علاقة الفاطميين بمن جاورهم في بلاد الشام في عهدي المعزوالعزيز 358-386/969-996

علاقة الفاطميين بمن


علاقة الفاطميين بمن جاورهم في بلاد الشام في عهدي المعزوالعزيز

358-386/969-996

ان تاريخ العصور الوسطى الاسلامية يتجاوز المفهوم السياسي التقليدي المبني على الصراع على السلطة في المنظومة السياسية والاتنية والدينية الواحدة، فقد تجاذبته اطراف عديدة ذات مذاهب واتنيات متنوّعة، وديانات مختلفة. فمنذ قيام دولةالخلافة في العصر الراشدي كانت سيطرة السنة واضحة، واستمرت فعاليتها حتى اواخر العصر العباسي الثاني. ولم يكن الشيعة انذاك مستكيني المواقف، اومتخلفين عن الركب السياسي، فقد عملوا سرا وجهرا لانشاء دول خاصة بهم تبعا لمقتضيات الظروف وتقلبات الاحوال: فكلما كانت تضعف السلطة المركزية العباسية كانوا يغتنمون الفرصة لانشاء دولة او دويلة لا تلبث ان تزول.

    ولم يسر الوضع السياسي والاداري العباسي على وتيرة متصاعدة من النجاح، بل شاخت الدولة وهي بعد شابة، فاعتراها الوهن والتخلف عن مواكبة تطور الاحداث السياسية العاملة على الحط من هيبتها منذ اواخر العصر العباسي الاول، بل من اواسطه عندما قسّم الرشيد الدولة بين اولاده الثلاثة المأمون والامين والمعتصم، وتلا ذلك الصراع بين الاخوين الامين والمأمون المغلف بابعاد سياسية عنصرية ان جاز التعبير، او على الاقل عصبية بين العرب والفرس، مما انهك قدرة الدولة حتى عجزت عن الامساك ببعض الاطراف ولا سيما خراسان التي استقل بها طاهر بن الحسين قائد جيوش المأمون الفارسية.

    ولم يكن عهد المعتصم بافضل، اذا استُهلك جيشه الفارسي الجنسية بالحروب ضد الزنادقة، فاستعاض عنه بعناصر فارسية دخلت جماعات جماعات كل واحدة بامرة قائدها، فانعدم ولاء الجيوش الجديدة للخليفة وانحصر بالقادة[1]. وزاد في الامر سوءا عندما شرع هؤلاء ينازعونه السلطة السياسية والادارية[2]. ومنذ ذلك التاريخ بدأت مسيرة السلطة المركزية للدولة العباسية بالانحدار السياسي والاداري والعسكري، ففقدت سلطانها على معظم الاقاليم، وصار الخليفة صورة دينية، بوجه عام، ورمزا اجوف من كل سلطة سياسية وعسكرية فاعلة.

   في حمأة هذه الصراعات في المشرق العربي كانت الخلافة الفاطمية تأخذ طريقها الى الظهور العلني في عام 297/909 بفضل جهود ابي عبد الله الشيعي، الذي اظهر امامة سعيد بن الحسين، ثم اعلنه خليفة من سلالة الامام علي وفاطمة الزهراء. ولكن ذلك لم يؤد ابدا الى تخط المصاعب الكثيرة التي حبل بها المغرب، فقد كانت حقول الالغام المتنوعة تعترض سبيل استقرار الفاطميين فيه لدواعي متنوّعة بعضها مذهبي بحيث كانت الدويلات التي سبقتهم الى المغرب قد ركزت اقدامها فيه مثل دولتي الخوارج المدرارية والرستمية، ودولة الادارسة الشيعية، ودولة الاغالبة السنية[3]. ناهيك بطبيعة المغرب الوعرة ولا سيما في المناطق الداخلية، اضف الى ذلك مشاكل التركيب البنوي السكاني المبني على الولاء القلبلي. وقد تقاطعت بعض هذه العقبات فيما بينها حتى كادت تودي بالخلافة الفاطمية في ثورت الخوارج المتكررة ولا سيما ثورة ابي يزيد مخلد بن كيداد[4]، مما ادى الى وضع غير مستقر، وحالة استحضار عسكري دائمة الجهوزية.

    على ان عهد المعز لدين الله ( 341-365/953-975 ) هو الذي ارسى بفعالية ركائز حكم الفاطميين في المغرب باقامة علاقات وطيدة مع قبيلتي كتامة وصنهاجة، واخلصت له صنهاجة بحصولها على دور في السلطة[5]، وتمكن ايضا من مد صلاة ود او عدم اعتداء مع القبائل الاخرى. ولكن طموحه لم يكن الاستئثار بالمغرب، وهو الامام الاسماعيلي الفقيه الذي كتب رسائل عديدة في العقيدة الاسماعيلية[6]، بل رغب بتصدير المذهب الاسماعيلي الى كل العالم الاسلامي على الاقل. ولكن اصطدامه بالمقاومة الاموية الشرسة في الاندلس، واقتناعه ان الهدوء في المغرب ليس الا وقتيا بسبب العقلية القبلية وعداء القبائل بعضها للبعض الآخر، هذا فضلا عن ان نفوذ الفاطميين انحصر في المناطق الساحلية اجمالا، من دون ان ينسى المعز تداعيات ثورة ابي يزيد مخلد بن كيداد التي كادت تودي بالاسماعيلية زمن اجداده.

الفاطميون في المشرق: اذا كانت الصعاب التي نشأت في المغرب اقلقت الفاطميين، فان عوامل اخرى تقاطعت فيما بينها وعملت على توجيه انظار الفاطميين الى المشرق العربي وتحديدا الى مصر نقطة الانطلاق نحو العالم المشرقي الرحب. ان سيطرة الفاطميين على صقلية بعد انتزاعها من بني الاغلب، وكذلك بسط نفوذهم على طرق الواحات التجارية كانت تجعل من احتلالهم لمصر محورا مركزيا للسيطرة على  تجارة العبور بين الشرق الاقصى والغرب الاوروبي كون مصر تشكل اقصر حلقة اتصال بينهما، ولأن موقعها المشرف على البحر المتوسط في الشمال وعلى البحر الاحمر في الشرق، بما فيه من موانئ، امتدادا الى المحيط الهندي، يجعل حاكم مصر يسيطر على احد اهم الطرق التجارية القادمة من الشرق الاقصى. وكان حكامها منذ العهد الطولوني يبسطون نفوذهم على الاماكن الاسلامية المقدسة، وهذه النقطة كانت محورية بالنسبة للفاطميين وهي شكلت دافعا رئيسا لهم  لسلب العباسيين احد اهم اسلحتهم الدينية بعد ان كان القرامطة سلبوهم محورا آخر شديد الاهمية بسيطرتهم على طريق الحج الذي قطعوه مرارا وسلبوا قوافل الحجيج تكرارا. ولعل التشرزم السياسي والعسكري الذي حاق بالدولة العباسية ساهم بفعالية ليتوجه الفاطميون الى المشرق، فنجحوا في عهد الخليفة المعز لدين الله  وبقيادة جوهر الصقلي بالاستيلاء على مصر المتداعية امنيا واقتصاديا وعسكريا بفعل الازمات المتنوّعة التي اصابتها بعد وفاة كافور الاخشيدي.

   ويبدو من خلال ما اوردته المصادر المتنوّعة عن اعداد الجيش الفاطمي وعدته وصناديق الاموال التي حملها جوهر معه التي اربت على الألف ومائتي صندوق[7] ان الفاطميين ارادوا التأثير نفسيا واخلاقيا على المصريين اولا، وعلى سائر القوى السياسية والعسكرية في بلاد الشام في مرحلة ثانية، وبالتالي التأثير المعنوي السلبي على الخلفاء العباسيين.

  وازعم ان الخليفة المعز لدين الله درس المصوّر السياسي العسكري الجغرافي في المشرق العربي فوجد الظروف مناسبة للحول مكان العباسيين في مناطق عديدة؛ فقد كان البويهيون الشيعة يسيطرون سياسيا وعسكريا على العراق وبلاد فارس، وبدا الخلفاء العباسيون معهم فاقدي كل دور قيادي[8]. وكان القرامطة منذ زمن بعيد قد قضّوا مضجع العباسيين وانهكوا جنوب العراق بغاراتهم المتكررة التي احتلوا فيها البصرة مرارا وخلّفوا فيها دمارا كثيرا، كما كانت لهم سيطرتهم على قسم كبير من بلاد الشام: في دمشق، وفي البحرين. وكانت تجمعهم بالفاطميين صلاة المذهب الواحد عموما فتوقعوا منهم المساعدة لاضعاف القدرة العباسية السياسية والمعنوية على الاقل. وكان الحمدانيون الشيعة يسيطرون على شمال بلاد الشام في الموصل وحلب وينازعون الاخشيديين السنة السيطرة على قلب بلاد الشام. فكان ذلك المصوّر يؤشر الى انقسام العالم الاسلامي الى فريقين مذهبيين: سني وشيعي. وكانت المعطيات تؤشّر بدورها الى غلبة الشيعة على مراكز القرار حتى في بغداد حاضرة العالم الاسلامي السني، واذا اتحدوا جميعهم قد ينتصرون على السلطة العباسية ويحلون مكانها.

 ومع ارجحية هذا الرأي الذي قال به مؤرخون كثر ازعم ان التاريخ لا يدرس او يفسّر على اساس ديني اومذهبي فقط، على رغم ما لهما من تأثير في تقلب الاحوال وتطور الاحداث وتأثير على الناس، لأن تاريخ العصور الوسطى حافل بالمواقف والتوجهات التي طالما خالفت النظرة الدينية والمذهبية في تفسير الاحداث. فالمصالح الفردية غالبا ما كانت تتفوّق على ما كان يفترضه السلوك المذهبي او الديني من اجل الصالح العام باعتبار ان الغاية الشخصية تبرر الوسيلة، وبالتالي فالتضحية بالمذهب لم تكن وليدة تلك الظروف والمرحلة وان شكلت سمتها، اذ تُبرز لنا الذاكرة التاريخية للعصور الوسطى السابقة على مجيء الفاطميين الى الشرق نماذج كثيرة جدا على التضحية بالديني او المذهبي لصالح السياسي الشخصي، ان لم نقل الاناني الفردي. مما يجعل معادلة او جدلية العلاقة بين الولاء المذهبي والولاء السياسي جديرة بالبحث للخلوص منها بالعبر. 

   وسنحاول في هذا البحث التبحر في التطورات السياسية في المشرق العربي وربطها بالتوجهات المذهبية والدينية للوقوف على سير الاحداث بشكل بياني في مقاربة لدراسة جدلية العلاقة بين الولاء المذهبي والولاء السياسي خلال الفترة الممتدة من 358/ 969 الى 386/ 996

1- علاقة الفاطميين بالبويهيون: خلف البويهيون اتراك العصر العباسي الثاني ( 232-334/847-945) في حكم العراق، وامتد سلطانهم على معظم بلاد فارس مشكلين قوة عسكرية بالغة القوة والخطورة، وسمح توّزع قواهم بين قادتهم الاساسيين واستقلال كل منهم في قسم من البلاد الشاسعة التي سيطروا عليها باضعاف جبهتهم. وما كان ممكنا ابدا لحكمهم ان يستمر ويستقر في العراق بوجود امارات تركية فيه، خصوصا في واسط والبصرة والبطيحة وغيرها[9]. وبعد اخضاعها عملوا على دمج قواتها ولا سيما الفرسان بجيشهم المفتقر الى هذا العنصر الفعال[10].

    اما مواقفهم من الخلفاء العباسيين فقد تأرجحت بين العزل والسيطرة التامة، الى ان استقر الرأي على الابقاء عليهم كرمز ديني اسلامي وتجريدهم من كامل صلاحياتهم المدنية لأنهم افتقروا في مذهبهم الزيدي لبدائل عنهم، اذ يذكر البيروني ان :” معز الدولة … كان يفرط في التشيّع وانه اشخص من بلاد فارس احد كبار العلويين- محمد بن يحي الزيدي- مشتهرا بالديانة وحسن السيرة والصيانة…وانه انما استحضره ليوصل الحق الى ذويه ويسلم الملك والخلافة الى اهليه…- فرد العلوي- ان عامة الناس في الاقطار والامصار قد اعتادوا الدعوة العباسية ودانوا بدولتهم وطاعوهم كطاعة الله ورسوله…”[11] مما يعني ان معز الدولة اقتنع بفشل تحويل الخلافة الى الشيعة او حاول اقناع نفسه بهذا الامر. ويؤيد ما ذهبنا اليه ما اورده ابن الاثير عن بعض خواص معز الدولة حينما اقترح هذا الملك عزل الخليفة العباسي واسناد مركزه الى الخليفة المعز لدين الله الفاطمي قائلا:” ليس هذا برأي فانك اليوم مع خليفة تعتقد انت واصحابك انه ليس من اهل الخلافة، ولو امرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه، ومتى اجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد انت واصحابك صحة خلافته، فلو امرهم بقتلك لفعلوا [12] “. لهذا ابقى البويهيون على الخلفاء العباسيين وجعلوهم رموزا دينية فارغة من اي مضمون حقيقي وفعال[13].

   فهل هذا يعني ان البويهيين اكتفوا بهذه المواقف من الخلافة ام انهم عملوا على اضعاف الفاطميين ليظلوا هم سادة متوّجين في ظل خلافة عباسية ضعيفة لا بل منهكة سياسيا وعسكريا؟

واستطرادا ماذا توّقع المعز لدين الله من البويهيين: هل الوقوف على الحياد امام المد الفاطمي القادم الى بلاد الشام، ام التحالف معه من اجل اسقاط الخلافة العباسية؟

   للاجابة على هذه التساؤلات يقتضي دراسة علاقتهم بالقوى السياسية الاخرى في بلاد الشام التي كانت على تماس مع الفاطميين كالقرامطة والحمدانيين، ومن ناحية ثانية دراسة مواقف هذه القوى الشيعية من الخلافة الفاطمية.

     كان القرامطة يشكلون سدا بشريا وجغرافيا بين البويهيين والفاطميين المرتقب قدومهم الى مصر، ومخافة ان يسقط البويهيون في احضان القادمين الجدد مالءوا القرامطة، وربما من هذا المنظار يمكن تفسير الحالة المهادنة التي طغت على العلاقة بينهما. رغم انها تأرجحت بين المهادنة والصراع، فلم يعتبر البويهيون القرامطة هراطقة خطرين على حد تعبير محمد شعبان، بل تسامحوا معهم شأن موقفهم من كل المذاهب.[14] ولكن احتلال البويهيين البصرة عام 336/948 وسيطرتهم على مينائها ادى الى فرار متوليها او مغتصب سلطتها “البريدي” الى البحرين ملتجئا الى القرامطة، الذين غضبوا من تصرّف البويهيين واعتبروه تعديا على مصالحهم الحيوية، فبعثوا رسولا الى معز الدولة البويهي ليدين تصرّفهم غير المبرر قَرْمَطيا، فاستقبله معز الدولة بكثير من الاحتقار، وهزئ من ادعاء اسياده، فرد القرامطة بحملة فاشلة على البصرة[15]. ومن ثم تمّ الاتفاق بين الجانبين على ترتيبات اقتصادية، كانت اشد فعالية من الصراع العسكري الذي كان من المفترض ان يحقق الغايات الاقتصادية للمنتصر، ارضتهما فاجاز البويهيون للقرامطة اقامة مركز جمركي على مقربة من مركز الجمارك البويهي في البصرة، واجتهد محمد شعبان انطلاقا من الاتفاق المذكور ليسوّغ اتخاذ ترتيبات مماثلة على طريق الحج تقاسم بموجبها الطرفان العائدات المالية[16]، وخففت مفاعيل الصراع العسكري. مما يعني ان الدور المذهبي في تلك العلاقة احتل المرتبة الدنيا، وفاقته اضعافا المصالح الاقتصادية المقرونة بالقوة العسكرية. وازعم انه بدافع من تلك الترتيبات لم يعمد البويهيون للحط من منزلة القرامطة المذهبية او التوسع في محاربتهم، بل اكتفوا بتبيان مقدرتهم العسكرية عليهم، وارضوهم بالحوافز الاقتصادية المذكورة.

   ولعل التفسير لتطوّر الاحداث يظهر نوعا من الرؤية المستقبلية اللاعنفية التي اعتمدها البويهيون، اذ اجتهدوا لمساعدة القرامطة ليبقوا سدا منيعا بينهم وبين اشقاهم في المذهب عنيت بهم الفاطميين، لأنهم على حد تعبير شعبان كانوا:” على استعداد لتقديم تسهيلات كبيرة لكسب القرامطة، وكانوا كذلك على استعداد لمعارضة التجارة عبر ميناء سيراف وتحويل التجارة كلها الى البصرة حيث يتسنى للطرفين اقتسام المكاسب.”[17] ويمكن تفسير مواقف البويهيين من القرامطة تصرفا احترازيا ضد الفاطميين المتوقع قدومهم الى مصر بسبب الحملات المتكررة التي ارسلوها اليها، ومن جهة ثانية اعتبروا ان استقرار الوضع العسكري سيسهم من دون شك بتطوّر القوة الاقتصادية للفريقين مستفيدين من العلاقة المذهبية التي تجمع بينهما وان ظاهريا. وقد نجد تعليلا لهذه المعادلة بما حصل لاحقا بين الفاطميين والقرامطة وبالموقف المعادي الذي اتخذه البويهيون من الفاطميين.

    وعلى هذا لا يمكن اعتبار ان الولاء المذهبي احتل مرتبة عالية عند البويهيين، فهم وان نجحوا بممارسة بعض الشعائر الشيعية كذكرى كربلاء وغيرها في بغداد عاصمة العباسيين والسنة، فانهم في الوقت عينه ما كانوا على استعداد للتنازل عن سلطانهم لأي قوة شيعية مهما بلغ مستواها الديني. وستتضح هذه المعادلة بدراسة علائق الفاطميين بالقوة الشيعية الاخرى في بلاد الشام.

2-  العلاقة الفاطمية القرامطية:

أ- فبل مجيء الفاطميين الى مصر: قد تكون العلاقة بين الفاطميين والقرامطة من اشد العلائق تعقيدا لما كان بين الاثنين من صلاة القربى المذهبية، بل لتحدرهما من جذر مذهبي واحد وعقيدة واحدة. ومن الواضح انه على الرغم من انشقاق حمدان قَرْمَط ومن بعده صهره عبدان داعي دعاة الاسماعيلية عن الاسماعيلية، فان ابا سعيد الجنّابي قائد قرامطة البحرين ظل وفيا للامام الاسماعيلي الفاطمي في المغرب[18]، ويضيف مادلونغ ان الصلاة اشتدت قربا في ظل قيادة ابنه ابي طاهر الذي كان ينفّذ اوامر الخليفة الفاطمي عبيد الله المهدي، واستمر الامر على هذا النحو من التقارب والتفاهم حتى مقتل سابور قائد القرامطة وتولّي الحسن الاعصم مكانه.[19]

    ويشوب دراسة العلاقة بين الفريقين بعد ذلك التاريخ الكثير من التعقيدات بسبب الآراء والاجتهادات المتعددة التي انتهجها المؤرخون المحدثون[20]، ونحن لن ندخل بكل تلك الاجتهادات بل سنكتفي بالاشارة الى ان القرامطة فرضوا وجودهم حتى على السلطة العباسية السياسية المتمثلة بامراء الامراء الاتراك، والملوك البويهيين، وعلى الامراء الحمدانيين، من اجل تأمين طريق الحج الذي صار سلوكه خطرا نظرا لهجمات القرامطة وسيطرتهم على معظم مسالكه، مما حدا بتلك القوى السياسية التفاهم المادي معهم فدفعوا لهم اتاوات لقاء مرور آمن للحجيج، حتى ان سيف الدولة قدم لهم احمالا من الحديد لهذه الغاية[21].

   على هذا، بات القرامطة قوة اساسية بل لاعب سياسي رئيسي في التحولات التي كانت تحصل في بلاد الشام وجنوب العراق، فقد صارت سطوتهم مخيفة، وجهد الحكام الى اجتناب مواجهتهم. وما يهمنا في هذا الاطار هو تطوّر قوة القرامطة عشية دخول الفاطميين الى مصر بظل قيادة الحسن الاعصم، وهل حَسِب لها الفاطميون التقدير الكافي، ام اعتبروا ان توأمهم سينسى الخلافات الجانبية ويؤيّد مواقفهم وينحاز اليهم عسكريا من اجل سيادة الشيعة على العالم الاسلامي المشرقي؟

   لا بد من الاشارة هنا الى ان القرامطة كانوا حوالى عام 313/925 قد انقسموا على انفسهم: فبعضهم كان دعا، على الارجح تقية، الى الخليفة العباسي المقتدر واعلنوه اماما لهم، اذ بعد القبض على حوالى ثلاثين شخصا منهم في مسجد براثا في بغداد وجدوا معهم اختاما نقش عليها: محمد بن اسماعيل الامام المهدي.[22] ولهذا النقش دلالة مذهبية بالغة الاهمية، وهي الدعوة الى الامام محمد بن اسماعيل وليس الى عبيد الله المهدي الامام الفاطمي والخليفة لاحقا، الذي كان قد ادعى انه المهدي. واذا اضفنا الى هذه الحادثة هجوم القرامطة على سلمية بغية قتل جميع الذكور فيها بهدف القضاء على سعيد بن الحسين “عبيد الله المهدي” ندرك كم كان عمق الخلاف المذهبي بين الفريقين. واذا كانت العلاقات عادت بعد ذلك الى الوئام بين الفاطميين والقرامطة فهذا لا يعني ان كل القرامطة كانوا يعتبرون الخلفاء الفاطميين ائمتهم، لانهم استمروا يخصصون خمس غنائمهم ” لصاحب الزمان”، مما يعني عدم انصياعهم للتعاليم الفاطمية، وبالتالي الى بروز ازمة ثقة مذهبية بين الفريقين[23]، انما على الارجح ان قلة من القرامطة انشقت عن الفرع الرئيسي في حين ان البقية كانوا يراسلون الامام المنصور بن القائم الفاطمي ويدعون ان دعوتهم اليه[24].

     ومن الواضح ان القرامطة صاروا قوة مخيفة بل محورية في بلاد الشام يخطب ودها عدد من حكام الدويلات، ففي اواخر عام 354/965 نهب عرب بني سليم قوافل الحاج الشامي والمصري واستولوا على ما كان معهم من امتعة وبضائع، فتدخل القرامطة واسترجعوا المسلوب وقدموه لكافور الاخشيدي حاكم مصر[25] نظرا للتفاهم الذي كان حصل بينهما ومؤداه ان يدفع الاخشيديون ثلاث مائة ألف دينار سنويا للقرامطة[26] مقابل حماية تجارتهم وعدم تعرضهم عسكريا الى بلاد الشام الاخشيدية وتحديدا دمشق، مما جعل بلاد الشام ولا سيما دمشق مجالا ماليا حيويا لهم، ناهيك بعمقهم المذهبي فيها، وبالتالي ما كان ممكنا التخلي عنها بسهولة.

   ونحن لا نعلم ما الذي بدّل العلاقة الجيدة بين الفاطميين والقرامطة قبيل دخول المعز لدين الله الى مصر. ويعزز صحة اعتقادنا، ان الفريقين كانا متفاهمين وئاميا، الكتابُ الذي وجهه هذا الخليفة الى الحسن الاعصم بعد هجوم القرامطة على القاهرة عام 358/969 [27]. فقد اشار فيه بوضوح الى ان القرامطة كانوا، قبل تسلم الحسن الاعصم قيادتهم، يخضعون الى سلطة الامام الخليفة الاسماعيلي، وينفذون اوامره، ومن ذلك قوله للحسن :” فاما انت الغادر الخائن، الناكث البائن، عن هدى آبائه واجداده، المنسلخ عن دين اسلافه وانداده…فعرفنا على اي رأي أصلت، واي طريق سلكت: اما كان لك بجدك ابي سعيد اسوة، وبعمل ابي طاهر قدوة…”[28] فهل كانت المشكلة محصورة بالقائد فقط، ام ان تحوّلا طرأ على سلوك القرامطة المذهبي والسياسي خصوصا بعد الضربات التي انزلها بهم البويهيون، ومن ثم التفاهم المادي الذي تم بينهما، وبالتالي لم يعد لهم مجالا استراتيجيا سوى بلاد الشام؟

  يمكن الاجتهاد بان القرامطة قاموا بانقلاب داخلي في شهر رمضان 358/969 على قائدهم سابور بن ابي طاهر الذي كان يكّن عداء مخيفا للعباسيين وودا للفاطميين وقتلوه بعد مرور شهر واحد على دخول جوهر الصقلي، ولأنه كان ازعج الخلافة العباسية كثيرا بغاراته المتكررة على سواد العراق[29]، ولعل مرد ذلك عدم رغبة القرامطة بالتخلي عن استقلالهم الذاتي والذوبان في الخلافة الفاطمية، والابقاء على الدرع العباسي الذي يعيشون في كنفه من دون كبير مشقة.

ب- بعد دخول الفاطميين الى مصر وبلاد الشام: كانت بلاد الشام محور تنازع بين عدد من القوى الاساسية: الحمدانيون كانوا يريدون الاستيلاء عليها بقصد توسيع امارة سيف الدولة ليستطيع منافسة القوى الاخرى، وكافور الاخشيدي كان يعتبرها امتدادا طبيعيا لمصر وخط دفاع اولي عنها، والقرامطة يعتبرونها مجالا حيويا لهم على عدة مستويات: مذهبي واقتصادي وسياسي وعسكري. فبعد وفاة كافور الاخشيدي ضعفت سلطة الاخشيديين على بلاد الشام، فاغتنم الفرصة القرامطة بمبادرة شخصية منهم ومن دون علم المعز لدين الله الفاطمي عام 353/964 وهاجموا دمشق واحتلوها فصالحهم الحسن بن عبيد الله بن طغج على جزية سنوية مقدارها ثلاث مائة ألف دينار، وأكملوا طريقهم واستباحوا الرملة.[30]وبذلك تأمّن لهم مدخولا ماليا مهما بعد ان كانوا قد تفاهموا مع البويهيين على الارباح التجارية في البصرة وعلى طريق الحج، مما كان يجعل تنازلهم عن السيطرة المالية والسياسية العسكرية في الشام امرا بالغ الصعوبة.

    ادت حملة جوهر على مصر عام 358/969 الى سقوط مصر بايدي الفاطميين بعد ان استسلم معظم الاخشيديين وفرّ القسم الباقي من الاخشيدية الى بلاد الشام. وكان للأمان الذي اعطاه جوهر للمصريين على اموالهم، ودينهم، والتعهّد بالضرب على ايدي المخربين والمفسدين والمحتكرين، والذود عن المصريين، كبير الأثر في قبول المصريين بالحكم الفاطمي.[31] ولما لم تجابهه مقاومة تذكر شرع بتنظيم الادارة وتنفيذ عهده، وبناء القاهرة المعزية، وتطلّع الى بلاد الشام الامتداد الطبيعي لمصر، ولعلّه اعتبر اسياده ورثة الاخشيديين السياسيين حتى في الرقعة الجغرافية التي كانت لهم. ولا ندري اذا كان رغب جوهر، في المغامرة التي خاضها القائد الفاطمي جعفر بن فلاح المرسل من قبله لفتح بلاد الشام، بامتحان جيشه عسكريا، الذي لم يخض معركة عسكرية حقيقية في مصر، وبامتحان آخر لموقف القوى السياسية والعسكرية المتزاحمة على بلاد الشام من الفاطميين، وجس نبض السلطة البويهية في العراق. في مطلق الاحوال كانت مغامرة غير مدروسة لأن جعفر بن فلاح كان منافسا وحاسدا لجوهر ومتعاليا في مواقفه مستهينا باخصامه[32]، وكان يجهل ايضا عقلية السكان المشرقيين ولا سيما الشاميين بل طبائعهم، ومعتادا على الذهنية القبلية المتأصلة بقبائل البربر في شمالي افريقيا. فما كان مصير تلك المغامرة؟

   توجّه جعفر بن فلاح الكتامي عام 359/969 الى الرملة وانتصر على متولّيها الحسن بن طغج واسره، ودخل المدينة عنوة واستباحها، وجبى خراجها وقطع الخطبة العباسية فيها لصالح المعز لدين الله[33]. ثم اكمل طريقه الى طبرية التي خضعت للفاطميين من دون قتال، ثم فتح دمشق بعد ان قاومه اهلها مدة وجيزة واقام الخطبة فيها للمعز بعد ان فرّ منها ظالم بن موهوب العُقيْلي زعيم بني عقيل ملتجئا الى الحسن الاعصم في الاحساء. [34]ونرجّح، قياسا على ما جرى فيما بعد، ان المغاربة _جيش جعفر بن فلاح- اساؤا التصرف تجاه الدمشقيين، مما حدا بالشريف ابو القاسم بن ابن يعلي الهاشمي، بما توفّر لديه من احداث المدينة، الى مقاومة الفاطميين والى اعادة الخطبة للمطيع العباسي، وجرى قتال عنيف بين الفريقين كانت كفته راجحة الى جانب المغاربة. وبعد مشاورات تم الصلح بين الدمشقيين وجعفر بن فلاح، فدخل المغاربة المدينة وعاثوا فيها فسادا ونهبوا قسما كبيرا منها فثار الاهالي، واشتد القتال، فاحرق المغاربة قسما من دمشق. وبعد ان توقف القتال بسعي من الخيّرين، قبض على الشريف الهاشمي وارسل الى القاهرة، وعلى مجموعة من الاحداث، فهدأت الحال في الشام[35].

هجوم القرامطة على دمشق: يرجع بعض المؤرخينسبب هجوم القرامطة على دمشقلانقطاع الجزية الاخشيدية عنهم. قد يشكل هذا السبب دافعا، ولكن ما الذي جعل القرامطة يسوّدون اعلامهم ويكتبوا عليها ” السادة الراجعون الى الحق”، ويعملون باسم الخليفة العباسي المطيع[36]؟ فهل هذا يعني طلاقا تاما بين اهل العقيدة الواحدة، ولماذا حاد القرامطة عن الخط الذي كانوا ساروا عليه لمدة طويلة؟ اسئلة كثيرة لا نجد لها جوابا شافيا الا بدراسة معمقة لتطوّر العلاقة القرمطية الفاطمية منذ اعلان سعيد بن الحسين نفسه مهديا وحتى دخول المعز لدين الله الى مصر. وقد حاول عدد من المؤرخين المشهود لهم القيام بمثل هذه الدراسة من دون التوصل الى جواب نهائي.

    وما نطرحه للبحث في هذا المجال هو تصرف القرامطة المغاير كليا لمواقفهم السابقة بحيث سارعوا الى الهجوم على دمشق، فاستهان بهم جعفر بن فلاح، فانقضوا عليه وقتلوه، واستردوا دمشق وكامل بلاد الشام التي كان اخضعها جعفر، وخطبوا في كل مدنها الى المطيع العباسي[37] ويقول المقريزي في هذا الصدد:” واقام القرامطة الدعوة للمطيع لله العباسي في كل بلد فتحوه، وسوّدوا اعلامهم…واظهروا انهم كأمراء النواحي الذين من قبل الخليفة العباسي.”[38] 

    لم يكتف القرامطة بما انجزوه في بلاد الشام، بل بدا وكأنهم يريدون استئصال شأفة الفاطميين في المشرق، وكأن عداوة دفينة ذرت قرنها بين الفريقين، حتى بات الامر مسألة شخصية. فهاجموا القاهرة وحاصروها بما اجتمع اليهم من العرب والاخشيدية. وتمكّن جوهر بعد جهد جهيد من صد الهجوم وارغام القرامطة على التراجع الى بلاد الشام.[39] وكتب الى المعز يستدعيه على جناح السرعة ليجد حلا لمعضلة القرامطة، فحاول المعز اعتماد السياسية الدبلوماسية بان ارسل الى الحسن الاعصم كتابا طويلا يذكر فيه نفسه وفضل اهل بيته، وان الفاطميين والقرامطة على مذهب واحد مشيدا بالعلاقة التي جمعت بينهما ايام ابيه واجداده، ومهددا الحسن من جهة ثانية[40]، وعتب عليه بل قرّظه لأنه دعا للعباسيين قائلا:” بئس الاسم الفسوق بعد الايمان، وعصيانك مولاك، وجحدك ولاك، حتى انقلبت على الابار وتحملت عظيم الاوزار، لتقيم دعوة درست، ودولة طمست…”[41] فرد الحسن:” وصل الينا كتابك الذي كثر تفصيله، وقلّ تحصيله، ونحن سائرون على اثره والسلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل[42].” مما يعني انه رفض حتى النقاش العقائدي، او ان يقترح لقاء، او يطلب امرا محددا، بل كان مدفوعا بحمية وحقد بالغين، قد يكونان غير مبررين مذهبيا، الا اذا كان الحسن اراد الحصول على مصر وبلاد الشام من العباسيين ليحكمهما باسم الخليفة العباسي: فلماذا لا يحل مكان الاخشيديين، وتاليا مكان الفاطميين، ما دامت املاك الدولة العباسية معروضة للاغتصاب، وكل قادر يقتطع منها رقعة يقيم عليها دويلته؟!

    سار الحسن الى مصر يرافقه اميران عربيان هما حسان بن الجراح الطائي امير عرب بلاد الشام، وظالم بن موهوب العقيلي وحاصروا القاهرة. وكانت القوات الفاطمية عاجزة عن مجابهة هذا الجيش المتعدد المشارب، فعمد المعز الى الحيلة فاستمال حسان بن المفرج الطائي بالمال ما ادى الى هزيمة القرمطي. فاستعاد المعز بلاد الشام وعيّن عليها ظالم بن موهوب العقيلي واليا[43].

   ان انتصار المعز على القرامطة لا يؤشّر ابدا الى ارجحية قوته، بل يوضح العجز الفاطمي عن التصدي لهذه المجموعة، ما يطرح تساؤلا اساسيا بل مركزيا : هل فعلا كان الفاطميون بوارد مهاجمة العباسيين، ام كانوا يعتمدون على القوى الشيعية الاخرى المنتشرة في بلاد الشام والعراق وبلاد فارس لتعاونهم عسكريا ومذهبيا ؟!

لم يكن اختيار ظالم بن موهوب العقيلي واليا لدمشق خيارا صائبا، لسببين: لأن الجيش الفاطمي كان بقيادة  ابي محمود بن جعفر بن فلاح الكتامي غير الكفوء” ولم يكن صاحب رأي سديد ولا تدبير حميد ولا حسن سياسة”[44]، ولازدواجية، من ناحية ثانية، في السلطة والرأي والسلوك بين ظالم وابي محمود.

      كان الدمشقيون قد كرهوا المغاربة منذ حملة جعفر بن فلاح، واعتاد الجيش الفاطمي الغريب الدار على النهب والسلب من دون الإلتفاة الى المصلحة العامة. وكان نشوب الصراع بين الغرباء والدمشقيين شبه حتمي لأسباب متعددة: انحصر هم ظالم بجباية الخراج لأنه كان موقنا قصر ولايته على المدينة، ورغب الاحداث بالثأر من المغاربة، وجنح المغاربة الى السلب والنهب. وكان اشراف دمشق في مأزق كبير لأنهم كانوا عاجزين عن كبح جماح الاحداث والعامة الشامية، وعاجزين ايضا عن انتزاع تعهّد من ابي محمود يكبح جماح الجيش المغربي او السيطرة عليه، لأنه فعلا كان غير جدير بالمسؤولية لقلة دربته، ولافتقاره للمال لأن الخراج كان يجبيه ظالم ويتصرف به[45]

   وهكذا اندلع الصراع بين الاطراف المتنازعة على مدى ما يقرب الثلاثة اشهر بين كر وفر، فاعتدى المغاربة على اسواق القاهرة واهلها واضرموا النار فيها وفي العديد من احيائها، واستولوا على القوافل التجارية والتموينية القادمة اليها او المارة بالقرب منها، وانتهبوا القرى. ولم يؤدِ انحياز ظالم بن موهوب العقيلي الى جانب الدمشقيين الى توازن في القوى المتحاربة، بل استمرت الغلبة للجيش المغربي.[46]ويوجز ابن القلانسي الحال قائلا:” وانتشر الفساد في سائر الضياع والجهات، وطرحت النار في الاماكن والحارات، وثارت الفتنة واشتدت النار، وعظم الخوف وفني العدد الكثير من الفريقين.”[47]

   نتائج السياسة العسكرية الفاطمية في الشام:

1- على المستوى المدمشقي الداخلي: لما علم المعز بالاوضاع الدمشقية طلب من ريّان الخادم والي طرابلس التوجه الى دمشق لحفظ الامن فيها والنظر باحوالها، وصرف ابي محمود عنها، خوفا من تزايد الهوة بين الدمشقيين والسلطة الجديدة الطارحة نفسها حلاً للمشاكل الاسلامية، التي عجزت عن تنفيذها الخلافة العباسية بوجود الاغراب على رأس السلطتين العسكرية والسياسية في العراق. وارسل المعز الى القائد المعزول كتاب توبيخ وتقريظ.[48]  اما الدمشقيون فقد ذهولوا من هول ما جرى، واستاكنوا آنيا بانتظار الفرصة المناسبة للانقضاض على الحكم الفاطمي، الذي صار بنظر معظمهم قمعيا.

2-على المستوى الاقليمي: كانت الصراعات في العراق على اشدها بين البويهيين بزعامة بختيار بن معز الدولة والاتراك الجدد وتحديدا حركة سبكتكين الذي كان أفتكين التركي احد ابرز قادته، وكان قد انهزم امام القوة البويهية واستقر في جوسية احدى اعمال دمشق ومعه حوالى ثلاث مائة جندي من الطراخنة.[49]ولعبت المصالح الشخصية والاقليمية دورا بارزا في توجيه كفة الصراع: فقد كان البويهيون يريدون القضاء على القوة التركية الجديدة في جيشهم، وفي آن ما كانوا يودون النجاح للفاطميين والاستقرار في بلاد الشام حفاظا على مصالحهم. وجهد الحمدانيون لابعاد الخطر الفاطمي عن دويلتهم في حلب ومارسوا سياسات عدائية ضمنية ضدهم. وكان الامراء العرب في فلسطين يقومون بدور المستفيد من الرياح من اين هبت، فارتأى  ظالم العقيلي متولي بعلبك من قبل الفاطميين ان يحارب افتكين ليرتفع مركزه عند الفاطميين.

   وتلاحقت المواقف والاحداث سريعا، وحولت افتكين الى بيضة قبان في الصراعات: فارسل له ابو المعالي بن حمدان ثلاث مائة جندي بقيادة بشارة الخادم نكاية بظالم الذي كان يريد قتاله تقربا من السياسية الفاطمية، ورجاه  الدمشقيون ليقودهم ويساعدهم لردع تعديات الاحداث، وقتال المغاربة اذا اقتضى الامر[50]، وقال ابن القلانسي الدمشقي في هذا الصدد:” فنزل بظاهرها-اي دمشق- خرج اليه شيوخها واشرافها وخدموه، واظهروا السرور به، وسألوه الاقامة عندهم، والنظر في احوالهم، وكف الاحداث الذين بينهم، ودفع الاذية المتوجهة عليهم منهم…”[51] مما يعني ان الوضع الداخلي في دمشق كان غير مستقر، واهلها منقسمين فريقين: الاحداث الذين بدفاعهم عن مدينتهم آذوا الدمشقيين انفسهم بممارساتهم الشاذة، والخاصة الدمشقية الدينية والاقتصادية الراغبة بالهدوء باي ثمن.

    وارتفعت منزلة افتكين عند الدمشقيين لأنه قطع الخطبة الفاطمية، وقمع حركات الاحداث وشغبهم، واسترد ضواحي دمشق من العرب الذين كانوا استولوا عليها ابان الفوضى العسكرية، ولأن مقدرته الدبلوماسية نجحت بدرء خطر حملة ابن الشمشقيق عنها، فقد اكرم وفادة الامبراطور البيزنطي بان قدم له كل ما كان حمله معه من بغداد، ولعب امامه ضروبا مدهشة من الفروسية، فاعفى دمشق من الجزية التي كان فرضها على اهلها[52].

   وحاول افتكين تمكين مركزه في المدينة بطلب المساعدة من القرامطة، الذين سارعوا الى الرملة واستولوا عليها بعد ان هرب ابراهيم بن جعفر واليها الفاطمي[53]. واطمأن افتكين الى هذا الحاجزا الذي شكلوه بينه وبين الفاطميين من دون ان يقدر الموقف الفاطمي حق تقديره، منتهزا الفرصة للاستيلاء على الساحل الفاطمي في بلاد الشام والداخل اللبناني، بقصد الاستقلال ببلاد الشام بعد تفاهمه مع القرامطة، مما افشل جهود المعز لدين الله الهادفة الى جعل افتكين واليا فاطميا على بلاد الشام.

ولما أمن افتكين جنوب بلاد الشام بواسطة القرامطة وعلم بوفاة المعز بدأ بتنفيذ مشروعه الاستقلالي: فاحتل صيدا وطرد منها ابن الشيخ واليها الفاطمي، واكمل طريقه الى عكا. ولما فشل العزيز، الذي خلف والده المعز باصطناع افتكين الذي رد على كتابه بانفة وجفاء :” هذا بلد اخذته بالسيف وما ادين فيه لاحد بطاعة ولا اقبل منه امرا.”[54] ارسل جوهر الصقلي على رأس جيش جرار لاستعادة بلاد الشام كلها، فتراجع افتكين الى دمشق بعد ان حمل معه المؤن من حوران وغيرها من المناطق الزراعية استعدادا لحصار فاطمي مرتقب. ولما كان تعداد القرامطة غير كاف في الرملة لمجابهة جوهر انكفؤا الى الاحساء، من دون ان يخرجوا نهائيا من المعادلة العسكرية.

    في عام 975 هاجم جوهر دمشق وحاصرها وضيّق على افتكين واضطرّه للاستنجاد بالقرامطة بقيادة الحسن بن احمد الاعصم الذي اسرع لنجدته حفاظا على مجالهم الحيوي واضغافا للموقف الفاطمي في بلاد الشام. ومخافة ان يصبح جوهر بين نارين تراجع الى طبرية فالى الرملة وتحصّن بها بعد ان اودع احماله في عسقلان، ولاحقه افتكين والقرامطة. وبعد مناوشات وحروب عديدة انهزم جوهر بنهايتها، وبعد محادثات شاقة تم الصلح بينهما وسمح بموجبه لجوهر الانسحاب الى القاهرة شرط ان يمر تحت سيف أفتكين ورمح القرمطي تدليلا على الهزيمة بل على الذل والمهانة. فعاد الى القاهرة عام 368/978 وتذرّع للعزيز بان تخاذل الجيش المغربي وتحديدا الكتاميين بالقتال ادى الى هذه النتائج الكارثية.[55]

  لم يُخفِ العزيز غضبه لان مهابة الفاطميين كانت في الميزان، رافضا النتائج المذلة التي اسفرت عنها حملة جوهر، فقاد جيشا جرارا وتوجه الى بلاد الشام وهزم افتكين والقرامطة معا. ولما قُبض على افتكين ومثل بين يديه عفا عنه واكرمه، وتلك سياسة اتبعها الفاطميون في معظم مراحل تاريخهم من دون ات تعطي ثمارا، فاسطناع المتمردين، او العفو عنهم كانت نتائجه باستمرار كارثية.

    وانتهى بذلك فصلا اساسيا من مراحل الصراع بين القرامطة والفاطميين بمشاركة فعالة من القوى المتضررة من دخول الفاطميين المعترك السياسي في بلاد الشام مظهرا ان الروابط المذهبية، كانت على صعيد الواقع وتضارب المصالح، اقل قوّة وفاعلية مما كانت تبذو عليه على المستوى التنظيري. لأن السياسة كانت تتقمص تلاوين دينية ومذهبية لتحقيق اغراض اقل ما يقال فيها شخصية بل انانية، ولكن الصراع لم ينته بين توأمي المذهب الاسماعيلي، فعاد باشكال اقل حدة فيما بعد خصوصا في عهد الحاكم بامر الله الفاطمي.

3-العلاقة مع الحمدانيين:

أ – في الموصل: كان الحمدانيون العرب شيعة ويتأثرون قوة وضعفا بولاءات القبائل العربية في بلاد الشام، وتمكنوا من تأسيس امارتين: الاولى في الموصل وكانت، في المرحلة التي ندرس، بقيادة ابي تغلب، والثانية في حلب بقيادة ابي المعالي ابن سيف الدولة. وعندما قدم جوهر الى مصر كاتبه جماعة منهم يبذلون له الطاعة، ويضعون قوتهم في خدمته، فارسل يستشير سيده. ولكن المعز لدين الله كان له موقف صارم من الحمدانيين،  فكان يعتبرهم وصوليين، وممارسي التقية السياسية تحقيقا لمآربهم، فكتب الى جوهر ينير سبيله قائلا:” احذر ان تبتدئ احدا من بني حمدان بمكاتبة –ترهيبا له ولا ترغيبا- ومن كتب اليك منهم فاجبه بالحسن الجميل، ولا تستدعه اليك، ومن ورد اليك منهم فاحسن اليه، ولا تمكّن احدا منهم من قيادة جيش ولا ملك طَرَف، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة اشياء عليها مدار العالم، وليس لهم فيها نصيب: يتظاهرون بالدين وليس لهم فيه نصيب، ويتظاهرون بالكرم وليس لواحد منهم كرم في الله؛ ويتظاهرون بالشجاعة، وشجاعتهم للدنيا وليست للآخرة؛ فاحذر كل الحذر من الاستنامة الى احد منهم.”[56] محددا بهذا الموقف سياسته تجاههم، ومحذرا جوهر من التعاطي معهم، او دعوتهم لاقامة الخطبة للفاطميين.

   انما العلاقة التنافرية بين جوهر والقائد جعفر بن فلاح جعلت الاخير يخالف وصية المعز – وقد يكون لم يطلع عليها – بان حاول اخضاع ابي تغلب بن حمدان بالقوة او ان يرهبه، اذ بعد احتلاله الرملة ثم طبرية ارسل اليه رسولا ليقول له:” اني سائر اليك فنقيم الدعوة.” فرد ابو تغلب وكان في الموصل:” هذا ما لايتم لأنا في دهليز بغداد، والعساكر قريبة منا، ولكن اذا قربت عساكركم من هذه الديار امكن ما ذكرتم.”[57]  واضح ان في الجواب هزءا واحتقارا من استكبار جعفر، وحضّا للقدوم الى الموصل ليدخل بصراع مع البويهيين اصحاب السلطة العسكرية الفعلية في العراق، وكان على يقين ان جعفر لم يقدم على هكذا مشروع من دون موافقة المعز لدين الله.

    وكان ابو تغلب شارك بفعالية بمقتل جعفر بن فلاح وبسقوط دمشق بيد القرامطة بان امدّهم بالمال والسلاح والرجال بطلب من عز الدولة بختيار البويهي[58]. ولما تدخل ابو نغلب بسياسة البويهيين الداخلية هاجمه عضد الدولة وطرده من امارته ولم يسمح له بالعودة اليها، مما اضطره للالتجاء الى دمشق الفاطمية التي كان يتولاها قسّام الحارثي[59]، الذي كان يخشى من ان يستميل ابو تغلب الخليفة العزيز ليوليه على دمشق بدلا منه، لذلك اثار الخليفة على هذا الخصم المرتقب.[60]

   وبفشل مشروعه مع قسّام حاول مجددا مع القائد الفاطمي الفضل بن صالح المنتدب من قبل العزيز للاتفاق مع بني الجراح في الرملة وقسّام الحارثي للتخلص من مناورات ابي تغلب. ووقع الحمداني في الفخ الذي نصبه له الفضل بن صالح مع بني الجراح وبني عقُيْل، فاشترك في القتال لاخراج بني الجراح من المعادلة السياسية في فلسطين، وانتهى الامر بانقلاب الفضل عليه خلال المعركة، ثم اسره واعدامه.[61]

ب – في حلب: شهدت حلب الحمدانية عصرها الذهبي في ظل سيف الدولة، وبوفاته عام 356/966 خلفه ابنه سعد الدولة ولم يكن على قدر من الحنكة السياسية والمقدرة العسكرية، والدربة الادارية. فاستغل مولاه قرعويه نقاط ضعفه هذه وتمرد عليه وسلبه الحكم[62] قبل دخول الفاطميين الى مصر بعام واحد اي سنة 358/968.

 ولم تسلك حلب سياسة واضحة المعالم تجاه القوى السياسية الاساسية المتصارعة: فحينا كان حاكمها يوالي الخلافة العباسية وحينا آخر الخلافة الفاطمية، ومرة ثالثة الامبراطورية البيزنطية، تبعا لتقلب الاحوال ومقتضيات الظروف جريا وراء مصالحه الشخصية. وفي عام 360/970 اصطلح الحال بين سعد الدولة وقرعويه بمباركة فاطمية من دون ان يتمكن سعد من استرجاع امارته ربما لأنه لم يكن يملك القوات الكافية، ولأن الفاطميين ما كانوا يريدون الدخول في سياسة المحاور الداخلية بين الاثنين لعدم ثقتهم بهما، ولجعل حلب خط دفاع اولي ضد البيزنطيين، واكتفوا بخضوعها الاسمي لخلافتهم[63]. ولم يبذل العباسيون  جهدا ايضا لمساعدته للعودة الى امارته[64] ربما لأنهم لم يتوسموا فيه القيادي البارز.

   ولم يطل الامر بقرعويه حتى انتزع منه الحكم مولاه بكجور بمباركة سعد الدولة[65]، ثم دخل بصراع مع سعد الدولة الذي تمكن من العودة الى حلب واعطى بكجور ولاية حمص[66]. ويبدو جليا ان الفاطميين بعد ان شبه استقر لهم الوضع في الشام الجنوبي عموما، وجّهوا انظارهم لاستكمال اخضاع بقية بلاد الشام وتحديدا شماله رغم المخاطر، التي كان يمكن ان تتأتى عن مجاورة البيزنطيين المباشرة. ويبدو ايضا ان جعفر بن فلاح اخاف الحمدانيين في كامل بلاد الشام عندما طلب منهم بتهديد مبطن اقامة الخطبة الفاطمية.

   وعجز سعد الدولة عن اقامة توازن بين القوى الثلاث الاساسية المحيطة به، او الاخلاص لاحداها ليأمن بمساعدتها خطر القوتين الاخريين، وحاول اعتماد الولاء المزدوج للفاطميين وللعباسيين الممثلين بالبويهيين اصحاب السلطة الفعلية[67].

   وتمكّن بكجور بحسن ادارته وحزمه من تطوير حمص على المستويين الاداري والاقتصادي التجاري بتأمين الطرقات اليها من اللصوص وقطاع الطرق[68]، اذ ضرب القبائل العربية التي كانت تعيث فسادا ليس فيها فحسب بل في محيط دمشق، فارتفع شأنه عند الخليفة الفاطمي العزيز بالله.

    وضاع دغفل بن الجراح الطائي رغم قوة قومه في هذا الخضم من الصراع المتنوع الاتجاهات والولاءات، حتى اضطر بعد ان هزمه رشيق الحمداني الى اللجوء الى انطاكيا ملتمسا النجدة من الامبراطور البيزنطي باسيل الثاني، وبعد حصوله على الصلة عاد الى الشام والتمس الصفح من الخليفة العزيز[69]. وكان بكجور يجتهد للتقرب من الفاطميين فدعا للعزيز وهو في حمص، ثم طلب منه جيشا لاحتلال حلب وضمها للفاطميين مما ادخل الفاطميين، للمرة الاولى، بصراع مكشوف مع الحمدانيين[70]. واثناء حصار بكجور للمدينة خرج الامبراطور البيزنطي نقفور فوكاس على رأس جيش كبير يرافقه دغفل بن الجراح في غزوة على بلاد الشام. وكما ان حملة ابن الشمشقيق  Iohannès Tzimiskès(969-979) اعادت خلط الاوراق السياسية والعسكرية في بلاد الشام ايام المعز لدين الله، فان حملة نقفور فوكاس Niképhoros Phokas (963-969)  عام 373/983 اعادت الكرة: فتراجع بكجور عن حصار حلب بعد ان حذّره ابن الجراح[71]، واتفق مع سعد الدولة على اربعين ألف دينار جزية سنتين، ثم اكمل طريقه الى حمص وسباها واحرق قسما منها بعد ان نهبها ليحقق هدفين معا: الحصول على غنائمها، واضعافا لبكجور عدو حليفه سعد الدولة ،[72] ثم اكمل طريقه باتجاه طرابلس.

    واذا كانت هذه الحملة البيزنطية حققت المصالح البيزنطية الاساسية اضافة الى تعزيز موقع حليفها الآخذ بالانحدار، فانها ايضا شددت قبضتها عليه بالتأكيد على معاهدتها السابقة او الهدنة المؤبدة كما يسميها الانطاكي[73] التي  كان عقدها البيزنطيون مع الحلبيين عام359/ 969، ومما جاء بابرز بنودها: يحمل الحلبيون الى الروم عن حلب وحمص واعمالهما ثلاثة قناطير ذهب عن حق الارض، وسبعة قناطير ذهب ايضا بدل خراجها، ودينار واحد سنويا عن كل رجل حالم، ويكون للروم نائبا فيها[74]. ويمكن اضافة دافع آخر لهذه الحملة البيزنطية المفاجئة وهو وقف المد الفاطمي المتنامي الذي بدأ يتدخل بامور الحمدانيين الآخذ دورهم بالضعف في حلب ليحلوا مكانهم فيها، مخافة ان يصبح البيزنطيون في مواجهة مباشرة معهم. وفعلا حققت هدفها لأن بكجور تراجع عن حصار حلب وتوجّه نحو الشام وطلب من الخليفة العزيز ولايتها، فتم له ذلك عام 373/983 على رغم معارضة الوزير الفاطمي يعقوب بن كِلِّس[75] الذي رأى في بكجور مشروع استقلال في دمشق ونزاع مستقبلي مع الخلافة الفاطمية.

    حاول بكجور الافادة ماليا قدر المستطاع من ولايته على دمشق، وجهد لابتزاز الوزير ابن كلس بان قتل احد جواسيسه المدعو ابن ابي العود اليهودي، ودارت حرب باردة بين الاثنين كانت ارجحيتها لبكجور المؤيَّد من الخليفة العزيز. واشتد ظلم بكجور على الدمشقيين في انفسهم، واموالهم. وضاق به ذرعا العزيز لكثرة ما خالف اوامره، [76]وارسل حملة للقضاء عليه بقيادة القائد منير الخادم في رجب من عام 378/988. وادرك بكجور ان العزيز لن يرض عنه فسار عن دمشق بامواله نحو الرَقّة يرافقه دغفل بن الجراح[77] بعد ان سدت كل الابواب بوجهه: ومنها انهزام الكردي المتغلّب على ميّافارقين امام الجيوش العباسية وكان كاتبه طالبا ان يجيره وان يخطب للعزيز على غراره معللا النفس بصفح العزيز، وخوفه من المؤامرات التي كان يحيكها الوزير ابن كلّس ضده، ومنها ايضا فشله في الحصول على ملجأ عند البويهيين، وخشيته من وصول نزّال والي طرابلس عونا لمنير الخادم الذي ارسله العزيز واليا على الشام. عند ذلك ترك دمشق لمنير الخادم، وطلب من سعد الدولة الحمداني اعادته الى ولاية حمص، فاجابه[78] ليأمن شره من جهة، وليستخدمه لابعاد خطر الفاطميين عن حلب من جهة ثانية، هذا على الاقل ما اعتقده سعد الدولة صوابا، والا لم يكن هناك دافع حقيقي يرغمه على اعطائه ولاية حمص. لأنه بغبائه كاد يدخل مجددا بصراع مباشر مع الفاطميين، وعن طريق بكجور بالذات، الذي فشل في الاستيلاء على حلب رغم الرشوة التي قدمها لجماعة من مماليك سعد الدولة ليساعدوه  بالانقلاب على سيدهم، ولكنه انتهى اسيرا في حلب، وتم اعدمه فورا.[79]

    ويبدو ان سياسة الفاطميين واصطناعهم القادة لم يكن دائما يوتي ثماره، فمعظم القادة الذين كانوا  يتولون دمشق كانوا يعمدون للاستقلال فيها، فيرسل الخليفة قائدا آخر لازاحة المتغلّب عليها، فلا يلبث ان يستقل بها بدوره. وحاول العزيز توحيد بلاد الشام كلها بعد ان اضعف القرامطة واستولى على معظم بلاد الشام سوى اطرافه الشمالية وبعض جنوبه، فبعث رسولا الى سعد الدولة الحمداني يدعوه لاقامة الخطبة الفاطمية، وكان الامير الحمداني على دراية بواقع الحال الفاطمي المتردي في دمشق، فاهان الرسول واطعمه الكتاب، وارسل معه تهديدا للعزيز متوعدا بالهجوم على دمشق[80]. ولكن الموت فاجأه لتنتهي بذلك مرحلة ثانية من الصراع بين الحمدانيين والفاطميين، رغم ان حالة العداء لم تنته، وظل الحمدانيون مكابرين، يستظلون الحماية البيزنطية كلما احدق بهم الخطر، الى ان انتهى امرهم عام 1002 في عهد الحاكم بامر الله الفاطمي(996-1021)

     لقد نشأت الخلافة الفاطمية على المذهب الاسماعيلي وهدف مؤسسها الى نشره في العالم الاسلامي كلّه، واعتقد ابناؤه واحفاده ان العمل على الاساس الديني بل المذهبي قد يمكنهم من تطوير خلافتهم واضعاف نظيرتها العباسية عدوتهم المذهبية بفعل انتشار الدويلات الشيعية في المشرق العربي. ولعلّ افتراض الخلفاء الفاطميين ووزرائهم وقادتهم في عهدهم الاول في مصر وبلاد الشام اي في عهدي المعز والعزيز ان الولاء المذهبي قد يوحّد بين الدويلات الشيعية المتعددة في بلاد الشام والبويهيين في العراق تحت المظلة الفاطمية، فتسود خلافتهم على كامل الرقعة الجغرافية المشرقية. ولكن سوء تقديرهم للاطماع الشخصية المغلّفة بغطاء مذهبي، وقلة دربة قادتهم وسوء سلوكهم تجاه الحمدانيين والدمشقيين، وعدم أخذهم بالاعتبار مصالح القرامطة، بل حسن قراءة العلاقات القرمطية الفاطمية منذ اعلان سعيد بن الحسين نفسه مهديا مما كان يتنافى والعقيدة القرمطية، وتاليا قلّة التبحّر بحالات العداء والوئام بين الفريقين، وعدم تنسيق الفاطميين سياسيا مع القرامطة واشراكهم في الحكم، كان له كبير الاثر في فشل المشروع الفاطمي المذهبي. ويجب الا يغيب عن بالنا دور البويهيين المناهض للتوسع الفاطمي الذي كان سيضعف من قدراتهم السياسية وتطلعهم الاستقلالي، مما جعلهم يغذّون كل الحركات الاستقلالية في بلاد الشام ماليا واحيانا عسكريا، بل كانوا هم وراء معظم تحركات القرامطة المعادية للفاطميين، وضغطوا سياسيا وعسكريا على الحمدانيين للغاية عينها.

    واذا كان من خلاصة نسترشد بها من خلال كل ذلك المسرح السياسي العسكري والديني والمذهبي، نقول ان التلطي وراء الاقنعة الدينية والمذهبية لم يكن سوى بداية مرحلة استقلالية، لا تلبث ان تتحوّل مشروعا عسكريا يهدف للقضاء على كل القوى التي تعترضه حتى وان كانت من مذهبه، وبالتالي فان عملية الدفاع عن النفس اعتبرها اصحابها عملا مشروعا يقتضي انجاحها بكل الوسائل من دون التطلع الى المصالح العليا التي طالما حلم بها فرقاء ما، وبالتالي فان الولاء المذهبي خرّ صريعا امام الولاء والسياسي والطموح الشخصي.


[1] – ابن الاثير، عز الدين ابو الحسن علي، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1965، ج7، ص32، 64،

– المسعودي، علي بن الحسن، التنبيه والاشراف، مكتبة خياط، بيروت، 1965، ص361

– شعبان، محمد عبد الحي محمد، الدولة العباسية –  الفطميون، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1981، ص98

[2] – انظر حول تفكك الخلافة العباسية الى دويلات وامارات: مؤلف مجهول، العيون والحدائق في اخبار الحقائق، تحقيق عمر السعيدي، دمشق، المعهد الفرنسي للدراسات الاسلامية، 1973، ص 298-299

  • ابن الاثير، ج8، ص322-324
  • ضومط، انطوان وآخرون، الشرق العربي  في القرون الوسطى، الدار اللبنانية للنشر الجامعي، بيروت، 1966، ص112-114

[3] – العبادي، احمد مختار، في التاريخ العباسي والفاطمي، دار النهضة العربية، بيروت، 1971، ص226-2229

[4] – القاضي النعمان، محمد بن حيّون، المجالس والمسايرات، تحقيق ابراهيم شبّوخ وآخرين، الجامعة التونسية، تونس، 1978، ص55، 73، 114، 214، وغيرها، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص 422 وما بعد، ابن عذاري، ابو عبد الله محمد المراكشي، البيان المغرب في اخبار الاندلس والمغرب، تحقيق كولان وليفي بروفنسال، ليدن، 1948، ج1، ص216-220

المقريزي، تقي الدين احمد بن علي، اتعاظ الحنفا باخبار الائمة الفاطميين الخلفا، تحقيق جمال الدين الشيال، ط2، القاهرة، 1996، ج1، ص78-79

[5] – المقريز، تقي الدين احمد بن علي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، طبعة دار صادر، بيروت، بدون تاريخ، ج1، 8

[6] – دفتري، فرهاد، مختصر تاريخ الاسماعيلية، نقله الى العربية سيف الدين القصير، دار المدى، دمشق، 2001، ص140

[7] –  المقريزي ، اتعاظ الحنفا ، ج1، 113

– ابن تغري بردي، جمال الدين ابو المحاسن، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، طبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1929، ج4، ص 29، 41

[8] – البيروني، احمد بن محمد، الآثار الباقية عن القرون الخالية، ليبزك، 1913، ص132

[9] – فوزي، فاروق عمر،الخلافة العباسية، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، 1998، ص92-93

– شعبان ، المرجع السابق، ص195-196

[10] – شعبان، الدولة العباسية، ص196-197

[11] – البيروني، ابو الريحان محمد بن احمد، كتاب الجماهر في معرفة الجواهر، عالم الكتب، بيروت، دون تاريخ، ص 22-23

[12] – ابن الاثير، الكامل، ج8، ص452

[13]  – مسكويه، تجارب الامم، طبعة امدروز، ج2، ص86

[14] – المرجع السابق، ص 196

[15] – مسكويه، ج2، ص 113، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص351

[16] – شعبان، ص200-201

[17] – المرجع السابق، ص 201

[18] – مادلونغ، ورفيلد، ” الفاطميون وقرامطة البحرين” ضمن كتاب الاسماعيليون في العصر الوسيط، جمعه فرهاد دفتري، ترجمة سيف الدين القصير، دار المدى، دمشق، 1999، ص 37، وسنشير اليه ب: الاسماعيليون

[19] – المرجع السابق، ص 37

[20] – لعل من ابرزها دراسة دي غويه، وبرنارد لويس، وحسن شرف، وحسن ابراهيم حسن…

[21] – مسكويه، تجارب، ج2، 215 ، شرف،( حسن)، و ابراهيم، (حسن)، المعز لدين الله، القاهرة، 1948، ص100، الاسماعيليون، ص49

[22] – ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والامم، حيدر آباد، 1938، ج6، ص195

[23] – مادلونغ، الاسماعيليون، ص67

[24] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص189

[25] – مادلونغ، الاسماعيليون، ص49

[26] –  ابن القلانسي، حمزة بن اسد التميمي، ذيل تاريخ دمشق، تحقيق سهيل زكار، دار حسان، دمشق، 1983، ص1 المقريزي، ابن الاثير، تاريخ، ج8، ص615 اتعاظ، ج1، ص187

[27] – مادلونع، الاسماعيليون، ص 67 ، انظر نص الكتاب كاملا في المقريزي، اتعاظ، ج1، ص189-201

[28] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص195

[29] –  الازدي، ابن ظافر، الدول المنقطعة، او اخبار الزمان في تاريخ بني العباس، مخطوط مصوّر بدار الكتب المصرية، رقم 890 تاريخ، نقلا عن امينة بيطار، مواقف امراء العرب، ص54

[30] – الانطاكي، يحي بن سعيد، تاريخ الانطاكي، تحقيق عمر تدمري، جروس برس، طرابلس لبنان، 1990، ص 128، المقريزي اتعاظ، ج1، 186-187

[31] – الانطاكي، ص 130

المقريزي، اتعاظ، ج1، ص 103-106

[32] –  ابن القلانسي، ص1

[33] – الانطاكي، ص143، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص591

[34] – ابن الاثير،  الكامل، ج8، ص 591، اتاعظ، ج1، ص186، ابن تغري بردي، نجوم، ج4، ص33

[35] – ابن الاثير، ج8، ص591-592

[36] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص188، ابن تغري بردي،، نجوم، ج4، ص74

[37] – الانطاكي، تاريخ، ص146-147، ابن القلانسي، ذيل، ص1-3، ابن الاثير، الكامل، ج8، 615-616 المقريزي

[38] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص189

[39] – ابن القلانسي، ذيل، ص3- 4

[40] – انظر الكتاب في اتعاظ الحنفا، ج1، ص189-201

[41] – المقريزي، اتعاظ، ص197

[42] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص202

[43] – ابن القلانسي، ذيل، ص3-5-9، ابن الاثير، الكامل، ج8، 638، المقريزي، اتعاظ، ج1، 202-206، ابن تغري بردي، ج4، ص74-75

[44] – ابن القلانسي، ذيل، ص16

[45] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص211

[46] – ابن القلانسي، ذيل، ص10-18، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص640- 641،  واتعاظ، ج1، ص211-214

[47] – ابن القلانسي، ذيل، ص18

[48] – ابن القلانسي، ص20، الكامل، ج8، ص643، اتعاظ، ج1، ص214

[49] – ابن القلانسي، ص21،  المقريزي، اتعاظ، ج1، ص219 ، والطرخان هو الجندي البطال لأكثر من سبب اما لتقدمه بالعمر، او لعزله لسبب سياسي…

[50] – الانطاكي، ص161، مسكويه، تجارب الامم، ج2، ص384 ، ابن القلانسي، ص 21 ، ابو الفدا، المختصر باخبار البشر، ج2، ص 121، المقريزي، اتعاظ، ج1، ص219-220

[51] – ابن القلانسي، ذيل، ص22

[52] – الانطاكي، ص162 ابن القلانسي، ذيل، ص22، 25،  المقريزي، اتعاظ، ج1، ص220-221

[53] –  الانطاكي، ص180 ابن القلانسي، ذيل، ص 28، المقريزي، اتعاظ، ج1، ص238

[54] – ابن القلانسي، ص29

[55] – الانطاكي، ص181، ابن القلانسي، ص 33-34، اتعاظ، ج1، 242-244

[56] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص98

[57] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص187

[58] – ابن القلانسي، ذيل، ص1، الدواداري، الدرة المضيئة في اخبار الدولة الفاطمية، ج6، تحقيق صلاح الدين المنجد، القاهرة، 1961، ص 134

[59] – مسكويه، تجارب، ج2، ص401

[60] – ابن القلانسي، ذيل، ص38-39، الدواداري، ج6، ص192

[61] – مسكويه، تجارب، ج2، ص402، ابن القلانسي، ذيل، ص41-42، الدواداري، ج6، ص 193

[62] – ابن القلانسي، ذيل، ص48-49

[63] – ابن تغري بردي، نجوم، ج4، ص58

[64] – CANARD, M, Histoire de la Dynastie de Jazira et de Syrie, Paris, 1951, p. 667

[65] – الانطاكي، ص 186، ابن القلانسي، ص48

[66] – الانطاكي، ص187، ابن العديم، زبدة الحلب في تاريخ حلب، تحقيق سامي الدهان، المعهد الفرنسي، دمشق، 1954، ج1، ص172

[67] – الانطاكي، ص 187

[68] – ابن القلانسي، ص49

[69] – الانطاكي، ص199-200، الكامل، ج9، ص7، اتعاظ، ج1، ص256

[70]  – الانطاكي، ص200، ابن القلانسي، ص50

[71] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص258

[72] – الانطاكي، ص200-201، ابن القلانسي، ص50-51

[73] – الانطاكي، ص205

[74] – الانطاكي، ص135، ابن العديم، زبدة، ج1، ص161-168، الكامل، ج8، ص603-604

[75] – الانطاكي، ص201، ابن القلانسي، ص51، اتعاظ،ج1، ص259

[76] – ابن القلانسي، ص52، الكامل، ج9، ص18، اتعاظ، ج1، ص259

[77] – الانطاكي، ص220، ابن القلانسي، ص55، اتعاظ، ج1، ص259 – 260

[78] – الانطاكي، ص220، ابن القلانسي، ص55،

[79] – ابن القلانسي، ص61-63، ابن الاثير، الكامل، ج9، ص86-88، اتعاظ، ج1، ص269

[80] – ابن القلانسي، ذيل، ص65-66، اتعاظ،ج1، ص270

جاورهم في بلاد الشام في عهدي المعزوالعزيز

358-386/969-996

مقدمة التأريخ في العصور الوسطى

1 – علاقة التاريخ بعلم الحديث: اذا كان لم يؤثر تماما عن عرب الجاهلية تأريخا مدونا يتمتع بكل مقومات التأريخ، فاننا نعرف ان اسلوب الايام- ايام العرب- اسس لأسلوب التأريخ الاولي خلال القرن الاول الهجري وحتى اواسط الثاني. ومنذ الربع الاول من القرن الثاني الهجري بدأت عملية جمع الاحاديث وتدوينها بسعي حكومي رسمي، وآخر فردي نابع من قناعات العلماء. والحديث كما بات معروفا يقسم منهجيا الى قسمين: رجال الاسانيد، ومتون الحديث. ونعني برجال الاحاديث الرجال الذين رووا الحديث عن الرسول او الصحابة. وقد اعطوا الاهمية لمنزلة الراوي الاجتماعية والدينية والاخلاقية ما جعل متن الرواية او الحديث قليل الاهمية اذا ما قورن بمستوى رجال الاسانيد، وصارت بالتالي الحقيقة الدينية النابعة من الاحاديث رهن بمن اسندت اليهم المتون.

   وفي بدايات التدوين التاريخي لم تسند الاخبار الى رواتها الاُول باعتبار ان الروايات كانت معروفة في الاوساط الفكرية، لكن عندما تعددت الروايات والاتجاهات الفكرية والسياسية بات الاعتماد على طريقة سليمة لتنقية الاخبار من الدس والاختلاق لتتوافق مع الواقع التاريخي. فلم يجد الاخباريون وسيلة افضل من منهج المحدثين، فصارت الروايات تؤخذ من رجال ثقة من حيث منزلتهم الاجتماعية والدينية، وتهمل روايات آخرين كانت منزلتهم متواضعة من دون التبصّر بمضامين الروايات جريا على منهج اهل الحديث، بل تمّ استبعاد روايات اخباريين من المنطلق عينه.

 وهكذا، انطلق التأريخ من علم الحديث وارتبط به لأن التاريخ مهمة دينية اجتماعية توجه سلوك المسلمين والحكام، ويسقط بعده السياسي اذا لم يرتبط بالديني. وتحوّل التوجه الديني عبر التاريخ باتجاهين: سني وشيعي حتى باتت بعض الوقائع تنطلق من المنحى المذكور، فلعبت الميول بمضمون الحقيقة التاريخية. وصار مفترض بالمؤرخ اليوم مقارنة الحوادث الماضوية ليس الفردية فقط، انما العامة ايضا. وليس ايضا ضمن الحادثة الاحادية انما ضمن الكل التاريخي خلال حقبة محددة. لأن الحادثة الفردية وان عبرت عن ذاتها بذاتها النابعة من روحية المؤرخ وميوله فانها تبقى مجتزأة ولا تطال الابعاد الحقيقية للحادثة التاريخية، كما للحدث التاريخي الذي هو خلاّق اصلاً، الا اذا وضعت في الاطار العام للحقبة المدروسة لتقارن بمداليلها في معظم المصادر اسبابا ونتائج وصيرورة عامة.

2 – مؤرخ العصور الوسطى والمفاصل التاريخية: ان المؤرخ في العصور الوسطى عموما لم يعط المفاصل التاريخية اهميتها وابعادها، بل لم يحددها في معظم الحالات، وان اشار الى بعض منها من دون قصد، بل لان ابعادها تلاءمت مع رؤيته، وليس لأهميتها. فنجد احيانا حادثة ثانوية اجمالا تحتل مركزا مرموقا على حساب تحول اساسي على مختلف الصعد.

   من هنا يفترض بالباحث في تاريخ العصور الوسطى التوقف عند هذه النقاط، ويعمد هو نفسه الى تحديد المفاصل بالسعي الى اكتشاف العوامل المؤدية اليها، والنتائج التي ترتبت عليها. وقد تكون الاسباب والنتائج بعيدة وغير مباشرة، كما يصح العكس ايضا. وقد يكتشف التأثير البعيد المدى لبعض التحولات التي لم يتوصل اليها المؤرخ المعاصر لها بسبب تركيزه على احداث اخرى فاستهلكتها وقضت عليها، وقد تكون حوّلتها الى عوامل صراعية ادت الى حدث مهم. وعند ذلك نكتشف ان ما ركّز عليه المؤرخ لم يكن يشكل مفصلا تاريخيا بارزا انما عاملا في مسار مفصل ابرز.

3 – العوامل المؤثرة في الحركة التاريخية: من غير المستحب في التأريخ دراسة عامل واحد بذاته لنجعل منه مسببا لمفصل بارز، لأن عوامل عديدة ومشتركة تتضافر لتشكل مفصلا تاريخيا، وتحدد مساره واتجاهاته. فالانطلاق من الجزئيات الى الكليات هدف اساسي لكل مؤرخ ليتمكن من اعادة صوغ الماضي كما حدث لا كما يبتغيه لعوامل في نفسه ترضي ميوله واهواءه.

   ان العوامل المؤثرة في الحركة التاريخية بكل تحولاتها سلبا او ايجابا لا يمكن ان تحصر في شخص مهما علت منزلته: خليفة، سلطان… وان كان رائدا مهما، لأن تطور السلطة او انحطاطها لم يكن ابدا مسؤولية فردية بحتة بقدر ما كان مسؤولية جماعية؛ خليفة او سلطان، ادارة: وزراء، عمال ولاة، ودواوين، وجيش الذي هو العمود الفقري لكل سلطة. وان طغى شخص مهما كانت منزلته وأثّر في تحولات السلطة يبقى عمق فهمه مرهون بمدى ادراك المؤرخ للمؤثرات الاخرى، التي ترد اشارات مؤرخي العصور الوسطى اليها تلميحا الى الكلي في احسن الحالات، او الحديث عن كل منها منفردا. ما يفرض على المؤرخ الحديث التعاطي معها باحاطة شاملة تكاملا لرؤية الحدث. ولا يمكن عزل المجتمع عن الحدث لأنه في لبّه، ولم ينل من مؤرخي العصور الوسطى الاهمية المرجوة، بل تعاطوا معه عموما كنتيجة للأحداث وليس كفاعل فيها.

  ان قلة من مؤرخي العصور الوسطى اعطوا الشأن الاقتصادي اهميته الحقيقية، بل بعضا منها، او ربطوا بين المجتمع والعامل الاقتصادي، بل احيانا اطلّوا على الوضعين الاجتماعي والاقتصادي من المنظور السياسي وتداعية بعض احداثه. اذ كان ينظر الى السياسي على انه المحرك في كل الاتجاهات، وعلى كل العناصر ان تكون جاهزة في خدمته. سوى بعض المؤرخين اعطوا العاملين الاقتصادي والاجتماعي قيمة حقيقية من دون النفاذ الى الابعاد والتحولات الا جزئيا واحيانا نادرة.

4 – الدور الديني في الاحداث: اذا كان مؤرخو العصور الوسطى اعطوا الحوادث التاريخية ابعادا وتوجهات دينية في معظم الاحيان ان لم يكن في جميعها، فان دون ذلك محاذير ومخاطر اساسية. فقد يكون لها غطاءات ودلالات دينية انما اذا فتشنا عن الدوافع الاساسية لوجدنا ابعادها سياسية واقتصادية واجتماعية احيانا. وحري بالباحث الحديث اكتشافها. بمعنى عليه الا يأخذ بظاهر النص انما الغوص الى اعماقه وتفكيكه الى جزئيات تستر ما تخفيه القراءة السطحية لأكتشاف الابعاد  الحقيقية، والعوامل المؤدية اليه، ومحاولة ترتيبها تبعا لأولياتها، واخضاعها لمنهج اكاديمي صارم، عندها فقط يمكنه الوصول الى اكبر قدر من الحقيقة التاريخية التي هي ابدا مطلقة، وكلما كان منهجه خلاقا، ومصادره واصوله وافية ، كلما اقترب من الحقيقة الماضوية.     

محمد بن جرير الطبري 225-310/840-922

 اولا: حياته ممؤلفاته

1 – حياته : ولد الطبري بآمل قصبة اقليم طبرستان عام 225/840، عهد به والده، وكان ميسور الحال، الى علمائها لتهذيبه وتدريسه. بدت عليه معالم النجابة منذ نعومة اظفاره: اذ حفظ القرآن وله من العمر سبع سنين، وصلٌى بالناس  بعمر الثمانية، وكتب الحديث بسن التاسعة. وإشباعاً لشغفه بالعلم قام بعدد من الرحلات: بدأها بالرّي ومدن بلاد فارس، ثم توجه الى العراق وحط رحاله في البصرة، فواسط ، ثم الكوفة ومنها الى بغداد، وفيها جميعها كان يحضر حلقات العلماء. ثم ترك العراق قاصدا مصر وقبل الحلول فيها مرٌ على بلاد الشام وقصد بيروت حيث لقي العباس بن الوليد البيروتي المقرىء[1]. وصل الى الفسطاط عام 253/867 ثم عاد الى الشام مجدداً فإلى مصرعام 256/870 واينما حل كان يقصد العلماء والفقهاء ينهل من علومهم. اما اشهر الذين اخذ عنهم فهم: الرازي، والدولابي، وابن حميد، ومحمد بن العلاء الهمذاني، وقد كتب عن كل من الاخيرين ما يزيد على المائة ألف حديث «حتى انتهت اليه الرئاسة في التفسير والفقه والتاريخ » على حد تعبير شاكر مصطفى[2]. وندب الطبري لتأليف كتاب في الفقه لأنه وجد الناس حوله تشعّبوا فرقا كثيرة، ولتخليص الفقه من الاسرائيليات.[3] ثم عاد الى بغداد فطبرستان، فبغداد مجدداً حيث استقر وشرع في تأليف كتبه، وقد اغفل في كتابه « اختلاف الفقهاء » ذكر احمد بن حنبل، ولما سئل عن السبب اجاب: كان ابن حنبل محدثاً ولم يكن فقيها، ما اثار عليه الحنابلة وكان عددهم كثيرا يوم ذاك في بغداد فهاجموه في المسجد ثم في داره. وتوفي الطبري في بغداد يوم 26 شوال 310/ 16 شباط 922 تاركا عدداً وافراً من المؤلفات.

2 – مؤلفاته :ترك الطبري العديد من المؤلفات بعضها لم يكمله، كما ينسب اليه بعض الكتب، اما اشهر مؤلفاته فهي:

  • تاريخ الرسل والملوك، ويسميه بعضهم تاريخ الامم والملوك
  • جامع البيان في تفسير القرآن
  • تهذيب الآثار وتفصيل معاني الثابت عن رسول الله من الاخبار
  • اختلاف الفقهاء
  • تبصير اولي النهى ومعالم الهدى
  • لطيف القول في احكام شرائع الاسلام، وفيه يشرح مذهبه في الفقه
  • الخفيف في احكام شرائع الاسلام

  وقد ذكر ياقوت الحموي عددا من مؤلفات الطبري لم تصلنا[4].

   ما يهمنا من هذه المؤلفات العديدة هو كتاب تاريخ الرسل والملوك، وهو قسمان: الاول منذ بداية الخلق، والثاني التاريخ الاسلامي حتى سنة 302/914. استهل القسم الاول ببداية الخلق، وابليس، وآدم، ثم تحدث عن الانبياء بدءأ من نوح وانتهاء بالرسول محمد. وأرّخ بعد ذلك لتاريخ الفرس منذ منوشهر حتى كسرى ابرويز، ثم بني اسرائيل، وملوك الروم ، فملوك اليمن، وانهى هذا القسم باجداد الرسول.

     اما التاريخ الاسلامي فقد تناول فيه السيرة النبوية، فالعهد الراشدي، ثم الاموي، فالعباسي حتى سنة 302/914، واقتصرت موضوعاته على التاريخ السياسي والعسكري، وقلما نجد فيه معلومات اجتماعية اواقتصادية.

ثانيا– منهجه :

أ – نظرته التاريخية : من العسير فهم نظرة الطبري الى التاريخ بمعزل عن ثقافته المشبعة بالعلوم الدينية من فقه وتفسيروحديث، التي اسبغت على شخصيته هالة خاصة، وربما مميزة. فقد كان رجل دين بامتياز جهد لوضع مذهب فقهي خاص به، اذ لم تكون إلتفاتته الى التاريخ الا من هذا المنظار والهدف. فالتاريخ محكوم اساساً بارادة الآهية تسيّر احداث الكون، وعلى الحكام ولا سيما الخلفاء ادراك هذه الحقيقة، فبقدر ما يسعون لخدمة الله بالقدر نفسه يجازون خيرا، وكلما اخفقوا في هذا التوجه تصيبهم النوازل.

   ان الكون، من المنظار الاسلامي، متسلسل الحلقات، كل دائرة من دوائره تكمل التي تليها، وللانبياء شأن كبير في ضبط جموح الحكام وارشاد الناس. من هذا المنطلق أرخ الطبري « تاريخ الرسل والملوك » فالانبياء، من حيث هم مقدسون وهداية للناس، ضرورة ماسة لهداية البشر وقيادة الحكام. لذلك كانت عودة الطبري لبداية الخلق وتدوين تاريخ الانبياء والشعوب التي ارتبطت بهم. فالهدف الاساسي هو تاريخ الانبياء ما جعل تاريخ فترة ما قبل الاسلام يدور حولهم بالدرجة الاولى، وبالدول التي ارتبطت بهم بالدرجة الثانية، على رغم المعلومات الدقيقة التي اوردها حول تاريخ الفرس والروم. محدداً بذلك نظرته الى الكون والتاريخ فكل نبي كان يمهد لمن سيليه، تلك هي المشيئة الالهية، التي ستختم الدوائر المذكورة بالرسول محمد وبرسالته السماوية « الاسلام » الذي هو « الدين عند الله ». ما يعني أنه قلّد نظرة ابن اسحق حول وحدة الفكر الديني، معتبرا ان الديانات السابقة للاسلام ليست الا مقدمة له. وتقتضي هذه النظرة وحدة الفكر التاريخي ايضاً، لأنها مبنية على المعطى السياسي الذي لا يفهم الا من خلال ارتباطه بالديني المتأثّر بدور الارادة الالهية بحياة البشر. ممّا جعل تأريخ الطبري يتمحور اساساً حول التاريخ السياسي والعسكري من دون اعطاء البعدين الحضاري والاجتماعي دوراً يذكر، لأن الاحداث السياسية تسير بمشيئة الاهية، وتعبّر عن ارادة الله في خلقه تبعاً لخضوع كل شعب من الشعوب، التي أرخ لها الطبري، لتعاليم النبي الذي ارسله الله له. وقد جاءت هذه النظرة شبه عالمية لأن الطبري اهمل التأريخ للشعوب التي لا انبياء لها ممن جاء ذكرهم في القرآن كالزنوج والهنود والصينيين وغيرهم. وربّ سائلٍ وهل كان للفرس نبي ورد ذكره في القرآن؟! قد يكون الجواب في أن الاسلام اعتبر الزرادشتية اصحاب كتاب، فضلاً عن ان معظمهم دخل في الاسلام في ما بعد وبالتالي يجب دراسة تطور تاريخهم عن طريق المقابلة بين « الجهل » و « دين الحق ».

   وجعلته هذه النظرة يخلّ بالتوازن في فترات التاريخ السابق للعهد الاسلامي بحيث قصرها على الانبياء ومن يدور في فلكهم، وعلى الساسانيين وتاريخ اليمن من دون ان يولي الشعوب الاخرى اهتماما، علما ان مؤرخين سبقوه الى كتابة تاريخ عالمي كاليعقوبي، فجاءت نظرته العالمية، من هذه الزاوية، ضيقة ربما بتأثير من مفاهيمه الدينية الصارمة لانه لم يبذل جهداً كافياً للوقوف على تواريخ شعوب اخرى كان يمكنه الوصول اليها.

    اما نظرته الى التاريخ في العصور الاسلامية فهي استمرار ببعض وجوهها للتاريخ السابق الذي شكّل المقدمة للسيرة النبوية، التي اعطت الكون انطلاقة جديدة ترضي الله، ما جعله يركز على جوهرها، فهي المحور الاساسي في تاريخ المسلمين، والنبراس الذي يجب ان يحتذى. وان التلازم بين السياسي والديني عند الطبري جعل الاحداث السياسية تتصدر كل الحركة التاريخية وتختصر المستجدات الاخرى من اقتصادية واجتماعية وحضارية بوجه عام. والطبري بحكم عمله في التفسير والفقه، لا بل كونه فقيها ومفسرا اعتبر الاجماع ركنا اساسياً للمسلمين، فمن دونه لا وحدة دينية، وبالتالي لا وحدة سياسية. من هنا جاء تركيزه على وحدة السلطة ومركزيتها، خصوصا لان الحكام على اختلاف مراتبهم تولّوا السلطة بارادة الاهية ثوابا او عقابا للمسلمين، فيجدر التركيز عليهم وجعلهم محور الاحداث أكانوا سيئين ام فاضلين، لأن في التاريخ عظات وعبرا، ولأن الاجماع وحده يوحد المسلمين ويدفعهم لتخطي كل العقبات التي تواجههم. وعلى هذا، جعل الخلفاء يتصدرون الحركة التاريخية، على الرغم من ضمور دورهم في عصر الطبري، فالاحداث السياسية والعسكرية مرتبطة بهم ومنطلقة منهم، وشكّل العراق عموما، وبغداد خصوصاً، نقطتها المحورية. اما الاحداث الجانبية، على اهميتها بنظرنا اليوم، فلم تحتل الا مركزأ ثانويا في الرسل والملوك كالدويلتين الطولونية والاخشيدية وغيرهما. في حين احتل القرامطة فسحة مهمة فيه لأنهم كانوا، بنظر الطبري، عامل قسمة وتمزيق للحالة الاسلامية، فركّز على اعمالهم التدميرية على المستويات السياسية والاخلاقية الدينية. وقد يكون الحكام، من وجهة نظره، تسنّموا السلطة بارادة الاهية فاولاهم وحدهم دورا محورياً عليهم، ولم ينل الشعب سوى نصيب ضئيل جداً من اهتمامه معتبراً ان لا دور لهم في تطور الاحداث السياسية. وباختصار يعتبر الطبري مؤرخ السلطة السياسية خلفاء وولاة وعمالاً وقادة عسكريين بامتياز، فهم وحدهم لبّ الحركة التاريخية. ولم يحتل التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والحضاري عموما منزلة تذكر في تاريخه الا في بعض لمحات او اطلالات باهتة بين الحين والآخر تتراءى لنا في معتركات الاخبار السياسية والعسكرية. ولعلّ مرد ذلك الى انغلاقه على ذاته وكتبه، وانصرافه الى مذهبه الفقهي، وعزوفه عن الزواج وتأسيس عائلة، والى نظرته المحورية للخلفاء من حيث قيادتهم للأمة، ويؤيد هذا الرأي موقف الطبري المقل بالتأريخ لأركان الحكم الآخرين ولا سيما الوزراء بحيث اطل عليهم اطلالة سريعة جدا لا تتناسب مع ادوارهم البالغة الاهمية في عصره. وعليه، يمكن الاستدلال ان ابعاد الدولة كانت مشوشة في رؤية الطبري للتاريخ بحيث اهمل الحديث عن القضاة والنظام الاداري عموما، وبالتالي جاءت نظرته التاريخ مسطحة افقية على رغم احاطته الشاملة بالاحداث، التي عززها منهجه الحولي.

ب – مصادره: وهي بدورها تقسم الى قسمين: ما قبل الاسلام والتاريخ الاسلامي. فقد استمد معلوماته عن التاريخ ما قبل الاسلام من المصادر المتوفرة: ففي ما يتعلق بالانبياء اعتمد على سيرة ابن اسحق، وما تركه وهب بن منبّه فضلاً عن كتب التفسير. واستقى معلوماته عن تاريخ الفرس من الكتب المترجمة، ومن الوثائق التي كانت محفوظة في كنائس الحيرة وغيرها. واخذ تاريخ الروم اوالبيزنطيين عن الكتب المترجمة عموماً، واخبار اليهود من الكتاب المقدس وروايات يهودية. اما اخبار تاريخ العرب في الجاهلية فقد اخذها عن كتب الاخباريين الذين تناولوا هذا الموضوع ولا سيما وهب بن منبه، وابن اسحق، وهشام بن محمد الكلبي.

   واستمد التاريخ الاسلامي من كتب الاخباريين ونكاد نقول من مؤلفات كل الاخباريين الذين محضهم ثقته التي بناها على الثقة بالاسناد، مثل: محمد بن شهاب الزهري، وابن اسحق، وسيف بن عمر، وعوانة بن الحكم، والواقدي، والمدائني، والهيثم بن عدي. كما اعتمد على المؤرخين الذين سبقوه واولئك الذين عاصروه. فجاءت مصادره غنية جدا شديدة التنوع ومستقاة اجمالاً من مناطق الاحداث، وقد تكون الاغنى والاوسع والاشمل للقرون الهجرية الثلاثة الاولى.

ج- طريقةالمعالجة: عالج الطبري مادته التاريخية من منطلق علم الحديث، فأحل الاسناد مركز الصدارة، من دون جرح وتعديل بالرواة على طريقة المحدثين مكتفياً بثقته الشخصية بالراوي المبنية اجمالاً على قوة اسانيده فمثلاً اخذ عن الواقدي في الاخبار التاريخية واهمله كثيراً في السيرة النبوية. اما مضمون الرواية فلم يخضع، عموما، الى اي جرح اوتعديل او نقد آخر. وقد يكون مرد ذلك الى امرين:

1 – ايراده لمعظم الروايات المتوفرة ما كان يشكل نقداً ضمنياً لها.

2 – امانته التاريخية  وورعه الديني الذي دفعه لنقل الروايات كما هي كي لا يتحمل مسؤولية الحكم عليها، وهذا ما صرّح به في مقدمة كتابه: « وليعلم الناظر في كتابنا هذا ان اعتمادي في كل ما احضرت ذكره فيه على ما رويت من الاخبار، التي انا ذاكرها والآثار التي انا مسندها الى رواتها فيه، دون ما ادرك بحجج العقول، واستنبط بفكر النفوس الا القليل اليسير منه…فما يكون في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما ينكره قارئه، او يستشنعه سامعه من اجل انه لم يعرف له وجها من الصحة ولا معنى في الحقيقة، فليعلم انه لم يؤت في ذلك من قبلنا، انما اتى من بعض ناقليه الينا، وانٌا ادينا ما أدي الينا. »[5]

     وعلى هذا، انتقى الطبري الروايات من منابعها وفق اسانيدها فقط لأن مضمون الرواية يزكّيه، قوة الاسانيد والثقة بمن استخدمهم، مفضّلاً السند الاكثر قربا من الحادثة. اما مضامينها، بما تحوي من صدق اواختلاس او دس، فلا اهمية لها ما دام راويها موضع ثقة. ولمّا كانت الرواية بحد ذاتها تتأثر احيانا بقوة الذاكرة او بضعفها، وبالميول والاهواء، وبالتالي لا يمكن الجزم بصحتها وصدق راويها وسلامة حواسه، رفع الطبري المسؤولية عنه واحالها على الرواة واقفاً خارج الرواية، لا بل خارج الاحداث تاركاً التثبت من صحة الرواية ونقدها لجهود مصادره ولمن سيأتي بعده . وبالتالي اقتصر عمله على نقل الاخبار من دون اتخاذ موقف نقدي منها الا احيانا قليلة بقوله :« والصحيح عندنا » او « الرواية الاولى اولى بالصحة » او « زعموا »[6].

   وقد جعله هذا الموقف من الروايات يورد كل ما وصل اليه منها، او على الاقل تلك التي اعتبر اصحابها موضع ثقة بطريقة قلّ حيادها، فتعددت الروايات حول الموضوع الواحد، لا بل حول جزء من الرواية الواحدة[7]، فتداخلت لا بل تضاربت في بعض وجوهها، وتشعّبت توجّهاتها، قاطعة السياق العام للخبر الرئيسي، اذ تعددت شخصياته ما جعل بعضها الثانوي يطغى على الشخصية الاساسية احياناً، فافتقر تاريخه الى الوحدة وارتباط السياق. وتحوّل الطبري بايراده عددا ضخما من الروايات وحياده التام ازاءها، الذي بلغ حد السلبية احيانا، الى اخباري يحاول الاحاطة بكلية الخبر من دون اعتماد افضليات في المصادر، وتالياً في متون الروايات. فشابهت طريقته هذه، على الاقل ظاهريا، اسلوب المحدثين، الذين صنفوا الاحاديث الى مستويات، من دون ان يصنّف هو الروايات التي اوردها للخبر الواحد الا نادرا. وعلى الرغم من عيوب هذه الطريقة فانها جعلت تاريخ الرسل والملوك مستودعاً هائلاً لروايات القرون الثلاثة الهجرية الاولى، مخلداً اصحابها ممن ضاعت مؤلفاتهم، وبالتالي حفظ لنا الذاكرة التاريخية للقرون المذكورة.

    وكانت اسانيده قوية جدا يعود معظمها لمن شارك او شاهد الحوادث خصوصاً في الفترة السابقة على عصره، واستخدم ايضا اسانيد مختصرة تعود الى اخباريين ثقاة عند الطبري كقوله:« قال الواقدي»[8] او « ذكر عن المدائني»[9]، او« قال ابومخنف » [10]وقد اعتمد هذا المنهج الصارم في كل مؤلفه باستثناء الاجزاء الثلاثة الاخيرة لأنه كلما اقترب من التأريخ لعصره كلما كان يوجز الاسانيد كاستخدامه صيغة المجهول:« قيل»[11] او« ذكر بعضهم»[12] او «وقال غير الهيثم» ليذكر رواية مختلفة او متعارضة في بعض وجوهها[13]. وبالتأريخ لعصره اعتمد على جهود غيره من دون ان يتجشم عناء التفتيش عن الاخبار بنفسه، واورد اخباراً من دون ذكر اسانيدها[14]، او قال «حدثني فلان او جماعة من اهل تلك الناحية»[15]. وشكل ايراده لهذا العدد الهائل من الروايات ميزة خاصة به لم نعهدها عند مؤرخ آخر، وهي _اي الروايات_ الى ذلك تتيح للمؤرخ الحديث التوغل في استقصاء الحقيقة التاريخية فاسحة له مجالاً اوسع لاعادة تركيب الماضي عن طريق مقارنة ما تركه الطبري بما كتبه معاصروه او من سبقوه كالبلاذري مثلا.

   وقد اعتمد ثلاثة مناهج في تأريخه: التاريخ حسب الموضوع، والنمط الحولي، والتراجم. فاستخدم الاول في الفترة السابقة لظهور الاسلام لصعوبة اعتماد النمط الحولي فيها خصوصا انه لم يكن للعرب تقويماً ثابتأً قبل عام 115ق.م.[16]. اما في التاريخ العربي والاسلامي فقد أرخ وفق النمط الحولي، ولم يكن الطبري رائد هذا المنهج اذ سبقه اليه، على ما يعتقد بعض المؤرخين، الهيثم بن عدي وغيره. وهذا النمط من التأريخ يفتت الحادثة بين سنة وأخرى، واحيانا في السنة عينها اذا تعدت الحوادث الشهر الواحد، او اذا جرت في الوقت عينه احداث متداخلة ممّا كان يدفع المؤرخ للحديث عنها جميعها بالتناوب، وبالتالي كان يفقد الاخبار عنصر الوحدة والتكامل بسبب العودة المتكررة اليها. ومع ذلك، فان هذا المنهج يسمح للمؤرخ بالرؤية الشمولية افقيا وعمودياًً، ذلك ان تداخل الاحداث على مستوى اقاليم الدولة كافة يتيح فرصة أكبر لاستيعابها. وان لم يكن الطبري رائد التأريخ الحولي فهو مؤسس تطويره إذ كان يفرد، في السنة التي يتوفى فيها الخليفة او احدى الشخصيات البارزة، ترجمة كاملة له يذكر فيها كل الحوادث التي جرت في عهده بشكل متسلسل وموجز[17]، ممّا كان يعيد اللحمة للحوادث بعد تمزقها، من دون ان يغنينا ذلك عن العودة الى دراسة الحوادث حين ورودها للمرة الاولى. وهذا ما قصدنا به المنهج الثالث اي التراجم الذي صار مع الطبري متلازما مع المنهج الحولي، وسيقلده مؤرخون عديدون.

    تقويم عام :نال الطبري الكثير من المديح والاستحسان كما من النقد السلبي فعدد له المؤرخون الكثير من الهنات، ولعل ابرز المآخذ عليه هي:

1– تأثرت نظرته التاريخية بالمشيئة الالهية، فابتعد عن التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والحضاري عموما فلم يعن بالادارة والقضاء والثقافة، بل حصر همٌه بخبرات الامة السياسية والعسكرية في دولة الخلافة في المشرق من دون ان يتطرق الى اوضاع المسلمين في بقية المناطق كالاندلس مثلاً.

2– جاء مفهومه للاجماع الاسلامي متمثلاً بالخلفاء وحدهم، وعلى الرغم من ضمور دورهم في عصره، ظلوا عنده يحتلون منزلة عالية، ولم ينل الوزراء، الذين مارسوا ادواراً اساسية، سوى صورة هامشية في تاريخ الرسل والملوك. وعلى رغم التفتت والتجزئة التي اصابت دولة الخلافة، فان الدويلات، التي نشأت بمباركة الخلفاء العباسيين، والتي مارست ادوارا فاقت احيانا شأن الخلفاء والقادة العسكريين المتسلطين عليهم وعلى كل الشؤون في العراق، بل شكلت احيانا كثيرة لب احداثه،لم تحتل سوى إلتفاتات باهتة جدا في تاريخه.

3– لم يبذل جهداً كافياً للتثبت بنفسه من الاحداث التي عاصرها، بل اعتمد فيها على جهود غيره، وقد جاءت الى حد موجزة، قياساً بالمراحل التاريخية السابقة. ويفسر شاكر مصطفى هذا الامر بقوله :« وقد يكون فهمه للتاريخ على انه مستودع خبرات الاجيال السابقة.»[18]

4– قبل الكثير من الاساطير والاسرائيليات في التأريخ للفترة السابقة للتاريخ الاسلامي من دون نقد خصوصا انه طبق في التاريخ الاسلامي منهج المحدثين على مصادره.

5- ان بعض هذه المأخذ مستمد ربما من قياس الحاضر على الماضي، الذي يفترض وعياً منهجياً متطوراً يستند الى رؤية شمولية للحوادث، وهو امر لم يكن متوفراً حتى في أواخر العصور الوسطى[19] إلا عند قلة من المؤرخين.

    وعلى الرغم من النقد الذي يوجه الى تاريخ الطبري خصوصا ان بعض المؤرخين افترضوا لعصره تطوراً مزعوماً لا يتناسب مع تطور التأريخ في القرن الثالث الهجري، منطلقين احياناً من مسلمات الحاضر. يبقى تاريخ الرسل والملوك احد ابرز منجزات المؤرخين العرب والمسلمين من حيث ان ذكره لهذا العدد الضخم من الروايات يشكل الذاكرة التاريخية السياسية والعسكرية للقرون الهجرية الثلاث الاولى، ولولاه لكان الكثير من حقائق التاريخ قد ضاع كما ضاعت كتب العديد من الاخباريين. وسيبقى فضل الطبري عميما على الاقل لتطويره منهج التأريخ الحولي، لأن المؤرخين استمروا يقلدونه قرونا عديدة.

   


[1] – عاصي(حسين)، الطبري، دار الكتب العلمية ، بيروت، 1992، ص 57

[2]  – مصطفى، التاريخ، ج1، ص 253

[3] – زيادة، قمم من الفكر، ص58

[4] – انظر حول مؤلفات الطبري:الحموي(ياقوت)، معجم الادباء، ج6، في اماكن متعددة، ص 424-449

[5] – الطبري(محمد بن جرير)، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، دار المعارف، مصر، 1969، ج1، ص 7-8

[6] – الطبري، تاريخ الامم والملوك، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، 1407ه، ج3، ص510

[7] – الطبري، طبعة دار الكتب العلمية، 3/466، 4/85/5/338

[8] – الطبري، طبعة دار المعارف، ج8، ص 261ونجد هذه العبارة في العديد من الاماكن، وطبعة دار الكتب العلمية، 3/424

[9] – نفسه ، دار المعارف، ج8، ص 489 وغيرها كثير

[10] – الطبري، الكتب العلمية، 3/447

[11] – نفسه، دار المعارف، ج8، 67، ودار الكتب العلمية، 4/50، 66

[12] – الطبري، دار المعارف، ج8، ص 82

[13] –  الطبري، دار المعارف، ج8، ص 104  ودار الكتب العلمية، 3/466 و4/85

[14]  – ج8، ص 598وج9، ص 29، 52، 71…

[15] –  الطبري، دار الكتب العلمية، 5/365

[16] -Ryckmans. J. L’Institution monarchique en Arabie méridionale avant l’islam, Louvain. 1951, p71

[17] – انظر مثلا :سيرة عمر بن الخطاب، ج4، ص 208-241 ، او سيرة عثمان بن عفان، ج4، ص 489 وما بعد، وسيرة المأمون (طبعة الكتب العلمية) 5/197-206

[18] – مصطفى، التاريخ، ج1، ص 260

[19] – انظر لاحقا دراستنا عن ابن طولون الدمشقي الذي توفي في القرن 16 وقد اعتمد منهج الطبري عينه ص 340 وما بعد

ركائز الاقطاع العثماني في القرن 16م وعلاقته بالانظمة الاقطاعية الاسلامية الوسيطة

       كانت الزراعة الدعامة الاقتصادية الاساسية في العصور القديمة والوسطى لان انتاجها  شكل الغذاء الرئيسي للغالبية العظمى من السكان.وهو عينه امن المواد الاولية للصناعة عموما وللعديد من السلع التجارية.وعلى هذا ، اعتنت معظم الدول ان لم نقل كلها بالزراعة واولتها اهتماما اساسيا ، ونظمتها بما يتلاءم مع توجهاتها العامة. وقد يكون الاقطاع احد ابرز سمات تلك الاهتمامات لانه ، بوجه عام ، ظاهرة حضارية تنظم العلاقات الزراعية بين فئات المجتمع باشراف الدولة ورعايتها.

    ومن الواضح ان الدولة العثمانية انبثقت من قبيلة تركية او تركمانية تبعا لاجتهادات المؤرخين.ولكن من الثابت انها تأسست في رحم دولة سلاجقة الروم التي نشأت على اثر معركة منزكرت عام 1071، وتاليا فان التأثير السلجوقي سيكون له دور في بعض نظمها ومفاهيمها على الاقل من حيث النظام الزراعي المرتبط اصلا بالنظام الاقطاعي.

      وبديهي القول ان السلاجقة قبائل غزية اعتنقت الاسلام وتمكنوا من تأسيس سلطنة مترامية الاطراف حكمت باسم الخلافة العباسية، وخلفت دولا ودويلات اسلامية في العراق وفي بلاد فارس متأثرة الى حد بالنظم التي كانت سائدة انذاك وطوعت بعضها بما يتلاءم مع تطلعاتهتا السياسية والادارية والاقطاعية.ولم تلك النظم التي ورثها السلاجقة وليدة من سبقهم مباشرة بل تراكما طويلا الامد تعود جذوره الى العهد الراشدي، وتأثر عبر الزمن التاريخي بتلون اشكال الحكم، على الرغم من انها كلها كانت اسلامية، ولكنها اصطبغت بميزات كل شعب من الشعوب التي تعاقبت على الحكم في ظل الخلافة العباسية.واذا كان البحث ينحصر بدراسة الاقطاع فبديهي القول ان العصر العباسي الثاني ( السيطرة التركية 232-334/ 847-945م) ترك بصمات اولية على نظام الاقطاع العسكري في الاسلام ام لم نقل انه شكل بداياته الخجولة.وسيجد هذا النظام مرتكزاته الاساسية في العهد البويهي (334-447/ 945-1055م) . اما العهد السلجوقي فقد اوجد النظام الاقطاعي العسكري الاداري.

    وعلى هذا، نطرح سؤالين اساسيين: – ما هي مرتكزات الاقطاع العثماني خلال القرن 16م، ومن اين استمدت، وهل ظلت جامدة ام تحولت لتواكب الظروف السياسية والعسكرية وحاجات الدولة العثمانية الاقتصادية؟ وهل كان الاقطاع عسكريا على غرار النظم الاقطاعية الاسلامية الاخرى التي نشات في المشرق العربي؟

  • الى اي مدى راعى العثمانيون السياسة الشرعية الاسلامية على مستوى الارض والزراعة وتاليا الاقطاع؟

    ومن المفيد التنويه ان الاقطاع العثماني تأثر ايضا بالاقطاع البيزنطي لان السلطنة العثمانية نشأت في بداياتها على ارض بيزنطية يعتاش من مردودها فلاحون بيزنطيون يخضعون لسياسة دولتهم الاقطاعية.كما ارتبط ببعض وجوهه بالاقطاع المغولي لاكثر من سبب: الصراع الحدودي بين المغول والعثمايين، واحتلال المغول الدولة العثمانية على عهد تيمورلنك[1]، والتحاق عدد من القبائل الغزية التي كانت خاضعة للمغول بالدولة العثمانية[2].ولكن الموضوعين لا يرتبطان بهذا البحث الذي سيقتصر على العلاقة بالانظمة الاقطاعية العثمانية.  

     1- مفهوم الاقطاع في الاسلام : ولم يغفل الاسلام عن ظاهرة  الاقطاع، بل عززها ونظمها وفق اصوله التشريعية0ويعتبر الرسول اول المشرعين[3] في هذا المجال تحدوه على ذلك عدة دوافع : التآلف على الدين ، والعون الاجتماعي ، والاستثمار المادي المتمثل باستصلاح الاراضي الموات0[4]ويمكن ادراج هذه العوامل في اطار الجهاد ، الذي لم ينحصر معناه في سبيل نشر الدين فحسب ، بل ايضا من اجل خير المسلمين على الصعد كافة : الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وان كان نصيب المجاهدين العسكريين اوفر من غيرهم

      وبما ان الدولة العثمانية والدول التي سبقتها في حكم الشرق العربي كانت اسلامية بوجه العموم ، وحكمت ايضا وباستمرار شعوبا  اسلامية واخرى غير اسلامية ، فلا بد ، والحال هذه ، من القاء الضؤ على السياسة الاقطاعية الاسلامية التي ارساها الرسول ومن بعده الخلفاء الراشدون وصولا لمعرفة مدى مراعاة العثمانيين لهذه المبادئ ، واين شذوا عليها ، ومدى الحداثة في تنظيماتهم الاقطاعية0

   حدد الرسول سياسته الاقطاعية بفرض الخراج او العشر على الاراضي الزراعية [5]، والمراعي [6]التي اعتبرها من المنافع العامة ، ومعادن الارض0

    واذا كان الشرع الاسلامي يعتبر عملية تراكمية لما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، فان ملكية الاراضي واقطاعها خضع ، بوجه العموم ، في الدول الاسلامية للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتأثرة اصلا بالتحولات الساسية ، وبارتباط فتاوى العلماء المسلمين او على الاقل بعضها بمناحي السلطة السياسية ، ما جعل عملية الاقطاع متحولة تخدم رجال السياسة او بالحري الحكام وفق متطلباتهم المالية0وتبعا لاصول الفقه فان الشرع الاسلامي لم يجز اقطاع الضرائب ولا مردود بيت المال منها0ويمكن ايجاز مفهوم الاقطاع في الاسلام بما حدده الماوردي ” الاقطاع ضربان : اقطاع استغلال ، واقطاع تمليك “[7] ، وبما شرحه القلقشندي في شروط الاقطاع[8]0وعلى هذا، ارسي مفهوم الاقطاع في الاسلام0 ويبقى السؤال الى أي مدى روعيت روحيته ، وما هي دواعي تجاوزه ؟

2 – خلفية الاقطاع العسكري : على الرغم من التقلبات السياسية والصراعات العسكرية والتحولات الاقتصادية في الدولة العربية والاسلامية ، فان الوضع الاقتصادي لم يتأثر بها سلبا بوضوح جلي الا اعتبارا من اواسط القرن الثالث هجري / التاسع الميلادي[9]0حين حدثت تحولات شبه جذرية في بنية المجتمع الاسلامي ، وفي هيكليته السياسية ، وبدأ الصراع الاثني الثنائي حينا ، والثلاثي حينا آخر : بين العرب والفرس والاتراك والبربر وغيرهم0فتفسخت الدولة العباسية ونشأ على اطرافها وفي قلبها دويلات عرقية [10]، واخرى مذهبية [11]0فاستبعد العرب اجمالا عن المسرحين السياسي والعسكري وحل مكانهم جماعات من الاتراك ممن لا حضارة مميزة لهم0وغدا الخليفة رهن ارادتهم ان شاءوا ابقوه ، وان ارادوا عزلوه او قتلوه[12]0وتزعزعت البنية الاقتصادية في دولة الخلافة ، فقل دخل بيت المال ، بفعل المصادرات وسيطرة الاغنياء من الحكام على الولايات[13]، وتشكلت ارستقراطية جديدة في دولة الخلافة قوامها الاغراب من اتراك فديالمة ( بويهيون ) ثم سلاجقة ، حتى فقدت السلطة السياسية المدنية قدرتها على ضبط الادارة المالية[14] وافلس بيت المال[15]0ونشأ مع اتراك العصر العباسي الثاني ( 232 – 334 / 847 – 945 ) نوع من الاقطاع شبه العسكري الاداري[16]0

          وبمجيء البويهيين الى السلطة حصل تجاوز لحد السلطة والشرع معا باقطاع حقوق بيت مال المسلمين وتضمينها للعسكر فقط [17]فنشأ الاقطاع العسكري بامتياز[18]0وأسس لمن جاؤ بعدهم من اغراب عن المنطقة العربية : سلاجقة ، ايوبيين ، ومماليك ، بما في ذلك عصر الانحطاط في العهد الفاطمي او ما يعرف بفترة حكم الوزراء ، الاقطاع العسكري الذي تركز في كل تلك العهود ليجد كل مقوماته في العصر المملوكي. ويبقى السؤال الابرز : هل كان الاقطاع العثماني مشابها لتلك الانماط ، ام ان تحديثا ادخل عليه ، ام انه جاء مزيجا من هذا وذاك ؟ 

       بعد ان بسيطر العثمانيون على البلاد العربية بعد انتصارهم على المماليك في مرج دابق 1516 ، والريدانية 1517 عم نموذج من الاقطاع ارتبط بالنظامين الاداري والعسكري العثمانيين المتجذرين بانماط بيزنطية واسلامية سابقة اكان في الدول الاسلامية او في الدول المغولية المتعاقبة ، مراعيا اصولا تشريعية اسلامية الى حد ومطوعا برؤية عثمانية ترعى المصالح الذاتية العثمانية العليا0وعلى الرغم من اعتماد الفتح العثماني للبلاد العربية بداية العصور الحديثة في الشرق ، يبقى سؤال مركزي هل كانت كذلك ؟ في حين ان النظم والقوانين الوضعية والعقلية كانت آخذة بالهيمنة على اوروبا الغربية لتحل مكان القوانين الكنسية ، لتتلائم ومتطلبات قيام المدن التي ولدت على حساب النظام ( الاقطاعي الاوروبي ) الفيودالي [19]ولا سيما ان عصر النهضة كان اخضع كل المسلمات القديمة لسلطان العقل[20]0

اولا : الاقطاع العثماني الحربي

1- انواع الاراضي العثمانية : لم يخرج مفهوم الاراض من حيث تصنيف استغلالهاعلى ما عهد في الدول الاسلامية السابقة أي : العشورية ، والخراجية ، والمشاع والمنافع العامة[21]0وكانت العشورية ملكا لاصحابها المسلمين ، ولهم حرية التصرف بها شرط ان يؤدوا عنها العشر الذي غالبا ما كانت تزداد قيمته عن العشر[22]0وكانت الخراجية في الاساس ملكا للذميين يدفعون عنها الخراج الذي تراوحت قيمته بين 10 و 50% [23]، والاراضي الميرية وهي ملك خالص للدولة كانت تقطع للعسكريين واحيانا للمدنين ويؤدي عنها مستغلوها او مستأجروها الخراج[24]0انما بمرور الزمن والتحايل على القانون وتجاوزه تحول بعضها الى ملكيات خاصة غير مقيدة.اما الاراضي التي ظلت خراجية فتحولت تسميتها الى اراضي ميري[25]0وكانت اراضي الوقف على ضربين : وقف غير مشروط خيري افادت منه المؤسسات الخيرية والاجتماعية على اختلاف انواعها ودور العبادة ، ووقف ذري[26]0وكان يفيد من اراضي المشاع جميع السكان كل ضمن نطاق قريته.

        لم تكن جميع انواع هذه الاراضي عثمانية في تسمياتها الاولى ، لاننا نجد اصول معظمها في الاراضي الاسلامية التي اختط سياستها وضرائبها الرسول وتبعه في هذا النهج الحكام المسلمون على اختلاف مستوياتهم ، انما العثمنة فيها تمثلت في صيرورة بعضها ، وفي نمط استغلالها0

    2- هدف الاقطاع الحربي:

    أ –اقطاع السباهية: نشأت الدولة العثمانية قبيلة توسعت تدريجا لتضم جماعات تركية متنوعت الاصول انضوت تحت زعامة مؤسسيها بدأ بعثمان بن ارطغرل وابنه اورخان [27]0واعتمدت نظاما حربيا اقطاعيا ، قوامه تأمين مصدر ثابت لضخ جيوشهم بالجنود من دون ان تتجشم الدولة تنظيم جيش نظامي يقيم في الثكنات وتدفع رواتبه من خزينة الدولة ، بحيث اقطعت المحاربين مناطق زراعية يزرعها الفلاحون ويقدمون للعساكر اموالا نقدية او عينية [28] ويؤدون عنها الضريبة للجنود – ليست لدينا معلومات واضحة فيما اذا كانت الضريبة عشرية او خراجية –الذين يظلون ابدا على استعداد دائم للاشتراك بالحملات العسكرية ، كما كانوا معفيين من دفع الضرائب لخزينة الدولة لقاء تقديمهم عدد من الفرسان للحملات العسكرية العثمانية كل بحسب نسبة اقطاعه [29]

     كان الهدف من هذا النظام ، الى جانب اعفاء الخزينة من دفع رواتب الجند ، اعفاءها من مهام ادارية كجمع الضرائب ، وتوفير رواتب جباة الضريبة على خزينة الدولة[30]0وتطور هذا النظام عندما اتسعت رقعة الدولة عن طريق الفتوحات ، وقوي نفوذ الجند ، ما ادى بامرائهم الى ان يمارسوا مهاما امنية وادارية في مناطقهم الاقطاعية0وعرف هذا النظام عند العثمانيين بعدة اسماء ، انما الصفة الغالبة عليه كانت ” درلك ” وهي تعني المعاش او مورد الرزق ، واطلق على هؤلاء الفرسان اسم ” سباهي “[31]0اما الخاص فكان من نصيب الوزراء وغيرهم من الباشوات، فضلا عن حاشية السلطان[32].وتوزع السباهية على درجات هرمية شكل ” سباشي ” قاعدتها ، وتلاه ” علاي بك ” ثم ” سنجق بك ” واعلاها ” بيلربك “[33]0

 ب – الاقطاع السلجوقي: لم يكن هذا التنظيم جديدا كليا عند العثمانيين ، فقد عرف في عهود الضعف العباسية؛ فالعهد البويهي عرف نوعا من الاقطاع العسكري غير المتكامل الصفات [34]، ولكن هذا النظام الاقطاعي العسكري سيجد الكثير من مقوماته في العهد السلجوقي ( 945 – 1055 ) حين نشأ مع السلاجقة الاقطاع العسكري الاداري المستند على نظام الاتابكة [35]0ويعتبر  نظام الملك الطوسي وزير السلطان ملكشاه ( 465 – 485 / 1072 – 1092 ) اول من تلقب بأتابك ،[36] وايضا اول من اقطع الاراضي للجنود عوضا عن الرواتب ، لانه اعتبر هذا الحل افضل لعمارة البلاد ، وبالتالي لزيادة دخل بيت المال [37]0

        وهكذا اقطع السلاطين السلاجقة القلاع والحصون والمدن والولايات لامراء جيشهم واهل بيتهم ، وبالتالي قسمت اراضي الدولة السلجوقية الى اتابكيات اقطاعية[38]، فكان على الاتابك اقطاع جنوده الاقطاعات ، والمجيء بهم الى الحضرة السلطانية كلما دعت الحاجة الحربية.وصار الاقطاع يقاس بعدد الجند الذي يقدمه الاتابك[39]الذي مارس سلطات امنية وادارية غير محدودة في اتابكيته0

     وتجدر الملاحظة الى التشابه بنسبة عالية بين النظامين الاقطاعيين السلجوقي والعثماني ان من حيث الوظيفة العسكرية والامنية والادارية ، او الرواتب العينية والضرائبية ، وتحديد نسبة الاقطاع بعدد الجنود الذي يقدمهم الاقطاعي عند الضرورة الحربية0وكما ان الاقطاع السلجوقي كن تراتبيا هرميا : الجندي تابع لقائده ، والقائد للاتابك ، والاتابك للسلطان [40] ، كذلك كان السباشي تابع لعلاي بك ، وهذا تابع لسنجق بك ، والسنجق بك لبيرل بك ، وهذا الاخير للسلطان0 ولم يرد للاتابك ان يورث اقطاعه سلاليا ، ولكن عندما ضعفت السلطنة السلجوقية تمكن الاتابكة من توريث اقطاعاتهم[41]0في حين حق للسباهية توريث اقطاعاتهم الا في حال عدم توفر وريث[42]عندها يقطع لمن تتوفر فيه الشروط القانونية[43]

ج- الاقطاع المملوكي : من الواضح تماما ان المماليك نشأوا فرقا عسكرية محترفة لحماية سادتهم الايوبيين، وانحصرت مهامهم في العهد الايوبي بالصفة العسكرية البحتة.ولكن انقلابهم على طوران شاه آخر السلاطين الايوبيين في مصر، وصراعهم مع ايوبيي بلاد الشام، ومع المغول والصليبيين في بداية دولتهم زاد من التصاقهم بالصفة الحربية، بحيث اعتبروا انفسهم مسؤولين عن حماية البلاد.وبالتالي توزعوا الاراضي التي بسطوا سلطانهم عليها اقطاعات عسكرية يعيشون من مردودها.وعندما اشتدت شوكتهم وبسطوا سلطانهم على مصر وبلاد الشام كلها زادت قوتهم وقناعتهم باقتسام كل انتاج الدولة عوضا عن الرواتب النقدية المباشرة من بيت مال المسلمين.ومارسوا، كما سنلاحظ لاحقا، مهام ادارية وامنية وعسكرية[44]جريا. على التقليد السابق الذي مارسه كل من السلاجقة والايوبيون المرتبط بذهنية الحماية، ولكنهم طوروه بما يتناسب مع ذهنيتهم الحربية.

3- الحصص الاقطاعية ومستويات المقطعين.

  أ – الاقطاعات السباهية : وقد تنوعت اقطاعات السباهية ، وكانت على ثلاث مستويات :قاعدتها التيمار، ومتوسطها الزعامت ، واعلاها الخاص[45]0وكان التيمار اقطاعا صغيرا يدر على صاحبه بين الفين الى 19999 اوقجة او آقجة [46]، ويفترض بصاحب التيمار الذي يتقاضى الحد الادنى أي الفين الى ثلاثة آلاف آقجة ان يذهب بنفسه ولوحده الى الحرب مجهزا بفرسه وترسه ( جوشنه ) وخيمته0واذا زاد اقطاعه عن الحد الادنى توجب عليه ان يصحب معه فارسا اضافيا يسمى ” الجبه لي ” وكلما زادت مساحة تيماره وارتفع دخله كلما ارتفع عدد الجنود المتوجب عليه احضارهم الى الحرب بنسبة جندي عن كل ثلاثة آلاف اوقجة من دون ان يجاوز عددهم الخمسة فرسان[47]0ويصل مردود الزعامت الى مئة الف اوقجة ، ولا يمنح الا لمن يظهر مقدرة قتالية عالية ، ويتوجب على الزعيم صاحب ( الزعامت ) ان يجهز الى الحرب حوالى عشرين فارسا [48].وبالتالي كان الاقطاع يتناسب مع عدد الفرسان المتوجب على المقطع اعدادهم كلما دعت الحاجة الحربية، ما يعني عدالته من حيث المبدأ.

       ويبدو جليا التشابه الكبير بين الاقطاعين السلجوقي والعثماني من حيث الصفة الحربية البحتة لصاحب الاقطاع عن طريق اعداد الجنود بما يتناسب مع مساحة الاقطاع ومع مردود ضرائبه، ومن ممارسته مهام ادارية ترعى شؤون الاقطاع.ولكننا نجهل ما اذا كان الاتابك حصل على قطعة ارض اضافية معفية من الضرائب على غرار السباهي.ذلك ان بعض اقطاعات السباهية كانت تتألف من قسمين : الارض الاساسية وتسمى ” قليج “، وما يضاف اليها ويسمى ” ترقي ” وكانت هذه الاضافة تمنح بغية توفير عشر الدخل الذي يدره القليج[49] ، وكانت الاقطاع الذي يجمع النوعين معا يعرف ب ” الحصت “[50]. وكانت الحكومة العثمانية تعتمد هذا الاجراء لتشجع السباهي كي يظل ابدا متأهبا للقتال ويرعى شؤون اقطاعه على اكمل وجه[51].

        اما الخاص فكان مميزا عن الاقطاعين السابقين : اولا بعدم خضوعه لتفتيش الدفتر دار ، وثانيا بانه كان من نصيب من يشغل منصبا حكوميا عاليا مثل الوالي[52]0وكان هناك نوع آخر من الخاص المعروف ب” الخاص همايون ” وكان ملكا خالصا للسلطان ، وهو اكبر الاقطاعات وافضل الاراضي جودة ، وهو لا يدخل ضمن بحثنا0

     وكانت نسبة توزيع الاقطاع في سنجق ما على النحو الآتي : 2/5 من فئة التيمار

1/10 من فئة الزعامت

1/5 خاص

1/10 اوجقلقات أي اقطاعات ملك لفئة عسكرية

1/5 وقف[53].

     وكانت الدولة تملك رقبة هذه الاقطاعات وتمنح حق استغلالها للقادة العسكريين ممن يقدمون خدمات حربية، وهؤلاء ينقلون حق الزراعة الى الفلاحين على قاعدة حق الحيازة Possessoire يجبون منهم العشر الخاص بالدولة لقاء الاقطاع فضلا عن ضرائب اخرى تشكل راتب السباهية.وكان يطلق على عائدات هذه الضرائب ” درليك” اي الاقطاع[54]      

ب- الاقطاعات المملوكية : ان الاراضي الاقطاعية المملوكية توزعها السطان وامراؤه والاجناد جميعهم ، واعتمد على القيراط كوحدة للتوزيع الاقطاعي بحيث بلغت نسبة الاراضي 24 قيراطا0وقد وزعت في بداية الامر على الوجه التالي : السلطان مع اجناده اربعة قراريط ، تم تعديلها على عهد السلطان لاجين اثر الروك المعروف باسمه عام 1298 ، وصار نصيب السلطان وحده اربعة قراريط ، وحصة مماليكه ( المماليك السلطانية ) تسعة قراريط0[55]وجرى تعديل جديد على نصيب السلطان في الروك الناصري عام 1315 وصارت حصته تبلغ تسعة قراريط[56]0اما الامراء على اختلاف مستوياتهم واجناد الحلقة صارت حصتهم 11 قيراطا[57]0وفي عهد الناصر محمد ادخل تعديل جديد على انصبتهم في الروك الناصري بين 1313 و1315 فغدت 14 قيراطا[58]0

     وكان الامراء على عدة مستويات : امير مئة ومقدم ألف ، ويحق له ان يقتني من ماله الخاص مئة مملوك ،  وكان امراء المئة يشغلون المناصب الرئيسة في الدولة ومنهم ينتخب السلطان[59]، وكان امير المئة يقود في الحرب ألف جندي[60]

   امير اربعين او طبلخاناه ويحق له ان يقتني من ماله الخاص اربعين مملوكا ، ولامير عشرين عشرين مملوكا ، ولامير عشرة عشرة مماليك[61]0اما حصصهم الاقطاعية فتراوحت كما يلي :

امير مئة : من 80 الى مئتي ألف دينار جيشي[62]

امير اربعين : من 23 الى 30 ألف دينار جيشي

امير عشرة من سبعة الى تسعة آلاف دينار جيشي

 اعيان مقدمي الحلقة من 250 الى 1500 دينار جيشي[63]

وكانت رتبة امير الخمسة تلي رتبة امير العشرة ، وهي خصصت لامراء العربان وغيرهم من ابناء البلاد ممن اعتبروا من اجناد الحلقة ، وكان يبلغ نصيب امير خمسة ثلاثة آلاف دينار جيشي وما دون[64].

    والمقطعون المماليك، كما السباهية، نقلوا استغلال الارض الى الفلاحين الذين دفعوا الضرائب كالخراج المتوجب على العبرة الاقطاعية، اضافة الى حصة المقطع من الانتاج، ناهيك بالضرائب الاستثنائية غير المبررة[65]

ج- اوجه الشبه :استند الاقطاع العثماني على الآقجة كوحدة اساسية لمردود الاقطاع وهو كان نقدا متداولا في حين استند المردود الاقطاعي المملوكي على الدينار الجيشي الذي فقد قيمته النقدية الثابة التي كانت له في بداية الدولة، ولكنه ظل نقدا رمزيا، وبتعبير اوضح مقدارا سهميا لتوزيع الاقطاعات ولتحديد منزلة صاحب الاقطاع.كما نجد تشابها آخر يتمثل بمن يحق له بالاقطاع، وبالتراتب الهرمي للمقطعين:فنلاحظ عند العثمانيين ان الوالي مثل اعلى رتبة اقطاعية وتدرج الامر نزولا الى الجندي السباهي، في حين مثل امير المئة ومقدم ألف اعلى رتبة عند المماليك وتدرج نزولا الى الجندي الحلقة.

4 – المهام    

أ-  مهام السباهية : لم تقتصر مهام السباهية ، لقاء الاقطاعات التي منحت لهم ، على الانخراط في الحملات العسكرية ، بل انيطت بقادتهم مهام ادارية ، وانتظموا تحت قيادة قادتهم الذين توزعوا الى ثلاث مستويات :

الصنف الاول ويعرف ب الآلاي بيكي ( الآلاي ) تعني الآمر ، و( بيكي ) فوج العسكر ، أي آمر فوج العسكر ، وهو اعلى الرتب واسماها ، ويعين هؤلاء القادة من بين كبار الاقطاعيين في السناجق من اصحاب الزعامات التي تمنح لهم مدى الحياة ، والتي لا يقل دخلها عن مئتي ألف اوقجة. بحيث عندما يصبح احدهم آلاي بيكي يجب الا يقل دخله عن المليون اقجه، وقد منحه  النظام الاقطاعي حق توريث وظيفته[66]0 ويحصل القائد على علم خاص ، وتقرع الطبول على بابه مرتين في اليوم ، ويعتبر نائبا للسلطان في سنجقه[67]0وكان عليهم ايضا ان يجمعوا السباهية في السنجق الذي يديرون ، ويجهزوا الجنود والخيام وما الى ذلك مما تستدعيه حالة الحرب[68]0

     ويتألف الصنف الثاني من الجيري باشي او السوباشي وينتخبون من اصحاب الزعامت في الاقضية حيث يمارسون فيها ابان السلم مهام اصحاب الشرط[69]

     اما الفئة الاخيرة فتألفت من الجيري سروجي الذين انحصر عملهم في الحرب فقط بارشاد السباهية وبحراستهم[70]0

          ويبدو جليا ان الاقطاع العثماني في بداياته اعطي للوظيفة ، يمارس صاحبه مهام عسكرية وادارية ، ويعتاش من مردود اقطاعه من دون ان يحصل على راتب نقدي من خزينة الدولة0وكان يمكن ايضا توريث هذا الاقطاع ، بمعنى ان الوظيفة بحد ذاتها كانت احيانا وراثية ، وبالتالي لا يسقط الاقطاع عن صاحبه بتقدمه بالعمر ، او بعجزه عن اداء مهماته مادام بامكان وريثه تولي مهامه0

   ب – عند السلاجقة : لذلك يبدو التشابه واضحا بين الاقطاعين السلجوقي والعثماني ، فالاول انتظم ، كما اسلفنا ، في عهد الوزير نظام الملك عندما نشأ نظام الاتابكيات التي اصبحت وراثية0وكان يساعد الاتابك اداريون آخرون منهم الشحنة وهي وظيفة ادارية وعسكرية في آن بحيث كان يقوم بمهام الوالي ، والمقدم من دون ان نعرف بالضبط مهام كل منها بالتفصيل[71]0

  ج-   مهام الامراء المماليك : اما في العهد المملوكي فنجد بعض التشابه اضافة الى بعض الاختلاف ، ان امراء المئة شكلوا النظام الاداري العسكري المملوكي لقاء اقطاعاتهم الوفيرة ، من دون ان يتوجب عليهم اعداد ممليك للحرب ، بل على الامير منهم قيادة ألف مملوك من اجناد الحلقة او المماليك السلطانية في الحملات العسكرية التي يقررها السلطان0اما الوظائف الاساسية التي تولاها امراء المئة فهي : اتابك العسكر أي قائد الجيش ، الامير الكبير وهو لقب اكبر الامراء واقربهم الى السلطان (وهي نشأت تبعا للخالدي على عهد الدولة الجركسية)  ورأس نوبة النوب ، امير سلاح كبير ، امير مجلس ، امير آخور كبير ، الدوادار الكبير ، المشير ( نشأت ايضا على عهد دولة الجراكسة ) الوزير ، حاجب الحجاب ، الاستادار ، ونواب النيابات على حد سواء في مصر وبلاد الشام وكان اعظمهم نائب الشام [72]0وكان نواب السلطان في النيابات يحكمونها اداريا وامنيا وكأنهم سلاطين مصغرين ، وعليهم جمع الاجناد في نياباتهم ولا سيما اجناد الحلقة أكان من ابناء البلاد المحليين او التابعين لاجناد الحلقة الاساسيين النظاميين والخروج بهم الى الحرب بأمر السلطان0وهم بذلك يشابهون الى حد بعيد الآلاي بيكي ، ولكنهم يختلفون عنهم جذريا في انهم لا يمنحون الاقطاع عينه مدى الحياة ، اذ كان الاقطاع مرتبط بالوظيفة ، ولا يمكن توريثه بأية طريقة[73]0والتزم المقطعون بعمارة الجسور البلدية بالاشتراك مع الفلاحين[74]0

       اما امراء الطبلخاناه فكانت مهامهم ادارية ايضا وعسكرية ابان الحرب ، وقد تولوا وظائف مشابهة لامراء المئة ولكنها برتبة ادنى ، ولعل ابرزها نائب القلعة في النيابة ، وهو الى حد جاسوس على نائب السلطان في نيابته يجهد لاعلام السلطان بكل تصرفات نائبه خصوصا المتعلقة بالانقلاب عليه[75]

      وعلى هذا كانت الوظائف في الدولة المملوكية لخدمة السلطان اولا ، ولادارة البلاد ثانيا باشرافه ، وما المهام التي تولاها مماليك الامراء الا خدمة لهم ايضا على غرار السلاطين.  وبالتالي فان النظام العسكري المملوكي المرتبط ابدا بالنظام الاقطاعي كان ارستقراطيا بامتياز – ان جاز تعبير اليوم على العصور الماضية _ ذلك ان الاقطاعات الوفيرة التي حازها امراء المئة ، والطبلخاناه ، وصولا الى امير عشرة لم تمنح لهم الا ليعتاش منها الامير ويعيل اجناده [76]، علما ان هؤلاء الاجناد ما كانوا يشاركون بالحملات العسكرية ، التي انحصر القتال فيها بالمماليك السلطانية وباجناد الحلقة0[77]اذا كانت مهام امراء المماليك خصوصا الكبار ادارية بالدرجة الاولى، وعسكرية قيادية من جهة ثانية، وامنية من جهة ثالثة بحيث كان يتوجب عليهم استتباب الامن في اقطاعاتهم. من هنا يتمايز الاقطاع العثماني بوضوح عن نظيره المملوكي بحيث كان على القادة في الاول جمع الجنود السباهية والسير بهم الى الحرب ، في حين ان في الثاني كان يقود الامير فيه الجنود التي خولهم له النظام العسكري0

      اما التشابه الواضح بين النظامين فينحصر باجناد الحلقة الذين تألفوا من ابناء المماليك على اختلاف مستوياتهم[78]وهم معروفون باولاد الناس ، ومن ابناء البلاد خصوصا العربان ، وممن اسندت اليهم مهام جهادية كالتنوخيين والعسافيين وبني سيفا في لبنان وغيرهم ، ومن القرانصة ( مماليك السلاطين المتوفين ) بعد ان ينشئ السلطان مماليكه الاجلاب0[79]كان هؤلاء قلب الجيش المملوكي يأتمرون بالسلطان من دون ان يكونوا ملكا له[80]ويشكلون ثلث الجيش المملوكي[81] ، وبلغت حصصهم الاقطاعية في بداية العهد المملوكي 10/24 قيراطا وتراوح نصيب الجندي الواحد بين قرية ونصف قرية [82]0وفي الروك الحسامي 1298 بلغت حصتهم مع الامراء 11/24 قيراطا[83]، وفي الروك الناصري 1313 – 1315م اصبحت حصتهم مع الامراء ايضا 14/24 قيراطا وبلغ مقدار اقطاع جندي الحلقة بوجه عام 250 دينارا جيشيا[84]0وانتظموا بالحرب بقيادة مقدميهم الي كان يبلغ مقدار اقطاع المقدم الواحد ألف وخمس مئة دينار جيشي[85]0ولم تكن لهم ولا لمقدميهم مهام ابان السلم سوى الاهتمام باقطاعاتهم0

     وهكذا نلاحظ بدقة التشابه بينهم وبين السباهية من حيث الحصول على الاقطاعات ، من دون ان يكون للماليك حق توريث اقطاعاتهم ، ومن حيث المهام الحربية0

    لن ندخل في دراسة المماليك السلطانية لانهم يشابهون الى حد ” ال يني جيري “

 ثانيا الاقطاع المدني : سار الاقطاع العثماني المدني جنبا الى جنب مع الاقطاع العسكري اذ وزعت الاراضي في مطلع العهد العثماني غير ذات الصفة الحربية على امناء مدنيين تقاضوا رواتبهم من خزينة الدولة ، وجبوا الضرائب المفروضة على كل ناحية[86]0وسرعان ما تسابق الموظفون العسكريون على هذه الوظائف المربحة ، فغدا الامناء ومساعدوهم من العسكريين حتى بات الامناء شبيهين الى حد بعيد بالسباهية ، لا بل يصعب التمييز بينهم[87] ما اضر بالمصالح كلها : خزانة الدولة ، طاقة الفلاحين ، واستغلال الارض على السواء0وادركت الدولة فشل هؤلاء الامناء ، ورأبا للصدع وعدم تفاقم الامور ، ألغت عام 1524م نظام الامانة واحلت مكانه نظام الالتزام ومؤداه ان تعهد الدولة الى شخص نافذ او ثري جباية الضرائب المفروضة على الفلاحين في قرية او اكثر لمدة سنة واحدة فقط على ان يؤدي الى خزانة الدولة ، وقبل مباشرة مهامه ، مبلغا من المال يساوي قيمة ضريبة سنة كاملة على الالتزام[88]، على ان تعرض الاراضي بالمزاد العلني ، ويرسو الالتزام على من يدفع السعر الاعلى[89]

     ويمكننا اعتبار الالتزام نظاما قائما بذاته ، فهو يحدد من حيث المبدأ صلاحيات وواجبات الملتزم ومساعديه ، وحقوق وواجبات الفلاحين ، بحيث توجب على الملتزم الحصول على ثلاث مستندات : التمكين ، وفاميك  Vahmik وتقسيط الالتزام ، وحق للفلاحين بالحصول على ورقة الميرة التي تحدد لهم مقدار الميرة المتوجبة عليهم[90]0

     وما كان الملتزمون متجانسين من حيث عملهم العام ، فبعضهم من رجال الحامية العسكرية ، وبعضهم الآخر من الضباط العثمانيين المتقاعدين ، وفريق ثالث من رجال الدين ، وفريق رابع من مياسير التجار ، كما حصلت بعض السيدات على الالتزام ايضا[91]0

  2 التشابه مع الاقطاع الفاطمي: لم يكن هذا النظام جديدا كليا عند العثمانيي فهو اثر في العهد الفاطمي بحيث كانت تحصل الضرائب اما مباشرة او عن طريق الضمان[92]، يتعهد بموجبه الضامن دفع كامل المبلغ المتفق عليه سنويا ، ويكون عادة اقل مما يحصله الضامن كي يبقى له ربح معين[93]، ويلزم الضامن بتسديد كامل المبلغ حتى وان جاء متحصل الضرائب اقل من المتفق عليه [94]0ويبدو من خلال المصادر الفاطمية ان هذا النوع من الضمان لم يشمل الاراضي فقط ، بل شمل ايضا الدكاكين ( الرباع ) ، والمساكن ، والحمامات ، والمساكن ، والقياسر[95] 0وكان الضامنون من الاثرياء ” الذين جمعوا ثرواتهم في حقول اخرى من النشاط الاقتصادي ولديهم القدرة على الوفاء بمثل هذه الالتزامات الكبيرة “[96]0وكانت الالتزامات تجرى بالمزاد العلني ، ويرسو الالتزام على من يدفع المبلغ الاعلى[97]، ولم يكن الملتزم بالضرورة من ابناء الناحية على جري العادة ، بل فتح المجال امام من يرغب شرط ان يكون قادرا على الايفاء بالشروط ، فتسابق موظفو الحكومة وقادة الجيش على هذا العمل المربح[98]0وبمرور الزمن صار بمقدور الملتزم توريث التزامه وتحولت بذلك الناحية الى اقطاع[99]0وندرك من خلال ذلك ان نظام الالتزام او المالكان العثماني متجذر في القدم ، وبالتالي لم تفرزه العقلية العثمانية ، على الرغم من قضائها على دولة المماليك ، وقد اعتبرت ان من ابرز اسباب حربها عليها سوء معاملة المماليك للفلاحين0خصوصا ان العثمانيين لم يتعظوا من المساوئ التي مني بها النظام الاقطاع المملوكي ، ومن قبله الايوبي وبخاصة الفاطمي الذي اعطي فيه الالتزام مدى حياة الملتزم وتوريثه0ذلك ان العثمانيين عادوا عام 1692 _ وان كان هذا التاريخ بعيدا نسبيا عن الفترة المدروسة في هذا البحث – فاصدروا قانون المالكان واعطي بموجبه الالتزام مدى حياة الملتزم ، واطلقت يده في نقل ملكيته عن طريق البيع شرط موافقة الدولة – طبعا كانت الموافقة مشروطة بالحلوان ( البرطيل ) – [100] ، وحق له توريثه ايضا لاولاده على ان يكونوا قادرين على الوفاء بالالتزام ، وبعد ان يقدموا طلبا الى ديوان الرزناماه للحصول على تمكين جديد ، ودفع مال المصالحة ( الحلوان )[101]0

  3- الجهاز الاداري للملتزم ومصير الالتزام : كان للملتزم جهاز اداري مكون من مساعديه في الالتزام ،[102]  مثل شيخ البلد ، والمباشر ، و المشد ، والشاهد ، والصراف ، والمساح[103]-وموظفيه في ارض الوسية كانوا جميعهم معهودين منذ العهد الفاطمي- وقد توضحت مهامهم اكثر في العهد المملوكي بحيث اورد النويري اسماءهم جميعهم وحدد مسؤولياتهم مثل:شيخ البلد والخولي والشاهد والمباشر…[104] فغدا الحاكم المطلق ، وتسلط على مساعديه وموظفيه والفلاحين ، بل حل مكان الدولة من حيث مسؤولياتها الاجتماعية والاقتصادية والقضائية والامنية ما يؤشر دليل تخلف خصوصا ان الانظمة الفيودالية (الاقطاعية) في الغرب كانت اندثرت او في طريق الانحلال الكامل وكانت الدولة العثمانية على اتصال مباشر بكل ما يحصل في اوروبا0

    وكان الملتزم يترك وصية تحدد حق من يفيد من المالكان بعد وفاته ، لان بلاد الاموات كانت تلزم مجددا بالمزاد العلني اذا لم تتوفر الوصية على ان تكون الافضلية لاولاده شرط ان يكونوا قادرين الوفاء بالشروط المالية ، ومنها دفع مال المصالحة للوالي وكان يساوي ثلاثة اضعاف قيمة الدخل السنوي للملتزم المتوفي ، كما عمد بعض الملتزمين الى توريثه الى من شاءوا[105]0

    4- اوضاع الفلاحين في ظل الاقطاعين المملوكي والعثماني: كانت كثرة المغارم على الفلاح في العهد المملوكي شديدة الوطأة، من حيث التزاماته المتعددة تجاه اولي الامر من العساكر على اختلاف مستوياتهم ، او من حيث فرض نظام المسؤولية المشتركة على اهل القرية الواحدة بما يترتب عليهم من اموال[106]، اضافة الى  قيام الفلاح باعمال السخرة من دون وجه حق[107]، فضلا عن عسف المقطعين بجباية الضرائب0[108] ناهيك عن الزامه بفلاحة الارض قسرا ، ومنعه من مغادرتها تحت طائلة مسؤولية رده ومعاقتبه[109]، والزامه تقديم الهدايا الى اصحاب الاقطاعات الى جانب دفعه الخراج.ان كل ذلك حول الفلاح الى شبه قن، وبات وضعه يتعارض كليا مع نظرة الاسلام الى الارض والانسان.

   اما وضع الفلاح في العهد العثماني فلربما كان اشد سوءا0ويرى جب وبوين ان غالبية سكان القرى كانوا من المالكين الفعليين للارض – على الرغم من شكنا بهذه المقولة_ ولهم حرية التصرف بها كيف شاءوا0وعلى الرغم من ذلك ارتبط الفلاح بالملتزم بصورة غير مباشرة ، وتوجب عليه اداء ضريبة له كون الارض غدت بموجب قانون الالتزام هبة من السلطان للملتزم ، وتوجب على الاخير ابقاء الارض بيد الفلاح ما دام يؤدي الضرائب المفروضة عليها ، واذا عجز حق للملتزم نقل ملكلية هذه الارض الى فلاح آخر[110]0لقد ارتبط الفلاحون بالارض بموجب قانون ناماه الذي شرع على عهد السلطان سلميان القانوني( 1520 – 1566 ) وهو اعتبر ان بوار الاراضي ناتج عن خطأ الفلاحين الذين هجروها ، وفرض على حكام المقاطعات ومساعديهم اعادتهم قسرا اليها ومعاقبتهم والزامهم بزراعتها ، وظل هذا القانون نافذا حتى عهد الاصلاحات العثمانية في القرن التاسع عشر[111]0ومن الواضح ان القانون المذكور يتنافى والشريعة الاسلامية الذي تنص ، كما اسلفنا في مطلع هذا البحث ، اذا بارت الارض ثلاث سنوات تنقل ملكيتها ، ما يدفعنا للاعتقاد ان المصلحة الذاتية العثمانية كانت تسمو على أي عرف او قانون لا بل على كل الشرائع0

     وتميزت العلاقة المادية بين الملتزم والفلاح بالقساوة والتسلط ، فعلى الرغم من ان الضريبة كانت محددة بالميرة فان الملتزم لم يعدم وسيلة لزيادتها من دون مبرر قانوني ، اذ كان يتهم الفلاح احيانا بنقص المحصول ، او بسرقته[112]0هذا ناهيك عن ان الملتزم كان يرسل مساعديه الى الارياف لينهبوا محاصيل الفلاحين وماشيتهم ، ويقتحمون بيوتهم للسطو على ما ادخروا من مال على قلته0واذا ما اضفنا الى كل ذلك تعرض الفلاحين للاوبئة ، ندرك الاسباب التي دفعت الفلاحين لهجرة اراضيهم والالتجاء الى المدن[113]0وتوجت هذه العلائق المهينة باساءتين : اعمال السخرة التي لا مندوحة من تنفيذها ولا سيما بارض الوسية او الوصية ، وفوائد المرابين الذين كانوا يكفلون الفلاحين عن طريق رهن محاصيلهم وعسفهم بالحصول على اموالهم[114]0وقد يعبر رأي المؤرخ التركي خليل اينالجيق اصدق تعبير عن معاناة الفلاحين وسؤ تصرف الدولة العثمانية بقوله :” اصبح الفلاح في ظل اصحاب الاراضي الجدد اسوأ حالا مما كان في أي وقت مضى ، فلم يعد عليه في نظام المقاطعة ( الالتزام ) ان يدفع الضرائب العادية المستحقة للدولة فحسب ، بل كان عليه ان يدفع لصاحب الارض فرائض قررها العرف ، واذا ادخلنا في اعتبارنا ضعف الحكومة المركزية امكننا ان نتصور دون مشقة ذلك الموقف الجائر الذي كان يتخذه اولئك الملاك الجدد “[115]0

       ونخلص الى ان المعاملة التي قاساها الفلاح في العهد العثماني ضاهت بسوئها مثيلتها في العصور الوسطى وربما فاقتها ،  من حيث اعتبر معينا ماليا لا ينضب ، وخادما امينا لا يعرف معنى الثورة ، واذا تجرأ وفعل سحق ، وما ادرك يوما ان هناك سلطة تفوق تسلط سيده الاقطاعي ( الملتزم ) ، او ان حكومة قائمة ترعى شؤونه ومصالحه في حدها الادنى ، وتشعر باناته ومعاناته0ولا الدولة ادركت ان لها رعايا يفترض بها رعايتهم ليظلوا منتجين0

الخاتمة  وبعد هذا التحليل والمقارنات بين الانظمة الاقطاعية في العصور الوسطى والاقطاع العثماني في بعض مظاهره _ لاننا لا يمكننا الاحاطة بكل انماط الاقطاع العثماني لتباينها ، وبين الرومللي والبلاد الاسيوية ، بين منطقة واخرى التي تحكمت فيها خصوصيات المحلية – نجد هناك من يدعي ان الدولة العثمانية حكمت البلاد العربية وغيرها من منطلق الفكر الاسلامي ، وحدود الشريعة الاسلامية على الرغم من انها خنقت هذا الفكر ، ولم تدعه ينفلت من جمود التقليد الى الابداع0ورفضت الهيئة الاسلامية برئاسة مفتي اسطنبول او شيخ الاسلام كل نوع من مناهج الاصلاح ، ليس تمسكا بحدود الشرع الاسلامي ، الذي طالما خرقته ، وهو ايضا براء من كل تلك الادعاآت ، بل من اجل الحفاظ على مصالحها الذاتية والاقتصادية[116]0وقد يكون هذا الامر دفع بالمستشرقين جب وبوين الى اعتبار ان المجتمعات الاسلامية في العصر الحديث تميزت برعاية التقاليد الموروثة والحفاظ عليها ، واعطائها ابعادا دينية بما تسبغه عليها من قوانين شبه دينية0واعتبرا من جهة ثانية ان سمة هذه المجتمعات معادات كل انواع واشكال التغيير ما ادى الى خنق روح المبادرة الفردية الخلاقة ، والمبادرة الجماعية ، والى رفض أي نوع من انواع الابتكار[117]0طبعا نحن لا نقر هذا التعميم ، على الاقل لانه ساقط منهجا ، ولان المستشرق مهما بلغ اتقانه اللغة العربية او العثمانية لا يمكنه فهم روحية المجتمع ، ولا اراءه العامة الناتجة عن ترسبات متراكمة0وقد يكون نقده للحكومات مقبولا لو لم يعممه على كل المجتمعات الاسلامية0

    كما اننا نجد في قول المستشرقين ما يبرره ولكن ليس من منطلق ديني بحت ، لان لا دور للدين في كل ذلك، بل الدور الرئيس يتمثل بذهنية الدولة العثمانية التي رسمت حدود علاقتها بالشعب في القرى بالملتزمين ، والسباهية على اختلاف درجاتهم ، وفي المدن – وان كان موضوع الادارة العثمانية ككل خارج عن اطار هذا البحث – بالولاة وجهازهم الاداري0وجسدت هذه العلاقة باستخلاص الضرائب من دون اعتماد الوسيلة الانجع للدولة والشعب معا0ناهيك عن انها فرضت على الشعب الولاء المطلق من دون السماح باي احتجاج ، لان الشكوى كانت تمر باستمرا بالوالي0من هنا كان أي احتجاج مهم او أي تذمر شديد اللهجة مصيره القمع والسحق0فقد حكمت بذهنية العصور الوسطى.

      النتائج العامة : لقد نشأ النظام الاقطاع العسكري في الاسلام في العهد العباسي الثاني (النفوذ التركي ) ما يعكس نمط تفكير الاتراك على دفع رواتب الجيش متأثرين بانماط اقطاعية بدائية في بلادهم ، وتوسع مع البويهيين الديالمة في الذهنية عينها0ونشأ النظام الاقطاعي العسكري الاداري في عصر نفوذ السلاجقة ، وقد قامت الدولة العثمانية في كنفهم ولا سيما دولة سلاجقة الروم ، وبالتالي قد يكون انتقل اليهم النمط الاقطاعي السلجوقي0 فكان نظام السباهية الذي اعتمد الاوقجة كوحدة نقدية اساسية لتوزيع الاقطاعات ، وهو ، على هذا الصعيد ، يشابه النظام الاقطاعي العسكري المملوكي ، الذي اتخذ من الدينار الجيشي مقياسا للاقطاعات0كما يتشابه مع النظام عينه التراتب العسكري والاداري المملوكيين0

     وهكذا تكون الدولة العثمانية خرجت منذ قيامها على مفهوم الاقطاع في الاسلام ، وبدلا من ان تطوره عادت فيه القهقرة ما ادى الى تظلم الفلاحين ، الذين باتوا ، في ظله ، اشبه بالاقنان ، ما يتنافى كليا مع نظرة الاسلام الى الارض والانسان0

     لقد تمكنت الدولة العثمانية منذ اواسط القرن الخامس عشر من تهديد الدول الاوروبية ، التي كانت تشهد انحلالا في الانظمة الاقطاعية لصالح الكومونات ، وتطور المدن والعناية بالانظمة الزراعية المبنية على الملكية الفردية المتفلتة الى حد من سيطرة الاقطاعيين0ولكنها لم تتأثر بموجة التحديث تلك ، وتركت الملتزمين يحكمون باسمها ، ويمارسون مختلف انواع الاساليب الملتوية لزيادة ارباحهم ، من دون النظر الى وضع الفلاحين الآخذ بالتفاقم0

        لقد حكمت الدولة العثمانية الولايات العربية ، في ظل نظامي الالتزام والولاية ، بذهنية العصور الوسطى0ولم تحاول اختراق جدار التطور ، بل ظلت انماطها الاقطاعية ، التي اجري عليها تعديلات مختلفة ، ملتزمة الى حد اطر النظم الاقطاعية في العصور الوسطى0فتعطلت عجلة الانتاج نسبيا ، ولم تتطور وسائله التي استمرت تكرار لما كانت عليه في العصور الغابرة0

                           الدكتور انطوان ضومط استاذ التاريخ العربي والاسلامي في الجامعة اللبنانية


[1] – ابن تغري بردي، ( جمال الدين ابو المحاسن)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، طبعة دار الكتب المصرية، القاهرة 1930-1956 ، ج12، ص 217 وما  بعد

[2] – ضومط( انطوان)، المماليك والعثمانيون، مكتبة حبيب، الزوق لبنان، 1995، ص 72

[3] لم تكن نسبة الخراج واحدة ، لمزيد من الاطلاع انظر : ابو يوسف ( يعقوب بن ابراهيم ) كتاب الخراج ، دار المعرفة ، بيروت ، 1979 ، ص 41 ، 68 ، 69

– والبلاذري  (احمد بن يحي ) ، فتوح البلدان ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1978 ، ص 31-33 ، 36 ، 42-44 ، 47-48 ، 89-90 ،

  • ابن سلام ، ( ابو عبيد القاسم ) ، الاموال ، مؤسسة ناصر الثقافية ، بيروت ، 1981 ، ص 7 ، 8 ، 56 ،
  • ابن هشام ، السيرة النبوية ، دار الكنوز الادبية ، بيروت ، دون تاريخ ، ج2 ، ص 49

[4] اجتهد بعض الفقهاء في شروط استصلاح الاراضي ومدة بقائها بيد اصحابها ، ابو يوسف ، الخراج ، ص 24

– وابن تغري بردي ، ( جمال الدين ابو المحاسن ) ، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، القاهرة ، طبعة دار الكتب ، 1930 – 1956 ، ج2 ، ص 233 –244

[6] -منع الرسول اقطاع المراعي ، بوجه عام ، وما سمح به كان مشروطا :” لا يأكلون علافها ويرعون فيها ، وقال ايضا :”المسلمون شركاء في ثلاث : الماء والكلاء والنار ، انظر الماوردي ( علي بن محمد بن حبيب ) ، الاحكام السلطانية ، القاهرة ، 1966 ، ط2 ، ص 176- 178

[7] – ويقسم اقطاع التمليك الى موات وعامر ، والثاني هو ضربان : احدهما ما يتعين مالكه ولا نظر للسلطان فيه الا بتلك الارض في حق لبيت المال اذا كانت في دار الاسلام ، الماوردي ، الاحكام السلطانية ، ص 188

[8] – ” يمكن اقطاع ارض موات لم يثبت صاحبها ، وان كانت الارض جاهلية جاز اقطاعها وتمليكها، وان كانت اسلامية وبارت لا تملك عرف صاحبها ام لم يعرف0اما الارض العامرة فلا يمكن تمليكهاسواء أكانت لذمي ام مسلم في حال عرف مالكها0وان لم يعرف تصبح ملكا لبيت مال المسلمين ووقفا مؤبدا ويحق للخليفة او السلطان اقطاعها لاي كان0اما اقطاع الاستغلال فهو جزية او اجر ، فالجزية لا يجوز اقطاع الارض لاكثر من سنة فصاحبها قد يسلم فتسقط الجزية عنه0وان كان اجرا جاز اقطاع الارض لسنين عديدة ” القلقشندي ( احمد بن علي )، صبح الاعشى في صناعة الانشاء ، مطبعة دار الكتب ، القاهرة ، 1913 ، ج13 ، ص 110 ، 113-114 ، 116 ، 117        

[9] – في هذه الفترة عمت المصادرات ، وظهر الاقطاع شبه الاداري 0انظر مسكويه ( احمد بن محمد ) ، تجارب الامم ، مطبعة التمدن ، القاهرة ، 1914 ، ج1 ، ص 43 ، 217

 وابن الاثير ( عز الدين ) ، الكامل في التاريخ ، دار صادر ، بيروت ، 1979 ، ج8 ، ص 110 وغيرها كثير0

[10] – نذكر من هذه الدويلات : الطاهرية ( 265- 292 / 820 – 872 ) ، الصفارية ( 254 – 290 / 867 – 903 ) ، الطولونية ( 254 – 292 / 868 – 905 ) الاخشيدية ( 323 – 358 / 935 – 969 )0

[11] – الحمدانية ( 929 – 1001 ) ودولة القرامطة ، والزيادية في اليمن ودويلات اخرى متعددة في شمالي افريقيا : الادارسة ، الرستمية ، المدرارية ، وبنو الاغلب …

[12] – ابن طباطبا ( محمد بن علي ) ، الفخري في الآداب السلطانية والدول الاسلامية ، مصر ، 1939 ، ص 220

[13] – مسكويه ، تجارب ، ج1 ، ص 43 ، 217

  • وابن الاثير ، الكامل ، ج8 ، ص 110
  •  ولمزيد من الاطلاع ، راجع : سعد ( فهمي عبد الرزاق ) ، العامة في بغداد ، الاهلية للنشر والتوزيع ، بيروت ، 1983 ، ص 33 ، 34 ، 37

[14] – مسكويه ، تجارب ، ج1 ، ص 8 ، 200 ، 201

  • و الصابئ ( الهلال بن محسن ) ، الوزراء ، دار احياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1958 ، ص 13 – 14
  •  وسعد ،  العامة ، 33 ، 34 ، 37 

[15] – سعد ، المرحع السابق ، ص 36 -37

[16] – لمزيد من الاطلاع ، انظر : ضومط ( انطوان ) ، ملامح من الاقطاع العسكري في العصور الوسطى ، مجلة المسرة ، المطبعة البولسية ، جونيه ، 1985 ، العددان ، 719 –720 ، ص 724 – 725

[17] – مسكويه ، ج2 ، ص 173 –175 ، وسعد ، العامة ، ص 39 -40

[18] – لمزيد من الاطلاع ، انظر : ضومط ، ملامح ، ص 725 – 728

[19] – لمزيد من الاطلاع ، انظر هف ( توبي ) ، فجر العلم الحديث ، الاسلامالصين – الغرب ، ترجمة محمد عصفور ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، 2000 ، رقم 260 ، ص 144 وما بعد

[20]– Grawitz , M, Mèthodes des sciences sociales , Dalloz , 10 eme èdition , Paris , 1996 , pp 28-30

[21] – لمزيد من التفاصيل انظر: هرشلاغ ، مدخل الى التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الاوسط ، نقله الى العربية مصطفى الحسيني ، مكتبة العالم الثالث ، دار الحقيقة ، بيروت ، 1973 ، ص 54 – 55

[22] – Afetinan, Aperçu général sur l’histoire économique de l’empire Turc-Ottoman,Publications de la société d’histoire Turque,sérieVIII-No.6a, Ankara, 1916, p.24.

[23]  -ibid p 24

[24] – ibid p24

[25] – هرشلاغ ، المرجع السابق ، ص 54 –55

[26] – لمزيد من الاطلاع على الاوقاف وانواعها راجع : كرد علي ( محمد ) ، خطط الشام ، دار العلم للملايين ، بيروت ، 1983 ، ج5 ، ص 112 – 115

[27] – ضومط ( انطوان ) ، المماليك والعثمانيون وعهد السلطان سليم الاول ، مكتبة حبيب ، زوق مصبح ، لبنان ، 1995 ، ص 69 – 71

[28] – جب وبوين ، المجتمع الاسلامي ، ص 92

[29] – هرشلاغ ، مدخل الى التاريخ الاقتصادي ، ص 18

[30] – المرجع السابق ، ص 93

  • هرشلاغ ، المرجع السابق ، ص 18
  •  الشناوي ( عبد العزيز محمد ) ، الدولة العثمانية دولة اسلامية مفترى عليها ، مكتبة الانكلو المصرية ، القاهرة ، 1980 ، ج1 ، ص 130 – 131

[31] – جب وبوين ، المجتمع ، ص 94

[32] – Afetinan, op.cit. p 45

[33] – هرشلاغ ، مدخل الى التاريخ الاقتصادي ، ص 18

[34] – مسكويه ، تجارب ، ج2 ، ص 97 –98

[35] – لمزيد من الاطلاع على نظام الاتابكبة ، انظر : ابن الاثير ، الكامل ، ج10 ، ص 29 –30

  • والاصفهاني ، ( الفتح بن علي البنداري ، دولة آل سلجوق ، مصر ، 1318 هجري ، ص 55 –57
  •  القلقشندي ، صبح ، ج4 ، ص 18

[36] – ابن الاثير ، الكامل ، ج4 ، ص 29 – 30 ابو شامة ( شهاب الدين عبد الرحمن الدمشقي ) ، كتاب الروضتين في اخبار الدولتين النورية والصلاحية ، القاهرة ، 1278 هجرية ، ج1 ، ص 26

[37] – الاصفهاني ، دولة آل سلجوق ، ص 55 ،

[38] – الامثلة كثيرة على توزيع الاقطاعات على الاتابكة ، انظر : ابو شامة ، الروضتين ، ج1 ، ص 25 ، 35 ، 125

[39] – الاصفهاني ، آل سلجوق ، ص 55 – 57

[40] – ضومط ، ملامح ، ص 730

[41] – المكان عينه

[42] – هرشلاغ ، مدخل ، ص 19

[43] –  Afetinan , op. cit. p 45

[44] – ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج11، ص260 ، والقلقشندي، صبح الاعشى، ج3، ص448، وج12 ، ص219

[45] – BIBB , H , and BOWEN , H , Islamic society and the west , a study of the impact of western civilization on moslem culture in the near east, Oxford University press , 1962, vol I , p 247

– الشناوي ، ج1 ، ص 132

[46] – Gibb and Bowen , op. cit . V I , part I ,  p. 49

– ويعتبران ان الاوقجة نقد فضي عثماني لم تكن له قيمة ثابتة ، في حين يرى الفريق اول محمد شوكت انها كانت تساوي ثلث درهم من الفضة ، ومن ثم بعد ان دخل الغش الى النقود العثمانية قلت قيمتها ولم تعد ثابتة ، انظر : شوكت ( محمد ) ، التشكيلات والازياء العثمانية ، ترجمه عن التركية يوسف نعيسة ومحمود عامر ، دار طلاس ، دمشق ، 1988 ، ص 64

[47] – جب وبوين ، ج1 ، ص 95 ، 97

[48] – جب وبوين ، المجتمع الاسلامي ، ج1 ، ص97 ، وهما يريان ان عدد الجنود المفروضة على الزعيم هي فقط 18 جنديا ، في يرى الشناوي ان العدد هو عشرين ، الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص132

[49] – الشناوي ، ج1 ، ص 133

[50] – Bibb , and Bowen , v I , part I , p 49

[51] – الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص 134

[52] – الشناوي ، المرجع السابق ، ج1 ، ص 134

-Afetinan, op. cit p 45

[53] – الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص 135 – 136

[54] – Afetinan , op. cit. p 45

[55] – المقريزي ( نقي الدين احمد ) ، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ، دار صادر ، بيروت ، دون تاريخ ، ج1 ، ص 87

– ابن اياس ( محمد بن احمد ) ، بدائع الزهور في وقائع الدهور ، بولاق ، 1311 ه ،  -ج1 ، ص 137

[56] – العمري ( شهاب الدين احمد بن فضل الله ) ، مسالك الابصار في ممالك الامصار ، تحقيق دوروتيا كرافولسكي ، المركز الاسلامي المركزالاسلامي للبحوث ، ط1 ، بيروت ، 1986 ، ص 94 ،

  • القلقشندي ، صبح ، ج3 ، ص 458
  •  المقريزي خطط ، ج1 ، ص 90

[57] – المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 87

– بولتاك ، ( أ. ن . ) ، الاقطاعية في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان ، نقله الى العربية ، عاطف كرم ، منشورات وزارة التربية الوطنية والفنون الجميلة ، مطابع نصار ، بيروت ، 1949 ، ص 74 – 75

[58] – خطط ، ج1 ، ص 90

– بولياك ، الاقطاعية ، ص 75 – 76

[59] – القلقشندي ، صبح ، ج4 ، ص 14

– الظاهري ، زبدة ، ص 113

[60] – القلقشندي ، صبح ، ج4 ، ص 14

  • خطط ، ج1 ، ص 215
  •  الظاهري ، زبدة ، ص 113

[61] – الاماكن عينها

[62] – لم يكن الدينار الجيشي نقدا متداولا بل مقياسا اقطاعيا ، كما لم تكن له قيمة ثابتة ، فتراوحت قيمته عام 1315 بين سبعة وعشرة دراهم ، ثم ارتفعت الى 13 درهما عام 1377 ، وفيما بعد فقد قيمته وصار مقياسا حسابيا لمدخول الاقطاعات بالتخمين انظر : العمري ، مسالك ، 61

– ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 112 –113

[63] – العمري ، مسالك ، ص 94

  • القلقشندي ، ج4 ، ص 50

– خطط ، ج2 ، ص 215 – 216

[64] – القلقشندي ، صبح ، ج3 ، ص68

[65] – ضومط( انطوان)، الدولة المملوكية، ص 148 – 150

[66] – جب وبوين ، ج1 ، ص 188 –189

[67] – جب وبوين ، ج1 ، ص 98 ، 189

[68] – المرجع السابق ، ج1 ، ص 188

[69] – جب وبوين ، المجتمع ، ج! ، ص 98

[70] – المكان عينه

[71] – ابو شامة ، ( عبد الرحمن بن اسماعيل الدمشقي ) ، مختصر كتاب الروضتين في اخبار الدولتين النورية والصلاحية ، دار الاندلس الخضراء ، جدة ، المملكة العربية السعودية ، 1997 ، ص 84 ، 88

[72] – العمري ، مسالك ، ص 65 ، 96 ،

  • القلقشندي ، ج4 ، 16 – 18
  •  المقريزي  ،  خطط ،  ص 222 ، 225
  • الظاهري ، زبدة ، 114

– الخالدي ( عبد الله بن عبد الله بن لطف الله ) ، المقصد الرفيع المنشا الهادي الى صناعة الانشا ، اطروحة دكتوراه غير منشورة اعدها خليل شحادة جامعة القديس يوسف ، بيروت ، 1988 ، ص 241 – 245

[73] – القلقشندي ، ج3 ، ص 488

– الطرخان ( ابراهيم علي ) ، النظم الاقطاعية في الشرق الاوسط في العصور الوسطى ، دار الكتاب العربي ، القاهرة ، 1968 ، ص 198 – 199

  • Ayalon David, “Studies on the structure of the Mamlouk Army”, Bulletin of the School of Oriental and African Studies, 15/2&16/1 (London 1953-1954) pp.203-228, 448-476, 57-90 , T 15/2 , p 459 – 460
  • Demombyne , M. G , La Syrie a l’epoque des mamlouques d’apres les auteurs arabes , Paris , 1923 , p 139

[74]–  الطرخان ، النظم ،  ص 86

[75] – القلقشندي ، ج4 ، ص 184

 –  الخالدي ، المصدر السابق ، ص 245 – 246

[76] – Ayalon , op. cit. P 459

  • Demombine , op. cit, p 139
  • –           ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 118

[77] – القلقشندي ، ج3 ، 15

[78] – العمري ، مسالك ، ص 61

[79] – ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 57

[80] – بولياك ، الاقطاعية ، ص 17

[81] – العمري ، مسالك ، ص 61

– المقريزي ، خطط ، ج2 ، ص 219

[82] – القلقشندي ، ج4 ، ص 50

  • ابن تغري بردي ، نجوم ، ج8 ، ص 52
  •  المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 87 – 90

[83] – الامكنة عينها

[84] – القلقشندي ، ج4 ، ص 50

– المقريزي ، خطط ، ج2 ، ص 215

[85] – العمري ، مسالك ، ص 66

– القلقشندي ، ج4 ، ص 50

[86] – الدوري ( عبد العزيز ) ، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي ، دار الطليعة ، بيروت ، 1978 ، ص 114

[87] – جب وبوين ، ج1 ، ص 294

[88] – الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص 147

[89] – Shaw Stanford , Landholding , op. cit. 95

[90] – كان يذكر في تقسيط الالتزام مال الميرة المتوجب دفعه ، واسم القرية او القرى الملزمة ، وعدد قراريطها ، ومساحة هذه القراريط ، لان القيراط كانت وحدة سهمية مبنية على التخمين ، ويحدد في التمكين مال الميرة ، اما الفاميك ، فهو عبارة عن مستند من الدولة الى الفلاحين يعلمهم انهم صاروا في عهدة الملتزم الجديد0انظر : الشناوي ، ج1 ، 147 

[91] – Shaw Stanford , J ,Landholding &land-tax revenues in ottoman Egypt . in “ Political & Social Changes in Modern Egypt.Historical Studies the Ottoman Conquest to the Unitd Arabs Republics : edited by P. M.Holt , London 1969 , p 96

[92] – Cahen, Cl , EI2 , article , Bayt al-Mal , tI , p 1178

[93] – السيد ( ايمن فؤاد ) ، الدولة الفاطمية في مصر ، الدار المصرية اللبنانية ، القاهرة ، ط2 ، 2000 ، ص 514

[94] – ابن ميسر ( محمد بن علي بن يوسف ) ، اخبار مصر – المنتقى من ، تحقيق ايمن فؤاد السيد ، المعهد العلمي الفرنسي ، القاهرة ، 1981 ، ص 129

– المقريزي ، اتعاظ الحنفا باخبار الائمة الفاطميين الحنفا ، تحقيق محمد حلمي احمد ، القاهرة ، 1996 ، ج3 ، ص 164

[95]  المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 83

– اتعاظ ، ج3 ، ص 81

[96] – السيد ، مصر ، ص 516

[97] – المقريزي ، خطط ، ج2 ، ص ص 5 –6

[98] – عينه ، ج1 ، 85

[99] – شعبان ( محمد عبد الحي ) ، الدولة العباسية – الفاطميون ، الاهلية للنشر والتوزيع ، بيروت ، 1981 ، ص 238

[100] – جب وبوين ، ج1 ، ص 295

[101] – الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص 166

[102] – تقع ارض الوسية في دائرة الالتزام ، وتساوي عشره 1/10 ، ويفيد الملتزم وحده منها ، وقد عين لها موظفين يتقاضون رواتبهم من ماله الخاص مثل الوكيل والخولي والكلاف وغيرهم ، الشناوي ، ج1 ، ص 159 – 160

[103] – Shaw Stanford , J. The financial & administrative organization & development of Ottoman Egypt ( 1517 – 1798 ) , Princeton Univercity Press , Princeton N. J, 1962 , pp. 22 – 25

[104] – لمزيد من الاطلاع، انظر: النويري، نهاية الارب في فنون الادب، دار الكاتب المصري، القاهرة، 1929، ج8، ص 246-248

[105] – جب وبوين ، المجتمع ، ج1 ، ص 295 – 297

[106] – عاشور ( سعيد عبد الفتاح ) ، بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى ، دار الاحدب البحيري ، بيروت ، 1977 ، ص 149

[107] – ابن تغري بردي ، نجوم ، ج9 ، ص 51

[108] – المقريزي ( تقي الدين احمد ) ، اغاثة الامة بكشف الغمة ، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال ، القاهرة ، 1940 ، ص 45 – 47 

[109] – المكان عينه ، وخطط ، ج1 ، ص 138

[110]  – Shaw Stanford , Financial , op. cit. Pp. 20 –21

 – جب وبوين ، ج1 ، ص 294

[111] الدوري ، مقدمة ، ص 122

[112] – Shaw Stanford , Landholding , op. cit. P 100

[113] – ibid

[114] – الشناوي ، ج1 ، ص 157 – 158

[115] – اينالجيق ( خليل ) ، التقافة الاسلامية والحياة المعاصرة ، بحوث ودراسات اسلامية ، جمع محمد خلف الله ، القاهرة ، 1955 ، ص 451

[116] – كانت الهيئة الاسلامية ترعى الاوقاف التي راحت تتزايد تدريجا حتى بلغت في القرن 19م حوالى نصف اراضي الدولة العثمانية

[117] – جب وبوين ، ج1 ، ص 32 –34

مظاهر اجتماعية من دمشق على عهد الدولة المملوكية الثانية 1382-1516

ان دراسة البنى الاجتماعية لدمشق على عهد الدولة المملوكية الثانية 1382-1516 تقتضي الاحاطة بمفهوم التاريخ الاجتماعي وتاليا علاقة علم الاجتماع بالتأريخ للوقوف على المبادئ المنظمة لدراسة البنى الاجتماعية، وتبيان مظاهرها الحضارية.

ومن الواضح ان ماهية الاجتماع الانساني خضعت لمؤثرات المكان والزمان، وللتقاليد والمعتقدات الدينية، وتأثرت بالعنصر البشري وعرقه وغيرهما. والتاريخ الاجتماعي لا يُعنى بدراسة الفرد كنموذج تحليلي للواقع بل بالظواهر الاجتماعية الناجمة عن المجموعات البشرية التي تربط بينها وحدة ثقافية[1]. والوحدة بهذا المعنى تطلق على كل مجموعة محددة تربط بين افرادها صلات ومصالح كالاسرة والقبيلة والقرية واحياء المدن والطائفة الدينية، واهل الحرفة او الصنعة الواحدة، واهل الحكم جميعهم بدءا برأس الهرم وحاشيته نزولا تدريجيا الى اسفل الهرم.

وتختص دراسة كل وحدة اجتماعية بمعايير محددة لمعرفة الظواهر الاجتماعية الضرورية لدراسة التاريخ الاجتماعي لأن المعايير ليست جامدة، بل تختلف من وحدة الى اخرى تبعا لحجمها ولمعيار التراتب الاجتماعي ضمن كل منها. وتمتاز الظاهرة الاجتماعية بانها عامة فهي في الاساس توافق في التفكير والسلوك والشعور والعادات، وتبنى على اساس التقليد الذي لا يلغي التطور، كما ان التطور لا يلغيه.[2] بل هما متلازمان وضروريان لادراك اسباب التحول في المجتمعات. 

وانطلاقا من هذه الاسس نلاحظ: ان المماليك عندما اسسوا سلطنتهم وركزوها بعد ان انتصروا على المغول وصدوا رحفهم المرعب بل ابعدوه واوقفوه عند حدود بلاد الشام، ثم بسطوا سيطرتهم على الاماكن الاسلامية المقدسة، والحجاز عموما، وانهوا الوجود الصليبي في الشرق عام 690/1291 صار لدولتهم موقعا استراتيجيا مهما جدا اذ استوثق الساحل للمسلمين على حد تعبير ابن كثير[3]؛ وبسطوا سلطانهم على ثلاثة بحار اساسية: المتوسط، والاحمر، وبحر العرب المدخل الرئيسي الى المحيط الهندي والشرق الاقصى. وباتوا يسيطرون سياسيا واقتصاديا وعسكريا على كل موانئ الحوض الشرقي للمتوسط باستثناء ميناء اياس الارمني[4]، كما على معظم الموانئ في البحر الاحمر. وادرك المماليك اهمية ما انجزوه وحاولوا استثماره الى اقصى مدى بالسيطرة شبه المطلقة على الشعوب التي خضعت لسلطانهم في مصر وبلاد الشام بعد ان باتوا على الصعيد الديني الحماة الحقيقيين للمسلمين، والحاضنين الفعليين للشرعية الاسلامية الوحيدة بعد ان احي السلطان الظاهر بيبرس عام 659/1261 الخلافة العباسية في مصر.

   على هذا، اتبع المماليك في الحكم نظاما اداريا خاصا بهم شبيه باللامركزية الحالية، فكانت مصر مركز الحكم لاحتضانها  السلطان الذي اقام نوابا عنه في النيابات المتعددة في مصر وبلاد الشام. وساعد لمماليك  في الحكم عدد وافر من الموظفين العسكريين والاداريين معظمهم من المتعممين[5].

ان التركيبين السياسي والاجتماعي المملوكيين المذكورين افرزا عدة مستويات اجتماعية واضحة المعالم، لكل منها ميزاته المحددة بحيث كانت تحكمه ظواهر اجتماعية واضحة من حيث السلوك السياسي ونمط العيش ومستواه الاقتصادي. ذلك ان المماليك لم ينصهروا بالشعوب في مصر وبلاد الشام، واستمر تفاعلهم الاجتماعي مع رعايهم غير ملحوظ، واستغلوا الاقتصاد العام باسوأ الطرق مسخرين الشعب باستغلال الارض.

لم يعنَ المؤرخون في العالم العربي والمستشرقون الغربيون كفاية بدراسة التاريخ الاجتماعي في العصور الوسطى، فقد درس بمقدار ما يتيحه المؤرخ السياسي والعسكري من مساحات اجتماعية ضيقة. وهو استند بشكل رئيسي على دراسة نظم الحكم كما صورتها كتب الادارة، من دون الاخذ بعين الاعتبار الواقع العملي الذي يتباين احيانا مع النظري. وقد صُّور هذا التاريخ على انه دراسة المباني على تنوعها، مع وصف بعض المظاهر الاجتماعية كالحفلات والاعياد وما شابهها، من دون التطرق الى صلب التاريخ الاجتماعي كدراسة الفئات المكونة للمجتمع من حيث علاقة الافراد في ما بينهم ضمن كل وحدة اجتماعية على حدة، وكذلك دراسة السمات التي تشترك فيها الفئات كافة والمسماة في علم الاجتماع الظواهر الاجتماعية.

 ان التاريخ السياسي والعسكري يستطيع تحديد المفاصل التاريخية الاساسية التي اثّرت في تطوّره وفي تحويل مساراته، ولكنه يصعب عليه توضيحها بمعزل عن قراءة متأنية للعوامل الاقتصادية والاجتماعية التي قد تكون احيانا في اصل تلك التحولات بل العامل الاساسي في توجيهها.

   من هنا يعطي معظم المؤرخين اليوم اهمية قصوة للدراسات الاجتماعية الماضوية من اجل اعادة تركيب الماضي بكل ابعاده بما في ذلك التداخل بين السياسة والاجتماع والاقتصاد .”لأن الزمان يكتسب فعاليته ويمر بتحولات طويلة او متقطعة، او يستمر تراتبيا، من خلال الفعاليات البشرية، ومما يعانيه الانسان في مجتمعه وبيئته.”[6]

  ومن بديهيات الامور ان اناس المجتمع يتفرعون الى فئات متميزة من حيث مراكز اقامتهم، والعمل الذي يؤدونه، وانماط العيش التي يمارسونها، ونظم الحكم التي تسوسهم. وتبقى هذه الصفات افقية الرؤية لعجزها عن تأمين آلية دراسة التاريخ الاجتماعي، لان هذه مهمة البنية الاجتماعية[7]، التي عرّفها بعض المؤرخين وعلماء الاجتماع: بانها مجموعة عضوية من التقارير الشديدة التماسك اجتماعيا واقتصاديا ونفسيا في آن واحد، واقل ما يمكن قوله فيها: انها تتكامل في تقليد، وفي نظام خلقي، وهي تحدث اعادات ولا تتجدد، لان الحدث التاريخي هو الذي يُحدث التجديد والابداع، اذ يحوّل بعض البنى ولا يقضي كليا على تماسكها الداخلي .[8]

   على هذا، تصعب كثيرا دراسة التاريخ الاجتماعي في العصور الوسطى في الشرق العربي والاسلامي لافتقار مصادرنا للتقارير الاقتصادية الدقيقة، ولاقتصار الحوليات السياسية على لمحات اجتماعية، لان اصحابها اعتادوا التأريخ للخاصة من دون ايلاء العامة ما يستحق دورها من اهمية في تطور الاحداث. وقد ذللت، في هذه الدراسة، بعض هذه العقبات بالاعتماد على مؤلفات المؤرخ الدمشقي محمد بن طولون الغنية باخبار العامة والاعيان و الخاصة على حد سواء، اضافة مصادر اخرى اقل غنى  سترد في البحث .

     ترتبط دراسة التاريخ الاجتماعي في المدن بالتطور المديني او انحطاطه لأنه يحدد مستوى وظائف السكان تقدما او تقهقرا، ويعكس نسبة الديمغرافيا في المدينة، وازدهار الحركتين الصناعية والتجارية فيها. ومن ناحية ثانية يحدد ازدهار الابنية الحكومية، او تلك التي تتم بأمر من الحكام حتى وان كانت غايتها اجتماعية او دينية صرفة، مستوى الثقافة التي تتمظهر بعدد المدارس ومستواها الثقافي وبالمؤسسات الدينية المرتبطة بها. وتوضح دراسة الابنية على المستويين الحكومي والشعبي، بتراتبه المتعدد المنازل، من دون ادنى لبس المستويات الاقتصادية التي تنعكس على التطور الاجتماعي وتاليا على حالة الرفاه عند المجموعات السكانية على اختلاف مراتبها، لأن نوعية الابنية وهندستها البنائية ليست الا انعكاسا للتراتب الاجتماعي. وبالتالي تساهم دراسة الابنية في فهم التفرع الاجتماعي ليس ضمن الفئات المكونة للمجتمع فحسب بل ضمن الفئة الواحدة.

وعليه سندرس نمطين من الابنية: الشعبية، وتلك الخاصة بالاعيان لا سيما المماليك. وسترتبط نسبة وضوح الرؤية في دراسة النمطين بمقدار ما تتيحه لنا المصادر من معلومات.

    المساكن الفخمة: سكن المماليك في محلات خاصة بهم وحدهم، وكانت مميزة من غيرها من المساكن والابنية الاخرى بهندستها البنائية وفخامتها. ومن نماذجها البارزة الشرفان الاعلى والادنى. كانت تنتشر في الاعلى، الذي عرف ايضا ب”دار الامراء”، قصور الامراء ومساكنهم، ومدارس ومساجد[9]. وتوزعت في الشرف الادنى قصور للنزهة، وعدد من المساجد من ابرزها جامع تنكز[10]وعدد من المدارس، والعمائر، والمحلات العامرة، والخوانك[11]. وكان الشرفان يطلان على الميدان، وعلى منتزه الشقرا[12]. وكانت الربوة، الواقعة في سفح جبل قسيون والمشرفة على الغوطة، مسكن الامراء” لان فيها القصور والمباني الشريفة[13]، وتعني كلمة “شريفة” سلطانية.

   ومن الواضح ان دراسة ابنية المماليك هذه جاءت افقية الرؤية، وعامة ولم تغص في تفاصيل الهندسة البنائية، على الرغم من اهميتها على هذا المستوى، لأنها تتطلب جهدا كبيرا ليس الان مكانه. انما الغاية مما اشرت اليه فيها هو الوصول الى التمايز الاجتماعي بين السكان الاصليين في دمشق وحكامهم المماليك. وسنكتفي فقط بدراسة سريعة لقلعة دمشق لانها كانت مركزا حكوميا مهما ويختصر بوجه عام طريقة عيش المماليك في احيائهم الخاصة، بل في مجتمعاتهم التي لم يشاركهم فيها احد من السكان اجمالا.

يعود بناء القلعة الى العهد السلجوقي اذ شيدها اتسز بن اوق الخوارزمي المتوفي عام 471 / 1078م.[14]، واتمّها الايوبيون، وقد كيّفها المماليك بما يلائم نمط حياتهم. وبدت في العهد المملوكي كما يلي:

كان فيها خمسة ابواب: الجديد، السر، النصر، السلامة، والفرج[15]، ويحيط بها خندق دائري عمقه خمسين ذراعا يحميها ابان الحصار، وقد جُّرت اليه المياه من نهر بانياس على جسر عريض محفور ومخفي[16]. ويحيط بها سور ايضا فيه ابواب تفتح عند الحاجة فقط، على كل واحد منها مئذنة لجامع، وينفتح الباب على باشورة انتشرت عليها الحوانيت. وضمت القلعة حمام وطاحون – ما يدل على قلة عدد المماليك فيها- ودار للضرب، ودور حواصل، ومخازن لمختلف انواع العتاد، وآبار. ما يمكنها ابان الحصار من الاكتفاء الذاتي ولمدة طويلة[17]. وبالتالي شكلت مجتمعا مملوكيا خاصا انغلق على ذاته الى حد بعيد، خصوصا اذا ادركنا انه كان يمنع على نائب القلعة ومساعديه الاساسيين الاتصال باي شكل من الاشكال بنائب دمشق، كما كان يمنع على اي كان الدخول اليها الا بمسوغ قانوني. ولا ندري بالضبط اذا كان الامر عينه فرض على الاجناد فيها وان كنا نرجحه.

من دون شك ان هذه القلعة اعتمد في هندستها الضرورات امنية الصرفة، ومع ذلك فانها تشكل نموذجا لمجتمع مملوكي صرف يتمتع بكل خصائص المجتمعات المملوكية من حيث الرفاه على المستويات كافة، وتأمين المستلزمات الامنية واساليبها، لأن نائبها بدا كسلطان لا ينازعه في ادارتها منافس فاليه كانت تنهي الامور ومنه تصدر الاوامر.

  حارات دمشق ومحلاتها: يصعب كثيرا بناء دراسة دقيقة ومفصّلة لحارت دمشق واحيائها كلها، وسنكتفي في هذه العجالة بدراسة بعض مظاهرها المعبرة عمّ كانت عليه حالاتها الاجتماعية لتحديد ظواهرها الاجتماعية التي كانت سائدة فيها ومقارنتها بمثيلاتها عند الطبقة العسكرية الحاكمة.

ومن الواضح ان التجمعات الجغرافية تقوم على وحدة العنصر والاقامة في مكان محدد، وهي لا تلبث ان تولّد مجتمعات جديدة مبنية على حقوق الجوار وواجباته، وعلى حقوق الاقارب، وتتولّد منها جميعها عواطف مشتركة. وتنشأ عن التجمعات المذكورة في المدن مراكز انتاج، واتصال تتمثّل باماكن العبادة، وفي ظل غياب الدولة او تغاضيها عن واجباتها تتأسس فيها مراكز دفاع ضد غارات الآخرين. ما يجعل تلك التجمعات عنصرا عقليا وآخر ماديا في آن واحد.[18]

وعلى هذا شكّلت المحلات والحارات الدمشقية، التي تعددت وشغلتها العامة، تجمعات جغرافية واجتماعية، تشابهت مظاهر بعضها نسبة الى العمل الذي كان يؤدّيه افرادها من حيث الدخل على الاقل. وتفرعت كل محلة الى عدد من الاحياء والحارات. اما ابرز الحارات التي وفرتها لنا المصادر التي اطلعنا عليها فهي: الصالحية، الجسر الابيض، الميدان، برج الروس، الربوة، الخلخال، المنيع، والشرفان، [19] القصاعين، مسجد القصب، حجر الذهب، العقيبة [20]. اما احياء دمشق فهي كثيرة جدا سنذكر بعضها مثل: السنانية، باب البريد، المناخية، الشاغور، العمارة، ومسجد القصب، السويقة، المصلى، ميدان الحصى، القبيبات، القراونة، المزار، المزابل، العقيبة…[21]

   في عهد المماليك بدت دمشق داخل سورها مجموعة حارات مستقلة، وكأن الواحدة منها قرية صغيرة مستقلة بمساجدها وحماماتها وسقاية الماء فيها[22]. وجاءت ابنية بعضها، خصوصا التي شغلها العامة، والزعر متلاصقة، تمد افقيا، لعدم الاطمئنان الناتج عن سوء ادارة المماليك ولاتساع الرقعة الجغرافية[23]. وتنعدم فيها النوافذ والشرفات وقد يكون مرد ذلك لخضوع الابنية الى نظرية الحلال والحرام في الاسلام. وتألف الحي فيها من عدة بيوت شيّد لها باب خارجي مشترك يقفل في المساء وايام الاضطرابات، ويتوسطه باب خوخة ( صغير) يعبر منه سكان الحي كل الى داره[24]. ويرجع اسباب تلاصق الابنية الى ان رغبة رئيس الاسرة باسكان ابنائه واحفاده في المنزل عينه، فكان كلما ضاق المكان بهم اضافوا اليه غرفا حتى بات المسكن داخلا في بيوت الجيران[25]. وتحولت تلك البيوت الى اكواخ نظرا للنمو الديمغرافي.

   والى ذلك، كان الحي من حيث بناؤه الهندسي عبارة عن تشكيل من الابنية غير المتوازية والمتوازنة، ترتفع جدران بعضها الى اكثرمن طبقة والبعض الآخر يشبه الاكواخ ان لم يكن عبارة عن مجموعة من الاكواخ مظلمة يتسرب اليها الهواء عبر الازقة وممرات منخفضة معتمة.[26] وهو فوق ذلك كله شكل وحدة ادارية مستقلة على مستويين حكومي ومحلي اي شعبي.

       فعلى الصعيد الاداري المحلي ترأس الحي شيخ يعينه نائب السلطان المملوكي في نيابة دمشق من اجل حسن سير الاعمال المنوطة بالحي :حفظ النظام، تمثيل الحي في المناسبات العامة التي تقتضيها الدواعي السياسية والاجتماعية في المدينة، ومساعدة الشرطة في تنفيذ مهامها، او تولي هذه المهام بنفسه، كجمع الضرائب القانونية وغير القانونية مثل الرمي او الطرح[27]. لان الاحياء قد انتظمت في مناطق منعزلة ومنطوية على ذاتها لا يتمكن الغرباء من الدخول اليها، ولاسيما انها كانت متداخلة فيما بينها في حياتها العادية. وكانت تتآزر ابان الاضطرابات العسكرية، وتدافع جميعها بعضها عن البعض الآخر اذا تعرض احدها لاي اعتداء خارجي[28]. ولم يكن ينغلق الحي على نفسه اجتماعيا وسكانيا الا ابان الاضطرابات العسكرية والفتن الداخلية ،[29] ما يذكرنا بعمليات الدفاع المشترك التي اشرنا اليها اعلاه.

 ويعتبر عدد المدارس والمساجد والجوامع، وتنامي عدد الحمامات من المعايير الاساسية في ايضاح التطور الديموغرافي في دمشق، وتحديد المستوى الثقافي العام ليس بين سواد العامة انما بين بياضها بشكل رئيس. سنكتفي في هذا في هذا البحث باعطاء فكرة عن مجموعها الذي يعكس بشكل تقريبي عدد السكان، ويوضح نمطا اجتماعيا من العيش قد لا نجده الا في المدن الاسلامية.

 بلغ عدد المدارس كما ذكرها ابن كنان 111 مدرسة توزعت على المذاهب السنية الاربعة[30].وقد اورد منير الكيال ان عدد الحمامات في دشق على عهد ابن عبد الهادي المعاصر لاواخر الدولة المملوكية بلغ 167 حماما عدا حمامات الغوطة[31]، وذكر ابو علي الاربلي المتوفي عام 726 / 1326 ان تعداد حمامات دمشق بلغ خمسة وسبعين حماما. واذا سلمنا بصحة هذه الارقام تكون دمشق المملوكية قد زادت حماماتها على ما يربو على الضعف ما يعكس تطورا ديموغرافيا وبنائيا ملحوظين، لان الحمامات الخاصة كانت قليلة جدا انذاك، ويؤكّد على ان الحمامات العام استمرت حاجات ضرورية للنظافة وبما كان يتم فيها من احتفالات تفرج الناس وتؤاسي بؤسهم الاحتماعي والاقتصادي والسياسي.

الفئات الاجتماعية في دمشق: انطلاقا من النموذجين البنائيين السابقين يمكن دراسة الفئات الاجتماعية في دمشق. لأن من معايير التاريخ الاجتماعي تحديد الفئات الاجتماعية تبعا لمستوياتها المعيشي وانماط حياتها المشتركة، ومن ثم استخلاص الظواهر الاجتماعية التي تخضع لها، وبالتالي دراسة التطور البطيء او السريع الذي تؤمنه الظواهر بهدف تحديد مستوى التطور ايجابا اوسلبا، ويقتضي توضيح الرؤية ودقتها القاء الضؤ على نظام الحكم ودراسة بنية العلاقة بين الحكام وفئات الشعب لما لذلك من دور اساسي في فهم الدينامية الاجتماعية.

وعليه، لا بد من تحديد المبادىء الاساسية المنظمة للمجتمع، مما يقتضي ابراز الفئات في التفرع الطبقي التي منها نحصل على المبدأ المنظم للمجتمع، الذي منه تنتج البنى، ومن ثم دراسة العلائق بين الفئات الاجتماعية التي ستكون جد مختلفة[32]. وارتأيت اعتماد الوظيفة، على اختلاف اشكالها لحكومية والدينية، اوالمهن الحرة المتنوّعة معيارا  للتفريع الطبقي او ما يمكن تسميته المبدأ المنظم، وسيتوضح الامر بما سيلي.

    كان المجتمع المملوكي طبقيا – ان جاز التعبير كون الموضوع يرتبط بالعصور الوسطى ولان استعمال ” طبقة ” مصطلح حديث- جامدا الى حد بعيد، وغالبا مغلقا، فالطبقات مقفلة على ذاتها عموما، فالحكام كانوا جميعهم من المماليك، والطبقة العسكرية على مستويات تتدرج هرميا من السلطان الى الجندي. ورجال الدين من ابناء الشعب وكانوا ايضا على مراتب، وقل الامر عينه عن العامة التي قسّمها المقريزي الى فئتين سوادها وبياضها. وكانت هذه الفئات ( الطبقات ) متفاوتة من حيث الدخل، والطمأنينة، والاستقرار واشتغال المناصب الحكومية والدينية والاقتصادية والاجتماعية، ولم ينظر لحقوق الفرد في (طبقته) فئته الا من خلال انتمائه الوظيفي. وقد بنيت نظرتي هذه انطلاقا من رؤية المقريزي للمجتمع في عهد المماليك اذ قسّمه الى سبع فئات : ارباب الدولة.      

مياسير الناس من التجار والفقهاء والمتعممين.

متوسطو الحال من التجار والباعة واصحاب المعاش والسوقة

الفلاحون من اهل الزراعة .

سكان الارياف والقرى .

ارباب الصناعات والحرف البسيطة .

والمعدمون [33].

     ان هذا التوزيع العام الذي اورده المقريزي يشمل كل المجتمع المملوكي، اما في المدن فيصح اعتماد تفريع آخر ينبثق منه يأخذ بالاعتبار خصوصية المدينة والتجانس الاجتماعي الاكثر شمولا، ويمكن تفريعه كما يلي: الطبقة العسكرية الحاكمة، الاعيان الذين يضمون رجال الدين والتجار وارباب الصناعة، او ما يطلق عليه بياض العامة، وسواد العامة، واخيرا الزعر والارذال والاوباش.

كان سكان دمشق يتألفون من غالبية عربية كبرى، اضافة الى عدد من اجناس مختلفة وفدت اليها عبر تاريخها مثل بربر شمال افريقيا خلال العهد الفاطمي، والتركمان في العهد السلجوقي الاتابكي، والاكراد في العهد الايوبي واستمروا يشكلون اقلية[34].هذا اضافة الى الشعوب المغلوبة من المناطق المجاورة خصوصا من تلك التي تعرضت للغزو المغولي ولا سيما العراق، كما لجأ الى دمشق طائفة دينية كبيرة العدد من المغاربة لاسباب دينية[35]. يضاف اليهم الحكام المماليك على اختلاف مراتبهم، وسندرس كل فئة من هذا المجتمع على حدة لتحديد نظمها الاجتماعية، ومن ثم علاقة هذه الفئات في ما بينها.

 1 – الطبقة العسكرية الحاكمة: شكل السلطان وامراؤه واجناده طبقة عسكرية حاكمة مغلقة عن الشعب. وحدد الانتماء اليها بشروط لم تتوفر بالسكان الاصليين : كالعرق، اي ان يكون مولودا خارج الاراضي المملوكية في الشرق العربي والاسلامي وبالتحديد في السهوب الآسيوية الاوروبية الممتدة من آسيا الوسطى حتى البلقان والبحر الادرياتيكي.[36]والرق[37]، واجادة اللغة التركية لان المماليك كانو يتحدثون بالتركية في اجتماعاتهم ومجتمعاتهم[38]. وقليلون منهم من اتقنوا العربية، لا بل ان بعضهم لم يفقه منها شيئا[39]. والتربية في الطباق ( الثكنة العسكرية )، و العتق، والتدرج بالامرة[40]. وانحصر تزاوج امراء المماليك اما من نساء تركيات جيء بهن خصيصا لهذه الغاية، او من بنات امراء المماليك، وقليلون منهم من تزوجوا من بنات مياسير التجار او بنات المتعممين[41]. وكانت جميع اسماء الامراء تركية، ولم يجرؤ اي منهم مهما ارتفع مقامه على الخروج على هذه القاعدة مخافة القتل او العزل، فالسلطان جقمق ( 1438 – 1453م.) اراد ان يسمى محمدا تيمنا بالرسول (ًصلعم ) ولكنه خاف العزل فتسمى جقمق محمد[42]. انما حق لهم بالالقاب الدينية مثل ركن الدين او عز الدين… وانفرد المماليك بلبس ثياب مميزة مطرزة الكمين تمييزا لهم من افراد الشعب.[43]وارتدوا قباء طويلا ينتهي بأكمام ضيقة، واعتمروا كلوتة صفراء من دون عمامة، وشدوا على خصورهم احزمة من القطن البعلبكي، وتميزت ايضا ثياب الامراء من ثياب الجند [44].

     ومن مميزات الطبقة العسكرية الحاكمة اقتناء الرقيق وركوب الخيل الذي لم يجز ركوبها لغيرهم [45]، وعلى رغم اسلامهم فلم يُقض بين الامراء بالشرع الاسلامي بل ب”الياسة او اليسق ” وهي مجموعة القوانين المغولية التي اصدرها جانكيز خان ( 1206 – 1227م.)[46]. وحاز المماليك وحدهم، سلطانا وامراء واجنادا، الاقطاعات الزراعية وشاركهم بقسم ضئيل نسبيا بعض المتعممين ممن اشرفوا على المؤسسات الدينية والتربوية والاجتماعية[47]، وكذلك بعض العربان وغيرهم ممن اعتبروا اجنادا في الحلقة. كما توزعوا في ما بينهم المرافق الاقتصادية العامة ولا سيما الجمارك التي حازوا عليها عن طريق الاقطاع.

      ان هذه المميزات تشمل كل المماليك خصوصا في القاهرة وهي تنسحب على تواجدهم في كل المدن، لان نائب السلطان في نيابته شكل سلطانا مصغرا، وتميز بخاصات السلطان من حيث الصلاحيات وبيوت الخدمة، انما على مستوى ادنى، فالاول كانت تنعت بيوت خدمته بالشريفة والثاني بالكريمة.

11 – دور وظائف الطبقة العسكرية الحاكمة في دمشق في التفريع الطبقي : عاش بدمشق عدد كبير من ارباب السيوف كان نائب السلطان اعلاهم رتبة، يعينه السلطان بمرسوم شريف ويعبر عنه لاهميته بكافل السلطان ويخصص بألقاب ونعوت لم يسمح بها لغيره.[48] كانت تزين كل احياء المدينة وحاراتها لدخوله اليها، اذ توجّب عليه التطواف حول قلعتها سبع مرات، والصلاة ركعتين عند باب السر[49] قبل توجهه الى مقره في دار السعادة [50]. وكان النائب يخلع الخلع على قضاة القضاة الاربعة بدمشق في دار العدل[51] تعبيرا عن اقراره بدورهم في الحياتين الدينية والاجتماعية وان نظريا.

   وقد تمتع بصلاحيات واسعة جدا ان من حيث التوظيف او العزل، او منح الاقطاعات.[52]كما توجب عليه اداء مهام ادارية وامنية وسياسية واجتماعية ودينية.[53]وتمتع بمنازل خدمة كريمة على غرار منازل الخدمة الشريفة السلطانية: فكان له دواداره، وخزنداره، وامير مجلسه، وامير آخور، وشاد الشرابخاناه، ومهاتر البيوت…[54]

     وعاش في دمشق الى جانب نائبها ثمانية امراء مئة مقدمو ألوف،[55] واحد وعشرون من امراء الاربعين او الطبلخانة [56]، واثنان وعشرون من امراء العشرينات، وواحد وخمسون من امراء العشرات ، وثلاثة وعشرون من امراء الخمسات، عدا عن مقدمي الحلقة واجنادها وهم عدد كبير، اضافة الى عدد آخر من الموظفين لا يسعنا ذكرهم جميعهم بحيث يغدو الموضوع دراسة في الادارة المملوكية.[57]نذكر منهم: امير حاجب وهو مقدم ألف، ويلي نائب دمشق رتبة وينوب عنه اثناء غيابه، واستادار[58]، ونقيب الجيش[59]، والمهمندار، وشاد المهمات، ووالي الشرطة[60]، ونائب القلعة الذي لم يكن لنائب دمشق سلطة عليه[61]، واتابك العسكر ( قائد الجيش ) وبالتالي نشأ نظام عسكري بيروقراطي لتلبية متطلبات السلطان من جهة، وحاجات النائب الذي كان الى حد بعيد مستقلا من جهة ثانية. وتوزع هؤلاء جميعهم، الى جانب الوظائف الاساسية، الاراضي الزراعية بنيابة دمشق اقطاعات كل على قدر الوظيفة التي كان يشغلها، فضلا عن المعاصر المتنوعة و الطواحين وما الى ذلك من المرافق الاقتصادية.

وعلى هذا، اربتطت بهم فئات المجتمع الدمشقي بطريقة مباشرة خصوصا المتعممون الذين استخدموا في الادارة _ سيأتي الحديث عنهم بدراسة المتعممين-، واحيانا اخرى غير مباشرة. وكانت تلك العلائق فوقية لصالح الطبقة العسكرية الحاكمة، التي كان نهمها للمال مستمر، فنتج منه صراعات بين افرادها او جماعاتها اثرت سلبا على تطور الحياة الاجتماعية الدمشقية، بحيث توجّب على الفئات الشعبية كلها تلبية حاجات الطبقة العسكرية الاقتصادية وغيرها بكل السبل المشروعة وغير المشروعة.

      واذا علمنا ان مقدم الالف حق له باقتناء من ماله الخص بمائة مملوك وانه كثيرا ما تجاوز هذا الحق الى مائة وعشرين او اكثر، واجيز لامير الطبلخاناه باربعين، وجوازا بسبعين او ثمانين، وهكذا نزولا حتى امير خمسة، لادركنا العدد الكبير لمماليك الامراء الذي نشاء منه مجتع خاص بهم. اضف الى ذلك انه كان في دمشق عدد من الطباقات للمماليك السلطانية ممن يأتمرون بالسلطان فقط او من ينوب عنه، هذا عدا عن اجناد الحلقة الوافري العدد. فتشكل بذلك ضمن دمشق مجتمعا مملوكيا مغلقا وكامل المميزات، ومتدرج من حيث الدخل والسلطة والحظوة، سنوضح سماته تباعا.

 وتأمينا لسلامة الاوضاع في دمشق، وخوفا من الانقلابات العسكرية، عمد السلاطين الى تدابير احترازية عديدة : كان محظور على نائب القلعة المعين من قبل السلطان الاجتماع بنائب دمشق، ومفروض عليه الا يسلمه القلعة الا بناء على امر سلطاني. وكان السلطان يرسل الى دمشق دوداره الثاني وغيره من الموظفين العسكريين المخلصين له رقبا على نائبها والموظفين الكبار الآخرين. وبالتالي تضاربت صلاحيات ومصالح جميع هؤلاء، وادت الى صراعات شبه دائمة بينهم بدت شديدة الحدة في العهد الجركسي. ما اثر سلبا على كل الاوضاع والاقتصادية فيها،  التي كانت تنعكس باستمرار سلبا على التطور الاجتماعي.

    وقد شكل هذا العدد الكبير من رجال السيف فئة ( طبقة) اجتماعية مميزة جدا عن ابناء البلاد، تدرجت نسبتها الاجتماعية والاقتصادية تبعا للمناصب التي شغلها كل منهم بدءا بنائب المدينة، فامراء المئة نزولا حتى الاجناد. ويمكن اعتبار هذا التفرع اسرويا الى حد، بحيث شكل كل امير نوعا من اسرة قائمة بذاتها بانتماء مماليكه اليه وحده وارتباطهم به بثلاث روابط على الاقل: الرق، والعتق، والوظيفة التي شغلوها في خدمته. وتبعهم بهذا الانتماء اسرهم والعاملون بخدمة الامير في اقطاعاته المتنوعة.

 وعلى الرغم من انتماء افراد الطبقة العسكرية الحاكمة بدمشق الى رجال السيف، فانهم لم يكونو متجانسين من حيث وظائفهم وانتماآتهم، فبعضهم ارتبط بالسلطان مباشرة والبعض الاخر بنائب المدينة، ما ادى الى تمايز وظيفي واستغلال له؛ لأن بعضهم بسبب ارتباطه بالسلطان تجاوز كل الحدود الادارية والاقتصادية والسياسية والامنية[62].

ان كل ذلك جعل الفئة العسكرية الحاكمة بدمشق وحدات شبه مستقلة، ومرتبطة في آن بغيرها من حيث الوظيفة ونمط الحياة العام. ويقتضي السياق عينه الاخذ بالاعتبار التمايز الاداري والوظيفي الذي سبق الكلام عليه لفهم الظواهر الاجتماعية عند المماليك.   

     12 – ثراء الطبقة العسكرية :ادت السيطرة السياسية والادارية للمماليك الى هيمنة اقتصادية هائلة ان لم نقل هيمنة شبه مطلقة على الحياة المدنية جعلت الدمشقيين ينصاعون قسرا لهم، بما في ذلك ارباب الاقتصاد من المدنيين المسيطرين بوجه عام على التجارة. وتجلت تلك السيطرة بطلب الحماية والامان، وبتلبية الاطماع المادية للفئة العسكرية الحاكمة. ومع ذلك فان الصراعات في ما بين المماليك كانت شبه دائمة للحصول على اكبر قدر ممكن من الثراء والنفوذ. وقد يجد الباحث عذرا لهذه الطبقة في الصراعات فيما لو لم تكن امكاناتها المادية هائلة، فالمصادر المملوكية تحدثنا عن ثراء الامراء بما يعيد الى الاذهان اساطير ألف ليلة وليلة. واليك بعض النماذج: عندما توفي الامير سلار ترك كنوزا مذهلة ذكر ابن اياس بعضا منه: خمسة وعشرين رطلا احجار كريمة من زمرد وياقوت، وثلاث مئة قطعة ألماس، ومئة وخمسين حبة لؤلؤ كبيرة زنة الواحدة منها مثقالا، ومئتي ألف دينار ذهب عين ، واربع مئة ألف دينار من الفضة، واربعة قناطير من المصاغ الذهبي، عدا عن الخيل و غيرها من الماشية. ويزعم ابن اياس ان دخله بلغ من اقطاعاته وحماياته مئة ألف دينار.[63]وبلغت قيمة اموال نائب الشام التي صادرها السلطان الناصر محمد بن قلاوون ( 1309 _  1340م.) حوالى المليون ونصف المليون من الدنانير الذهبية. وقد احصي ما تركه “تنكز”الذي حكم الشام بضع سنوات فبلغ مليونين وسبع مئة ألف دينار، وسبع مئة وثلاثين ألف درهم فضي فضلا عن المجوهرات.[64]

     قد تكون هذه الارقام مبالغا بها ،علما انها استقيت من مؤرخين مملوكيين يتحدران من الطبقة العسكرية الحاكمة [65]، ولكنها تدل على مدى الثراء الفاحش الذي اصابته الطبقة العسكرية المملوكية الحاكمة، التي لم يكن لها  مبرر لظلم الفئات الشعبية، لا سيما انها اصابت بعض ثرائها من اعمال الظلم.

    وقد انصب اهتمام المماليك على تنظيم الجيش وتدريبه وتأمين رفاهيته، وبالتلي الحصول على الضرائب لتحقيق هذه الغاية. وبما ان الحكومة المركزية ما كانت مسؤولة عن الخدمات المدنية التي اضحت عرفا على عاتق نائب المدينة بشكل رئيسي، وبدرجة اقل على عاتق الامراء الكبار المتواجدين فيها، وبما ان هذا الامر لم يكن ملزما قانونيا، فان هذه الخدمات ارتبطت بهمتهم وبقدر حاجتهم للتقرب من الشعب، وبشدة الضعط الذي مارسه عليهم الشعب متوسلا رجال الدين لقيادة الحركات المعبرة عن سخطه كالتكبير في المساجد، او في الشوارع الرئيسية.[66]

وهكذا انفصل اجتماعيا رجال السيف عن ابناء البلاد بنظمهم وعاداتهم واخلاقهم وممارساتهم التي جاءت غالبا مجحفة بحق الرعية، وشكلوا فئة اجتماعية سياسية عسكرية مغلقة عن الدمشقيين، ولكن آليتها الداخلية استمرت متحركة باتجاهين اما صعودا نحو القمة، او انحدارا وصولا الى البطالة والعزل. وفي الحالين معا خضعت تلك الفئة لظاهرة اجتماعية واحدة لها خاصاتها وميزاتها في انها فئة ممتازة ومتميزة عن الدمشقيين. وجاء تحولها الاجتماعي بطيئا جدا بما اجازه القانون، او بسبب التغاضي عن تطبيفه. فقد تطلبه تامين الخدمات العامة، وادارة املاك نائب دمشق وامرائها واجنادها عدد كبير من الموظفين على اكثر من مستوى : فكان بعضهم من بياض العامة، والبعض الآخر من سوادها الامر الذي سمح لافرادها الاختلاط بالدمشقيين ضمن حدود ضيقة. وكذلك حصل لصغار الاجناد ما ادى الى تأثر متبادل بين السكان وصغار المماليك ببعض العادات.

   2 – الاعيان

   21- رجال الدين المسلمون : كان لرجال الدين الذين دور اساسي في المجتمع الدمشقي على مستويين اجتماعي ووظيفي، فهم احتلوا المنزلة الاجتماعية الارفع فيه باعين الناس الذين ما انفكوا ينظرون اليهم باكبار حتى في فترات الانحطاط التي انغمس فيها بعض رجال الدين من الرتب كافة بالمفاسد الاجتماعية لسوء ممارستهم وظائفهم. فكان يفترض بهم من حيث المبدأ القيام بدور الرقابة على ممارسة الجهاز العسكري الحاكم لردعهم عن غيّهم ومظالمهم. حتى ان رجال الدين الذين تسرب اليهم الفساد، وجروا وراء مصالحهم الذاتية، بخضوعهم لرغبات الطبقة العسكرية ونفّذوا مآربها على حساب الشعب ظلوا يحتلون منزلة مهمة، ليس على الصعيد الشخصي، انما على مستوى الوظيفة الجليلة التي شغلوها بما كان لها من تقدير عند مختلف فئات  المجتمع الذين كانوا يأملون دائما بعودة الفاسدين الى رشدهم. اما ابرز الوظائف الدينية فكانت :

قضاة القضاة :عرفت دمشق اربعة قضاة قضاة تبعا للمذاهب الاسلامية الاربعة، كان اهمهم الشافعي[67] الذي اشرف على دور الايتام والاوقاف التابعة لها، والمدارس التي كان يتولى التدريس فيها او الاشراف عليها، وهو الذي كان يقيم النائب في نيابة الشام ويثبته فيها، وله اوقاف خاصة يعتاش منها.[68]ويليه اهمية الحنفي، ثم الحنبلي واخيرا المالكي. وكان لكل واحد منهم اوقافه ومدارسه واختصاصاته الاجتماعية والسياسية[69]. ويعتبر قاضي القضاة رئيس الادارة القضائية من حيث تعيين القضاة وعزلهم، وتعيين نواب له، والفصل بين الخصوم، وتنفيذ الاوامر الشرعية.[70]كما توجب عليه افهام نائب دمشق الصحة بالاحكام واصول الشريعة كي لا يقع بالخطأ، كون النائب صاحب ولاية المظالم[71]ويجهل احيانا كثيرة اللغة العربية قراءة وكتابة وبالتالي القواعد الشرعية واحكامها.

     وكان من المفترض ان يختار اهل كل مذهب قاضي قضاتهم بعد موافقة السلطان،[72]لكن هذا الامر لم يراع باستمرار خصوصا على عهد الدولة الجركسية[73]، ولا سيما بعد ان صارت المناصب القضائية تشرى بالرشوة، وبالتالي فسد معها بوجه عام معظم النظام القضائي المملوكي، وغدت تصدر بعض الاحكام بالرشوة[74]. وتمكن بعض القضاة من جمع اموال طائلة بطرق مشبوهة، من دون ان يخجلوا لا بل ان بعضهم راح يتباهى بسطوته ونفوذه غير آبه بتهكم الناس  عليه او مكترث بأحكام الشريعة، فاحتقره زملاؤه والناس كلهم،[75]خصوصا ان بعض اولئك القضاة كان يجهل اصول القضاء واحكام الشريعة، والعلوم الدينية الاخرى التي هي في اساس التربية في المجتمع الاسلامي ومنارة السلوك فيه.[76]ولم تكن حال حميع القضاة على هذا النحو اذ أُثر عن بعضهم الصلاح واعمال الخير والتفقه بالاحاديث النبوية.[77]وقد مارس احيانا قضاة القضاة والقضاة ضغوطا على الطبقة العسكرية الحاكمة بدمشق لاطلاق من اعتقل ظلما وعدوانا، اوللشفاعة بمن اعتقل اثناء الصراع بين الاجناد المماليك والسكان، وما شابه هذه الحالات[78].  

مفتون دار العدل : كان عددهم ،بوجه عام، اثنين شافعي وحنفي، ومن مهامهم حسن تطبيق الشريعة الاسلامية. كان يعيّنهم، السلطان[79]، ما يعني انهم كانوا غير مقيّدين بسلطة نائب دمشق وجهازه الحاكم، بامكانهم ممارسة رقابة حقيقية على النائب واعوانه ان شاءوا.

 ومن الوظاءف الديوانية التي شغلها رجال الدين: وكيل بيت المال المؤتمن على اموال النيابة، و المحتسب الذي يراقب الاسعار و المكاييل و الموازين والاخلاق العامة.[80]وشيخ الشيوخ الذي يوليه نائب دمشق للاشراف على جميع الخوانق والفقراء الصوفية[81]. وكاتم السر الذي يعينه السلطان لاسداء النصح والارشاد للنائب، وكان يعاونه موظفون متعممون معينين ايضا من قبل السلطان مثل: كتاب الدست الذين يجلسون في دار العدل لمساعدته في رفع القضايا الى النائب ليتم اتخاذ القرارات بشأنها[82]، وكتاب الدرج ويعينهم السلطان ايضا.[83]

   قام رجال الدين، اضافة الى وظائفهم الشرعية، بدور مهم جدا على صعيد الحياة اليومية والدينية، اذ كان لبعضهم انصار في توجههم الديني خصوصا من سلك طريق التصوّف، الذين كثر انصارهم وانصاعوا الى تدابيرهم. فمارسوا بذلك ضغوطا كبيرة على اهل السلطة وشكلوا ازعاجا حقيقيا لها،[84] لاحقاق الحق، الذي كان يتنافى احيانا مع مصالح اركانها.

بما ان موضوع التفريع الطبقي يتعلق بالوظيفة فلا بد من ان نتحدث عن دور العلم في دمشق التي عمل فيها قسم مهم من رجال الدين علماء وفقهاء وغيرهم، اضافة الى عدد من الموظفين المدنيين.

أ – المدارس: كانت تؤسس المدارس لبعض الائمة الكبار ممن تعمقوا وتفقهوا بالعلوم الدينية لكي يمارسوا دورهم التعليمي بأمان وباحترام، وتمكين الطلاب من الحصول على الثقافة الضرورية من اجل تطوير المجتمع ليس على الصعيد الديني فقط انما ايضا في مختلف انواع العلوم الاخرى، على الرعم من انها لم تلق الاهتمام الذي خظيت به المدارس الدينية.

كانت معظم المدارس في دمشق تدرس علوم دينية وادبية باستثناء ثلاث منها فقط اعتنت بتدريس الطب نظريا فقط[85]، وهي: الدنسرية، الدخوارية، واللبودية النجمية[86]. والى جانبها اختص بدمشق اربعة بيمارستانات بتدريس الطب نظريا وتطبيقيا هي: الصغير اوالعتيق، باب البريد او الدقاقي، النوري الكبير، والقيمري[87]

وكي نتمكن من اعطاء فكرة عن الوظائف في المدرسة سأدرس الاختصاصات في مدرسة واحدة هي العادلية[88]التي كان فيها مشيخة كبرى[89]، بما في ذلك اقسامها والمدرسون فيها. فقد درس في قسم الفقه  اشهر فقهاء دمشق وقضاتها من امثال: ابن خلكان، والقزويني، وتاج الدين السبكي…وكان يؤمها العلماء واللغويون ويتناقشون بكل ما له علاقة بالفقه واللغة.[90]واعتنى قسم اللغة العربية والقراءات بلهجات القبائل العربية ومذاهب النحاة واللغويين. وسكن في هذه المدرسة المدرس المختص هو وعائلته.

 حظيت كل مدرسة بهيئة تدريس تألفت من: رأس المدرسة وهو من كبار المدرسين، يتولاها بتوقيع اما من السلطان او من نائبه في دمشق لانه ضم احيانا، الى جانب مشيخة المدرسة، مشيخة اختصاصها ( الحديث او الفقه او اللغة العربية)[91]، وتعني المشيخة بتأمين حسن سير التدريس فيها من حيث الاشراف وتأمين الاساتذة ودفع المرتبات. وتألف الجهاز التعليمي فيها من شيخها وناظرها ومدرسيها، ومعيديها[92] – وتفاوت عددهم نسبة الى اتساع المدرسة وعدد طلابها ومساحة اوقافها- ومن امامها، ومؤذنها، وقيّمها[93].

ب – الاوضاع المادية للجهاز التعليمي: تقاضى مدرسو المدارس والخوانق والربط رواتب جيدة عموما أمنت لهم مستوى لائق من العيش، خصوصا اذا كان ناظر المدرسة كريما صالحا ومتقيدا بشروط الواقف[94]. اما مدرسو المساجد فكانوا لا يطلبون اجرا اجمالا سوى الثواب عند الله وما اوقفه بعض الامراء واهل الخير من اوقاف على التعليم في المساجد.[95]وكانت رواتب مدرسي الكتاتيب زهيدة وتكاد لا تقوم بأودهم.

  وقد شكلت المدرسة الركن الاساسي للتآلف الاجتماعي لاستنادها الى مذهب شرعي واحد، ولوجودها في مكان محدد من المحلات او الاحياء، ولأن مهامها استندت على التوعية الدينية بتعليم اصول الدين من فقه واحاديث، وتلقين القرآن. لان الدين الاسلامي كان عقيدة غالبية السكان واستن نظام حياتهم، وبالتالي اصبحت المدرسة النقطة المركزية في التوحيد الشامل لابناء المذهب المنتسبة اليه.

 لم تكن غايتها التعليمية تخريج رجال دين على مختلف المستويات فقط، انما ايضا تثقيف المجتمع، فكان ينتسب اليها ابناء الفئات المتوسطة والغنية تقربا من الله وللتفقه باصول الدين، من اجل الاكتفاء الذاتي. حتى اذا تخرج الواحد منهم ومارس مهنة حرة ادرك اصول المعاملات ومقتضيات الاحوال. وقد يكون هذا الامر دفع (ايرا مارفين لابيدوس) المستند الى كتب السير والتراجم الى القول: ان كثيرين من ابناء المهن الحرة كانوا من العلماء مثل:” البنائين، وعمال الحجارة، والنجارين، والنحاسين، وصناع الصابون والصيادلة… كما كان عدد من صنّاع الحبال والاسرجة والاقواس والنساج والقصابين وتجار الصوف… مطلعين على الشريعة الاسلامية، وتقلدوا العضوية في مدارس الفقه[96].

والى جانب المدرسة اختصت مؤسسات اخرى بالتعليم سأكتفي بذكرها فقط كي لا ادخل في كامل تفاصيل النظام التعليمي الدمشقي المملوكي، وهي: الجوامع، دور القرآن، والكتاتيب، والخوانق، الربط، وبعض الترب التي نص صاحبها بوقفه على هذا الامر. وهم شكلوا فئة اجتماعية الى حد متجانسة لتعاطيهم شؤون الدين وتثقيف الطلاب والرعية معا على الرغم من الفوارق بينهم في الدخل ومستوى الوظيفة. وبالتالي لعبت المدرسة دورا رئيسا في التآلف والتجانس الاجتماعيين. 

  وهكذا تصبح المدرسة راعية الحي، والاساس في التفريع الطبقي، والرائدة في تعميم الظواهر الاجتماعية، ليس للدور التثقيفي الديني فقط انما للدور الاجتماعي والسياسي احيانا الذي كان يمارسه القيمون او المشرفون عليها ضمن الحي الواحد. لانهم شغلوا الى جانب التدريس مناصب جلية: فكانوا قضاة، ومحتسبين، ورجال ادارة، وأئمة مساجد، وكتاب سر وغير ذلك من موظفي الادارة المدنية.   

  وعلى الرغم من الدور الاجتماعي المهم الذي مارسه المتعممون الدمشقيون الذين تألفوا من قضاة القضاة ومساعديهم من القضاة، وارباب الوظائف الديوانية، والمدرسين، فقد شكلوا فئة كبيرة وخاصة ومتميزة ومتدرجة بالرتب الوظيفية، وكانوا جميعهم من المتفقهين بعلوم الدين على مختلف انواعها وان بمستويات متفاوتة، وجاءت ثيابهم متشابهة مع بعض الاختلاف[97]. وفرضوا احترامهم على الدمشقيين والحكام على حد سواء، ونالوا رواتب نقدية او اقطاعات، وبالتالي كانت احوالهم الاقتصادية جيدة الى مريحة تبعا للوظائف التي كانوا يشغلونها. كما كانت لهم منزلة وكلمة مسموعة عند الفئة العسكرية الحاكمة.    

 – رجال الدين المسيحيون : ان الكنيسة المسيحية هرمية، تتدرج الرتب فيها من اعلى الى اسفل كما يلي: البطريرك [98] وهو صاحب اعلى سلطة يأتمر به اصحاب الرتب الاخرى وعامة المسيحيين، وكان مسؤولا عن رعاياه بدمشق امام النائب. يليه نائبه الملقب بالاسقف، ثم المطران المسؤول عن المسيحيين في ناحية جغرافية محددة، ويمارس فيها سلطة قضائية، ثم الكهنة الذين يرتبهم القلقشندي كالآتي : القسيس ، والجاثليق والشماس .[99] ان هذا الترتيب الكنسي ينطبق على طائفتي اليعاقبة والملكيين معا. ويبقى السؤال هل شكل هؤلاء فئة متميزة عن بقية السكان؟ تصعب الاجابة على ذلك نظرا لقلة المعلومات التي وفرتها لنا المصادر التي اطلعنا عليها، انما المرجح، بما ان المسيحيين كانوا يعيشون في احيائهم الخاصة، ويتمتعون بنظمهم الخاصة ايضا، انهم كانوا فئة اجتماعية ميميزة ببعض وجوهها من الفئات الاجتماعية الاسلامية، علما ان الصفة العامة للمجتمع الدمشقي بما هي ظاهرة اجتماعية عامة شملتهم بدورهم، لانهم تشاركوا مع بقية الدمشقيين الاعمال عينها، واحتفلوا معهم بكل الاحتفالات والاعياد، كما شاركهم المسلمون احتفالاتهم.

رئيس اليهود : كان مسؤولا، بوجه عام عن طائفتي اليهود القرائيين و الربانيين معا .[100]اما السامرة فقد كان لهم نائب رئيس بدمشق وهو المتحدث باسمهم [101]، وكان وضعهم الاجتماعي مشابها الى حد بعيد لوضع المسيحيين.

   على ان دور رجال الدين خصوصا المسلمين لم ينحصر فقط بما ذكرت، بل مارسوا مهمات اخرى كالتدريس والافتاء وارشاد الناس والخطابة في دور العبادة مما قربهم من العامة، كما مارسوا ضغوطا على الطبقة العسكرية الحاكمة بدمشق لحل المشاكل الناجمة عن سؤ اداء افرادها تجاه مختلف الفئات الشعبية.

23  – الاعيان الآخرون: لتحديد التفريع الاجتماعي ضمن فئة الاعيان لا بد من اعتماد المبدأ المنظم وهو مبني في هذه الحالة على المستويين الاقتصادي والمنزلة الوظيفية. وان خلو مصادرنا العربية من الارقام تدفع بالباحث لاعتماد الصفة فقط بالنسبة للحالة الاقتصادية التي تعتمدها هذه المصادر كأن تقول فلانا من مياسير او كبار التجار، كتجار الخانات والقيساريات، وارباب القوافل، وتجار الجملة والسماسرة او الوسطاء التجاريين. لقد ضاهى هؤلاء، بسبب ثرائهم ومنزلاتهم الاجتماعية، كبار الامراء من حيث الاهمية وشاركوا بحضور الاحتفالات الرسمية، ونالوا احتراما مميزا من السلطات ومن الشعب على حد سواء[102]، لان التجارة تحتل مركزا مرموقا في الاسلام [103]. ويدرج في هذه الفئة اصحاب الصناعات المهمة وهم غير الحرفيين الصغار. ويصعب علينا اعطاء فكرة واضحة عن عدد هؤلاء وثرائهم حتى وان اعتمدنا على دراسة المصادرات التي كانت تقوم بها السلطات الحاكمة بدمشق لسد عجز موازناتها اولزيادة مداخيلها، لان المصادر الدمشقية تحجم في الغالب عن اعطاء ارقام، على خلاف المصادر المصرية التي تزودنا بارقام عن غنى بعض التجار وغيرهم من المياسير[104]. ولعجزنا ايضا عن تحديد نسبتهم الى مجموع تجار دمشق كما الى مجموع سكان دمشق من جهة.

   اما المبدأ الاخر المنظم للتفريع الطبقي للاعيان فهو السلم الوظيفي: فالى جانب الجهاز القضائي كان هناك العلماء، والمحتسبون، وشيوخ الاسواق ( النقباء)،[105]والاطباء، والمهندسون، وجباة الضرائب…

    ان بياض العامة ممن ذكرنا شكلوا طبقة برجوازية بالاصطلاح الحاضر لان الابناء توارثوا عمل الآباء، وجنى بعضهم ثروات مهمة جعلتهم عرضة اما للمصادرات او للطرح[106]، ما دفع بعضهم لاخفاء ثرواتهم، فكانت تقهقرت الحركة الاقتصادية نسبيا، وكذلك عدد بياض العامة.

   3- العامة [107]: من الواضح جدا ان الاسلام دعا الى المساواة بين المؤمنين بهدف الغاء التفاوت في المجتمعات الاسلامية وتحقيق العدالة على المستويات كافة. لكن سوء ممارسة الحكم لا سيما في العهد المملوكي الذي تقاسم فيه السلطان وامراؤه الخيرات الاقتصادية في الدولة، وكانت وفيرة جدا. افدى الى نوع من العداء بين الحكام والرعية، على الرغم من محاولة الحكام التقرب من الشعب عن طريق بناء المؤسسات الدينية والاجتماعية كالمساجد، والبيمارستينات ( المستشفيات ) والمدارس. انما الضرائب الفادحة وغير المنتظمة، واعمال السخرة، ومختلف انواع المصادرات افرغت كل محاولات التقرب من مضمونها. وراح بعض افراد الطبقات الاجتماعية ( الفئات ) ينحدرون من طبقة الى اخرى حتى استقروا غالبا في القاعدة. وقد افرزت ممارسات المماليك الجراكسة فئة عرفت ب” الزعر” ، وهي استمرار لفئات الاحداث والعيارين والارذال والاوباش[108]التي اثُرت في العهود السابقة على حكم المماليك، ولكنها لم تنحو الى التطرف في الفساد كما اصبح عليه الحال  مع  الزعر .

     وتعبير العامة او اصطلاحه قديم جدا في المجتمع الاسلامي، تناوله الادباء والفقهاء والمؤرخون لدور العامة البالغ الاهمية في المجتمع على الصعيدين الاجتماعي والسياسي: فهم عند الدينوري :”اصحاب الاهانات، وابناء الانذال…ومنهم الرعاع والهمج والغوغاء، واهل السفه والخفة…والدهماء.”[109]وهم عند الطبري: النطاف وباعة الطريق في محتقرات البيوع، وبائعو البطيخ والزجاج، والقصابون، والبقالون، والكناسون.[110]والعامة عند “الصفدي”خلاف الخاصة”[111].

    ولكن هذا التعريف لا ينطبق على العامة في العهد المملوكي الذي عرّفها بعضهم ومنهم (لابيدوس) بأنها الفئات الشعبية التي لم تتلق تعليما، ولا حققت ثروة، ولم تشغل منصبا حكوميا، بل هي جماعات دفعت الضرائب من دون ان تفيد منها اجمالا، وسميت العامة او عامة الناس لاضفاء عليها صبغة من الاحترام وتمييزا لها من الزعر والارذال.[112]

  وتألف العامة في العهد المملوكي كما وصفها مؤرخوه من: اصحاب الحوانيت، والباعة المتجولين، وباعة المفرق، والعمال كالنجارين والبنائين، والحرفيين[113]، وضمت ايضا اصحاب الصفقات التجارية المشبوهة والمخادعين، والسماسرة، والصيارفة،[114]وتجار النخاسة، وبائعي الخمور، والمغنين والنادبين[115]، واضاف اليهم المقريزي القصابين، واصحاب بيوت الدعارة، وضامني الافراح والمآتم، والمشاعلية اي منظفي الاقنية والبيوت[116]. وعمال الدباغة، وضاربي الرمل لكشف الغيب، وسائقي البغال والحمير وغيرهم[117]. وشمل هذا التصنيف مختلف الطوائف: الاسلامية من سنة وشيعة، والمسيحية من نساطرة ويعاقبة، ويهود قرائيين وربانيين وسامرة.

  لقد تجانس جميع طوائف العامة من حيث طبيعة العمل، فمثلا: لم يكن ممنوعا على الذميين ممارسة اي مهنة يمارسها المسلمون، فامتلك المسيحيون محلات كثيرة غصّت بمختلف انواع الملابس والاواني النحاسية وغيرها.[118]ويعتبر “اندريه نصار” ان تجارة الاقمشة شكلت واحدا من القطاعات التجارية الرئيسية للنشاط التجاري اليهودي في القرون الوسطى، اذ تاجر يهود دمشق بالالبسة ومارسوا ايضا بعض الحرف[119] . واشتهروا باعمال الصيرفة وبالربى[120].كما تولوا وظائف كتابة السر ، ودار الضرب.[121]

واختلفت اوضاع اليهود والمسيحيين عن المسلمين بدفع ضريبة الخمر، والجزية او الجوالي عملا بأحكام اهل الذمة، واجحف احيانا جباة الضرائب بحق الذميين، فكانت تصدر بسبب ذلك، ووفقا لهوى السلطان، مراسيم سلطانية تأمر النائب بجباية الجزية وغيرها بالمعروف، وتطلب ممن ظلم من الذميين التوجه الى الابواب الشريفة اي السلطانية.[122] كما طبقت عليهم احيانا شروط الذمة[123]. وعوقبوا جماعيا مرات اخرى بسبب استيلاء القراصنة الاوروبيين على السفن التجارية المملوكية في المتوسط، او اعتداء دولة اروربية او اكثر على دولة اسلامية[124]، او بناء لرغبة السلطان ومن دون اسباب حقيقية[125]. ولم يكن اليهود محبوبين من السكان، وتعرضوا مرات عدة للاهانات والضرب حتى في المواكب الرسمية او في احتفالات النائب[126].

 واختلفت ايضا اوضاع المسيحيين واليهود عن اوضاع المسلمين من حيث السكن، فكان للمسيحيين حيهم الخاص في الزاوية الشمالية الشرقية للمدينة بالقرب من باب توما. وسكن اليهود بالمحلة التي عرفت باسمهم[127]. وكان للطائفتين مقابر خاصة معروفة باسميهما على مقربة من اسوار المدينة.[128] ويصعب اعتبار ذلك اختلافا دقيقيا اومهما لان الاحياء عموما والحارات خصوصا انتظمت وفق ترتيب عائلي؛ فكان لكل عائلة اجمالا حيها الخاص على حد تعبير لابيدوس[129]، الذي يصنف الاحياء وحدات اجتماعية قائمة على التجانس الديني_ من دون ان يحدد الطائفة_ والعرق، وهي، برأيه، مماثلة للوحدات القروية داخل التكتل المديني[130].

4-الزعر: ان نشوء المعدمين في مختلف المجتمعات الانسانية نتج من الصراع على الثروة او على السلطة، او على الاثنين معا لتلازمهما في غائية جنوح الانسان الى العظمة. وفي خضم يأس المعدمين انبرت جماعات تدّعي الدفاع عن مصالحهم منّصبة نفسها قادة عليهم باسم الانسانية. وهذه القيادات، في الغالب، تكوّنت من افرازات اوضاعهم البائسة المنبثقة من رفض الواقع المظلم والمرير، ومن جنوحها بدورها للاستغلال، ولشراسة في اخلاقها وطبائعها. فتكونت اذ ذاك احزاب عفوية اخذت على عاتقها تغيير الواقع المشكو منه وفق اساليبها الخاصة، واقنعت المعدمين بأن ما تصبو وتسعى اليه، وفق وسائلها الخاصة، يمثل انجع السبل لتطوير احوالهم البائسة. ولنا امثلة  في التاريخ العربي والاسلامي الوسيط على انتظام الشطار او العيارين بما يشبه الاحزاب، او الانتظام العسكري.[131]

   تألف الزعر اجمالا من الشطار (سليلي العيارين على الارجح)، والبلاصين، والغوغاء، والاوباش، والحرامية – وهم غير اللصوص)، والاوغاد ومن شابههم[132]. ولم ينتج هؤلاء من الافراز الاجتماعي الدمشقي فقط فبعضهم كانوا دخلاء على المدينة؛ اذ لجأوا اليها على اثر الغزو المغولي للعراق وما جاوره.[133]وأنشأوا حارات خاصة بهم في عدد من احياء المدينة، ومن اشهرها: الغوطة، الشاغور، القبيبات، ميدان الحصى، القراونة، حارة المزابل، الشويكة، زقاق البركة، باب السريجة وغيرها. ولم تشكل سوى احزمة بؤس في طفرات المدن الحالية[134]. وهي ساهمت بزيادة التدهور الاجتماعي والاقتصادي الدمشقي، لأن الزعر ومن شابههم عزفوا، بوجه العموم، عن ممارسة أعمال شريفة.

لقد كوّن الزعر خلايا خاصة بهم تمركزت في العديد من حارات دمشق، وكان يتزعمالتنظيم او الخلية قائد عرف بكبير زعر محلته، واسبغ على نفسه احيانا لقبا يستشف منه المنزلة العالية او النبيلة تدليلا على كرم في المحتد: مثل “قريش” او ابن “الاستاذ”. ولكي يضفي على  تنظيمه هالة من الاحترام ظنا منه ان التسمية تمحو الصفات السيئة التي طالما اتصفت بها منظمات الزعر. وتسمى بعضهم الآخر ب” أبي طاقية”[135]، او “الجاموس”.[136]دلالة على ضخامة الجثة والقوة البدنية،[137]او كي يستشف من اللقب القوة والمهابة لاخافة الاعداء. 

 وتمييزا لهم من بقية الناس تزيّ الزعر بلباس خاص هو كناية عن”فرعاني” يلفونه على رؤوسهم، وثياب يقلبونها على أكتافهم، وارتدوا الابشات بأكمامها الطويلة والعريضة ليتمكنوا من اخفاء السلاح فيها[138]. وقد اشترطوا على المريد الذي ينوي الانخراط بصفوفهم حسن استعمال الخناجر والسيوف وغير ذلك من الاسلحة التي كانو يقتنونها[139]، لان تنظيمهم كان يقوم على القتال اما للدفاع عن انفسهم او للاعتداء على الناس بأموالهم، او مهاجمة الاسواق.[140]

-موارد رزقهم:  اعتاش الزعر من موارد متعددة: كان يمتلك بعضهم الحوانيت، وفي هذه الحال كانوا يفرضون سطوتهم على الحوانيت المجاورة واحيانا على معظم حوانيت السوق او المحلة. فكانوا يقيمون في بعضها، ورغم عن ارادة اصحابها، من يبيع لحسابهم او باسعار مرتفع نسبيا لينصرف المشترون الى محلات الزعر لتزدهر دكاكينهم. كما كانوا يفرضون الاتاوة “الخوة” على بعض الحوانيت، وذا رفض اصحابها الانصياع تعرضت حوانيتهم اما للسرقة او لاعتداءات شتى. فكان تواجد حوانيتهم في محلة ما يشكل كارثة على اصحاب الحوانيت الاخرى، ليس بسبب ما ذكرت فقط، انما لان المحلة اذا تعرضت للرمي او للطرح كانوا يفرضون، بقوة السلاح او السطوة، المال المتوجب لتلك الضرائب على الحوانيت الاخرى  [141]. واذا ارادوا الاحتفال- وكانت احتفالاتهم باذخة – بسبب اقامة الهدنة العسكرية بين منظماتهم على اثر قتال كانوا يحمعون الاموال من”المستورين او المحتاجين على وجه الحياء والقهر” على حد تعبير ابن طولون.[142]

لقد شكّل الزعر (مافيات) حقيقية امام اعين السلطة. أليس من المفارقات الغريبة ان تشجّع السلطة الحاكمة الزعر على التمادي بغيّهم، لاسيما عندما كانت تحتاج الى خدماتهم؟ فأحيانا كان نائب دمشق وبعض كبار الموظفين العسكريين فيها يحضرون العرض العسكري الذي يقيمه الزعر ارضاء لهم، وكان يتوّج ذلك الاحتفال بخلع يشرّف بها النائب اكابرهم[143]. وكانوا يشاركون باستقبال نائب المدينة الجديد شأن سكان دمشق جميعهم بعدتهم الكاملة اي بثيابهم (الميليشياوية) واسلحتهم الظاهرة،[144]مما كان يعني اعترافا ضمنيا بتنظيماتهم وسطوتهم، بل بممارساتهم غير الاخلاقية. ومما يؤكّد هذا الرأي ان النائب كان يعلم احد كبار منظماتهم انه سيمر بموكبه في محلته، فيعمد زعره الى اخذ اموال الناس قهرا كي يزيّنوا له عند زاوية المحلة[145]. وهذا اعتراف آخر وصريح بسلطتهم وتشجيع لممارساتهم الشاذة، بل ان السلطة بهكذا ممارسات كانت تشجّع، وان بطريقة غير مباشرة في ابعد تعديل، الجريمة المنظّمة. وكثيرا ما كان يعمد الحكام المماليك كنائب المدينة، او اتابك العسكر الى ملاطفة الزعر، واقامة الصلح بين فئاتهم المتنازعة عوضا عن ان يردعوهم بالاقتصاص منهم بسبب تعدياتهم اللاخلاقية المتكررة[146]، علما ان الزعر كانوا احيانا يزدرون باهل السلطة بمن فيهم اصحاب المناصب رفيعة[147]ودليلنا على ذلك تعدياتهم المتكررة على المماليك السلطانية من دون ان يردعهم احد[148]. ومن المؤسف ان نائب المدينة ساهم بطريقة فعالة باعلاء شأن الزعر والاعتراف العلني والصريح بتنظيماتهم وبتدريبهم العسكري العلني لأنه كان يستعين بهم عسكريا كلما دعت الحاجة وافتقر الى المناصرين[149].

وهكذا تمّ الاعتراف بهم رسميا، واعطوا صفة معنوية، على الرغم من ان الظاهرة الاجتماعية التي كانت تحكم تصرفهم تمثّلت بالتعديات على اختلاف انواعها بما فيها الجريمة واللصوصية، والعزوف عن ممارسة اعمال شريفة. 

  ومن المؤسف حقا ان بعض الفقهاء ساهموا بطريقة غير مباشرة بازدياد اعمال الزعر الشائنة حينما اجازوا لهم قتل اعوان الظلم والمجرمين من البلاصين واللصوص وغيرهم من دون ان يدروا ربما انهم كانوا يحاولون استئصال الجريمة بجريمة اخرى قد تكون ابشع. لان الزعر استندوا لتبرير جرائمهم على فتوى دينية، وعلى مساندة بعض رجال الدين الذين كانوا يشفعون بهم لدى نائب المدينة او غيره من المسؤولين لكي لا يقتصاصوا منهم بسبب تلك الجرائم[150]. والافدح من ذلك كله انهم صاروا يخرجون باسلحتهم ويسطون على اموال الناس، ومن كان يمتنع عليهم يعمدون الى قتله باسم الدفاع عن المساوىء الاجتماعية[151]وهم كانوا رأس حربة فيها. ولم يقف الامر عند هذا الحد بل صار الناس يبذلون لهم الاموال للقضاء على اعدائهم[152]. واذا تجرأ احد وشكا امرهم للسلطات دفاعا عن حقه الطبيعي كان يدفع حياته ثمنا، لأن كمائنهم انتشرت في كل مكان وكثرت اغتيالاتهم، والسلطة الرسمية غائبة.[153]

ومن الفضائح الاجتماعية الاقتصادية التي شجّعها المماليك بسبب نهمهم الدائم للمال مباركتهم بل تسويغهم لعادة درجت وهي: اذا وجد قتيل في محلة ما، مجهول قاتله، كان يغرّم اصحاب حوانيت المحلة او سكانها بديته، وتختم حوانيتهم ريثما يتم تسديد الدية[154]مما جعل اصحاب المحلة يتعرضون الى الخوف الدائم على حياتهم والى دفع ديات متلاحقة لكثرة تكرار تجهيل القاتل، وكان الزعر من يقومون بالقتل.

 ان كل ذلك يدفعنا للاعتقاد ان (طبقة) فئة احتماعية تم الاعتراف بها رسميا من اعلى سلطتين في دمشق المملوكية: السلطة العسكرية، ورجال الدين. وهذا يدل من دون ادنى شك على انتشار الجريمة والمساوئ الاجتماعية المتنوعة على نطاق واسع، وعلى عجز السلطة العسكرية والجهاز الحاكم عن ردع مرتكبيها، وعن عجز السلطات الدينية عن القيام بمهامها بدقة لخضوع معظم افرادها لارادة اهل الحكم تقربا منهم للحصول على الوظائف التي صارت تشرى بمال.

ان سواد العامة بوجه عام تعرض الى مصدري اساءة: الطبقة العسكرية الحاكمة التي كان من اولى واجباتها حمايتهم، والزعر الذين استغلوا حاجة الحكام المماليك الى خدماتهم، ويضاف اليهما سوء تقدير بعض رجال الدين للسبل الآيلة لتنظيف المجتمع من الجرائم.  

العلاقات بين فئات المجتمع الدمشقي :دخل معظم المماليك الى مصر وبلاد الشام صغارا، وتربوا تربية اسلامية في الطباق[155]اشرف عليها الطواشية ومقدمو المماليك السلطانية[156]، الذين كانوا بدورهم يتحدرون من المماليك، وبعض رجال الدين. وقد جهدوا جميعهم كي يتخرج طلابهم منضبطين طائعين لرؤسائهم، ومنعوا في بداية العهد المملوكي من الزاوج من بنات البلاد والاختلاط بالسكان، ما عزز التمايز الاجتماعي. وكان المماليك يشعرون باستمرار بانفة واستعلاء بما حظوا من امتيازات على مختلف الاصعدة المادية والاجتماعية، وتقاعسوا  عن تلبية حاجات الناس عموما، وما لبّوه لم يكن الا تقرّبا من الله لبراء احد السلاطين من علة، او عندما كان الناس يضجّون بسبب تردي الاحوال الاقتصادية، او عندما كان يضرب البلاد وباء ويستفحل امره.

 وزاد في الوضع سوءا عندما شرع المماليك السلطانية”الجلبان” يدخلون البلاد كبارا في السن، وتألف معظمهم ممن ثقل عليهم العيش في بلادهم، او امتهنوا حرفة او مهنة، فانخفض مستوى تعليم المماليك في الدين والتدريب على حد تعبير المقريزي.[157]

وادى ذلك التركيب الاجتماعي، الذي حافظ الحكام المماليك على استمراره، الى انفصام بين الحكام الاغراب وجهازهم العسكري من جهة، والسكان من جهة ثانية. فلم يدرك السلاطين اهمية السكان في منعة الدولة وتطور المجتمع وتماسكه بما في ذلك نواب دمشق واجهزتهم العسكرية. فاعتبروا السكان كل السكان مصدرا ماليا لاينضب، وخدما لتحقيق رفاهيتهم، ومارسوا عليهم اساليب لا يقرها لا الشرع الاسلامي ولا اي شرع آخر، ولعل ابرز تلك الاساليب الملتوية:

الرمي : وأصله ان تفرض على حارة او حي بأكمله مبالغ من المال دية لاهل قتيل وجد فيها لم يعرف قاتله عملا باجتهاد المذهب الحنفي[158]. ولكن نواب دمشق او من ينوبون عنهم صاروا يستوفون مبالغ طائلة يقتطعون قسما ضئيلا منها دية لأهل القتيل ويحتفظون ببقية المال لانفسهم. حتى غدا الامر سياسة مالية اجتماعية انتهجتها الطبقة العسكرية الحاكمة وافتنّ المماليك باختلاق الذرائع تبريرا لهذه الاساليب الملتوية، فمنها مثلا تذرع نائب دمشق بفقدان اشخاص بمحلة ما من دون التثبت من ان الغائب قتل او انه غائب لسبب غير معروف ليفرض الرمي على سكانها[159]. او من اجل ملاقاة قافلة الحج[160]. او كي يتمكن من كان يتولى من رجال الدين وظيفة برشوة من تسديد المال للنائب الذي كان يشترط عليه لتعيينه في المنصب الجديد القبول بل فرض الرمي على الحارات والاحياء[161]. او بسبب الصراع بين مملوك واحد الاهالي[162]. وبات الرمي مصدرا ماليا شبه ثابت لنائب دمشق؛ اذ فرض ايضا لتسديد نفقات الحملات العسكرية[163]، وغير ذلك من انماط الاحتيال التي ابتدعها نائب دمشق ومعاونوه.[164]ومن الامثلة الصارخة على الضرر الذي كان يلحقه الرمي بالناس هو ان تاجرا دمشقيا شنق نفسه لعجزه عن دفع مال الرمي، الذي قرره السلطان على تجار دمشق في ربيع آخر من عام 894 /1489، ولما جاء والده يشتكي للنائب امر بشنقه بعد ان اتهمه برفض اقراض ابنه المال المتوجب عليه لدفع بدل الصابون المرمي عليه[165].    

الطرح : وهو بيع قسري يفرضه نائب دمشق على التجار وبأسعار يرتئيها لسلع يريد التخلص منها، او ان يشتري سلعا من الاسواق بالسعر الذي يناسبه ثم يعيد بيعه من التجار قسرا وبثمن اغلى. ومن تلاوينه الاخرى ان يصادر النائب سلعا متذرعا بانها فاسدة ومن ثم يلزم التجار بشرائها منه[166]. ومؤلفات ابن طولون مليئة بنماذج ابتدعها نواب دمشق ليمارسوا الطرح على تجار المدينة، ومنها: بناء على مرسوم سلطاني طرح على تجار دمشق عام 886/1481 كمية كبيرة من السكر بزيادة ثلاثة دراهم على السعر الرائج للرطل الواحد[167]، وفي عام 904/1498 طرح نائب دمشق جمالا على اهاليها كان نهبها من عرب حوران، ولما شكا اهالي القبيبات فقرهم وعجزهم عن شرائها، امر المشاعلية بضرب المشتكين، ومن ثم غرّمهم اموالا كثيرة اضافية، وطرح بقية الجمالا باثمان مضاعفة على اهالي دمشق[168].  

المصادرة : وهي مصادرة اموال الناس من دون حجة شرعية. وقد برّرها السلاطين ونواب دمشق كيفيّا، حينا من دون سبب وجيه كحاجة السلطان الى المال، وفي هذه الحال كان يرسل قاصدا من عنده يحدد قيمة المبلغ الذي يجب مصادرته،[169]او لسبب لا يمكن الركون الى صوابيته كالتذرع بتسديد نفقات الحملات العسكرية للدفاع عن الاطراف الشمالية لبلاد الشام، او اعداد حملات تخدم النائب نفسه عندما كان يقرر الثورة على السلطان بقصد احتلال منصبه.[170]والمصادر المملوكية ولا سيما الدمشقية مليئة باسباب المصادرات وانواعها، لأن لجوء الحكام اليها غد اسلوبا مشروعا للحصول على الاموال من دون مشقة، وكأنهم لم يكفهم استيلاؤهم على معظم مصادر الدخل في دمشق .

المشاهرة والمجامعة :وهي كناية عن مال شهري يفرض على الاسواق لصالح السلطان او نائب دمشق. فكان يعمد التجار الى رفع اسعار سلعهم كي يتمكنوا من تسديد المتوجب عليهم، وفي الوقت عينه كانوا يستغلون الامر لزيادة الاسعار اكثر مما تقتضيه المشاهرة، فيقع سكان دمشق ضحية للتجار والحكام على حد سواء.[171]

تعديات معتنوعة:مارس المماليك تعديات متنوعة سأكتفي بذكر ابرزها: كالنهب التي طالما تعرضت له دمشق في مناسبات عديدة من دون ان يلقى المنكوبون انصافا في أكثر الاحيان[172]. وتجاوزات الاجناد التي طالمم تعرض لها الدمشقيون أكان من الذين اقامو فيها او الذين كان يستقدمون اليها لاكثر من سبب، وفي الحاليين معا سام الجند الدمشقيين انواع الاعتداءات في املاكهم وارزاقهم ونسائهم، وزهق الانفس.[173]

ثالثا: موقف الدمشقيين:لم يتقبل الدمشقيون الواقع المرير بسهولة، وادركوا انهم مغلوبون على امرهم وان اصلاح الحكام اصلاحا جذريا بات غير ممكن، فحاولو جاهدين تغيير المعادلات للتخفيف من انواع الظلم الذي تمادى الحكام بافتعاله بل افتنّوا باستنباطه، بان لجوأوا الى الوسائل الدينية في معظم الاحيان، وعبروا عن مواقفهم بما اوتوا من امكانات محدودة؛ فكانوا يهرعون الى رجال الدين لأنهم كانوا وفق الشرع الناطقين باسم المسلمين، رقباء على الحكام والمجتمع على حد سواء. وكانت لهم من منزلة عالية عند الحكام، الا اولئك الذين تولوا مناصبهم برشوة. وقد نجحوا احيانا في رفع الحيف عن المظلومين.[174]وعندما كانت تفشل الوساطة كانوا يعتمدون بدائل اخرى كالاحتجاج السلمي- المعروف بالتكبير- بالنزول الى الاسواق هاتفين الله اكبر- تدليلا على ان الله ينصر المظلومين، ويشكل مضمونه دعوة الى اهل الظلم الى الثواب. وكان يتم التكبير اما في الشوارع باعترض مواكب النائب او احد مساعديه، او في الجوامع، وفي الحالين كان القضاة والعلماء يتقدمون المتظاهرين تأكيدا على استرجاع حق سليب واضفاء الصفة الشرعية على التظاهرة علّ الحكام يرعوون. وكانت تلك التظاهرات تخيف المماليك، بوجه عام، بما تخلق من حالات عدم الاستقرار التي قد ينفذ من خلالها المصطادون بالماء العكر للاخلال بالامن او للتعدي على من يجدون من المماليك منفردين.[175]

    وكان لفشل تلك المساعي آثار سيئة على الوضع العام في دمشق، يؤدي الى يأس العديد من متوسطي الحال، لان التعديات المتكررة حولتهم الى ما دون متوسطي الحال بل الى فقراء، وعجزوا بالتالي عن تأمين اود الحياة مما دفعهم ان يسلكوا دروب الجريمة المتنوعة، فازدهرت اعمال اللصوصية والحرامية، وكثرت الجرائم، ومناسر الليل، والسرقات واعمال النهب[176]. وانخرط بعضهم في منظمات الزعر مما زاد في الطين بلة وزاد بسوء اوضاع الدمشقيين. حتى بات المجتمع الدمشقي يحفل بانواع المفاسد الاخلاقية نتيجة ممارسات الحكام الجائرة وبسسب الفقر واليأس، ولعل ابرز تلك المفاسد الدعارة على انواعها[177] والتحشيش،[178]وما الى ذلك.

من المؤسف حقاان تنتهك القيم المشرقية عامة والاسلامية خاصة في المجتمع الدمشقي على يد المماليك الجراكسة الذين هم في واقع الامر اغراب اكتسبوا حديثا الاسلام دينا ومن دون ان يتثقفوا بعمق بمبادئه وقيمه الاخلاقية، ولا هم انخرطوا اجتماعيا في مظاهر الحياة التي عاشها كل الدمشقيين المدنيين او تحسسوا روعتها وانسانيتها، وبالتالي لم يدركوا ان السكان هم الاساس لرئيسي للحياة المرفهة التي عاشها المماليك، ولم يقدروا الانسان فيهم انمانظروا اليهم بامتهان واستعلاء. وقد تأتت كل تلك العلل من سوء تدبير القادة لتأصل عاداتهم الاصلية في نفوسهم، ولامتناعهم عن فرض عقوبات صارمة على من يعتدي ممن كانوا يحمونهم، ولاعتمادهم “الياسة”قانونا عوضا عن الشرع. ويعوزني التعبير الصحيح لشرح تلك المعادلة بين الاغراب والاهلين.

     لقد غدا الفقر والظلم وعدم الاطمئنان الظاهرة الاجتماعية لمعظم احياء دمشق، وعلى الرغم من تنوع الاحياء وتمايز بعضها عن البعض الآخر بالسلوك الاجتماعي احيانا المتأتي عن الوظيفة بوجه العموم، فان اللصوصية، والنهب، وتعديات المماليك الفردية احيانا، والمنظمة احيانا اخرى، ناهيك بالصراع بين المماليك انفسهم نوابا وارباب ادارة، فضلا عن الصراعات بين طوائف الجند. اضف الى ذلك تسرّب المفاسد الاجتماعية على اختلاف انواعها الى الجهازين الاداري العسكري، والى بعض المتعممين، بسبب التنافس على المناصب وشرائها، واستشراء شرب الخمر وحماية الخمارات[179] والدعارة[180].

ان كل ذلك شكل السمات الاجتماعية لدمشق على عهد المماليك. ولم تكن اعمال البر والخير النادرة[181]، فضلا عن بناء المؤسسات الدينية العديدة على اختلاف انواعها سوى تكفير عن ممارسات الظلم غير المبررة، وتقرب من الله من جهة ثانية. وعلى الرغم من العقوبات المتعددة التي انزلت ببعض اهل الظلمة من ابناء دمشق، وببعض المماليك احيانا، فان سلوك الحكام الفاسد، بدا سلوكا عاما في اواخر عهد المماليك، حتى ان بعض المناصب الادارية العسكرية فضلا عن معظم مناصب المتعممين صار يشرى بمال. فانعكس هذا السلوك الملتوي على المجتمع الدمشقي وحول في مظاهر بنيته الاجتماعية على رغم بذل جهود بعض المتعممين من اجل التخفيف من اعمال الظلم وتوعية الحكام.

              الدكتور انطوان ضومط استاذ (متقاعد) التاريخ الاسلامي الوسيط في الجامعة اللبنانية

مصادر البحث ومراجعه :

اولا المصادر العربية:

1 -ابن ابي اصيبعة،(احمد بن القاسم)،عيون الانباء في طبقات الاطباء،تحقيق اوغست مللر،القاهرة ،1822،

2-ابن اياس،بدائع الزهور في وقائع الدهور،بولاق ،1311هجري

3-ابن بطوطة،(محمد بن عبد الله)،تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار،المطبعة الاهلية،باريس،1874-1879.

4-ابن تغري بردي،(جمال الدين ابو المحاسن)،النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة،طبعة دار الكتب ،القاهرة،1930-1956

5-ابن جبير،(حسين)، رحلة ابن جبير،دار صادر بيروت،1961.

6-ابن جماعة،(بدر الدين محمد)،تذكرة السامع والمتكلم في آداب العلم والمتعلم،مطبعة دائرة المعارف العثمانية،حيدر اباد الدكن،1353ه.

7-ابن طولون،( شمس الدين محمد)،-  مفاكهة الخلان في حوادث الزمان،نشر محمد مصطفى زيادة،القاهرة، 1962-1964

8-اعلام الورى بمن ولي من الاتراك بدمشق الشام الكبرى،تحقيق محمد احمد دهمان،دار الفكر ،دمشق،1984.

9-ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر،مجلة المشرق ،بيروت،1937،

-10نقد الطالب لزغل المناصب،حققه محمد احمد دهمان وخالد محمد دهمان،دار الفكر المعاصر نبيروت،1992.

11-الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء  الشام،تحقيق صلاح الدين المنجد،دمشق،1956.

12=القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية،تحقيق محمد احمد دهمان،دمشق،198.

13-ابن كثير،(عماد الدين اسماعيل)،البداية والنهاية في التاريخ،مكتبة المعارف،بيروت،1966.

14-ابن كنان،(محمد بن عيسى)، المواكب الاسلامية في الممالك والمحاسن الشامية، جزءان، تحقيق حكمت اسماعيل، وزارة الثقافة، دمشق، 1993

15-حدائق الياسمين في ذكر قوانين الخلفاء والسلاطين، تحقيق عباس صباغ، دار النفائس، بيروت، 1991

16-البدري،(ابو البقاء عبد الله)،نزهة الانام في محاسن الشام،القاهرة،1341ه.

17-البصروي،( علي بن يوسف الدمشقي)،تاريخ البصروي،تحقيق اكرم العلبي،دار المأمون للتراث،دمشق ،1988.

18الخالدي،(مجهول الاسم الاول)،المقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا،مخطوط حققه خليل شحادة،اطروحة دكتوراه باشراف الاب الدكتور جان فييه غير منشورة،جامعة القديس يوسف،بيروت،1988.

19-الدينوري،(نصر بن يعقوب)،التعبير في الرؤية،مخطوط في متحف بغداد،رقم 598.

20-السبكي،(تاج الدين)،معيد النعم مبيد النقم،دار الحداثة،بيروت،1983.

21-الصفدي،(خليل بن ايبك)، تحفة ذوي الالباب،وزارة الثقافة ،دمشق،1991.

22-الصولي،(محمد بن يحي)،اخبار الراضي بالله والمتقي بالله مطبعة الصاوي،مصر،دون تاريخ.

23-الطبري،(محمد بن جرير)،تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، دار المعارف بمصر،القاهرة،1960-1969.

24-الظاهري،(خليل بن شاهين)،زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك،اعتنى بتصحيحه بولس راويس،المطبعة الجمهورية،باريس،1891.

25-العمري،(ابن فضل الله)،مسالك الابصار في ممالك الامصار،تحقيق دوروتيا كراوفولسكي،المركز الاسلامي للبحوث،بيروت،1986.

26-المسعودي،(ابو الحسن)،مروج الذهي ومعادن الجوهر،تحقيق شارل بلا،منشورات الجامعة اللبنانية،بيروت،1973.

27-المقريزي،(تقي الدين احمد)- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار،بولاق،1270 ه.

28- السلوك لمعرفة دول الملوك،تحقيق محمد مصطفى زيادة،دار الكتب ،القاهرة،1934-1936.

29-النعيمي،(محي الدين عبد القادر محمد)،الدارس في تاريخ المدارس،مطبعة الترقي ،دمشق،1948.

     المراجع العربية

– الدوري،(عبد العزيز)،مقدمة في تاريخ صدر الاسلام،المطبعة الكاثوليكية،بيروت،1960.

30-العلبي،(اكرم)،دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين،الشركة المتحدة للتوزيع،دمشق،1986.

  • سوفاجيه،(جان)،دمشق،نقله الى العربية فؤاد افرام البستاني،حققه اكرم العلبي،دار الوارف،دمشق،1989.

31-زيادة،(نقولا)،دمشق في عصر المماليك،مؤسسة فرانكلن للطباعة والنشر،بيروت-نيويورك،1966.

32-سعد،(فهمي)،العامة في بغداد في القرنين 3و4 الهجريين،الاهلية للنشر والتوزيع،بيروت،1983

33-ضومط،(انطوان)،الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري،دار الحداثة،ط2،بيروت،1981

34-كرد علي،(محمد)،خطط الشام،مطبعة الترقي دمشق،1927.

35-كيال،( منير)، الحمامات الدمشقية، مطابع ابن خلدون، دمشق، 1986

36-عزب،(خالد)،”الاحياء السكنية”،مجلة الوعي الاسلامي،العدد 327،السنة 30.

37-لابيدوس،(ايرا مارفين)،مدن الشام في عصر المماليك،نقله الى العربية سهيل زكار،دار حسان،دمشق،1985.

38-نصار،(اندريه)، العامة بدمشق المملوكية،رسالة دبلوم دراسات عليا باشراف الدكتور انطوان ضومط،الجامعة اللبنانية،كلية الآداب،الفرع الثاني -الفنار،1997

                               Bibliographies

39-Ashtor,E., Histoires des Prix et des Salaires dans l,Orient Medieval , Ecole pratique des hautes etudes, Paris , 1959

40-Ayalon,D,” The Muslim City ahd the Mamluk aristocacy”,Proceeding of the  Israel Academy of Sciences and Humanities,2(Jerusalem 1968),pp. 311-329

41-Heyd,W, histoire du Commerce du Levant au Moyen-Age,T2,Leipzig, 1885-1886

-42Institut francais d,archeologie orientale du Caire,Precis d,Histoire d,Egypte,par divers historiens et archeologues, 1932.

-43Soboul,A, L,Histoire sociale- Sources et Methodes,Colloque de l,Ecole Normale Superieure de Saint-Cloud,15-16 mai 1965,Paris, 1965.


[1]  – بدوي (السيد)، مبادئ علم الاجتماع، دار المعارف، مصر، 1981، ط2، ص 204

[2]  – بدوي، علم، ص 207

[3] – ابن كثير (ابو الفداء الحافظ)، البداية والنهاية، مطبعة السعادة، مصر، لا تاريخ، 14 جزءا، ج13، ص321

[4] – ضومط (انطوان)، الدولة المملوكية، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1980، ص203

[5] – سيرد تفصيل كل ذلك بدراسة الطبقة العسكرية الحاكمة.

[6] – شرف (جان )،الايديولوجية المجتمعية ، منشورات الجامعة اللبنانية،بيروت،1996، ص 100

[7] -Soboul, Albert, L’histoire sociale_ Sources et Méthodes, Colloque de l’Ecole Normale supérieure de Saint-Cloud, 15-16 MAI 1965, Paris 1965, p.10.

[8] – ibid  , p.  15

[9] – المواكب ، ج1 ، ص251-252

[10]  – عينه ، ج1 ، 252

[11]  – المكان عينه

[12] – المكان عينه ، وانظر الحاشية رقم 6 التي استند فيها المحقق على الاعلاق الخطيرة ، ونزهة الانام

[13]  – ابن بطوطة (محمد بن عبد الله )، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار ،المطبعة الاهلية ،باريس ، 1874 – 1879 ، ج1 ، ص235

[13] – نفسه ، ج1 ، ص 229 – 230

[14] – ابن الاثير ( عز الدين)، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، دون تاريخ، ج10، ص 68، 98 ، و نزهة الانام ، ص 27 ، والمواكب الاسلامية، ج1 حاشية رقم5

[15] – المواكب، ج1، ص 214-215

[16]  – المكان عينه

[17]  –  المواكب ، ص 215 -216

[18]  – بدوي، السيد محمد، مبادئ علم الاجتماع، دار المعارف، مصر، 1981، ص 218-221

[19] – ابن طولون ( شمس الدين محمد بن علي)، القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، تحقيق محمد احمد دهمان، نشر مكتب الدراسات الاسلامية، دمشق، 1956 ،ج1، ص 10 ، 74 ، ونزهة الانام، ص 82 ، والمواكب الاسلامية، ص 380-381

[20]  –  ابن كنان ، حدائق الياسمين في ذكر قوانين الخلفاء والسلاطين ، تحقيق، عباس صباغ، دار النفائس بيروت، 1991 ، ص 147، 149 156 ، 206

[21] – المواكب، ج1 ، ص 281 –  282، مفاكهة، ج1، ص 298، 358 ، اعلام الورى، 116 ، العلبي ،  ص 61-63

[22] – كيال ( منير)، الحمامات الدمسقية، وزارة الارشاد القومي، دمشق،  1966 ، ص212

[23] – المكان عينه

[24]  عينه

[25] – الكيال، ص 212

[26]  – نصار ، المرجع السابق ، ص 22 .

[27]  – الرمي هو ان ترمى على حارة معينة مبالغ من المال لصالح السلطان او نائب دمشق او لاقتراف احد ابناء الحي جرم او جريمة او اتهامه باحداهما ، وذلك بعدما بعدما تمكن الحكام المماليك من انتزاع فتاوى شرعية بشأن الرمي والطرح وما شابههما .انظر حول هذاه المواضيع : ابن طولون ، مفاكهة الخلان في حوادث الزمان ، نشر محمد مصطفى زيادة ، القاهرة ، 1962 – 1964 ، ج1 ، ص 227، 249 ، 309 ، 363 ، 366 ، وغيرها .

اما بالنسبة لتنظيم الاحياء فانظر ايضا ابن طولون ، المرجع السابق ، ج1 ، ص 213 ، 274 ، 282 ، 289، 330 ، 374 ، وايضا لابيدوس ، مدن الشام ، ص 152 .

[28] – ابن طولون ، المصدر السابق ، ص 227، 234 ، 267 ، 287 ، 363 ، 366 و377 .

[29] – لابيدوس ، المرجع السابق ، ص 145 وما بعد .

[30] – حدائق الياسمين ، ص 146 –157  

-38  كيال( منير)، الحمامات [31] الدمشقية، وزارة الارشاد القومي، 1966 ، ص43

[32]  – L’Histoire Sociale- Sources et Méthodes p.19 ,28 .

[33]  – المقريزي ( تقي الدين احمد ) ، اغاثة الامة بكشف الغمة ، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال ، القاهرة ، 1940 ، ص 72 – 73 .

[34] – زيادة ، دمشق ، ص 131

[35] – ابن جبير( محمد بن احمد)، الرحلة، دار صادر ، بيروت، 1980، ص 257 وابن بطوطة( شمس الدين محمد)، تحفة النظار في غرائب الامصار، جزآن، القاهرة، 1964،ج1، ص63

[36] – القلقشندي ( احمد بن علي )، صبح الاعشى في صناعة الانشاء ، مطبعة دار الكتب المصرية ،القاهرة ، 1913 ، ج4 ، ص 472 .

[37] – اعتبر الرق شرطا لدخول الفرد الى الطبقة العسكرية الحاكمة الا في احيان نادرة مثل انعام السلاطين على اولادهم احيانا او على اولاد الامراء الكبار احيانا اخرى . انظر : ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة ، ج 9 ، ص 99 -100 ، وابن اياس ، بدائع الزهور ، ج1 ، 227 ، و ج2 ، ص 5 .

[38] – – Ayalon ( david ), “the Musgim City and the Mamluk Mititary Arhstocracy “ , Proceeding of the Israel Academy of Sciences and Humanities, 2 ( Jerusalem 1968 ) , p. 323

[39] – النجوم الزاهرة ، ج9 ، ص 51 -52 .

[40] – ضومط ( انطوان ) الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي و العسكري ، دار الحداثة ، بيروت ، ط2 ، 1981 ، ص 86

[41] – Ayalon , ibid .

[42] – ibid

[43] – القلقشندي ، ج4 ، ص 40 – 41 .

[44] – المصدر نفسه ، ج4 ، ص 6 ، 10 ، و 40 ، وانظر المقريزي ، المواعظ والاتبار بذكر الخطط والآثار ، بولاق ، 1270 ه. ، ج2 ، ص 98 .

[45] ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 88

[46] – القلقشندي ، ج4 ، ص 310 – 312 ، وقد اورد المقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار- المعروف بالخطط – ، مطبعة الساحل ، بيروت ، 1959 ، ج3 ، ص 357 – 358 .

[47] – القلقشندي ،صبح الاعشى ، ج4 ، ص 50 – 51 ، وج3 ، ص 485 ، وج6 ، ص 185 ، المقريزي خطط ، بولاق ،ج1 ، ص 87 و90 ، ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة ، ج8 ، ص 52 ، ابن اياس ، بدائع ، ج1 ، ص 90، ج

[48] – العمري ( ابن فضل الله ) ، التعريف بالمصطلح الشريف ، مطبعة العاصمة بمصر ، 1894 ، ص 84 ، القلقشندي ، ج4 ، ص 184 ، الخالدي ، ( مجهول الاسم الاول )، المقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا ، مخطوط حققه خليل شحادة ، اطروحة دكتوراه غير منشورة ، جامعة القديس يوسف ، بيروت ، 1988 ، ص 272 . وهو مؤلف في الادارة على غرار التعريف بالمصطلح الشريف للعمري ، وصبح الاعشى للقلقشندي . وهو يعتبر احدث المصادر المملوكية في هذا الشأن .

[49] – المقريزي ، السلوك ، تحقيق سعيد عاشور ، دار الكتب القاهرة ، 1972 – 1973 ، ج4 ، القسم الاول ، ص 174 . ابن طولون ، اعلام الورى ، ص 73 – 75 ،92 ، 99 ، 121 ، 186 وغيرها .

[50]  – اعلام الورى ، ص 82 ، 186 .

[51] – ابن طولون ، مفاكهة ، ج1 ، ص 224 . كان بدمشق اربع قضاة قضاة للمذاهب السنية الاربعة ، الخالدي ، المصدر السابق ، ص  273 .

[52] – لن ادخل في تفاصيل صلاحيات نائب دمشق لان الموضوعي ينحصر بالتاريخ الاجتماعي ، ولمزيد من الاطلاع على صلاحياته انظر : العمري ،مسالك الابصار ، ص 115 ، والقلقشندي ، ج9 ، ص 253 – 259 .

[53] – لمزيد من الاطلاع انظر  : السبكي ، ( تاج الدين عبد الوهاب ) ، معيد النعم مبيد النقم ، دار الحداثة ، بيروت ، 1983 ، ص 23، و  القلقشندي ، ج13 ، ص 124 ، 194 – 197 ، وابن طولون ، اعلام ، ص  59 ، 61 ، 70 ، 83 ، 115 – 116 ، 122 ، 153 ، 165 – 166 ، 200، 203 ، 220 و غيرها ، والسلوك ، ج4 ، ق1 ، ص 136 – 137

[54] – القلقشندي، ( ابو العباس احمد)، صبح الاعشى في صناعة الانشا ، القاهرة،ج ،4 , ص182 -183

[55] – الخالدي ، المصدر السابق ، ص 272 . بلغ عدد اراء المئة في الدولة المملوكية 24 اميرا بوجه عام ، وكان ينقص عددهم احيانا الى 18 ويزيد الى 26 او 28 اميرا ، انظر الظاهري ( خليل بن شاهين ) ، زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك ، اعتنى بتصحيحه بولس راويس ، المطبعة الجمهورية ، باريس ، 1891 ، ص 113 ، والقلقشندي ، ج4 ، ص13 – 14، و الطرخان ( ابراهيم علي ) ،مصر في عهد دولة المماليك الجراكسة ، القاهرة ، 1960 ، ص 229 .

[56] – الخالدي ، ص 272 . كان من حق امير المئة اقتناء مئة مملوك يشتريهم من ماله الخاص ، وحق لامير اربعين اقتناء اربعين مملوكا ، وسمي ” طبلخاناه ” لانه حق له بقرع الطبول على بابه كل يوم ،اما تسمية الامراء الاخرين فتنبع من عدد المماليك الذين سمح لكل واحد منهم باقتنائهم ، لمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع انظر : ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 63 – 65 .

– الخالدي ، ص 272 .[57]، والمواكب، ج2ن ص 12

[58] – القلقشندي، ج4، ص 185 ، والمواكب، ج2، ص13

[59] – القلقشندي، ج4، ص185 ، والمواكب، ج2 ، ص15

[60] – المواكب، ج2، ص16

[61] – الصفدي ، ق2 ، ص 182 ، القلقشندي ، ج9 ، ص 253 ، السلوك ، ج4 ، ق1 ، 425 ، 442 ،والخالدي ، ص 272 .

[62] –  ابن طولون ( شمس الدين محمد)،  مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، تحقيق محمد مصطفى، الؤسسة المصرية العامة، القاهرة، 1962 ، ص50، 155، 157، 164، 183 وغيرها

[63] – ابن اياس ، بدائع ، ج1 ، ص 155 – 156

[64] – نجوم، ج10، ص 4،6، 44، ودمشق في عهد المماليك ، ص 145 .

[65] – كان والد ابن تغري بردي امير مئة ومقدم ألف وتولى نيابة دمشق ، وكذلك ابن اياس .

[66] –  ابن طولون ، مفاكهة ، ج1 ،ص 8 – 9 ، 240 ، 245 .

[67] – المواكب، ج2 ، ص 16-17

[68] – الخالدي ، ص 273 .

[69] – المكان نفسه .والمواكب، ج2 ، ص 16

[70] –  القلقشندي ، ج4 ، ص 34 – 36 .

[71] – السبكي ، 56 ، القلقشندي ، ج11 ، ص 408 – 414 ، ابن طولون ، نقد الطالب لزغل المناصب ، دار الفكر المعاصر ، بيروت ، 1992 ، ص 46 ، ونصار ، العامة ، ص 356 – 357 .

[72] – البصروي ( علي بن يوسف الدمشقي ) ، تاريخ البصروي صفحات مجهولة من تاريخ دمشق في عصر المماليك من سنة 871ه. – لغاية 904 ه. ،نحقيق اكم العلبي ، دار المأمون للتراث ،دمشق ، 1988 ، ص 136.

[73] – ابن طولون ، مفاكهة الخلان ، ج1 ، ص 36 ، 37 ، و 50 وغيرها .

[74] – ابن طولون ( شمس الدين محمد الصالحي الدمشقي )، الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء الشام ، تحقيق صلاح الدين المنجد ،دمشق 1956، ص 130، 165، 219، 255 ،  وابن طولون ، نقد الطالب لزغل المناصب ، حققه محمد احمد دهمان وخالد محمد دهمان ، دار الفكر المعاصر ،بيروت ، 1992 ، ص 45 والمقريزي ، السلوك ، ج3، ق3، 1073 و 1168 ، والبصروي ، ص 174

[75] – ابن طولون ، الثغر البسام ، ص 128 – 130

[76] – ابن طولون ، الثغر البسام ، ص 155 . ولمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع انظر انريه نصار ، العامة ، 354 – 355 .

[77] – البصروي ، تاريخ البصروي ، ص 41، 43، 85- 86 ، وابن طولون ، الثغر البسام ، 124-125،160، 164، 180 وغيرها.

[78] – مفاكهة ،ص 115،158، 160 ، 162 وغيرها كثير

[79] – الخالدي ، ص ، 273، المواكب، ج2، ص 17

[80] – الخالدي ، ص 273 .

[81] – القلقشندي، ج4 ، ص 193

[82] – عينه، ج4 ، ص 30 ، والمواكب، ج2 ، ص 19

[83] – المكانان عينهما

[84] – لمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع انظر:انريه نصار ، العامة في دمشق ، ص 360- 364

[85] – ابن ابي اصيبعة ، ( احمد بن القاسم )، عيون الانباء في طبقات الاطباء ، تحقيق اوغست مللر ، القاهرة ، 1822 ، ج2 ، ص 155

[86] – ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج13 ، ص 262، والنعيمي الدارس ، ج2 ، ص 129 – 133،و135

[87] – كرد علي ، (محمد )،خطط الشام ،مطبعة الترقي ، دمشق ، 1927 ، اما ج6 ، فطبع في مطبعة المفيد ، دمشق ، 1928 ، ج6 ، ص 161.لن اتوسع بدراسة البيمارستانات لانها لا تتعلق اجمالا بالوظائف الدينية

[88] – اسسها نور الدين زنكي ، ابن كثير ، البداية والنهاية، ج13 ، ص 58، والنعيمي ، الدارس ، ج1 ، ص 359

[89] – المصدر السبق ، ج2 ، ص 261 – 270 .

[90] – النعيمي ، ج1 ، 365 – 367 .

[91] – البداية والنهاية ، ج13 ، ص 339 ، والقلقشندي ، ج4 ، ص 192 .

[92] – كان المدرسون بوجه عام من القضاة والفقهاء ، والمعيدون من القضاة احيانا ومن العلماء انظر حول هذا الموضوع :ابن جماعة ، تذكرة السامع ، ص 150، 201، 204، والسبكي ، معيد النعم ، ص 108، والنعيمي، الدارس ، ج1 ، ص 297

[93] – القلقشندي ، ج5 ، ص 465 .

[94] – البداية والنهاية، ج14، ص 84، 321

[95] – ابن كثير ،المصدر السابق ، ج14، ص 71، 321

[96] – لابيدوس ، مدن الشام، ص 176

[97] – لمزيد من التفاصيل عن ازياء المتعممين انظر : العمري ، مسالك الابصار ص 112-113

[98] – الخالدي ، ص275 . القلقشندي ، ج5 ، ص 473 .

[99] – القلقشندي ، ج5 ، ص 473 – 474 .

[100] – الخالدي ، ص 275 .

[101] – القلقشندي ، ج4 ، ص 194 . الخالدي ، ص 275 .

[102] – لابيدوس ،المرجع السابق ، ص 136.

[103] – سعد،( فهمي عبد الرزاق )، العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع الهجريين، الاهلية للنشر والتوزيع،بيروت ، 1983، ص 121 .

[104] – الظاهري ،زبدة كشف الممالك ، ص41 فهو يقول ان احد تجار الكارم استطاع بناء مدرسة من مدخول يوم واحد،ويقول القلقشندي ان بعض التجار دين السلطان مئة الف درهم فضة ،ج4،ص 32 وما بعد. ابن تغري بردي ، نجوم ، ج10، ص279، وابن اياس  ،ج1 ،ص 197 وانظر ايضا Ashtor , Eliahu ,Histoire des Pix et Salaires dans  l Orieht Medieval , Ecole Pratique des Hautes etudes ,Paris ,1959 , p 271

[105] – مفاكهة ، ج1 ، ص 100 وغيرها

[106] – مفاكهة ، ج1 ، ص 41، 44 – 45، 78 ، 89 ، 91 ، 119، 231، 164 وغيرها، اعلام ص194، 203 ، 222.

[107] – لن اتحدث عن بياض العامة اي مياسير التجار واصحاب الحرف الكبرى بتفصيل لان هذا الموضوع يتطلب دراسة قائمة بذاتها .

[108] – الصولي ( محمد بن يحي ) ، اخبار الراضي لله والمتقي بالله ، مطبعة الصاوي ، مصر ، دون اتريخ ، ص 202 – 211 وغيرها ، المسعودي ( ابو الحسن ) ، مروج الذهب و معادن الجوهر ، تحقيق شارل بلا ، منشورات الجامعة اللبنانية ، بيروت ، 1973 ، ج2 ، ص 307 – 308 وغيرها .

[109] – الدينوري،( ابو سعد نصر بن يعقوب )،التعبير في الرؤية،او القادر في التعبير،مخطوط متحف بغداد رقم 598 ، نقلا عن سعد ( فهمي)،العامة في بغداد، ص 66.

[110] – الطبري،( محمد بن جرير)،تاريخ الرسلوالملوك،دار المعارف، القاهرة،1960- 1969،ج8،ص448 – 468

[111] – الصفدي ، ( خليل بن ايبك) ، نكت الهميان في نكت العميان ، ص 10 ، نقلا عن العامة في بغداد لفهمي سعد ،ص66 .

[112] – لابيدوس ، مدن الشام ، ص ، 137.

[113] – خطط ج1، ص 89 ، لابيدوس ، المرجع السابق ، ص 137 – 138 .

[114] – السبكي ، معيد النعم ، ص 9 – 10

[115] – لابيدوس ن مدن الشام ، ص 138 .

[116] – المقريزي ، خطط ، ج1، ص  89

[117] – لابيدوس ، ص 138 .

[118] – ابن طولون ، مفاكهة ، ج1 ، ص 35 ، 68 ، 100 ، نصار ، العامة ، ص 88

[118] – نصار ، العامة ، ص 88 ، يستمد رأيه من Goitein  , S. D . , “Artisans en Méditerrannée orientale au haut Moyen-Age “in annales E.S.C., n 5 (1964), PP.847-868, P.852.

[119] – نصار المكان نفسه

[120] – مفاكهة ، ج2 ، ص  10

[121] – المصدر نفسه ،ج1 ،ص 115 .

[122] – المصدر نفسه ،ج1، ص 16 و 198 .

[123] – ابن طولون ،اعلام الورى ،ص 118  ، ومفاكهة، ج1، ص16 ، 87

[124] – المقريزي ، السلوك ،ج3 ، ق1 ، ص106 – 107 .Heyd .W , Histoire du commerce du Levant au Moyen -Age ,T2 , Leipzig , 1885 – 1886 ,p. 52 . 

[125] – مفاكهة، ج1، ص 130

[126] – مفاكهة، ج1، ص87

[127] – النعيمي ( عبد القادر بن محمد )،الدارس في تاريخ المدارس ،دار الكتب العلمية ، بيروت، 1990،ج2 ،ص 244.وابن طولون ،مفاكهة،ج1 ،ص 124 .

[128] – زيادة ، ( نقولا ) ، دمشق في عصر المماليك ،مؤسسة فرانكلن ،بيروت – نيويورك،1966، ص 131 – 133.

[129] – مدن الشام ، ص ، 157.

[130] – المكان نفسه .

[131] – المسعودي ، مروج الذهب ، ج2 ، ص 318 . وانظر ايضا: ضومط (انطوان )،بالاشتراك مع آخرين : الشرق العربي في العصور الوسطى ، الدار الجامعية للنشر، بيروت ، 1995 ، ص 208 – 209 .

[132] – ابن طولون ، مفاكهة، ج1 ، ص 3 ، 166 ، 168 ، 186 ،191، 195 ، 204 ، 261 – 262 ، واعلام الورى، ص 108 ، 127 ، 183 ، وغيرها .

[133] – ابن طولون ، مفاكهة ، ج1، ص 212 واعلام،ص 51 ، ونصار ،العامة ، ص 97 .

[134] – ابن طولون ،مفاكهة ، ج1 ، ص 27،92، 137، 153،160، 179- 185 ، 212 – 214 ، 224- 225، 250-252 وغيرها، واعلام،ص 101- 102 ،121 – 122 وغيرها .

[135] – مفاكهة ، ج1 ، ص 283 .

[136]  المصدر نفسه ، ج1 ، ص247 .

[137] – ابن طولون ،مفاكهة ، ج1 ، ص 65 -66 ، 196 ، 224- 225، 258 – 259 ،295 وغيرها ، و اعلام الورى ، 121- 122 ، 167 – 168 ، 196 – 197 ، وغيرها . الاستاذ في الاصطلاح المملوكي هو من يشتري المماليك ، وتعني ايضا من اشترى المماليك وتربوا بعهدته ،ومن ثم اعتقهم وظلوا ابدا يرتبطون به برابط الولاء والطاعة عموما ، من هنا تأتي اهمية لقب ابن الاستاذ . اما لقب قريش فهو ادعاء نسبي للدلالة على ان صاحبه يتحدر من آل قريش

[138] – نفسه ، ج1 ، ص 268 ، واعلام الورى ، ص 174، 195، 199، 203

[139] – مفاكهة ،ج1 ، ص 238- 239 ، 292 – 293 ،و314

[140] – ان مؤلفي ابن طولون :مفاكهة الخلان واعلام الورى مليئة بهذه الاخبار وسأكتفي فقط بذكر بعض الصفحات ، مفاكهة ، ج1 ،ص 179، 180، 182، 183، 247، 283..

[141] – مفاكهة ، ج1 ، ص 292 – 293 ، واعلام ، 195 ، ونصار ، العامة، ص 101

[142] – ابن طولون ، مفاكهة ، ج1 ، ص 180 .ويقول كانت بالغة ولم يسعدوا بها لانها نهبت.

[143] – نفسه ، ج1 ، ص 185 ، 247 ويسنهجن ابن طولون ،وكان قاضيا بدمشق، هذا الامر

[144] – مفاكهة ، ج1 ، ص  247

[145] – نفسه ، ج1 ن ص 225

[146] – مفاكهة، ج1، ص 179، 182-183،

[147] ، عينه ص 232، 200 ،

[148] -مفاكهة، ج1، ص219

[149] – مفاكهة، ج1، ص 185، 201 ، 200

[150] – عندما قتل الزعر احد الظالمين غرمهم نائب دمشق بخمس مئة دينار فتدخل لصلحهم قاضي القضاة ابن الفرفور لدى النائب فعفا عنهم ، مفاكهة ، ج1 ، ص 160

[151] – اعلام الورى ، ص 118 – 119 ، 127 و مفاكهة، ج1 ، ص 177، 204، 213-214، 238-239و181.

[152] – مفاكهة ،ج1 ، ص 181، 207 ، 278 -279، 293، واعلام ، ص 175و 181، ونصار ، ص 102 .

[153] – مفكهة ، ج1 ، ص 204

[154] – نفسه ، ص 238 – 239 .

[155] القلقشندي ،ج3، ص 375 – 376 ، Preؤprecis de l Histoire d Egipte , par divers historiens et rcheologues ,P240 t 2  , Istitut Francais De Damas ,1932   

[156] – الظاهري ، زبدة ، ص 122

[157] – خطط، ( بولاق ) ، ج3 ، ص 347 – 348 ، ولمزيد من التفاصيل حول تربية المماليك ومميزاتهم انظر : ضومط ،الدولة المملوكية ، ص 28 – 38 .

[158] – البصروي ، ص 198 ، هامش رقم1 ،ونصار ، العامة ، ص 320 .

[159] – البصروي ، ص 179

[160] – اعلام ، ص 157 ، ومفاكهة، ج1 ، ص 275

[161] – مفاكهة ، ج1 ، ص 247

[162] – نفسه ، ص 249

[163] – مفاكهة، ج1 ، ص 261

[164] – انظر ابن طولون في اماكن متعددة من كتابيه : مفاكهة،ج1 ، ص 275 ،289، 316 ، 342-343 وغيرها،واعلام، 171، 178، 205، 208،222 وغيرها

[165] – مفاكهة ، ج1 ، ص118-119

[166] – البصروي، ص 110  مفاكهة ، ج1 ، ص 41 ، 44 – 45 ، 119 ،231،292، 

[167] –  مفاكهة، ج1 ، ص44

[168] – مفاكهة، ج1، ص 213

[169] – مفاكهة، ج1 ، ص 78، 91،

[170] – المقريزي، السلوك، ج3، ق3، ص1145، مفاكهة، ج1، ص 108، ، 146 ، 180- 181 ، 209، 291،

[171] – مفاكهة، ج1، ص 287، 374، اعلام، ص 187، ونصار ن العامة، ص 326

[172] – البصروي، ص 125، 176، مفاكهة ، ج1، ص132 167،، 158،199 222، اعلام الورى، ص79، 99،119، 187، 209،

[173] – مفاكهة، ج1 ،17،92،100،101،127،208، 214،222،260،286،وغيرها،اعلام الورى، ص 79،119، وانظر نصار ،العامة، ص 327 – 331

[174] – مفاكهة، ج1، ص 6، 41، 62،  64، 65، 79،  124-125 ، 146 ، 147 ، 160، 178، 215، اعلاو الورى، ص 96، 97،

[175] – ابن طولون ، مفاكهة الخلان، ج1، ص 8-9،41، 65،124 79، – 125، 227، 299، 234،

[176] – البصروي، ص183،207،219،239، اما مفاكهة الخلان فهو مليء باخبار الجرائم واللصوصية وغيرها من المفاسد سأكتفي بذكر بعض الصفحات فقط:ج1،17، 92، 153،164،177،204،225،234،257، واعلام، ص،122، 136،164،181،وغيرها كثير

[177] – سلوك، ج4،ق3، ص 1066- 1067، السبكي، معيد النعم، ص 35-36، وفاكهة، ج1، ص 93-94، 142-143، 204- 205، 297

[178] – البصروي، ص 101- 102، ومفكهة،ج1، ص 7-9،65

[179] – مفاكهة، ج1، 30، 84، 158، 215، 248-249

[180] – مفاكهة، ج1 ، ص20-21

[181] – مفاكهة، ج1، ص 42، 203