ندوة ميشال عاصي  

    ادارة د. انطوان ضومط

ان نكرّم مثقفا هي صلاة نرفعها على مذبح الحضارة، فنتماها معه سيرة ذاتية تتوجها هامة ثقافية فذة، هو فعل ايمان بالثقافة ودورها الريادي في محاكاة شعور الناس، هو خشوع للمعرفة واهلها واجلال للفكر. هو تعبير عن ذواتنا في ذاتية المثقف، وتكريم لانسانيتنا في عالم بدأ يفقد معاني الانسانية، انه حضور العقل في عالم الفكر يحفّزنا للكد والجد.

ايها الاصدقاء، ان تكريم المثقف واجب علينا نحن اهل الثقافة لنفيه بعضا من حقه على المجتمع والوطن بل على العالم، بتسليط الضوء على مساهماته الحضارية، وبالتبحر في انتاجه الفكري ليأنسَ في حنايا نفوسنا، ويرتعَ في خبايا عقولنا خميرة تحفّزنا لاكمال دربه وتطوير مرتكزاته  الفكرية. من حقه علينا ان يهدى ابحاثا باقلام مثقفين ارتبطوا به بمنازل وعلائق متنوّعة. انها لعمري اروع هدية تختزن محبة وتقديرا مستديمين

واذا كان التكريم، الذي يحتفل به ارباب الدولة، تخليدا لذكرى المحتفى به فان آليته البرتوكولية الرسمية، على اهميتها، تظل في اطارها الرمزي، ولن تضاهي ابدا احتفالا ثقافيا يجهد المشاركون به في تبيان مساهمات المكرم الفكرية ودورها الحضاري شأن ندوتنا اليوم نتذكر فيها ميشال عاصي، وننحني اجلالا له، لمثقف فذ من بلادي، ونقدم له تحية نابعة من قلب صادق، واقلام بارعة.

ايها الاصدقاء، ولد ميشال عاصي عام 1927 في بيئة مدينية ريفية، في زحلة يوم كانت بعد ترتقي سلم المدينة (لتصبح مدينة) مثابرة على التمسك بمآثر القرية اللبنانية، عاش في بيئة فقيرة تصارع البؤس، وتعارك العوز، وتسرق الاود من الحرمان، ما جعل ميشال عاصي يتنقل بين عدد من مدارس حيه في الحارة التحتا او القريبة منه الى ان استقر في الكلية الشرقية ونال فيها سقف التعليم في البقاع اذاك عنيت (البكالوريا القسم الاول).

وبما ان الطموح حدوده الفراغ دأب ميشال عاصي يجهد لتحقيق ذاته، فلم يقعده الفقر والعوز عن متابعة دراسته، ولم يخجل، تحقيقا لهذه الغاية السامية، من ممارسة اي مهنة شريفة؛ فقد ارتضى ان يكون صبي حلاق وحداد واللحام… عمل ايضا ولثلاث سنوات متتالية سائق سيارات على اختلاف انواعها واحجامها متنقلا بين زحلة وبيروت ودمشق، فجمع مبلغا من المال جعله يعيش صراعا داخليا مريرا: ايركن الى المهنة المحدودة المستقبل بما تدر عليه من ارباح آنية، او ينخرط في عالم الدراسة الرحب المؤدي الى الافق الثقافي اللامحدود؟ وقد قال عن معاناته تلك:” اعتقد ان قدري هو الصراع الدائم بين الغاية والوسيلة، بين الهدف والطريق المؤدية اليه.” فاختار الطريق الاصعب وأللاذَ مذاقا، مزاوجا بين الدراسة ومهنة التعليم فنال البكالوريا القسم الثاني.ثم اجتاز بنجاح امتحان دار المعلمين العالي (كلية التربية الحالية). وادرك ان مهنة استاذ تعليم ثانوي ليست الا محطة يرتاح فيها ريثما يمكنه وضعه المالي مجددا من ارتقاء درجات اضافية على سلم التعلم والثقافة غير المحدودين. ولما اختبر التعليم وجد ان اساليبه وطرقه لا تتوازى مع اهدافه البعيدة، فعبّر عن تلك التجربة المريرة قائلا:” ولا اغالي ان قلت ان آفة التعليم في بلادنا هي كونه يفصل بين الواقع المعيوش والنظريات المطروحة.”.

وظلّ طموحُه وشغفُه بالثقافة حتى الادمان يحفّزانه للارتقاء سلم التعليم، وللغرف من عالم المعرفة ليغدو بدوره مرجعا معرفيا. وكان يعتقد ان الجامعات الفرنسية تؤمّن الكسب الثقافي والغنى الحضاري فجهد للالتحاق باحداها. وبعد لأي مضن مشفوع بالوساطات السياسية اجتاز مصاعب المعاملات الادارية وسافر مع قرينته فرقد الى فرنسا حيث نال دكتوراه في الادب العربي باشراف المستشرق العلامة شار بلاّ، وعاد بها الى بيروت يصارع للتدريس في الجامعة اللبنانية، ويعارك فيما بعد للدخول الى ملاكها التعليمي. الى ان حقق الاثنين معا وصار عميدا لكلية التربية، ومن ثم رئيسا للجامعة اللبنانية بالتكليف.

ايها الاصدقاء لن ادخل في مشاكل واشكاليات العلاقة بين الجامعة اللبنانية والسلطة السياسية ضنا مني بالوقت المحدد لي بخاصة انني متهم دائما بتجاوز دوري كرئيس للجلسات الى منتد فيها. انما سأقول فقط انها علاقة جدلية بين افقين متعارضين على المستويين الثقافي التعليمي والمادي، وان مجلس الوزراء ما يزال حتى اليوم يسطو على استقلال الجامعة الاكاديمي والاداري والمالي، وبالتالي فهل كان بمقدور ميشال عاصي بين تموز 1988 وحزيران 1991 ان يمارس مسؤولياته الجسام المثقلة بما كان يرتبه الوضع السياسي المتعارض مع قناعاته الذاتية، في تلك المرحلة الحرجة والظروف المأزومة؟ فالحكومة كانت حكومتين والوزير وزيرين، والمراسيم جوالة، والانتقال بين الشرقية والغربية عرضة لمختلف انواع المخاطر والرعب. وهو يقول في هذا الصدد:” اقسم بكل غال وعزيز علي ان ما عانيته في رئاسة الجامعة…كان فوق التصوّر والاحتمال.”

ايها الاصدقاء لن اتطرق الى مؤلفات ميشال عاصي الكثيرة فاسحا في المجال امام الاصدقاء الزملاء المنتدين الكلام عليها، وهم مميزون بحسن النباهة والتقويم الاكاديمي ولصوق المعرفة الشخصية بميشال عاصي الذي نستذكر اليوم نرسل اليه ألف تحية وتحية.

امين الريحاني

ايها الاصدقاء

في اطار مهرجانها الحادي والعشرين للكتاب، ومن ضمن تراثها الثقافي المتجدد ابدا بتكريم اعلام الفكر اللبناني والعربي، تستذكر الحركة الثقافية –انطلياس معكم فكر امين الريحاني بمناسبة مرور مئة وخمسة وعشرين عاما على ولادته. وتفتح نوافذ على جوانب منه نحن قد نكون بامس الحاجة الى استقرائها اليوم، بما يتخبط به وطننا راهنا من مشاكل كان الريحاني قد صاغ افكارا تصلح كقاعدة لحلول لها

   ايها الاصدقاء، ابصر امين الريحاني النور في السنة عينها 1876 التي تولى فيها العرش العثماني السلطان عبد الحميد الثاني، والتي  شهدت ايضا ولادة الدستور العثماني.ترى اهي مصادفة جمعت بين تناقضين :  فكر الريحاني الرحب والخلاق الذي سبقت بعض نواحيه فكر معاصريه رؤية نافذة للعولمة والاصلاح والديمقراطية ومعنى العروبة.ونظرة السلطان عبد الحميد الثاني المعادية بامتياز لكل ذلك.ام ان الارهاب الفكري والسياسي التي شهدته تلك الحقبة الزمنية ولا سيما بتولي جمعية الاتحاد والترقي السلطة الفعلية التي توسلت الاستبداد نهجا، والطورانية المتقوقعة مبدأ ، وقتل وسجن الوطنيين والمصلحين اسلوبا .هل ان كل ذلك ساهم بتكوين فكر الريحاني؟ لانه كان في تلك الحقبة الزمنية المشرقية الحالكة ينهل من فكر شكسبير، ويختزن آراء فكتور هيغو الثورية والاصلاحية، وتحتضن حنايا ذاكرته كل ما توفر له من روائع المؤلفات العالمية المتعددة الاتجاهات.

        وكان فيلسوف الفريكة منذ حداثته يدرك ان المعرفة الاحادية الاتجاه ، وخصوصا الغريبة عن موطنه تظل ابدا منقوصة، ان لم تستكمل بالفكر المشرقي الذي ينتمي اليه، ما دفعه الى الكب على الثقافة العربية المشرقية يختزن انسانيتها، ويستصفي روائع شعرها، و قد خص ابا العلاء المعري منزلةمميزة. ما جعل الجدلية الثقافية المشرقية -الغربية اساسا لفكره.

    وبديهي القول ان هجرته الى اميركا، وترحاله في اوروبا لم يعمقا فكره الثقافي الحضاري الاجتماعي الفلسفي حصرا، انما ايضا آفاقه السياسية ، ولا سيما انه كان قد  بدأ تخصصه في الحقوق.اضافة الى حضوره السياسي على اعلى المستويات، وفي ارفع المحافل: كاجتماعه بالرئيس الاميركي روزفلت، وحضوره مؤتمر لاهاي للسلام عام  1919 .ولم يكن انخراطه في المجال السياسي على هذا المستوى ابتغاء لمركز سياسي مرموق في وطنه، انما خدمة له ولكل البلاد العربية التي كانت ترزح بمعظمها تحت استعمار مقنع اتخذ تسميات ملطفة كالحماية والانتداب.

       من هنا قام برحلته العربية عام 1922 بهدف شحذ الشعور القومي العربي، وحض الملوك والرؤوساء العرب على التضامن والعمل المشترك من اجل العمل الدؤوب والفعال لحل القضايا العربية المحورية.وقد اكسبته هذه الرحلة ايضا معلومات جغرافية واجتماعية زخرت بها مؤلفاته.فكان الرحالة العربي الحديث بامتياز ممن اكمل النهج الذي كان بدأه الجغرافيون العرب منذ القرن التاسع الميلادي وزاد عليه.

    لن اتطرق الى مضمون وميزات مؤلفاته لانها ليست من عمل هذه المقدمة، انما سأمر سريعا على بعض سيماتها فاسحلا في المجال للمحاضرين الكرام لاشباع جوعنا اليها.

        قد يكون الريحاني احد ابرز رواد العولمة، من دون ان تكون تلك التسمية معروفة، كانت اعماقه تزخر بصورة الشرقي بكل ما تضم من طيبة سجية يجسدها التآلف الاجتماعي، وتترنح تحت السطوة الغربية الطماعة.كما انه كان قد عايش الحضارة الغربية المادية التي افرزتها الثورة الصناعية..فبدا العالم وكأنه يخوض صراعا حضاريا بين عالمين متمايزين.لذا جاءت دعوته الى عولمة مبنية على الفكرين معا من دون تصارع يرهق العالم كله.

        وكان الريحاني قد خبر الديمقراطيات في اميركا واوروبا، ووعى مباشرة مضامين الاصلاح السياسي، الذي ينعكس باستمرار على الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية.وكان ايضا ، وكما اسلفت، قد عايش العسف السياسي الذي بدأه عبد الحميد الثاني، واكملت مسيرته بوطأة اشد  جمعية الاتحاد والترقي.وكان شهد ايضا التخبط السياسي في البلاد العربية بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى، والنزاعات الداخلية، والانقسامات الطائفية.فجاءت كتبه صدى رافضا لكل تلك الممارسات، ودعوة صادقة للاصلاح مبنية على العلمانية، وعلى الديمقراطية.

      ونحن اليوم اذ نستذكرك يا فيلسوف لبنان والعرب جميعهم، ندعوك الى القيام برحلة روحية الى البلاد العربية، تشرح للملوك والرؤوساء والامراء العرب، الذين ستنعقد قمتهم قريبا في لبنان، ان خلافاتهم وتصفية صراعاتهم على الارض اللبنانية ومن خلال اللبنانيين ، جعلت ديمقراطية لبنان تتوكأ عصا هزيلة محدودبة، وتحولت كابوسا سياسيا ترك بصمات مخيفة على الاقتصاد والمجتمع في لبنان.ونرجوك ان تعيد صوغ ما كنت قد قلته لهم عن فلسطين، ارفع الحجاب عن اعينهم، واشفي صممهم علهم يشاهدون المجازر الاسرائيلية، ويسمعون صرخات وانين الفلسطينيين، فييخذون موقفا تضامنيا انقاذيا على الاقل بحده الادنى.

                                                انطوان ضومط

احمد ابو سعد مبدع من قريتي.

    في جنبات قرية وديعة تحتضنها ايكات الزيتون ولد احمد ابو سعد في المغيرية سنة 1921 ،في بيت قوامه غرفة واحدة سطحه ترابي شأن معظم بيوت ضيعتنا آنذاك، ابوه لم يكن يملك ارضا بل كان يعتمد على ساعديه في اعالة عائلته ولاسيما ان كثيرين فقدوا، ابان الحرب العالمية الاولى وبسبب الازمتين الاقتصادية لاجتماعية،ليس اراضيهم فقط انما ايضا ما كانوا يملكون من اوان ومال.وسليمة والدته لها اياد بيض على معظم ابناء القرية ،لانها ساعدت بتوليدهم اذ كانت قابلة “داية بالتعبير العامي” وسيكون لهذه الولدة الفاضلة الدور الابرز في توجيه ابنها احمد وفي تربية اولادها ومساعدة زوجها بطريقة فعالة في اعالتهم. وقريتنا يوم ذاك كانت تفتقر الى ابسط مقومات المدنية لا الحضارية لان الحضارة تراث لا ينطبق عليه معيار المدنية،كانت تفتقر على وجه الخصوص الى مدرسة،وما كان اناس القرية يهتمون بالعلم ،لان مقياس الوجاهة كانيتمثل عند الاغلبية بينهم ، بمن يملك عرنة القمح وخابية الزيت،وهذا المعيار شكل ايضا احد اهم مقومات الحياة انذاك.الى ان تكرمت لجنة عمر الداعوق الدينية مشكورة،وافتتحت مدرسة في المغيرية تألفت من غرفة يتيمة  تجاور نظيرة لها خصصت جامعا للصلاة .هناك وفي تلك الظروف،وبتوجيه مركز من والدته بدأ احمد دروسه في المدارس الدينية المسيحية في” مجدلونا” القرية المجارة لقريتنا، ثم في مدرسة القرية .

        ان السؤال البديهي الذي يطرح نفسه: هل ان كل تلك الظروف كانت ستسمح لاحد اطفال المغيرية ان يتبوأ مركزا ادبيا وعلميا مرموقا على مستوى العالم العربي كله لو لم يكن هو نفسه يملك ارادة حديدية ،واناة طويلة،ورغبة جامحة للعلم وطموحا ابعد من الافق؟

    عرفته وانا بعد يافع بفعل صداقة متينة العرى ربطته ببيتنا،وكنت اتساءل وما زلت هل عرف الحقد والكراهية طريقا الى قلب هذا الرجل الذي لم تبرح البسمة تفتر على ثغره مدى حياته؟ احمد ابو سعد الذي  كان ينضح طيبة ومحبة لكل الناس،لم يعامل احدا بقساوة،ولم يصادق كل من في القرية بل احسن اختيار اصدقائه،كانوا كلهم اما من المثقين او من يمكن اثارة الثقافة في نفوسهم لتحويلهم فاعلين من اجل الصالح العام،لم يكن للجهلة – الذين يضمرون الشر للآخرين- مكان في زوايا قلبه .عرفته ايها الاصدقاء بركان ثورة على الجهلة على من يدعون احتكار

المعرفة بحدودها الضيقة المتزمتة ،على من اعتبروا المال مقياس الانسانية والمعرفة،على الاقطاعيين المحليين والسياسيين،الذين رأوا في المثقفين عقبة تعترض سبيلهم.  وثورته تلك كانت الثقافة ابدا محركها ، الثقافة بمعناها الارحب :احياء التراث والتقاليد والمحافظة على مضمونهما الانساني.وقد يكون مرد ذلك الى الحب الذي كنه للقرية بكل ما فيها :العابها،طبيعتها بساطة ناسها،كان همه المحافظة على تراثها الذي اختزنه في روحه وقلبه، ان تعم ايضا المعرفة العلمية وان تسود الثقافة في اوساط ابناء ضيعته،ولم تبق هذه الرغبات مجرد امنيات،بل جسدها افعالا كلما وجد الى تحقيق ذلك سبيلا: فعندما تم افتتاح ناد في مسقط رأسه جاءت مساهمة احمد ابو سعد فيه تقدمة حوالى ثلاث مئة كتاب لمكتبته.لم تمثل الثقافة شعارا فارغا عنده ،او مساهمات مادية فقط، بل جاءت ممارسة حقيقية فعالة ،اذ حارب بفكره غطرسة رؤساء العائلات  ممن اعتبروا انفسهم مقدسين وبالتالي كانوا يعتقدون  ان على الجميع الخضوع   لرغباتهم لانها لم تكن آراء بل اوامر يجب الانصياع اليها ،اولئك ممن كان يزعم بعضهم ان كل العلم الذي يحصله المتعلم لا يضاهي بذار طربوش من القمح.

    ايها الحفل الكريم ان قريتنا مثال في تركيبها للمجتمع اللبناني فهي مختلطة يتعايش فيها المسيحيون والمسلمون ،وكما في كل بيئة هناك من يرفض استمرار هذا العيش بصيغته النبيلة وقد نفذوا من خلال الاحداث المشؤمة الى ضرب التعايش ،وكانت لاحمد انذاك الكلمة الطولى في عائلته ان لم نقل القيادة بعد ان كان في ما مضى باسفل سلمها الاجتماعي ،فقد رفض سياسة الامر الواقع وجهد لاحباط مؤامرات صغيري النفوس بكل ما مكنته الظروف من وسائل،وقد لعب اخوه علي دورا مهما على هذا الصعيد،وبالتأكيد لشهامة في نفسه،وبتوجيه ايضا من احمد .

     قد يتبادر الى اذهان بعض من يسمع حديثي عن صديقي احمد انه كان متعاليا لا يحب الاختلاط بالناس ويجانبهم ،انما العكس كان صحيحا ،فهو لم يترك مناسبة اجتماعيا الا وشارك فيها،قاسم الناس احزانهم وشاطرهم افراحهم ليس بشد الايدي فقط بل كان يؤاسيهم في احزانهم ،ويشاطرهم افراحهم يرقص الدبكة معهم وينادمهم .وانني اقول وبكل صدق ان الفرح والادب الاجتماعي والفوكلور شكلوا عنوان مسيرته الادبية والتاريخية والاجتماعية.

     وعلى رغم كل الطيبة ودماثة الخلق والاخلاص التي اثرت عنه كانت تنتفض في حنايا نفسه ،منذ نعومة اظفاره، بوادر ثورة ما برحت تتنامى وترافق دربه مدى حياته.ثورة على التخلف والرجعية ،ليس في محيط قريته ووطنه فحسب، بل ثورة على جمود في عقول من اعتبرهم سببا في تفكك  المجتمع العربي الرحب. وان من انتفض عليهم ليسوا فئة متجانسة من حيث الانتماء الطائفي او الفكري او الحضاري انما هم يتآلفون بالتمسك بالتقليد وان كان رثا منهجا ايا يكن هذا التحجر والى اي مضمار ينتسب .وقد تأثر كثيرا بآراء صديقه المغفور له الشيخ عبد الله العلايلي التي تدعو الى نبذ الجمود الفكري في المجالات كافة مع الحفاظ على الرصانة واخذ الابداع والعصرنة بعين الاعتبار. وقد اشتعل لهيب ثورته وهو بعد يافعا برفضه المنهج التقليدي في تعليم الدين الاسلامي مقترحا الحداثة والعصرنة لانها ،برأيه ،اكثر ملاءمة وافادة للمتعلم ، فحوكم على جرأته وكاد الامر يعتبر زندقة.لكن صدى ثورته ،على رغم كل ذلك،لم يكن صرخة في واد اذ تبعته اصوات كثيرة تدعو الى ما ذهب اليه احمد ابو سعد، وقد يكون بعضهم قد سبقه الى ذلك متأثرا بالشيخ علي عبد الرازق ورفاقه من دون ان يجرأوا الى الجهر بافكارهم . ومن ثم تنامت الاصوات الرافضة للتقليد وشكلت تيارا فكريا متكاملا كان احمد في صميمه .

      ايها الحفل الكريم ان احمد ابو سعد لم يرفض القديم نتيجة لقدمه ولاسيما التراث،انما رفض المنهج القديم الذي يتنافى مع العصرنة ،وخير دليل على ذلك انه استقى ثقافته من كنوز الترث العربي ،وراح يفتش في امهات الكتب العربية التراثية عن مواضيع غمرتها صناديق النسيان ليعيد بريقها الى اذهان الناس بمنهج خلاق مبدع يدعم توجه ثورته ،لاننا مهما حاولنا تلمس معارف الماضي وفق المنهج التقليدي المتقوقع لن نحقق مأربنا،لان في التراث كنوزا وخيرا كثيرا وبقدرما نطرح عليها اسئلة ذكية بالمقدار عينه تجيب .وازعم انه لا يمكن تحقيق الابداع في التجديد من دون شعور مرهف،وحس انساني عميق تدغدغ حناياه العودة الى الماضي،وليس بحقد ورفض لهذا الماضي لأن الحقد والرفض يؤديان بالضرورة الى نظيرهما،وبالتالي الى القتل والاتلاف،وبتعبير اوضح الى اعدام الماضي .ولم يكن احمد بقاتل ،بل عدو القتلة والجهلة،فهل يعقل ان يرفض الماضي كما حاول بعضهم ،عن غباوة، اعتباره ضد القديم اي عدو التراث؟! ولاسيما قبل ان يصدر مؤلفاته التراثية.لم يستطع هؤلاء

التمييز بين المنهج والمضمون،بين احمد ابو سعد الثائر على المنهج المتخلف والرجل نفسه الذي احب مضمون الماضي بكل ما فيه جيده ورثه.وهذا الحب بزعمي ما جعله يقدم على اصدار  كتابه بل رسالته  المعنونة “اغاني ترقيص الاطفال عند العرب ” التي نال على اساسها شهادة الماجستير في الادب العربي ،وهي لعمري مفخرة ادبية تراثية تضاهي ابداعات الكتب العالمية في المجال عينه.وادرك احمد بحبه العميق للاطفال والتراث ان هذا الفن الادبي الفوركلوري لم يتأت للعرب بتأثير الحضارات الاخرى انما نبع من تطور اجتماعي متدرج ومتراكم تواءم مع التطور الفكري ضمن البيئة الاقتصادية العربية منذ العهد الجاهلي.وقد اثبت ان تلك الاغاني “اغاني ترقيص الاطفال عند العرب” انما هي فوركلور شعبي ،وبالتالي فهي قابلة للديمومة ما دام الشعب الذي صدرت عنه حيا في عميق وجدانه،وما كان ليتمكن من ذلك لولا اعتماده منهجا ابداعيا.

     استمرت ثورة احمد وهذه المرة على المدنية ليست لانها تزيد من رفاهية الانسان بل لانها تقضي على التراث،وتبتلع جمال الماضي ببراءته وروعته وبكل ما فيه من معاني الانسانية  البسيطة بتواضعها، المرهفة بوقعتها، الرائعة بعفويتها.وهذه الثورة لم تحدث صدفة انما تأتت من تعلق احمد بالتراث،ومن حبه العميق للارض ارض ضيعته ،مهد طفولته حيث مرغ رجليه الحافيتين بتراب ازقتها الناعم مع اتراب له يلعبون ببراءة ألعاب القرية لافتقار السوق آنذاك الى اللعب التي تتربع اليوم على رفوف الحوانيت وتتصدر واجهات المحال الانيقة،ولافتقار الناس ايضا للمال الضروري لشراء الالعاب .وكان سعيدا جدا بممارسة تلك الالعاب البريئة المليئة بالحيوية،وهي بدأت منذ زمن غير قصير تفقد بريقها تدريجا مع تقدم المدنية وغزوها ليس شوارع المدن ومنازلها ورياض الاطفال فحسب،بل اندفع جوعها المادي ينهش العاب القرية وبالتالي طفولة احمد وصباه،فاعتراه حنين الى ساحات القرية وبيادرها حيث كان يمارس ألعاب” البيل” و”السبركة” و”تقطيع الاراضي”…

    ان كل ذلك دفعه الى وضع “معجم الالعاب الشعبة اللبنانية” ولم يكتف بما كان يعرف من العاب،بل جمع الالعاب المبعثرة في مختلف القرى اللبنانية ومن كل مناطق لبنان،ولم تفته الالعاب التي كانت تزدحم بها شوارع المدن.لقد حماها كلها من التلف والضياع في صناديق الذاكرة  واذا كان قد عجز عن اعادة الحياة اليها الا انها ستظل ،وبفضله،جزءا من التراث،ومحفوظة بمعجمه”الالعاب الشعبية اللبنانية”

      لقد كان احمد ابو سعد تراثيا من الطراز الاول،اذ عمد الى تطوير ما كان بدأه مارون عبود الذي فصح بعض الكلمات العامية في خطوة استمرت خجولة بفعل المتشددين اللغويين الذين اعتبروا اللغة المحكية ،من منظورهم المتحجر،عارا على الادب.فثار عليهم  ثورة نبعت من حنين صادق يتآلف مع معتقدات الناس،كل الناس في القرى والمدن، دخل الى اعماقهم ،وجسد حنينهم الى البساطة بحفظه تراثهم الشعبي في قاموسه”معجم المصطلحات والتعابير الشعبية” بحيث اوضح معاني التعابير الشعبية ومصطلحاتها التي درج الناس على استعمالها من دون ان يفقهوا بعض معانيها احيانا سوى ما التصق بذاكرتهم ،ان بسبب التحريف الذي اصابها وافقدها اصل اشتقاقها،او لانها اعجمية.وهي تعابير شديدة اللصوق بمعتقداتهم وبثقافتهم العامة،وهي الى ذلك فوركلور ادبي قل نظيره.فخدم بذلك ليس التراث الشعبي من التلف ولا الادباء ممن يجهلون تلك المصطلحات ،بل ايضا المؤرخين الذين هم باعتقادي احوج الناس اليها، ولاسيما ان مخطوطات عصور الانحطات سطرت مختلطة بين العامية والفصحى،وعجز بعض مؤرخي القرن الحالي عن تحديد معنى بعض المصطلحات الشعبية،او انهم فسروها بغير معناها الحقيقي .

         ان احمد ابو سعد لم يتجاوز الادب الى التاريخ بمعجم “المصطلحات والتعابير الشعبية”،او في “اغاني ترقيص الاطفال” فقط بل ايضا بمعجم “اسماء الاسر والاشخاص ولمحات من تاريخ العائلات”،وهو لعمري عمل موسوعي جبار.حاول فيه المؤلف التعريف بالاسر من حيث جذورها اي الاماكن التي ارتحلت عنها،وسبب انتقالها،واين استقرت، وأصل عائلاتها بعد ان اصابها التحريف او الاشتقاق بفعل جهل الاشخاص او الادارة.كما عرف بالشخصيات البارزة فيها من حيث علومهم،وشهاداتهم،ومؤلفاتهم،والاعمال التي يمارسونها ودورهم في الحياة الثقافية العامة.

       ان هذا المعجم وككل عمل موسوعي يفتح مجالا لهامش الخطأ، وهو خطأ غير مقصود ومبرر في آن، استغله مدعو المعرفة الكاملة والتامة لينالوا من مؤلفه،علما انه في اكثر من مناسبة ثقافية ،وهي وفيرة،توجه احمد لكل من يملك معلومة صحيحة حول الاخطاء التي  وردت في معجمه ان يزودوه بها لانه في طور اعداد طبعة جديدة منقحة.

       وانني من على هذه المنصة الثقافية الرائدة اتوجه الى اولئك الذين تعمدوا النقد في سبيل النقد فقط، واسوق اليهم بعض الحقائق حول مؤلفات مشابهة: فاذا عدنا الى” انساب الاشراف” للبلاذري،وقبله الى هشام بن محمد الكلبي وغيرهم من رواد علم الانساب عند العرب في العصور الاسلامية،والى البطريرك اسطفان الدويهي في “تاريخ الازمنة” والى طنوس الشدياق في “اخبار الاعيان في جبل لبنان” وغيرهما لوجدنا ان  دراسة بعض العائلات من حيث اصولها ،وانتقالها ،واستقرارها، وسيرة بعض الشخصيات البارزة فيها ، يعتريها بعض الخطأ.وهذا ليس تبريرا لعمل احمد ابو سعد،او ان الخطأ واجب في دراسة الانساب،بل لالفت الانتباه الى ان هكذا عملا موسوعيا ضخما عرضة للخطأ ،وانه من واجب المثقفين مد يد العون لتصويب الاخطاء وشكر من بذل جهدا جبار لاتمامه .

        ان هذه الكلمة الموجزة لن تفي ،من دون ادنى شك،حق احمد ابو سعد علينا نحن المثقفين،بل هي فقط تحية اكبار لمبدع من ضيعتي ،خدم الانسان العربي المثقف على كامل مساحة العلم العربي.

                                   انطوان ضومط

ندوة مناقشة كتاب د. وجيه كوثراني ولاية الفقيه

في اطار نشاطاتها في مهرجان اللبناني للكتاب تعقد الحركة الثقافية – انطلياس مجموعة ندوات ثقافية ومن بينها ندوتنا هذه التي يناقش فيها الزملاء الدكاترة الكرام وليد خوري ورضوان السيد ومنذر جابر كتاب الزميل الصديق الدكتور وجيه كوثراني المعنون:” بين فقه الاصلاح الشيعي وولاية الفقيه- الدولة والمواطن”. وقد تكون ندوتنا الاكثر حرارة ومتعة في النقاش بما يطرحه موضوعها من محاور تتقاطع مع تجاذبات سياسية لبنانية داخلية راهنة، وصراع فقهي وآخر سياسي اقليمي.

ايها الاصدقاء تتنازع راهنا شعوب العالم الاسلامي ازدواجية ولاء؛ بعضهم يتوق الى دولة مدنية تراعي المقتضيات الدينية، والبعض الآخر الى دولة شرعية دينية توجهها اجتهادات فقهية. ولعل معادلات الدولة الدينية وفق ولاية الفقيه وما يعادلها تشددا او اعتدالا في المذاهب الفقهية السنية انتعشت وازدهرت في اواخر القرن الماضي لاسباب كثيرة لا مجال للخوض فيها الآن. واذا اردنا العودة الى التاريخ نستلهم منه العبر والسلوك السياسي لتبين لنا ان العصور الوسطى التي اطلق عليها بعض المؤرخين عصور الايمان وبعضهم الآخر عصور الظلام لخضوع الدول شرقا وغربا لسيطرة الفكر الديني على الافكار وعلى مناحي الدولة السياسية والعسكرية والاجنماعية والدينية وحتى الاقتصادية. وقد عاشت دول اوروبا ازمة مزاوجة السياسي بالديني مدة طويلة، ومن ثم انتهت لصالح الدولة المدنية بعد ان تم حسم ادوار الصراع بين البابوية والامبراطورية وتلاه الصراع الديني في اوروبا الذي دعا خلاله مارتن لوثر الى فصل الزمني عن الروحي. واكتملت سيادة الدول المدنية بعد الثورة الفرنسية 1789.

واُعتمد في الاسلام، منذ حكومة الرسول في المدينية وحتى سقوط دولة المماليك سنة 1517 التشريع الاسلامي نهجا بل دستورا سياسيا واسلوب حياة. وشهد هذا المدى الطويل احداثا مفصلية كثيرة وجّهت تاريخ المسلمين وتركت بصمات ما تزال فاعلة في احداثهم حتى اليوم. ولعل من ابرزها الصراع على منصب الخلافة التي استبعد عنه الامام علي ثلاث مرات. وادى مقتله ومن ثم استشهاد الحسين في كربلاء 61 هجرية الى نشوء نظرية الامام المعصوم التي لم تكن واحدة عند جميع الفرق الشيعية. لتقابل منصب الخلافة عند السنة مع فارق التقديس او القداسة للائمة الاثني عشر عند الامامية، والائمة السبعة عند الاسماعيلية اضافة الى الامام الاكثر اهمية وقداسة عندهم عنيت به محمد بن اسماعيل او المكتوم. وجهد الشيعة للوصول الى الحكم فنجحوا على الاقل في مرحلتين واضحتي المعالم: الخلافة الفاطمية في المغرب سنة 909 ثم انتقالها الى مصر سنة 969 التي اسسها سعيد ابن الحسين الملقب بالمهدي وتلاه خلافاء ائمة تبعا للنظرية الاسماعيلية في الالوهية(ليس الآن موضوع بحثها). والثانية كانت الدولة البويهية في العراق وبلاد فارس. فاذا كان الشيعة الاسماعيلية عملوا على تطبيق نظريتهم في الخلافة الفاطمية ومارسوا ما يشبه ولاية الفقيه لأن الخليفة عندهم كان اماما فقيها، ومن اكثر نماذجه وضوحا الخليفة المعز لدين الله الذي نظّر للعقيدة الاسماعيلية. فانهم صادفوا مشاكل وعقبات كادت تودي بدولتهم من الدويلات الشيعية نفسها كالقرامطة والحمدانيين والبويهيين الذين شكلوا رأس حربة في هذا الموضوع علما ان ولاية الفقيه ستتمأسس في عهدهم. ولم تعمّر النظرية الاسماعيلية حتى في العهد الفاطمي عينه بحيث فقدت الامامة مضمونها.

وفي القرن الرابع الهجري واجه البويهيون اشكالا اساسيا: تمثّل بازدواجية الولاء السياسي والديني، كانوا شيعة متغلّبين على دولة الخلافة العباسية، وكحل لذلك الاشكال اوجدو ولاية الفقيه، اذ دعا ركن الدولة البويهي الشيخ محمد بن بابويه المعروف باسم “الصدوق” ليكون مرشدا له في السياسة والمجتمع والدين، وبالتالي تمأسست ولاية الفقيه وتحوّل التشيّع وللمرة الاول، بعد غيبة الائمة المعصومين، الى مجال ايديولوجي-سياسي استمد منه البويهيون شرعيتهم في مواجهة الخلفاء العباسيين وافقدوهم كل قدرة سياسية وعسكرية، حتى باتوا يملكون ولا يحكمون.

وتمأسست ولاية الفقيه مرة ثانية بوضوح اكثر جلاء بقيام الدولة الصفوية في بلاد فارس سنة 1501 وهي تختلف عن وضع الدولة البويهية لأنها لم تعرف ازدواجية الولاء ولم تكن دولة متغلّبة. وادعى الشاه اسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية ان المهدي ألبسه في طريقه الى مكة التاج الاحمر وعلّق به السف وقال له:” اذهب قد أذنت لك“، ما يعني ان المهدي اعطى الشاه ولاية خاصة، وصار يؤكّد لمريديه انه لا يتصرّف الا بناء على اوامر الائمة الاثني عشر، لذلك صار معصوما مثلهم. وهكذا بات الحاكم السياسي يخضع لسلطة الامام او لنائبه. وع ذلك فان التمأسس الحقيقي لولاية الفقيه عند الصفويين تم في عهد طهمسب ابن الشاه وخليفته الذي استدعى الشيخ علي بن عبد العالي الكركي ليقيم مؤسسة تبث التشيّع عملا بنيابة الفقيه الامام المهدي وولايته العامة في عصر الغيبة، وبالتالي صار للشيخ الكركي حرية التصرف بشؤون الدولة الشيعية الجديدة كونه نائبا عاما عن المهدي نفسه وبوصف الملك او الشاه نائبا عنه. وهكذا صار الديني يسيّر الزمني ويسيطر عليه.

اما في العالم السياسي السني فقد مورست ولاية الفقيه بطرق غير مباشرة منذ الخلفاء الراشدين، فهم كانوا يعتبرون فقهاء لأن المذاهب الفقهية لم تظهر قبل اواسط القرن الثاني/الثامن، واستعانوا بآخرين لهم معرفة بشؤون الشرع لادارة شؤون دولة الخلافة. واستعان الامويون بالائمة والفقهاء تبريرا ديدنيا لشرعية دولتهم. وفي مرحلة لاحقة استعار الخلفاء العباسيون سلطات دينية بلغت حد التقديس ردا على مواقف الشيعة وآرائهم وثوراتهم بان جعلوا انفسهم ممثلين لله على الارض. اضف الى ذلك ان الشرع الاسلامي كان مطبقا في مناحي الحياة كافة، وكان الديني مسيطرا على المدني. وقد خضع الخلفاء والسلاطين والحكام السنة عامة في العصور الوسطى الى سلطة الفقهاء في امور كثيرة، حتى ان بعض الفقهاء فرضوا آراءهم على السلاطين شأن الماوردي الذي حدد سلوك الحكام في كتابه “الاحكام السلطانية”، وابن تيمية الذي افتى للمماليك قتال الشيعة والدروز والموارنة في لبنان، والاسماعيلية في بلاد الشام لأنه واجب شرعي … (لن نخوض كثيرا في هذا الموضوع) وعندما انتصر العثمانيون على المماليك في معركتي مرج دابق 1516 والريدانية في مصر عام 1517 انتزعوا الخلافة من العباسيين وصار السلاطين خلفاء يجمعون السلطتين الدينية والزمنية باشخاصهم، فمارسوا بذلك ولاية الفقيه التي اكتملت بالسلطات التي انيطت بشيخ الاسلام او مفتي اسطنبول الذي كان باستطاعته، على الاقل نظريا، عزل السلطان العثماني.

وقابل نظرية ولاية الفقيه الشيعية النظرية الجهادية عند بعض السنة المعروفة ب” الحاكمية لله” وهي تتصوّر الامام او الخليفة نائبا لله او خليفة له على الارض، وهو مسؤول امامه وحده فقط. ولا يؤذن للبشر بالتشريع لأنه امر مختص بالله وحده، حتى ان القاضي لا يتولى منصبه كونه نائبا عن الخليفة بل لانه نائب عن الله وعليه تنفيذ القانون الالهي. واصحابها يكفّرون كل المجتمعات الاسلامية التي لا تطبق الحاكمية لله، ويعتبرون المجتمعات الاسلامية الحاضرة وتلك غير الاسلامي مجتمعات جاهلية كافرة.

وما تجدرملاحظته ان فقيها واحدا فقط في العالم الاسلامي كله يتمتع بسلطة نائب الامام المعصوم الغائب وبسلطات مركزية وسلطان كامل على كل المسلمين الشيعة ، ما يعني ان نائب الامام هذا يتمتع بهالة دينية وعند بعضهم بهالة قدسية ويدعوا من ضمن التطلعات الكبرى او الاهداف البعيدة الى دولة اسلامية شيعية موحدة تسيّرها سياسته. وبالتالي تتجاوز دعوته وسلطاته القوميات والكيانات السياسية الحديثة المعترف بها من قبل الامم المتحدة، ويمثله فيها نواب له يأتمرون به وحده.

ايها الاصدقاء فشلت ولاية الفقيه عند البويهيين والصفويين، و ما تزال تجربتها في ايران بين اخذ ورد، بين معتدلين مصلحين وآخرين متشددين. وقد حارب عدد وافر من علماء الدين السنة نظرية الحاكمية لله. وانا وان كنت على معرفية في موضوع الاصلاح السياسي الاسلامي لن ادخل في تفصيلاته لأنه موضوع المحاضرين الكرام. هذا الاصلاح الذي اطلع به متنورون من الفقهاء الشيعة في ايران ولبنان، ورواد الجامعة الاسلامية في القرن التاسع عشر، وغيرهم من المصلحين السنة في ارجاء العالم الاسلامي ممن قاربوا بين الدولة المدنية والدولة الدينية، وعالجوا مصطلحات وافكارا غربية وقاربوها بمثيلات لها اسلامية، او شرحوا مدلولاتها وافتوا بها، شأن الديمقراطية، والجنسية، والمواطنة، والتعددية. او وجدوا لها صدى في المفردات والممارسات الاسلامية. في حين كان بعض الفقهاء وعلماء الدين المتزمتون يعتبرونها دخيلة بل غريبة ومرذولة. ونحن وان كنا نأمل بقيام الدولة المدنية في لبنان حرصا منا على المجتمع التعددي، فاننا نتوخى حصول اصلاح سياسي يوفر للمواطنين حدا ادنى من الطمأنين والعيش الكريم، ويبعد شبابنا عن الهجرة 

ادارة ندوة المدارس ونظام التعليم في العهد المملوكي.

تميّز العهد المملوكي عن غيره من عهود العصور الوسطى بخاصات فريدة، ويعجز الباحث اذا لم يقف على بنية النظام العسكري، عن فهم تلك الخاصات التي ادت الى تقلبات في الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعمرانية خلال حكم المماليك. لأن نظامهم العسكري شكل المحور الاساسي لحكمهم؛ فقد كان على رأسه السلطان، يليه الامراء الكبار او مقدمو الألوف، الذين منهم ينتقى السلاطين، ثم امراء الاربعون، فصغار الامراء. ويقبع في اسفل سلمه الاجنادُ الذين انتظموا بدورهم من حيث الاهمية وفق الهرمية التالية: المماليك السلطانية على اختلاف مراتبهم، ثم فرسان الحلقة، فمماليك الامراء.

لقد حمل هذا التقسيم في طياته بذور الفساد والانحطاط، لأنه تلاءم مع مصالح جماعة عسكرية غريبة عن مصر وبلاد الشام، وحوّل مجتمعها الى مجتمع عسكري مغلق عن ابناء البلاد وجامد على وجه العموم، حتى بات الانتقال بين فئاته نادرا، وانحصر اجمالا بارتقاء عدد محدود جدا من الامراء والمماليك السلطانية ليشغلوا المراكز الشاغرة التي كانت تعلو رتبهم،  في غالب الاحيان تمتع الانتهازيون بهذه الامتيازات. ومن ناحية ثانية ترك النظام العسكري العرش مشاعا ليتبوؤه كل قادر، بل، على وجه العموم، أكثر الامراء الكبار حنكة ودهاء، وغدرا، وخيانة.

 والى ذلك، ومن اجل حصول الامراء على المراكز الاكثر مردودا اقتصاديا ومنزلة عسكرية، تحوّل العهد المملوكي الى سلسلة غير منتهية من الصراعات العسكرية الدامية والمدمرة للحياة الاجتماعية والاقتصادية،  بحيث كان ينقسم فيها معظم الامراء على اختلاف مراتبهم، وغالبية الاجناد، الى فريقين متحاربين، متخذين اسواق وساحات المدن الرئيسة كالقاهرة ودمشق وحلب وغيرها مسرحا قتاليا، الامر الذي كان يدمرها ويستنزف طاقاتها الاقتصادية والحياتية، ويعرّض السكان الى ابشع انواع المظالم. ومن المؤسف حقا ان حالات انضباط المماليك نلحظها بعهود عديد ضئيل جدا من السلاطين الاقوياء.

وارتبط النظام العسكري عضويا بالنظام الاقطاعي الذي غدا عسكريا بامتياز، واستغل المماليك بموجبه كل مقدرات البلاد الاقتصادية بما فيها الزراعية والصناعية، وصولا الى مردود الجمارك البرية والبحرية، وتقاسموا كل تلك الخيرات الوفيرة جدا وفق ترتيبهم العسكري، فعاشوا فئة مميزة غريبة عن ابناء البلاد، بعاداتها، وتقاليدها، ولغتها، وقوانينها.

وتكفيرا عن ذنوبهم الاقتصادية، وبما تسببوا به من خراب ودمار نتيجة صراعاتهم الداخلية شبه الدائمة، تقرّب السلاطين وكبار امراء من الشعب، بالاكثار من الابنية الدينية المتنوعة، وتشييد المدارس، التي لم يبنوا معظمها بدافع ديني بل رغبة بالحفاظ على ثروات السلاطين والامراء الكبار المنقطعة النظير، متوسلين نمط الوقف الذري ملاذا لاستمرارها بذريتهم، التي جعلوا منها شريكا للمؤسسات الخيرية، ولا سيما المدارس، بادارة املاكهم واستغلال مردودها. لان الوراثة كانت غير جائزة في نظام المماليك، ما ادى الى اطراد في دور التعليم، وليس ادل على ذلك من اسماء المدارس التي تنتسب الى مؤسسيها في مصر وبلاد الشام.

شكل الوقف المرتكز الاقتصادي الاساسي للتعليم، لأن الواقف كان يحدد رواتب المعلمين، وعدد طلاب المدرسة، ورواتبهم، وما يحتاجون اليه من اقلام ودفاتر… ومكان اقامتهم. ولم يكن التعليم وقفا على المدارس وان شكلت عموده الفقري، لأن المساجد، والجوامع، ودور الحديث، والخوانق، والربط، والزوايا، والترب، والبيمارستانات ساهمت بدورها بالحركة التعليمية.

اما هيئة التدريس فقد تألفت من الشيخ وهو على العموم من مشاهير العلماء، ومن المقرئ اي من يقرأ القرآن، والمحدث. وكان يحظى بعض المدرسين بلقب تشريف ( الاستاذ)، ويساعده معيد، وهو احد الطلاب النجباء الذي كان يعيد الدرس بعد انصراف المدرس ليركز باذهان من لم يستوعبه.

اما طرائق التدريس فكانت متنوعة: الالقاء او المحاضرة، وما كان مسموحا للطلاب مقاطعة المحاضر، بل كانت تطرح اسئلتهم في نهاية المحاضرة. والسماع او السماعات، وهو الاستماع الى المحدث او الفقيه يقرأ في مؤلف محدد على الطلاب، ويستمر يسمعهم حتى يتأكد له انهم حفظوا الدرس. والتلقين، والاملاء، والمناظرة او المحاورة.

ويحصل الطالب في نهاية تعليمه على اجازة من شيخه تثبت كفايته في حقله، وكانت الاجازات متنوعة: العامة، او بالفتيا، والتدريس، والتحريرية، وبعراضة الكتب، وبالمرويات…ولم يكن التعليم الديني المتنوع الاختصاصات يختلف كثيرا بين مدينة واخرى من حيث المضمون، انما انحصر التمايز بالمستوى الثقافي للمدرسين.

ايها الحضور الكريم، لن اتوسع في هذا الموضوع فاسحا في المجال للمحاضريْن الكريمين العميد احمد حطيط، والدكتور عمر تدمري التعمّق بالكلام عليه. وانما اريد اضافة ملاحظة اخيرة وهي اننا اذا تفحصنا بامعان نظام التدريس من حيث اسماء المدرسين والشهادات، لوجدنا فيها تقاطعا مهما مع ما يماثلها في حاضرنا: فالاستاذ لقب عالمي متعارف عليه، يماثله “بروفسور” في اللغات الاجنبية، ويتقاطع مع لقب محاضر او الاستاذ الدكتور، وكان يساعده شيوخ اقل منزلة منه تضاهي رتبهم في ايامنا رتبة الاستاذ المساعد، اما المعيد فهو المبتدئ في سلم التعليم العالي، وباتت جميع هذه الالقاب موحدة عالميا. والاجازة مصطلح ما يزال معمول به حتى اليوم في كل جامعات العالم.

ايها الحضور الكريم كان التعليم في العصور الوسطى رسالة اجمالا، فهل ما يزال كذلك في ايامنا؟ وربما يشكل هذا السؤال عنوانا لمؤتمر جديد.    

ادارة ندوة كتاب الدكتورة سعاد سليم ابو الروس “الوقف الارثوذكسي خلال العهد العثماني “

ان الحركة الثقافية – انطلياس في اطار نشاطات المهرجان اللبناني للكتاب، تنظّم هذه الندوة حول كتاب الصديقة والزميلة الدكتورة سعاد ابو الروس سليم المعنون ” الوقف الارثوذكسي في لبنان خلال العهد العثماني”، نظرا لاهميته، وتعميما للفائدة حول موضوع الاوقاف في لبنان.     

ايها الاصدقاء

منذ ان استقر الانسان في جماعة نشأت علاقاته الجدية بالارض، وعلى رغم انتظام اموره الاجتماعية والقانونية او العرفية بخاصة في الاميراطوريات الكبرى استمرت الاشكالات حول ملكية الارض واستغلالها،  وقد تباينت احكامها في ما بين الدول.

وان عجز الانسان عن تفسير معنى الوجود ومسألة الخلود دفعه الى ابتداع الآلهة ليلوذ بها، فشيّد لها الحكام على وجه العموم الكثير من الابنية الدينية، وخصصوا لها الكهّان ومساعديهم، وافردوا لها الاراضي اما اقطاعا او استغلالا. لأنها وحدها كانت باعتقادهم قادرة على السيطرة على مصائر الناس والتأثير باحوال الطقس ، والتخفيف من الكوارث، والبراء من الامراض، والانتصار في النعارك وهكذا… واعتقد الناس انهم كلما تماهوا في عبادتها وقدّموا لها القرابين والهدايا والهبات واكثروا من وهبه الاراضي لها، بالمقدار عينه تمنحهم بركاتها وتستجيب لطلباتهم. والى ذلك شكّل وهب الاراضي لأماكن العبادة احد اهم ركائز نشؤ نظام الاوقاف.

وعجزت الديانات التوحيدية عن محو تلك العادات لأنها باتت في صلب الثقافة العامة الاجتماعية والتراثية. واستبدل المؤمنون المسيحيون الآهة المتعددة بالآه الواحد والقديسين، وشيّدوا لهم الكنائس والاديار، واوقفوا عليها الاراضي. وفرضت الانظمة الديرية على رهبان الاديار نمطا قاسيا من حياة التقشف والزهد فمارسوا الى جانب عباداتهم، وما تفرضه عليهم حياتهم الدينية من علاقة اجتماعية واخلاقية ودينية ورعائية تجاه محيطهم الاجتماعي، العمل القاسي بالارض، فباتوا فلاحين او مزارعين في اديارهم واستصلحوا الاراضي.

واذا كانت المسيحية قد اقرّت نظام الوقف فان الاسلام حدد له شروطا خاصة، فالارض في الاسلام هي ملك لله، ويحقّ للخليفة او من ينوب عنه اقطاع الاراضي اوتمليكها. ولما كثرت الاماكن الدينية الاسلامية كالمساجد، والجوامع، والتكايا، والزوايا، والربط، والترب والمدارس…التي انشأها الحكام او اصحاب المراكز السامية، و اهل الخير والصلاح، واوقفوا عليها الاراضي والمعاصر وما الى ذلك لكي يرتزق بها القيمون عليها، وهي في المنظار الاشلامي الشرعي وقفا ابديا لا رجوع عنه.

والجدير ذكره ان العالم الاسلامي المشرقي، بوجه عام في العصور الوسطى بدءا باواخر العصر العباسي الثاني وانتهاء بعهد المماليك، قد حكمته انظمة عسكرية تمتع بموجبها اولئك الحكام الاغراب بحق الانتفاع بالارض من طريق الاقطاع اما استغلالا او تمليكا، وبتعبير اوضح اُعطي الاقطاع للوظيفة. وكان يسقط عن صاحبها بمجرد تركه الخدمة. وكان بعض اصحاب ذي الشأن قد ملكوا الكثير من الاراضي ابان ممارستهم لوظائفهم، ورغبة منهم بتوريث بعضها في ذريتهم، لكي لا يسترجعها بيت مال المسلمين، ابتدعوا نمطا جديدا من الوقف عرف ” بالوقف الذري”. وهي طريقة احتيالية على الشرع ان جاز التعبير، بحيث كانوا يوقفون الكثير من الاراضي التي كانت في حوزتهم اما على تربة او مدرسة شيّدوها، او مسجد بنوه او غير ذلك مما ذكرنا من الابنية الدينية والاجتماعية والثقافية، ويذكرون في وقفياتهم عدد القيّمين على الوقف ومهام ومقدار راتب كل منهم،  ويجعلون احد ورثتهم قيّما عاما عليه يتوارث مركزه ابناؤه من بعده. وانتقل هذا النمط، بنسب متفاوتة، الى الاوقاف المسيحية، فعمّ المناطق المشرقية كلها ومنها لبنان، ولم يكن حكرا على مذهب محدد، بل شمل كل المداهب المسيحية.

ودرج الحكام بخاصة السلاطين وكلما كانت تزداد الاملاك الموقوفة نتيجة مساهامات المؤمنين لاهداف دينية محضة، او غايات اجتماعية اما تقربا من الله في المطلق، او ايفاءا لنذور، على السطو عليها متوسلينن انواع الذرائع، كالاستعداد لمجابهة خطر خارجي، او لبناء اسطول، او لأن قحطا ما قد ضرب البلاد… ولم تسلم الاوقاف المسيحية بدورها من عملية السطو تلك، فتوسّل السلاطين ذرائع لايمكن تصنيفها الا في خانة السلب لزيادة اموالهم، او لتوفير بعضها لصالح بيت المال الذي يكونون شبه افرغوه  من الاموال،  كأن يُزعم ان الافرنج سطو على مراكب تجارية اسلامية، او اعتدوا على ثغر اسلامي ما، وما الى ذلك.

اما الاراضي الاقطاعية في العهد العثماني فقد توزعت وفق تنظيم جديد: التيمار، والزعامت، والخاص الهمايون. وغدت اراضي الاوقاف المسيحية جزءا من اراضي التيمار، ويسري عليها القانون العثماني الذي كان يميّز بين اراضي الملك التي تخضع لضريبة الخراج، والاراضي الاقطاعية الاخرى التي تضمّن وفق النظام المذكور. ولم يسر الاقطاع العثماني على نمط واحد: فقد بدأ بنظام فرسان السباهية، ثم الملكانة فالالتزام  بانواعه المتعددة. ولم تكن دائما مواقف السلاطين والولاة والحكام الاقل شأنا متطابقة الرؤى الاقتصادية والمواقف تجاه المسيحيين ومنها مسألة الاوقاف، فهي تنوعت بين تأزيم وتساهل، بخاصة انه يمكننا ان نميّز في العهد العثماني بين ثلاثة مراحل محددة المعالم: القوة والازدهار، الانحطاط، التنظيمات على الرغم من كونه جزءا من عهد الانحطاط. وهي من دون شك كانت بالغة التأثير على حكام المقاطعات اللبنانية.

ايها الاصدقاء، لن اتطرق بالكلام على الاقطاع العثماني الى اكثر من ذلك لأنه يتقاطع مع موضوع هذه الندوة من حيث علاقته العضوية بالاراضي الوقفية، علما ان لي مساهمات واسعة فيه، ولا سيما الدرسة المعنونة ” الاقطاع العثماني بين الحداثة والتقليد”، فاسحا في المجال للمحاضرين الكرام للكلام عليه.

في 21 – 3 2009

ادارة ندوة الدكتورين منير وعادل اسماعيل

ان الحركة الثقافية انطلياس، في اطار المهرجان اللبناني للكتاب، وفاء وتقفديرا منها لاهل الفكر، درجت على تكريمهم بتخصيص ندوات تلقي الضوء على انجازاتهم الحضارية والفكرية والانسانية عامة، شأن هذه الندوة التي نخصصها لاستذكار الدكتورين الاخوين منير وعادل اسماعيل ونخصهما بلفتة ثقافية.

ايها الاصدقاء 

كلما شاركت بتكريم مثقف كلما ازداد حبور نفسي وسمت بي مشاعر العز والافتخار ببعض من ناسنا نحن اللبنانيين ممن يزالون يقدرون جهود وانجازات من وقفوا انفسهم لخدمة الانسان، اولئك الذين اجتهدوا هم وآخرون ما يزالون يكدون من اجل تطوير الانسانية كل ضمن اختصاصه .

 ان تكريم المثقف هو خشوع للمعرفة واهلها واجلال للفكر، وتعبير عن ذواتنا في محاولة لفهم ذاتية المثقف، واحتضان لانسانيتنا في عالم بدأ نسبيا يفقد معاني الانسانية، انه حضور العقل في عالم الفكر يحفّزنا ابدا للكد والجد. وهو تبريك قربان على مذبح الحضارة، وتعبير عن تقديرنا لمدى مساهمة المثقف فيها، فاسمه، عندما تختفي معظم الاسماء في العالم الفاني، سيبقى ابدا خالدا في سجل الحضارة. وباختصار ليس استذكار مثقف الا شهادة للحق في زمان صار الحق فيه نادرا.

ايها الاصدقاء ان التكريم الذي تحتفل به مؤسسات المجتمع المدني يظل، باعتقادي، افعل من نظيره الرسمي، الذي تجرى مراسمه، بشكل عام، تبعا لآلية برتوكولية رتيبة يحضرها بعض الرسميين او من ينوب عنهم، وهي على اهميتها، تظل ابدا في الاطار الرمزي للمناسبة، ولن تضاهي احتفالا ثقافيا يجهد المشاركون فيه لتبيان مساهمات المكرم الفكرية ودورها الحضاري شأن ندوتنا اليوم التي نستذكر فيها الصديقين المؤرخين الاخوين الدكتورين عادل ومنير اسماعيل، ونحبوهما تحية ثقافية نابعة من قلب صادق، واقلام بارعة.

لقد كانا مؤرخين وترك كل منهما عددا وافرا من المؤلفات يتمحور مظمها حول تاريخ لبنان الحديث، وتشاركا احيانا باصدار المؤلف الواحد. وولم تكن مهمتهما سهلة، لأن التأريخ كما بات معروفا مسيرة شاقة، لأنه يقتضي الكثير من الاناة والجهد المتواصل والعيش في عالم الوثائق، ويجتهد المؤرخ لايقاظ الوثائق والاصول من صناديق النسيان بعد ثبات عميق ويعمد الى احيائها بعد مماتها ويرفق بها لكي لا تتلف او تصاب بضرر، وقد تغدو احيانا احد افضل اصدقائه. ويجهد لتبيان صحيحها من منحولها، وثابتها من مزيفها. ولا تقتضي مهمته التأليف في ما بينها بطريقة توليفية او سردية، بل عليه اليتبحر بالوثائق والاصول والمصادر لاعادة رسم الحدث ليس  يرغب بتكوينه تبعا لاهوائه وميوله، مدفوعا بمواقف مسبقة، بل يعمد الى اعادة رسمه بل تركيبه كما جرى في زمانه ومكانه، وبالتالي يعمل للاقتراب قدر الامكان من الحقيقة التاريخية، التي هي دائما مطلقة انما الوصول اليها يظل ابدا نسبيا ومرهونا بتوفر الوثائق والمصادر الضرورية والعمل على استجوابها او استقراءها بذكاء واناة، وع ذلك لن يكتمل العمل بطريقة سليمة الا اذا امتلك المؤرخ بصيرة ثاقبة وسليمة ومنهجية تحليلية تركيبية لاعادة تكوين الماضي.

 ولهذا ولاسباب اخرى غيرها، لست الآن بوارد ذكرها او مناقشتها، تتباين مواقف المؤرخين من احداث الماضي، وما النقد البناء الذي يصوب الى المؤرخ الا عملية تحفيذية من اجل تأريخ افضل.

وعلى هذا، الآن سينبري الاصدقاء المحاضرون العميد احمد حطيط والدكتوران سعاد ابو الروس سليم والياس القطار لدراسة او القاء الضوء، في هذه العجالة، على بعض من سيرة  ومؤلفات المغفور لهما ودورهما التأريخي.

هوية الكسروانيين ابن الحملات المملوكية

ادارة ندوة كتاب هوية الكسروانيين للدكتور لطيف لطيف.

ايها الاصدقاء نناقش في هذه الندوة كتاب الدكتور لطيف الياس لطيف المعنون ” قراءة جديدة في مذهب الكسروانيين ابان الحملات المملوكية”، وهو موضوع شائك وشيّق في آن. وقد اسرني منهج الدكتور لطيف العلمي الصارم الدقيق للتبحر بكل جوانب الموضوع منهجا ومضمونا بخاصة انني مختص بالعهد المملوكي من جهة، ودرّست مناهج التأريخ عند العرب والمسلمين في العصور الوسطى مدة ثلاثين سنة من ناحية ثانية.

ايها الاصدقاء اعتمد التأريخ في العصور الوسطى في المشرق العربي على عدة انماط ولعل من ابرزها: التاريخ العام الشامل الذي يتناول فيه صاحبه كل الاحداث في المشرق العربي مركزا على الكبرى منها، بخاصة تلك التي تؤثر على تطور الاوضاع في حاضرة الدولة. ويمتاز عنه التأريخ الاقليمي او المحلي بتدوين الاحداث التي وقعت في الاقليم الذي ينتمي اليه، من دون تجاهل الاحداث الكبرى من حيث تفصيلها بقدر انعكاسها على اقليمه، وتقدير اهميتها من زاويته الشخصية. ويعنى منهجي التراجم ولطبقات بكتابة سير موجزة لشحصيات مشهورة ( c.v.) تتناول مآثرهم ومثالبهم في آن واحد، ويشمل الاول شخصيات متنوعة غير متجانسة في حين ان الثاني يدون اخبار شخصيات متجانسة من حيث العمل مما يجعل من المنهجين مفاتيح للتأريخ العام لأن شخصياتهما تركت بصمات واضحة على احداث البلاد. اما منهج السيرة  فهو يؤرّخ تفصيليا لشخصية مشهورة ربما ترد فيها معلومات قد لا نجدها في مصدر آخر ما يجعل الاطلاع عليها ضروريا لتفسير بعض الاحداث. والى جانب هذه المناهج انتشرت كتب الادارة التي تركّز بشكل اساسي على نظم الحكم من دون ان تهمل التأريخ للاحداث التاريخية المهمة. وتكمن اهمية هذه المناهج بان بعضها يضيء على البعض الآخر بطريقة تكاملية، وتساعد المؤرخ على فهم الاحداث بطريقة افضل، وتمكنه من الاجتهاد عند غموض الحدث. وبالتالي يصبح لزاما على المؤرخ دراستها كلها.

ومن المؤسف حقا ان الموضوع الذي نناقشه اليوم لم يتناوله في مكانه وزمانه اي من المؤرخين اللبنانيين في العصور الوسطى صمن مفهوم التاريخ الاقليمي الذي لا يضيئ على الاحداث فقط بل يفصّلها، وهو عادة اكثر دقة وشمولا من التاريخ العام الذي يركز على الاحداث الكبرى في الاقاليم او يذكرها سريعا انطلاقا من تأثيرها على الدولةولم يؤرخ للحملات المملوكية على لبنان حين وقوعها اي من المؤرخين اللبنانيين، انما تناولها بعضهم في فترة لاحقة شأن صالح بن يحي في كتابه تاريخ بيروت، ما يحتّم علينا كمؤرخين لبنانيين الاعتماد على كتب التراجم والطبقات والسير والادارة وبخاصة على التاريخ العام لمؤرخين مصريين او من بلاد الشام.

ويقتضي المنهج السليم تحديد المصطلحات التي يشكل عدم الالتباس في مضامينها نقاط ارتكاز للتأريخ موضوعي يجنب المؤرخين الشطط والتفسيرات الكيفية. ويحوي كتاب الدكتور لطيف عددا من المصطلحات الرئيسة: كالرافضة، والظنيين، المارقين، اهل البدع، التيامنة، الدروز، الموحدين، جبال الظنيين، كسروان…من المفضل تحديد معانيها قبل استخدامها.

الى ذلك، يكتسب موضوع الكتاب ابعادا ايديولوجية ومذهبية بامتياز، ويتنازعها عدد من المؤرخين اللبنانيين المحدثين، ويزعم كل منهم ان الكسروانيين كانوا في اواخر القرن الثالث عشر ومطلع الرابع عشر على مذهبه الديني ناسبا اليهم وحدهم مقاومة ظلم الماليك للبنان واللبنانيين من دون ان يدرس الاطار الغام للحملات الملوكية من حيث اسبابها وابعادها، ومن دون ايضا ان يدرس بنية النظام العسكري الاداري المملوكي المرتبط غضويا بالنظام الاقطاعي، او ان يدرس موقف المماليك من الفئات الاجتماعية في دولتهم، بخاصة بخاصة نظرتهم وموقفهم من اجناد الحلقة.

ومن اجل فهم اوسع بل اوضح لندوتنا هذه سأوجز الاطار التاريخي العام في المشرق العربي الذي تشكل الحملات المملوكية جزءا منه او على الاقل انعكاسا لبعض تحولاته.

شكّل انتصار المماليك على المغول في عين جالوت عام 1260 نقطة تحول في تاريخ المشرق العربي والاسلامي: فهي من جهة وضعت حدا لانتصارات المغول، ومنعت سقوط آخر حصون المسلمين بعد ان كانت كل حصونهم الاخرى قد سقطت ابتداءا بالدولة الخوارزمية وانتهاءا بالخلافة العباسية في بغداد وما رافق ذلك من استباحة بعض المدن الاسلامية الرئيسة. واذاك لم تكن بعد دولة المماليك قد ثبّتت اقدامها نتيجة الصراعات الشديدة والمتلاحقة بين كبار الامراء على عرش السلطنة، وهذذ الصراعات سيتشكل ابدا سمة دولة المماليك حتى سقوطها.

وجهد المغول للثأر من المماليك واستغلوا سنة 1281 تمرد نائب الشام سنقر الاشقر على السلطان قلاوون واستنجاده بهم، وان كان قد تراجع عن ذلك لاحقا، فاغاروا على حلب وحماه واحرقوما ولكنهم انهزموا قرب حمص، وبالتالي لم يحقق اي من غاياتهم الكبرى.

وتجدر الاشارة الى انه بعد ان تفسّخت الامبراطورية المغولية نشأت دولة الإلخانيات في بلاد فارس واعتنق حكامها الاسلام على المذهب الشيعي الاثني عشري، وادى ذلك الى دفع مغول فارس  لاختيار احد امرين اما الخضوع او التبعية الدينية الاسمية لسلطة المماليك الدينية المبسطين سلطانهم على الاماكن الاسلامية المقدسة او انتزاع تلك الاماكن منهم، ما يحتم عليهم انتصار كبيرا على المماليك. وهذا المحور هو الذي يفسّر انتهاز الالخان الكبير غازان سنة 1299 فرصة اختلال الاوضاع المملوكية الداخلية بعيد وفاة السلطان الاشرف خليل، للهجوم على حلب وحماه وتدميرهما، ثم الانتصار على الجيش المملوكي المفتقر الى قيادة حقيقية في معركة وادي الخازندار قرب حماه، فتشتت من نجا المماليك بكل اتجاه، فاختار بعضهم الهروب عبر الساحل اللبناني حيث كمن لهم الكسروانيون عند وادي نهر الكلب فقتلوا عددا منهم بين امراء وجنود، وقبضوا على آخرين وباعوهم من الافرنج ما استدعى عضب المماليك. وزاد في الطين بلّة ان غازان اكمل زحفه نحو دمشق واستباحها بمساعدة بعض الشيعة والدروز ممن تركوا بصمات شنيعة بخاصة في جبل قاسيون، وحفظت تلك الاعمال المصادر المعاصرة للحدث وجعلت منها مبررا للحملات المملوكية على كسروان وتصنيف سكانه بالمارقين والخارجين على السلطة ويحل قتلهم تبعا لفتوى ابن تيمية ما جعل قتالهم واجبا دينيا.

ويتجلّى بصورة افضل الصراع على زعامة العالم الاسلامي بحملة غازان الجديدة على بلاد المماليك عام 1302 حيث انهزم في فلسطين في معركة مرج الصفر. فصار الكسروانيون متهمين بامرين لا تهاون بهما عند المماليك السنة: التعاون مع الصليبيين قبل جلائهم عن الشرق وبعده، ومع المغول عدوي المماليك، وبالتالي صار تأديبهم واجبا شرعيا. 

ولست ادري ايها الحضور الكريم لماذا تسابق بعض المؤرخين اللبنانيين لجعل الكسروانيين على مذهب كل منهم ناسبا الهيم الفضل في مقاومة المماليك!! متجاهلا عن عمد نصوصا وردت في كتب التاريخ العام لمؤرخين مشهورين اثرت عنهم الموضوعية ومعظمهم شغل مناصب ادارية في ديوان الانشاء كالعمري والنويري والمقريزي والقلقشندي وغيرهم، او كان قريبا جدا من السلطة المركزية شأن ابو الفداء. او لماذا عمد بعضهم الى اجتزاء النص الواخذ واستخدموا منه ما يناسبهم. ونتساءل ايضا لماذا لم يقارن بعض المؤرخين المحدثين النصوص المحققة الصادرة عن اكثر من دار نشر، لأن بعض المحققين ينزع الى تحوير المخطوط باسقاط كلمة من هنا او هناك. ولعمري انها حطوات بديهية ندرّسها لطلابنا بدءا من السنة الاولى الجامعية، ولا اعتقد ان من تناول الموضوع كان جاهلا لها، انما كان له موقف مسبق من الاحداث.

ونطرح سؤالا آخر لا يقل اهمية عمّا سبقه لماذا لم يعمد المؤرخ الى اعادة تركيب الاحداث على ضوء ما وفرت له نصوص المصادر المتعددة من معلومات، انما نحا الى تسخّير بعضها عمدا لتتلاءم مع موقفه المسبق من الاحداث مستخدما نظريات تعتبر ساقطة في علم التاريخ كالحتميات، والفرضيات او الاجتهادات الكيفية المفتقرة الى المسوّغات الموضوعية، ومتجاهلا ان الحقيقة في علم التاريخ هي دائما مطلقة ويظل الوصول اليها نسبيا ومرهونا بما توفره الاصول والمصادر من معلومات.

ايها الاصدقاء بعد هذه المقدمة الضرورية والطويلة نسبيا نترك الكلام للزميلين الصديقين العميد احمد حطيط والدكتور الياس القطار.

ادرة كتاب مي منصور :” صوب القاطع الثاني” يشارك فيها نخبة من اهل الاختصاص في الشعر والادب والاهوت والطرب.

مي

ان اشكالية الخلود تزامنت مع ادراك الانسان لذاته ولما تزل، وبررتها فلسفات دينية متنوعة في غالبية الحضارات القديمة، واحتلت مساحة واسعة في الاديان، وصارت محور معظمها. ولعبت، في الوقت عينه، ازدواجية الخير والشر، والمادي والروحي، ولعب تصارع هذه الاضداض دورا مهما في محاولة تفسير او استجلاء اشكالية الخلود والعدم، التي  أرقت عددا وافرا من الفلاسفة، واسفر فكر بعضهم عن نشوء انماط إلحادية.

يمكن القول: بقدر ما ينضج الانسان وتتقدم به السنون، ويزداد خوفه مما يخبئه القاطع الثاني، او الشك المقلق بوجوده، بالمقدار عينه وربما أكثر يجتهد لاستجلاء حقيقة الابدية لولوج ابوابها، وبعجزه عن استيعاب محتواها اللا محسوس يقتبس من فلسفة الاديان طرقا للخلاص الموعود الذي يهدئ النفوس، ويتقاطع معظمها حول نظرية الالم ونكران الذات والخضوع التام لعظمة الله ومشيئة الخالق.

هنيئا للمؤمنين الفعليين، فايمانهم مثار اعجاب واعجاز في الوقت عينه. ومن يقرأ كتاب صوب القاطع التاني لمي منصور قد يحظى بنفحة ايمانية منقذة. فالتوبة بكل تلاوينها معشعشة في حناياه، وهو ينضح بايمان عنوانه التخلي عن الذات من اجل الطفل يسوع سيد الخلاص والابدية، يسوع الفائز دائما، والمحب، والمتواضع، والمسامح وغافر الذنوب، ومنه تستمد مي القوة الروحية، وتنسحق على دربه املا بالخلاص من ادران الحياة. وليس تعبدها الصوفي للسيدة العذراء الا استكمالا لايمانها وتأكيدا عليه. فالسيدة العذراء حب في المطلق، تساعد على  العبور الهانئ الى القاطع التاني الذي يخشاه كثيرون. في حين ان مي جهزت جواز سفرها، ووضبت  حقائب العبور.

لن اطيل عليكم في سلوك هذا الدرب السماي الشاق المزروع بالايمان والتواضع، والخشوع والالم، وبالحب والقداسة والصلاة والتعبد والتأمل. المصاغ بنمطين ادبيين: الشعر والنثر بقوافي.

الشعر حالة روحية شديدة التجلي والانخطاف، تتعانق فيها الحروف عطوفة، وتتهامس الكلمات سكرى، ويندس التحنان ناعسا في فراش الاحلام يستل امنيات هائمة، وتتفجر العواطف صاخبة او تنساب هادئة هانئة لافرق، متلونة بانماط الاحاسيس. ويتزاوج فيها المحسوس باللا محدود، وتتهادى الدمعة مغناجة على وجدان الفرح، او كئيبة على مذبح الاحزان. وتعجز المآسي عن الاختباء وراء ظلال الهموم والاوهام. وتتآلف جميعها في لوحات عامرة بخلجات الوجدان المفعم باريج الروح وتنسكب في قوالب البحور، ويضبط ايقاعها تناغم القوافي فيولد الشعر الاصيل.

وعندما يعجز الخيال عن التعبير عن ذاته بحرية مطلقة، او يأبى المشهد العام الانصياع للقوانين اكتمالا لرؤية ارحب، واختمارا للاحاسيس اعمق، واطلاقا للعواطف اروع ،كما يفترض بعض الشعراء ممن يرفضون التقولب في بحور  الخليل الرئيسة، والانصياع لايقاع القوافي المعهود. ويضبطون نظمهم في اوزان وليدة او مستولدة او على غير وزن،  مخافة حؤول صرامة القوافي بين تناغم روعة المشهد وسمو التعبير اللفظي. آملين ان يعكس تتزاوجهما اسرا للنفوس وحبسا للانفاس، وقد يسمى هذا النمط نثرا بقوافي. شأن قصيدة نازك الملائكة الخالدة التي تدين فيها جريمة الشرف:” اماه وحشرجة ودموع، وانبجس الدم، اماه واختلج الجسم المطعون… ولم يسمعها الا الجلاد… وهذا ايضا نمط آخر من عيون الشعر.

ثار آخرون على بحور الشعر والقوافي معا متفلتين من كل القواعد الناظمة، مستولدين ادبا نثريا على غير وزن، يستثسغون فيه موسيقى الجمل الراسمة لوحاتهم من دون قيد. افساحا في المجال ربما لاذكاء اوسع في العواطف،  ومدى لا محدود للخيال. وتحمله موسيقى شعرية من دون ان يرقى الى مستوى الشعر. قد يطلق هذا النمط نثر بقوافي.

ايها الحضور الكريم، لست هنا في هذه العجالة بوارد تقويم الفنون الشعر والنثرية، وان كنت شغوفا بها، ولا ادعي المقدرة على خوض غمار هذا المضمار، وانا القادم الى هذا المنتدى الثقافي من حقل التأريخ. وقد يتناوله المحاضرون المشاركون في هذه الندوة.

 الاب الدكتور بول ناهض: كاهن صادق مع نفسه وايمانه، يخدم رعية مار يوحنا المعمدان في البوشرية، ويتولى في الوقت عينه ادارة مدرسة السان جور في الزلقا. شغوف بالكتاب المقدس لدرجة التماهي فيه، ما دفعه لتحضير اطروحة دكتوراه مبنية عليه بعنوان ” آداب الكتابة”.

د. سهيل مطر: اكاديمي بامتياز، يشغل منصب مدير العلاقات العامة في جامعة اللويزة وهو في آن استاذ محاضر فيها. له مؤلفات عدة. لم يعتل مرة منصة الا ووددت الا ينتهي الوقت. لأن حضوره لافت، وخطابه آسر، وفكره ثاقب ترافقه بشغف الى حيث يريد وانت في منتهى الغبطة.

د. رفيق روحانا: شاعر بالفطرة يعشق النظم باللغة العامية (اللغة اللبنانية)، صقل موهبته بالممارسة، والدراسة التي توّجها بحصوله على دكتوراه دولة في الادب العربي من الجامعة اللبنانية على اطروحته المعنونة ” ثورة اللغة والحرف”. وهو استاذ ادب عربي، اسس منتدى “ملكوت الشعر” منذ حوالى ربع قرن سأذكر فقط من مؤلفاته العديدة باكورتها،: تقاسيم على القيم، واحدثها : ذكرياتي مع سعيد عقل”.

هيام يونس: مطربة بالفطرة، اعتلت المسرح وهي بعد لم تجاوز الخامسة من العمر، غنّت في كل اللهجات العربية، وهي مطربة العرب كل العرب. قد تنسى الذاكرة الكثير من الاغاني ولكنها قطعا لن تنسى ” تعلّق قلبي طفلة عربية…” وهي ستسمعنا اليوم ” يا أم الخليقة “من كلمات الشعارة مي منصور.

الآنسة جنفييف: مرنمة   

ي ادارة ندوة كتاب الدكتور شربل داغر ” بين السلطان والمقاطعجيين والعوام: الحراك والافق” في 6-11 – 2013

ايها الاصدقاء، ننتدي واياكم في رحاب الحركة الثقافية – انطلياس، لمناقشة كتاب الدكتور شربل داغر المعنون:”بين السلطان والمقاطعجيين والعوام: الحراك والافق”

يعزو تونبي تطور المجتمعات الى صراعات بين تيارات داخلية واخرى خارجية متعارضة معها، او الى تيارات داخلية قديمة واخرى تتوق الى الحداثة. فينتج عن هذا التفاعل التناقضي مسارات جديدة تكسر، على المدى القصير او البعيد وتبعا لشدة الصراع، الجمود الاجتماعي والسياسي، وتفسح في المجال الى بروز جديد ما تتحدد هويته وتاثيراته بتطور الاحداث.

على هذا تعرض الجبل اللبناني الى عدد من التحولات في القرن التاسع عشر هزت بنيانه السياسي والاجتماعي والسكاني والاقتصادي والفكري، تأتت من صراع على مستويات متعددة بين الموروث والتحرر من التقليد، وتأثرت في آن بمستجدات داخلية وعوامل خارجية متعاقبة. اجد من المفيد الاشارة اليها من دون الغوص في التفاصيل تاركا للمحاضرين الكرام امر العناية به.

 ويستوقفني في هذا المحال حدث انتقال الامارة من المعنيين الى الشهابيين في اواخر القرن السابع عشر 1697 لمساهمته الفعالة باحداث تحولات سياسية وادارية واجتماعية واقتصادية في الجبل اللبناني. وقد اسماه جان شرف الميثاق الشهابي، لأنه تم خلافا للتقليد الموروث؛ فبموجبه حصر الاعيان الامارة بالبيت الشهابي، وقيًدوا الامير بضوابط بنيت على مبدأ الشورى في الحكم. فشكلوا بذلك مجلسا استشاريا غير رسمي، حاصر صلاحيات الامير المطلقة. فاشترطوا عليه عدم تجنيد الاهلين الا بعد بموافقة الاعيان لأنهم هم وحدهم القيمون عليهم. وتعهد لهم الامير بشير الاول مقابل اعتلائه سدة الامارة الا يزيد الضريبة الا بمقدار …والا يقتل احدا من الاعيان. فصار الامير بموجب هذا الميثاق اول بين متساويين. و”انتقل مجتمع الجبل من التعايش الى الاجتماع السياسي الذي تمحور حول مفهوم السلطة وطرق ممارستها في المجتمع التعددي.” على حد تعبير جان شرف، بل بات المجتمع مركبا.  وكان اخلال اي حاكم بمندرجات هذا الميثاق غير المكتوب يهدد استقرار الجبل على المستويات كافة، لا سيما الوضع الامني.

يعتبر عهد الجزار نموزجا فذا في الفوضى السياسية، والرعب الاقتصادي، فقد شكل ابتزازه للامير والاعيان على حد سواء احد اهدافه الخبيثة. حتى باتت خلعة الولاية اكثر كلفة من نتائجها على المستويين الاداري والمالي، ما دفع الامير الحاكم ( يوسف حينا وبشير الثاني حينا آخر) الى خرق الميثاق الشهابي على الاقل على مستوى زيادة الضرائب، والاستقرار الداخلي.

 شكل موت الجزار سنة 1804 منعطفا جديدا في مسار الجبل اللبناني، فاستعاد الامير بشير الثاني توازنه، وشرع يبسط سلطاته على الاعيان ويسترد صلاحياته، مسقطا من حسابه مندرجات الميثاق الشهابي. فما عاد الحكم شورى بين الامير والاعيان، وصار المساس بصلاحياتهم الاقطاعية والادارية كما قتل من بشكلون خطرا عليه مباحا. ما ادى الى تبدل تدريجي في التركيب الاجتماعي في الجبل لصالح العامة. والى ذلك، ساهمت عوامل كثيرة في هذا التحول لاسيما الاختلال الديمغرافي لصالح المسيحيين، وتأثيره على بعض الامراء الدروز  ممن تحول تباعا الى المسيحية.

وساهم خطا شريف كلخاناه وشريف همايون في تحول بنية مجتمع الجبل؛ فاعتراف العثمانيين بحقوق الملة سنة 1839، وبالمساواة بين المواطنين امام القانون عام 1856. لم يستوعبهما غير المسيحيين في السلطنة العثمانية لا سيما في الجبل اللبناني. وبات اقرارهما مكسبا للمسيحيين  وغرما لغيرهم، وبالتالي عاملا صراعيا اضافيا.

وشكلت حملة ابراهيم باشا على بلاد الشام احدى اهم التحولات التي عرفها مجتمع الامارة اللبنانية، لأن المساواة بين المواطنين وخرق شروط الذمة على الاقل لجهة حمل السلاح والخدمة العسكرية سبقت عهد التنظيمات العثمانية. فلم يستثغ الدروز بل لم يستوعبوا انخراط المسيحيين في جيش الامير بشير الثاني. واشتد قلقهم من الاخلال الديمغرافي لصالح المسيحيين ايضا.

وادت زيادة الضرائب وتكرارها في العام الواحد الى نقمة الناس والاعيان على الحكم المصري والامير بشير الثاني. وجاء تجريد الاهلين من السلاح ليزيد في الطين بلة. وادت ثورات الدروز على الحكم المصري واضطرار الامير الى قتالهم بجيش من المسيحيين الى الاخلال بثوابت التركيب الاجتماعي والسياسي. وزاد في الامر سوءا اقتصاص الامير من الاعيان لصالح المؤسسات التي استحدثها ليتمكن من الحكم، فخسر الاعيان الكثير من مصالحهم، وانتعش وضع العامة نسبيا .

وادت اشكاليات الضرائب الى قيام العاميات. التي تعتبر حدثا قائما بذاته، يؤشر الى اختلال في البنى الاجتماعية والسياسية. وهي تطورت تدريجا الى ثورات ليس على الامير والمصريين فحسب بل على الاعيان ايضا، واستغلها الخارج ليزيد الوضع تأزيما.

 وبنفي الامير بشير الثالث اانتهى الحكم الشهابي ونشأ حدث بالغ الاهمية تمثل باعتراف العثمانيين للمرة الاولى بحاكم مسيحي على جزء من الجبل “في القائمقامية المسيحية”. واهتزت البنى الاجتماعية والسياسية في الجبل، ونشأت المجالس، وصار للعامة دور بارز، ليزداد ابان الفتن الطائفية، مع بروز قادة جدد من جارج الامراء والاعيان، عرفوا بالشباب، وشيوخ الشباب.

ازداد هذا التطور في عهد المتصرفية، بحيث ادى النظام الاداري الجديد الى خلخلة بنية نظام المقاطعجي. فصارت الاهمية للمجالس المنتخبة بدءا من اسفل الهرم: المختار، مرورا بشيخ الصلح، والمندوبين، والقضاة، والمدراء، والحاكم، والقئمقام، بالتكامل مع نشوء الاقضية والنواحي.

ان اهمية كتاب الدكتور شربل داغر ” بين السلطان والمقاطعجي والعوام: الحراك والافق” هو ليس دراسته للبنى المتعددة في الجبل وتبيان الحراك الاجتماعي على حساب التقليد الموروث المتمثل بالامراء والاعيان عامة فحسب، انما بتطبيقه على البترون عموما وابرازه دور تنورين في هذا الحراك بالاعتماد على وثيقة جديدة. ان هذا النوع من الابحاث والدراسات يزيدنا معرفة بماضينا، ويوضح الفروقات بين التنظير والتطبيق العملي. ويلغي الكثير من المقولات التي اجترها كثيرون من دون الغوص في العمق. وكان قسم التاريخ في كلية الآداب الفرع الثاني رائدا بدراسة التاريخ الاجتماعي والريفي،  ولعل من ثماره اليانعة اطروحة الدكتور سيمون عبد المسيح.