ندوة ميشال عاصي  

    ادارة د. انطوان ضومط

ان نكرّم مثقفا هي صلاة نرفعها على مذبح الحضارة، فنتماها معه سيرة ذاتية تتوجها هامة ثقافية فذة، هو فعل ايمان بالثقافة ودورها الريادي في محاكاة شعور الناس، هو خشوع للمعرفة واهلها واجلال للفكر. هو تعبير عن ذواتنا في ذاتية المثقف، وتكريم لانسانيتنا في عالم بدأ يفقد معاني الانسانية، انه حضور العقل في عالم الفكر يحفّزنا للكد والجد.

ايها الاصدقاء، ان تكريم المثقف واجب علينا نحن اهل الثقافة لنفيه بعضا من حقه على المجتمع والوطن بل على العالم، بتسليط الضوء على مساهماته الحضارية، وبالتبحر في انتاجه الفكري ليأنسَ في حنايا نفوسنا، ويرتعَ في خبايا عقولنا خميرة تحفّزنا لاكمال دربه وتطوير مرتكزاته  الفكرية. من حقه علينا ان يهدى ابحاثا باقلام مثقفين ارتبطوا به بمنازل وعلائق متنوّعة. انها لعمري اروع هدية تختزن محبة وتقديرا مستديمين

واذا كان التكريم، الذي يحتفل به ارباب الدولة، تخليدا لذكرى المحتفى به فان آليته البرتوكولية الرسمية، على اهميتها، تظل في اطارها الرمزي، ولن تضاهي ابدا احتفالا ثقافيا يجهد المشاركون به في تبيان مساهمات المكرم الفكرية ودورها الحضاري شأن ندوتنا اليوم نتذكر فيها ميشال عاصي، وننحني اجلالا له، لمثقف فذ من بلادي، ونقدم له تحية نابعة من قلب صادق، واقلام بارعة.

ايها الاصدقاء، ولد ميشال عاصي عام 1927 في بيئة مدينية ريفية، في زحلة يوم كانت بعد ترتقي سلم المدينة (لتصبح مدينة) مثابرة على التمسك بمآثر القرية اللبنانية، عاش في بيئة فقيرة تصارع البؤس، وتعارك العوز، وتسرق الاود من الحرمان، ما جعل ميشال عاصي يتنقل بين عدد من مدارس حيه في الحارة التحتا او القريبة منه الى ان استقر في الكلية الشرقية ونال فيها سقف التعليم في البقاع اذاك عنيت (البكالوريا القسم الاول).

وبما ان الطموح حدوده الفراغ دأب ميشال عاصي يجهد لتحقيق ذاته، فلم يقعده الفقر والعوز عن متابعة دراسته، ولم يخجل، تحقيقا لهذه الغاية السامية، من ممارسة اي مهنة شريفة؛ فقد ارتضى ان يكون صبي حلاق وحداد واللحام… عمل ايضا ولثلاث سنوات متتالية سائق سيارات على اختلاف انواعها واحجامها متنقلا بين زحلة وبيروت ودمشق، فجمع مبلغا من المال جعله يعيش صراعا داخليا مريرا: ايركن الى المهنة المحدودة المستقبل بما تدر عليه من ارباح آنية، او ينخرط في عالم الدراسة الرحب المؤدي الى الافق الثقافي اللامحدود؟ وقد قال عن معاناته تلك:” اعتقد ان قدري هو الصراع الدائم بين الغاية والوسيلة، بين الهدف والطريق المؤدية اليه.” فاختار الطريق الاصعب وأللاذَ مذاقا، مزاوجا بين الدراسة ومهنة التعليم فنال البكالوريا القسم الثاني.ثم اجتاز بنجاح امتحان دار المعلمين العالي (كلية التربية الحالية). وادرك ان مهنة استاذ تعليم ثانوي ليست الا محطة يرتاح فيها ريثما يمكنه وضعه المالي مجددا من ارتقاء درجات اضافية على سلم التعلم والثقافة غير المحدودين. ولما اختبر التعليم وجد ان اساليبه وطرقه لا تتوازى مع اهدافه البعيدة، فعبّر عن تلك التجربة المريرة قائلا:” ولا اغالي ان قلت ان آفة التعليم في بلادنا هي كونه يفصل بين الواقع المعيوش والنظريات المطروحة.”.

وظلّ طموحُه وشغفُه بالثقافة حتى الادمان يحفّزانه للارتقاء سلم التعليم، وللغرف من عالم المعرفة ليغدو بدوره مرجعا معرفيا. وكان يعتقد ان الجامعات الفرنسية تؤمّن الكسب الثقافي والغنى الحضاري فجهد للالتحاق باحداها. وبعد لأي مضن مشفوع بالوساطات السياسية اجتاز مصاعب المعاملات الادارية وسافر مع قرينته فرقد الى فرنسا حيث نال دكتوراه في الادب العربي باشراف المستشرق العلامة شار بلاّ، وعاد بها الى بيروت يصارع للتدريس في الجامعة اللبنانية، ويعارك فيما بعد للدخول الى ملاكها التعليمي. الى ان حقق الاثنين معا وصار عميدا لكلية التربية، ومن ثم رئيسا للجامعة اللبنانية بالتكليف.

ايها الاصدقاء لن ادخل في مشاكل واشكاليات العلاقة بين الجامعة اللبنانية والسلطة السياسية ضنا مني بالوقت المحدد لي بخاصة انني متهم دائما بتجاوز دوري كرئيس للجلسات الى منتد فيها. انما سأقول فقط انها علاقة جدلية بين افقين متعارضين على المستويين الثقافي التعليمي والمادي، وان مجلس الوزراء ما يزال حتى اليوم يسطو على استقلال الجامعة الاكاديمي والاداري والمالي، وبالتالي فهل كان بمقدور ميشال عاصي بين تموز 1988 وحزيران 1991 ان يمارس مسؤولياته الجسام المثقلة بما كان يرتبه الوضع السياسي المتعارض مع قناعاته الذاتية، في تلك المرحلة الحرجة والظروف المأزومة؟ فالحكومة كانت حكومتين والوزير وزيرين، والمراسيم جوالة، والانتقال بين الشرقية والغربية عرضة لمختلف انواع المخاطر والرعب. وهو يقول في هذا الصدد:” اقسم بكل غال وعزيز علي ان ما عانيته في رئاسة الجامعة…كان فوق التصوّر والاحتمال.”

ايها الاصدقاء لن اتطرق الى مؤلفات ميشال عاصي الكثيرة فاسحا في المجال امام الاصدقاء الزملاء المنتدين الكلام عليها، وهم مميزون بحسن النباهة والتقويم الاكاديمي ولصوق المعرفة الشخصية بميشال عاصي الذي نستذكر اليوم نرسل اليه ألف تحية وتحية.

ادارة ندوة كتاب الدكتورة سعاد سليم ابو الروس “الوقف الارثوذكسي خلال العهد العثماني “

ان الحركة الثقافية – انطلياس في اطار نشاطات المهرجان اللبناني للكتاب، تنظّم هذه الندوة حول كتاب الصديقة والزميلة الدكتورة سعاد ابو الروس سليم المعنون ” الوقف الارثوذكسي في لبنان خلال العهد العثماني”، نظرا لاهميته، وتعميما للفائدة حول موضوع الاوقاف في لبنان.     

ايها الاصدقاء

منذ ان استقر الانسان في جماعة نشأت علاقاته الجدية بالارض، وعلى رغم انتظام اموره الاجتماعية والقانونية او العرفية بخاصة في الاميراطوريات الكبرى استمرت الاشكالات حول ملكية الارض واستغلالها،  وقد تباينت احكامها في ما بين الدول.

وان عجز الانسان عن تفسير معنى الوجود ومسألة الخلود دفعه الى ابتداع الآلهة ليلوذ بها، فشيّد لها الحكام على وجه العموم الكثير من الابنية الدينية، وخصصوا لها الكهّان ومساعديهم، وافردوا لها الاراضي اما اقطاعا او استغلالا. لأنها وحدها كانت باعتقادهم قادرة على السيطرة على مصائر الناس والتأثير باحوال الطقس ، والتخفيف من الكوارث، والبراء من الامراض، والانتصار في النعارك وهكذا… واعتقد الناس انهم كلما تماهوا في عبادتها وقدّموا لها القرابين والهدايا والهبات واكثروا من وهبه الاراضي لها، بالمقدار عينه تمنحهم بركاتها وتستجيب لطلباتهم. والى ذلك شكّل وهب الاراضي لأماكن العبادة احد اهم ركائز نشؤ نظام الاوقاف.

وعجزت الديانات التوحيدية عن محو تلك العادات لأنها باتت في صلب الثقافة العامة الاجتماعية والتراثية. واستبدل المؤمنون المسيحيون الآهة المتعددة بالآه الواحد والقديسين، وشيّدوا لهم الكنائس والاديار، واوقفوا عليها الاراضي. وفرضت الانظمة الديرية على رهبان الاديار نمطا قاسيا من حياة التقشف والزهد فمارسوا الى جانب عباداتهم، وما تفرضه عليهم حياتهم الدينية من علاقة اجتماعية واخلاقية ودينية ورعائية تجاه محيطهم الاجتماعي، العمل القاسي بالارض، فباتوا فلاحين او مزارعين في اديارهم واستصلحوا الاراضي.

واذا كانت المسيحية قد اقرّت نظام الوقف فان الاسلام حدد له شروطا خاصة، فالارض في الاسلام هي ملك لله، ويحقّ للخليفة او من ينوب عنه اقطاع الاراضي اوتمليكها. ولما كثرت الاماكن الدينية الاسلامية كالمساجد، والجوامع، والتكايا، والزوايا، والربط، والترب والمدارس…التي انشأها الحكام او اصحاب المراكز السامية، و اهل الخير والصلاح، واوقفوا عليها الاراضي والمعاصر وما الى ذلك لكي يرتزق بها القيمون عليها، وهي في المنظار الاشلامي الشرعي وقفا ابديا لا رجوع عنه.

والجدير ذكره ان العالم الاسلامي المشرقي، بوجه عام في العصور الوسطى بدءا باواخر العصر العباسي الثاني وانتهاء بعهد المماليك، قد حكمته انظمة عسكرية تمتع بموجبها اولئك الحكام الاغراب بحق الانتفاع بالارض من طريق الاقطاع اما استغلالا او تمليكا، وبتعبير اوضح اُعطي الاقطاع للوظيفة. وكان يسقط عن صاحبها بمجرد تركه الخدمة. وكان بعض اصحاب ذي الشأن قد ملكوا الكثير من الاراضي ابان ممارستهم لوظائفهم، ورغبة منهم بتوريث بعضها في ذريتهم، لكي لا يسترجعها بيت مال المسلمين، ابتدعوا نمطا جديدا من الوقف عرف ” بالوقف الذري”. وهي طريقة احتيالية على الشرع ان جاز التعبير، بحيث كانوا يوقفون الكثير من الاراضي التي كانت في حوزتهم اما على تربة او مدرسة شيّدوها، او مسجد بنوه او غير ذلك مما ذكرنا من الابنية الدينية والاجتماعية والثقافية، ويذكرون في وقفياتهم عدد القيّمين على الوقف ومهام ومقدار راتب كل منهم،  ويجعلون احد ورثتهم قيّما عاما عليه يتوارث مركزه ابناؤه من بعده. وانتقل هذا النمط، بنسب متفاوتة، الى الاوقاف المسيحية، فعمّ المناطق المشرقية كلها ومنها لبنان، ولم يكن حكرا على مذهب محدد، بل شمل كل المداهب المسيحية.

ودرج الحكام بخاصة السلاطين وكلما كانت تزداد الاملاك الموقوفة نتيجة مساهامات المؤمنين لاهداف دينية محضة، او غايات اجتماعية اما تقربا من الله في المطلق، او ايفاءا لنذور، على السطو عليها متوسلينن انواع الذرائع، كالاستعداد لمجابهة خطر خارجي، او لبناء اسطول، او لأن قحطا ما قد ضرب البلاد… ولم تسلم الاوقاف المسيحية بدورها من عملية السطو تلك، فتوسّل السلاطين ذرائع لايمكن تصنيفها الا في خانة السلب لزيادة اموالهم، او لتوفير بعضها لصالح بيت المال الذي يكونون شبه افرغوه  من الاموال،  كأن يُزعم ان الافرنج سطو على مراكب تجارية اسلامية، او اعتدوا على ثغر اسلامي ما، وما الى ذلك.

اما الاراضي الاقطاعية في العهد العثماني فقد توزعت وفق تنظيم جديد: التيمار، والزعامت، والخاص الهمايون. وغدت اراضي الاوقاف المسيحية جزءا من اراضي التيمار، ويسري عليها القانون العثماني الذي كان يميّز بين اراضي الملك التي تخضع لضريبة الخراج، والاراضي الاقطاعية الاخرى التي تضمّن وفق النظام المذكور. ولم يسر الاقطاع العثماني على نمط واحد: فقد بدأ بنظام فرسان السباهية، ثم الملكانة فالالتزام  بانواعه المتعددة. ولم تكن دائما مواقف السلاطين والولاة والحكام الاقل شأنا متطابقة الرؤى الاقتصادية والمواقف تجاه المسيحيين ومنها مسألة الاوقاف، فهي تنوعت بين تأزيم وتساهل، بخاصة انه يمكننا ان نميّز في العهد العثماني بين ثلاثة مراحل محددة المعالم: القوة والازدهار، الانحطاط، التنظيمات على الرغم من كونه جزءا من عهد الانحطاط. وهي من دون شك كانت بالغة التأثير على حكام المقاطعات اللبنانية.

ايها الاصدقاء، لن اتطرق بالكلام على الاقطاع العثماني الى اكثر من ذلك لأنه يتقاطع مع موضوع هذه الندوة من حيث علاقته العضوية بالاراضي الوقفية، علما ان لي مساهمات واسعة فيه، ولا سيما الدرسة المعنونة ” الاقطاع العثماني بين الحداثة والتقليد”، فاسحا في المجال للمحاضرين الكرام للكلام عليه.

في 21 – 3 2009

الحملات المملوكية على كسروان.

ألقي هذا البحث في المعهد الثقافي الفرنسي في بيروت بتاريخ 22 – 1 – 2014

ان موضوع الحملات المملوكية على كسروان اشبع درسا، ومع هذا يستوقفني في هذه المداخلة ثلاث نقاط نقاط اساسية لا بد من ابراز دورها في هذا الشأن، لأنها باعتقادي تتقاطع مع بعض اسباب الحملات التي درسها المؤرخون، وتضيء على بعضها الآخر، وبالتالي يصبح النقاش أكثر غنى واثارة، والافادة اعم. اما النقاط فهي:

1 – محورية معركة عين جالوت كنقطة تحول في تاريخ المشرق العربي عامة، وفي تدعيم ركائز دولة المماليك. باثبات جدارة المماليك بحكم مصر والشام، وبالعمل على طرد كل القوى الغريبة غير المسلمة، واخضاع كل المناطق العاصية. ومنها كسروان.

2 –  استناد الجيش المملوكي على اجناد الحلقة كعنصر اساسي في بداية عهدهم، وتبيان علاقتهم التنافسية في ما بعد بالمماليك السلطانية، ودورهم في الحملات على كسروان.

3 – فساد المماليك منذ نشأتهم والصراع المستمر في بين كبار الامراء، حتى في احلك الظروف، ودوره في الحملات.

1 – اثبات جدارة المماليك: درس معظم المؤرخين الحملات المملوكية وكأنها عمل منفصل عن الوضع الداخلي عند المماليك. فلم يتطرقوا الى السلوك العدائي لكبار الامراء  بعضهم ضد البعض الآخر. فمنذ قيام دولتهم لم يبالوا بجدية بالمخاطر المحدقة بهم، الا في حالات نادرة. فمنذ  استيلائهم على السلطة في مصر  عام 1250 استمر امراء  البحرية الكبار المعروفون بامراء المائة بالصراع على السلطة، وانقسموا على انفسهم وتحاربوا تكرارا، لأنهم كانوا في العرف المملوكي متساويين تماما في المنزلة، ويعتبرون السلطان اول بين متساويين ليس الا. هذا الامر يفسر قلة مبالاتهم بالخطر الايوبي على دولتهم الفتية. حتى ان بعضم التحق بخدمة ايوبيي بلاد الشام الطامعين بعرش مصر، نكاية بمن بيده السلطة، اما لأنه لم يعطهم اقطاعات تتناسب مع ما يطمحون اليه، او لرفضه الخضوع لسطوتهم  والتناغم مع اهوائهم. ما اضعف منزلتهم عند المسلمين عامة، وسمح للايوبيين مرارا العمل على استرداد عرش مصر السليب. ولكن الخطر المغولي وحدهم آنيا في معركة عين جلوت 1260، من دون ان يزيل الاحقاد والاطماع الدفينة، لأن مصيرهم كان على المحك. ومن العسير نفسير قتل السلطان قطز بطل عين جالوت على يد بيبرس، الذي تبوأ العرش مكانه، الا من هذا المنظار، وهو دليل قاطع على تجذر معظمهم بقلة الوفاء والخيانة.

اراد بيبرس اثبات جدارته، اولا بازالة المؤامرات الداخلية وهو الخبير بها تماما، ومن ثم وتأمين حدود الدولة بازالة ما يمكنه من الخطرين المغولي والصليبي. فجهد يضرب القوى المناوئة في بلاد الشام الداخلية، وعلى اطرافها الشمالية، ويسترد المدن الساحلية من الصليبيين من دون ان يتمكن منها كلها. ونجح قلاوون ومن بعده ابنه الاشرف، بتحرير السواحل من الصليبيين. وبقيت مناطق داخلية حليفة للاعداء عصية على الدولة كان لابد من اخضاعها. وهنا تداخلت اسباب كثيرة في ما بينها حتمت على المماليك اخضاع الكسروانيين، لن اكررها بل سأحاول تبيان تقاطعها مع نقاط هذا البحث الاساسية.

من الواضح ان الشعور الديني والمذهبي بلغ مستويات عالية جدا منذ دخول الصليبيين الى الشرق، وازداد حدة بهجوم المغول على البلاد الاسلامية والقضاء على دولها تباعا كالخوارزمية وسلاجقة الروم، ومن ثم انهاء الخلافة العباسية في بغداد 1258. فبات المسلمون في ضياع ديني ان صح التعبير. وزاد في الامر سوءا استغلال هولاكو الصراع السني الشيعي الذي ظل محتدما في تلك الاوقات الحرجة بل المصيرية، فاتخذ احتياطات امنت سلامة قبر الامام علي بالنجف من التدمير. وتشير بعض المصادر الى مساعدة الشيعة للمغول. ما اجج الصراع المذهبي الاسلامي.

 كانت دولة المماليك الوحيدة التي تمكنت من ايقاف المد المغولي، لذا توجب على سلاطينها الاستعداد للتصدي لهجمات المغول المتوقعة، والعمل ايضا على طرد الصليبيين من سواحل بلاد الشام، وتحصين دولتهم ضد كل الاغراب. ما يعني  الاقتصاص من كل من يساعد اعداء الاسلام او يعتقدون انه سيساعدهم. وباعتقادي انهم كانوا يحاولون حفظ انفسهم من السقوط اكثر من التزامهم الديني، لأن تاريخ المماليك يشي بذلك. وباتوا بنظر  معظم المسلمين حماة الاسلام، ما اوجب على السلاطين مجاراة بعض رجال الدين السنة ممن كانوا يرغبون بتحويل كل السكان على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم الى الدين الحنيف. ويحتل ابن تيمية مركزا متقدما في هذا الاطار، ويليه آخرون لا سيما تقي الدين السبكي،( كتابه الدسائس في الكنائس)، والشيخ خضر بن ابي بكر العدوي وغيرهم… الذين أججوا الصراعين الديني والمذهبي،  ما حتم اخضاع المتمردين في جبل لبنان من الشيعة، والدروز والموارنة، تبعا لهذه المقولة، التي تبناها مؤرخي العصور الوسطى ومعظم المحدثين .

ولكن هل هذه الدوافع وحدها هي التي حدت بالمماليك التصرف بوحيشية قاتلة ضد الكسروانيين ؟!! وبالتالي الى اي حد كانت قوة الكسروانيين فاعلة او قادرة للخروج على السلطة المملوكية واعلان دولتهم  او الامارة المستقلة عن الدولة ان جاز التعبير؟!! وهل كانوا على درجة عالية من الغباء للوقوف بوجه سلطة تمكنت من المغول، واستولت على الكثير من المدن والابراج الصليبية، ام كان موقفهم دفاعيا محضا ؟!

يستوقفني امر في غاية الاهمية: هل عرض المماليك على الكسروانيين الخضوع للسلطة الجديدة والانخراط في الحلقة، والافادة من مميزاتها الاقطاعية؟! ام طلب منهم فقط وفقا للمؤرخين المعاصرين التخلي عن مذهبهم واعتاق الاسلام على المذهب السني، انها اسئلة بل معادلات بحاجة الى نقاش معمق.

هناك سؤال آخر قد يكون اكثر اهمية: لماذا لم تعط المناطق الكسروانية بعد اخضاعها، بالوحشية التي صوّرتها المصادر، والتي افقدت الكسروانيين كل مقدرة قتالية، وكل امكانية للعيش البسيط، الى التنوخيين حلفاء المماليك، وهم اجناد في الحلقة المملوكية؟! ما يدفعني للكلام على النقطة الثانية: اي علاقة اجناد الحلقة بالجيش المملوكي، وبالسلطان والامراء.  

2 – دور اجناد الحلقة: نشأ مفهوم الحلقة، كجيش مرتزق من الاقطاع منذ شيوع انظمة الاقطاع العسكري في المشرق العربي، وتحديدا منذ العصر العباسي الثاني. واخذت ابعادها الحقيقية في العهد السلجوقي من دون ان يسمى افرادها يومئذ اجناد حلقة، على الرغم من التشابه الكبير في المميزات. وفي العهد الايوبي اتضحت تماما الخصائص الرئيسة لاجناد الحلقة الذين شكلوا عصب الجيش.

ضمّت الحلقة في العهد المملوكي ثلاثة انواع رئيسة: الاجناد الاساسيين ممن حق لهم قانونا بالاقطاعات، وكانوا يشكلون في بداية العهد المملوكي عماد الجيش، بل كانوا جند السلطان المختارين (نجوم، 7، 160-161)، ومن ثم شكلوا غالبية الجيش المملوكي، وكان نصيبهم من الاقطاعات اربعة قراريط من اصل اربع وعشرين قيراطا، وهو مقدار وافر جدا يدل على منزلتهم الرفيعة. ويعتبر ابن تغري بردي ان الحلقة  ظلت في مطلع عهد بيبرس جند السلطان المختارين، ولما انتصر على التتار سنة 671ه خلع على مقدمي الحلقة ما يليق بكل واحد منهم. تبدلت بنية الجيش عندما انشأ السلطان قلاوون فرقة المماليك الجراكسة، وصارت نوعين: المماليك السلطانية، واجناد الحلقة. يتوزع المماليك السلطانية الى اربع اقسام: الاجلاب، القرانصة، والسيفية، واولاد الناس. وسكن هؤلاء جميعهم في الطباقات اي الثكنات العسكرية. وتكوّن القرانصة من مماليك السلاطين السابقين اي مماليك بيبرس واولاده، ومن تلاهم من سلاطين توفوا او قتلوا او عزلوا. اما السيفية فكانوا مماليك الامراء السابقين ممن توفوا او عزلوا. وعرف ابناء السلاطين باولاد الناس. وانتسب الى الحلقة ايضا جماعات من الوافدية متعددي الجنسيات او الاعراق: كالخوارزمية، والشهرزورية – نسبة الى مدينة شهر زور – السليمانية اليوم_ الهاربين من وجه هولاكوا. ومغول، تركمان، اتراك واكراد وغير ذلك…وبالتالي لم يعد اجناد الحلقة متجانسين من حيث العرق، والتربية والعادات، وجرى  تنافس شديد في ما بينهم على الاقطاعات والنفوذ والمراتب. كما تنافسوا في ما بعد مع المماليك السلطانية الذين صاروا يتاقضون، اضافة الى  جوامكهم، (رواتب) عينه اي اقطاعات في الحلقة متجاوزين القوانين المرعية الاجراء، التي تجيز لهم الجوامك فقط. ما ادى الى تنازع بين اجناد الحلقة على الاقطاعات.

اما الفريق الثاني من اجناد الحلقة فتشكل عموما من العربان على اطراف الصحراء، والقبائل في ارجاء الدولة، ولا سيما في الثغور،  وكان منهم التنوخيون. ونالوا جميعهم اقطاعات مقابل خدمات يؤدونها، كتأمين طرق البريد، والدفاع عن مناطقهم ضد الغزاة، والخلود الى السكينة، من دون ان يتمتعوا بمناصب ادارية التي احتكرها المماليك والمتعممون. وحرص المماليك على الا يرتقي هؤلاء سلم الامرة الا بدرجات متدنية، وقلما حصل احدهم على امرة اربعين او طبلخاناه.

شكل الوافدية اي القبائل والعناصر التي قدمت الى مصر وبلاد الشام هربا من هولاكو ولاسباب اخرى، ركائز اساسية في اجناد الحلقة في عهدي بيبرس وقلاوون، فاقطعوهما مناطق ساحلية للدفاع عنها. واستأمنت جماعات من مغول القبجاق في ايام بيبرس على دفعات، ومنهم من جاؤا بعيالهم مثل الشهرزورية (ابن واصل، مفرج، ج2، ص 406-407) Poliak, Le caractere colonial de l’etat mamlook, R.E.I, 1953m, cahier III. P. 233 ( وأثرت عادات وتقاليد الوافدية لاسيما المغول والتتر في الانظمة المملوكية العسكرية والاقطاعية، لدرجة صار التقاضي المرتبط بالاقطاعية يخضع لليسق المغولي وليس للشرع الاسلامي. Poliak. Some notes on the feudal system of the mamlouks, L.R.A.S. 1937, p 97 ا

اما الفريق الثالث (لا يعنينا في هذه الدراسة ) فتشكل من المتعممين وبعض المدنيين ممن اشتروا حقوق بعض اجناد الخلقة.

وتجدر الاشارة هنا الى انه بعد ان تفسّخت الامبراطورية المغولية نشأت دولة الإلخانيات في بلاد فارس واعتنق حكامها الاسلام على المذهب الشيعي الاثني عشري، ما دفعهم لاختيار احد امرين: الخضوع او التبعية الدينية الاسمية لسلطة المماليك الباسطين سلطانهم على الاماكن الاسلامية المقدسة او انتزاع تلك الاماكن منهم، ما يحتم عليهم انتصارا كبيرا على المماليك. وهذا الامر يفسّر انتهاز لخان الكبير غازان سنة 1299 فرصة اختلال الاوضاع المملوكية الداخلية بعيْد وفاة السلطان الاشرف خليل، للهجوم على حلب وحماه وتدميرهما، والانتصار على الجيش المملوكي المفتقر الى قيادة حقيقية في معركة وادي الخازندار قرب حماه، وتشتيت من نجا منهم بكل اتجاه. فاختار بعضهم الهروب عبر الساحل اللبناني حيث كمن لهم الكسروانيون عند وادي نهر الكلب فقتلوا عددا منهم امراء وجنود، وقبضوا على آخرين وباعوهم من الافرنج ما استدعى غضب المماليك، وكان  ذلك خطأ فادحا لن يغفره المماليك ابدا .

وزاد في الطين بلّة زحف غازان على دمشق واستباحها بمساعدة بعض الشيعة والدروز ممن تركوا بصمات شنيعة بخاصة في جبل قاسيون، وحفظت تلك الاعمال المصادر المعاصرة للحدث وجعلت منها مبررا للحملات المملوكية على كسروان، ولتصنيف سكانه بالمارقين والخارجين على السلطة، فهدروا دماءهم تبعا لفتوى ابن تيمية ما جعل قتالهم واجبا دينيا حسب ما تورده الحوليات. ما يدفعني للتساؤل:هل خضع المماليك الى فتاوى ابن تيمية وتأثروا به، وبالتالي كم كانت منزلته رفيعة عند السلاطين وعند نظرائه من عالماء عصره؟! ونحن نعلم انهم جهدوا للحط من قدره، وألّبوا السلطة المملوكية عليه، فتعرض في اواخر حياته للضرب، والسجن والاهانات المتنوعة، ومات مسجونا بقلعة دمشق.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: هل تصرف الكسروانيون تجاه المماليك بداعي العداء المطلق او بقصد الربح المادي؟ وهي عادة كانت متبعة في كل ارجاء المشرق العربي، بل في العالم القديم كله. اي الافادة المادية من الجيوش المنهزمة. بخاصة ان المماليك ما كانوا بعد قد بسطوا سيطرتهم على كسروان؟! وما كان سكانه  من رعاياهم.

ويتجلّى الصراع على زعامة العالم الاسلامي بصورة افضل بحملة غازان الجديدة على بلاد المماليك عام 1302 حيث انهزم في فلسطين في معركة مرج الصفر. فصار الكسروانيون متهمين بامرين لا تهاون بهما عند الأئمة السنة المتطرفين وعند المماليك السنة ايضا المحتاجين لتأييد اولئك الأئمة على حد زعم البعض: التعاون مع الصليبيين قبل جلائهم عن الشرق وبعده، ومع المغول عدويّ المماليك، وبالتالي صار تأديبهم واجبا شرعيا حسب مؤرخي العصور الوسطى ومعظم المحدثين، من النظر الى القضية من الناحية الاستراتيجية العامة للدولة.

على هذا لا بد من السؤال: هل فعلا كان المماليك بحاجة الى فتاوى شرعية لقتال الكسروانيين، ام ان الفتاوى الدينية المتشددة تقاطعت مع استرتيجيتهم العامة القاضية بالسيطرة على كل المناطق في بلاد الشام لاحكام السيطرة التامة عليها، لتمنع اولا تسهيل عودة الصلبيين الى السواحل او غزوها على الاقل، ولتأمين الخطوط التجارية بين المناطق المملوكية كلها، لا سيما ان مرافئ بلاد الشام كانت مشهورة بمواقعها البالغة الاهمية.

وفي الاطار عينه الى اي مدى كان المماليك متقيدين بالموجبات الدينية، اي بالشرع الاسلامي؟ وسير معظم سلاطينهم وكبار امرائهم تشي بالخروج على التقاليد والتعاليم الاسلامية، حتى في بعض الامور الدينية البديهية. اما السؤال الابرز الذي يحضرني، وقد اهمله المؤرخون: هل كان الكسروانيون اشد خطرا من الاسماعيلية على المماليك؟! فاذا كان الدور المذهبي يحتل اولوية عند المماليك، لماذا لم يطلب بيبرس من الاسماعيلية التخلي عن مذهبهم قبل قتالهم، ام ان الاستتراتيجية المملوكية كانت تقضي اخضاع كل من شكل حطرا على الدولة الفتية؟   

3 – فساد المماليك: منذ قيام الدولة المملوكية رافقها صراع شبه دائم بين كبار الامراء على السلطة، وهذا امر ادركه بيبرس الخبير الابرز بعقلية المماليك وتطلعاتهم لأنه كان رائدا فيه. لكي يتمكن من الحكم، كان عليه التصدي للمماليك المعزية – نسبة الى المعز قطز- وغيرهم بمن فيهم خشدادشيته من البحرية. فعمد  الى استقدام اعداد كبيرة من الارقاء القبجاق وجعلهم مماليكه الخاصكية، وصار يعتمد عليهم في معظم مهامه خوفا من غدر البحرية. فتحول الجيش عدة اقسام: المماليك السلطانية الجدد، والبحرية، والمعزية، واجناد الحلقة بمن فيهم الوافدية على تنوع اجناسها.

ولما اغتصب قلاوون العرش من سلامش ابن بيبرس سنة 1279 ناصبه المماليك الظاهرية (نسبة الى الظاهر بيبرس) العداء. فاسس سنة 1281 فرقة المماليك الجراكسة واسكنها ابراج القلعة وجعلها مميزة عن بقية الجيش، فاخلصت له. وسار ابنه الاشرف خليل على خطاه حتى بلغت اعداد البرجية في نهاية عهده 5700 مملوك. ما ادى الى انقسام الجيش عنصريا الى قسمين: الاتراك بزعامة بيدرا، والبرجية الجراكسة بزعامة السلطان.ولاحت علامات الغدر في اكثر من مناسبة، واجتهد كل معسكر للانقضاد على الآخر، وبات الاشرف خليل هدفا للاتراك، حتى تمكن بيدرا من قتله غدرا سنة 1293.

لماذا قتل الاشرف خليل، ألأنه حقق انجازا هائلا عجز عنه حكام عظماء كصلاح الدين الايوبي وبيبرس الاول، وقلاوون؟ بأعتقادي قتل لاسباب اخرى اقل اهمية بكثير من ذلك، تمثل بتعلقه الكبير بالمماليك البرجية، وخروجه على التقاليد المتبعة راضاء لهم: اذ سمح لهم بالنزول من القلعة الى القاهرة نهارا على ان يبيتوا في الطباقات ليلا، ورقاهم الى سلاحدارية، وجمدارية، واوشاقية، وجاشنكيرية. اي انه استمالهم اليه محققا لهم اهدافا لا يمكن لمن يأتي بعده استرجاعها منهم الا بالقتل او العزل، وكان للامرين محاذير خطيرة. فتعلقوا به وتفانوا بالمحافظة عليه وصونه من الاعداء، ما ادى الى نقمة الامراء الكبار ممن شكلوا جهازه الاداري والعسكري، لأنهم كانوا شبه مقتنعين ان السلطان سيتخلص منهم تباعا كلما سنحت له الظروف، ليحل مكانهم مماليكه. وهكذا انقسم الجيش والجهاز الاداري بين البرجية والاتراك. ولما قتل الاشرف حليل غدرا غدت البرجية بدون  قيادية حقيقية وهدف، وثارت على  كل من يعترض طريقها، ودأبت تسعى للنيل من قاتل استاذها. ما حتم اعطاء العرش للناصر محمد بن قلاوون وهو بعد طفل، ولم تهدأ البرجية نسبيا الا بعد ان قتلت بيدرا. ولكن الانقسام بين البرجية والاتراك استمر واستغله كبار الامراء، وتزاحموا على الرئاسة، فتوالى على العرش في هذه الفترة العصيبة والوجيزة 1293 – 1308 خمسة سلاطين: محمد بن قلاوون، كتبغا، لاجين،محمد بن قلاوون للمرة الثانية، وبيبرس الجاشنكير.

تلازم الصراع على العرش مع تنافس الامراء على الاقطاعات والمراكز الاسياسية في الادارة، التي شكلت سببا وجيها في الولاء للسلطان او لمنافسه. ما يعني ان الولاء خلا من اي بعد انساني، والشعور بالمسؤولية، ولا بخطر المغول المحدق دائما بهم. وليس ادل على نفسية واخلاق المماليك سوى تحذير السلطان ايبك للامير عمر مغيث الايوبي منهم قائلا:” البحرية قوم مناحيس اطراف – الطرف هو الرجل الذي لا يثبت على صحبة احد- لا يقفون عند الايمان، ولا يرجعون الى كلام من هو اكبر منهم، وان استأمنتهم خانوا، وان وثقت بهم غدروا…فانهم غدارون مكارون خوانون…” فصار ابعاد المنافسين او قتلهم هدفا رئيسا عند معظم السلاطين.

على هذا، فان استعراضا بسيطا لامراء حملة 1292 نجد من ان قائدها الامير بيدرا قاتل الاشرف خليل، ويخطئ ابن كثير ويسميه بندار، والامير سنقر الاشقر الذي لا تخلو مؤامرة من اشتراكه بها، وغيرهما من كبار الامراء المنافسين ليس للاشرف خليل، بل ايضا بعضهم للبعض الآخر. ويقول ابن كثير: وخرج الشيخ ابن تيمية ومعه كثير من المتطوعة والحوارنة، وهم في حقيقة الامر اجناد في حلقة دمشق. اما في حملة 1300 حسب رواية المقريزي فقد شارك فيها نواب البلاد الشامية باجنادهم وهم من اجناد الحلقة، وشارك فيها سنقر الاشقر ايضا.

يمكن اضافة الى اسباب حملات 1292 و1300، 1305  التي تناولها معظم مؤرخي المماليك والمؤرخون المحدثون، سببين اضافيين: ابعاد بعض الامراء ممن كانوا يشكلون خطرا على السلاطين اما بسبب زعامتهم على فريق من المماليك، لأنهم قد يقتلون في المعارك، وستخلو الساحة بغيابهم من المؤامرات لفترة تتيح للسلطان التقاط انفاسه. وفي هذا السياق يمكن تفسير  قيادة بيدرا حملة 1292. اذ على الرغم من كثرة المماليك واهمية القائد نائب السلطان من حيث المنزلة الادارية وزعامته للاجناد الاتراك، وانهزامه شر هزيمة، واتهامه بالخيانة والرشوة وقلة الدربة، لم يتمكن الاشرف خليل من عزله او انه لم يجرؤ، على الرغم من الاسباب الموجبة لذلك، ومع قناعته انه كان رأس المتآمرين عليه، مخافة ثورة المماليك الاتراك. وعوضا عن ذلك حاول متأخرا استرضاءه، وارسل له مائة ألف دينار.

ام السبب الثاني فكان استخدام القسم الاكبر من اجناد الحلقة في تلك الحملة، لأنهم باتوا يشكلون عامل عدم ارتياح في القاهرة على الاقل، لاسيما بعد ان منح السلاطين مماليكهم اقطاعات على حساب الحلقة في الروك الحسامي 1298. وفي الوقت عينه كانوا يشكلون قوة هائلة في النيابات الشامية كانت قادرة على تغليب فريق على آخر. هذا فضلا عن ان كثرة تغيير السلاطين وانتساب مماليك سلطانية الى كل منهم، سبب ازعاجا كبير للسلاطين الجدد، ولاجناد الحلقة بالذات. بحيث كان يتوجب على كل سلطان جديد الاعتماد على قسم من مماليك السلطان السابق، واحيانا على مماليك السلطان الاسبق، ويطلق على هؤلاء اسم القرانصة، وكانوا يقّضون مضجع السلطان القائم بطلباتهم غير المنقطعة وسوء تصرفهم، وهو كان بامس الحاجة اليهم ريثما يكبر مماليكه الخاصكية، فيحيل القسم الاكبر منهم الى اجناد في الحلقة. وكان القسم الاخر من مماليك السلاطين السابقين يحولهم السلطان القائم مباشرة الى اجناد في الحلقة بعد وفاة او عزل اساتذتهم. ولكثرة ما ضمت الحلقة من اجناد متعددي الولاآت، لم يعد تضامنها مكفولا، وصارت مصدر ازعاج، شأنها يضعف تدريجا، حتى شبه انهارت في مطلع القرن الخامس عشر.

لآهمية العامل الاقتصادي في حياة المماليك لاسيما الامراء عدل السلطان لاجين 1298 انصبة الاقطاع لكامل مستحقيها بالروك المعروف باسمه (الروك الحسامي) فكان نصيب اجناد الحلقة قبل الروك وافرا: اربعة قراريط، وكان يحق لهم توريث اقطاعاتهم لابنائهم لكي تستمر الحلقة قوية ولا تتناقص اعدادها. ولما ازدادت اعداد الحلقة بالوافدية وبالقرانصة واولاد الناس والسيفية، بات من الضروري منع التوريث لتظل الانصبة الاقطاعية مقبولة وتمكن صاحبها من العيش. وكان من دواعي الروك الحسامي ايضا حصول بعض كبار الامراء على اقطاعات تفوق بكثير ما كان يحق لهم اما بسب توددهم الى السلاطين، او ان هؤلاء استمالوهم املا بالا يتآمرون عليهم. انما اثبتت الاحداث انه كلما كانت تزداد الامكانات المادية للامير يصبح اشد خطرا، وكان بعضهم يوظف امواله باستجلاب الامراء والاجناد، للوثوب على العرش، او دفع احد الامراء الضعاف اليه فيحكم من خلاله. وبموجب هذا الروك ضمت اقطاعات  اجناد الحلقة الى الامراء واجنادهم من السيفية عشرة قراريط فقلت كثيرا. وبلغت حصة المماليك السلطانية وحدهم عشرة قراريط، وتنعم السلطان باربعة قراريط كاملة، واحتفظ السلطان بقيراط للحالات الطارئة او الخاصة. ما يعني ان الاستغناء عن اجناد الحلقة بات هدفا، وكذلك تعزيز شأن المماليك السلطانية.

احتل الدور الاقتصادي دورا بالغ الاهمية في تفشي الفساد في العهد المملوكي لا سيما في الفترة التي تلت عهد السلطان قلاوون، وصار ولاء كبار الامراء للمال أكثر مما هو لخدمة السلطان ومنعة الدولة. لذلك جهد السلاطين للتخلص من امراء المائة الطامحين الى العرش، والذين كانوا يهددون استقرار البلاد، اما بالقتل او بارسالهم في حملات عسكرية خارج القاهرة ودمشق المركزين الاساسيين للتآمر. وينطبق هذا الامر على الامير بيدرا وكبار معاونيه في حملة 1292 على كسروان. وقل الامر عينه عن حملة 1300 التي قادها آقوش الافرم، وساعده سنقر الاشقر احد اهم طابخي المؤامرات. لاسيما ان السلطة المملوكية كانت في الفترة الممتدة ما بين 1293 و1309 في حالة فوضى سياسية عارمة وصراع عسكري مخيف. فكان ابعاد الامراء والاجناد المعادين للسلطان في حملات خارجية يريحه نسبيا.

اما حملة 1305، وان تقاطعت اسبابها مع الحملتين السابقتين، فان سببا رئيسا يبدو لي شديد الاهمية تمثل بهيبة الدولة واستراتجيتها العامة، القاضية بقطع دابر المخلين بالامن، وفرض هيبة الدولة. لا سيما بعد معركة مرج الصفر سنة 1302. التي تجرأ فيها المغول وتوغلوا في عمق الدولة الى فلسطين.

اخيرا، يستوقفني في تاريخ صالح بن يحي ملاحظات اساسية تجعل السبب الديني والمذهبي يأتي في المرتبة الثانية على الاقل؛ كان التدمير الذي لحق بالكسروانيين وبممتلكاتهم رهيبا، ومع ذلك تم استخدام بعضهم في حلقة طرابلس، اي انهم صاروا اجناد في حلقتها. واعطي فريق آخر وظائف مدنية في طرابلس ايضا. ولا ندري ماذا يقصد ابن يحي بالمدنية، لأن الوظائف المدنية كانت من حق المتعممين وحدهم. فهل هذا يعني ان من لجأ الى طرابلس بدّل مذهبه وخضع تماما للسلطة المملوكية جريا وراء المكاسب، وانتهك الولاء المذهبي والمناطقي؟!!

على هذا، ألم يكن اجدر بالمماليك اغراء الكسروانيين بوظائف في حلقة طرابلس اي حماية الخط الساحلي الممتد من المعملتين حتى مغارة الاسد الذي اعطي سنة 1305 الى الامير علاء الدين بن معتب البعلبكي ووابن صبح، ثم استرد منهما واعطي العسافيين التركمان الاغراب. علما ان دورهم اقتصر على الامن فقط، وتأمين الخط الساحلي من هجمات الاعداء. في حين ان الادارة على كل مستوياتها كانت حكرا على المماليك وحدهم، وساعدهم في الوظائف الديوانية غير العسكرية المتعممون.

الخاص والمشترك في لبنان

ان العنوان يطرح اشكالية ايديولوجية طالما تجاذبها المؤرخون كل من موقعه، ولكنني لن ادخل في هذه المتاهة وسأحاول ان اكون موضوعيا، علما انني حضرت هذا الموضوع بعجالة لان الاتفاق مع الصديق فرحان صالح كان حول “الخاص والعام في العصور الوسطى” وهو ينأى عن موضوعنا وان كان يطال بعض جوانبه.

    يقتضي البحث المنهجي اولا تحديد لبنان جغرافيا، فهل وجد هذا التعبير عبر العصور ؟ لن اردد اقوالا كثيرة في هذا الشأن ولكن من الثابت ان كلمة لبنان استخدمت منذ العصور التاريخية، ولكن الحدود غير معروفة وغير ثابتة ايضا.وبالتالي سأستعيد الطرح الذي اقترحته في مؤتمر المقاصد” كتابة تاريخ لبنان الي اين” اي انطلق من الحدود الحالية للبنان واعود من خلالها لمعالجة الموضوع عبر الزمن.ويبقى سؤال اساسي منذ متى نشأت الحدود السياسية والدولية للاوطان؟ وهل كانت التسميات تتجاوز التعبير الجغرافي مثلا بلاد الشام، او آسيا الصغرى، وافريقيا للدلالة على المغرب العربي الحالي، او المغرب الادنى، او الاوسط…اذا الحدود بمعناها الحالي لم تكن معروفة، والدول كانت تكبر او تصغر تبعا للقوة العسكرية خلال الزمن التاريخي.من هنا يجب تحديد العام بالدولة الاساسية التي كانت تسيطر على لبنان، والمشترك تتحدد بالمناطق التي كانت ترتبط مباشرة بتلك الدولة وتسير بفلكها من دون اعتراض مهم، والخاص هي المناطق التي كانت خاضعة بشكل ما للدولة الاساسية من دون ارتباط مباشر اي لم يكن عليها تنفيذ سياستها بالكمال والتمام.

   وانطلاقا من ذلك يصبح الساحل اللباني هو المشترك، وقسم كبير من الجبل هو الخاص.ومن المفيد العودة الى بداية الفتوح لتوضيح هذه المسألة. لقد تم فتح السواحل، ولن اتوقف عند كلمة الفتح اليسير، لانها تحتمل نقاشا، ولكن المهم ان المصادر العربية لا تتحدث ابدا عن الفتوح في الجبل.ما يعني ان الجبل استمر بعيدا عن سيطرة السلطة العربية الاسلامية المباشرة.وتحجم المصادر ايضا عن توضيح الضرائب التي فرضت على الجبل ولا ندري ان كانت قد جبيت سوى من مناطق المنيطرة التي اقتضت الثورة على عامل صالح بن يحي في مطلع العهد العباسي، ولكن المنطق يفترض ان ضرائب ما فرضت على الجبل من دون ان ندري مقدارها، ولا كيفية جبايتها.وهناك من يذهب الى ان الجبل لم يدفع الضرائب.المهم في المعادلتين ان خصوصية ما تمتع بها الجبل اللباني.

    المشكلة الاساسية تكمن اذا بالتاريخ العام الذي لا يوضح اي من المسائل التي طرحت، خصوصا على مدى العصر الراشدي. وهذا يطرح تساؤلا رئيسا هل رضي الخلفاء الراشدون بالسيطرة على السواحل فقط لضبطها ومنع البيزنطيين من العودة اليها؟ ايضا لاجواب واضح حول الموضوع. ومن جهة ثانية ، كان سكان الجبل متفاهمين مع الامويين ما قيل عهد عبد الملك، ويحصلون على اعانات اموية خصوصا من معاوية، ويذهب الدكتور كمال الصليب، في تفسيره لاسباب ثورة المنيطرة، الى القول ان هذه الاعانات استمرت حتى نهاية العهد الاموي. ما يعني ايضا وضعا خاصا للجبل. في المقابل وعلى اثر الفتوح اسكن العرب جماعات من الفرس واليهود والعرب وغيرهم عل السواحل لحمايتها، وبالتالي ارتبط هؤلاء بالسلطة العربية مباشرة، ونفذوا ما كان يطلب منهم، ما يعني انهم لم يتمتعوا باي خصوصية حتى ذلك التاريخ. ولكن بعد ثورة المنيطرة وما ترتب عليها من آثار بالغة الخطورة شجع العباسيون قبائل عربية على السكن في السواحل واطرافها واعطوا المناطق التي سكنوها اقطاعات يستغلونها عوضا عن الرواتب النقدية، بمعنى انهم ربطوا مصير القبائل بتلك المناطق. وهكذا اسس التنوخيون اول امارة عربية في لبنان، وخدموا الدولة العربية حتى في عهود انحطاطها اي في العهود الطولونيين، والاخشيديين، والفاطميين، والسلاجقة والايوبيين، والمماليك. وهذا لا يعني انه لم يتمتع التنوخيون بوضع خاص، فقد اسسوا امارة سلالية تعتبر الى حد دويلة دامت أكثر من اية امارة عربية وغير عربية عبر التاريخ الوسيط، وكان يتم الاعتراف بالسلطة التنوخية وسلطانها على بيروت والغرب، حتى في العهد الصليبي انما بمقدار اقل، وتبعا لقوة وضعف الصليبيين.    

  ونجح يوحنا مارون بحسن تدبيره وقيادته الواعية ان يؤسس الامة المارونية في لبنان ان جاز التعبير، اذ لم يغضب الخلفاء الامويين ، ولم تسئ تصرفاته اليهم ، وتمكن في آن من وضع حد نهائي لتدخل الروم في شؤون طائفته ، وذلك عندما ارسلوا – على الارجح عام 685 – حملة عسكرية لتأديب الموارنة لخروجهم على طاعة المجمع المسكوني، فقتلت عددا من الرهبان في دير مار مارون ، وتبعت الفارين بقيادة بطريركهم الى لبنان للنيل منه ومن اتباعه ، ولكن الموارنة دحروا المهاجمين في اميون وقتلوا قائديهم موريق وموريقيان.

    ولم يعترض السكان الاصليون في جبال لبنان الشمالية على النازحين الجدد ، لأن المذهب الخلقدوني كان يجمع بينهم ، بل اندمجوا في بوتقة واحدة في العهد الاموي لتأسيس امة (جماعة) لها مقوماتها الخاصة في ظل تنظيمها الكنسي ، الذي اتخذ بعدا زمنيا من دون ان يتحول الكنسي الى نظام سياسي. وقد ساهمت جغرافية المكان المنيعة ، التي تحميها الجبال العالية والمعابر الصعبة المسالك ، بتمتع المجتمع الجديد ، الذي غدا مارونيا ، بمقدار كبير من الاستقلال خصوصا ان الموارنة لم يسيئوا الى الدولة الاموية ، بل تحولوا الى حلفاء لها بعد ان ناصبوا الروم العداء حين عمد هؤلاء الى استغلالهم استخدامهم من اجل المصالح الرومية البحتة. 

       ويمكن القول ان العهد الاموي اسس لتوزيع ديموغرافي جديد في لبنان ، بحيث استقر الموارنة في شماله ولاسيما في الجبال ، واقامت في معظم مدن الساحل حاميات اسلامية قد تكون حصلت على ارضي زراعية لاستغلالها عن طريق الاقطاع وهذا يفترض وجود سكان غير عرب لاستثمارها لان العرب انفوا من العمل الزراعي ومنعوا عن ممارسته ، ونعتقد ان بعض السكان عادوا بعد ان هدأت الفتوحات للاقامة ان لم يكن في المدن انما في جوارها، اي السفوح الجبلية. وقد استقرت في لبنان الجنوبي عناصر عربية الى جانب السكان الاصليين ، وقد يكون الامويون قد جعلوا منه منفى لاعدائهم ونستدل على ذلك من نفي معاوية لابي ذر الغفاري اليه ، ما يفترض ان انتشارا اسلاميا بدأ فيه. وقد جعل الامويون بعلبك قاعدة اساسية لمنطقة البقاع ، ومركزا لقاعدة عسكرية تغذي المناطق عند الضرورة ، وبنوا فيه قلعة عنجر. وكان المسيحيون الملكيون الذين سيعرفون في ما بعد بالارثوذكس منتشرين على السواحل الشمالية للبنان، ولاسيما في الكورة. ويذهب بعض المؤرخين الى الاعتقاد ان الملكيين كانوا منتشرين ايضا في المتن.ان هذا التوزيع الديموغرافي سيكون له شأن في مفهوم الخاص والمشترك

  خصوصية الجبل وقيام المقدمية المارونية :

يرجع الدويهي قيام السلطة الزمنية في شمالي لبنان الى عهد البطريرك يوحنا مارون وتحديدا الى نسل اخته التي انجبت ولدين:ابراهيم وقورش، بحيث تولى الاول تدبير امر الجماعة المارونية عسكريا، وسلك اخوه طريق خاله يوحنا مارون.و كأن الدويهي يريد ان يقول لنا ان هناك تزامنا بين السلطتين الروحية والزمنية، لا بل يذهب ابعد من ذلك وهو تاسيس دويلة مارونية في الجبل لها سلطاتها الدينية الخاصة والزمنية وتساعد الواحدة الاخرى. وليس لدينا مصدر آخر يبت بالامر سلبا او ايجابا، والدويهي وان كان يعكس تفكير موارنة زمانه، فانه يعني انه كانت لذلك التفكير جذور قديمة راسخة في اذهان الناس ان صحّت روايته او لم تصدق.

  واذا اخنا بعين الاعتبار رواية ابن القلاعي عن ثورة المنيطرة والاحداث التي سبقتها:لبس المقدم الياس التاج ورفع الصليب شعارا لثورته او دويلته، نلاحظ التوجه عينه عند الاثنين، واذا كان ابن القلاعي عاش في بداية العهد المملوكي، والدويهي في القرن 18 فانهما يعكسان التوجه عينه، ما يعني عمليا ومنهجيا انه كانت للجبل ميزاته الخاصة ونوع من الاستقلال الذاتي. ويؤيد ذلك صراع موارنة الجبل مع الحكام الصليبيين عندما حاول هؤلاء فرض نظمهم الاقطاعية على موارنة الجرد، والتدخل في شؤونهم الخاصة .وهنا تفسير مهم للدكتور كمال الصليبي بين فيه الخلاف لا بل الصراع بين الفريقين وكيف ان موارنة الجرد خرجوا على طاعة الكرسي الرسولي في روما وانتخبوا بطريركا خاصا بهم هو لوقا البنهراني بوجود بطريرك آخر تابع لروما هو ارميا الدملصاوي. واذا عدنا للعنطوريني نجده يحدد الحكام الموارنة في العهد الصليب ويسميهم الرقباء ويذكر ان الرقيب على جهة بشري كان شدياقا وهي رتبة كنسية. ويربط الياس القطار بين الامرين ليبين مدى اهتمام الحكام الموارنة بالارتباط بالكنسي. ويذهب الدويهي ابعد من ذلك بنقله رواية عن ابن القلاعي:انه كان يوجد ثمة امير ماروني على كسروان يدعى يوحنا، ومن ثم يسميه الملك ( هاجر الى قبرص بعد سقوط طرابلس). ونفيد من النص عينه الذي حلله القطار: ان عدد المقدمين بلغ ثلاثين، وحدد مقدمية كل منهم. ويستخلص ايضا مدى عمق الترابط بين السلطتين الزمنية والروحية. ومن ثم يصور الهالة الروحية والقدرة التي وهبها الله للبطريرك الذي لعن المقدم سالم الذي لم يلبث ان توفي بعد ثلاثة ايام. كما كانت له ايضا السلطة على رسم المقدمين الذين كان دورهم الى جانب جباية الضرائب حماية الموارنة من اي اعتداء خارجي.

    واذا عرضنا للرواية التي انفرد بها الدويهي عن التجاء الظاهر برقوق الى وادي قنوبين وتثبيته للمقدم يعقوب ابن ايوب مقدما وكأنه بذلك يكرس سلطته من اعلى سلطة مملوكية انذاك، ويؤسس لعلاقة جديدة بين المماليك والموارنة بعد الحملات المملوكية على لبنان. وهوبذلك ينقل السلطة من بلاد جبيل الى جبة بشراي. اذا ربطنا كل ذلك بعضه بالبعض الآخر يمكننا الاستنتاج ان حكما ما لا نعرف مدى نسبته من الاستقلال كان قائما في الجبل بين جبة بشراي من جهة وبلاد جبيل من جهة ثانية، وان السلطة الاسلامية لم تتعرض له بل تركت له حرية التصرف ما دام القيمون عليه لا يعادونها جهارا، وبالتالي كان هذا نوعا خاصا انفرد به الجبل اللبناني المذكور.

الامارة التنوخية :يذهب محمد علي مكي الى القول ان ثورة المنيطرة اثارت حفيظة العباسيين فشجعوا قبائل عربية الى الانتقال والاقامة في الساحل اللبناني لحمايته مخافة ان يقوم تحالف بين البيزنطيين وموارنة الجبل. طبعا لن اناقش هذا الرأي على ضعفه، انما ما يهمنا هو انتقال التنوخيين الى البقاع اولا ثم الى بيروت للاستقرار فيها ونيلهم اقطاعات في منطقة الغرب، – الانتقال الى البقاع اولا يضحض رأي مكي حول التحالف بين الموارنة والبيزنطيين- ومن ثم حدث صراع بينهم وبين موارنة سن الفيل ادى بالتنوخيين الى الرحيل عنها الى الشويفات، وتوسعت هذه الامارة فيما بعد على عهد المأمون لتشمل صفد في فلسطين. وعمد الخلفاء العباسيون الى زيادة حصون السواحل من اجل ان تصبح شديدة المناعة واوكلوا امر الدفاع عنها الى التنوخيين وهكذا اصبحت بيروت مركز التنوخيين ومناطق الغرب امتدادا لهذا التواجد وعصبا له. تمكن الامير النعمان التنوخي من توريث امارته، وغدا الامر سابقة جرى على خطاها كل الامراء التنوخيين على الرغم من الخلافات التي جرت بين افراد العائلة الواحدة، كما في كل العائلات، من دون ان تؤثر على طبيعة الامارة.

هكذا نشأت هذه الامارة برضى السلطة الحاكمة، ونفذت مقرراتها، وسارت بفلكها بامانة. وهذا امر خاص بكل تأكيد له مقوماته وان كان يختلف عن الخاص في المقدمية المارونية.  لان الامارة التنوخية لم تخرج عن السلطة الحاكمة ايا كانت حتى في عهود الانحطاط، فلم تحارب الطولونيين ولا الاخشيدين، وكانت عضدا للفاطميين. وبعد الدعوة الى الوهية الحاكم بامر الله الفاطمي اعتنقت الدعوة الدرزية وحاربت من اجلها.وبالتالي نشأت الامارة التنوخية سلطة زمنية لخدمة الديني على غرار المقدمية المارونية ولكن الاهداف كانت مختلفة، فكان لكل منهما وضعا خاصا لا نجده في اية منطقة اخرى.

   وقياسا على الامارة التنوخيو والمقدمية المارونية فان الدويلات التي نشأت في لبنان لم تدم سوى سنوات قليلة فالامارة المرداسية او الدولة المرداسية التي أسسها صالح بن مرداس في شمالي سوريا ولبنان انتهت في معركة الاقحوانة 1030 . وفي العهد الفاطمي نشأت امارة بني عمار في طرابلس ولم تكن مؤلفة من ابناء البلاد وحدهم ولم تكن بخدمة الخلافة الفاطمية وحدها، انما تأرجح ولاؤها بين الفاطميين والسلاجقة، ومن ثم سقطت من دون ان تشكل وضعا خاصا بالمعنى الحقيقي، بل مشتركا بين السلطة الفاطمية اجمالا ودورها كدويلة داخل لبنان. وهي على غرار امارة ابن الشيخ في صور ، وكذلك امارة بني عقيل في صور ايضا التي تقلبت بين الفاطميين والسلاجقة ومن ثم قضى عليها بدر الجمالي.لم تدم سوى سنوات، الامر الذي يميز المقدمية المارونية والامارة التنوخية عن الدويلات التي نشأت في لبنان.  

تصدت الامارة التنوخية للصليبين بمساعدت الفاطيين والسلاجقة انما تأرجح ولاؤها فتخلت عن السلاجقة عندما انجدها الفاطميون باسطول ، ثم عادت لخدمة السلاجقة او على الاقل التعاون معهم. وبالتالي استمرت تخدم الديني الذي من اجله نشأت. وقد استمرت ايضا في الفترة الصليبية، وان خرجت من بيروت الى منطقة الغرب عام 1111. ولما تولى المماليك السصلطة ارتبط بهم التنوخيون ارتباطا وثيقا .

    اما المدن الرئيسة اللبنانية فكانت مراكز ادارية للسلطة العربية او الاسلامية الحاكمة ؛ فبعلبك كانت باستمرار مركز اداري مهم جدا منذ العهد الاموي على واحتلت مركزا مرموقا جدا في العهد المملوكي بحيث اصبحت نيابة صغرى. وكانت صور مركزا بحريا مهما ترابط فيه باستمرار قطع للاسطول العربي والاسلامي، وتتواجد فيها حامية عسكرية مهمة. اما طرابلس فكان لها شأن عظيم ففيها كان يرالابط الاسطول الاسلامي، ويحكمها وال على الاقل منذ العهد الفاطمي، وتحولت الى نيابة كبرى في العهد المملوكي. ما يعني ان مدن الساحل ارتبطت بالسلطة العسكرية الحاكمة منذ العهد الاموي، وكانت تنفذ سياستها، ما كان يكسبها وضعا خاصا بعلاقتها بهذه السلطات ووضعا مشتركا كونها لبنانية وتشرف على عدد من المناطق اللبنانية.

    الحملات المملوكية :قد تكون هذه الحملات على اختلاف دوافعها اكسبت قسما كبيار من اللبنانيين وضعا خاصا، واضفت على بعض المناطق اللبنانية ايضا وضعا خاصا. فللمرة الاولى نشهد تحالفا لبنانيا بين المسيحيين والشيعة على تنوع مذاهبهم، وبعض الدروز خصوصا في معركة 1305 ولم يكن هذا الموقف الا تعبيرا عن الدفاع عن الخاص اللبناني، وعن مواقع الطوائف والمذاهب المتميز كل في منطقته. وكان لانتصار المماليك دور في اعادة التوزيع الديموغرافي في لبنان، وفي ازدياد العزلة عن المحيط. وتكمن اهمية الخاص في لبنان ان الاسر الكردية والتركمانية التي اسكنها المماليك على الساحل بين انطلياس وعكار اندمجت في المجتمع اللبناني ونسيت هويتها الاساسية لتصبح لبنانية من حيث التقاليد والعادات بما في ذلك التنافس السياسي.

   وفي العهد المعني سيكتسب لبنان وضعا خاصا بامتياز من حيث ازالة العوائق التي فرضتها السلطة الاسلامية على التجنيد، اذ تمكن فخر الدين من جمع معظم اللبنانيين في بوتقة واحدة مرسيا بذور وطن له معالمه الخاصة بدليل ان الحرب العثمانية الثانية على لبنان جرت على الارض اللبنانية وليس خارجها على رغم وسع الرقعة الجغرافية التي كان يحكمها الامير اللبناني، وكان سقوطه على الارض اللبنانية.وسيكسب الميثاق الشهابي لبنان ايضا وضعا متميزا :من حيث تنظيم الحكم في الجبل ومن حيث قواعد السلوك السياسي على حد تعبير الدكتور جان شرف:”كان من المستغرب ان تقبل الحزبيات الدرزية بأمير غريب الدار مطلق الصلاحية في ادارة شؤون الجبل.” فنظام الحكم هذا قام على مبدأ الشورى بين الامير والاعيان فالامير يكون حصرا من العائلة الشهابية التي خصت بامتيازات لقاء تعهد الامير بالا يزيد الضرائب على الاعيان.قضية التجنيد من ماله الخاص،  لا يستطيع تجنيد الاهلين الا برضى الاعيان.وبالتالي انتقل مجتمع الجبل من التعايش الى الاجتماع السياسي.وهو امر له مدلوله الكبير والمهم على مستوى الخاص في لبنان عامة والجبل خاصة لان سلطة الامير الشهابي شملت عموما معظم لبان الحالي.وقواعد السلوك السياسي ارتكزت على المناصب بما في ذلك الامير، وهذه المناصب التي تبناها الميثاق حدت من سلطة الامير وجعلت الاعيان يلتفون حوله وبالتالي دفع الميثاق اصحاب المناصب لمقاومة الاتراك.ونجد تحليلا رائعا لجان شرف حول هذا الموضوع.

مرتكزات المشترك والخاص :ادت الحملات المملوكية الى فراغ سكاني في كسروان وبعض المتن، وبدأت عملية النزوح التدريجي الذي تزايد منذ اواسط القرن 17 الى كسروان والشوف بغية تلبية حاجات متبادلة افرزت نظام التعايش الدرزي الماروني من دون ان يلغي الخاص بكل جماعة التي حافظت على خصائصها.واخذ هذا التباين بعده الثاني المهم في ركائز نظام التعايش من خلال الديموغرافيا التي ارتبطت بنظام الالتزام العثماني الذي ادى بطريقة ما الى صراع قيسي يمني حدد التوجه السياسي وكان مشتركا بين فئتي المجتمع.واذا عدنا الى كتاب الحركات لحسين غضبان ابوشقرا “كانت الطائفتان محبة احداهما للاخرى آنسة ايها”.وقد اعترفت كل واحدة بالاخر وبخصوصياته وبحق التمايز:الدين واليقين هما من الخصوصيات، وهما على هامش العلاقات الاقتصادية.ويبرز هذا الامر واضحا ليس لدى العامة فقط بل ايضا لدى الاعيان الدروز الذين سمحوا لبعض الموارنة الاهتمام بمصالحهم.و”شكل التسليم بالحريات الاساسية وفي طليعتها الحرية الدينية المرتكز الثاني للخاص وفي الوقت عينه للمشترك وهو تعبير سوسيولوجي للافراد والجماعات.وشكل حق الملكية المرتكز الثالث للخاص والمشترك في آن لان الجبل تميز بوضع خاص على هذا الصعيد عن الولايات العثمانية.وقد بدأ حق التصرف بالارض منذ فخر الدين الثاني الذي اعتبر نفسه بديلا من السلطان في الجبل واعطى الموارنة حق التصرف ببعض الاراضي، والاهم بعد فخر الدين حيث عم نظام الالتزام وتحول الى ملكان.واهم ما يميز الجبل ان عقود البيع لم تسجل في المحكمة الشرعية في صيدا او في طرابلس على غرار ما كان يتمم في مناطق الساحل.الميزة الرابعة ان علاقة الجبل بالعثمانيين لم تتعد الحالة الامنية ودفع الضرائب لان الشأن الداخلي ترك امره للامير والاعيان خصوصا على صعيد ملكية الاراضي بيعا وشراء وحرية تصرف.( عقود الشراكة)

    متى اهتز هذا النظام؟ عند التدخل الاجنبي بدأ من عهد الجزار.

العوامل البعيدة لصراع الطوائف في لبنان

عند الفتح العربي الاسلامي هاجر قسم من السكان اللبنانيين، وكانوا مسيحين، مع البيزنطيين والقسم الآخر لجأ الى الجبال معتصما بها. ويزعم بعض المؤرخين، لدوافع ايديولوجية او دينية اسلامية، ان لبنان كان خاليا من السكان. انها نظرية ساقطة. ومن الواضح ان هوية الجبل السكانية السياسية تحددت: باستقرار المردة – الجراجمة في الجبل بعد تفاهمهم مع الامويين، ومن ثم قيام المقدمية المارونية الذراع الاداري والعسكري للموارنة في ظل البطريركية. وبقيام الامارة التنوخية في منطقة الغرب الخاضعة مباشرة لسلطة الخلافة العباسية والمنفذة تعليماتها، وخضعت فيما بعد للسلطات العسكرية التي صادرت صلاحيات الخلفاء السياسية والعسكرية. وباستقرار جماعات من الشيعة في جبل عامل. وحدث تحوّل في اتنية السكان وفي طوائفهم ومذاهبهم في المدن خلال العهدين الفاطمي والصليبي. واحدث العهد المملوكي، نتيجة الحملات العسكرية على لبنان ولا سيما بعد سنة 1305، تبدلا ديموغرافيا عميقا باسكان قبائل كردية وتركمانية على امتداد الساحل من انطلياس وصولا الى مغارة الاسد في معاملة طرابلس، وبافراغ السفوح الجبلية من السكان الشيعة والدروز، ناهيك بقدوم قبائل عربية جديدة الى لبنان كالشهابيين والمعنيين…وتحويل سكان المدن الساحلية في العهدين  المملوكي والعثماني الى اغلبية سنية.

ان التركيب السكاني المذكور بتعدد الطوائف والمذاهب استمر موضوع خلاف بين الطوائف على مستويين سوسيولوجي واقتصادي، وهما بلا شك مرتبطين عضويا. وكان اي تحوّل في هذا البنيان سيشكل عامل صراع، يهز بنيان الجبل. لأن الحكم الذاتي كان سمة المجموعات الطائفية اللبنانية، وشكل عوامل قسمة بين اللبنانيين. ومن المفيد التوضيح ان المسيحيين في لبنان لا سيما الموارنة كانوا دائمي القلق على مصيرهم، ويخشون باستمرا ابناء وطنهم من الطوائف الاخرى الذين كانوا شبه مرتبطين بالقوى السياسية المهيمنة على الحكم خىلال العصور العباسية، بخاصة الفاطميين الذين كانوا دائمي الصراع مع القوى السنية لا سيما السلاجقة. وصاروا اشد ارتباطا بهم في عهود الصليبيين والسلاجقة والايوبيين، وعلى الاخص في العهد المملوكي حيث تم فيه اضطهاد المسيحيين. وحدثت معارك بين الفرقاء جميعهم.

ادت هذه العوامل الى احقاد بين الافرقاء اللبنانيين لاسيما بين التنوخيين والموارنة على اثر المعارك التي حدثت بين الفريقين. ولعب الوجود الصليبي دورا في اذكاء الخلاف بين المسيحيين، الذين لم يفيدوا من وجودهم الا جزئيا، والمسلمين الذين اعتبروا المسيحيين حلفاء طبيعيين للصليبيين، من دون ان يأحذوا بالاعتبار الصراع الماروني الصليبي، الذي اندلع بسبب التدخل الصليبي في الشؤون المارونية الداخلية.

ساهم عهد الامير فخر الدين الثاني، ومن ثم عهود الامراء الشهابيين بتطوّر ديموغرافي اساسي لصالح المسيحيين الذين تسربوا تدريجا نحو المناطق التي خلت بسبب الحملات المملوكية، كما بانتقالهم الى المناطق الدرزية مشكلين ايدي عاملة. ومن ثم تطوّرت ملكياتهم عن طريق عقود الشراكة، وبفضل انتشار الاديار برعاية من الامراء الشهابيين، التي ازدادت املاكها تدريجا وازداد معها بشكل ملحوظ عدد السكان المسيحيين. وطرح هذا المتطور، غير المنتظر مفهوم السلطة في الاجتماع السياسي التعاقدي بين الدروز والمسيحيين، ودفع الى ضرورة تعديل التراتب بينهما في الاجتماع السياسي، وشكّل عاملا اساسيا في اعتناق بعض الامراء من اللمعيين والشهابيين المسيحية.

حاول الامير بشير الثاني اقامة توازن بين المكونات الاجتماعية وفق رؤية جديدة توازن بين الطوائف وتضعف المقاطعجية. ولتحقيق هذه السياسة، ومنعا لأي انحياز لأي فريق داخلي، تبنى الامير بشير الشرع الاسلامي المدني وطبّقه على كل الرعايا مسيحيين ودروزا. لأن القضاء كان قبل ذلك من اختصاص المقاطعجية، فمن اجل اضعافهم وبسط سلطته كاملة على ارجاء البلاد عمد الامير الى اختيار قضاة من كل الطوائف درسوا الشرع الاسلامي، وصاروا يطبقونه في كل المعاملات المدنية. ولم يحدد لهم اماكن اقامة ثابتة للقيام بمهامهم بل كانوا يتجوّلون في ارجاء الجبل يفضّون المنازعات. ونذكر من القضاة المسيحيين البارزين: حنا حبيب مؤسس جمعية المرسلين، ويوسف اسطفان قبل ان يصبح مطرانا.

وامعن الامير باضعاف المقاطعجية الذين كان الامن من اختصاصهم فكانوا يسجنون، ويسوطون، ويلاحقون المخلين به. فجند جيشا محترفا من دون ان يكون افراده من رجاله، جعله يرابط في الثكنات ويتلقى اوامره مباشرة منه، ولم يكن للأعيان علاقة به،  وصار ينفذ اوامر السلطة في مختلف المجالات: فنفّذ احكام القضاة، وجبى الضرائب…الامر الذي اضعف المقاطعجية فلاذ كل فريق منهم بطائفته واستغلها ضد الفريق الآخر ما أجج الضغائن والاحقاد التي ستنفجر عند بروز اية فرصة.

 وزادت المسألة الشرقية، االمتمثلة باطماع الدول الاوروبية الكبرى في المشرق العربي وبالسلطنة العثمانية خصوصا، بازدياد الشحن الطائفي لأنها كانت تتحيّن الفرص لتذر قرنها في الصراعات الداخلية وتوظفها لصالحها. وهي التي فرضت على السلطنة العثمانية اصلاحات خطيْ شريف كلخاناه وهمايون 1856 و1839 بحيث ساوى السلطان العثماني بين المسييحن والمسلمين في الحقوق والواجبات. وهو امر رفضه المسلمون وشكل صدمة عنيفة لهم.

من الواضح تماما ان احتلال ابراهيم باشا بلاد الشام بالتحالف مع الامير بشير الثاني، وتدخله في الشؤون الداخلية اللبنانية كفرض التجنيد الالزامي، وجمع السلاح من اللبنانيين، ومساواته في الخدمة العسكرية بين كل الطوائف خلافا للشرع الاسلامي والعرف السائد، ومعاداة الدروز له بسبب مخالفته لتقاليدهم وعاداتهم، وانحياز الامير الى جانب المسيحيين، ومحاربته الدروز بجيش من المسيحيين. ان كل ذلك اشعل نار الحقد بين فريقي الاجتماع السياسي في الجبل، وزاد في الانقسام العمودي بينهما الذي كان بدأ يتأسس نتيجة التطور الديمغرافي والعقاري.

ارسى حكم الامير بشير الثاني،الذي عزل عام 1840، انقلابا اساسيا في الجبل لصالح المسيحيين على مستويين ديمغرافي وعقاري اقتصادي، مما كان يعني ان العقد السياسي والاجتماعي القديم ما عاد ممكنا استمراره، وبالتالي لا بد من اعتماد صيغة جديدة يرضى بها الدروز والمسيحيون. وكانت المنطقة حبلى بالكثير من التعقيدات التي تداخلت فيها مصالح الدول الكبرى، حتى بات الجبل اللبناني جزءا اساسيا من المسألة الشرقية، وما عاد ممكنا حل قضاياه بمعزل عن تطوّر الاحداث المتسارعة في الشرق العربي.

لم يؤد اعتماد نظام القائمقاميتين الى رأب الصدع الداخلي انما زاده تعقيدا، ولم ينه المجازر بين المسيحيين والدروز بل ازدادت حدة بتدخل الجيش العثماني فيها لصالح الدروز. ولم يرتح الجبل ويزدهر الا بعد اعتماد نظام المتصرفية. انما تأزم الوضع مجددا بين المسلمين والمسيحيين بانشاء الفرنسيين دولة لبنان الكبير بضغط من المسيحيين، لأن المسلمين عامة لاسيما سكان المدن الساحلية وابناء الاقضية الاربعة رفضوا الانضمام اليه، وطالببوا الانضمام الى الدولة الاسلامية برئاسة الامير فيصل. ونظموا مؤتمرات الساحل الداعية الى انفصالهم عن لبنان.

هذه هي الاسباب البعيدة للصراع الطائفي في لبنان، والتي لم تندمل بعد فالفرقاء المسلمون ما يزالون حتى اليوم يتطلعون الى العالم الاسلامي الواسع وهم يعتبرون الحدود السياسية مصطنعة وضعها المستعمرون لاضعاف المسلمين، ويرتبطون ببعض دوله، وينفذون مصالحها.

انها مسألة تخلف في الاجتماع السياسي بين كل الافرقاء اللبنانيين نأمل ان نصل يوما الى تخطيها ونبني وطنا علمانيا صرفا يكون فيه الوطن للجميع وعبادة الله بالطريقة التي يشتهيها كل فرد ويؤمن بها.

                           الدكتور انطوان ضومط استاذ سابق في الجامعة اللبنانية

دور القائمقاميتين والمتصرفية واشكالية الحداثة

القسم الاول: الجغرافيا والسكان.

 الاطار الجغرافي: ان دراسة تاريخ لبنان خلال العصور الوسطى تطرح مسألتين اساسيتين: كمية المصادر، والمنهجية.

  ان النقص في الاصول والمصادر واضح جدا اما لغياب المؤرخين اللبنانيين او لضياع كتبهم. فاكتفى الاختصاصيون والباحثون بكتب التاريخ العام التي لم تتناول من تاريخ لبنان الا ما كان يتوافق مع متطلبات الفتح والرؤية السياسية العامة في دولة الخلافة التي انحصرت اهتماماتها بالدفاع عن الثغور الساحلية، واقامة الحاميات الاسلامية فيها.

اما في المنهج فقد تناول عدد قليل من المؤرخين تلك المرحلة ومعظمهم دخل على التأريخ بمواقف مسبقة من الاحداث فنظروا الى الماضي انطلاقا من قيم ومفاهيم الحاضر الحبلى بالكثير من الاشكالات السياسية فتداخل فيها الديني بالقومي المتعدد الوجوه والتشعبات، حتى باتت دراسة الماضي مقترنة بمعطيات الحاضر، وبالتالي وقع هؤلاء بمغالطات منهجية فادحة عقدت دراسة الماضي.

وتأسيسا على ذلك، تطرح المنطلقات الاساسية للبحث سؤالا مركزيا: كيف عُرّف لبنان في العصور الوسطى، وكيف حُدد؟ للاجابة على هذا السؤال لجأت الى مؤلفات الجغرافيين العرب التي حددت الاقاليم والمناطق باسمائها، ووصفتها، وما يزال معظم تسمياتها مستخدم حتى اليوم، فباتت مصطلحات جغرافية طبيعية. وفي القرن العشرين حوّل بعض اصحاب العقائد والايديولوجيات بعض تلك المصطلحات الجغرافية الى تعابير سياسية، بل افترضوا لها كيانات سياسية ما كانت معروفة في الزمن التاريخي، ومنها بلاد الشام.

وابتغاء للفائدة ولعدم الوقوع في مهاوٍ ايديولوجية عدت الى بعض مؤلفات الجغرافيين العرب للاسترشاد بها: فوجدت ان المقدسي حدد بلاد الشام بما يلي:” واهل العراق يسمّون كل ما كان وراء الفرات شاما… وانما الشام كل ما قابل اليمن وكان الحجاز بينهما . . . وحدود الشام التي رسمناها مُجمع عليها”[1]. وهذا التحديد هو محض جغرافي ولم يكن يوما كيانا سياسيا قائما بذاته، بل كان موزّعا الى عدد من الولايات او النيابات تبعا للعهود. وبالتالي تصبح بلاد الشام منطقة جغرافية مثل: بلاد ما بين النهرين، وآسيا الصغرى، وبادية الشام، والحجاز… وصنّف الجغرافيون لبنان في بلاد الشام على اساس الاصطلاح الجغرافي، وحدده المقدسي بما يلي:” اما جبل لبنان فهو متصل بهذا الجبل – جبل اللكام-.[2]” واعتبره ابن الفقيه الهمذاني:” وبدمشق – اي في جند دمشق- لبنان وهو الجبل الذي يكون عليه العُبّاد والابدال…وهو متصل ببلاد الروم.”[3]، وعرّفه ياقوت الحموي:” ولبنان جبل…وقيل: ان فيه سبعين لسانا لا يعرف كل قوم لسان الاخرين الا بترجمان، وفي هذا الجبل المسمى لبنان…وفيه يكون الابدال من الصالحين.”[4] واعتبره المسعودي احد مراكز الموارنة:” وظهر رجل…من مدينة حمص يعرف بمارون اليه تنتسب المارونية من النصارى الى هذا الوقت- القرن الرابع/ العاشر…أكثرهم بجبل لبنان…”[5] وذكره جغرافيون عرب آخرون بما يتفق مع هذه التعاريف. فهو الى ذلك، اصطلاح جغرافي له مدلول اجتماعي متميّز بالابدال من الصالحين اي النساك، وبانه احد مراكز الموارنة. ونحن لن نتوقف في دراسة تاريخ لبنان الوسيط الا حول اشكاليتين اساسيتين لنتمكّن من الوقوف على التحولات المفصلية في القرن التاسع عشر، وهما الكيان اللبناني وشكله، والديمغرافية عند الفتح وتطوّرها.

الديموغرافيا: عند الفتح العربي الاسلامي هاجر قسم من السكان مع البيزنطيين والقسم الآخر لجأ الى الجبال معتصما بها. ويزعم بعض المؤرخين، لدوافع ايديولوجية او دينية، ان لبنان كان خاليا من السكان، لن نتوقف كثيرا عند هذه النقطة التي نرفض مضمونها جملة وتفصيلا ونحيل المهتمين على نص اليعقوبي من مؤرخي القرن الثالث/التاسع[6] الذي حدد الانتشار الديمغرافي في لبنان والمناطق المجاورة. ومن الثابت ان العرب، في مطلع الفتوحات، اسكنوا في المدن الساحلية عناصر فارسية للدفاع عنها ضد هجمات البيزنطيين المتوقعة، انما بنية الجبل السكانية وهويته السياسية تحددت لاحقا وعلى مراحل ويمكن ايجازها بما يلي: استقرار المردة – الجراجمة في الجبل بعد تفاهمهم مع الامويين، وقيام المقدمية المارونية الذراع الاداري والعسكري للموارنة في ظل البطريركية، والامارة التنوخية في منطقة الغرب الخاضعة مباشرة لسلطة الخلافة العباسية وفيما بعد للسلطة العسكرية التي صادرت صلاحيات الخلفاء السياسية والعسكرية، واستقرار جماعات من الشيعة في جبل عامل بعد نفي معاوية لابي ذر الغفاري الى الجنوب اللبناني. من دون ان ننسى التحوّل في اتنية السكان وفي طائفيتهم ومذاهبهم في المدن خلال العهدين الفاطمي والصليبي. واحدث العهد المملوكي، اثر الحملات العسكرية على لبنان ولا سيما بعد سنة 1305، تبدلا ديموغرافيا عميقا باسكان قبائل كردية وتركمانية على امتداد الساحل من انطلياس وصولا الى مغارة الاسد في معاملة طرابلس، وافرغ السفوح الجبلية من السكان الشيعة والدروز، ناهيك بقدوم قبائل عربية جديدة الى لبنان كالشهابيين والمعنيين…

موقف المؤرخين: جاءت مواقف المؤرخين متباينة من هذا التبدل والتطور السكاني، فاصحاب المواقف المسبقة استمروا يعتبرون لبنان جزءا اساسيا ليس من بلاد الشام كتعبير او مصطلح جغرافي بل من سوريا في حدودها الحالية مسبغين عليها ذاتية سياسية مفترضة، وهذا موضوع وإن كنا لا نقر منطلقاته وخلاصاته، يستأهل محاضرات كثيرة. وفريق آخر ما يزال حتى الآن يخلط بين العرب والمسلمين معتبرا ان كل مسلم عربي، وهذه مقولة دونها محاذير كثيرة غيّبت الحقيقة التاريخية وقضت قضاء مزدوجا على مفهوم العروبة اي السياسية والقومي بشقيه الجذري والانتمائي والحضاري.

القسم الثاني: العوامل التي ادت قيام كيان لبناني خاص.

1 – العوامل الداخلية.

ان التركيب السكاني المذكور بتعدد الطوائف والمذاهب استمر موضوع خلاف بين الطوائف على مستويين سوسيولوجي واقتصادي، وهما بلا شك مرتبطين عضويا، وكان اي تحوّل في هذا البنيان سيشكل عامل صراع، لأن الفريق الذي سيشعر ان مركزه مهدد سيبذل كل ما في وسعه للمحافظة على مكتسباته. اما الوضع السياسي فكان منبثقا من التركيبين المذكورين ويتأثر بالتحولات التي كانت تصيب المنطقة العربية جزئيا او كليا، وبالتالي لم يكن التحول في الحكم افراز اشكالية داخلية صرفة، لأن الحكم الذاتي لم يفارق المجموعات الاجتماعية اللبنانية المتعددة. وقد شكل الانتماء الطائفي والمذهبي وتلونهما بالتحولات السياسية عوامل قسمة بين اللبنانيين ( ويشمل كلامنا لبنان بحدوده الحالية لأن الكيانات السياسية بحدودها السياسية لم توجد قبل نهاية الحرب العالمية الاولى). هذا ناهيك بان العوامل التي ادت الى الصراع الطائفي في لبنان كثيرة جدا، ويصعب الوقوف عليها كلها، لأنها كانت حصيلة عوامل شديدة التشعب نشأت في الزمن التاريخي الطويل، وسنقتصر بالحديث على ابرزها لعلاقاتها السببية بقيام نظام القائمقاميتين، وتنظيمات شكيب افندي، ومن ثم بالمتصرفية :

أ – الميثاق الشهابي: بعد انقراض السلالة المعنية عام 1697 ارتضى الدروز اعطاء الامارة للأسرة الشهابية السنية، وكان من المستغرب ان يقبلوا بأمير ” غريب الدار” لو لم يتحدد في هذا الانتقال التحوّل من نظام التعايش الى الاجتماع السياسي الذي جعل نظام الامارة الجديد يقوم على مبدأ سلطة الشورى بين الاعيان والامير. ولعل ابرز مقوّمات هذا الميثاق كما حددها الدكتور جان شرف كانت: حصول العائلة الشهابية على امتيازات لقاء عدم زيادة الضريبة الا بمقدار معيّن. وبألاّ يجنّد الامير الاهلين الا برضى الاعيان لأنهم قادة مجنّديهم الفعليين وما الامير الا القائد الاعلى، وبتعبير اوضح اول بين متساوين. واعتماد تراتب اداري في المناصب يجعل من الامراء المتولين المقاطعات مساوين للأمير الكبير[7] على هذا المستوى.

ان هذا الميثاق يفسّر كل التحوّلات القسرية التي حصلت في الجبل، ويشرح من جهة ثانية عمليات التحوّل الاساسية في عهد الامير بشير الثاني بسبب خروجه عليه من اجل تحديث الادارة في الجبل، وما كان ممكنا تحديثها بوجود سلطة فاعلة للاعيان.

ب – اعتناق الامراء المسيحية: ساهم عهد الامير فخر الدين الثاني، ومن ثم عهود الامراء الشهابيين بتطوّر ديموغرافي اساسي لصالح المسيحيين الذين شرعوا ينزحون تدريجا نحو المناطق التي خلت بسبب الحملات المملوكية، كما بانتقالهم الى المناطق الدرزية مشكلين ايدي عاملة، وتطوّرت ملكياتهم عن طريق عقود الشراكة، وبفضل الاديار، التي برعاية من الامراء الشهابيين، انتشرت في الاشواف وازدادت املاكها تدريجا وازداد معها عدد السكان المسيحيين بوفرة ملحوظة. واخلّ هذا المتطور، غير المنتظر من الدروز، بشروط الميثاق الشهابي و” طرح مفهوم السلطة في الاجتماع السياسي التعاقدي… ودفع الى ضرورة تعديل التراتب بين الدروز والنصارى في الاجتماع السياسي… لا بل ان هذا العامل كان من اسباب تنصّر بالامراء”.[8] ويؤكّد هذا التنصّر مؤرخون كثر من بينهم حسين غضبان ابو شقرا المؤرخ الدرزي المعاصر للأحداث[9].

   وهكذا، فان العقد الاجتماعي غير المكتوب بين المسيحيين ( الايدي العاملة) والدروز الاقطاعيين كان في تبدل مستمر وابدا لصالح المسيحيين الذين حازوا ملكيات كثيرة كانت للدروز، وبالتالي فرض الوضع السوسيولوجي والاقتصادي والعددي الجديد واقعا مختلفا ادرك الامراء الشهابيون ابعاده، فكان هذا التحوّل المتنامي احد ابرز عوامل تحوّل الامراء  اللمعيين والشهابيين الى المسيحية.

ج – اصلاحات الامير بشير الثاني: عندما اخلّ الامير يوسف الشهابي بالميثاق الشهابي، وبسبب ما حلّ بالبلاد من المشاكل كادت ان تؤدي الى خطر حقيقي، اجمع الاعيان على تولية الامير بشير الثاني واشترطوا عليه بالمقابل العودة الى التعاطي السياسي معهم ” حسب احكام السالفين”، اي وفق الميثاق الشهابي. لكن الاوضاع السياسية المتلاحقة ودور الجزار فرضت سياسة جديدة واكبت هذه المرحلة الصعبة، وحتمت على الامير، من اجل استتباب الاوضاع، نقض الميثاق الشهابي واستبداله باصلاحات حدّت من سلطة الاعيان، ومنها: فصل الامور التعبدية عن الخدمة السياسية التي هي من اختصاص رجال السياسة، واقامة دولة العدل والمساواة والقضاء والامن وجباية الضرائب.

* في القضاء: ولتحقيق هذه السياسة، ومنعا لأي انحياز لأي فريق داخلي،  تبنى الامير بشير الشرع الاسلامي المدني وطبّقه على كل الرعايا مسيحيين ودروزا. لأن القضاء كان من اختصاص المقاطعجية، فمن اجل اضعافهم وبسط سلطته كاملة على ارجاء البلاد عمد الامير الى اختيار قضاة من كل الطوائف درسوا الشرع الاسلامي، وصاروا يطبقونه في كل المعاملات المدنية، ولم يحدد لهم اماكن اقامة ثابتة للقيام بمهامهم بل كانوا يتجوّلون في ارجاء الجبل يفضون المنازعات. ونذكر من القضاة المسيحيين البارزين: حنا حبيب مؤسس جمعية المرسلين، ويوسف اسطفان قبل ان يصبح مطرانا.

* في الامن: كان الامن في المقاطعات من اختصاص المقاطعجية: يسجنون، ويسوطون، ويلاحقون المخلين به. وكان ممنوع على الامير وفق الميثاق الشهابي تجنيد جيش من اتباعه الا بموافقة الاعيان، ومنعا لأي اشكال معهم، عمد الامير الى تجنيد جيش محترف من دون ان يكون افراده من رجاله جعله يرابط في الثكنات ويتلقى اوامره مباشرة منه، ولم يكن للأعيان علاقة به،  وصار ينفذ اوامر السلطة في مختلف المجالات: فنفّذ احكام القضاة، وجبى الضرائب…

* الضرائب:كان فرضها وجمعها من اختصاص المقاطعجية ” فنظّم الامير طريقة فرضها، فوضع قوائم اسمية بالمكلفين حُددت فيها المبالغ المتوجبة على كل منهم، وصار” الحوّالة” يجمعونها[10].

    وهكذا سحب الامير معظم السلطات من الاعيان واناطها به من خلال المؤسسات المستحدثة، فتحرر العامة من سلطة الاعيان ووصايتهم، وادركوا تدريجا اهمية دورهم حتى فرضوا عامية انطلياس عام 1821 وقادوها وفاوضوا الامير. ومن الادلة على ارتفاع شأنهم انضواء بعض الاعيان تحت لوائهم. ويوضح سير الاحداث انهم كانوا على مستوى مهم من المعرفة والادراك، ومن الادلة على ذلك ما ورد في مطالبهم في العامية: ان يكون للأمير ديوان ” مجلس تمثيلي” تتمثّل فيه كل طائفة بعضوين. ومن الاشارات المهمة على التبدل الديموغرافي ان قادة العامية كانوا عشرة من المسيحيين واربعة من الدروز.

د – حقوق الملّة: فرض الاوروبيون على العثمانيين اصلاحات على التواليي فكان خطي شريف كلخانه اولاها، تساوت بموجبه كل الطوائف امام القانون في الحقوق والواجبات. فافاد منها الموارنة ومن التبدل الديموغرافي لأنهم كانوا الطائفة الاكثر عددا للمطالبة بحقوق الملّة اي ان يكون الحاكم على الجبل مارونيا.

2 – العوامل الخارجية وانعكاساتها الداخلية. لن ندخل في تفاصيل هذه العوامل لأنها تقتضي دراسة واسعة وشاملة تتداخل مع المسألة الشرقية، ولأن تأثيرها لم يضاه العوامل الداخلية. ويمكن اختصارها: بان اطماع الدول الاوروبية الكبرى في المشرق العربي وبالسلطنة العثمانية ككل لعبت دورا اساسيا في مجريات الاحداث في جبل لبنان، فتلك الدول كانت تتحيّن الفرص لتذر قرنها في الصراعات الداخلية وتوظفها لصالحها.

من الواضح تماما ان احتلال ابراهيم باشا بلاد الشام بالتحالف مع الامير بشير الثاني، وتدخله في الشؤون الداخلية اللبنانية كفرض التجنيد الالزامي، وجمع السلاح من اللبنانيين، ومساواته في الخدمة العسكرية بين كل الطوائف خلافا للشرع الاسلامي والعرف السائد، ومعاداة الدروز له بسبب مخالفته لتقاليدهم وعاداتهم، وانحياز الامير الى جانب المسيحيين، ومحاربته الدروز بهم اشعلت نار الحقد بين فريقي الاجتماع السياسي في الجبل، وزادت في الانقسام العمودي بينهما الذي كان بدأ يتأسس نتيجة التطور الديمغرافي والعقاري.

وشكّلت الاصلاحات العثمانية الاولى عام 1839، بضغط من الدول الاوروربية الكبرى، صدمة كبيرة للمسلمين الذين ما اعتادوا ان يتساووا بالمسيحيين فاعتبروا الاصلاحات انتقاصا من حقوقهم. وفي الوقت عينه لم تكن الدولة العثمانية مقتنعة بالاصلاحات التي فرضتها عليها الدول الاوروبية، وتريد التخلص من الضغط الماروني في الجبل المطالب بالحكم بعد القضاء على ابراهيم باشا ونفي الامير بشير الثاني عام 1840. وأمن لها خلفه الامير بشير الثالث الفرصة الذهبية بما اتصف به من ضعف اداري وعجز سياسي، فاستغل العثمانيون الصراع الطائفي في الجبل وتحالفوا مع الدروز للقضاء على الموارنة. ولعل ما اورده ابو شقرا عن الانقلاب في مراكز القوى لأكبر دليل على ما ذهبنا اليه:” وفي احوال البلاد والعباد تغيّرات عظيمة ذات بال اذ وجدوا الدروز على شفير الهلاك والاضمحلال وفي حالة الضعف والهوان…وبعكس ذلك النصارى فقد وجدوهم على خلاف ما يعهدونهم من صفر الايدي، وخلو الوفاض، والخشوع والاحتشام، ولين الكلام. شاهدوهم في قعس وخيلاء، وعتوّ وشموخ آناف مرتبطين الجياد الصافنات بعد ارتباط الحمير والابقار وسكناهم العلالي الشاهقة بعد الاكواخ، تقبض منهم الأُكف على نصاب الحسام الصقيل بعد ان كانت لا تعرف مقبضا غير نصاب المخرز والمطرقة…فلم يغرب عنهم ان هذه الادلة الغريبة والحوالة العجيبة ان هي الا مغبة اضطهاد الامير بشير وحيفه وجوره على هؤلاء وميله الى اولئك حاصرا فيهم جميع الوظائف والمأموريات التي كانت تدر بها المنافع وتستنزف الاموال…الى غير ذلك من الامورالتي احزنت ذوي المقاطعات واوغرت منهم الصدور، فجعلوا يعملون في ارجاع القديم الى قدمه ساعين في تعزيز شؤون ابناء طائفتهم واصلاح احوالهم…مما شق على النصارى امره وابو الاستكانة والرضوخ له”[11]

   وعلى الرغم من المبالغة في موقف ابي شقرا تجاه نمط حكم الامير بشير الثاني، فقد اوضح ان انقلابا اساسيا حصل في الجبل لصالح المسيحيين على مستويين ديمغرافي وعقاري اقتصادي، مما كان يعني ان العقد السياسي والاجتماعي القديم ما عاد ممكنا استمراره، وبالتالي لا بد من اعتماد صيغة جديدة يرضى بها الدروز والمسيحيون. وكانت المنطقة حبلى بالكثير من التعقيدات التي تداخلت فيها مصالح الدول الكبرى، حتى بات الجبل اللبناني جزءا اساسيا من المسألة الشرقية، وما عاد ممكنا حل قضاياه بمعزل عن تطوّر الاحداث المتسارعة في الشرق العربي.

 وهكذا، احتلت الاسباب الداخلية الاجتماعية والسكانية والاقتصادية والدينية المرتبة الاولى في الصراع الذي نشأ في الجبل، وزادتها تعقيدا ممارسات الدول الكبرى الساعية ابدا لتحقيق مصالحها، مما ادى الى الانفجار الداخلي الكبير، الذي تعذّر حلّه بالعودة الى نظام ما قبل 1840 اي حكم الامراء فكان لا بد من اعتماد نظام جديد.

القسم الثالث: الحداثة

1 – دور القائمقاميتين في التحديث: اقر هذا النظام في 15 ايلول 1842 نتيجة تداول الدول الكبرى التي وافقت على اقتراح مترنيخ مستشار النمسا، واعتبرته انتصارا باهرا لدبلوماسيتها فقسمت الجبل الى قائمقاميتين. وبدت الاشكالية النظرية اكثر صعوبة عند التطبيق: فهل يجب اعتماد التقسيم جغرافيا بمعزل عن الوضع الديمغرافي الطائفي، ام طوائفيا يجعل كل طائفة تحتكم الى حكام من ابنائها بمعزل عن القائمقام الدرزي او الماروني؟

جاء هذا الطرح حادا في القرى المختلطة، وبدا أكثر تأزيما في القائمقامية الدرزية بسبب وفرة اعداد المسيحيين فيها، وكثرة القرى المختلطة. وتداول المعنيون حلولا عديدة: ومنها، تقسيم جذري مبني على تبادل سكاني بين القائمقاميتين بحيث تصبح كل قائمقامية متشكلة من طائفة واحدة متجانسة دينيا. او اعتماد وكلاء للدروز والمسيحيين في كل قائمقامية لرعاية شؤون ابنائهم، على ان يرتبطوا مباشرة بالقائمقام. وفي جلسة 7 كانون الاول 1842 تبنى العثمانيون الامر الثاني، وجعلوا طريق بيروت-دمشق خطا جغرافيا فاصلا بين القائمقاميتين.

لم يرض المسيحيون بهذا الحل الدستوري غير المتوزان لأنه لم يكن مبنيا على النسبية الطائفية، ولأنه يضعهم في الوقت عينه تحت الهيمنة الدرزية في القائمقامية الدرزية رغم عددهم الكبير فيها، في حين تمسك به الدروز لأنه جعلهم مساوين عدديا وعقاريا بالمسيحيين. وبدا الامر وكأنه مرحلة استعداد لجولة جديدة من الصراع الطائفي التي حدثت فعلا في 1844-1845 لتطرح مجددا مفهوم العلاقة الدستورية بين الفريقين، ومدى فعاليتها: فهل الافضلية للصيغة الدستورية النظرية غير القابلة للتطبيق العملي بفعل توحّد الطائفة رغم الامتداد الجغرافي وعدم تنازل ابنائها عن هذه الوحدة تحت اية ظروف، مما كان يطرح وجود الطائفة بالذات وتكافل ابنائها حتى في وجودهم في القائمقامية المغايرة لطائفتهم؟ فصيغة الوجود والتأكيد عليها كانت اهم من التعاقد الدستوري المبني فقط على الجغرافيا وحدها، لأن التوسع الجغرافي هو حق من حقوق الطائفة ولا يمكن التنازل عنه، بل هو في اساس التعاقد الدستوري، مما كان يعني ان اي دستور جديد كان عليه الاخذ بالاعتبار امران: وحدة الطائفة الدينية والحقوقية، وامتدادها الجغرافي من ضمن المنظور عينه اي وحدة الطائفة[12].

    وعليه، فشلت مشاريع التبادل السكاني، وصار عسيرا جدا إن لم نقل مستحيلا العودة الى النظام القديم المبني على وحدة الجبل في ظل حكم الامارة، ما حتّم تعديل نظام القائمقاميتين بما يكفل الوحدة السوسيولوجية للطوائف وابعادها الحقوقية.

تنظيمات شكيب افندي: في صيف 1845 وصل شكيب افندي مندوب الدولة العثماني الى الجبل فاوقف القتال واعتقل مسببيه، وجمع السلاح، ثم بادر الى تعديل نظام القائمقاميتين بعد ان ادرك الابعاد البنيوية في تركيبة الجبل الطائفية والسوسيولوجية، واعتبر ان المشاركة التامة للطوائف في تقرير السياسة العامة لكل قائمقامية قد تعيد الهدوء الى الجبل، وربما اللحمة القديمة. فعمد الى انشاء مجلس في كل قائمقامية تتمثّل فيه الطوائف جميعها بالتساوي من دون الالتفات الى التفاوت العددي بينها، مستعيضا عن النظام الاكثري بالمساواة بين الطوائف؛ فصارت كل قائمقامية تتألف كما يلي: القائمقام مع وكيل من طائفته يُنتخب من الاعيان وينوب عنه في غيابه. وتألف مجلس القائمقامية من: قاض ومستشار عن كل من: الدروز، والموارنة، والكاثوليك، وارثوذكس، وقاض ومستشاريْن عن المسلمين[13] باعتبار ان القاضي المسلم يصلح لكل المسلمين. وقد برر هذا التنظيم قائلاً:” لما كان اهالي جبل لبنان مقسومين الى طوائف عديدة يجب ان تتمتع جميعها بنعم الحضرة السلطانية فينتخب اعضاء المجلس من الاعيان الاكثر جدارة في كل طائفة…وهؤلاء القضاة والمستشارين يعينون بمعرفة مطارنة وعقّال كلتا الطائفتين[14] وقد حدد شكيب افندي صفات اعضاء المجلسين ورسم طريقة ممارستهم لمهامهم بما يلي:” يجب ان يتمتع كل عضو بالنزاهة والاخلاص ، وان يواظبوا على وظائفهم دون انقطاع، ويجتهدوا ان يكونوا على اتم الوفاق فيما بينهم وبين قائمقام كل منهم وان ينظروا في دعاوى ابناء مذهبهم ويفصلوا بها بالنزاهة والانصاف. واذا ثبت على احدهم انه سلك سلوكا مخالفا للمهمة الموكلة اليه وجب طرده والعمل على تعيين بديل منه…”[15]

  الى اي مدى ارست تنظيمات شكيب افندي اسس دولة لبنان الحديث؟

لست ادري اذا كان يصح اعتبار جبل لبنان انذاك دولة بالمعنى القانوني والحصري، ومع ذلك فان تلك التنظيمات حوت مبادئ دستورية حقيقية.

1 – فقد وضع لأول مرة نظام مكتوب لجبل لبنان اسس لنوع من دستور اعاد الوحدة الى الطائفة وللمرة الاولى على اساس دستوري وليس على اساس عرفي مذهبي او طوائفي عملا باحكام العصور الوسطى بجعل الطائفة يحكمها احد ابنائها.

2 – لقد اعترف العثمانيون ولأول مرة بحقوق الطوائف الدستورية عمليا وليس نظريا كما جاء في خطي شريف كلخانة عام 1839، وساوى ايضا بين الطوائف، وهي رؤية عثمانية جديدة بل متطوّرة في شرعة الحكم تتعارض بنيويا مع المفهوم العثماني السائد الذي كان يحصر مذهب الحكام باهل السنةّ .

3 – انشأ ما يشبه مجلس للسلطة الاجرائية برئاسة القائمقام، لامس جوهره صلاحيات مجلسٍ وزاري، لأن الصفة التقريرية لم تعد محصورة بشخص القائمقام انما باعضاء المجلس مجتمعين، وهي خطوة دستورية ديمقراطية حقيقية فيما لو مورست فعليا.

4 – اعترفت تلك التنظيمات بحق الاختلاف بين طائفة وأخرى، والقبول بهذا الاختلاف ومراعاته من اجل صون التعايش السوسيولوجي والدستوري، مما يعني انها اسست لقبول رأي الاخر ومناقشته، وبالتالي عملت على تطوير صيغة العيش المشترك.

5 –تميّز تنظيمات القئمقاميتين ببروز مؤسسة القضاء المستقلة، والخارجة عن سلطة القائمقام او اي حاكم آخر، ففصلت بين السلطات، وجعلت كل واحدة مستقلة عن الاخرى؛ وهي الى ذلك حدّت من هيمنة الاقطاعيين وتدخلاتهم، ضمنت حقوق المواطنين.

 6 – يمكن اعتبار تركيب مجلس القائمقامية نوعا من فدرالية الطوائف التي ارتضت بالاجتماع السياسي التعاقدي الذي يكفل دستوريا حقوق الطوائف والمذاهب من دون الافساح في المجال لهيمنة او امتياز طائفة على اخرى.

7 – من المؤسف ان تلك التنظيمات شددت على دور الاعيان الذي كان الامير بشير الثاني قد حدّ من فعاليته ورفع من شأن العامة مرسيا نوعا من التوازن الاجتماعي. فاسست من غير قصد لانفجار الحرب الطائفية الثانية.

8 – اعطت رجال الدين دورا فعالا بل محوريا في انتخاب ممثلي الطوائف، واذا كان الانتخاب عملية ديمقراطية، فانه تنافى مع تطلعات العامة التي وجدت فيه اعادة للصيغة القديمة المبنية على التآلف بين الاعيان ورجال الدين.

9 – لم تلحظ التنظيمات اي دور اساسي اداري او سياسي للأمراء بل اعتبروا من الاعيان، ودليلنا على ذلك خلو اسماء اعضاء القائمقاميتين من اي امير[16]، وهي خطوة ايجابية على صعيد المساواة.

10 – اوجبت على المجالس النظر الجماعي في الامور المعروضة عليها، فصار الاطلاع على مجريات الامور في الجبل واضحة للجميع، وبالتالي بات تلافي الخلل الامني قبل استفحاله ممكنا اذا صفت النوايا.  

11 – اناطت بوالي صيدا العثماني تعيين اصحاب المناصب ومراقبة الحكم، فصار مسؤولا عن تطوّر الاوضاع في الجبل، وما عاد ممكنا للدولة العثمانية، تجاه الدول الاوروبية الكبرى، التملص من سؤوليتها عن تردّي الاوضاع فيه..

   فعلى رغم كل ذاك التحديث الدستوري التعاقدي الذي كفل وحدة الطوائف، وأسس فعليا لقيام نظام حكم حقيقي تضامني فدرالي ينبض بركائز ديمقراطية متعددة، نتسأل لماذا فشل نظام القائمقاميتين، او بالحري لماذ حصلت الحرب الطائفية الثانية؟

فهل الفدرالية نظام سيّء، ام ان عقلية الاعيان انذاك كانت اعجز من ان تستوعب آلية التطوّر؟ لأنهم جهدوا لاستعادة حقوقهم بل سلطاتهم التي كان تخطاها التطور السياسي والعقاري والفكري، من دون التبصر بالنتائج.

فعلى الرغم من ان تنظيمات شكيب افندي خصّت الاعيان بمنزلة عالية فانهم رفضوا قبول التطور المؤسسي، وظنوا ان بامكانهم اعادة الزمن الى الوراء، فعندما اقترحوا الامير احمد ارسلان قائمقاما جعلوه يوقّع عهدا بانه اولٌ بين متساوين، مما كان يعني العودة للعمل بالميثاق الشهابي في فترة كانت الاحداث اقوى من ان تحل بالاعراف القديمة. فالميثاق الشهابي كان عاجزا عن مواكبة الاحداث المتفاقمة والمتسارعة وعن استيعابها اوحلها. ولما  عزل احمد وعيّن ابنه امين مكانه رفض مقولة الاعيان متذرعا ان الباب العالي عينه من دون استشلرة الاعيان، مما ادى الى انقسام الدروز على انفسهم.

    ولم يكن حال الموارنة بافضل اذ انقسموا بدورهم على انفسهم: فصار آل ابي اللمع فريقين واحد ايد الامير بشير عساف، والآخر الامير بشير احمد، وزاد في الامر سوءا مطالبة آل الخازن باسترداد ما كان أخذه منهم الامير بشير الثاني متوائمين مع الطرح الدرزي اي العودة الى نظام الاعراف، ناهيك بظهور آل كرم في الشمال منافسين للعائلات التقليدية.

    وعلى ذلك، لم يفشل نظام القائمقاميتن، كنظام مؤسسي، ولم يفرز مذابح جديدة في الجبل، بل ان الرؤية المتخلفة للأعيان عند كلا الفريقين المسيحي والدرزي هي التي ادت الى قيام الحرب الطائفية الثانية، لأنهم عجزوا عن استيعاب عجلة التطوّر ورفضوا الاعتراف بالحركية الزمنية، بل حتى بالتطوّر البطيء.  ولم يدركوا ان العامة لن تستمر ابدا في خدمتهم غير آبهين باختلال توازن الملكية العقارية التي كانت باستمرار لصالح العامة التي دأبت تستل نفوذهم. فشكّل تعنت الاعيان السبب المباشر للحرب الطائفية الثانية.

   وزاد بالامر سوءا عدم استيعاب الاعيان ابعاد ثورة طانيوس شاهين عام 1858 المطالبة بالجمهورية – حكم العامة- التي بدأت في كسروان كثورة اجتماعية لأنصاف العامة بالاشتراك بالحكم، لأن الاعيان تعاموا عن تطوّر اوضاعها غير آبهين بحيازتها ملكيات عقارية مهمة، وغير واعين للتطوّر الفكري الناتج عن نشوء المدارس، ومتخلفين عن رؤية الدوافع الحقيقية للعاميات على المستويين السياسي والسوسيولوجي؛ بدءا بعامية 1821 وانتهاء بعامية 1840، واعتبروها حركات ظرفية. ولم يدركوا خطورتها على اوضاعهم وامتيازاتهم الا عندما انتقلت الثورة الى الشوف طلبا لمؤازرة عامته الدرزية والمسيحية. عندئذ حوّلوها الى فتنة طائفية سنة 1860 حفاظا على اوضاعهم. واعمى التعصّب الطائفي العامة عن حقوقها ومطالبها وعن هدف الثورة الاساسي بعد ان طواطأ العثمانيون مع الدروز للقضاء على المد الماروني الديمغرافي والاقتصادي والفكري والسياسي.

وعليه، تبيّن ان الحكم الذاتي في الجبل ضمن صيغة التعايش التعاقدي الدستوري لم يتم استيعابه بشكل حقيقي بسبب تخلّف فكر الاعيان عن ادراك القيّم الدستورية، والتطور السوسيولوجي، وازدياد التعصّب الطائفي، فتصادمت دمويا طوائف الجبل الواحد سعيا وراء المكاسب. ولم يدرك لا الدروز ولا المسيحيون دقة الظرف، واستقوى كل منهم بالخارج حتى تدمّرت البنية الداخلية على المستويات كافة، مما يعني ان القصور في الوعي الذاتي من جهة، والجماعي من ناحية ثانية جاء كارثيا.

   ومنعا لتفاقم الامر كان لا بد من ايجاد صيغة دستورية أخرى تأخذ بالاعتبار بنية القائمقاميتين الدستورية وتُطوّرها، وتفرضها على الفرقاء المتنازعين، فخسر اللبنانيون حكمهم الذاتي لصالح حاكم اجنبي فرضته الدول الاوروبية الكبرى بالاشتراك مع الدولة العثمانية، فكان نظام المتصرفية.

  2– نظام المتصرفية والتحديث: أقرّ بروتوكول 1861 بالمجتمع التعددي في الجبل، وانطلقمن وحدة الطائفة فجعلها اساسا للتعاقد الدستوري، ومنطلقا للتنتظيم الاداري والقضائي. فصارت وحدة قائمة بذاتهايتعاطى ابناؤها فيما بينهم على المستويات كافة، وتعيش جنبا الى جنب مع الطوائف الاخرى وتتعاطى معها سوسيولوجيا واقتصاديا بطريقة تتكامل فيها الدورة الاقتصادية، وتستقر الحياة الامنية، وتتحفّذ الحالية السياسية نحو الافضل. وقد يكون من هذا المنطلق قسّمت المادة الثالثة من القانون الاساسي الجبل الى ست مقاطعات ادارية هي:

1″ – الكورة…الآهلة بالروم الارثوذوكس، ما عدا بلدة القلمون…وكل سكانها تقريبا من المسلمين.

2 – الجهة الشمالية في لبنان، ما عدا الكورة حتى نهر الكلب.

3 – زحلة وما يتبعها من ارض.

4 – المتن بما فيه ساحل النصارى واراضي القاطع وصليما.

5 – الارض الكائنة في جنوب طريق الشام حتى جزين.

6 – جزين واقليم التفاح.”

   ” ويكون في كل من هذه المقاطعات مأمور اداري يعيّنه المتصرّف، ويختار من الطائفة الغالبة، سواء بعدد نفوسها او باهمية املاكها.”

وعملا بالمادة الخامسة قُسّمت المقاطعات ” الى نواح…ولا يكون فيها ما امكن الا جماعات متجانسة من السكان. وتقسم النواحي الى قرى…ويكون في كل ناحية موظف يعيّنه المتصرف بناء على اقتراح مدير المقاطعة. ويرأس كل قرية شيخ ينتخبه الاهلون ويعيّنه المتصرف. وفي القرى المختلطة يكون لكل عنصر كافي العدد من السكان شيخ خاص لا شأن له الا مع ابناء مذهبه.” فتكرس بذلك حكم الطائفة الذاتي فيالشؤون الحقوقية والامنية للطائفة.

الجهاز الحاكم” يتولى ادارة جبل لبنان، بموجب المادة الاولى، متصرف مسيحي ينصّبه الباب العالي ويكون مرجعه اليه رأسا، ويعطى هذا الموظفالقابل للعزل كل حقوق السلطة التنفيذية، ويسهر على حفظ الامن العام في كل انحاء الجبل، ويحصّل الاموال الاميرية، وبمقتضى الرخصة التي ينالها من لدن الحضرة الشاهانية ينصّب تحت مسؤوليته مأموري الادارة المحلية، وهو يولّي القضاة ويعقد المجلس الاداري الكبير، ويتولى رئاسته، وينفّذ الاحكام الصادرة عن المحاكم…وكل عنصر من عناصر سكان الجبل يمثّله لدى المتصرف وكيل يعيّنه الكبراء والوجهاء في طائفته.”

   وتألف المجلس الاداري الكبير بموجب المادة الثانية من 12 عضوا بالتساوي بين الطوائف والمذاهب: 2 عن كل من: الموارنة، والكاثوليك، والارثوذكس، والدروز، والسنة، والشيعة. و” يكلّف هذا المجلس توزيع الضرائب، والبحث في ادارة موارد الجبل ونفقاته، وبيان آرائه الشورية في المسائل التي يعرضها عليه المتصرف كلها.” وهو الى ذلك يشابه دور المجلس النيابي اذ انيطت به الشؤون التشريعية.

” ويكون في كل مقاطعة مجلس ادارة محلي مؤلف من ثلاثة اعضاء الى ستة، يمثّل عناصر السكان ومصالح الملكية العقارية في المقاطعة…وعليه ان ينظر قبل كل شيء في الامور القضائية والادارية ويسمع مطالب الاهلين، ويبلغ المعلومات الاحصائية اللازمة لتوزيع الضرائب في المقاطعة. ويعطي رأيه الشورى في كل المسائل المتعلّقة بالمنافع المحلية.” مما جعل هذا المجلس شبيها بمجلس نيابي بسبب دوره التشريعي والرقابي.

   القضاء: اما بنية القضاء فقد نظمتها المادة السابعة:” يكون في كل ناحية قاضي صلح لكل طائفة، ومجلس قضائي ابتدائي من اثني عشر عضوا بنسبة اثنين لكل طائفة من الطوائف الست المذكورة في المادة الثانية، ويضاف اليهم عضو من المذهب البروتستانتي او الاسرائيلي كلما كان لأحد من هذه المذاهب مصلحة او دعوى، وتكون رئاسة المجالس القضائية لكل من اعضائها بدوره كل ثلاثة اشهر.” الامر الذي يؤكد على مساواة حقيقية ضمن فدرالية الطوائف، بل ممارسة ديمقراطية.

   اما المحاكم فتتم بموجب المادة التاسعة، على درجات:” وهي ان ينظر في دعوى المخالفات قضاة الصلح، وفي الجنح المحاكم الابتدائية، وفي الجنايات مجلس المحاكمة الكبير…”

” كل اعضاء مجلس الادارة بلا استثناء، وقضاة الصلح ايضا يتم انتخابهم ويعيّنهم رؤساء طوائفهم بالاتفاق مع كبراء الطائفة، وتنصّبهم الحكومة. اما اعضاء المجالس الادارية فيجدد انتخاب نصفهم كل سنة، ويجوز تجديد الانتخاب للذين انتهت مدتهم.”

  وبما ان النظام لم يكن جامدا، بل خاضعا لمقتضيات التطوّر والواقع فقد ادخل على نظام البروتوكول عام 1864 تعديلات شكلية لم تطل بنيانه الاساسي، ولعل ابرز التعديلات تبنت مبدأ النسبية في التمثيل الطائفي في مجلس الادارة فصار اعضاؤه على الوجه الآتي: 4 موارنة، 1 كاثوليك، 1 ارثوذكس، 3 دروز، 1 شيعي (متوالي)، و2 سنة.

   وعليه: يمكن الخلوص بان هذا النظام افرز  بعض الخصائص البنيوية المبدئيةالتالية:

1 – أكّد على وحدة كل طائفة بمعزل عن توزعها الجغرافي، وعلى دورها في مختلف الميادين السياسية والادارية والقضائية، فكانت المرجع الاساسي في التعيين في كل المناصب حتى الوضيعة منها.

2 – ثبّت دور رجال الدين في المجتمع والسياسة والقضاء فاعطائهم الحق الاساسي في انتخاب ممثلي الطائفة في الحقول كافة، ودورا قياديا ضمنيا.

3 – وضع الاعيان في المرتبة الهرمية الاجتماعية الثانية بعد رجال الدين، وأكّد على دورهم في اختيار الموظفين.

4 – اضعف دور رجال الاقطاع لصالح الوظيفة العامة التي صارت تختصر الوجاهة والقيادة، فعزّز المؤسسات الى حد ما على حساب الاشخاص، مراعيا فيها هرمية ادارية في منتهى الدقة والتنظيم…

 5 –  انطوى البروتوكول على ثغرة اساسية اذ لم تعط مواده العامة اي شأن، بل لم تذكرهم، في حين شددت على دور الاعيان، الذين قد يكون بينهم بعض العامة من المثقفين، او الذين حازوا عقارات مهمة، عاكسة بذلك الرؤية العثمانية الاجتماعية والسياسية، وبالتالي اقرت التفاوت الطبقي في مجتمع الجبل وعززذزته .

6 – اشركت بنود النظام الاساسي كل الطوائف في حل المعضلات الكبرى من خلال المجالس: مجلس الادارة الذي روعي فيه مبدأ النسبية، ومجلس المقاطعة، ومجلس القضاء. مما اسس لتطبيق نوع من  الديمقراطية في نظام الجبل الاداري.

8 – جعل المتصرف حكما في ظل المجلس، مما يعني: بقدر ما يكون ممثلو الطوائف واعين للأمور والقضايا المعروضة عليهم، ويجهدون بصدق لحلّها بالمقدار عينه يمكنهم استبعاد التدخل الاحادي للمتصرف.

9 – لم يجعل هذا النظام من المتصرّف المرجع الاعلى للجبل بل ربطه بوالي صيدا، ومن خلاله بالصدر الاعظم، فالسلطان. وربط ضمان تنفيذ مواده بالدول الكبرى. وبالتالي اوجد عدة مستويات من المراقبة لحسن التنفيذ.

10 – تمّ الفصل بين السلطتين الاجرائية والقضائية، وهذا منتهى التحديث في شرق كانت تسيطر عليه نظم بالية.

11- عزّز البروتوكول اعتماد اللامركزية الادارية من طريق مجالس المقاطعات مرسيا حوافز للتنمية ولوعي الذات الاجتماعية والانمائية في كل مقاطعة، وبالتالي التنافس الايجابي بين المقاطعات.

12-  شددت مواد النظام الاساسي على وحدة كل طائفة ضمن المجتمع المتنوع، وعلى اعطائها استقلالاً ذاتيا، وأكد في آن على تآزر داخلي بين الطوائف من اجل حسن انتظام الامور المشتركة وادارة شؤون البلاد، والحد من تدخل المتصرف. وباختصار انشأ فدرالية الطوائف واعترف بالمجتمع التعددي وبخصوصية كل طائفة، وابقى على وحدة الارض والدولة معا، فما عاد من حاجة الى تقسيم الارض والحكم.

13 – شكّل البروتوكول خطوة على طريق التطور في نظام الحكم، ونموذجا للتآلف بين الجماعات في المجتمع التعددي. فعلى رغم ارتباط المتصرف بالدولة العثمانية، واجتهاد معظم المتصرفين لتنفيذ سياستها، وعلى الرغم ايضا من سوء ادارة عدد وافر منهم وجشعهم للمال وانتشار الرشوة في عهودهم، فان عهد المتصرفية يعتبر من ازهى العهود التي عرفها لبنان في مختلف الحقول.

   واذا كان في التاريخ عبرا ومواعظ: نطرح سؤالا مركزيا في مقاربة لواقعنا الحالي: هل نحن في لبنان، على الرغم من حصولنا على الاستقلال الناجز، بحاجة الى بروتوكول جديد يعيد تنظيم اجتماعنا السياسي فيحصر تطلّعنا الى الداخل اللبناني فقط من دون اي ارتباط بالخارج مهما بلغت درجة قرابته منا، ومهما اعتقدنا انه يأخذ مصالحنا بعين الاعتبار.

 سانهي بحثي مستعيرا خاتمة كتابي “المماليك والعثمانيون “الصادر عام 1995 لأقول:” انها ثوابت تاريخية، معادلات لا تتبدل، صراع ابدي على السلطة، تلك السلطة الاعصار لا ترحم ولا تشفق، جشعة ابدا للدماء، شرهة دائما للضحايا، لا ترعى حرمة دين وان كان دينها، او عرق، ولا تميّز بين اخ وعدو، تجتاح كل من يعترض سبيلها. هكذا ولدت ولن تتبدل، وتستمر الشعوب الضعيفة تدفع ثمن صراعاتها وصراعات الآخرين: زعماء محليين او اجانب، لافرق، تلك الشعوب ستستمر ابدا وقود نار التنافس املاً بانبلاج فجر جديد من العدالة الاجتماعية.

في 30 – 1 – 2005                             انطوان ضومط  


[1] – المقدسي، احسن التقاسيم في معرفة الاقاليم، تحقيق محمد مخزوم، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1987، ص134

[2] – المصدر السابق، ص160، 162

[3] – الهمذاني، احمد بن محمد المعروف بان الفقيه، مختصر كتاب البلدان، تحقيق محمد مخزوم، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1988، ص108

[4] – الحموي، ياقوت، معجم البلدان، دار صادر، بيروت، 1968، ص131

[5] – المسعودي، احمد بن علي، التنبيه والاشراف، بيروت، 1968، ص131

[6] – اليعقوبي، احمد بن واضح، كتاب البلدان، طبعة دار صادر، دون تاريخ، ص327

[7] – لمزيد من الاطلاع انظر: شرف، جان، الايديولوجية المجتمعية، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1996، ص378 وما بعد

[8] – المرجع نفسه، ص417

[9] – ابو شقرا، حسين غضبان، الحركات في لبنان الى عهد المتصرفية، بيروت، دون تاريخ، ص8

[10] – شرف، الايديولوجية، ص379-380

[11] ابو شقرا، الحركات في لبنان، نقلا عن جان شرف، ” صيغة التعايش الدستوري في لبنان” حاليات، العدد 33، السنة 1984، ص30

[12] – شرف، صيغة التعايش الدستوري، ص33

[13] – مجموعة المحررات السياسية عن سوريا ولبنان، المجلد الاول، من سنة 1840الى 1860، تعريب فيليب وفريد الخازن، مطبعة الصبر، جونية، 1910، ص219

[14] – المصدر السابق، ص 219-220

[15] – المحررات السياسية، ص219

[16] – انظر قائمة اسماء اعضاء القائمقاميتين في المحررات السياسية، ص220-221

لبنان ونظرية الملجأ

تكثر في الاوطان المتعددة الديانات والمذاهب والاعراق والتوجهات السياسية النظريات السياسية والاجتماعية اما لتبرير توجه ايديولوجي، او ترسيخا لقناعة ذاتية ترسبت عبر الزمن التاريخي وصارت ثقافة عامة لاصحابها، او تماهيا مع الاخر في الظاهر واضمارا لباطن ما تفاديا لصراعات محتملة. وقد يتوسل الباحثون والمنظرون سبلا عدة تسويغا لنظرياتهم ينطلق بعضها من الواقع الجغرافي، والبعض الاخر من التاريخ والجغرافيا معا، وفريق ثالث من ابعاد اجتماعية بما في ذلك تقاليد وعادات، وفريق رابع ربما من مناح دينية او مذهبية… ولسنا ندري لماذا كل تلك التبريرات: اهي لاقناع الاخرين بصوابية نظرية ما تتلاءم وتوجه اصحابها السياسي او الديني وربما المذهبي؟! ام هي عملية تضاد مع رؤى الآخرين يطلقها منظروها بعداء سياسي اوفكري او ديني او مذهبي؟! ام هي تنطلق من واقع ترسبات الزمن التاريخي المتنوعة لتطرح بدائل سياسية قابلة للنقاش بغية افراز نقاط مشتركة حقيقية تؤسس لنظام سياسي بعيد من التكاذب والرئاء؟!

   ان كل الاحتمالات واردة، وارى ان السبيل الاسلم لمثل نقد هكذا اطروحات او لتبني اخرى يجدر ان يأخذ بالاعتبار الواقع الجغرافي، والعلاقات بين الجماعات التي افرزها الزمن التاريخي، ووضع كل جماعة منفردة، ودرسها جميعها بموضوعية، خصوصا في هذه المرحلة المخاض من تاريخنا المعاصر، أملا بفجر جديد من السلوك السياسي يرسي قواعد صلبة، بل اقتناعات واعية عند كل اللبنانيين.

واعترف بصراحة كلية ان المواقف المسبقة، في مثل هكذا موضوع، قد تطغى بنسب متفاوتة على مواقف الباحثين، لا سيما المنضوين في التنظيمات السياسية، او اولئك المحابين لهم، او اصحاب غايات لها تبريرات متنوعة، ونأمل من الباحثين ان يتخطوها الى الموضوعية البحثية. 

نظرية الملجأ والجغرافيا: كثيرون ممن درسوا جغرافية لبنان خلصوا الى ان التضاريس اللبنانية ولا سيما الجبال ومسالكها الوعرة تشكل حصنا طبيعيا منيعا كان شديد الفعالية في تحصين الجماعات خلال معظم العصور الوسطى وبعض الحديثة، مستفيدين من موقع المنخفضات والسفوح التي تشكلها تلك الجبال، لما توفّره من موارد طبيعية: زراعة وتربية ماشية لوفرة الانهار وغزارة مياه بعضها طيلة ايام السنة. ومتوسلين البحر الذي يشكل بدوره ملجأ ومتنفسا طبيعيا في آن، فيغدو لبنان ولا سيما منطقته الساحلية مقصدا للغزاة بما هو موقع استراتيجي متميز من الجغرافية العامة لبلاد الشام…ويصبح الجبل ملاذا منيعا.

وقد قال كثيرون بهذه النظرية منذ اوائل القرن الماضي نذكر منهم: الاب اليسوعي هنري لامنس وقد يكون رائدهم، والمفكر والسياسي جواد بولس، والمؤرخ فيليب حتي… وانتقدها آخرون. وقد برر كل واحد نظريته الجغرافية بمستندات علمية قابلة للنقاش، لن ندخل في جدليتها لأنها وحدها تؤلف اكثر من بحث او مقالة، وازعم ان في كل منها وجهة نظر تتلاءم وتوجه بعض الفئات اللبنانية بطوائفها ومذاهبها المتعددة وميولها السياسية المتنوعة الاتجاهات.

فاذا تجولنا في ارجاء جبل لبنان من شماله الى جنوبه نجد فيه آثارا تعود الى ما قبل المسيح، بل يرقى بعضها الى بدايات العصور التاريخية. وهنا اسأل نفسي، كما اطرح السؤال على الاخرين: لماذا سكن الناس في تلك المناطق النائية الوعرة غير الصالحة اجمالا للزراعة متحملين شظف العيش والصراع مع الحيوانات المفترسة، افليس هربا من اضطهاد اعداء من بني جنسهم ممن يفوقونهم قوة عدة وعديدا ؟! يبقى الجواب رهنا بما يقدمه علماء الاثار ومؤرخي التاريخ القديم من معلومات موثّقة، رغم انني اجيز القول بان من سكن تلك المناطق وفضلها على السواحل الاكثر كرما والاقل عدائية انما اراد الفرار من واقع مرير للاستقرار بملجأ اعتبره آمنا.

وبديهي القول ان الاضطهاد ليس وليد مرحلة تاريخية محددة لأنه متواءم مع عمر الانسان، شأن الفرار من ضغط المنتصر. فالصحارى كانت موائل لعدد من القبائل تآلف بعضها مع البعض الآخر، وتخاصمت قبائل فيما بينها، وكان المهزوم ينأى عن المنتصر ويفتش عن ملجأ يحميه ويكفيه شر المعتدين. ولا بد ان يجد متتبع تاريخ هجرات الشعوب ضمن القارة الواحدة، او من قارة الى اخرى، ان ابتغاء الاقامة في منطقة معزولة تؤمن له مستلزمات الحياة ولو بحدودها الدنيا كان من ضمن الاسباب العديدة لفرار المهزومين. وكذلك فان المنتصر كان يفتش على الارض الأكثر خصوبة وجودة ويستعمرها، ويسعى باستمرار نحو التوسع واستعباد المهزومين، وبذلك نشأت الامبراطوريات الكبرى باخضاعها تباعا شعوبا متعددة الاعراق لسيطرتها.

نظرية الملجأ والفكر السياسي: ان معادلة الصراع بين الضعيف والقوي استمرت هي عينها تحكم سلوك الانسان عبر الزمن التاريخي، ونتساءل اذا كانت قد صحت في مجتمعات العصور الغابرة فهل ما تزال تصح في عصرنا هذا بما يحويه من انظمة وقوانين ومنظمات دولية واقليمية تنظم سلوك الدول وشعوبها وتفصل في نزاعاتها؟!

واذا كان طرح هذا الموضوع ” لبنان ونظرية الملجأ” اليوم لضحد المواقف السابقة لمفكرين ومثقفين وسياسيين لبنانيين وغيرهم تسويغا لقيام وطننا لبنان باعتبار ان كل اللبنانيين شركاء فيه، فان الوطن صار موجودا، ووجوده نهائي لكل ابنائه، واذا كان لهدف آخر عنيت به التشديد على الوحدة اللبنانية في وجه ما يحضر على المستوى الاقليمي من انظمة سياسية ليس اقلها الفدرالية، فان الموقف من الماضي بل من التاريخ لا يلغي هذه التطلعات او التوجهات، لأن للماضي ظروفه وزمانه، والحدث التاريخي لا يفهم الا في هذا الاطار. وبالتالي فان قياس الماضي بكل ظروفه ومقتضيات نوازعه على الحاضر بكل تشعباته ورؤى ابنائه المتنوعة لا يصح ولا يؤسس لانطلاقة واقعية، انما انماء الثقة بين اللبنانيين هي التي تئد كل تلك النظريات والداعين اليها أكانوا مصيبين او مخطئين. ان الوضع اللبناني كثير الهشاشة، وبحاجة الى وعي اجتماعي بالدرجة الاولى، لأنه يؤسس لاكتساب ثقافي، بل استيعاب ثقافي واع يحدّ من غلواء بعض الفرقاء لأي حزب او توجه او دين او مذهب انتموا، ويصبح بالتالي النضوج السياسي تتويجا للمرحلتين.

واذا عدنا الى التاريخ نتوسل منه نظرية لبنان الملجأ قد نجد لها مبررات في بعض المناطق اللبنانية ليس في الجبل وحده على امتداده كله، بل ايضا في الجنوب اللبناني، وفي بعض البقاع. ذلك ان الدواعي الدينية بل النزاع الديني ضمن الطائفة الواحدة كان من ابرز الاسباب التي دفعت معظم المهزومين للاتجاء الى لبنان، من دون اسقاط الصراع بين الطوائف من الحسبان.

فبالعودة الى التاريخ القديم، وانا لست ضليعا فيه، ازعم ان الفينيقيين الذين سكنوا المناطق العالية في جبل لبنان هربوا من هجمات واضطهاد الشعوب المتنوعة التي اخضعت الفينيقيين وتسلطت عليهم، وجعلتهم يدورون في فلكهم، ولنا نماذج متعددة من سلوك الفراعنة والاشوريين والفرس…

اما بالنسبة الى تاريخ لبنان الوسيط، واعتقد انه لبّ الموضوع، فالبعض يرفض نظرية لبنان الملجأ لاسباب متنوّعة ليس اقلها الخلاف على تحديد العلاقة الدينية بين المسيحيين والمسلمين، وبدرجة اقل العلاقة المذهبية بين المسلمين انفسهم، من دون ان يجرؤ بعض الرافضين لهذه النظرية الافصاح عن دوافعهم الاساسية. ولكنني اقارب الموضع من ناحية مختلفة ببعض وجوهها لاناقش المعضلة بكل موضوعية: فالموارنة الذين هاجروا من مناطقهم الاساسية على ضفاف العاصي وفي منطقتي حماه وحمص والتجأوا الى لبنان كان دافعهم الرئيسي تأمين مركز حماية من مسيحيين آخرين يريدون قتلهم او تحويلهم الى مذهب اليعاقبة لأن انسحاب البيزنطيين من بلاد الشام تحت وطأة الفتح العربي جعلهم من دون حماية، فاعتصموا في المناطق الجبلية اللبنانية الاشد وعورة في المسالك، وقد تكون الاكثر ارهاقا من حيث الاستغلال. ومن ناحية ثانية فان علاقاتهم المتعددة الوجوه مع الامويين فرضت عليهم السكن في تلك المناطق؛ فحافظ الموارنة على وحدتهم الذاتية واستقلالهم الداخلي وعاشوا في ظل تنظيمهم الخاص: البطاركة زعماؤهم الدينيون او الروحيون، والمقدمون قادتهم السياسيون والعسكريون المدافعون عنهم، واستمر الحال على هذا المنوال حتى اواخر القرن الثامن عشر.

وبالنسبة للشيعة اشتدت صراعاتهم مع اهل السنة بعد مقتل الامام علي ومن بعده الامام الحسين في كربلاء، وكان في معظم الاحيان لصالح السنة، وان نجح احيانا الشيعة بتأسيس دويلات لهم لم تلبث ان كانت تزول لا سيما في بلاد فارس وبعض بلاد الشام: كالحمدانيين في الموصل وحلب، والقرامطة في جنوب بلاد الشام (في البحرين)… الى ان اسس الشيعة الاسماعيلية الخلافة الفاطمية في المغرب عام 909 ونقلوها في اواخر عهد الخليفة المعز لدين الله الى مصر عام 969.

اذا في البداية كان الصراع لصالح السنة وكل من اضر بهم كان نصيبه الاضطهاد اما نفيا او سجنا او قتلا، وكان ابو ذر الغفاري اول ضحاياه، اذ نفاه معاوية الى جنوب لبنان لتتأسس معه اول جالية شيعية استكانت فيه، ثم تبعته اعداد من الشيعة طلبا للحماية توزعت في جبل عاملة، وفي مناطق من كسروان والبقاع. واذا كان التاريخ لا يمدنا باخبار صراعية بين السنة والشيعة في جنوب لبنان فلأن الشيعة فيه، على ما أرجّح، لم يشكلوا معضلة او عصيانا بيّنا ضد السنة.

وحوالى العام 760 او بعيده اسكن العباسيون في بيروت ومنطقة الغرب قبائل تنوخية ردا على ثورة المنيطرة المارونية، وللمحافظة على بيروت من الهجمات البيزنطية، على ما تذهب اليه المراجع التاريخية المتأخرة، فاستمر هؤلاء عونا للسلطة الحاكمة في بغداد خلال العصر العباسي الاول، وفي دمشق اجمالا في العصور التي تلت. ولم يشكل التنوخيون ازعاجا حقيقيا للسلطات الفاطمية في القاهرة الا بعد ان اعتنقوا (الدرزية)، وبالتالي ومخافة من الاضطهاد، ومحافظة على كيانهم اعلنوا اقفال باب الدعوة واستمروا في خدمة السلطة الحاكمة في دمشق ينفذون رغباتها.

 ان اقفال باب الدعوة وتنفيذ رغبات السلطات الحاكمة في دمشق، منذ اواسط العهد الفاطمي مرورا بالعهد الاتابكي السلجوقي فالايوبي وصولا الى المملوكي، كان في جزء منه على الاقل حماية للموحدين الدروز من نقمة السلطات السنية، واعتصاما لهم بل ملجأ في معاقلهم المتعددة والمكشوفة. ولم يكن انقسامهم بين مؤيد للسلطة الحاكمة في دمشق وبين اعدائها الا حماية للفريق الخاسر بينهم، مما يعني ان لبنان شكل ملاذا ملائما لهم، ونجحوا في ادارته.

واعتصم فريق من الشيعة العلوية في بلاد الظنيين ( الضنية) لأنه كان فريقا مستهدفا من الفقهاء السنة، وهي بلاد ذات موقع طبيعي حصين جدا، وصاروا هم والموارنة بمنأى عن النفوذ المباشر للسلطات الحاكمة التي كان يدور لبنان في فلكها الى ان تمكن اللمماليك منذ عام 1268 من مهاجة المعاقل الجبلية اللبنانية وكان آخرها عام 1305. وقد ادت تلك الحملات الى تغيير في ديموغرافية لبنان، وفي تركيبه السكاني؛ اذ اسكن المماليك قبائل كردية وتركمانية على امتداد الساحل من انطلياس الى مغارة الاسد في عكار. ومع ذلك استمرت الجماعات اللبنانية تعيش كل واحدة في منطقتها، وفي شبه عزلة، حتى تلك القبائل الكردية والتركمانية تلونت، بعد فترة زمنية، بالميول الطوائفية والسياسية اللبنانية.

لن اخوض في التاريخ اكثر من ذلك كي لا يتحول البحث الى دراسة في التاريخ، انما هذه البنى الاثنية والدينية والمذهبية عاشت على الرقعة المعروفة اليوم باسم لبنان، كل واحدة في حيّزها الخاص، تمتاز بسلوكها الخاص، ويجمع بينها العديد من التقاليد والعادات، رغم وجود بعض التمايز فيما بينها. ايمكننا ان ننفي سلوكها السياسي والديني والمذهبي، الا يعتبر اختيارها الاماكن الامنة ملجأ لهم من الاضطهاد، خصوصا ان استكانتهم فيه ما كانت تزعج السلطات التي كان يخضع لها لبنان مرغما، ولن تتكبد هي مشقة معاقبتهم لأن تأثيرهم على الآخرين استمر ضعيفا جدا ان لم يكن معدوما.

وعليه، فان سلمنا جدلا بهذه النظرية: “لبنان الملجأ” او رفضناها، رغم ان العديد من المؤرخين والمفكرين تناولوها منذ العصور الوسطى: كابن القلاعي في زجليته التي أرّخ فيها بعضا من تاريخ الموارنة ولا سيما المقدمية المارونية والعلاقات الصراعية بين الموارنة والسلطات الحاكمة، شأن ما تناوله العنطوريني في “تاريخه”، والبطريرك اصطفان الدويهي في” تاريخ الازمنة” الذي كان أكثر وضوحا. ونجد ايضا مؤرخين دروزا أرخوا لتاريخ الموحدين الدروز على الرغم من ان بعض المؤرخين والمفكرين يرون انهم كتبوا تاريخ الاسرة التنوخية الحاكمة، او تاريخ الامير فخر الدين متجاهلين ان هذه الاسر كانت درزية وحكمت الدروز بالدرجة الاولى، نذكر منهم صالح بن يحي في “تاريخ بيروت وامراء الغرب”، واحمد خالد الصفدي في تاريخ الامير فخر الدين، والامير حيدر الشهابي في “الغرر الحسان”، وابو شقرا في كتاب “الحركات في لبنان”. ويصنّف ” اخبار الاعيان في جبل لبنان” لطنوس الشدياق كأحد المؤلفات التي تناولت المقاطعات اللبنانية، بمعنى ان تلك الكتابات جاءت تاريخا اُسَريّا طوائفيا. ويمكن الحصول على ادلة دامغة في ان لبنان خلال العصور الوسطى والحديثة كان يعيش على شكل اسر طائفية مذهبية منطوية على ذاتها لا تتقاطع مع الاخرين صراعا الا ربما في مناطق التماس، او بامر من السلطات الحاكمة التي كانت تأتمر بها، من كتب الرحالة الاجانب التي زارت لبنان في العصور الحديثة وكتبت مشاهداتها. فاذا كانت الحال في تلك العصور على ما وصفها الرحالة فكم بالحري كان وضعها في العصور التي سبقتها؟

ان التركيب السكاني في العصور الوسطى بتعدد الطوائف والمذاهب ونموه في العصور الحديثة استمر موضوع خلاف بين الطوائف على مستويين سوسيولوجي واقتصادي، وهما بلا شك مرتبطين عضويا، وكان اي تحوّل في هذا البنيان سيشكل عامل صراع، لأن الفريق الذي سيشعر ان مركزه مهدد سيبذل كل ما في وسعه للمحافظة على مكتسباته.

ومن الامثلة الشديدة الوضوح على تقوقع الجماعات السياسية والسوسيولوجية خلال العصور الوسطى وبعض العصور الحديثة والتشبث بالمكتسبات شأن التمسك بنظام الحكم بموجب الميثاق الشهابي اذ بعد انقراض السلالة المعنية عام 1697 ارتضى الدروز بموجبه اعطاء الامارة للأسرة الشهابية السنية، وكان من المستغرب ان يقبلوا بأمير ” غريب الدار” اي غير درزي لو لم يتحدد في هذا الانتقال التحوّل من نظام التعايش الى الاجتماع السياسي الذي جعل نظام الامارة الجديد يقوم على مبدأ سلطة الشورى بين الاعيان والامير، وبالتالي صار الامير محدد الصلاحيات بموجب الميثاق المذكور تأمينا لمصالح الدروز لكي لا يطغى السنة على الحكم بمعزل عن الدروز. بمعنى ان تقاطع المصالح السياسية ضمن الطائفة الواحدة ما كان ممكنا الا بمقدار، وبالتالي فان انتقال العيش من الوجود السوسيولوجي في كل بيئة على حدة – رغم العديد من التقاليد والعادات المشتركة- الى الاجتماع السياسي بين الطوائف والمذاهب كانت دونه عقبات كبرى لأنه كان نمطا من التعاقد السياسي، بدليل حصول صراعات رئيسة في لبنان خلال القرن التاسع عشر بسبب حدة التحولات من البيئات الفردية الى الاجتماع السياسي وما رافقها من نمو ديمغرافي اخلّ بالتوازنات القديمة. فاستتبعه حكما تحول في التعاقد السياسي: فاعتمد نظام القائمقاميتين الذي عدلته ترتيبات شكيب افندي، وهو لم يكن سوى رؤية جديدة لنظرية الملجأ ادرك من خلالها شكيب افندي عام 1845 الابعاد البنيوية في تركيبة الجبل الطائفية والسوسيولوجية، وتوّقع اعادة الهدوء الى الجبل عبر المشاركة التامة للطوائف في تقرير السياسة العامة لكل قائمقامية. ولم يكن فشل نظام القائمقاميتين الا لتخلف فكر الاعيان عن ادراك القيم الدستورية والتطور السوسيولوجي، لعجزهم عن استيعاب التطوّر الذي حظي به العامة عبر تخطيهم التدريجي لنظرية الملجأ نحو المواطنية في ظل “الدستور” اي التعاقد السياسي الذي اقره شكيب افندي وكان نوعا من فدرالية الطوائف المبنية على حقوق الطائفة وعلى المساحة الجغرافية للجبل*، وهي رؤية فيها انعتاق الى حد بعيد من نظرية الملجأ. وجاء نظام المتصرفية وهو نظرية منقحة عن النظام السابق مع فارق ان رئاسة النظام كانت لحاكم اجنبي، و رغم كونه نوع من فدرالية الطوائف تجاوز نظرية الملجأ نسبيا من حيث التداخل السوسيولوجي بين الطوائف، وانحسار الحدة الطائفية .

  وفي محصلة الموضوع لم ينجح اللبنانيون حتى اليوم بتخطي التقوقع الطائفي، وكأن نظرية لبنان الملجأ صارت صنوا لوجود الطوائف، بل اساسا لتركيب لبنان السوسيولوجي والسياسي، واستمر التعاقد السياسي ابرز نماذجه، وهو باعتقادي تعاقد هش لأن الولاء المنطلق هرميا من العائلة الى الطائفة فالى المنطقة الجغرافية واخيرا الى للدولة، يُبقي نظرية لبنان الملجأ، اي تعدد الطوائف وتقوقعها كل واحدة الى حد ضمن رقعة جغرافية معينة، رغمخ بعض التداخل المهم احيانا، ماثلة امام كثيرين من اللبنانيين. فاذا كان اللبنانيون لم يستطيعوا، حتى الآن، الاتفاق على الرؤية الى السياسية الخارجية للبنان اذ ما يزالون يتصارعون سياسيا ودينيا ومذهبيا حولها: فبعضنا يغلّب مصالح اقليمية وفئوية مذهبية على مصالح لبنان الحيوية لأنها برأيه اضمن لوجوده ونفوذه، وفريق آخر يضع اولويات اخرى تناقض رؤية الفريق المذكور وهكذا…مما يعني ان استقواء كل فريق بل كل طائفة ومذهب بالخارج هو احد ابرز مرتكزات نظرية الملجأ التي لن تؤسس لقيام دولة متماسكة دستوريا وسياسيا واجتماعيا وثقافة عامة

فعلى ضوء ذلك اقول: ان نظرية الملجأ التي طالما سعينا الى اسقاطها من نفوس اللبنانيين ما تزال حيّة في وجدانهم بطريقة او باخرى، حتى لو استبدلنا اسمها بتعابير مستحدثة، فهي ابدا تتمتع بمقومات النظرية السابقة، رغم ان الملجأ الجغرافي بمعنى الحماية من الاعداء ما عاد متوفرا. ولا ارى حلا لكل هذا الاشكال في الاجتماعين السوسيولوجي والسياسي في لبنان الا بالعلمنة الشاملة الواعية التي تقضي على اهداف ورؤى المتعلقين بنظرية ” لبنان الملجأ” والمستقوين ابدا بالخارج الذي لم يكن يومنا في صالحنا، وتدفع اللبنانيين للخروج على نظام الطوائف والمذاهب الذي هدّم وما يزال مقوّمات المواطنية والولاء السياسي المطلق للدولة اللبنانية. وهنا تلعب مؤسسات المجتمع المدني دورا اساسيا في بلورة هذه الرؤية الثقافية السياسية الاجتماعية، فتقرب وجهات النظر، وتضعف المخاوف، وتبث الفكر الانفتاحي، وتساهم بقبول الاخر كما هو، ولكن تبقى سيادة القانون على الجميع من دون استثناء الضمانة الاساسية للقضاء على نظرية الملجأ.

*- اخذنا وضع الجبل كنموذج لنظرية الملجأ وهو يماثل المناطق الاخرى من حيث البنى السياسية والطائفية والفكرية.

                                              الدكتور انطوان ضومط