ادارة ندوة كتاب هوية الكسروانيين للدكتور لطيف لطيف.

ايها الاصدقاء نناقش في هذه الندوة كتاب الدكتور لطيف الياس لطيف المعنون ” قراءة جديدة في مذهب الكسروانيين ابان الحملات المملوكية”، وهو موضوع شائك وشيّق في آن. وقد اسرني منهج الدكتور لطيف العلمي الصارم الدقيق للتبحر بكل جوانب الموضوع منهجا ومضمونا بخاصة انني مختص بالعهد المملوكي من جهة، ودرّست مناهج التأريخ عند العرب والمسلمين في العصور الوسطى مدة ثلاثين سنة من ناحية ثانية.

ايها الاصدقاء اعتمد التأريخ في العصور الوسطى في المشرق العربي على عدة انماط ولعل من ابرزها: التاريخ العام الشامل الذي يتناول فيه صاحبه كل الاحداث في المشرق العربي مركزا على الكبرى منها، بخاصة تلك التي تؤثر على تطور الاوضاع في حاضرة الدولة. ويمتاز عنه التأريخ الاقليمي او المحلي بتدوين الاحداث التي وقعت في الاقليم الذي ينتمي اليه، من دون تجاهل الاحداث الكبرى من حيث تفصيلها بقدر انعكاسها على اقليمه، وتقدير اهميتها من زاويته الشخصية. ويعنى منهجي التراجم ولطبقات بكتابة سير موجزة لشحصيات مشهورة ( c.v.) تتناول مآثرهم ومثالبهم في آن واحد، ويشمل الاول شخصيات متنوعة غير متجانسة في حين ان الثاني يدون اخبار شخصيات متجانسة من حيث العمل مما يجعل من المنهجين مفاتيح للتأريخ العام لأن شخصياتهما تركت بصمات واضحة على احداث البلاد. اما منهج السيرة  فهو يؤرّخ تفصيليا لشخصية مشهورة ربما ترد فيها معلومات قد لا نجدها في مصدر آخر ما يجعل الاطلاع عليها ضروريا لتفسير بعض الاحداث. والى جانب هذه المناهج انتشرت كتب الادارة التي تركّز بشكل اساسي على نظم الحكم من دون ان تهمل التأريخ للاحداث التاريخية المهمة. وتكمن اهمية هذه المناهج بان بعضها يضيء على البعض الآخر بطريقة تكاملية، وتساعد المؤرخ على فهم الاحداث بطريقة افضل، وتمكنه من الاجتهاد عند غموض الحدث. وبالتالي يصبح لزاما على المؤرخ دراستها كلها.

ومن المؤسف حقا ان الموضوع الذي نناقشه اليوم لم يتناوله في مكانه وزمانه اي من المؤرخين اللبنانيين في العصور الوسطى صمن مفهوم التاريخ الاقليمي الذي لا يضيئ على الاحداث فقط بل يفصّلها، وهو عادة اكثر دقة وشمولا من التاريخ العام الذي يركز على الاحداث الكبرى في الاقاليم او يذكرها سريعا انطلاقا من تأثيرها على الدولةولم يؤرخ للحملات المملوكية على لبنان حين وقوعها اي من المؤرخين اللبنانيين، انما تناولها بعضهم في فترة لاحقة شأن صالح بن يحي في كتابه تاريخ بيروت، ما يحتّم علينا كمؤرخين لبنانيين الاعتماد على كتب التراجم والطبقات والسير والادارة وبخاصة على التاريخ العام لمؤرخين مصريين او من بلاد الشام.

ويقتضي المنهج السليم تحديد المصطلحات التي يشكل عدم الالتباس في مضامينها نقاط ارتكاز للتأريخ موضوعي يجنب المؤرخين الشطط والتفسيرات الكيفية. ويحوي كتاب الدكتور لطيف عددا من المصطلحات الرئيسة: كالرافضة، والظنيين، المارقين، اهل البدع، التيامنة، الدروز، الموحدين، جبال الظنيين، كسروان…من المفضل تحديد معانيها قبل استخدامها.

الى ذلك، يكتسب موضوع الكتاب ابعادا ايديولوجية ومذهبية بامتياز، ويتنازعها عدد من المؤرخين اللبنانيين المحدثين، ويزعم كل منهم ان الكسروانيين كانوا في اواخر القرن الثالث عشر ومطلع الرابع عشر على مذهبه الديني ناسبا اليهم وحدهم مقاومة ظلم الماليك للبنان واللبنانيين من دون ان يدرس الاطار الغام للحملات الملوكية من حيث اسبابها وابعادها، ومن دون ايضا ان يدرس بنية النظام العسكري الاداري المملوكي المرتبط غضويا بالنظام الاقطاعي، او ان يدرس موقف المماليك من الفئات الاجتماعية في دولتهم، بخاصة بخاصة نظرتهم وموقفهم من اجناد الحلقة.

ومن اجل فهم اوسع بل اوضح لندوتنا هذه سأوجز الاطار التاريخي العام في المشرق العربي الذي تشكل الحملات المملوكية جزءا منه او على الاقل انعكاسا لبعض تحولاته.

شكّل انتصار المماليك على المغول في عين جالوت عام 1260 نقطة تحول في تاريخ المشرق العربي والاسلامي: فهي من جهة وضعت حدا لانتصارات المغول، ومنعت سقوط آخر حصون المسلمين بعد ان كانت كل حصونهم الاخرى قد سقطت ابتداءا بالدولة الخوارزمية وانتهاءا بالخلافة العباسية في بغداد وما رافق ذلك من استباحة بعض المدن الاسلامية الرئيسة. واذاك لم تكن بعد دولة المماليك قد ثبّتت اقدامها نتيجة الصراعات الشديدة والمتلاحقة بين كبار الامراء على عرش السلطنة، وهذذ الصراعات سيتشكل ابدا سمة دولة المماليك حتى سقوطها.

وجهد المغول للثأر من المماليك واستغلوا سنة 1281 تمرد نائب الشام سنقر الاشقر على السلطان قلاوون واستنجاده بهم، وان كان قد تراجع عن ذلك لاحقا، فاغاروا على حلب وحماه واحرقوما ولكنهم انهزموا قرب حمص، وبالتالي لم يحقق اي من غاياتهم الكبرى.

وتجدر الاشارة الى انه بعد ان تفسّخت الامبراطورية المغولية نشأت دولة الإلخانيات في بلاد فارس واعتنق حكامها الاسلام على المذهب الشيعي الاثني عشري، وادى ذلك الى دفع مغول فارس  لاختيار احد امرين اما الخضوع او التبعية الدينية الاسمية لسلطة المماليك الدينية الباسطين سلطانهم على الاماكن الاسلامية المقدسة او انتزاع تلك الاماكن منهم، ما يحتم عليهم انتصار كبيرا على المماليك. وهذا المحور هو الذي يفسّر انتهاز الالخان الكبير غازان سنة 1299 فرصة اختلال الاوضاع المملوكية الداخلية بعيد وفاة السلطان الاشرف خليل، للهجوم على حلب وحماه وتدميرهما، ثم الانتصار على الجيش المملوكي المفتقر الى قيادة حقيقية في معركة وادي الخازندار قرب حماه، فتشتت من نجا المماليك بكل اتجاه، فاختار بعضهم الهروب عبر الساحل اللبناني حيث كمن لهم الكسروانيون عند وادي نهر الكلب فقتلوا عددا منهم بين امراء وجنود، وقبضوا على آخرين وباعوهم من الافرنج ما استدعى عضب المماليك. وزاد في الطين بلّة ان غازان اكمل زحفه نحو دمشق واستباحها بمساعدة بعض الشيعة والدروز ممن تركوا بصمات شنيعة بخاصة في جبل قاسيون، وحفظت تلك الاعمال المصادر المعاصرة للحدث وجعلت منها مبررا للحملات المملوكية على كسروان وتصنيف سكانه بالمارقين والخارجين على السلطة ويحل قتلهم تبعا لفتوى ابن تيمية ما جعل قتالهم واجبا دينيا.

ويتجلّى بصورة افضل الصراع على زعامة العالم الاسلامي بحملة غازان الجديدة على بلاد المماليك عام 1302 حيث انهزم في فلسطين في معركة مرج الصفر. فصار الكسروانيون متهمين بامرين لا تهاون بهما عند المماليك السنة: التعاون مع الصليبيين قبل جلائهم عن الشرق وبعده، ومع المغول عدوي المماليك، وبالتالي صار تأديبهم واجبا شرعيا. 

ولست ادري ايها الحضور الكريم لماذا تسابق بعض المؤرخين اللبنانيين لجعل الكسروانيين على مذهب كل منهم ناسبا الهيم الفضل في مقاومة المماليك!! متجاهلا عن عمد نصوصا وردت في كتب التاريخ العام لمؤرخين مشهورين اثرت عنهم الموضوعية ومعظمهم شغل مناصب ادارية في ديوان الانشاء كالعمري والنويري والمقريزي والقلقشندي وغيرهم، او كان قريبا جدا من السلطة المركزية شأن ابو الفداء. او لماذا عمد بعضهم الى اجتزاء النص الواخذ واستخدموا منه ما يناسبهم. ونتساءل ايضا لماذا لم يقارن بعض المؤرخين المحدثين النصوص المحققة الصادرة عن اكثر من دار نشر، لأن بعض المحققين ينزع الى تحوير المخطوط باسقاط كلمة من هنا او هناك. ولعمري انها حطوات بديهية ندرّسها لطلابنا بدءا من السنة الاولى الجامعية، ولا اعتقد ان من تناول الموضوع كان جاهلا لها، انما كان له موقف مسبق من الاحداث.

ونطرح سؤالا آخر لا يقل اهمية عمّا سبقه لماذا لم يعمد المؤرخ الى اعادة تركيب الاحداث على ضوء ما وفرت له نصوص المصادر المتعددة من معلومات، انما نحا الى تسخّير بعضها عمدا لتتلاءم مع موقفه المسبق من الاحداث مستخدما نظريات تعتبر ساقطة في علم التاريخ كالحتميات، والفرضيات او الاجتهادات الكيفية المفتقرة الى المسوّغات الموضوعية، ومتجاهلا ان الحقيقة في علم التاريخ هي دائما مطلقة ويظل الوصول اليها نسبيا ومرهونا بما توفره الاصول والمصادر من معلومات.

ايها الاصدقاء بعد هذه المقدمة الضرورية والطويلة نسبيا نترك الكلام للزميلين الصديقين العميد احمد حطيط والدكتور الياس القطار.

ادارة ندوة كتاب البنك العثماني

                                                                    

قد يتبادر الى الاذهان من خلال عنوان الكتاب ” البنك العثماني” ان الموضوع يتمحور حول الودائع والتجارة وكل ما له علاقة بالصيرفة والمال. انما لبه الحقيقي مر المذاق، يخدش الوجدان الانساني بقحة. ويتناول الاتجار بالانسان والوطنية، بالكرامة والجدارة، بالحرية والقومية. وهو يمسخ الانسانية بابشع صورها واحط دركها. كان صيرفة السلطان عبد الحميد الثاني واعوانه من جمعية الاتحاد والترقي والطورانيون جميعهم بالارمن، فتم شراؤهم قتلا، وبيعهم تهجيرا وذبحا ونهبا واسترقاقا. وبالرغم من هذه المعاناة، استقبلوا في مصر عامة وفي الاسكندرية خاصة على مضض، فعانوا عذابات على يد فئات، ومساعدة على يد آخرين. اما مسرح هذه الرواية فكان الاوضاع الاجتماعية والسياسية في السلطنة العثمانية، وفي مصر اواخر القرن 19 ومطلع القرن العشرين.

ايها الحضور الكريم، منذ بدأ الانسان يعيش في جماعة، كان ينشد الاحترام والجدارة عنواني الحرية اثبات لذاتية وجوده ودوره في الجماعة. والحرية هي فعل مساواة واعتراف بالآخر والتعامل معه بندية تامة. والانسان كما بات واضحا فطر بوجه العموم على حب السيطرة، وخاض في سبيلها صراعات وحروبا غير منتهية. وحتم على المهزوم اختيار احد حلين اما الاستمرار بالقتال حتى الموت، او الاقرار بالهزيمة والخضوع لمشيئة المنتصر، ما اسس لتراتبية اجتماعية معيارها القوة والعنف، والحصول على الثروة، وافرز مصطلحات ابدية: السيد والتابع، الحاكم والمحكوم، المنتج والمستفيد، الفقير والغني، المتجبر والمنكسر، الطاغية والضحية. واسس لثورات وحروب داخلية، واخرى خارجية شبه مستمرة ما تزال مستعرة حتى اليوم.

من البديهي القول: ان وعي الشعوب لتاريخها فيه من الخطورة والحدة ما يجعل الممالك والامبراطوريات والسلطنات تعيد التفكير بالعلائق بين مكوناتها الاجتماعية ذات الاتنيات المتنوعة. لأنه، على المدى البعيد، سيفرز صراعات اما من اجل ان تستكمل السلطة هيمنتها، او لأن المحكوم المستضعف سيناضل تحقيقا للحرية والمساواة. وتعتبر السلطنة العثمانية احدى نماذجه الصارخة، فهي توسلت الحروب في توسعها، حتى باتت دولة حربية عسكرية بامتياز، ذات نظام تيوقراطي، بعد ان حصر السلطان في شخصه عرش الحكم وسدة الخلافة بعد قضاء السلطان سليم الاول على السلطنة المملوكية في معركة الريدانية عام 1517 وألزم الخليفة العباسي التنازل له عن الخلافة، التي باتت وراثية في سلالته . وصارت كيانا جغرافيا عجيبا من حيث تنوع الاتنيات والاعراق والثقافات، اتسمت السلطة بعدم المساواة ومحاباة افرقاء على آخرين لا سيما المسلمون ممن اصولهم تركية، وبالقمع والشدة تجاه غير المسلمين، وكل من يحاول الخروج على الروحية العثمانية، او يحاول التمرد.

 ولما ادرك العثمانيون ان الانحلال بدأ ينخر المجتمع والمؤسسات شرعوا بالاصلاح ادراكا منهم لاهميته منذ عهد السلطان سليم الثالث على مستويين : الانفتاح على الغرب، وتطوير هيكلية المؤسسات من دون ان ينجحوا. وباتوا في متناول الامبراطوريات الاوروبية التي اطلقت على السلطنة اسم” الرجل المريض”

وفي القرن 17م. برز وعي شعبي ارمني تجاوز الحالة الاجتماعية الى الوضع السياسي، ودفع الكنيسة الارمنية باتجاه الغرب لتحرير ارمينيا من المهانة التي كان يعيشها الارمن. وخشي العثمانيون الضغوط الاوروبية، فنفذوا اصلاحات طالت جوانب جديدة من الحياة الاجتماعية. فاعطى خطي شريف كلخاناه ( تشرين  الثاني1839 )، الذي اصدره السلطان، الرعايا غير المسلمين حقوق الملة، وطمأنهم بكل ما يتعلق بحياتهم وممتلكاتهم. وأكد على الاصلاح في جميع مؤسسات الدولة” على ما يقضي في ذلك النص المقدس لشرعنا“. بما يعني ان الهدف المبتغى من الاصلاح لم يكن سوى احياء متطلبات الدين الاسلامي بعد ان كانت السلطنة ترهلت، وابتعدت عن احكامه لا سيما في الجهاد. وهدف ايضا الى اعلاء شأن الامة الاسلامية. ما يعني ان لا تأكيد على اعطاء غير المسلمين الحقوق كاملة كما نص عليها ” كلخاناه”، بدليل فشله بعد ثلاث سنوات من تطبيقه.

 انما الاصلاح الاهم، من حيث النصوص، جاء خلال مؤتمر باريس، على اثر حرب القرم(1853-1856) التي ناصر فيها الاوروبيون السلطنة ضد روسيا، وكان ثمنا لتلك المساندة الفعالة، ومنعا لانهيار”الرجل المريض” نهائيا. فاصدار السلطان عبد الحميد (خطي شريف همايون) في 18 شباط 1856 الذي اكد على احكام كلخاناه وساوى بين كل الرعايا امام القانون والضريبة، والشهادة في المحاكم، وفي الخدمة العسكرية – بعد ان كانت الخدمة العسكرية حكرا على المسلمين- وفي الوظائف العامة.  وازال ايضا كل تعبير او اصطلاح يميز بين الرعايا.

لم ترض هذه الاصلاحات رجال الدين المسلمين لأنها حرمتهم الكثير من امتيازاتهم، كما خشي الحكومة العثمانية وكبار رجال الدين المسلمين ان تؤدي الى ثورة المسيحيين للحصول على كل تلك الحقوق. كما اثارت غضب الفئات الاجتماعية المسلمة التي لم تعتد المساواة بالمسيحيين. وفي الوقت عينه عمدت السلطة بكل اجهزتها الى العمل على افشال الاصلاحات، فجهدت لاذابة الاقليات بخاصة الارمن في المجتمع العثماني، ومنعتهم من الحصول على دستور بعد ان تقدموا به اكثر من مرة، وسمحوا لهم بنظام اساسي فقط. وفي الوقت عينه حرضت وآزرت الاكراد والشركس ضدهم، ما زاد في مأساتهم ودفعهم الى النزوح الى المدن، وصار وضعهم اكثر حرجا عثمانيا عندما عمل الروس على تحريرهم على اثر معاهدة سان ستيفانو. ما زاد في تشدد العثمانيين ضدهم لتبدأ مرحلة مرعبة من الجرائم العثمانية غير المبررة، وصارت ولما تزل عارا ملصقا على جباههم.

اما مصر فقد كانت انذاك تحت الحماية البريطانية، وتخضع اسميا للسلطان العثماني، ويحكمها خديوي من سلالة محمد علي باشا، احد ابرز رواد الاصلاح في المشرق العربي. انما خلفاؤه نسفوا كل انجازاته، وصاروا دمى في ايدي الغرب لاسيما الفرنسيون والانكليز لاسباب متنوعة لا مجال لذكرها الآن. وساد عهودهم حكم الباشوات والمحسوبيات، وازداد وضع الفئات الفقيرة بؤسا. وككل مجتمع تداخلت فيه تيارات داخلية بعضها محافظ وبعضها الاخر رجعي متخلف، فضلا عن براعم ثقافية جهدت لكسر التقليد المثقل بالموروث متأثرة بتيارات خارجية عنوانها التطور والاصلاح. وبالتالي نشأ صراع بين الموروث والحداثة التي رفع لواءها مثقفون بخاصة ممن تخرجوا من المدارس الاوروبية، وبعض طلاب الجامعات. ونشأ صراع طبقي بين التقليديين، والاخوان المسلمين، والمتسلطين من حاشية الخديوي كل يدفع المجتمع في ما يناسبه من دون ان يختلفوا في ما بينهم بعنف، وكانوا شبه متحدين ضد من كانوا يريدون تطوير مصر ودفعها نحو الحداثة في مقاربة لردم الهوات بين الطبقات الاجتماعية، وايقاظ الوعي السياسي وتعميمه.

وسط كل تلك التجاذبات والمناخات المريضة، شُرّد الارمن واسشتهدوا وعانوا الويلات، وباتت قضيتهم دمعة حمراء سكبتها عين التاريخ على وجنات الانسانية وتركت عليها كلوما وقروحا لما تندمل بعد. 

تكريم ميشال عاصي

ان نكرّم مثقفا هي صلاة نرفعها على مذبح الحضارة، فنتماها معه سيرة ذاتية تتوجها هامة ثقافية فذة، هو فعل ايمان بالثقافة ودورها الريادي في محاكاة شعور الناس، هو خشوع للمعرفة واهلها واجلال للفكر. هو تعبير عن ذواتنا في ذاتية المثقف، وتكريم لانسانيتنا في عالم بدأ يفقد معاني الانسانية، انه حضور العقل في عالم الفكر يحفّزنا للكد والجد.

ايها الاصدقاء، ان تكريم المثقف واجب علينا نحن اهل الثقافة لنفيه بعضا من حقه على المجتمع والوطن بل على العالم، بتسليط الضوء على مساهماته الحضارية، وبالتبحر في انتاجه الفكري ليأنسَ في حنايا نفوسنا، ويرتعَ في خبايا عقولنا خميرة تحفّزنا لاكمال دربه وتطوير مرتكزاته  الفكرية. من حقه علينا ان يهدى ابحاثا باقلام مثقفين ارتبطوا به بمنازل وعلائق متنوّعة. انها لعمري اروع هدية تختزن محبة وتقديرا مستديمين

واذا كان التكريم، الذي يحتفل به ارباب الدولة، تخليدا لذكرى المحتفى به فان آليته البرتوكولية الرسمية، على اهميتها، تظل في اطارها الرمزي، ولن تضاهي ابدا احتفالا ثقافيا يجهد المشاركون به في تبيان مساهمات المكرم الفكرية ودورها الحضاري شأن ندوتنا اليوم نتذكر فيها ميشال عاصي، وننحني اجلالا له، لمثقف فذ من بلادي، ونقدم له تحية نابعة من قلب صادق، واقلام بارعة.

ايها الاصدقاء، ولد ميشال عاصي عام 1927 في بيئة مدينية ريفية، في زحلة يوم كانت بعد ترتقي سلم المدينة (لتصبح مدينة) مثابرة على التمسك بمآثر القرية اللبنانية، عاش في بيئة فقيرة تصارع البؤس، وتعارك العوز، وتسرق الاود من الحرمان، ما جعل ميشال عاصي يتنقل بين عدد من مدارس حيه في الحارة التحتا او القريبة منه الى ان استقر في الكلية الشرقية ونال فيها سقف التعليم في البقاع اذاك عنيت (البكالوريا القسم الاول).

وبما ان الطموح حدوده الفراغ دأب ميشال عاصي يجهد لتحقيق ذاته، فلم يقعده الفقر والعوز عن متابعة دراسته، ولم يخجل، تحقيقا لهذه الغاية السامية، من ممارسة اي مهنة شريفة؛ فقد ارتضى ان يكون صبي حلاق وحداد واللحام… عمل ايضا ولثلاث سنوات متتالية سائق سيارات على اختلاف انواعها واحجامها متنقلا بين زحلة وبيروت ودمشق، فجمع مبلغا من المال جعله يعيش صراعا داخليا مريرا: ايركن الى المهنة المحدودة المستقبل بما تدر عليه من ارباح آنية، او ينخرط في عالم الدراسة الرحب المؤدي الى الافق الثقافي اللامحدود؟ وقد قال عن معاناته تلك:” اعتقد ان قدري هو الصراع الدائم بين الغاية والوسيلة، بين الهدف والطريق المؤدية اليه.” فاختار الطريق الاصعب وأللاذَ مذاقا، مزاوجا بين الدراسة ومهنة التعليم فنال البكالوريا القسم الثاني.ثم اجتاز بنجاح امتحان دار المعلمين العالي (كلية التربية الحالية). وادرك ان مهنة استاذ تعليم ثانوي ليست الا محطة يرتاح فيها ريثما يمكنه وضعه المالي مجددا من ارتقاء درجات اضافية على سلم التعلم والثقافة غير المحدودين. ولما اختبر التعليم وجد ان اساليبه وطرقه لا تتوازى مع اهدافه البعيدة، فعبّر عن تلك التجربة المريرة قائلا:” ولا اغالي ان قلت ان آفة التعليم في بلادنا هي كونه يفصل بين الواقع المعيوش والنظريات المطروحة.”.

وظلّ طموحُه وشغفُه بالثقافة حتى الادمان يحفّزانه للارتقاء سلم التعليم، وللغرف من عالم المعرفة ليغدو بدوره مرجعا معرفيا. وكان يعتقد ان الجامعات الفرنسية تؤمّن الكسب الثقافي والغنى الحضاري فجهد للالتحاق باحداها. وبعد لأي مضن مشفوع بالوساطات السياسية اجتاز مصاعب المعاملات الادارية وسافر مع قرينته فرقد الى فرنسا حيث نال دكتوراه في الادب العربي باشراف المستشرق العلامة شار بلاّ، وعاد بها الى بيروت يصارع للتدريس في الجامعة اللبنانية، ويعارك فيما بعد للدخول الى ملاكها التعليمي. الى ان حقق الاثنين معا وصار عميدا لكلية التربية، ومن ثم رئيسا للجامعة اللبنانية بالتكليف.

ايها الاصدقاء لن ادخل في مشاكل واشكاليات العلاقة بين الجامعة اللبنانية والسلطة السياسية ضنا مني بالوقت المحدد لي بخاصة انني متهم دائما بتجاوز دوري كرئيس للجلسات الى منتد فيها. انما سأقول فقط انها علاقة جدلية بين افقين متعارضين على المستويين الثقافي التعليمي والمادي، وان مجلس الوزراء ما يزال حتى اليوم يسطو على استقلال الجامعة الاكاديمي والاداري والمالي، وبالتالي فهل كان بمقدور ميشال عاصي بين تموز 1988 وحزيران 1991 ان يمارس مسؤولياته الجسام المثقلة بما كان يرتبه الوضع السياسي المتعارض مع قناعاته الذاتية، في تلك المرحلة الحرجة والظروف المأزومة؟ فالحكومة كانت حكومتين والوزير وزيرين، والمراسيم جوالة، والانتقال بين الشرقية والغربية عرضة لمختلف انواع المخاطر والرعب. وهو يقول في هذا الصدد:” اقسم بكل غال وعزيز علي ان ما عانيته في رئاسة الجامعة…كان فوق التصوّر والاحتمال.”

ايها الاصدقاء لن اتطرق الى مؤلفات ميشال عاصي الكثيرة فاسحا في المجال امام الاصدقاء الزملاء المنتدين الكلام عليها، وهم مميزون بحسن النباهة والتقويم الاكاديمي ولصوق المعرفة الشخصية بميشال عاصي الذي نستذكر اليوم نرسل اليه ألف تحية وتحية.

ادارة ندوة مناقشة كتاب جوزيف لبكي ” الانتشار الماروني في العالم واقع ومرتجى 1840-2010

                                                          

ايها الحضور الكريم، في اطار المهرجان اللبناني للكتاب، تعقد الحركة الثقافية – انطلياس، هذه الندوة لمناقشة كتاب العميد جوزيف لبكي المعنون “الانتشار الماروني في العالم واقع ومرتجى 1840-2010

الموارنة جماعة دينية مرتبطة بالقديس مارون، كاثوليكية المشرب والمعتقد، مشرقية المحتد والثقافة، لبنانية الهوية، عربية اللغة والانتماء، بل متجذرة بالعروبة الثقافية. والامة المارونية كاصطلاح ومعتقد مرتبطة بتاريخ الموارنة منذ نشأتهم، جسّدها مؤرخون موارنة خلال العصور الوسطى وبعض الحديث،  ولا سيما  البطريرك اسطفان الدويهي الذي لم ينظر اليهم كطائفة قائمة بذاتها فحسب، انما كأمة تتمتع بكل المقومات. وتبعا لهذه الرؤية دوّن كل ما يتعلق بهم منذ نشأتهم في القرن الخامس + في وادي العاصي وحتى عصره. وهذه الطائفة الامة المتكاملة الشروط، كما يراها الدويهي، تتوضح معالمها في كتابه “مقدمو جبة بشراي” لأنها خضعت لرئيس ديني اعلى هو البطريرك الذي كان يدير معظم شؤونها ان لم يكن جميعها، ويساعده رئيس  ديني آخر هو ” الشدياق” الذي احتل ادنى درجات الكهنوت، وفي مرحلة ما ارفع المناصب الزمنية بل العسكرية، الى ان تولى القيادة الزمنية المقدمون.  فصارت الطائفة الى حد بعيد تيوقراطية الادارة، لها جيشها الخاص يقوده عدد من المقدمين كانوا يخضعون الى مقدم بشراي. ولم يكن هذا التدبير  مستحدثا انما تزامن مع نشوء البطريركية المارونية، وتمركزها في “كفر حي” لبنان على يد القديس يوحنا مارون اول بطاركة الموارنة، على اثر التهجير القسري الاول الذي اصابهم في وادي العاصي بعد ان قتل منهم حوالى 350 راهبا. ويمكن تسميته الانتشار الماروني الاول.

لم يتقوقع الموارنة اراديا في عزلة عن محيطهم، انما الاعتداءات والاضطهادات المتكررة اوجبت عليهم التحصن في جبل لبنان الشمالي. فمنذ بدايات العصر الاموي وتحديدا على عهد عبد الملك بن مروان اعتصموا في جبالهم المنيعة وشبه استقلوا بها، وحافظوا عليها، واسسوا ما يشبه الامة الدويلة المارونية التي حصّنتها المقدمية ونسجت ابرز خصائصها ومميزاتها.

لن نوغل الآن في الكلام على المحن التي تعرّض لها الموارنة عبر الزمن التاريخي، انما سنكتفي بالاشارة الى ما يرتبط بالانتشار الماروني في العصور الوسطى ونجعله مقدمة للانتشار الواسع الذي تناوله العميد لبكي. ولعل ما  افرزته ثورة المنيطرة 759-760 باسبابها ونتائجها يمكن تسميته التهجير القسري الثاني او الانتشار الماروني الثاني ، فهي تجسد تعبيرا صارخا عن رفض الموارنة المذلة، والتبعية العمياء المقيتة، وأسست لخيفتهم على وجودهم واستمرارهم من طغيان الحكام المركزيين والاقليميين، وعقم سياساتهم واستبدادهم.

 اما التهجير الثالث او الانتشار الماروني البطيء فكان نتيجة سيلسة الممالكي عموما، لا سيما حملاتهم على جبة بشري وعلى كسروان، بما خلّفت من دمار ومآسى، واضطهادات متنوعة يندى لها جبين التاريخ. فهذا العهد قوقعهم في جبالهم في بداياته، وسمح لهم في نهاياته وفي مطلع العهد العثماني الانتشار الارادي لاعادة احياء الاماكن التي فرغتها الحملات المملوكية من سكانها الشيعة والدروز والمسيحيين. فكسروا جدران العزلة التي فرضت عليهم قسرا وتمددوا في رحاب جبال لبنان، وتمازجوا مع العائلات الروحية اللبنانية الاخرى. 

ايها الصدقاء، لست بوارد التأريخ للموارنة بمآسيهم ونجحاتهم، لأنه مسار طويل وشاق. وشاب تاريخ الموارنة ظلام امس لم يبدأ بالتفتح الا في العهد الصليبي من دون ان يزدهر، لأن مؤرخي التاريخ العام العربي والاسلامي اهملوا  في حولياتهم الكلام على احداثهم الا بمقدار ما كانت تتقاطع مع مجريات التاريخ العام، ولم تذكرهم كتب السير والتراجم. وبالتالي صاروا، من هذا المنظار، وكأنهم على هامش التاريخ. وفي الوقت عينه ضاعت معظم مدونات  مؤرخيهم، والقليل الذي نجا منها نظر الى الموارنة كأمة قائمة بذاتها، متجذرة بارضها، تستميت بالدفاع عنها.

وباتت المارونية من هذا المنظار _ منظار المؤرخين الموارنة بعامة-اندماجا بين الارض والشعب والدين، من دون ان تتحول الى ايديولوجية وفق الاصطلاح المستحدث. لهذا اعتنى مؤرخون موارنة بالمدونات التاريخية القليلة التي حصلوا عليها، موزعة بين الكهوف والاديار، ودرسوا محتوياتها مستقرئين ماضى معرفته ضنينة.

ومع تقلب الاحوال تبعا للظروف السياسية، وتطور الافكار واختلاط المشرقي منها بالغربي وبالعكس، باتت المارونية اصطلاحا دينيا سياسيا، تحددت معالمه ورؤآه؛ بتجديد الانسان في انسانيته، والثقة المطلقة  بقدراته على التطور والتكيف تبعا لعاديات الزمن وتقلب الظروف. ولم يكن يوما ايمانها، الراسخ في جذوره، جامدا، بل متطورا  يتماهى مع الفكر الانسانيّ النزعة. واستمر الموارنة ابدا تواقين الى الحرية ينشدونها في كل بقاع الارض، كلما كانوا يحرمون منها في وطنهم الام.

ايها الحضور الكريم، ان كلامي هذا على الموارنة في العصور الوسطىى ليس الا مقدمة تنسجم  مع سياق كتاب “الانتشار الماروني”. لان جوزيف لبكي اكمل هذا المسار، واضاف اليه مدماكا مهما فتتبع اوضاع الموارنة في بلاد الاغتراب لأنهم لبنانيون بالدرجة الاولى، ودوّن تاريخهم الاجتماعي والاقتصادي، والديني، والسياسي. فتحدث عن اسباب الهجرة من لبنان من دون ان يجعلها حكرا عليهم، انما ربطها بهم لأنهم كانوا الاكثر استهدافا من غيرهم في زمن المجاعة والنكبات التركية، فعلى الجبل اللبناني موطن الموارنة تركزت الاساآت التركية الظالمة.

واستمر، على ما يرى جوزيف لبكي، استهداف المسيحيين عموما والموارنة ربما بشكل اخص ابان الحرب اللبنانية 1975-1990، على مختلف المستويات؛ في المؤسسات الدستورية وفي السلطة التنفيذية والادارة العامة. فاضافة الى ذلك، فند اسباب الهجرة تفنيدا فذا. وتحدث عن احوال المسافرين في بؤسهم ومعاناتهم. كما عن كيفية حلولهم في بلاد الاغتراب في القارات كلها. واننا لنجد في طيات هذا السفر الضخم والغني اسماء لدول ومناطق قد لا نكون قد سمعنا بها قبلا، او ادركنا انها دول ذات سيادة او موجودة اصلا على الخارطة العالمية، بحيث تتبع جوزيف لبكي شؤون وشجون اللبنانيين فيها، ما يؤشّر على دقته في البحث والتقميش. ونهج في تأريخه خطة واحدة عممها في كلامه  على كل القارت ودولها، ويطلق على هذا المنهج التأريخ حسب الموضوع. فتتبع احوال المهاجرين الموارنة في حلّهم وترحالهم، في نجاحات بعضهم، وفشل البعض الآخر. وفي تعاضد معظم اللبنانيين لمساعدة من تصيبه نازلة. واجتهد بإبظهار سعيّ معظمهم للمحافظة على التقاليد والعادات اللبنانية، والحنين الدائم الى الوطن الام. وارتباط معظمهم بهويتهم الدينية، فكشف عن الجهود التي بذلوها للحصول على مؤسسات دينية او على الاقل تكوين رعية صغيرة يرأسها كاهن لبناني ترتبط بالبطريركية الام. من دون ان يغفل على الكلام عن اسباب تبديل اسماء بعض الموارنة لتنسجم مع المعايير اللغوية في الدول التي حلوا فيها لاسيما تلك التي تتحدث الاسبانية والبرتغالية، فضاعت اسماؤهم العربية، وبات من الصعوبة بمكان تقصي احوالهم.

 لن اخوض اكثر في تفاصيل كتاب الانتشار الماروني في العالم، فاسحا في المجال امام المحاضرين الاصدقاء الزملاء الكرام، ليتحفونا بما تكون لديهم من آراء تفصّل الكتاب، بهدف اغنائه بالملاحظات الموضوعية، لا سيما انهم اهل اختصاص ومعرفة. وتشي سيرهم الذاتية، بما تضم من مؤلفات قيمة، بقدراتهم العلمية.

قد اكون محابيا ان اوغلت بالكلام على جوزيف لبكي الصديق اولا، ورفيق الدرب ثانيا في قسم التاريخ، وعميد كلية الآداب ثالثا، ومن المغالات الا اقول انه ليس طارئا على البحث  والتأريخ فباعه طويلة جدا في هذا المجال، حسبنا ان نذكر  بعض كتابه ومؤلفاته لمن يجهلها  مثل ” اضواء على المسألة اللبنانية 1908-1914″، “بعبدات بين المارونية والروتستانية واللاتينية” ولا سيما كتابه “متصرفية جبل لبنان”، وغيرها.

مناقشة ديوان سليم فرنجي

منصات كثيرة اعتليت من دون ان ينتابني قلق او يرعبني موقف، فالمواضيع كانت من اختياري، وفي حقل اختصاصي. اما اليوم فالوضع مختلف، فانا الآتي من معترك التأريخ بمصطلحاته المقيدة ومنهجه الصارم، الهادف ابدا للبحث عن الحقيقة في مواضيع ابكى معظمها عيون الانسانية دما واسى، واغناها في آن حضارة وتطورا. واراني اليوم اقف على منصة تضم كوكبة من الادباء والشعراء لأتحدث في الشعر الذي تتعانق فيه صور البيان والبديع لترسم اروع لوحات الخيال. والناهلة مواضيعه من القلب رقة وعذوبة، والنابضة ابدا بالعواطف المرهفة، والاحاسيس المشبعة بمعاناة النفس، فتحاكي الروح بكل ما يذكيها، وتنتشل الاحلام المختبئة في حناياها وتصقلها. وينساب اسلوبه بتحنان ورقة في دروب القلب وهذيان الروح، اين منه اسلوب المؤرخين القاطع المباشر الخالي من كل هذه التلاوين؟! انه فعلا لأمر مختلف. لذا سأتحدث عن مضمون ديوان :” من وحيها الابحار في عالم الوجود” تاركا الفنون الشعرية من موسيقى وقوافي واوزان وما الى ذلك لأهل الاختصاص.

قراءت ديوان:” من وحيها الابحار في عالم الوجود” اكثر من مرة فاذا بصديقي سليم فرنجي عاشق عفيف، متماه مع الذكريات حتى الذوبان، منغمس في الاحلام حتى الغرق، يسحره الليل بسكونه ونجومه المتلألئة المساهمة معه في قرض الشعر، وينعشه القمر الشاهد على ثمالته الروحية. جاءت قصائده مناجاة باكية ترحل الى ديار الحبيبة، تلك الحبيبة المختبئة في حنايا نفسه، المعشعشة في جوارحه، الحبيبة النقية الطاهرة العفيفة، التي يضن علينا بوصفها، فلا نعرف لها ثغرا يفتر، ولا شفاها تقبل، ولا وجنات تحمر من طيب غزل، ولا شعرا مغناجا ينسدل على الاكتاف وينسل اليه النسيم مداعبا ملاطفا متحسسا ملمسه، ولا قضا ممشوقا، ولا نعرف لها حزنا دامعا، ولا عتبا يستدر عطفا مغناجا تؤرقه تنهيدات حالمة. حبيبته لا تتحدث، لا تتفاعل مع تنهدات الحبيب. انما هي إلاه في خياله، يمتلكها وحده بما هي عليه لا يهم الشكل او الحديث. وتبلغ انانيته، في هذا الشأن، اقصى درجات التقطير، واسمى لواعج الحب.

لعمري انها مناجاة عذرية، حب افلاطوني غارق في الاحلام، يتلمس سليم عبره ماضيا له وحده، قد يكون بعيدا، لا ادري، قد يرقى الى ايام المراهقة او الصبى وظل مستعرا في خلجات خافقه حتى اليوم، كما قد يكون وليد الكهولة. انها قصائد قد يكون خربشها مراهق على صفحات القلب مذاك، وعشعشت، على توالي السنين، في خبايا الذاكرة. ثم عاد سليم وايقظها من صناديق النسيان، وألبسها حلة جديدة هي بعض من حلاوة الماضي ورصانة العمر. قد اكون مخطئا، وبعض الظن اثم، انما الظن في الحب حلم، يأخذك مع الاثير الى حيث تشتهي، بعيدا عن واقع  يجسد رتابة الحياة وقساوتها.

والبعض الاخر من قصائده ينضح رجاء وأملا واستعطافا. تفوح منه خشية على انقضاء العمر مسرعا. وتنتشي فيه لحظات من الحنين سكرى، تخشع في ثوب من قداسة، لأن لقاء الحبيبة والسمر معا، تحت افياء الحياء، ونظرات النجوم الغيورة، والكؤس المترنحة الناهلة من الدن المنهك المتأوه، يدفع سليما لأن يصدح نشوانا باسمى رعشات الحب، يكسوه دفء الاحلام. ورغم هذه اللوحة البديعة، واشتعال النار في حناياه تظل الحبيبة صامتة. وينصهر بعواطفه التي تعتصرها دامعة حمراء، لينشد:”ذكريه ان العمر لحظة حب… ومتعة الدن باكية.” وقد يكون هو الباكي الصامت الملتحف بالحبيبة!!

لا ادري من هي هذه الحبيبة الضائعة في الاحلام، سالبة روح شاعرنا، يفتش عنها ضائعا، فيتوه تارة مع الانجم، واخرى مع القمر، وثالثة مع الصباح، ورابعة مع الفجر، وخامسة مع الكأس والدن… كما مع فينان الشجر وغنجات الورود. ان سليما مستغرق في حلم يسلبه الماضي والحاضر، نشوان من سكرة الحب وظمآن الى رؤية الحبيبة، يمني النفس ان تماشيه في هذا النعيم الذي لا يقظة منه، ميتماهيا مع حبه الابدي السرمدي على حلاوة الحلم ومرارة الواقع.

وعلى الرغم من ان زيت الديوان يكاد ينضب، يستبد التعب بالقارئ حتى تتملكه الحيرة من القصائد الاحادية الجانب، ويزداد شغفا للتعرف بالحبيبة التي فجرت هذا الكم من الملكة الشعرية والعواطف المتآكلة ألما. فيتساءل أهي حقيقية ام افترضتها ربة الشعر؟ أرؤيتها ستظل حكرا عليه وحده؟ فتهيمن على القارئ مسحة ألم تنبثق من سماع انين سليم ومناجاته. وقد تعذره ربما لأنه زرع في حناياك المتوقدة ميزات من الحب العذري في زمن صار فيه بعض الحب ابتذالا. ومن خشيته عليها يلفها باحاسيه، ويمتص اريج حبها العابق بانفاسه. وتفتر على ثغره تبسامة رضا. ويبخل عليك مجددا حتى بابتسامة نقية طاهرة على مبسم منارة حياته، وهدفه ومبتغاه في الدنيا وفي الآخرة.

تتبدل حال صديقنا في القسم الاخير من الديوان، فتشوب قصائده مسحة تشاؤم، بل نقمة على الوجود فيترنح مناجيا:” نغيب شكلا ونبقى جوهرا لا يزول وتستمر مهزلة الوجود.” وهو لا يفصح عن معاناته في الحياة سوى في امتلاك حب الحبيبة. فهو ابدا حالم هائم من دون قرار. وعذرية الليل التي خربشها، في ما مضى، على صفحات قلبه تطل من جديد لتزيد في الاشواق احتداما، وتسرح مع الاثير لتصير سرابا. فيغفو صديقي سليم ولا يغفوا، يحلم ولا يحلم وكأن الواقع اقوى من حلمه، فيستفيق على الم تظلله رقة احلام الاطفال، وعذوبة آمال عفوية. وتستمر نفسه المعذبة تتغذى من خياله، من حبه، من تلاطم عواطفه، من سكرات مشاعره، من روعة الخيال السارح مع الانجم. ويستمد قوة متبقية من مشاعر جرحتها الايام، وعصرتها العواطف، وصهرها خافق يئن، وطيف حبيبة طال انتظارها. ومع ذلك يظل الشوق شوقا، والعتب يتلاشى، والسنون تنهش العمر والفؤاد تتآكله جراح عذبة.

وتفاجئني في اواخر الديوان مسحة جديدة اشد تشاؤما تصفع العمر، وتدمي الاحلام، وكأن الليل ما عاد ليلا، والنجومَ ذبلت، والقمر باخ لونه فاستتر، وانكسر الدن وانطفأت روحه، وتحطمت الكؤوس يأسا. انها نقمة على الوجود، وحالة تشاؤمية مرعبة. ينهار معها سليم معاتبا:” نغيب شكلا ونبقى جوهرا لا يزول وتستمر مهزلة الوجود.” ” وترحل عنا الى غير لقاء… ويضيف وترحلين…الى ديار ما لك فيها اهل اوصديق” ويزداد التشاؤم حتى يهتز الايمان “…ليس لي ماض ولا غد…ونضيع بين قائل بخلود وقائل بفناء.” ويبدو ان الالم الذي ينضح من جواره اتعب الأمل، فصار الشاعر خيالا هائما من دون قرار. وكأن الحب العذري المتجلي في معظم القصائد قد نال منه في نهاية المطاف، فاضاع الحبيبة، وصارت جرحا ثخينا اضناه فناجاها:” يا حبيبة خيالي وحقيقتي — افتش عنك في خواطري – وعوالمي غير المرئية.” ويفضي الى هذه الحبيبة والصديقة في آن باثقال قلبه ودموع جوارحه وعواطفه المتناقضة بابيات تبكي الحنين:” انت الزهرة الذابلة وانت الجمال – وانت الغنى والفقر والسؤال…الحكمة انت وحلم المشتهى.”

وخشيتي ان يكون سليم قد فقد الحبيبة الى الابد انتزعت من مقلتي دمعة كحلت هذه السطور بلفتة من القلب خاشعة. يا صديقي العزيز لا اثم في الحب العذري ولا ابتذال، فاحبب كما تشاء،  فالحب ان خشيناه او تماهينا معه سيبقى وحده سر الحياة وان فقدناه سيحتضر العمر وتذبل الروح.

ندوة ضياء مطر “لبنان في الفترة الانتقالية 1918-1920” كلمة الدكتور انطوان ضومط

ايها الحضور الكريم، في اطار المهرجان اللبناني للكتاب نخصص هذه الندوة لمناقشة كتاب الاستاذة ضياء مطر” لبنان في الفترة الانتقالية 1918-1920″. وهو في الاساس رسالة اعدت لنيل شهادة الكفاءة في كلية التربية – الجامعة اللبنانية، عام 1972. ناقشتها لجنة تألفت من الدكتور فؤاد افرام البستاني مشرفا، الدكتور جان شرف قارئا. تغمّد الله الثلاثة برحمته.

اليوم قد يتراءى للبعض ان الموضوع اشبع درسا وتمحيصا، وقد لا يقدم باحثه جديدا، انما  عودة عام 1972 تجعلنا ندرك مدى صعوبة الحصول على المعلومات الضرورية، لا سيما وان الولوج الى ارشيفات الدول الاوروبية، التي تحتضن المعلومات الغنية والضرورية لم يكن ويوم ذاك امرا سهلا. ولم  يكن مطلوب من طلاب الكفاءة بذل جهود تتعدى المستوى المطلوب، التي لم تلتزم به ضيا وتجاوزته. ونحن كمؤرخين ندرك ان الحدث لا يدرس الا في زمانه ومكانه وظروفه، وبالتالي ينطبق الامر عينه على تقويم المؤلفات. اضف الى ذلك انه اثر عن الدكتور فؤاد افرام بستاني اختزانه كما هائلا من معلومات، وغنى في معرفة مصادرها. واشتهر الدكتور جان شرف، الى جانب ثقافته العالية، بمنهج صارم.

لقد استوقفني في هذا الكتاب اكثرُ من معلومة تفتقر اليها الكتب ذات الصلة الصادرة حديثا. لعل ابرزها الخطة التي وضعتها الحملة الفرنسية عام 1861 مقترحة حدودا للبنان المتصرفية تشتمل على ما يعرف بالاقضية الاربعة، اي لبنان الحالي. وردت الاستاذة ضيا فشل المشروع الى معارضة العثمانيين له رغبة منهم بتجويع اللبنانيين. ثم ذكرت حدود المتصرفية بدقة ارقاما ومناطق، وتقسيمات ادارية؛ فعرّفت بالقائمقاميات السبع التي تألفت منها، وحددت ما كان يتبع كل منها من مديريات.

تناولت الباحثة الاوضاع السياسية منذ انهزام الاتراك في الحرب العالمية الاولى، مركزة على المحادثات المحلية والاقليمية ذات الصلة. واعتبرت ان سيطرة الفرنسيين لم تكن محبة مطلقة باللبنانيين لتخليصهم من النير العثماني، بقدر ما كانت ارادة سياسية لتحقيق مصالحهم الاساسية في المشرق العربي. لذلك اصدروا تعيينات ادارية رئيسة ذكرت الباحثة اسماء الموظفين الفرنسيين الذين تبوؤها في كل ادارة. ونحن لا نقع على هذه الِجدّة الا فيما ندر من الكتب. وانتقلت الى محادثات حسين –مكماهون، فاتفاق فيصل كليمنصو، وردّات الفعل عليه من قبل اللبنانيين ومن المؤتر السوري العام بالمقررات النارية التي اصدرها.

ادت اتفاقية سايكس –بيكو، وفق تقديرها، وهذا صحيح، الى صراع سياسي فرنسي بريطاني حين بوشر في تطبيقها، بحيث تشابكت وتعارضت في ما بينهما من جهة، ومصالح الدولتين مع الاوضاع الدولية والاقليمية المتربة عليها من ناحية ثانية، واثرت تأثيرا مباشرا على الاوضاع اللبنانية الداخلية. ما حدا بمجلس ادارة المتصرفية الى ارسال ثلاثة وفود الى مؤتمر الصلح للمطالبة بتوسيع حدود المتصرفية وانشاء دولة لبنان الكبير. من دون ان تغفل عن الظروف الدافعة لارسال كل وفد، وردات الفعل عليه في الداخل اللبناني، او من قبل السوريين. واعتبرت ان موقف الاميركيين من سايكس-بيكو ادى الى ارسال لجنة كينغ-كراين للوقوف على آراء الناس من الاتفاقية. وبحثت باتقان اتفاق لويد جورج-كليمنصو الذي مهد لاتفاق فيصل كليمنصو. وبالتالي تناولت الظروف الدولية والاقليمية والداخلية اللبنانية والسورية التي اسهمت بعقد مؤتر سان ريمو الذي انبثق منه الانتداب. وعرضت لموقف اللبنانيين والسوريين من تطبيقه، وانتقام الفرنسيين ممن  عارضه في البلدين، التي انتهت بمعركة ميسلون وخروج الامير فيصل من المعادلة السورية. وتلى ذلك اعلان دولة لبنان الكبير في 1 ايلول 1920 وردات الفعل اللبنانية والسورية عليه.

ايها الاصدقاء، ان هذا التنسيق والترابط في المعلومات، ودقة الملاحظة يعطي هذه الرسالة -الكتاب اهمية خاصة، لا لقيمته العلمية منهجا ومضمونا فحسب، انما ايضا لمنزلته الرفيعة عند اهل ضيا لا سيما اخيها  سهيل مطر، وهو الاستاذ الجامعي الذي يميز بين الغث والثمين. فانتشل ثمين ضيا من صناديق النسيان،  ونفح فيه حياةً تعانق طيب الروح ورضى الضمير، تخليد لذكرى اخت حبيبة كانت ذات يوم مشؤوم من عام 1983 متوجهة بسيارتها الى عملها ترافقها اختها حين سحقتهما شاحنة سلبتهما ريعان الشباب بوحشية لا توصف. وما هذا الكتاب الا عناق الاحبة تحت افياء الاخوة، وحنين الى ماضى عابق باريج سنين يتنازعها فرح وألم. انه صدى لوفاء لم تنل من عزيمته السنوات الخمس والثلاثون الماضية.

يا صديقي، ان لم تعتمر الحياة بصدق الوفاء، وعذوبة المحبة، وتواضع الذات، واحترام الثقافة، فهي ىتظل ابدا تسير حائرة بدائرة الفراغ والعبثية. ودمعة العين مهما كانت ثخينةً، فهي اعجز من ان تضاهي سكرات قلب متألم تنزف انقباضاته موجات حزن من الكِبر خافتة.

ادارةندوة انطوان حكيم من متصرفية جبل لبنان الى دولة لبنان الكبير 1914-1920

قد يتبادر الى الذهن ان مرضوع الكتاب” من متصرفية الجبل الى دولة لبنان الكبير1914-1920″ قد اشبع درسا وتمحيصا، وما الموجب لاعادة تكرار الحوادث والعناوين؟! انها سقطة المتسرعين باصدار الاحكام قبل التبحر بالكتاب منهجا ومضمونا. فالتأريخ لا يقتصر على المعلومات الشائعة وحدِها، انما ينبثق من ذات المؤرخ بمنهجه ونظرته الى الماضي. فمنهم من يدرس الحدث باحاديته وظروفه الضيقة، وآخرون يضيفون عليه ابعادا اقليمية محدودة، وفريق ثالث يصوغه ضمن الاطر كلها فيصير الحدث قائما بذاته تتمحور حوله كل المؤثرات، ويتصدرها جميعها، ويتفاعل معها فتتشارك كلها في بلورة نظرة المؤرخ الى الماضي. وهي نظرة هادفة للاتعاظ وتجنب السقوط في الاخطاء. ويزعم البعض ان التاريخ يعيد نفسه، وهذا خطأ شائع. ففي التاريخ ثوابت؛ كالصراع بين الظلم والعدالة، والحرية والاضطهاد، والصراع بين المذاهب والاديان، والغنى والفقر. لذلك فالتاريخ لا يعيد نفسه انما يحدث اعادات لثوابته ولا يكرر احداثه ، فلكل حدث ظروفِه وزمانِه ومكانه، وهي بلا شك غير متطابقة.

على هذا، لن يقدم الباحث جديدا اذا اعتمد فقط على ما درس وقد يكون بعضه متلون بنظرات المؤرخين وانسياق بعضهم في تيارات سياسية محددة. فهو يعتمد عليها لتساعدَه في فهم اعمق لموضوعه الاساسي. ويحتل هنا النقد والدقة والتجرد، على ضوء الوثائق الجديدة، دورا مركزيا.

لن اطيل في تلاوين التأريخ، انما من يتصفح فقط لائحة المصادر والمراجع في نهاية كتاب الدكتور حكيم يستوقفه غناها ففيها اولا: الارشيف المستلة منه وثائق غير منشورة، ثانيا: قراءة متأنية لوثائق منشورة بالعربية والانكليزية والفرنسية، وهذا يعني ضمنا نقضا لبعض المراجع التي اعتمدت عليها وأولتها سياسيا وليس منهجيا. وثالثا: المذكرات والشهادات بالعربية والفرنسية، واخيرا كتب ومقالات بالعربية والفرنسية والانكليزية.

اذا كانت متصرفية جبل لبنان تعتبر مفصلا تاريخيا كتجربة رائدة في الحياة السياسية في المشرق العربي الذي كان ولايات ملحقة بالسلطنة العثمانية. فان التجربة اللبنانية الثانية تمثلت بقيام دولة لبنان الكبير عام 1920. وشابت المسارين الحدثين عثرات كثيرة بل عقبات تمحضت عنها ازمات مضنية.

فمنذ دخول الثمانيون الحرب الى جانب ألمانيا تسارعت وتيرة الاحداث في المتصرفية، وما عاد الاتراك يأبهون بمن يضمن نظامها الاساسي (البروتوكول) فخرقوه واعتبروه نابعا من قوانين عثمانية داخلية فقط. واحتلوا الجبل، وحكموه حكما دكتاتوريا مباشرا. وتركوا مجلس ادارة المتصرفية يعمل على الطريقة العثمانية. وانتجت مشاريع الحلفاء البريطانية والفرنسية والروسية الحربية حصارا بحريا على السواحل العثمانية لمنع وصول الامدادات الى جبهة السويس التي حشد فيها العثمانيون قوة كبيرة لتهديد قناة السويس بمحاولة للسيطرة عليها واخراج الانكليز منها. ونشطت حرب الغواصات الألمانية في المتوسط لتزيد في الاوضاع عقدا. فعانى اللبنانيون، لا سيما سكان الجبل، جراء صراعات الدول الكبرى حصارا بحريا، ووآزرهم العثمانيون بآخر بري بهدف القضاء على اللبنانيين على حد تعبير انور باشا. واجتاحت جحافل من الجراد لبنان لتزيد في بؤس اللبنانيين فعانوا مجاعة مرعبة.

في هذه الاثناء كان الحلفاء يتجاذبون مشاريع اقتسام السلطنة العثمانية؛ بين رغبات روسية بالحصول على البسفور والدردنيل والقسطنطينية، ومحادثات حسين مكماهون الهادفة لتحديد مصير العرب، الى اتفاقية سايكس بيكو، واتفاق سان جان دو موريين de Maurienne لحصول ايطاليا على اضاليا. ويتبدى لك وانت تقرأ المحادثات ان اطرافها جلسون على طاولة واحدة يتحاورون ويتناقشون.

مكنت خسارة العثمانيين الحرب الحلفاء من تطبيق الاتفاقات المعقودة بينهم. وكان لا بد من تحقيق ما جاء في التصريح البريطاني الى السبعة اي ” ان الشعوب المضطهدة في هذه الاراضي – اي الاراضي السورية اللبنانية بما فيها المتصرفية- يجب ان تفوز بالحرية والاستقلال.” انما الحكومة العربية في سوريا برئاسة الامير علي باشا الجزائري بسطت نفوذها على لبنان بما فيه المتصرفية واحدثت ارباكا داخليا لا سيما عند المسيحيين. انما دخول الجنرال أللمبي والامير فيصل الى دمشق ادى الى طرد الجزائريين والى اشكال مع الفرنسيين الذين كانوا يصرون على الحكومة الانكليزية لتنفيذ اتفاقية سايكس –بيكو. وشجعوا اللبنانيين في الوقت عينه للقبول بقيام دولة واحدة تضم بيروت وطرابلس والبقاع والمتصرفية.

ولطمأنة الرئيس ولسن وتخدير العرب المنفصلين عن العثمانيين اصدر الفرنسيون والانكليز تصريحا مشتركا مما جاء فيه:” لا تسعى الدولتان الى فرض اية مؤسسات على هؤلاء …وهاجسهما تأمين انتظام العمل في الحكومات التي يختارونها بانفسهم.”

لم ينته الصراع بين الاميرين فيصل المدعوم من الانكليز ومحمد سعيد الجزائري القريب من الفرنسيين، الراغبيْن بالفوز بعرش سوريا، الا باعتقال الانكليز للاخير ونفيه الى مصر. لتبدأ مرحلة جديدة من صراع  الكبار شكل مؤتمر الصلح مسرحا له والوفود اللبنانية ولجنة كينغ-كراين بعضا من مستلزماته.

حاول الفرنسيون التعاون مع فيصل اعتقادا منهم انه وحده يستطيع اقناع السوريين بقبول الانتداب الفرنسي، لأن التيار القومي كان يقف بشراسة ضد اي مشروع لا يحقق اماني الشعب السوري. وجهدوا لكسب ود المسلمين ادراكا منهم انها لعبة طواءف ومذاهب، فالعالم العربي كان ولماّ يزل غارقا في اشكالية صراع الطوائف، ونأمل ان يستيقظ يوما من هذا السبات المخيف.

ارسل مجلس ادارة المتصرفية ثلاثة وفدا الى مؤتمر الصلح طالبت مساعدة الفرنسيين بتوسيع الحدود والاستقلال، وقيام مجلس نيابي على النسبية. ونظم هذا المجلس مع الاكليروس الماروني وبمشاركة البلديات حملة حقيقية ضد هيمنة الامير فيصل على مجريات الامور السياسية التي كانت تشكل تهديدا حقيقيا لمطالب اللبنانيين. وعلى الرغم من النجاح الذي حققه الوفد الثاني ظل القلق مسيطرا على اللبنانيين بسب رفض السوريين مشروع دولة لبنان الكبير. وفي ربيع 1919 بلغ الخلاف الفرنسي الانكليزي ذروته، ومنعا لحصول الأسوأ حدّ الانكليز من دعمهم لفيصل، الذي وجد نفسه مضطرا لمفاوضة الفرنسيين. وحصل اتفاق فيصل كليمنصو، الذي رد عليه المؤتمر السوري في 7آذار 1920 بقرارات نارية فاعلن باجماع اعضائه استقلال سوريا الطبيعية، ومراعاة اماني اللبنانيين الوطنية المتعلقة بلبنان بحدوده. اعتبر الانكيز والفرنسيون قراراته باطلة لأنهم هم من حرر الارض ووحدهم المخولون تقرير مصيرها. وتأكيدا على لا شرعية المؤتمر السوري رفض الجنرال غورو صحة نسب التمثيل في المؤتمر؛ 13 مندوبا لتمثيل مائتا ألف سني، ومندوب واحد لتمثيل مائة ألف شيعي، و3 مندوبين لتمثيل 15000مسيحي، ولم يتمثل لبنان باي مندوب. كما احتج مجلس ادارة المتصرفية والبطرييرك الياس الحويك والمغتربين اللبنانيين لدى مؤتمر الصلح على تدخل المؤتمر السوري بشؤون لبنان. ومع قلق اللبنانيين على مصيرهم ازاء ما ورد في مؤتمر الصلح لا سيما ما جاء في مقدمة القرارات:” الذي يعطي الحق للشعوب العربية المستقرة على الارض السورية بان تتحد لتحكم نفسها بنفسها، بصفتها تشكل امة مستقلة.” ارسل مجلس الادارة وفدا ثالثا الى مؤتمر الصلح.

فرض مؤتمر سان ريمو 1920 الانتداب على البلاد التي انفصلت عن الدولة العثمانية، فجاءت ردات الفعل عليه عنيفة من العرب الذين اعتبروا انفسهم في حالة حضارية تسمح لهم حكم انفسهم بانفسهم، ولأنه يشكل خطرا على سيادتهم، ورفضوا ايضا فصل فلسطين عن سوريا. واتهم الوطنيون السوريون العناصر المعتدلة في الحكومة بالخيانة.

حاول روبير دو كاي de Caix امين عام المفوضية الفرنسية اقناع اعضاء الوفد اللبناني في باريس بالتخلي عن ضم بيروت وطرابلس وتحلويلهما الى ادارتين بلديتين، فيرضي بذلك السنة فيهما والسوريين في آن معا. انما من دون جدوى. وباتت المواجهة حتمية بين الفرنسيين والوطنيين السوريين بعد ان فشلت كل الحلول السياسية.ثم حصلت موقعة ميسلون وانتهى حكم الامير فيصل. واعلن غورو في 1 ايلول 1920 انشاء دولة لبنان الكبير.

لن ادخل في تقويم الكتاب، على الرغم من رغبتي الجامحة، لأنه من شأن الزميلين العميدين عبد الرؤوف سنو وجورج شرف. ولأن دوري يقتصر على فتح نوافذ على موضوعه.           

تكريم نعيم ضومط

في اطار المهرجان اللبناني للكتاب نكرم اليوم النحات نعيم ضومط

ايها الحضور الكريم

منصات كثيرة اعتليت، من دون ان يرهبَني موقف، او تجنح بي العواطف، اما اليوم فآمل الا يكون الوضع مختلفا، فمن نكرمه تربطني به قرابةٌ، وجيرةٌ، وطفولةٌ، وشبابٌ، ورفقةُ عمر. وبالتالي تحدوني استعادات من الماضي، تتقاطع فيها عواطف تحمل من الاخوة الشيئَ الكثير، ومن الزمالة ورفقة الدرب محطاتٍ وتعرجاتٍ، واحلاما طفولية، وشغفَ شباب بالمغامرة.

  في قرية شوفية وادعة تعانقها تلال خجولة، وتزينها كروم متنوعة، وتوشّحها بساتين زيتون تشهد على تجذرها ايكاتٌ احد لا يعرف سنييَ عمرها. ويغازلها البحرُ المنساب بعيدا فتخالَ الافقَ سرابا. في المغيرية ولد نعيم حبيب ضومط في 14 أب 1941، في بيت متواضع. هو اوسط اخويه واختيه، اعالهم والد بنّاء (معلم عمار)، كانت ترفده ارض زراعية ببعض المساعدة. انهى المرحلة الابتدائية في مدرستها، التي لم تعدُ غرفتين متلاصقتين، توزَعها مدرسون ثلاثة: وديع العكاوي، عبد الحفيظ سعد، وعلي حسن سعد، شابهت في بعض مداليلها مدرسةَ تحت السنديانة. وتضمنت مقررات التدريس، او هكذا شاء مدرسوها، ان يحفظ الطلاب المسلمون آيات قرآنيةً عن ظهر قلب، ودفعت سرعة نعيم بحفظها، من دون ان يكون ملزما بذلك، الاستاذ عبد الحفيظ الايعاز اليه مساعدة تلامذة مسلمين كانوا يتعثرون بحفظها. فكان ذلك دلالةً على ذاكرة امينة ويقظة، اثر عنه ايضا سرعةَ البديهة، وتوقدَ الذهن، وحسن الادراك. في عام 1955 حاز الشهادة الابتدائية، فكوفئ بساعة يد، ضاهت منزلتهتا انذاك جائزة كبرى. ولاستكمال دراسته انتقل الى صيدا، التي لم يمكث فيها الا سنة واحدة، لتنتهي مرحلة اولى من مسيرته المدرسية.

ايها الاصدقاء، استعيد زمنا غبر، فاذا السنون تتراكم مسرعة العد، ولا تتثاقل خطاها رأفة بالعمر المتقدم، او تماشيا معه. واذ احنّ اليه، آملا استعادة مشاهدَ عبرت، يعصو عليّ منها ما سجنته صناديق النسيان باحكام، وافتنّ بما حفر في حنايا الذاكرة مطارح استكان فيها، خاشعا لوفائه، فهو مؤنسي كلما عبر الحنين الى خبايا الماضي. ذاك الماضي العذب بمجمله، المخدوش رونقه بوخزات مرارة، ومنه استوحي في هذه العجالة بعضا مما عايشته مع نعيم. اعود بالزمن الى نيف وستة عقود حينما كنا اولادا، نتوق الى اللعب، ويظلل الطيش ما اتيح له في مجال رغباتنا واهوائنا. في ذاك الزمن الغابر حُجزنا اخي وانا في كرم نحرسه، كرم ناء عن القرية يشرف على واد يحتضن فيى حناياه نهرا تجّف مياهه منذ اواسط الربيع فسمي ” بو اليابس”. كنا ندرس، نلعب، نصرخ، ونتشاجر، ولا من مؤنس سوى صدى الوادي، واصواتِ الرعيان، واحيانا بعض احاديثِ ومشاحناتِ مالكي الكروم المجاورة. كانت نهارات الصيف الطويلة تنال من صبرنا، وتضعف عزائمنا نحن الصغيرين. نعيم وحده، من نكرمه اليوم، كان يكسر تلك الرتابة، ويعيدنا الى عالم الاولاد الموشّح بالفرح، والمحمول ببرأة اللهو. كان احيانا يحمل الينا الطعام، ويلعب معنا، وغالبا يقصدنا لنلهو فقط. به كنا نستعين لصناعة الالعاب لافتقارنا اليها جاهزة، بعجن التراب بالماء وصنع ما تيسر من حيوانات ومعدات زراعية استعرناها من المحيط القروي. كان انتاجه غايةً بالدقة والجمال والتناسق، وما كنا ندري من اين يستمد تلك المهارة، ولماذا نحن نعجز عن مجاراته؟! فحماره يكاد ينهق، وبقرته تخور…!؟ ما أشّر على براعته في النحت. وقد يجهل بعضنا  ان صب البرونز يبدأ بعجن الطين، الذي يُشكَّل (يعطى شكلا) ويصنع له قالبا، واخيرا يصب البرونز. اما براعته بنحت الخشب، المتميز به اليوم، فبدأت بصناعة النقيفة، التي تميزت بدقة قوصها وتناسقِه، وتوازنِه، ونعومةِ ملمسه، وجماله. كان بارعا بالرماية بها، فقلما تفوّق عليه اخواه واترابُه ممن كانوا يصطادون بالبندقية، فغلته كانت اجمالا الاغنى. ان نعيما الذي اعرفه ذكي، خلّاق، دائم الحركة، ينزع بطبعه الى الابداع، ثاقب النظر، دقيق جدا في مواعيده وإلتزاماته، ماهر في الالعاب اليدوية  لا سيما التي تتطلب اتقانا.

 كنا اخي وانا ننتظر منقذنا من الفراغ القاتل بصبر نافذ، اللاعب الاضافي غير العادي المبدع افكارا واساليب، الثائرَ على الرتابة، والنازعَ ابدا الى ابعادنا عن هم حراسة الكرم، باستيلاد الجديد من الالعاب وطرق اللهو. سأكتفي بذكر حادثة واحدة فقط: ذات يوم قررنا طرد الذنابير(الدبابير) من عش ابتنته قريبا من عرزالنا، الذي كان مأوانا ومرتَعنا، ومظللَنا بفيئه، لأنها كانت مصدر ازعاج، وتهدد سلامتنا باستمرار، ومدفوعين بحب المغامرة. فطاردناها نحن الثلاثة متسلحين بشلوح من الوزال، من دون ان نفلح بالانتصار التام، وعلى الرغم من الخوف من لسعاتها، كنا نركض، ونصرخ، ونغني والسعادة تغمرنا. لم يكن نعيم يوما متسرعا، بل متبصرا بالامور، متبحرا بها، يخطط، ثم ينفذ. فبعد ايام عدة من الكر والفر مع الذنابير، اطل علينا من بعيد مسرعا، صائحا وجدت الحل. فقد لفّ باحكام قطعة قماش قديمة على عود غليظ نسبيا، واصطاد بحجر من نقيفته الدبور حارس المدخل، ثم اقفلنا منفذها الوحيد. وهكذا انتصرنا مؤقتا لأن الزنابير افلحت بفتح مخرجٍ آخر.

ايها الحضور الكريم انها بعض من ذكريات طفولة من نكرّم، قد تبدو اخبارا عاديةً في الشكل، مسليةً، يكتنفها فرح الاولاد الثائرين الغاضبين، التواقين الى الافضل والانسب وفق معاييرهم. انما مضمونها يختزن ملامحَ من شخصيته؛ الحنكةَ، والشجاعةَ، دقةَ الصنع وتناسقَه، الابتكارَ والذكاَء، الوفاء، والتواضع. وأشَّرت جميعُها على موهبة دفينة تختلج في اعماقه، وتنتظر من  يوقظها.

يا اصدقاء نعيم، رب صدفة خير من ميعاد، او ضارة نافعة. احدث زلزال 1956، دمارا كبيرا لا سيما في قضاء الشوف وجواره. واعتقد اهلُنا ان المدارس في صيدا لن تتمكن من فتح ابوابهِا لما اصاب بعضَها من تصدع، فانتقلنا نحن الثلاثة وآخرون من قريتنا الى مدرسة الدامور الرسمية التي لم تصب باذى. ومن حسن حظ نعيم كانت الغرفة التي سكنّاها تجاور بيت الرسام المبدع ميشال عقل المقعد، فتعرفنا به عن طريق ابني اخيه شديد وايلي، من كنا نلعب معهما. وكأن نعيما وجد ضالته فصار يقصده باستمرار، مستوضحا امورا تتعلق بتقنيات الرسم. فآنس به ميشال واخضعه الى نوع من امتحان  اكتشف من خلاله موهبته بالرسم، فاعجب به، ولقنه مبادئ اساسية في هذا الفن. شغف نعيم بالرسم حتى الثمالة، واهمل نسبيا دروسه المدرسية، لاسيما المواد العلمية، التي لم يكن على وفاق معها. بلغ به الشغف درجة جعلته يترصّدَني، بينما كنت ادرس يكبّ على الرسم، مقتنصا بعض وضعياتي: مستلقيا، او جالسا على كرسي، او غير ذلك، ويستميحني عذرا الاّ اتحرك ليكملَ المشهد، او الصورة.

كثيرون حتى اقرب المقربين اليه لا يعرفون انه كان يستثيغ الشعر، ويقرض بعضه باللغة العامية، واعتقد انه فرّط بهذه الملكة. ذات مرة طلب استاذنا الشاعر انطوان عون، من تلامذة صفنا كتابة قصة فلاح، او اي موضوع نرغب به، نثرا او شعرا، فصيحا او بالعامية، ودهشنا جميعنا عندما طلب الاستاذ عون من نعيم القاء قصيدته امامنا جميعنا، لأنها حازت على اعجابه.

بما انه لم يكن بارعا جدا في المدرسة، وتأمينا لمستقبله، اشار عليه والده الالتحاق باحد الاسلاك العسكرية، ولكن اخاه البكر اسعد، الذي كان ما يزال مدرسا في مديرية التعليم الابتدائي، قبل ان يصبح مفتشا اداريا عاما، اخذه على عاتقه، على رغم تواضع راتبه، وادخله معهد ألكسي بطرس -جامعة الألبا اليوم-. هناك عاش عالمه المنشود، واجتهد بتحقيق امنياته، فلم يكتف بدراسة المقررات المطلوبة، بل تعداها الى مراجع اخرى؛ فنهل الكثير الكثير من تاريخ الرسم والنحت، واصولِه، وانواعِه، وتطورِه، وتعمّق بدراسة اشهر الرسامين والنحاتين العالميين، مكونا ثقافة فنية عامة غنية، انعكست ايجابا على شخصيته، وزادت ثقته بنفسه. فمخر عباب عالم الفن من دون الالتفات الى الوراء.

لاحت في الافق فرصةٌ نادرة، بتقديم وزارة التربية الوطنية اربع منح للتخصص في الخارج: للرسم، والنحت، والحفر، والموسيقى. ما اتاح الفرصة لكل راغب الاشتراك في المباراة، بمن فيهم من درسوا في المعاهد الاوروبية، او نالوا منحا من السفارات، والمجازون في هذا الميدان. ما افقد المساواة بين المتبارين. ادهش نعيم بعض الفنانين الكبار واساتذتِه، بحلوله في المرتبة الاولى.

سافر الى ايطاليا، بادئا رحلة العمر في الميدان الذي طالما طمح به. وللقبول في الجامعة خضع هو وثلاثة عشر طالبا آخرين ينتمون الى دول مختلفة، لامتحان قبول عن طريق الدراسة في محترف باشراف استاذ متخصص على مدى شهرين يخضعون جميعهم لامتحانات متلاحقة. رسب اربعة منهم، واجتازها نعيم بسرعة فائقة، وببراعة ادهشت استاذه، الذي اعفاه من تحصيل السنة الاولى، فتسجل مباشرة في السنة الثانية. وعاد متخصصا بنحت الخشب والحجر معا، ولكل منهما خاصاتُه وتقنياتُه. وبدأ حياته المهنية بالتعليم في مدرسة البشارة الارثوذكسية في الاشرفية، وفي دار المعلمين والمعلمات في الاشرفية ايضا، وفي كلية الفنون في الجامعة اللبنانية، وعدد من الجامعات الخاصة.

ايها الاصدقاء ان تكريم مبدع هو فعلُ ايمان حضاري، وصلاةُ مثقفين خاشعة نرفعها على مذبح الخالدين، واليوم هو انحناء لتزاوج ابداعي لاحاسيس مرهفة مع الألوان، ووفاء لازميل لا يعرف الكلل، ينفث حياة في الحجر الجامد، الاصم، ويرقص عشقا على اجساد اخشاب صلبة فيطوعها، وتستحيلَ جميعها اشكالاً رائعة تنبض بشتى الاحاسيس؛ الباسمة، الحزينة، الفرحة… وتحاكي مشاعر الناظر اليها وتذكيها، فتختال رقة حينا، وحياء حينا آخر، وجرأة مرة ثالثة، وتروي حكاياتٍ مغناجةً باساليب فنيةٍ رائعة، ترقى بناحتها الى عالم المبدعين الخالدين.

جوزيف ابي ضاهر

احار ايَّ لقب اسبغ على جوزيف ابي ضاهر: الشاعر، الصحافي، الاعلامي، الرسام، النحات، المسرحي، السيناريست، او الناشر، ولعل مناداتَه ب”الصديق” يجنبني الاحراج في الاختيار. بدأ عمله الصحافي في مجلة الدبور ثم صار رئيس تحريرها. كتب مقالات بانتظام في عدد من الصحف والمجلات اللبنانية. واسس عددا من المجلات ودور النشر من ابرزها دار كنعان 1975-2001، واشرف على منشورات اكثر من دار. شارك ولمّا يزل في عدد من المحافل الادبية والفنية، وانضم الى بعضها اذكر منها: جمعية الملحنين وناشري الموسيقى منذ العام 1985، ونقابة الفنانين المحترفين… وامين سر عصبة الشعر اللبناني…

جوزيف ابي ضاهر شاعر مرهف الاحساس، نظم اغنيات لعدد من المشاهير كوديع الصافي، وتجاوزت دواوينه الثلاثين، وكتبه السبعين، تُرجم بعضها الى الانكليزية والفرنسية، اذكر منها “ع البركة” و”يوميات في المنفى” الذي صدر بالانكليزية وترجم الى الفرنسية. ولعل “موسوعة الزجل اللبناني”احدى اهم الانجازات في مضمارها. له اياد بيضاء في حقلي التلفيزيون والاذاعة اذ ارْبت حلقاته على ستة آلاف حلقة.

تخطى خياله المرهف تلك العوالم، على اهميتها، الى فني الرسم والنحت، وابدع بهما، فقد شارك في عدد من المعارض المحلية والعالمية: في البرازيل واستراليا وغيرهما. واستحق عددا من الاوسمة والجوائز، لعل ابرزها: وسام المؤسسة الفرنسية للتشجيع على التقدم. ونأمل ان يحظى باوسمة ويكرّم على اعلى المستويات في لبنان. فمن يبدع في هذه الميادين كافة لعمري هو انسان فذّ وخلاّق.