كانوا في اواخر القرن الثالث عشر ومطلع الرابع عشر على مذهبه الديني ناسبا اليهم وحدهم مقاومة ظلم الماليك للبنان واللبنانيين من دون ان يدرس الاطار الغام للحملات الملوكية من حيث اسبابها وابعادها، ومن دون ايضا ان يدرس بنية النظام العسكري الاداري المملوكي المرتبط غضويا بالنظام الاقطاعي، او ان يدرس موقف المماليك من الفئات الاجتماعية في دولتهم، بخاصة بخاصة نظرتهم وموقفهم من اجناد الحلقة.

ومن اجل فهم اوسع بل اوضح لندوتنا هذه سأوجز الاطار التاريخي العام في المشرق العربي الذي تشكل الحملات المملوكية جزءا منه او على الاقل انعكاسا لبعض تحولاته.

شكّل انتصار المماليك على المغول في عين جالوت عام 1260 نقطة تحول في تاريخ المشرق العربي والاسلامي: فهي من جهة وضعت حدا لانتصارات المغول، ومنعت سقوط آخر حصون المسلمين بعد ان كانت كل حصونهم الاخرى قد سقطت ابتداءا بالدولة الخوارزمية وانتهاءا بالخلافة العباسية في بغداد وما رافق ذلك من استباحة بعض المدن الاسلامية الرئيسة. واذاك لم تكن بعد دولة المماليك قد ثبّتت اقدامها نتيجة الصراعات الشديدة والمتلاحقة بين كبار الامراء على عرش السلطنة، وهذذ الصراعات سيتشكل ابدا سمة دولة المماليك حتى سقوطها.

وجهد المغول للثأر من المماليك واستغلوا سنة 1281 تمرد نائب الشام سنقر الاشقر على السلطان قلاوون واستنجاده بهم، وان كان قد تراجع عن ذلك لاحقا، فاغاروا على حلب وحماه واحرقوما ولكنهم انهزموا قرب حمص، وبالتالي لم يحقق اي من غاياتهم الكبرى.

وتجدر الاشارة الى انه بعد ان تفسّخت الامبراطورية المغولية نشأت دولة الإلخانيات في بلاد فارس واعتنق حكامها الاسلام على المذهب الشيعي الاثني عشري، وادى ذلك الى دفع مغول فارس  لاختيار احد امرين اما الخضوع او التبعية الدينية الاسمية لسلطة المماليك الدينية المبسطين سلطانهم على الاماكن الاسلامية المقدسة او انتزاع تلك الاماكن منهم، ما يحتم عليهم انتصار كبيرا على المماليك. وهذا المحور هو الذي يفسّر انتهاز الالخان الكبير غازان سنة 1299 فرصة اختلال الاوضاع المملوكية الداخلية بعيد وفاة السلطان الاشرف خليل، للهجوم على حلب وحماه وتدميرهما، ثم الانتصار على الجيش المملوكي المفتقر الى قيادة حقيقية في معركة وادي الخازندار قرب حماه، فتشتت من نجا المماليك بكل اتجاه، فاختار بعضهم الهروب عبر الساحل اللبناني حيث كمن لهم الكسروانيون عند وادي نهر الكلب فقتلوا عددا منهم بين امراء وجنود، وقبضوا على آخرين وباعوهم من الافرنج ما استدعى عضب المماليك. وزاد في الطين بلّة ان غازان اكمل زحفه نحو دمشق واستباحها بمساعدة بعض الشيعة والدروز ممن تركوا بصمات شنيعة بخاصة في جبل قاسيون، وحفظت تلك الاعمال المصادر المعاصرة للحدث وجعلت منها مبررا للحملات المملوكية على كسروان وتصنيف سكانه بالمارقين والخارجين على السلطة ويحل قتلهم تبعا لفتوى ابن تيمية ما جعل قتالهم واجبا دينيا.

ويتجلّى بصورة افضل الصراع على زعامة العالم الاسلامي بحملة غازان الجديدة على بلاد المماليك عام 1302 حيث انهزم في فلسطين في معركة مرج الصفر. فصار الكسروانيون متهمين بامرين لا تهاون بهما عند المماليك السنة: التعاون مع الصليبيين قبل جلائهم عن الشرق وبعده، ومع المغول عدوي المماليك، وبالتالي صار تأديبهم واجبا شرعيا. 

ولست ادري ايها الحضور الكريم لماذا تسابق بعض المؤرخين اللبنانيين لجعل الكسروانيين على مذهب كل منهم ناسبا الهيم الفضل في مقاومة المماليك!! متجاهلا عن عمد نصوصا وردت في كتب التاريخ العام لمؤرخين مشهورين اثرت عنهم الموضوعية ومعظمهم شغل مناصب ادارية في ديوان الانشاء كالعمري والنويري والمقريزي والقلقشندي وغيرهم، او كان قريبا جدا من السلطة المركزية شأن ابو الفداء. او لماذا عمد بعضهم الى اجتزاء النص الواخذ واستخدموا منه ما يناسبهم. ونتساءل ايضا لماذا لم يقارن بعض المؤرخين المحدثين النصوص المحققة الصادرة عن اكثر من دار نشر، لأن بعض المحققين ينزع الى تحوير المخطوط باسقاط كلمة من هنا او هناك. ولعمري انها حطوات بديهية ندرّسها لطلابنا بدءا من السنة الاولى الجامعية، ولا اعتقد ان من تناول الموضوع كان جاهلا لها، انما كان له موقف مسبق من الاحداث.

ونطرح سؤالا آخر لا يقل اهمية عمّا سبقه لماذا لم يعمد المؤرخ الى اعادة تركيب الاحداث على ضوء ما وفرت له نصوص المصادر المتعددة من معلومات، انما نحا الى تسخّير بعضها عمدا لتتلاءم مع موقفه المسبق من الاحداث مستخدما نظريات تعتبر ساقطة في علم التاريخ كالحتميات، والفرضيات او الاجتهادات الكيفية المفتقرة الى المسوّغات الموضوعية، ومتجاهلا ان الحقيقة في علم التاريخ هي دائما مطلقة ويظل الوصول اليها نسبيا ومرهونا بما توفره الاصول والمصادر من معلومات.

ايها الاصدقاء بعد هذه المقدمة الضرورية والطويلة نسبيا نترك الكلام للزميلين الصديقين العميد احمد حطيط والدكتور الياس القطار.

ادرة كتاب مي منصور :” صوب القاطع الثاني” يشارك فيها نخبة من اهل الاختصاص في الشعر والادب والاهوت والطرب.

مي

ان اشكالية الخلود تزامنت مع ادراك الانسان لذاته ولما تزل، وبررتها فلسفات دينية متنوعة في غالبية الحضارات القديمة، واحتلت مساحة واسعة في الاديان، وصارت محور معظمها. ولعبت، في الوقت عينه، ازدواجية الخير والشر، والمادي والروحي، ولعب تصارع هذه الاضداض دورا مهما في محاولة تفسير او استجلاء اشكالية الخلود والعدم، التي  أرقت عددا وافرا من الفلاسفة، واسفر فكر بعضهم عن نشوء انماط إلحادية.

يمكن القول: بقدر ما ينضج الانسان وتتقدم به السنون، ويزداد خوفه مما يخبئه القاطع الثاني، او الشك المقلق بوجوده، بالمقدار عينه وربما أكثر يجتهد لاستجلاء حقيقة الابدية لولوج ابوابها، وبعجزه عن استيعاب محتواها اللا محسوس يقتبس من فلسفة الاديان طرقا للخلاص الموعود الذي يهدئ النفوس، ويتقاطع معظمها حول نظرية الالم ونكران الذات والخضوع التام لعظمة الله ومشيئة الخالق.

هنيئا للمؤمنين الفعليين، فايمانهم مثار اعجاب واعجاز في الوقت عينه. ومن يقرأ كتاب صوب القاطع التاني لمي منصور قد يحظى بنفحة ايمانية منقذة. فالتوبة بكل تلاوينها معشعشة في حناياه، وهو ينضح بايمان عنوانه التخلي عن الذات من اجل الطفل يسوع سيد الخلاص والابدية، يسوع الفائز دائما، والمحب، والمتواضع، والمسامح وغافر الذنوب، ومنه تستمد مي القوة الروحية، وتنسحق على دربه املا بالخلاص من ادران الحياة. وليس تعبدها الصوفي للسيدة العذراء الا استكمالا لايمانها وتأكيدا عليه. فالسيدة العذراء حب في المطلق، تساعد على  العبور الهانئ الى القاطع التاني الذي يخشاه كثيرون. في حين ان مي جهزت جواز سفرها، ووضبت  حقائب العبور.

لن اطيل عليكم في سلوك هذا الدرب السماي الشاق المزروع بالايمان والتواضع، والخشوع والالم، وبالحب والقداسة والصلاة والتعبد والتأمل. المصاغ بنمطين ادبيين: الشعر والنثر بقوافي.

الشعر حالة روحية شديدة التجلي والانخطاف، تتعانق فيها الحروف عطوفة، وتتهامس الكلمات سكرى، ويندس التحنان ناعسا في فراش الاحلام يستل امنيات هائمة، وتتفجر العواطف صاخبة او تنساب هادئة هانئة لافرق، متلونة بانماط الاحاسيس. ويتزاوج فيها المحسوس باللا محدود، وتتهادى الدمعة مغناجة على وجدان الفرح، او كئيبة على مذبح الاحزان. وتعجز المآسي عن الاختباء وراء ظلال الهموم والاوهام. وتتآلف جميعها في لوحات عامرة بخلجات الوجدان المفعم باريج الروح وتنسكب في قوالب البحور، ويضبط ايقاعها تناغم القوافي فيولد الشعر الاصيل.

وعندما يعجز الخيال عن التعبير عن ذاته بحرية مطلقة، او يأبى المشهد العام الانصياع للقوانين اكتمالا لرؤية ارحب، واختمارا للاحاسيس اعمق، واطلاقا للعواطف اروع ،كما يفترض بعض الشعراء ممن يرفضون التقولب في بحور  الخليل الرئيسة، والانصياع لايقاع القوافي المعهود. ويضبطون نظمهم في اوزان وليدة او مستولدة او على غير وزن،  مخافة حؤول صرامة القوافي بين تناغم روعة المشهد وسمو التعبير اللفظي. آملين ان يعكس تتزاوجهما اسرا للنفوس وحبسا للانفاس، وقد يسمى هذا النمط نثرا بقوافي. شأن قصيدة نازك الملائكة الخالدة التي تدين فيها جريمة الشرف:” اماه وحشرجة ودموع، وانبجس الدم، اماه واختلج الجسم المطعون… ولم يسمعها الا الجلاد… وهذا ايضا نمط آخر من عيون الشعر.

ثار آخرون على بحور الشعر والقوافي معا متفلتين من كل القواعد الناظمة، مستولدين ادبا نثريا على غير وزن، يستثسغون فيه موسيقى الجمل الراسمة لوحاتهم من دون قيد. افساحا في المجال ربما لاذكاء اوسع في العواطف،  ومدى لا محدود للخيال. وتحمله موسيقى شعرية من دون ان يرقى الى مستوى الشعر. قد يطلق هذا النمط نثر بقوافي.

ايها الحضور الكريم، لست هنا في هذه العجالة بوارد تقويم الفنون الشعر والنثرية، وان كنت شغوفا بها، ولا ادعي المقدرة على خوض غمار هذا المضمار، وانا القادم الى هذا المنتدى الثقافي من حقل التأريخ. وقد يتناوله المحاضرون المشاركون في هذه الندوة.

 الاب الدكتور بول ناهض: كاهن صادق مع نفسه وايمانه، يخدم رعية مار يوحنا المعمدان في البوشرية، ويتولى في الوقت عينه ادارة مدرسة السان جور في الزلقا. شغوف بالكتاب المقدس لدرجة التماهي فيه، ما دفعه لتحضير اطروحة دكتوراه مبنية عليه بعنوان ” آداب الكتابة”.

د. سهيل مطر: اكاديمي بامتياز، يشغل منصب مدير العلاقات العامة في جامعة اللويزة وهو في آن استاذ محاضر فيها. له مؤلفات عدة. لم يعتل مرة منصة الا ووددت الا ينتهي الوقت. لأن حضوره لافت، وخطابه آسر، وفكره ثاقب ترافقه بشغف الى حيث يريد وانت في منتهى الغبطة.

د. رفيق روحانا: شاعر بالفطرة يعشق النظم باللغة العامية (اللغة اللبنانية)، صقل موهبته بالممارسة، والدراسة التي توّجها بحصوله على دكتوراه دولة في الادب العربي من الجامعة اللبنانية على اطروحته المعنونة ” ثورة اللغة والحرف”. وهو استاذ ادب عربي، اسس منتدى “ملكوت الشعر” منذ حوالى ربع قرن سأذكر فقط من مؤلفاته العديدة باكورتها،: تقاسيم على القيم، واحدثها : ذكرياتي مع سعيد عقل”.

هيام يونس: مطربة بالفطرة، اعتلت المسرح وهي بعد لم تجاوز الخامسة من العمر، غنّت في كل اللهجات العربية، وهي مطربة العرب كل العرب. قد تنسى الذاكرة الكثير من الاغاني ولكنها قطعا لن تنسى ” تعلّق قلبي طفلة عربية…” وهي ستسمعنا اليوم ” يا أم الخليقة “من كلمات الشعارة مي منصور.

الآنسة جنفييف: مرنمة