علاقة الفاطميين بمن جاورهم في بلاد الشام في عهدي المعزوالعزيز


358-386/969-996

ان تاريخ العصور الوسطى الاسلامية يتجاوز المفهوم السياسي التقليدي المبني على الصراع على السلطة في المنظومة السياسية والاتنية والدينية الواحدة، فقد تجاذبته اطراف عديدة ذات مذاهب واتنيات متنوّعة، وديانات مختلفة. فمنذ قيام دولةالخلافة في العصر الراشدي كانت سيطرة السنة واضحة، واستمرت فعاليتها حتى اواخر العصر العباسي الثاني. ولم يكن الشيعة انذاك مستكيني المواقف، اومتخلفين عن الركب السياسي، فقد عملوا سرا وجهرا لانشاء دول خاصة بهم تبعا لمقتضيات الظروف وتقلبات الاحوال: فكلما كانت تضعف السلطة المركزية العباسية كانوا يغتنمون الفرصة لانشاء دولة او دويلة لا تلبث ان تزول.

    ولم يسر الوضع السياسي والاداري العباسي على وتيرة متصاعدة من النجاح، بل شاخت الدولة وهي بعد شابة، فاعتراها الوهن والتخلف عن مواكبة تطور الاحداث السياسية العاملة على الحط من هيبتها منذ اواخر العصر العباسي الاول، بل من اواسطه عندما قسّم الرشيد الدولة بين اولاده الثلاثة المأمون والامين والمعتصم، وتلا ذلك الصراع بين الاخوين الامين والمأمون المغلف بابعاد سياسية عنصرية ان جاز التعبير، او على الاقل عصبية بين العرب والفرس، مما انهك قدرة الدولة حتى عجزت عن الامساك ببعض الاطراف ولا سيما خراسان التي استقل بها طاهر بن الحسين قائد جيوش المأمون الفارسية.

    ولم يكن عهد المعتصم بافضل، اذا استُهلك جيشه الفارسي الجنسية بالحروب ضد الزنادقة، فاستعاض عنه بعناصر فارسية دخلت جماعات جماعات كل واحدة بامرة قائدها، فانعدم ولاء الجيوش الجديدة للخليفة وانحصر بالقادة[1]. وزاد في الامر سوءا عندما شرع هؤلاء ينازعونه السلطة السياسية والادارية[2]. ومنذ ذلك التاريخ بدأت مسيرة السلطة المركزية للدولة العباسية بالانحدار السياسي والاداري والعسكري، ففقدت سلطانها على معظم الاقاليم، وصار الخليفة صورة دينية، بوجه عام، ورمزا اجوف من كل سلطة سياسية وعسكرية فاعلة.

   في حمأة هذه الصراعات في المشرق العربي كانت الخلافة الفاطمية تأخذ طريقها الى الظهور العلني في عام 297/909 بفضل جهود ابي عبد الله الشيعي، الذي اظهر امامة سعيد بن الحسين، ثم اعلنه خليفة من سلالة الامام علي وفاطمة الزهراء. ولكن ذلك لم يؤد ابدا الى تخط المصاعب الكثيرة التي حبل بها المغرب، فقد كانت حقول الالغام المتنوعة تعترض سبيل استقرار الفاطميين فيه لدواعي متنوّعة بعضها مذهبي بحيث كانت الدويلات التي سبقتهم الى المغرب قد ركزت اقدامها فيه مثل دولتي الخوارج المدرارية والرستمية، ودولة الادارسة الشيعية، ودولة الاغالبة السنية[3]. ناهيك بطبيعة المغرب الوعرة ولا سيما في المناطق الداخلية، اضف الى ذلك مشاكل التركيب البنوي السكاني المبني على الولاء القلبلي. وقد تقاطعت بعض هذه العقبات فيما بينها حتى كادت تودي بالخلافة الفاطمية في ثورت الخوارج المتكررة ولا سيما ثورة ابي يزيد مخلد بن كيداد[4]، مما ادى الى وضع غير مستقر، وحالة استحضار عسكري دائمة الجهوزية.

    على ان عهد المعز لدين الله ( 341-365/953-975 ) هو الذي ارسى بفعالية ركائز حكم الفاطميين في المغرب باقامة علاقات وطيدة مع قبيلتي كتامة وصنهاجة، واخلصت له صنهاجة بحصولها على دور في السلطة[5]، وتمكن ايضا من مد صلاة ود او عدم اعتداء مع القبائل الاخرى. ولكن طموحه لم يكن الاستئثار بالمغرب، وهو الامام الاسماعيلي الفقيه الذي كتب رسائل عديدة في العقيدة الاسماعيلية[6]، بل رغب بتصدير المذهب الاسماعيلي الى كل العالم الاسلامي على الاقل. ولكن اصطدامه بالمقاومة الاموية الشرسة في الاندلس، واقتناعه ان الهدوء في المغرب ليس الا وقتيا بسبب العقلية القبلية وعداء القبائل بعضها للبعض الآخر، هذا فضلا عن ان نفوذ الفاطميين انحصر في المناطق الساحلية اجمالا، من دون ان ينسى المعز تداعيات ثورة ابي يزيد مخلد بن كيداد التي كادت تودي بالاسماعيلية زمن اجداده.

الفاطميون في المشرق: اذا كانت الصعاب التي نشأت في المغرب اقلقت الفاطميين، فان عوامل اخرى تقاطعت فيما بينها وعملت على توجيه انظار الفاطميين الى المشرق العربي وتحديدا الى مصر نقطة الانطلاق نحو العالم المشرقي الرحب. ان سيطرة الفاطميين على صقلية بعد انتزاعها من بني الاغلب، وكذلك بسط نفوذهم على طرق الواحات التجارية كانت تجعل من احتلالهم لمصر محورا مركزيا للسيطرة على  تجارة العبور بين الشرق الاقصى والغرب الاوروبي كون مصر تشكل اقصر حلقة اتصال بينهما، ولأن موقعها المشرف على البحر المتوسط في الشمال وعلى البحر الاحمر في الشرق، بما فيه من موانئ، امتدادا الى المحيط الهندي، يجعل حاكم مصر يسيطر على احد اهم الطرق التجارية القادمة من الشرق الاقصى. وكان حكامها منذ العهد الطولوني يبسطون نفوذهم على الاماكن الاسلامية المقدسة، وهذه النقطة كانت محورية بالنسبة للفاطميين وهي شكلت دافعا رئيسا لهم  لسلب العباسيين احد اهم اسلحتهم الدينية بعد ان كان القرامطة سلبوهم محورا آخر شديد الاهمية بسيطرتهم على طريق الحج الذي قطعوه مرارا وسلبوا قوافل الحجيج تكرارا. ولعل التشرزم السياسي والعسكري الذي حاق بالدولة العباسية ساهم بفعالية ليتوجه الفاطميون الى المشرق، فنجحوا في عهد الخليفة المعز لدين الله  وبقيادة جوهر الصقلي بالاستيلاء على مصر المتداعية امنيا واقتصاديا وعسكريا بفعل الازمات المتنوّعة التي اصابتها بعد وفاة كافور الاخشيدي.

   ويبدو من خلال ما اوردته المصادر المتنوّعة عن اعداد الجيش الفاطمي وعدته وصناديق الاموال التي حملها جوهر معه التي اربت على الألف ومائتي صندوق[7] ان الفاطميين ارادوا التأثير نفسيا واخلاقيا على المصريين اولا، وعلى سائر القوى السياسية والعسكرية في بلاد الشام في مرحلة ثانية، وبالتالي التأثير المعنوي السلبي على الخلفاء العباسيين.

  وازعم ان الخليفة المعز لدين الله درس المصوّر السياسي العسكري الجغرافي في المشرق العربي فوجد الظروف مناسبة للحول مكان العباسيين في مناطق عديدة؛ فقد كان البويهيون الشيعة يسيطرون سياسيا وعسكريا على العراق وبلاد فارس، وبدا الخلفاء العباسيون معهم فاقدي كل دور قيادي[8]. وكان القرامطة منذ زمن بعيد قد قضّوا مضجع العباسيين وانهكوا جنوب العراق بغاراتهم المتكررة التي احتلوا فيها البصرة مرارا وخلّفوا فيها دمارا كثيرا، كما كانت لهم سيطرتهم على قسم كبير من بلاد الشام: في دمشق، وفي البحرين. وكانت تجمعهم بالفاطميين صلاة المذهب الواحد عموما فتوقعوا منهم المساعدة لاضعاف القدرة العباسية السياسية والمعنوية على الاقل. وكان الحمدانيون الشيعة يسيطرون على شمال بلاد الشام في الموصل وحلب وينازعون الاخشيديين السنة السيطرة على قلب بلاد الشام. فكان ذلك المصوّر يؤشر الى انقسام العالم الاسلامي الى فريقين مذهبيين: سني وشيعي. وكانت المعطيات تؤشّر بدورها الى غلبة الشيعة على مراكز القرار حتى في بغداد حاضرة العالم الاسلامي السني، واذا اتحدوا جميعهم قد ينتصرون على السلطة العباسية ويحلون مكانها.

 ومع ارجحية هذا الرأي الذي قال به مؤرخون كثر ازعم ان التاريخ لا يدرس او يفسّر على اساس ديني اومذهبي فقط، على رغم ما لهما من تأثير في تقلب الاحوال وتطور الاحداث وتأثير على الناس، لأن تاريخ العصور الوسطى حافل بالمواقف والتوجهات التي طالما خالفت النظرة الدينية والمذهبية في تفسير الاحداث. فالمصالح الفردية غالبا ما كانت تتفوّق على ما كان يفترضه السلوك المذهبي او الديني من اجل الصالح العام باعتبار ان الغاية الشخصية تبرر الوسيلة، وبالتالي فالتضحية بالمذهب لم تكن وليدة تلك الظروف والمرحلة وان شكلت سمتها، اذ تُبرز لنا الذاكرة التاريخية للعصور الوسطى السابقة على مجيء الفاطميين الى الشرق نماذج كثيرة جدا على التضحية بالديني او المذهبي لصالح السياسي الشخصي، ان لم نقل الاناني الفردي. مما يجعل معادلة او جدلية العلاقة بين الولاء المذهبي والولاء السياسي جديرة بالبحث للخلوص منها بالعبر. 

   وسنحاول في هذا البحث التبحر في التطورات السياسية في المشرق العربي وربطها بالتوجهات المذهبية والدينية للوقوف على سير الاحداث بشكل بياني في مقاربة لدراسة جدلية العلاقة بين الولاء المذهبي والولاء السياسي خلال الفترة الممتدة من 358/ 969 الى 386/ 996

1- علاقة الفاطميين بالبويهيون: خلف البويهيون اتراك العصر العباسي الثاني ( 232-334/847-945) في حكم العراق، وامتد سلطانهم على معظم بلاد فارس مشكلين قوة عسكرية بالغة القوة والخطورة، وسمح توّزع قواهم بين قادتهم الاساسيين واستقلال كل منهم في قسم من البلاد الشاسعة التي سيطروا عليها باضعاف جبهتهم. وما كان ممكنا ابدا لحكمهم ان يستمر ويستقر في العراق بوجود امارات تركية فيه، خصوصا في واسط والبصرة والبطيحة وغيرها[9]. وبعد اخضاعها عملوا على دمج قواتها ولا سيما الفرسان بجيشهم المفتقر الى هذا العنصر الفعال[10].

    اما مواقفهم من الخلفاء العباسيين فقد تأرجحت بين العزل والسيطرة التامة، الى ان استقر الرأي على الابقاء عليهم كرمز ديني اسلامي وتجريدهم من كامل صلاحياتهم المدنية لأنهم افتقروا في مذهبهم الزيدي لبدائل عنهم، اذ يذكر البيروني ان :” معز الدولة … كان يفرط في التشيّع وانه اشخص من بلاد فارس احد كبار العلويين- محمد بن يحي الزيدي- مشتهرا بالديانة وحسن السيرة والصيانة…وانه انما استحضره ليوصل الحق الى ذويه ويسلم الملك والخلافة الى اهليه…- فرد العلوي- ان عامة الناس في الاقطار والامصار قد اعتادوا الدعوة العباسية ودانوا بدولتهم وطاعوهم كطاعة الله ورسوله…”[11] مما يعني ان معز الدولة اقتنع بفشل تحويل الخلافة الى الشيعة او حاول اقناع نفسه بهذا الامر. ويؤيد ما ذهبنا اليه ما اورده ابن الاثير عن بعض خواص معز الدولة حينما اقترح هذا الملك عزل الخليفة العباسي واسناد مركزه الى الخليفة المعز لدين الله الفاطمي قائلا:” ليس هذا برأي فانك اليوم مع خليفة تعتقد انت واصحابك انه ليس من اهل الخلافة، ولو امرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه، ومتى اجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد انت واصحابك صحة خلافته، فلو امرهم بقتلك لفعلوا [12] “. لهذا ابقى البويهيون على الخلفاء العباسيين وجعلوهم رموزا دينية فارغة من اي مضمون حقيقي وفعال[13].

   فهل هذا يعني ان البويهيين اكتفوا بهذه المواقف من الخلافة ام انهم عملوا على اضعاف الفاطميين ليظلوا هم سادة متوّجين في ظل خلافة عباسية ضعيفة لا بل منهكة سياسيا وعسكريا؟

واستطرادا ماذا توّقع المعز لدين الله من البويهيين: هل الوقوف على الحياد امام المد الفاطمي القادم الى بلاد الشام، ام التحالف معه من اجل اسقاط الخلافة العباسية؟

   للاجابة على هذه التساؤلات يقتضي دراسة علاقتهم بالقوى السياسية الاخرى في بلاد الشام التي كانت على تماس مع الفاطميين كالقرامطة والحمدانيين، ومن ناحية ثانية دراسة مواقف هذه القوى الشيعية من الخلافة الفاطمية.

     كان القرامطة يشكلون سدا بشريا وجغرافيا بين البويهيين والفاطميين المرتقب قدومهم الى مصر، ومخافة ان يسقط البويهيون في احضان القادمين الجدد مالءوا القرامطة، وربما من هذا المنظار يمكن تفسير الحالة المهادنة التي طغت على العلاقة بينهما. رغم انها تأرجحت بين المهادنة والصراع، فلم يعتبر البويهيون القرامطة هراطقة خطرين على حد تعبير محمد شعبان، بل تسامحوا معهم شأن موقفهم من كل المذاهب.[14] ولكن احتلال البويهيين البصرة عام 336/948 وسيطرتهم على مينائها ادى الى فرار متوليها او مغتصب سلطتها “البريدي” الى البحرين ملتجئا الى القرامطة، الذين غضبوا من تصرّف البويهيين واعتبروه تعديا على مصالحهم الحيوية، فبعثوا رسولا الى معز الدولة البويهي ليدين تصرّفهم غير المبرر قَرْمَطيا، فاستقبله معز الدولة بكثير من الاحتقار، وهزئ من ادعاء اسياده، فرد القرامطة بحملة فاشلة على البصرة[15]. ومن ثم تمّ الاتفاق بين الجانبين على ترتيبات اقتصادية، كانت اشد فعالية من الصراع العسكري الذي كان من المفترض ان يحقق الغايات الاقتصادية للمنتصر، ارضتهما فاجاز البويهيون للقرامطة اقامة مركز جمركي على مقربة من مركز الجمارك البويهي في البصرة، واجتهد محمد شعبان انطلاقا من الاتفاق المذكور ليسوّغ اتخاذ ترتيبات مماثلة على طريق الحج تقاسم بموجبها الطرفان العائدات المالية[16]، وخففت مفاعيل الصراع العسكري. مما يعني ان الدور المذهبي في تلك العلاقة احتل المرتبة الدنيا، وفاقته اضعافا المصالح الاقتصادية المقرونة بالقوة العسكرية. وازعم انه بدافع من تلك الترتيبات لم يعمد البويهيون للحط من منزلة القرامطة المذهبية او التوسع في محاربتهم، بل اكتفوا بتبيان مقدرتهم العسكرية عليهم، وارضوهم بالحوافز الاقتصادية المذكورة.

   ولعل التفسير لتطوّر الاحداث يظهر نوعا من الرؤية المستقبلية اللاعنفية التي اعتمدها البويهيون، اذ اجتهدوا لمساعدة القرامطة ليبقوا سدا منيعا بينهم وبين اشقاهم في المذهب عنيت بهم الفاطميين، لأنهم على حد تعبير شعبان كانوا:” على استعداد لتقديم تسهيلات كبيرة لكسب القرامطة، وكانوا كذلك على استعداد لمعارضة التجارة عبر ميناء سيراف وتحويل التجارة كلها الى البصرة حيث يتسنى للطرفين اقتسام المكاسب.”[17] ويمكن تفسير مواقف البويهيين من القرامطة تصرفا احترازيا ضد الفاطميين المتوقع قدومهم الى مصر بسبب الحملات المتكررة التي ارسلوها اليها، ومن جهة ثانية اعتبروا ان استقرار الوضع العسكري سيسهم من دون شك بتطوّر القوة الاقتصادية للفريقين مستفيدين من العلاقة المذهبية التي تجمع بينهما وان ظاهريا. وقد نجد تعليلا لهذه المعادلة بما حصل لاحقا بين الفاطميين والقرامطة وبالموقف المعادي الذي اتخذه البويهيون من الفاطميين.

    وعلى هذا لا يمكن اعتبار ان الولاء المذهبي احتل مرتبة عالية عند البويهيين، فهم وان نجحوا بممارسة بعض الشعائر الشيعية كذكرى كربلاء وغيرها في بغداد عاصمة العباسيين والسنة، فانهم في الوقت عينه ما كانوا على استعداد للتنازل عن سلطانهم لأي قوة شيعية مهما بلغ مستواها الديني. وستتضح هذه المعادلة بدراسة علائق الفاطميين بالقوة الشيعية الاخرى في بلاد الشام.

2-  العلاقة الفاطمية القرامطية:

أ- فبل مجيء الفاطميين الى مصر: قد تكون العلاقة بين الفاطميين والقرامطة من اشد العلائق تعقيدا لما كان بين الاثنين من صلاة القربى المذهبية، بل لتحدرهما من جذر مذهبي واحد وعقيدة واحدة. ومن الواضح انه على الرغم من انشقاق حمدان قَرْمَط ومن بعده صهره عبدان داعي دعاة الاسماعيلية عن الاسماعيلية، فان ابا سعيد الجنّابي قائد قرامطة البحرين ظل وفيا للامام الاسماعيلي الفاطمي في المغرب[18]، ويضيف مادلونغ ان الصلاة اشتدت قربا في ظل قيادة ابنه ابي طاهر الذي كان ينفّذ اوامر الخليفة الفاطمي عبيد الله المهدي، واستمر الامر على هذا النحو من التقارب والتفاهم حتى مقتل سابور قائد القرامطة وتولّي الحسن الاعصم مكانه.[19]

    ويشوب دراسة العلاقة بين الفريقين بعد ذلك التاريخ الكثير من التعقيدات بسبب الآراء والاجتهادات المتعددة التي انتهجها المؤرخون المحدثون[20]، ونحن لن ندخل بكل تلك الاجتهادات بل سنكتفي بالاشارة الى ان القرامطة فرضوا وجودهم حتى على السلطة العباسية السياسية المتمثلة بامراء الامراء الاتراك، والملوك البويهيين، وعلى الامراء الحمدانيين، من اجل تأمين طريق الحج الذي صار سلوكه خطرا نظرا لهجمات القرامطة وسيطرتهم على معظم مسالكه، مما حدا بتلك القوى السياسية التفاهم المادي معهم فدفعوا لهم اتاوات لقاء مرور آمن للحجيج، حتى ان سيف الدولة قدم لهم احمالا من الحديد لهذه الغاية[21].

   على هذا، بات القرامطة قوة اساسية بل لاعب سياسي رئيسي في التحولات التي كانت تحصل في بلاد الشام وجنوب العراق، فقد صارت سطوتهم مخيفة، وجهد الحكام الى اجتناب مواجهتهم. وما يهمنا في هذا الاطار هو تطوّر قوة القرامطة عشية دخول الفاطميين الى مصر بظل قيادة الحسن الاعصم، وهل حَسِب لها الفاطميون التقدير الكافي، ام اعتبروا ان توأمهم سينسى الخلافات الجانبية ويؤيّد مواقفهم وينحاز اليهم عسكريا من اجل سيادة الشيعة على العالم الاسلامي المشرقي؟

   لا بد من الاشارة هنا الى ان القرامطة كانوا حوالى عام 313/925 قد انقسموا على انفسهم: فبعضهم كان دعا، على الارجح تقية، الى الخليفة العباسي المقتدر واعلنوه اماما لهم، اذ بعد القبض على حوالى ثلاثين شخصا منهم في مسجد براثا في بغداد وجدوا معهم اختاما نقش عليها: محمد بن اسماعيل الامام المهدي.[22] ولهذا النقش دلالة مذهبية بالغة الاهمية، وهي الدعوة الى الامام محمد بن اسماعيل وليس الى عبيد الله المهدي الامام الفاطمي والخليفة لاحقا، الذي كان قد ادعى انه المهدي. واذا اضفنا الى هذه الحادثة هجوم القرامطة على سلمية بغية قتل جميع الذكور فيها بهدف القضاء على سعيد بن الحسين “عبيد الله المهدي” ندرك كم كان عمق الخلاف المذهبي بين الفريقين. واذا كانت العلاقات عادت بعد ذلك الى الوئام بين الفاطميين والقرامطة فهذا لا يعني ان كل القرامطة كانوا يعتبرون الخلفاء الفاطميين ائمتهم، لانهم استمروا يخصصون خمس غنائمهم ” لصاحب الزمان”، مما يعني عدم انصياعهم للتعاليم الفاطمية، وبالتالي الى بروز ازمة ثقة مذهبية بين الفريقين[23]، انما على الارجح ان قلة من القرامطة انشقت عن الفرع الرئيسي في حين ان البقية كانوا يراسلون الامام المنصور بن القائم الفاطمي ويدعون ان دعوتهم اليه[24].

     ومن الواضح ان القرامطة صاروا قوة مخيفة بل محورية في بلاد الشام يخطب ودها عدد من حكام الدويلات، ففي اواخر عام 354/965 نهب عرب بني سليم قوافل الحاج الشامي والمصري واستولوا على ما كان معهم من امتعة وبضائع، فتدخل القرامطة واسترجعوا المسلوب وقدموه لكافور الاخشيدي حاكم مصر[25] نظرا للتفاهم الذي كان حصل بينهما ومؤداه ان يدفع الاخشيديون ثلاث مائة ألف دينار سنويا للقرامطة[26] مقابل حماية تجارتهم وعدم تعرضهم عسكريا الى بلاد الشام الاخشيدية وتحديدا دمشق، مما جعل بلاد الشام ولا سيما دمشق مجالا ماليا حيويا لهم، ناهيك بعمقهم المذهبي فيها، وبالتالي ما كان ممكنا التخلي عنها بسهولة.

   ونحن لا نعلم ما الذي بدّل العلاقة الجيدة بين الفاطميين والقرامطة قبيل دخول المعز لدين الله الى مصر. ويعزز صحة اعتقادنا، ان الفريقين كانا متفاهمين وئاميا، الكتابُ الذي وجهه هذا الخليفة الى الحسن الاعصم بعد هجوم القرامطة على القاهرة عام 358/969 [27]. فقد اشار فيه بوضوح الى ان القرامطة كانوا، قبل تسلم الحسن الاعصم قيادتهم، يخضعون الى سلطة الامام الخليفة الاسماعيلي، وينفذون اوامره، ومن ذلك قوله للحسن :” فاما انت الغادر الخائن، الناكث البائن، عن هدى آبائه واجداده، المنسلخ عن دين اسلافه وانداده…فعرفنا على اي رأي أصلت، واي طريق سلكت: اما كان لك بجدك ابي سعيد اسوة، وبعمل ابي طاهر قدوة…”[28] فهل كانت المشكلة محصورة بالقائد فقط، ام ان تحوّلا طرأ على سلوك القرامطة المذهبي والسياسي خصوصا بعد الضربات التي انزلها بهم البويهيون، ومن ثم التفاهم المادي الذي تم بينهما، وبالتالي لم يعد لهم مجالا استراتيجيا سوى بلاد الشام؟

  يمكن الاجتهاد بان القرامطة قاموا بانقلاب داخلي في شهر رمضان 358/969 على قائدهم سابور بن ابي طاهر الذي كان يكّن عداء مخيفا للعباسيين وودا للفاطميين وقتلوه بعد مرور شهر واحد على دخول جوهر الصقلي، ولأنه كان ازعج الخلافة العباسية كثيرا بغاراته المتكررة على سواد العراق[29]، ولعل مرد ذلك عدم رغبة القرامطة بالتخلي عن استقلالهم الذاتي والذوبان في الخلافة الفاطمية، والابقاء على الدرع العباسي الذي يعيشون في كنفه من دون كبير مشقة.

ب- بعد دخول الفاطميين الى مصر وبلاد الشام: كانت بلاد الشام محور تنازع بين عدد من القوى الاساسية: الحمدانيون كانوا يريدون الاستيلاء عليها بقصد توسيع امارة سيف الدولة ليستطيع منافسة القوى الاخرى، وكافور الاخشيدي كان يعتبرها امتدادا طبيعيا لمصر وخط دفاع اولي عنها، والقرامطة يعتبرونها مجالا حيويا لهم على عدة مستويات: مذهبي واقتصادي وسياسي وعسكري. فبعد وفاة كافور الاخشيدي ضعفت سلطة الاخشيديين على بلاد الشام، فاغتنم الفرصة القرامطة بمبادرة شخصية منهم ومن دون علم المعز لدين الله الفاطمي عام 353/964 وهاجموا دمشق واحتلوها فصالحهم الحسن بن عبيد الله بن طغج على جزية سنوية مقدارها ثلاث مائة ألف دينار، وأكملوا طريقهم واستباحوا الرملة.[30]وبذلك تأمّن لهم مدخولا ماليا مهما بعد ان كانوا قد تفاهموا مع البويهيين على الارباح التجارية في البصرة وعلى طريق الحج، مما كان يجعل تنازلهم عن السيطرة المالية والسياسية العسكرية في الشام امرا بالغ الصعوبة.

    ادت حملة جوهر على مصر عام 358/969 الى سقوط مصر بايدي الفاطميين بعد ان استسلم معظم الاخشيديين وفرّ القسم الباقي من الاخشيدية الى بلاد الشام. وكان للأمان الذي اعطاه جوهر للمصريين على اموالهم، ودينهم، والتعهّد بالضرب على ايدي المخربين والمفسدين والمحتكرين، والذود عن المصريين، كبير الأثر في قبول المصريين بالحكم الفاطمي.[31] ولما لم تجابهه مقاومة تذكر شرع بتنظيم الادارة وتنفيذ عهده، وبناء القاهرة المعزية، وتطلّع الى بلاد الشام الامتداد الطبيعي لمصر، ولعلّه اعتبر اسياده ورثة الاخشيديين السياسيين حتى في الرقعة الجغرافية التي كانت لهم. ولا ندري اذا كان رغب جوهر، في المغامرة التي خاضها القائد الفاطمي جعفر بن فلاح المرسل من قبله لفتح بلاد الشام، بامتحان جيشه عسكريا، الذي لم يخض معركة عسكرية حقيقية في مصر، وبامتحان آخر لموقف القوى السياسية والعسكرية المتزاحمة على بلاد الشام من الفاطميين، وجس نبض السلطة البويهية في العراق. في مطلق الاحوال كانت مغامرة غير مدروسة لأن جعفر بن فلاح كان منافسا وحاسدا لجوهر ومتعاليا في مواقفه مستهينا باخصامه[32]، وكان يجهل ايضا عقلية السكان المشرقيين ولا سيما الشاميين بل طبائعهم، ومعتادا على الذهنية القبلية المتأصلة بقبائل البربر في شمالي افريقيا. فما كان مصير تلك المغامرة؟

   توجّه جعفر بن فلاح الكتامي عام 359/969 الى الرملة وانتصر على متولّيها الحسن بن طغج واسره، ودخل المدينة عنوة واستباحها، وجبى خراجها وقطع الخطبة العباسية فيها لصالح المعز لدين الله[33]. ثم اكمل طريقه الى طبرية التي خضعت للفاطميين من دون قتال، ثم فتح دمشق بعد ان قاومه اهلها مدة وجيزة واقام الخطبة فيها للمعز بعد ان فرّ منها ظالم بن موهوب العُقيْلي زعيم بني عقيل ملتجئا الى الحسن الاعصم في الاحساء. [34]ونرجّح، قياسا على ما جرى فيما بعد، ان المغاربة _جيش جعفر بن فلاح- اساؤا التصرف تجاه الدمشقيين، مما حدا بالشريف ابو القاسم بن ابن يعلي الهاشمي، بما توفّر لديه من احداث المدينة، الى مقاومة الفاطميين والى اعادة الخطبة للمطيع العباسي، وجرى قتال عنيف بين الفريقين كانت كفته راجحة الى جانب المغاربة. وبعد مشاورات تم الصلح بين الدمشقيين وجعفر بن فلاح، فدخل المغاربة المدينة وعاثوا فيها فسادا ونهبوا قسما كبيرا منها فثار الاهالي، واشتد القتال، فاحرق المغاربة قسما من دمشق. وبعد ان توقف القتال بسعي من الخيّرين، قبض على الشريف الهاشمي وارسل الى القاهرة، وعلى مجموعة من الاحداث، فهدأت الحال في الشام[35].

هجوم القرامطة على دمشق: يرجع بعض المؤرخينسبب هجوم القرامطة على دمشقلانقطاع الجزية الاخشيدية عنهم. قد يشكل هذا السبب دافعا، ولكن ما الذي جعل القرامطة يسوّدون اعلامهم ويكتبوا عليها ” السادة الراجعون الى الحق”، ويعملون باسم الخليفة العباسي المطيع[36]؟ فهل هذا يعني طلاقا تاما بين اهل العقيدة الواحدة، ولماذا حاد القرامطة عن الخط الذي كانوا ساروا عليه لمدة طويلة؟ اسئلة كثيرة لا نجد لها جوابا شافيا الا بدراسة معمقة لتطوّر العلاقة القرمطية الفاطمية منذ اعلان سعيد بن الحسين نفسه مهديا وحتى دخول المعز لدين الله الى مصر. وقد حاول عدد من المؤرخين المشهود لهم القيام بمثل هذه الدراسة من دون التوصل الى جواب نهائي.

    وما نطرحه للبحث في هذا المجال هو تصرف القرامطة المغاير كليا لمواقفهم السابقة بحيث سارعوا الى الهجوم على دمشق، فاستهان بهم جعفر بن فلاح، فانقضوا عليه وقتلوه، واستردوا دمشق وكامل بلاد الشام التي كان اخضعها جعفر، وخطبوا في كل مدنها الى المطيع العباسي[37] ويقول المقريزي في هذا الصدد:” واقام القرامطة الدعوة للمطيع لله العباسي في كل بلد فتحوه، وسوّدوا اعلامهم…واظهروا انهم كأمراء النواحي الذين من قبل الخليفة العباسي.”[38] 

    لم يكتف القرامطة بما انجزوه في بلاد الشام، بل بدا وكأنهم يريدون استئصال شأفة الفاطميين في المشرق، وكأن عداوة دفينة ذرت قرنها بين الفريقين، حتى بات الامر مسألة شخصية. فهاجموا القاهرة وحاصروها بما اجتمع اليهم من العرب والاخشيدية. وتمكّن جوهر بعد جهد جهيد من صد الهجوم وارغام القرامطة على التراجع الى بلاد الشام.[39] وكتب الى المعز يستدعيه على جناح السرعة ليجد حلا لمعضلة القرامطة، فحاول المعز اعتماد السياسية الدبلوماسية بان ارسل الى الحسن الاعصم كتابا طويلا يذكر فيه نفسه وفضل اهل بيته، وان الفاطميين والقرامطة على مذهب واحد مشيدا بالعلاقة التي جمعت بينهما ايام ابيه واجداده، ومهددا الحسن من جهة ثانية[40]، وعتب عليه بل قرّظه لأنه دعا للعباسيين قائلا:” بئس الاسم الفسوق بعد الايمان، وعصيانك مولاك، وجحدك ولاك، حتى انقلبت على الابار وتحملت عظيم الاوزار، لتقيم دعوة درست، ودولة طمست…”[41] فرد الحسن:” وصل الينا كتابك الذي كثر تفصيله، وقلّ تحصيله، ونحن سائرون على اثره والسلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل[42].” مما يعني انه رفض حتى النقاش العقائدي، او ان يقترح لقاء، او يطلب امرا محددا، بل كان مدفوعا بحمية وحقد بالغين، قد يكونان غير مبررين مذهبيا، الا اذا كان الحسن اراد الحصول على مصر وبلاد الشام من العباسيين ليحكمهما باسم الخليفة العباسي: فلماذا لا يحل مكان الاخشيديين، وتاليا مكان الفاطميين، ما دامت املاك الدولة العباسية معروضة للاغتصاب، وكل قادر يقتطع منها رقعة يقيم عليها دويلته؟!

    سار الحسن الى مصر يرافقه اميران عربيان هما حسان بن الجراح الطائي امير عرب بلاد الشام، وظالم بن موهوب العقيلي وحاصروا القاهرة. وكانت القوات الفاطمية عاجزة عن مجابهة هذا الجيش المتعدد المشارب، فعمد المعز الى الحيلة فاستمال حسان بن المفرج الطائي بالمال ما ادى الى هزيمة القرمطي. فاستعاد المعز بلاد الشام وعيّن عليها ظالم بن موهوب العقيلي واليا[43].

   ان انتصار المعز على القرامطة لا يؤشّر ابدا الى ارجحية قوته، بل يوضح العجز الفاطمي عن التصدي لهذه المجموعة، ما يطرح تساؤلا اساسيا بل مركزيا : هل فعلا كان الفاطميون بوارد مهاجمة العباسيين، ام كانوا يعتمدون على القوى الشيعية الاخرى المنتشرة في بلاد الشام والعراق وبلاد فارس لتعاونهم عسكريا ومذهبيا ؟!

لم يكن اختيار ظالم بن موهوب العقيلي واليا لدمشق خيارا صائبا، لسببين: لأن الجيش الفاطمي كان بقيادة  ابي محمود بن جعفر بن فلاح الكتامي غير الكفوء” ولم يكن صاحب رأي سديد ولا تدبير حميد ولا حسن سياسة”[44]، ولازدواجية، من ناحية ثانية، في السلطة والرأي والسلوك بين ظالم وابي محمود.

      كان الدمشقيون قد كرهوا المغاربة منذ حملة جعفر بن فلاح، واعتاد الجيش الفاطمي الغريب الدار على النهب والسلب من دون الإلتفاة الى المصلحة العامة. وكان نشوب الصراع بين الغرباء والدمشقيين شبه حتمي لأسباب متعددة: انحصر هم ظالم بجباية الخراج لأنه كان موقنا قصر ولايته على المدينة، ورغب الاحداث بالثأر من المغاربة، وجنح المغاربة الى السلب والنهب. وكان اشراف دمشق في مأزق كبير لأنهم كانوا عاجزين عن كبح جماح الاحداث والعامة الشامية، وعاجزين ايضا عن انتزاع تعهّد من ابي محمود يكبح جماح الجيش المغربي او السيطرة عليه، لأنه فعلا كان غير جدير بالمسؤولية لقلة دربته، ولافتقاره للمال لأن الخراج كان يجبيه ظالم ويتصرف به[45]

   وهكذا اندلع الصراع بين الاطراف المتنازعة على مدى ما يقرب الثلاثة اشهر بين كر وفر، فاعتدى المغاربة على اسواق القاهرة واهلها واضرموا النار فيها وفي العديد من احيائها، واستولوا على القوافل التجارية والتموينية القادمة اليها او المارة بالقرب منها، وانتهبوا القرى. ولم يؤدِ انحياز ظالم بن موهوب العقيلي الى جانب الدمشقيين الى توازن في القوى المتحاربة، بل استمرت الغلبة للجيش المغربي.[46]ويوجز ابن القلانسي الحال قائلا:” وانتشر الفساد في سائر الضياع والجهات، وطرحت النار في الاماكن والحارات، وثارت الفتنة واشتدت النار، وعظم الخوف وفني العدد الكثير من الفريقين.”[47]

   نتائج السياسة العسكرية الفاطمية في الشام:

1- على المستوى المدمشقي الداخلي: لما علم المعز بالاوضاع الدمشقية طلب من ريّان الخادم والي طرابلس التوجه الى دمشق لحفظ الامن فيها والنظر باحوالها، وصرف ابي محمود عنها، خوفا من تزايد الهوة بين الدمشقيين والسلطة الجديدة الطارحة نفسها حلاً للمشاكل الاسلامية، التي عجزت عن تنفيذها الخلافة العباسية بوجود الاغراب على رأس السلطتين العسكرية والسياسية في العراق. وارسل المعز الى القائد المعزول كتاب توبيخ وتقريظ.[48]  اما الدمشقيون فقد ذهولوا من هول ما جرى، واستاكنوا آنيا بانتظار الفرصة المناسبة للانقضاض على الحكم الفاطمي، الذي صار بنظر معظمهم قمعيا.

2-على المستوى الاقليمي: كانت الصراعات في العراق على اشدها بين البويهيين بزعامة بختيار بن معز الدولة والاتراك الجدد وتحديدا حركة سبكتكين الذي كان أفتكين التركي احد ابرز قادته، وكان قد انهزم امام القوة البويهية واستقر في جوسية احدى اعمال دمشق ومعه حوالى ثلاث مائة جندي من الطراخنة.[49]ولعبت المصالح الشخصية والاقليمية دورا بارزا في توجيه كفة الصراع: فقد كان البويهيون يريدون القضاء على القوة التركية الجديدة في جيشهم، وفي آن ما كانوا يودون النجاح للفاطميين والاستقرار في بلاد الشام حفاظا على مصالحهم. وجهد الحمدانيون لابعاد الخطر الفاطمي عن دويلتهم في حلب ومارسوا سياسات عدائية ضمنية ضدهم. وكان الامراء العرب في فلسطين يقومون بدور المستفيد من الرياح من اين هبت، فارتأى  ظالم العقيلي متولي بعلبك من قبل الفاطميين ان يحارب افتكين ليرتفع مركزه عند الفاطميين.

   وتلاحقت المواقف والاحداث سريعا، وحولت افتكين الى بيضة قبان في الصراعات: فارسل له ابو المعالي بن حمدان ثلاث مائة جندي بقيادة بشارة الخادم نكاية بظالم الذي كان يريد قتاله تقربا من السياسية الفاطمية، ورجاه  الدمشقيون ليقودهم ويساعدهم لردع تعديات الاحداث، وقتال المغاربة اذا اقتضى الامر[50]، وقال ابن القلانسي الدمشقي في هذا الصدد:” فنزل بظاهرها-اي دمشق- خرج اليه شيوخها واشرافها وخدموه، واظهروا السرور به، وسألوه الاقامة عندهم، والنظر في احوالهم، وكف الاحداث الذين بينهم، ودفع الاذية المتوجهة عليهم منهم…”[51] مما يعني ان الوضع الداخلي في دمشق كان غير مستقر، واهلها منقسمين فريقين: الاحداث الذين بدفاعهم عن مدينتهم آذوا الدمشقيين انفسهم بممارساتهم الشاذة، والخاصة الدمشقية الدينية والاقتصادية الراغبة بالهدوء باي ثمن.

    وارتفعت منزلة افتكين عند الدمشقيين لأنه قطع الخطبة الفاطمية، وقمع حركات الاحداث وشغبهم، واسترد ضواحي دمشق من العرب الذين كانوا استولوا عليها ابان الفوضى العسكرية، ولأن مقدرته الدبلوماسية نجحت بدرء خطر حملة ابن الشمشقيق عنها، فقد اكرم وفادة الامبراطور البيزنطي بان قدم له كل ما كان حمله معه من بغداد، ولعب امامه ضروبا مدهشة من الفروسية، فاعفى دمشق من الجزية التي كان فرضها على اهلها[52].

   وحاول افتكين تمكين مركزه في المدينة بطلب المساعدة من القرامطة، الذين سارعوا الى الرملة واستولوا عليها بعد ان هرب ابراهيم بن جعفر واليها الفاطمي[53]. واطمأن افتكين الى هذا الحاجزا الذي شكلوه بينه وبين الفاطميين من دون ان يقدر الموقف الفاطمي حق تقديره، منتهزا الفرصة للاستيلاء على الساحل الفاطمي في بلاد الشام والداخل اللبناني، بقصد الاستقلال ببلاد الشام بعد تفاهمه مع القرامطة، مما افشل جهود المعز لدين الله الهادفة الى جعل افتكين واليا فاطميا على بلاد الشام.

ولما أمن افتكين جنوب بلاد الشام بواسطة القرامطة وعلم بوفاة المعز بدأ بتنفيذ مشروعه الاستقلالي: فاحتل صيدا وطرد منها ابن الشيخ واليها الفاطمي، واكمل طريقه الى عكا. ولما فشل العزيز، الذي خلف والده المعز باصطناع افتكين الذي رد على كتابه بانفة وجفاء :” هذا بلد اخذته بالسيف وما ادين فيه لاحد بطاعة ولا اقبل منه امرا.”[54] ارسل جوهر الصقلي على رأس جيش جرار لاستعادة بلاد الشام كلها، فتراجع افتكين الى دمشق بعد ان حمل معه المؤن من حوران وغيرها من المناطق الزراعية استعدادا لحصار فاطمي مرتقب. ولما كان تعداد القرامطة غير كاف في الرملة لمجابهة جوهر انكفؤا الى الاحساء، من دون ان يخرجوا نهائيا من المعادلة العسكرية.

    في عام 975 هاجم جوهر دمشق وحاصرها وضيّق على افتكين واضطرّه للاستنجاد بالقرامطة بقيادة الحسن بن احمد الاعصم الذي اسرع لنجدته حفاظا على مجالهم الحيوي واضغافا للموقف الفاطمي في بلاد الشام. ومخافة ان يصبح جوهر بين نارين تراجع الى طبرية فالى الرملة وتحصّن بها بعد ان اودع احماله في عسقلان، ولاحقه افتكين والقرامطة. وبعد مناوشات وحروب عديدة انهزم جوهر بنهايتها، وبعد محادثات شاقة تم الصلح بينهما وسمح بموجبه لجوهر الانسحاب الى القاهرة شرط ان يمر تحت سيف أفتكين ورمح القرمطي تدليلا على الهزيمة بل على الذل والمهانة. فعاد الى القاهرة عام 368/978 وتذرّع للعزيز بان تخاذل الجيش المغربي وتحديدا الكتاميين بالقتال ادى الى هذه النتائج الكارثية.[55]

  لم يُخفِ العزيز غضبه لان مهابة الفاطميين كانت في الميزان، رافضا النتائج المذلة التي اسفرت عنها حملة جوهر، فقاد جيشا جرارا وتوجه الى بلاد الشام وهزم افتكين والقرامطة معا. ولما قُبض على افتكين ومثل بين يديه عفا عنه واكرمه، وتلك سياسة اتبعها الفاطميون في معظم مراحل تاريخهم من دون ات تعطي ثمارا، فاسطناع المتمردين، او العفو عنهم كانت نتائجه باستمرار كارثية.

    وانتهى بذلك فصلا اساسيا من مراحل الصراع بين القرامطة والفاطميين بمشاركة فعالة من القوى المتضررة من دخول الفاطميين المعترك السياسي في بلاد الشام مظهرا ان الروابط المذهبية، كانت على صعيد الواقع وتضارب المصالح، اقل قوّة وفاعلية مما كانت تبذو عليه على المستوى التنظيري. لأن السياسة كانت تتقمص تلاوين دينية ومذهبية لتحقيق اغراض اقل ما يقال فيها شخصية بل انانية، ولكن الصراع لم ينته بين توأمي المذهب الاسماعيلي، فعاد باشكال اقل حدة فيما بعد خصوصا في عهد الحاكم بامر الله الفاطمي.

3-العلاقة مع الحمدانيين:

أ – في الموصل: كان الحمدانيون العرب شيعة ويتأثرون قوة وضعفا بولاءات القبائل العربية في بلاد الشام، وتمكنوا من تأسيس امارتين: الاولى في الموصل وكانت، في المرحلة التي ندرس، بقيادة ابي تغلب، والثانية في حلب بقيادة ابي المعالي ابن سيف الدولة. وعندما قدم جوهر الى مصر كاتبه جماعة منهم يبذلون له الطاعة، ويضعون قوتهم في خدمته، فارسل يستشير سيده. ولكن المعز لدين الله كان له موقف صارم من الحمدانيين،  فكان يعتبرهم وصوليين، وممارسي التقية السياسية تحقيقا لمآربهم، فكتب الى جوهر ينير سبيله قائلا:” احذر ان تبتدئ احدا من بني حمدان بمكاتبة –ترهيبا له ولا ترغيبا- ومن كتب اليك منهم فاجبه بالحسن الجميل، ولا تستدعه اليك، ومن ورد اليك منهم فاحسن اليه، ولا تمكّن احدا منهم من قيادة جيش ولا ملك طَرَف، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة اشياء عليها مدار العالم، وليس لهم فيها نصيب: يتظاهرون بالدين وليس لهم فيه نصيب، ويتظاهرون بالكرم وليس لواحد منهم كرم في الله؛ ويتظاهرون بالشجاعة، وشجاعتهم للدنيا وليست للآخرة؛ فاحذر كل الحذر من الاستنامة الى احد منهم.”[56] محددا بهذا الموقف سياسته تجاههم، ومحذرا جوهر من التعاطي معهم، او دعوتهم لاقامة الخطبة للفاطميين.

   انما العلاقة التنافرية بين جوهر والقائد جعفر بن فلاح جعلت الاخير يخالف وصية المعز – وقد يكون لم يطلع عليها – بان حاول اخضاع ابي تغلب بن حمدان بالقوة او ان يرهبه، اذ بعد احتلاله الرملة ثم طبرية ارسل اليه رسولا ليقول له:” اني سائر اليك فنقيم الدعوة.” فرد ابو تغلب وكان في الموصل:” هذا ما لايتم لأنا في دهليز بغداد، والعساكر قريبة منا، ولكن اذا قربت عساكركم من هذه الديار امكن ما ذكرتم.”[57]  واضح ان في الجواب هزءا واحتقارا من استكبار جعفر، وحضّا للقدوم الى الموصل ليدخل بصراع مع البويهيين اصحاب السلطة العسكرية الفعلية في العراق، وكان على يقين ان جعفر لم يقدم على هكذا مشروع من دون موافقة المعز لدين الله.

    وكان ابو تغلب شارك بفعالية بمقتل جعفر بن فلاح وبسقوط دمشق بيد القرامطة بان امدّهم بالمال والسلاح والرجال بطلب من عز الدولة بختيار البويهي[58]. ولما تدخل ابو نغلب بسياسة البويهيين الداخلية هاجمه عضد الدولة وطرده من امارته ولم يسمح له بالعودة اليها، مما اضطره للالتجاء الى دمشق الفاطمية التي كان يتولاها قسّام الحارثي[59]، الذي كان يخشى من ان يستميل ابو تغلب الخليفة العزيز ليوليه على دمشق بدلا منه، لذلك اثار الخليفة على هذا الخصم المرتقب.[60]

   وبفشل مشروعه مع قسّام حاول مجددا مع القائد الفاطمي الفضل بن صالح المنتدب من قبل العزيز للاتفاق مع بني الجراح في الرملة وقسّام الحارثي للتخلص من مناورات ابي تغلب. ووقع الحمداني في الفخ الذي نصبه له الفضل بن صالح مع بني الجراح وبني عقُيْل، فاشترك في القتال لاخراج بني الجراح من المعادلة السياسية في فلسطين، وانتهى الامر بانقلاب الفضل عليه خلال المعركة، ثم اسره واعدامه.[61]

ب – في حلب: شهدت حلب الحمدانية عصرها الذهبي في ظل سيف الدولة، وبوفاته عام 356/966 خلفه ابنه سعد الدولة ولم يكن على قدر من الحنكة السياسية والمقدرة العسكرية، والدربة الادارية. فاستغل مولاه قرعويه نقاط ضعفه هذه وتمرد عليه وسلبه الحكم[62] قبل دخول الفاطميين الى مصر بعام واحد اي سنة 358/968.

 ولم تسلك حلب سياسة واضحة المعالم تجاه القوى السياسية الاساسية المتصارعة: فحينا كان حاكمها يوالي الخلافة العباسية وحينا آخر الخلافة الفاطمية، ومرة ثالثة الامبراطورية البيزنطية، تبعا لتقلب الاحوال ومقتضيات الظروف جريا وراء مصالحه الشخصية. وفي عام 360/970 اصطلح الحال بين سعد الدولة وقرعويه بمباركة فاطمية من دون ان يتمكن سعد من استرجاع امارته ربما لأنه لم يكن يملك القوات الكافية، ولأن الفاطميين ما كانوا يريدون الدخول في سياسة المحاور الداخلية بين الاثنين لعدم ثقتهم بهما، ولجعل حلب خط دفاع اولي ضد البيزنطيين، واكتفوا بخضوعها الاسمي لخلافتهم[63]. ولم يبذل العباسيون  جهدا ايضا لمساعدته للعودة الى امارته[64] ربما لأنهم لم يتوسموا فيه القيادي البارز.

   ولم يطل الامر بقرعويه حتى انتزع منه الحكم مولاه بكجور بمباركة سعد الدولة[65]، ثم دخل بصراع مع سعد الدولة الذي تمكن من العودة الى حلب واعطى بكجور ولاية حمص[66]. ويبدو جليا ان الفاطميين بعد ان شبه استقر لهم الوضع في الشام الجنوبي عموما، وجّهوا انظارهم لاستكمال اخضاع بقية بلاد الشام وتحديدا شماله رغم المخاطر، التي كان يمكن ان تتأتى عن مجاورة البيزنطيين المباشرة. ويبدو ايضا ان جعفر بن فلاح اخاف الحمدانيين في كامل بلاد الشام عندما طلب منهم بتهديد مبطن اقامة الخطبة الفاطمية.

   وعجز سعد الدولة عن اقامة توازن بين القوى الثلاث الاساسية المحيطة به، او الاخلاص لاحداها ليأمن بمساعدتها خطر القوتين الاخريين، وحاول اعتماد الولاء المزدوج للفاطميين وللعباسيين الممثلين بالبويهيين اصحاب السلطة الفعلية[67].

   وتمكّن بكجور بحسن ادارته وحزمه من تطوير حمص على المستويين الاداري والاقتصادي التجاري بتأمين الطرقات اليها من اللصوص وقطاع الطرق[68]، اذ ضرب القبائل العربية التي كانت تعيث فسادا ليس فيها فحسب بل في محيط دمشق، فارتفع شأنه عند الخليفة الفاطمي العزيز بالله.

    وضاع دغفل بن الجراح الطائي رغم قوة قومه في هذا الخضم من الصراع المتنوع الاتجاهات والولاءات، حتى اضطر بعد ان هزمه رشيق الحمداني الى اللجوء الى انطاكيا ملتمسا النجدة من الامبراطور البيزنطي باسيل الثاني، وبعد حصوله على الصلة عاد الى الشام والتمس الصفح من الخليفة العزيز[69]. وكان بكجور يجتهد للتقرب من الفاطميين فدعا للعزيز وهو في حمص، ثم طلب منه جيشا لاحتلال حلب وضمها للفاطميين مما ادخل الفاطميين، للمرة الاولى، بصراع مكشوف مع الحمدانيين[70]. واثناء حصار بكجور للمدينة خرج الامبراطور البيزنطي نقفور فوكاس على رأس جيش كبير يرافقه دغفل بن الجراح في غزوة على بلاد الشام. وكما ان حملة ابن الشمشقيق  Iohannès Tzimiskès(969-979) اعادت خلط الاوراق السياسية والعسكرية في بلاد الشام ايام المعز لدين الله، فان حملة نقفور فوكاس Niképhoros Phokas (963-969)  عام 373/983 اعادت الكرة: فتراجع بكجور عن حصار حلب بعد ان حذّره ابن الجراح[71]، واتفق مع سعد الدولة على اربعين ألف دينار جزية سنتين، ثم اكمل طريقه الى حمص وسباها واحرق قسما منها بعد ان نهبها ليحقق هدفين معا: الحصول على غنائمها، واضعافا لبكجور عدو حليفه سعد الدولة ،[72] ثم اكمل طريقه باتجاه طرابلس.

    واذا كانت هذه الحملة البيزنطية حققت المصالح البيزنطية الاساسية اضافة الى تعزيز موقع حليفها الآخذ بالانحدار، فانها ايضا شددت قبضتها عليه بالتأكيد على معاهدتها السابقة او الهدنة المؤبدة كما يسميها الانطاكي[73] التي  كان عقدها البيزنطيون مع الحلبيين عام359/ 969، ومما جاء بابرز بنودها: يحمل الحلبيون الى الروم عن حلب وحمص واعمالهما ثلاثة قناطير ذهب عن حق الارض، وسبعة قناطير ذهب ايضا بدل خراجها، ودينار واحد سنويا عن كل رجل حالم، ويكون للروم نائبا فيها[74]. ويمكن اضافة دافع آخر لهذه الحملة البيزنطية المفاجئة وهو وقف المد الفاطمي المتنامي الذي بدأ يتدخل بامور الحمدانيين الآخذ دورهم بالضعف في حلب ليحلوا مكانهم فيها، مخافة ان يصبح البيزنطيون في مواجهة مباشرة معهم. وفعلا حققت هدفها لأن بكجور تراجع عن حصار حلب وتوجّه نحو الشام وطلب من الخليفة العزيز ولايتها، فتم له ذلك عام 373/983 على رغم معارضة الوزير الفاطمي يعقوب بن كِلِّس[75] الذي رأى في بكجور مشروع استقلال في دمشق ونزاع مستقبلي مع الخلافة الفاطمية.

    حاول بكجور الافادة ماليا قدر المستطاع من ولايته على دمشق، وجهد لابتزاز الوزير ابن كلس بان قتل احد جواسيسه المدعو ابن ابي العود اليهودي، ودارت حرب باردة بين الاثنين كانت ارجحيتها لبكجور المؤيَّد من الخليفة العزيز. واشتد ظلم بكجور على الدمشقيين في انفسهم، واموالهم. وضاق به ذرعا العزيز لكثرة ما خالف اوامره، [76]وارسل حملة للقضاء عليه بقيادة القائد منير الخادم في رجب من عام 378/988. وادرك بكجور ان العزيز لن يرض عنه فسار عن دمشق بامواله نحو الرَقّة يرافقه دغفل بن الجراح[77] بعد ان سدت كل الابواب بوجهه: ومنها انهزام الكردي المتغلّب على ميّافارقين امام الجيوش العباسية وكان كاتبه طالبا ان يجيره وان يخطب للعزيز على غراره معللا النفس بصفح العزيز، وخوفه من المؤامرات التي كان يحيكها الوزير ابن كلّس ضده، ومنها ايضا فشله في الحصول على ملجأ عند البويهيين، وخشيته من وصول نزّال والي طرابلس عونا لمنير الخادم الذي ارسله العزيز واليا على الشام. عند ذلك ترك دمشق لمنير الخادم، وطلب من سعد الدولة الحمداني اعادته الى ولاية حمص، فاجابه[78] ليأمن شره من جهة، وليستخدمه لابعاد خطر الفاطميين عن حلب من جهة ثانية، هذا على الاقل ما اعتقده سعد الدولة صوابا، والا لم يكن هناك دافع حقيقي يرغمه على اعطائه ولاية حمص. لأنه بغبائه كاد يدخل مجددا بصراع مباشر مع الفاطميين، وعن طريق بكجور بالذات، الذي فشل في الاستيلاء على حلب رغم الرشوة التي قدمها لجماعة من مماليك سعد الدولة ليساعدوه  بالانقلاب على سيدهم، ولكنه انتهى اسيرا في حلب، وتم اعدمه فورا.[79]

    ويبدو ان سياسة الفاطميين واصطناعهم القادة لم يكن دائما يوتي ثماره، فمعظم القادة الذين كانوا  يتولون دمشق كانوا يعمدون للاستقلال فيها، فيرسل الخليفة قائدا آخر لازاحة المتغلّب عليها، فلا يلبث ان يستقل بها بدوره. وحاول العزيز توحيد بلاد الشام كلها بعد ان اضعف القرامطة واستولى على معظم بلاد الشام سوى اطرافه الشمالية وبعض جنوبه، فبعث رسولا الى سعد الدولة الحمداني يدعوه لاقامة الخطبة الفاطمية، وكان الامير الحمداني على دراية بواقع الحال الفاطمي المتردي في دمشق، فاهان الرسول واطعمه الكتاب، وارسل معه تهديدا للعزيز متوعدا بالهجوم على دمشق[80]. ولكن الموت فاجأه لتنتهي بذلك مرحلة ثانية من الصراع بين الحمدانيين والفاطميين، رغم ان حالة العداء لم تنته، وظل الحمدانيون مكابرين، يستظلون الحماية البيزنطية كلما احدق بهم الخطر، الى ان انتهى امرهم عام 1002 في عهد الحاكم بامر الله الفاطمي(996-1021)

     لقد نشأت الخلافة الفاطمية على المذهب الاسماعيلي وهدف مؤسسها الى نشره في العالم الاسلامي كلّه، واعتقد ابناؤه واحفاده ان العمل على الاساس الديني بل المذهبي قد يمكنهم من تطوير خلافتهم واضعاف نظيرتها العباسية عدوتهم المذهبية بفعل انتشار الدويلات الشيعية في المشرق العربي. ولعلّ افتراض الخلفاء الفاطميين ووزرائهم وقادتهم في عهدهم الاول في مصر وبلاد الشام اي في عهدي المعز والعزيز ان الولاء المذهبي قد يوحّد بين الدويلات الشيعية المتعددة في بلاد الشام والبويهيين في العراق تحت المظلة الفاطمية، فتسود خلافتهم على كامل الرقعة الجغرافية المشرقية. ولكن سوء تقديرهم للاطماع الشخصية المغلّفة بغطاء مذهبي، وقلة دربة قادتهم وسوء سلوكهم تجاه الحمدانيين والدمشقيين، وعدم أخذهم بالاعتبار مصالح القرامطة، بل حسن قراءة العلاقات القرمطية الفاطمية منذ اعلان سعيد بن الحسين نفسه مهديا مما كان يتنافى والعقيدة القرمطية، وتاليا قلّة التبحّر بحالات العداء والوئام بين الفريقين، وعدم تنسيق الفاطميين سياسيا مع القرامطة واشراكهم في الحكم، كان له كبير الاثر في فشل المشروع الفاطمي المذهبي. ويجب الا يغيب عن بالنا دور البويهيين المناهض للتوسع الفاطمي الذي كان سيضعف من قدراتهم السياسية وتطلعهم الاستقلالي، مما جعلهم يغذّون كل الحركات الاستقلالية في بلاد الشام ماليا واحيانا عسكريا، بل كانوا هم وراء معظم تحركات القرامطة المعادية للفاطميين، وضغطوا سياسيا وعسكريا على الحمدانيين للغاية عينها.

    واذا كان من خلاصة نسترشد بها من خلال كل ذلك المسرح السياسي العسكري والديني والمذهبي، نقول ان التلطي وراء الاقنعة الدينية والمذهبية لم يكن سوى بداية مرحلة استقلالية، لا تلبث ان تتحوّل مشروعا عسكريا يهدف للقضاء على كل القوى التي تعترضه حتى وان كانت من مذهبه، وبالتالي فان عملية الدفاع عن النفس اعتبرها اصحابها عملا مشروعا يقتضي انجاحها بكل الوسائل من دون التطلع الى المصالح العليا التي طالما حلم بها فرقاء ما، وبالتالي فان الولاء المذهبي خرّ صريعا امام الولاء والسياسي والطموح الشخصي.


[1] – ابن الاثير، عز الدين ابو الحسن علي، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1965، ج7، ص32، 64،

– المسعودي، علي بن الحسن، التنبيه والاشراف، مكتبة خياط، بيروت، 1965، ص361

– شعبان، محمد عبد الحي محمد، الدولة العباسية –  الفطميون، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1981، ص98

[2] – انظر حول تفكك الخلافة العباسية الى دويلات وامارات: مؤلف مجهول، العيون والحدائق في اخبار الحقائق، تحقيق عمر السعيدي، دمشق، المعهد الفرنسي للدراسات الاسلامية، 1973، ص 298-299

  • ابن الاثير، ج8، ص322-324
  • ضومط، انطوان وآخرون، الشرق العربي  في القرون الوسطى، الدار اللبنانية للنشر الجامعي، بيروت، 1966، ص112-114

[3] – العبادي، احمد مختار، في التاريخ العباسي والفاطمي، دار النهضة العربية، بيروت، 1971، ص226-2229

[4] – القاضي النعمان، محمد بن حيّون، المجالس والمسايرات، تحقيق ابراهيم شبّوخ وآخرين، الجامعة التونسية، تونس، 1978، ص55، 73، 114، 214، وغيرها، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص 422 وما بعد، ابن عذاري، ابو عبد الله محمد المراكشي، البيان المغرب في اخبار الاندلس والمغرب، تحقيق كولان وليفي بروفنسال، ليدن، 1948، ج1، ص216-220

المقريزي، تقي الدين احمد بن علي، اتعاظ الحنفا باخبار الائمة الفاطميين الخلفا، تحقيق جمال الدين الشيال، ط2، القاهرة، 1996، ج1، ص78-79

[5] – المقريز، تقي الدين احمد بن علي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، طبعة دار صادر، بيروت، بدون تاريخ، ج1، 8

[6] – دفتري، فرهاد، مختصر تاريخ الاسماعيلية، نقله الى العربية سيف الدين القصير، دار المدى، دمشق، 2001، ص140

[7] –  المقريزي ، اتعاظ الحنفا ، ج1، 113

– ابن تغري بردي، جمال الدين ابو المحاسن، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، طبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1929، ج4، ص 29، 41

[8] – البيروني، احمد بن محمد، الآثار الباقية عن القرون الخالية، ليبزك، 1913، ص132

[9] – فوزي، فاروق عمر،الخلافة العباسية، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، 1998، ص92-93

– شعبان ، المرجع السابق، ص195-196

[10] – شعبان، الدولة العباسية، ص196-197

[11] – البيروني، ابو الريحان محمد بن احمد، كتاب الجماهر في معرفة الجواهر، عالم الكتب، بيروت، دون تاريخ، ص 22-23

[12] – ابن الاثير، الكامل، ج8، ص452

[13]  – مسكويه، تجارب الامم، طبعة امدروز، ج2، ص86

[14] – المرجع السابق، ص 196

[15] – مسكويه، ج2، ص 113، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص351

[16] – شعبان، ص200-201

[17] – المرجع السابق، ص 201

[18] – مادلونغ، ورفيلد، ” الفاطميون وقرامطة البحرين” ضمن كتاب الاسماعيليون في العصر الوسيط، جمعه فرهاد دفتري، ترجمة سيف الدين القصير، دار المدى، دمشق، 1999، ص 37، وسنشير اليه ب: الاسماعيليون

[19] – المرجع السابق، ص 37

[20] – لعل من ابرزها دراسة دي غويه، وبرنارد لويس، وحسن شرف، وحسن ابراهيم حسن…

[21] – مسكويه، تجارب، ج2، 215 ، شرف،( حسن)، و ابراهيم، (حسن)، المعز لدين الله، القاهرة، 1948، ص100، الاسماعيليون، ص49

[22] – ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والامم، حيدر آباد، 1938، ج6، ص195

[23] – مادلونغ، الاسماعيليون، ص67

[24] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص189

[25] – مادلونغ، الاسماعيليون، ص49

[26] –  ابن القلانسي، حمزة بن اسد التميمي، ذيل تاريخ دمشق، تحقيق سهيل زكار، دار حسان، دمشق، 1983، ص1 المقريزي، ابن الاثير، تاريخ، ج8، ص615 اتعاظ، ج1، ص187

[27] – مادلونع، الاسماعيليون، ص 67 ، انظر نص الكتاب كاملا في المقريزي، اتعاظ، ج1، ص189-201

[28] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص195

[29] –  الازدي، ابن ظافر، الدول المنقطعة، او اخبار الزمان في تاريخ بني العباس، مخطوط مصوّر بدار الكتب المصرية، رقم 890 تاريخ، نقلا عن امينة بيطار، مواقف امراء العرب، ص54

[30] – الانطاكي، يحي بن سعيد، تاريخ الانطاكي، تحقيق عمر تدمري، جروس برس، طرابلس لبنان، 1990، ص 128، المقريزي اتعاظ، ج1، 186-187

[31] – الانطاكي، ص 130

المقريزي، اتعاظ، ج1، ص 103-106

[32] –  ابن القلانسي، ص1

[33] – الانطاكي، ص143، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص591

[34] – ابن الاثير،  الكامل، ج8، ص 591، اتاعظ، ج1، ص186، ابن تغري بردي، نجوم، ج4، ص33

[35] – ابن الاثير، ج8، ص591-592

[36] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص188، ابن تغري بردي،، نجوم، ج4، ص74

[37] – الانطاكي، تاريخ، ص146-147، ابن القلانسي، ذيل، ص1-3، ابن الاثير، الكامل، ج8، 615-616 المقريزي

[38] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص189

[39] – ابن القلانسي، ذيل، ص3- 4

[40] – انظر الكتاب في اتعاظ الحنفا، ج1، ص189-201

[41] – المقريزي، اتعاظ، ص197

[42] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص202

[43] – ابن القلانسي، ذيل، ص3-5-9، ابن الاثير، الكامل، ج8، 638، المقريزي، اتعاظ، ج1، 202-206، ابن تغري بردي، ج4، ص74-75

[44] – ابن القلانسي، ذيل، ص16

[45] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص211

[46] – ابن القلانسي، ذيل، ص10-18، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص640- 641،  واتعاظ، ج1، ص211-214

[47] – ابن القلانسي، ذيل، ص18

[48] – ابن القلانسي، ص20، الكامل، ج8، ص643، اتعاظ، ج1، ص214

[49] – ابن القلانسي، ص21،  المقريزي، اتعاظ، ج1، ص219 ، والطرخان هو الجندي البطال لأكثر من سبب اما لتقدمه بالعمر، او لعزله لسبب سياسي…

[50] – الانطاكي، ص161، مسكويه، تجارب الامم، ج2، ص384 ، ابن القلانسي، ص 21 ، ابو الفدا، المختصر باخبار البشر، ج2، ص 121، المقريزي، اتعاظ، ج1، ص219-220

[51] – ابن القلانسي، ذيل، ص22

[52] – الانطاكي، ص162 ابن القلانسي، ذيل، ص22، 25،  المقريزي، اتعاظ، ج1، ص220-221

[53] –  الانطاكي، ص180 ابن القلانسي، ذيل، ص 28، المقريزي، اتعاظ، ج1، ص238

[54] – ابن القلانسي، ص29

[55] – الانطاكي، ص181، ابن القلانسي، ص 33-34، اتعاظ، ج1، 242-244

[56] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص98

[57] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص187

[58] – ابن القلانسي، ذيل، ص1، الدواداري، الدرة المضيئة في اخبار الدولة الفاطمية، ج6، تحقيق صلاح الدين المنجد، القاهرة، 1961، ص 134

[59] – مسكويه، تجارب، ج2، ص401

[60] – ابن القلانسي، ذيل، ص38-39، الدواداري، ج6، ص192

[61] – مسكويه، تجارب، ج2، ص402، ابن القلانسي، ذيل، ص41-42، الدواداري، ج6، ص 193

[62] – ابن القلانسي، ذيل، ص48-49

[63] – ابن تغري بردي، نجوم، ج4، ص58

[64] – CANARD, M, Histoire de la Dynastie de Jazira et de Syrie, Paris, 1951, p. 667

[65] – الانطاكي، ص 186، ابن القلانسي، ص48

[66] – الانطاكي، ص187، ابن العديم، زبدة الحلب في تاريخ حلب، تحقيق سامي الدهان، المعهد الفرنسي، دمشق، 1954، ج1، ص172

[67] – الانطاكي، ص 187

[68] – ابن القلانسي، ص49

[69] – الانطاكي، ص199-200، الكامل، ج9، ص7، اتعاظ، ج1، ص256

[70]  – الانطاكي، ص200، ابن القلانسي، ص50

[71] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص258

[72] – الانطاكي، ص200-201، ابن القلانسي، ص50-51

[73] – الانطاكي، ص205

[74] – الانطاكي، ص135، ابن العديم، زبدة، ج1، ص161-168، الكامل، ج8، ص603-604

[75] – الانطاكي، ص201، ابن القلانسي، ص51، اتعاظ،ج1، ص259

[76] – ابن القلانسي، ص52، الكامل، ج9، ص18، اتعاظ، ج1، ص259

[77] – الانطاكي، ص220، ابن القلانسي، ص55، اتعاظ، ج1، ص259 – 260

[78] – الانطاكي، ص220، ابن القلانسي، ص55،

[79] – ابن القلانسي، ص61-63، ابن الاثير، الكامل، ج9، ص86-88، اتعاظ، ج1، ص269

[80] – ابن القلانسي، ذيل، ص65-66، اتعاظ،ج1، ص270

البنى الاجتماعية المملوكية

   منذ عام 648/1250 جهد المماليك ليخلفوا سادتهم الايوبيين في حكم مصر وبلاد الشام، واستجدّ عليهم خطر الزحف المغولي المدمّر الذي قضى على الخلافة العباسية عام656/1258. واذا كانوا قد تمكّنوا من ابعاد هذا الخطر في معركة عين جالوت658/1260 فقد توجّب عليهم تثبيت اركان دولتهم بالقضاء على بقايا البيت الايوبي، واخضاع عرب مصر بمنعهم من استرداد سلطة طالم حلموا بها واعتبروها من حقهم.

     بعد ان استتبّ الامر للماليك وضمّوا بلاد الشام الى مصر، وبسطوا سيطرتهم على الاماكن الاسلامية المقدسة، بل على الحجاز عموما، واجلوا الصليبيين نهائيا عن الشرق عام 690/1291 صار لدولتهم موقعا استراتيجيا مهما جدا بعد ان استوثق الساحل للمسلمين على حد تعبير ابن كثير[1]؛ اذ بسطوا سلطانهم على ثلاثة بحار اساسية: المتوسط، والاحمر، وبحر العرب المدخل الرئيسي الى المحيط الهندي والشرق الاقصى. وباتوا يسيطرون سياسيا واقتصاديا وعسكريا على كل موانئ الحوض الشرقي للمتوسط باستثناء ميناء اياس الارمني[2]، كما على معظم الموانئ في البحر الاحمر.

    اما على الصعيد الديني فقد بدا المماليك وكأنهم الحماة الحقيقيون للمسلمين، والحاضنون الفعليون للشرعية الاسلامية الوحيدة بعد ان احي السلطان الظاهر بيبرس عام 659/1261 الخلافة العباسية في مصر. انما عمليا لم يقم بيبرس الا بما يخدم مصالحه الذاتية، فقد كان بحاجة الى عطاء شرعي لأكثر من سبب. وبالتالي صارت دولة المماليك محور الاحداث الكبرى في الشرق على مستويات متنوعة.

    اتبع المماليك نظاما اداريا خاصا بهم يمكن تسميته، جوازاً تبعا للأنظمة الحالية، باللامركزية، بحيث كانت القاهرة مركز الحكم لأنها تحتضن السلطان الذي اقام نوابا عنه في النيابات المنتشرة في مصر وفي بلاد الشام، اضافة الى عدد وافر من الموظفين الاداريين والعسكريين على رأسهم نائب القلعة ومهمته التجسس على نائب السلطان في النيابة والاستماتة في الدفاع عنها ولا يستسلم مهما صعبت الظروف[3]. وكان يساعد النائب عدد من المتعممين يشغلون وظائف ديوانية ودينية.

    انما معالجة المعادلة الاجتماعية الاساسية في المجتمع المملوكي اي العلاقات بين المماليك والرعية تقتضي الاجابة على عدد من الاسئلة: هل انصهر المماليك مع الشعوب في مصر وبلاد الشام؟ وهل تمّ تفاعل حقيقي بين الحكام والرعية؟ هل تمت المساواة بين ابناء البلاد والارقاء المجلوبين الذين صاروا او كوّنوا الجيش المملوكي؟ ما كان نصيب الشعب من الانتاج الاقتصادي؟ وهل كان له دور فاعل في الجهاز الاداري؟

انها معادلات دقيقة واساسية، وبمقدار التبحر فيها وثبر غورها وتحليل مرتكزاتها، نتمكن من فهم المجتمع المملوكي.

اولا: المرتكزات المادية للتكوين الاجتماعي في العهد المملوكي:

    من العسير جدا دراسة المجتمع في العصور الوسطى بقسميه المديني والريفي نظرا لندرة المعطيات عن الوضع الريفي. وكما هو معروف فان دراسة المجتمع المديني مرهونة بدورها بنسبة المعلومات التي توفّرها المصادر. ومعظم معطيات المصادر اقتصرت اجمالاً على وصف العلاقات، بل المظاهر الخارجية للحدث الاجتماي من دون الخوض في شبكة العلاقات البنيوية المعقدة الموضحة للعلاقات بين الفئات (الطبقات) الاجتماعية. ما يعني ان الحركية الاجتماعية لا توفرها معظم المصادر الا بمقدار ضيق. ومن جهة ثانية بنيت غالبية المدن _مركز النيابات- في فترات مجهولة التاريخ الصحيح او التقريبي، باستثناء طرابلس التي ما يزال النقاش غير محسوم فيما اذا كانت قد شيدت على عهد المماليك ام لا ؟ وبالتالي جاء الطابع الاسلامي المديني متأخرا على هذه المدن كلها، وان ترك بصمات واضحة عليها، تمظهرت بنظمه وتشريعاته.

1 – مفهوم المدينة الاسلامية المشرقية في العصور الوسطى: نموزجا المدينة المملوكية:

    درج المستشرقون وتبعهم مؤرخون مشرقيون على اعتبار المدينة المشرقية الاسلامية تعتمد نموزجا واحدا من الخطط يحدد وظائفها. ولعل ابرز الوظائف التي ركزوا عليها هي:

ا – السور: هو احد المعالم البارزة في المدينة الاسلامية، يحدد بوجه عام نسبة ازدهارها ونموّها وتطورها الديمغرافي. وفيه عدد غير محدد من الابواب[4]تسهيلا للانتقال والاتصال بين داخل المدينة وضواحيها وريفها والاقاليم الاصقاع. ويعتبر غاوبة ان قلعتها كانت مركز السلطة الحاكمة[5] من دون ان يميّز مثلا بين دار السعادة في دمشق مركز نائب السلطان[6] وقلعة المدينة مركز نائب القلعة الذي لم يكن لنائب دمشق سلطة فعلية عليه.[7] وكذلك بين دار السعادة في طرابلس مركز نائب السلطان وقلعتها[8].

  تتماثل سمة السور اجمالا على معظم المدن المملوكية الرئيسة التي كانت مركزا لنواب للسلطان، ما عدا طرابلس[9]. وكان لكل منها عدد معين من الابواب فكان لطرابلس اثنا عشر بابا[10]، ولدمشق تسعة ابواب كبار[11]، واربعة صغار،[12] وللقاهرة عشرة ابواب[13]، هذا عدا الابواب الصغار. تميّز السور بتأمين الطمأنينة للسكان والحكام على حد سواء، كما للتجار الاجانب[14]، فكان يؤمن الحماية ابان الحروب، والطمأنينة بوجه عام؛ فكانت تقفل ابوابه ليلا وكلما دعت الحاجة.

2 –شوارع المدينة وطرقها: اذا كنّا لن نتوسّع بالحديث عن دور الاسوار امنيا، فاننا سنركّز على دورها بخطط المدن لأن الابواب الرئيسة فيها ارتبطت بشكل عام بشوارع المدينة الاساسية التي انطلقت من الابواب المذكورة، ومنها تفرعت شوارع ثانوية وطرقات فأزقّة. ما يعني ان الشوارع الكبرى المنطلقة من الابواب الرئيسة شكلت المحاور الاساسية في المدينة بوصفها سبل الاتصالات الرئيسة فيها، وعليها تمرّكز النشاط الاقتصادي، ومنها تفرّعت الاحياء والمحلاّت(جمع محلة) والحارات.

 تمركزت احياء دمشق على شارع رئيسي مستقيم في وسطها، كان يربط بين بابين: شرقي  شرقا، والجابية غربا. ومنه كانت تفرعت شوارع اخرى رئيسية مستقيمة ينتهي كل واحد منها بباب[15]. والملفت للانتباه ان دمشق قد تكون المدينة العربية الوحيدة التي كانت تفتقر الى شارع رئيسي آخر مستقيم يخترقها من الشمال الى الجنوب. وكان يمتد الشارع الرئيسي في القاهرة من باب زويلة الى بين القصرين حيث يتفرع منه طريقان احدهما يتجه شمالا والاخر يمينا. وكانا ينفرجان على طرق اقل اهمية وصولا الى الحارات والازقة.[16] ذكر المقريزي ان القاهرة عندما بنيت كان لها اربعة ابواب من الجهات الاربعة[17]، ما يعني انه كان لها شارع رئيسي آخر اقل اهمية من الاول الذي شيّدت فيه قصور الخلفاء، والمسجد الجامع، ومباني الادارة الرسمية، والبيمارستان،[18] وكانت تفرعاته تشابه مثيلاتها على الشارع الرئيسي الاساسي.

 ويبدو ان ابواب المدن كانت لها ابواب فرعية يصل عدد بعضها احيانا الى ثلاثة شأن القاهرة،[19] او دمشق حيث كانت الابواب الفرعية مكمّلة لبابيْ الجابية والشرقي.[20] وكان لهذه الابواب الثانوية دوران اساسيان: الفصل بين الاحياء من جهة،[21]، وتأسيس المنطلق الرئيسي للأسواق الاخرى في المدينة. ومن الواضح ان كثرة الابواب تدل على التطور العمراني اللازم للنموّ الديموغرافي، ما يؤشّر على حيوية ملحوظة.

3 – الاسواق: من الواضح ان الابواب شكلت محاور  الأسواق الرئيسة ، وهذه  بدورها اسست خطط اية مدينة مملوكية. وليس ادل على ذلك من استهلال المقريزي خطط القاهرة بقوله:” وقبل ان نذكر خطط القاهرة فلنبتدئ بذكر شوارعها ومسالكها المسلوك منها الى الازقّة والحارات لتعرف بها الحارات والخطط والازقة والدروب وغير ذلك.”[22]

شُيّدت الاسواق على اطراف الشوارع الرئيسة ومتفرعاتها المتنوعة؛ ففي دمشق انتشرت على طرفي الشارع الرئيسي الاسواق المركزية، والمساجد الكبرى، والحمامات العامة الرئيسية[23]. في حين توزعت على اطراف الشوارع الرئيسية المنطلقة من الشارع المركزي الانشطة التجارية والحرفية لكل حي، اضافة الى حماماته ومساجده. وتوزعت من هذه الشوارع، وهي بوجه عام ضيقة نسبيا لانها رافقت المدينة منذ نشأتها ولم تطور، شوارع اخرى اقل اتساعا خصص وسطها للفرسان واطرافها للمشاة. فجاءت احياؤها ومحلاتها[24] متلاصقة، وما زاد في سوء وضعها الديمغرافي، اختناقها بالحارات الشعبية المكتظة بالسكان[25]. وانقسمت كل حارة الى ازقة شيدت عليها ابنية شعبية تفتقر الى ابسط الشروط الصحية. وجميعها انبثقت من شارع الحارة الرئيسي المعروف بالسويقة الذي كان يحوي الحمام العام، والفرن، والمسجد، والحوانيت التجارية والحرفية[26]. وكانت اسواق القاهرة تشابه من حيث البنى الاساسية والتركيب مثيلاتها الدمشقية.[27] فكان السوق المركزي قائما على الشارع الاساسي او ما يطلق عليه المقريزي” الشارع الاعظم او قصبة القاهرة”[28]. والشارع الرئيسي للمدينة الاسلامية يشكّل نقطة الثقل الاقتصادي لها ولريفها: ففيه كانت تتجمّع تجارة الجملة والمفرّق، والمؤسسات المصرفية، والصناعات.[29] ومن هذا السوق الاعظم توزعت شوارع اقل اهمية، فاخرى ادنى منها قيمة واتساعا وصولا الى الدروب والازقة المتنوعة التي كان بعضها غير نافذ[30]. وعندما ينهي المقريزي وصف القصبة الرئيسة بما اقيم عليها من اسواق وما استجد مكان بعضها واندثار بعضها الآخر، يشرع بوصف الشارع الرئيسي الثاني مستهلا كلامه ب:” هنا ابتداء خط بين القصرين.”[31] ويكمل رسم خطط اسواق القاهرة بكل تفرعاتها كما في ما يلي:” فاذا السالك بدخول بين القصرين من جهة خان مسرور فانه يجد على يسرته درب السلسلة، ثم يسلك امامه فيجد على يمينه الزقاق المسلوك فيه الى سوق الامشاطيين المقابل لمدرسة الصالحية التي للحنفية والحنابلة ، والى الزقاق الملاصق لسور المدرسة المذكورة…”[32]واذا لم يكن لدينا وصفا مشابها لخطط المقريزي فان المؤرخين الشاميين تحدثوا عن اسواق دمشق بما يشبه كلام المقريزي من دون ان يأتي كلامهم متسلسلا.

   ويتبدى لنا من خلال كل ذلك ان اسواق المدن المملوكية متشابهة عموما من حيث البنية الاساسية، ووظاؤفها الاقتصادية والاجتماعية ونماذجها واضحة على الاقل في القاهرة  وطرابلس وفي دمشق. وبالتالي فهي تتماثل عموما من حيث الخطط ووظائف الاسواق.

  كانت جميع الاسواق مسقوفة اما بقماش متين وسميك، او بالحجارة، او بالخشب. حماية لشاغليها وزبائنها من الامطار وحر الشمس[33]، وتتيح فسحة محددة من الضوء كافية لإنارة السوق، وتميزت ايضا بإكتظاظ المحلات السكنية بالحارات حتى غدا النور خافتا وغير كاف.[34]

    ويمكننا من خلال المصادر المملوكية التعرف على انواع الاسواق في المدن المملوكية. فكان في دمشق ما يربو على العشرين سوقا متخصصا، كان من ابرزها: الحرير، الدهشة ( الثياب الجاهزة)- وهو امر ملفت للانتباه انذاك ويدل على بحبوحة عند بعض السكان- الكوفيين، الذهبيين، الوراقين، الذراع، السرامجيين ( الاحذية)، السلاح ، الوراقين، السقطية ( الالبسة المستعملة)، البزوريين، القطانيين، الجواري والرقيق، جقمق – نسبة الى السلطان الظاهر جقمق- كان مخصصا لبيع الثياب، السروجيين، اللحامين، والخيل…[35] وشهدت طرابلس اسواق عديدة: العطارين، الدبّاغين، المسلخ، الحلاويين، السوق الشرقي، السلاح، الحدادين، سويقة القاضي، البازركان، الجديد، النحّاسين، الصيّاغين (المعروف قديما ب عديمي المسلمين)، والكندرجية…[36]. اما اسواق القاهرة التي ذكرها المقريزي فهي: الفتوح، المرحليين، الروّاسين، الشماعين، حارة برجوان، الدجاجين، بين القصرين، السلاح، القفيصات، الزهومة، المهمازيين، اللجميين، الجوخيين، الشرابشيين، الحوائصيين، الحلاويين، الشواّيين، الجملون الصغير، المحايريين، الصاغة، الكتبيين، الصنادقيين، الحريريين،  العنبريين، الخراطين، الجملون الكبير، الفرّايين، الخلعيين، البندقائيين، الاخفافيين[37]. هذا عدا عن السويقات الكثيرة كالكفتيين، الاقباعيين، والسقطيين…[38]

    ان اهمية تعداد هذه الاسواق تكمن في تبيان اختصاصاتها، وهي تدل اولا على تفرع طبقي ان جاز التعبير تبعا لاختصاص الباعة، وعلى التجانس في ما بين باعة السوق الواحدة. ما يدفعنا للاعتقاد ان سمة ظاهرة اجتماعية بمعناها العلمي كان  جميع ارباب الاسواق يخضعون لها، وبالتالي يؤلفون فئة اجتماعية لها عاداتها وتقاليدها الخاصة تبعا لنوع ومستوى السوق. وتدل ثانيا، على رغم تمايز كل فئة، انهم جميعهم كانوا يخضعون الى عرف عام اوتقليد هو انتماؤهم الى الباعة. ويدل ثالثا على مستوى تعامل كل فريق، تبعا لاختصاصه، مع نوع من الزبائن. وبالتالي وجد في العصور الوسطى الاسلامية والمملوكية منها تمايز اجتماعي غير ارادي. ويدل رابعا على مستوى الدخل ونمط الحياة الاجتماعية لكل فئة، الذي كانت تعبر عنه اماكن السكن. فبعض الاسواق اقيم على حدود الحارت التي كانت بوجه العموم مقفلة بوجه الاغراب وتحتضن فئة محددة من الناس.

4 – المحلات والاحياء والحارات: ان اصطلاح المقريزي يختلف عن تعريفاتنا اليوم، بل عن اصطلاحات بلاد الشام في عصره، فهو ميّز بين الحارة والمحلة:” الحارة كانت محلّة دنت منازلها، والمحلة منزل القوم.”[39] مكتفيا بهذا القدر من التمايز، وهو يميّز ايضا بين الحارة والدرب، والخط. وتبعا لتعريف  حارة بهاء الدين؛ حيث يقول،  بعد ان يحددها جغرافيا،: ” وكان فيها دور عظيمة وحوانيت عديدة.”[40] ما يعني أنها تشبه المحلّة في دمشق التي ميّزها ابن طولون وابن كنان عن الحارات،[41] في حين ان لابيدوس يوازي بين الحارة والمحلة والخط.[42] وقد حسم انطوان عبد النور الامر معتبرا ان المدينة في العهد العثماني كانت موزعة الى عدة اقسام، وكل واحد الى حيّ او محلّة، وكل حي الى حارات، وكل حارة الى دخلات او ازقّة[43]. بالتأكيد يقتضي التمييز بين هذه التسميات – وهي تتطلب دراسة قائمة بذاتها- ولكننا سنعتمد هذا التفريع، مركّزين على الدور الاجتماعي الذي لعبه الحي و الحارة و المحلة.

   لا يمكننا في هذا البحث دراسة التطور المديني والديمغرافي لأكثر من مدينة واحدة هي دمشق، وسنعتمدها كنموذج للمدينة الاسلامية وتحديدا المملوكية، لأنه لغاية اليوم لم تبرز دراسات تناقض هذه الفرضية،[44] هذا، اضافة الى اطلالات على المدن المملوكية الاخرى كلما اقتضى الامر.

   كانت المدينة عبارة عن وحدات مدنية قائمة بذاتها لأهداف ادارية، ومقتضيات اجتماعية، وكانت تتفرع الى عدد من الاحياء، ويصبح الحي مرتكزا للنواحي الاجتماعية والادارية والاقتصادية معا. وكثرة الاحياء جعلت المدينة متداخلة فيما بين اجزائها، ومنقسمة على ذاتها من خلال الابواب والحارات الداخلية، بل كان كل من الحي والحارة الواحدة مكتفيا ذاتيا ويستمد روابطه الاجتماعية والاقتصادية والادارية من داخله، فهو كان مركزا لورشات من مختلف النشاطات الاقتصادية. وكانت تسوده ظاهرة اجتماعية عامة محددة ببناها الخاصة، ويمكن القول انها، على رغم خصوصية الحي، اكتسبت الصفة العامة لأنها كانت تسود ايضا في الاحياء المتجانسة من حيث الدخل والتركيب الداخلي. وبالتالي فان الحي على رغم انغلاقه الداخلي الجغرافي لم يكن ينغلق على ذاته اجتماعيا وامنيا واقتصاديا الا ابّان الاضطرابات الامنية – وهي كانت جمّة خصوصا في العهد الجركسي- من اجل الحماية الذاتية. والحي في الدمشق وفي حلب ساوى حجم القرى الصغيرة على ما يفترض لابيدوس، الذي يعتقد ان دمشق وحدها حوت، خلال القرن الخامس عشر، ما يقارب السبعين حياً. وهو يحدد متوسط عدد سكان الحي الواحد بخمسمائة الى ستمائة نسمة[45]. وحوت حلب في القرن عينه ما يقارب الخمسين حياً، بمعدل وسطي ألف الى ألف ومائتي نسمة للحي الواحد. واعتبر ان مدينة القاهرة كانت تضم سبع وثلاثين حارة على رغم ان مساحتها كانت أكبر بكثير من دمشق ومن حلب.[46] وازعم ان الحي كان اساس التنظيم الاجتماعي لأنه تميّز بخصوصية محددة: اتنية، او دينية، واحيانا اقليمية. وقد ذكر القطار انه كان في طرابلس اقليات انضوت في احياء خاصة؛ كالتركمان والأكراد، والمغاربة، والمصريين، والنصارى (محلة عديمي النصارى) واليهود.[47] وكانت للمسيحيين محلتهم الخاصة بدمشق في الزاوية الشمالية الشرقية للمدينة بالقرب من باب توما[48]. كان كل من اليهود والمسيحيين حيّهم الخاص في القاهرة.[49]و افردت حارات او احياء خاصة بالقاهرة للجاليات التي استقرت فيها مثل: حارة الشاميين ،[50] حارة الروم[51]وغيرهم.

    لم تكن جميع حارات واحياء المدن المملوكية متشابهة من حيث الهندسة البنائية والفخامة، وان كانت تتشارك في البنية العامة. ويمكننا من خلال المصادر تبيان التمايز بين الشعبي، وبعض المحلات التي سكن فيها المماليك من دون سواهم، التي كانت مميّزة من غيرهاعلى الاقل بامرين: نوعية المساكن من حيث  الهندسة البنائية والفخامة، واتنية سكانها لأنها اقتصرت عموما على المماليك الذين تمايزوا عن السكان الاصليين بالكثير من عاداتهم وتقاليدهم. مثلا كان الشرفان في دمشق بقسميه الاعلى والادنى مخصصا للفئة العسكرية الحاكمة. وقد انتشرت في الاعلى، الذي عرف ايضا” بدار الامراء”،  قصور الامراء ومساكنهم وضمّ مدارس ومساجد.[52] وتوزّعت في الشرفان الادنى قصور للنزهة وعدد من المساجد من ابرزها جامع تنكز وعدد من المدارس والخوانك والعمائر والمحلات العامرة[53]. وضمّت الربوة الواقعة في اسفل جبل قسيون والمشرفة على الغوطة قصورا ومباني شريفة ( مُلْك السلاطين) سكن فيها امراء من المماليك، ومساجد من بينها مسجد خطبة، فضلا عن عدد من الطِباقات ( الثكنات العسكرية)، ومرابط للدواب، وسويقتان، وحمام فريد من نوعه على حد تعبير ابن كنان.[54] ونحن لا نعلم بالضبط من خلال خطط المقريزي ما هي المحلات التي استجدت تماما واستمر تطوّرها، لأنه يقول ان هذه المحلة خطت لقبيلة كذا او فلان، ثم صار اسمها كذا. ويدل تغيير التسمية، على الارجح، على تطور بنائي من دون ان ندري نسبة التطور واهميته.

 ومن الثابت ان عددا من المساكن والقصور قد استحدثها السلاطين ونوابهم من دون ان ندري بالضبط اذا كان السكن في تلك المحلات كان حكرا على الامراء فقط، وان كنّا نرجحه، بيد ان بعض المحلات بنيت لغايات معينة وتطورت ثم تراجعت وخربت تدريجا[55]. ومن الامثلة على ذلك :” والقصر الصغير ومكانه الآن المارستان المنصوري وما في صفّه من المدارس والحوانيت.”[56] ” وكان داخل هذا الزقاق- المعروف بقصر امير سلاح- مكان يعرف بالسودوس فيه عدة مساكن صارت كلها اليوم دارا واحدة…”[57]

       بدت مدينة دمشق داخل سورها مجموعة حارات قائمة بذاتها، وكأن الواحدة منها قرية صغيرة مستقلة بمساجدها، وحماماتها، وسقاية الماء فيها،[58]والفرن، والمدرسة، والمسجد والسويقة[59]. وجاءت ابنيتها متلاصقة، تمد افقيا، وتنعدم فيها النوافذ والشرفات تماشيا مع نظرية الحلال والحرام في الاسلام. ويرجح الكيال انتشار هذا النمط البنائي لقلة الاطمئنان ولاتساع الرقعة الجغرافية. وكان الحي فيها عبارة عن عدة بيوت ُشيّد لها باب خارجي مشترك يقفل في المساء وايام الاضطرابات، ويتوسطه باب خوخة ( صغير) يعبر منه سكان الحي كلٌ الى داره.[60] ويرجع اسباب تلاصق الابنية الى رغبة رئيس الاسرة باسكان ابنائه واحفاده في المنزل عينه، وكان كلما ضاق المكان بهم اضافوا اليه غرفا حتى بات المسكن الواحد داخلا في بيوت الجيران. وحوّل النمو الديمغرافي  تلك البيوت المتداخلة في ما بينها الى شبه اكواخ[61]، لأن الزقاق كان غير نافذ، وما كان يتسع  سوى لعدد قليل من البيوت او الاكواخ[62].

   وكان الحي من حيث بناؤه عبارة عن تشكيل من الابنية غير المتوازية وغير المتوازنة  ايضا من حيث  التصميم الهندسي. فبعضها كانت ترتفع جدرانه الى اكثر من طبقة والبعض الآخر يشبه الاكواخ ان لم يكن عبارة عن مجموعة من الاكواخ شبه مظلمة يتسرب اليها الهواء عبر الازقة والممرات المنخفضة المعتمة[63]. وضمّ الزقاق الواحد عائلة واحدة اجمالا تماشيا مع التجانس السكاني بل التركيب العائلي في المجتمعات العربية عبر العصور. علما :” ان العلاقة بين المجتمع والسكن لم يكن صورة متكررة عبر الزمن، بل كان خاضعا لمقتضيات الظروف المعيشية والاقتصادية والاجتماعية ” .[64] ما جعل المسكن انعكاسا للحالة الاقتصادية، يتسع ويضيق تماشيا مع مردود الجماعة. وشكّلت التدابير الامنية، بل تصرّفات السلطة الحاكمة عاملا مؤثّرا اضافيا في شكل المساكن، لأن تلاصق بعضها بالبعض الآخر كان عاملا مهما في تآزر السكان وتماسكهم للدفاع عن انفسهم. هذا ناهيك ان العلاقات بين الجماعات عبر التجانس العائلي او الطائفي وحتى المذهبي كانت تفرز تضامنا داخليا دفاعيا ضد اي اعتداء خارجي مهما كان نوعه حتى وان بدر من السلطة. ولنا في مؤلفات ابن طولون العديدة، ولا سيما “مفاكهة الخلاّن” نماذج متكررة تشرح هذه الظاهرة بجلاء تام.

   اما على الصعيد الاداري فقد ترأس الحي شيخ كان يعينه نائب السلطان المملوكي في المدينة التي هي مركز النيابة من اجل حسن سير الاعمال المنوطة بالحي: حفظ النظام ،تمثيله في المناسبات العامة التي تقتضيها الدواعي السياسية والاجتماعية، مساعدة الشرطة في تنفيذ مهامها، او تولي هذه المهام بنفسه: كجمع الضرائب القانونية وغير القانونية مثل الرمي او الطرح[65]. لان الاحياء كانت قد انتظمت في مناطق منعزلة ومنطوية على ذاتها لا يتمكن الغرباء من الدخول اليها، لاسيما ان سكانها كانوا متداخلين في ما بينها في حياتهم الرتيبة، ويتآزرون ابان الاضطرابات العسكرية ،ويدافعون جميعهم بعضهم عن البعض الآخر اذا تعرض احدهم لاي اعتداء خارجي.

5 – تطور الحركة العمرانية: شهدت المدن المملوكية حركة عمران مزدهرة منذ مطلع القرن الرابع عشر وحتى بدايات نصفه الثاني، ولعل مرد ذلك الى عدة عوامل:

  – لعب إستقرار البلاد خلال الولاية الثالثة لحكم السلطان الناصر محمد بن قلاوون (1309-1340) دورا كبيرا في استتباب الامن، وثبوت نوابه في مراكزهم من دون حدوث حركات تمرّد تذكر، فلذلك يعتبر عهده  العصر الذهبي لدولة المماليك.

– ادى انحسار الخطرين المغولي والصليبي، الاول بعد عين جالوت ومرج الصفر والثاني بعد اجلاء الفرنجة نهائيا عن الشرق عام 1291، الى نوع من الاستقرار النفسي والطمأنينة الذاتية. فازداد عدد السكان من وطنيين، وقادمين الى المدن ومستقرين فيها، وتاليا الى تطور الحركة التجارية، وازدهار في الانتاج الصناعي.

–  ادى سوء تصرف المقطعين تجاه الفلاحين الى هجرات متكررة من الريف نحو المدن، بل الى نزف شبه دائم.

    كان للإنفصام بين الشعب والحكام دور بارز في تطوير الحركة العمرانية، ولردم هذه الهوة تقرّب السلاطين ونوابهم من السكان بتشييد المنشآت الدينية والتعليمية والطبية وما الى ذلك. حتى كثرت المدارس فوجد في دمشق وحدها ما يزيد على المائة وثلاثين مدرسة على حد تعبير النعيمي[66]، ووجد عدد غير ضئيل من المدارس في طرابلس[67]، وذكر المقريزي ستا وسبعين مدرسة في القاهرة[68]. ويؤشر ازدياد عدد المدارس ولا شك الى نمو ديموغرافي مرتبط اصلا بنمو عمراني. ويتأكّد ذلك بما اورده منير الكيال من بلوغ عدد الحمامات في دمشق على عهد ابن عبد الهادي المعاصر لاواخر الدولة المملوكية 167 حماما عدا حمامات الغوطة[69]. واذا اخذنا بعين الاعتبار ما ذكره ابو علي الاربلي المتوفي عام 726 / 1326 بأن تعداد حمامات دمشق بلغ خمسة وسبعين حماما، واذا سلمنا بصحة هذه الارقام تكون حمامات دمشق المملوكية قد زادت على ما يربو على الضعف وما يشكل دليلا قاطعا على نمو عدد السكان. واورد المقريزي ستا واربعين حماما في القاهرة[70] من دون ان ندري المستجد منها، علما ان عددا لا بأس به كان قد اندثر[71]. اما المساجد والجوامع في دمشق فقد بلغ عددها وفق ما ذكره الدكتور نقولا زيادة واحد وسبعين مسجدا[72]، ولكننا لا نعرف المستجد منها خلال العهد المملوكي، ما يجعلنا نفتقد الى معيار لتقدير النمو السكاني وبالتالي التطور العمراني. في حين ان هذا الامر واضح في القاهرة فقد استحدث فيها على الاقل عشرة جوامع غير تلك التي رممت.[73]

    لقد ازدادت الحركة العمرانية في دمشق المملوكية؛ فعلى صعيد الابنية الحكومية تم بأمر من السلطان الظاهر بيبرس بناء القصر الابلق غربي المدينة  سنة 659/1260م[74] ، وشيد نائب دمشق عز الدين ايدمر بناء على رغبة السلطان السعيد بركة خان المدرسة الظاهرية بالقرب من الجامع الاموي[75]. كما شيد نائبها تنكز سنة 739/ 1339 خارج سور المدينة دارا لتعليم الحديث النبوي الشريف، ومسجدا[76]. وبنى الامير مكي بن حيوط مسجدا شرقي الشويكة في وسط بستان وأوقف عليه ” جهات عديدة “[77]. وانتشرت اسماء السلاطين المماليك ونوابهم في دمشثق منقوشة على عدد كبير من الابنية خصوصا خارج اسوار المدينة[78]. ما يدل على ازدياد في عدد السكان، قد لا يكون التزايد السكاني ناتجا عن تطور طبيعي داخل المدينة فقط، انما ايضا عن هجرة سكانية من الارياف الى المدن بشكل عام نتيجة لسؤ استغلال الارض المرتبط اساسا بالانحطاط الذي اصاب النظام الاقطاعي[79]. وعن انتشار الابنية الخاصة والحكومية خارج اسوار المدينة وفي داخلها.

        ان هذه الامور توضح بدون ادنى لبس ان دمشق تطورت سكانيا وعمرانيا بشكل ملحوظ، ويزيد في قناعتنا هذه ما اورده العمري عن ازدياد عدد الاجناد بدمشق. وقد ادت حاجاتهم للوازم الخيل وغير ذلك الى نشوء الاسواق المتخصصة، فاتسعت الاسواق وما عادت قادرة على استيعاب الطلب، فانتقل المختصون ببيع لوازم الخيل الى خارج المدينة حيث اقيم سوق الخيل، وتبعهم اصحاب بعض حوانيت الخضار والمواد الغذائية الاخرى فصار يقام بقرب السوق المذكور سوق خاصة عرف باسم ” دار البطيخ “[80]. وما يعزز رأي تطور المدينة السكاني والبنائي ما اورده كل من “سوفاجيه “وابن بطوطة، فيتحدث الاول عن انشاء ضاحيتين جديدتين السويقة في الجنوب الغربي، وسويقة ساروجا في الشمال[81]. ويصف ابن بطوطة ضاحيتين جديدتين شيدتا في العصر المملوكي: الربوة الواقعة في اسفل جبل قاسيون” وبها القصور المشيدة والمباني الشريفة”[82] وتعبير المباني الشريفة هي صفة المباني السلطانية ما يدفعنا للاعتقاد ان السلاطين ساهموا بانشائها او انها اوقفت لصالحهم على غرار الاراضي الاقطاعية. والضاحية الثانية هي الصالحية التي شيدت خارج” باب شرقي” بدمشق وهي ” مدينة عظيمة” على حد تعبير ابن بطوطة فيها سكك واسعة ومدرستان[83]، وصار فيها في اواخر العهد المملوكي سبع دور للحديث، وستة عشر رباطا، وثمان وثلاثون حارة وواحد وسبعون مسجدا[84].         

   ان هذا التطور الملحوظ لم يرافق دمشق المملوكية عبر كل تاريخها، فهي تعرضت لازمات متعددة احيانا متسارعة واحيانا اخرى متباعدة، نتيجة التكوين الاجتماعي من جهة، او بسبب اعتداء خارجي من جهة ثانية. فالحالة الاولى تكررت مرات عديدة وفي ظروف متقاربة من حيث علاقة الحكام بافراد الشعب على مختلف فئاتهم، او من حيث علاقة هذه الفئات بعضها بالبعض الآخر. اما الحالة الثانية فليست سوى تغيير شبه جذري نتج من تعرض المدينة لغزوات المغول خصوصا غزوة تيمور سنة 1400م. التي ادت الى تهديم البنى الاجتماعية والاقتصادية.[85]

   اذا عدنا الى خطط المقريزي نلاحظ ان نسبة الهدم في القاهرة فاقت نسبيا نسبة العمران، ونلمس ذلك من تأسفه على الاسواق التي تهدمت بفعل الصراعات غير المنتيهية بين الفرق المملوكية.[86] ولا تمدنا  الخطط بالضبط بالضواحي التي شيدت خارج القاهرة ولا بنسبة التطور.

ثانيا: البنى الاجتماعية:

 1 – التوزيع السكاني في المدن: ان التاريخ الاجتماعي يأخذ بالاعتبار المجموعة الكلية للتكوين الاجتماعي، ومن الصعب تحديد اطره ومعناه التام الا بدراسة او التطرق الى جميع الاطر المعنوية المتعلقة بمختلف المجموعات، اضافة الى دراسة علاقة الفرد بالجماعة. وبما انه يتعذر علينا دراسة علاقة الفرد بالجماعة، بسبب قلة الوثائق، سأدرس هرمية المجتمع المملوكي المديني لأن معلوماتنا عن الارياف شبه معدومة، بادئا ببنية كل فئة من الفئات الاجتماعية، ثم حركيتها الذاتية من جهة، والخارجية من جهة ثانية اي علاقاتها بالفئات الاجتماعية الاخرى. وتبقى عمودية الدراسة مرهونة بما توفره المصادر من معلومات.

    ان دراسة التاريخ الاجتماعي تقتضي الحصول على المبدأ المنظّم للمجتمع الذي يفرّع السكان الى فئات (طبقات وفق المصطلح الحديث)، ويميّز بينها ويحدد بناها، ومن جهة ثانية يسمح بدراسة الحركية الداخلية والخارجية لكل منها. وقد اتخذت من الوظيفة مبدءا منظما للمجتمع المملوكي. وهي غير محصورة بالمناصب الحكومية فقط، بكل المهن ايضا ايا يكن نوعها ومستواها، كما البطالة عند الارذال او الزعر او الحرافيش.

     كان المجتمع المملوكي مغلقا اجمالا، بل جامدا لأن حقوق الفرد كانت مرهونة بحقوق الجماعة التي ينتمي اليها وظيفيا. ولم يغفل بعض مؤرخي العصور الوسطى عن تحديد التراتب الاجتماعي المملوكي المستند الى الوظيفة؛ فقد قسّم المقريزي المجتمع المملوكي ،بوجه عام، الى سبع فئات :      

  -ارباب الدولة.

  • مياسير الناس من التجار والفقهاء والمتعممين.
  • متوسطو الحال من التجار والباعة واصحاب المعاش والسوقة .
  • الفلاحون من اهل الزراعة .
  • سكان الارياف والقرى .
  • ارباب الصناعات والحرف البسيطة .
  • والمعدمون[87]

         ان هذا التوزيع العام الذي اورده المقريزي يشمل كل المجتمع المملوكي، اما في المدن فيمكن اعتماد تفريع آخر ينبثق من توزيع المقريزي يأخذ بالاعتبار خصوصية المدينة والتجانس الاجتماعي الاكثر شمولا، وهو باعتقادي على الشكل التالي: الطبقة العسكرية الحاكمة، الاعيان الذين يضمون كبار رجال الدين والتجار وارباب الصناعة، او ما يطلق عليه بياض العامة، ثم سواد العامة، واخيرا الزعر والارذال والاوباش.

    كان سكان دمشق يتألفون من غالبية عربية كبرى، اضافة الى عدد من اجناس مختلفة وفدت اليها عبر تاريخها مثل بربر شمال افريقيا خلال العهد الفاطمي، والتركمان في العهد السلجوقي الاتابكي، والاكراد في العهد الايوبي واستمروا يشكلون اقلية[88]. هذا اضافة الى الشعوب المغلوبة من المناطق المجاورة خصوصا من تلك التي تعرضت للغزو المغولي ولا سيما العراق، كما لجأ اليها طائفة دينية كبيرة العدد من المغاربة لاسباب دينية[89].

   اما القاهرة فهي عبارة عن سندس اثني بدءا بالاقباط، فالعرب، ثم موجات الاغراب العديدة والمتكررة التي حطت رحالها فيها خصوصا منذ العصر العباسي الثاني وتحديدا منذ بدايات العهد الطولوني. وتلا ذلك دخول المغاربة الذين جاءوا مع الفاطميين واستمر قدومهم اجمالا مدى العهد الفاطمي، ودخلها ايضا عدد وافر من الاتراك والاكراد في العهد نفسه كما السودان من النوبة والسودان. وتزايد عدد المشارقة من ديالمة واتراك واكراد في العهد الايوبي[90]، واكتمل السندس الاثني في العهد المملوكي الذي بني على استقدام الارقاء من مختلف الاعراق والجنسيات. هذا اضافة الى الجاليات التجارية المتعددة المشارب بين مشرقية واروبية. وكان لكل من هذه الجاليات عاداتها وتقاليدها  الذاتية، وتقيم في احياؤها الخاصة، وكانت جميعها تتشارك عموما عادات مشتركة منطلقة من التشريع الاسلامي واخرى متراكمة عبر العصور.

    2 – الطبقة العسكرية الحاكمة: شكل السلطان وامراؤه واجناده طبقة عسكرية حاكمة مغلقة عن الشعب. وحدد الانتماء اليها بشروط لم تتوفر بالسكان الاصليين: كالعرق، اي ان يكون مولودا خارج الاراضي المملوكية في الشرق العربي والاسلامي وبالتحديد في السهوب الآسيوية الاوروبية الممتدة من آسيا الوسطى حتى البلقان والبحر الادرياتيكي[91]. والرق[92]،  واجادة اللغة التركية لان المماليك كانو يتحدثون بالتركية في اجتماعاتهم ومجتمعاتهم[93]، وقليلون منهم من اتقنوا العربية، لا بل ان بعضهم لم يفقه منها شيئا[94]. و التربية في الطباق ( الثكنة العسكرية )، والعتق، والتدرج بالامرة[95]. وانحصر تزاوج امراء المماليك اما من نساء تركيات جيء بهن خصيصا لهذه الغاية، او من بنات امراء المماليك، وقليلون منهم من تزوجوا من بنات مياسير التجار او بنات المتعممين[96]. وكانت جميع اسماء الامراء تركية، ولم يجرؤ احد منهم الخروج على هذه القاعدة مخافة القتل او العزل، فالسلطان جقمق ( 1438 – 1453م. ) اراد ان يتسمى محمدا تيمنا بالرسول (ًصلعم ) ولكنه خاف العزل فتسمى جقمق محمد[97]. انما حق لهم بالالقاب الدينية مثل ركن الدين او عز الدين… وانفرد المماليك بلبس ثياب مميزة مطرزة الكمين تمييزا لهم من افراد الشعب. وارتدوا قباء طويلا ينتهي بأكمام ضيقة، واعتمروا كلوتة صفراء من دون عمامة، وشدوا على خصورهم احزمة من القطن البعلبكي، وتميزت ايضا ثياب الامراء من ثياب الجند[98].

     ومن مميزات الطبقة العسكرية الحاكمة اقتناء الرقيق وركوب الخيل الذي لم يجز ركوبها[99] لغيرهم، وعلى رغم اسلامهم فلم يقض  الامراء في ما بينهم بالشرع الاسلامي بل ب ” الياسة او اليسق ” وهي مجموعة القوانين المغولية التي اصدرها جانكيز خان ( 1206 – 1227م.)[100]. وحاز المماليك وحدهم، سلطانا وامراء واجنادا، الاقطاعات الزراعية وشاركهم بقسم ضئيل نسبيا بعض المتعممين ممن اشرفوا على المؤسسات الدينية والتربوية والاجتماعية[101]، كما توزعوا في ما بينهم المرافق الاقتصادية العامة الاخرى ولا سيما الجمارك التي حازوا عليها عن طريق الاقطاع.

        ان هذه المميزات تشمل كل المماليك خصوصا من كان يسكن منهم في القاهرة وهي تنسحب على تواجدهم في كل المدن، لان نائب السلطان في نيابته شكل سلطانا مصغرا، وتميز بخاصات السلطان من حيث الصلاحيات وبيوت الخدمة، انما على مستوى ادنى، فالاول كانت تنعت بيوت خدمته بالشريفة والثاني بالكريمة.

    وانقسمت الفئة-الطبقة العسكرية الحاكمة من حيث وظائفها وتركيبها العسكري والاداري والاجتماعي الى ثلاث مستويات: السلطان، الامراء على اختلاف مراتبهم، والاجناد على تنوّع انتماءاتهم.

    كان السلطان هو رأس الجهاز العسكري والاداري المملوكي، وشكلت وظائف الامراء بيوت خدمة له، على رغم ان الابعاد الاساسية لوظائفهم كانت مهاما حكومية بحتة. وليس ادل على ذلك من الاسماء او الالقاب التي اطلقت على بيوت الخدمة السلطانية مثل: امير مجلس، دوادار كبير، استاذ دار، امير آخور…[102]. هذا اضافة الى وظائفهم في النيابات الموزعة على ارجاء الدولة خصوصا في بلاد الشام حيث كانوا يقومون مقام السلطان فيها ويلقب واحدهم بنائب السلطان. وكانت للامراء بدورهم، ولا سيما امراء المائة، بيوت خدمة على غرار السلطان ولكنها كانت ادنى منزلة من حيث المهام الحكومية، وضاهت احيانا نظيراتها السلطانية من حيث الفعالية والغنى.[103]وتمتع امراء الطبلخاناه او الاربعين ايضا ببيوت خدمة ادنى رتبة من مثيلاتها عند امراء المائة وتقدمة ألف، وهكذا نزولا حتى ادنى رتب الامراء[104].

    اما الاجناد فكانوا عدة فئات: المماليك السلطانية وكانوا بدورهم موزّعين الى عدة اقسام: الكتابية او المشتروات، القرانصة وهم مماليك السلطان السابق وصاروا في خدمة السلطان القائم ريثما يتم تربية مماليكه الاجلاب، السيفية وهم مماليك الامراء المتوفين او المعزولين. ثم اجناد الحلقة وهم عدة فئات: مماليك سلطانية عزلوا من الطباق( الثكنة العسكرية)، وسيفية، واولاد الناس اي اولاد السلاطين والامراء. والفئة الاخيرة هي مماليك الامراء[105].

       لم يقل الشأن الوظائفي المملوكي في النيابات عمّا كان عليه في القاهرة؛ فقد عاش في دمشق مثلا عدد كبير من ارباب السيوف كان نائب السلطان اعلاهم رتبة، يعينه السلطان بمرسوم شريف ويعبر عنه لاهميته بكافل السلطان ويخصص بألقاب ونعوت لم يسمح بها لغيره[106]. وكانت تزين كل احياء المدينة وحاراتها عند دخوله اليها، ومن عادته التطواف حول قلعتها سبع مرات، والصلاة ركعتين عند باب السر، ومن ثم يتوجه الى مقره في دار السعادة[107]. وللدور الديني اهمية اساسية في تولية النائب كون الدولة اسلامية، خصوصا ان  السلطان يستمد شرعية حكمه من الخليفة وقضاة القضاة والعلماء والفقهاء، لذلك كان النائب يخلع الخلع على قضاة القضاة الاربعة في دار العدل[108] تعبيرا عن اقراره بدورهم في الحياتين الدينية والاجتماعية وان نظريا.

    تمتع نائب دمشق بصلاحيات واسعة جدا ان من حيث التوظيف او العزل، او منح الاقطاعات[109] . كما توجب عليه اداء مهام ادارية وامنية وسياسية واجتماعية ودينية[110]. وتمتع بمنازل خدمة كريمة على غرار منازل الخدمة الشريفة السلطانية: فكان له دواداره، وخازنداره، وامير مجلسه، وامير آخوره، وشاد الشرابخاناه، ومهاتر بيوته…[111]

    وعاش في دمشق الى جانبه ثمانية امراء مائة ومقدمو ألوف، وواحد وعشرون امير اربعين او طبلخاناه، واثنان وعشرون امير عشرين، وواحد وخمسون امير عشرات، وثلاثة وعشرون امير خمسة[112]، عدا عن مقدمي الحلقة واجنادها وهم عدد كبير، اضافة الى عدد آخر من الموظفين لا يسعنا ذكرهم جميعهم بحيث يغدو الموضوع دراسة في الادارة المملوكية ،[113] ونائب القلعة الذي لم يكن لنائب دمشق سلطة عليه[114]، واتابك العسكر ( قائد الجيش ) وبالتالي نشأ نظام عسكري بيروقراطي لتلبية متطلبات السلطان من جهة، ولتلبية حاجات النائب الذي كان الى حد بعيد مستقلا في نيابته.

        اذا علمنا ان الجيش المملوكي النظامي اقتصر على الارقاء المشتروات، ناهيك بان كل امير حُق له بشراء عدد من المماليك لخدمته الخاصة تتناسب مع رتبته لأدركنا العدد الهائل للمماليك الاغراب في الحاضرة او في مراكز النيابات ما جعلهم يشكلون بالتأكيد طبقة قائمة بذاتها ولكنها ذات مستويات مختلفة تبعا للرتبة والدخل. وقد تمايزت اجتماعيا بشكل لافت عن ابناء البلاد، وتدرجت نسبتها الاجتماعية والاقتصادية تبعا للمناصب من اعلى الى اسفل بدءا بالسطان فأمراء المائة في الحاضرة، ثم النواب في النيابات وعلى رأسهم نائب دمشق، فامراء المائة فيها وفي غيرها من النيابات التي اقام فيها مقدمو ألوف، نزولا هرميا حتى الاجناد. ويمكن اعتبار هذا التفرع اسرويا الى حد، بحيث شكل كل سلطان وامير نوعا من اسرة قائمة بذاتها بانتماء مماليكه اليه وحده بثلاث روابط على الاقل: الرق، والعتق، والوظيفة التي شغلوها لخدمته، وتبعهم بهذا الانتماء اسرهم، كما تبعهم ولاءً العاملين بخدمتهم في الاقطاعات المتنوعة. وعلى الرغم من انتماء افراد الطبقة العسكرية الحاكمة الى رجال السيف، فانهم لم يكونو متجانسين من حيث وظائفهم وانتماآتهم، فبعضهم ارتبط بالسلطان مباشرة والبعض الاخر بالنائب في النيابة، ما ادى الى تمايز وظيفي في القاهرة وفي النيابات، حتى ان بعض الموظفين في النيابات استغل ارتباطه بالسلطان وتجاوز كل الحدود[115].

    ان كل ذلك جعل الفئة العسكرية الحاكمة أكان في القاهرة او النيابات وحدات شبه مستقلة، ومرتبطة في آن بغيرها من حيث الوظيفة ونمط الحياة العام مع الاخذ بالاعتبار التمايز الاداري والوظيفي الذي سبق الكلام عليه.

   على الرغم من المميزات العسكرية والادارية والمالية[116] التي حازها المماليك على اختلاف رتبهم وفئاتهم ومستوياتهم فانهم لم يكتفوا بها بل تصارعوا فيما بينهم بشكل شبه دائم للحصول على المزيد منها وعلى مراتب اعلى، حتى باتت المدن المملوكية مسرحا لصراعات دامية غير منتهية كان لها تأثير كبير على تدهور الحياتين الاقتصادية والاجتماعية.   

    وقد تمتع السلاطين والامراء المماليك الكبار بثراء فاحش بلغ مستويات اسطورية تذكرنا باخبار ألف ليلة وليلة، واليك بعض النماذج: عندما توفي الامير سلار ترك كنوزا مذهلة ذكر ابن اياس بعضا منها: خمسة وعشرين رطلا احجار كريمة من زمرد وياقوت، وثلاث مائة قطعة ألماس، ومائة وخمسين حبة لؤلؤ كبيرة زنة الواحدة منها مثقالا، ومائتي ألف دينار ذهب عين، واربع مائة ألف دينار من الفضة، واربعة قناطير من المصاغ الذهبي، عدا عن الخيل و غيرها من الماشية؛ ويزعم ابن اياس ان دخله بلغ من اقطاعاته وحماياته مئة ألف دينار[117]. وبلغت قيمة اموال نائب الشام التي صادرها السلطان الناصر محمد بن قلاوون ( 1309 _  1340م.) حوالى المليون ونصف المليون من الدنانير الذهبية[118]. ووزع الامير قوصون، الذي عين نائبا على الشام ، النفقة على الامراء على غرار السلاطين، منها ثمانين جارية، واثني عشر ألف اردب غلة، وكثيرا من الذهب و الجواهر، ولكثرة عطاءاته توجس السلطان منه خيفة فاوقع به، وصادر له العامة اربع مائة ألف دينار ذهب عين، وعددا كبيرا من الكلفتاه المزركش والاواني الفضية والذهبية، فضلا عن ثلاثة اكياس اطلس كبيرة مليئة بالجواهر قدرت بمائة ألف دينار[119].وقد احصي ما تركه ” تنكز ” نائب الشام فبلغ مليونين وسبع مئة ألف دينار، وسبع مائة وثلاثين ألف درهم فضي فضلا عن المجوهرات[120].

     قد تكون في هذه الارقام مبالغة، علما انها استُقيت من مؤرخيْن مملوكيين يتحدران من الطبقة العسكرية الحاكمة هما ابن تغري بردي وابن اياس، ولكنها تدل على مدى الثراء الفاحش الذي اصابته الطبقة العسكرية المملوكية الحاكمة، التي لم يكن لها  مبرر لظلم الفئات الشعبية، لا سيما انها اصابت بعض ثرائها من اعمال الظلم التي مارسته على الرعية.

   انصب اهتمام المماليك على تنظيم الجيش _ بمعناه الواسع اي السلطان والامراء ايضا-وتدريبه وتأمين رفاهيته، وبالتلي الحصول على الضرائب لتحقيق هذه الغاية. وبما ان اهتمام الحكومة المركزية تركّز على الانجازات في القاهرة التي ساهمت الرعية بالعديد منها من طريق دفعها ضرائب استحدثت خصيصا لتنفيذ المشاريع، وبما انها ايضا ما كانت مسؤولة عن الخدمات المدنية التي اضحت عرفا على عاتق نوّاب السلطان في مراكز النيابات بشكل رئيسي، وبدرجة اقل على عاتق الامراء الكبار المتواجدين فيها. وبما ان هذا الامر لم يكن ملزما قانونيا، فان هذه الخدمات ارتبطت بهمتهم وبقدر حاجتهم للتقرب من الشعب، وبقدر الضعط الذي مارسه عليهم الشعب من خلال رجال الدين، او باعمال الضغط المشروعة _ ان جاز التعبير _ كالتكبير في المساجد، او التظاهر مكبيرين ايضا في الشوارع الرئيسية[121]. وهكذا انفصل اجتماعيا رجال السيف عن ابناء البلاد بنظمهم وعاداتهم واخلاقهم وممارساتهم التي جاءت غالبا مجحفة بحق الرعية، وشكلوا فئة اجتماعية سياسية عسكرية مغلقة عن الدمشقيين، ولكن آليتها الداخلية كانت متحركة باتجاهين صعودا نحو القمّة، او انحدارا وصولا الى مستوى البطالة والعزل. وفي الحالين معا خضعت تلك الفئة لظاهرة اجتماعية واحدة لها خاصاتها وميزاتها في انها فئة ممتازة ومتميزة عن ابناء البلاد الاصليين، بل عن السكان كل السكان. وجاء تحول تلك الظاهرة بطيئا جدا بما اجازه القانون تدريجا لافرادها بالاختلاط بالدمشقيين ضمن حدود ضيقة، دفعت ببعض السكان ان يحذوا حذوها وان جاء ذلك مخالفا للقانون، كما سنلاحظ بالحديث عن الزعر، كما تأثر السكان ايضا ببعض العادات المملوكية.

3 – اعيان المدنيين:

أ – رجال الدين المسلمون: كان الاعيان أكثر من فئة؛ رجال الدين، كبار التجار، وكبار الحرفيين او الصناعيين ان جاز التعبير. شكل رجال الدين المسلمون، بوجه عام ، صمام امان في المجتمع الاسلامي لانهم احتلوا المنزلة المدنية الارفع فيه – علما انهم شكلوا احيانا ركائز فساد فيه-، وظل الناس ينظرون اليهم باكبار حتى في فترات الانحطاط، لممارستهم، من حيث المبدأ، شؤونا مدنية اجتماعية مثلت دور الرقابة على اعمال الجهاز العسكري الحاكم. حتى ان رجال الدين الذين تسرّب اليهم الفساد، وجروا وراء مصالحهم الذاتية، بخضوعهم لرغبات الطبقة العسكرية وتنفيذ مآربها على حساب الشعب، وحتى ايضا الذين تندّر بهم الناس، ظلوا  جميعهم يحتلون منزلة مهمة، ليس على الصعيد الشخصي، انما على مستوى الوظيفة الجليلة التي شغلوها بما كان لها من منزلة رفيعة وتقدير عند مختلف فئات  المجتمع.

     اما ابرز الوظائف الدينية  في القاهرة او في النيابات فقد حددها القلقشندي ولعل ابرزها: قضاة القضاة وكان عددهم اجمالا اربعة، وقاضيي عسكر شافعي وحنفي، ومفتيي دار العدل شافعي وحنفي ايضا، والمحتسب، ووكيل بيت المال[122]. اهتم المماليك في بداية عهدهم بالنظام القضائي فاستحدث السلطان بيبرس البندقداري منصب قاضي قضاة لكل من المذهب السنية الاربعة[123] كان اهمهم الشافعي.[124] ويعتبر قاضي القضاة رئيس الادارة القضائية من حيث المبدأ، إليه يرجع تعيين القضاة وعزلهم، وتعيين نواب له، والفصل بين الخصوم، وتنفيذ الاوامر الشرعية[125]. والقضاء المملوكي استمر سليما معافى ما دام السلاطين كانوا يقظين ويهتمون بامور الرعية، فكانوا عادة يعزلون من تسؤ سيرته من القضاة[126]. وكان من المفترض ان يختار اهل كل مذهب قاضي قضاتهم بعد موافقة السلطان، ولكن ذلك سقط بعد ان عمّ الفساد الادارة المملوكية عموما، خصوصا ان العلوم الدينية لبعض السلاطين كانت متواضعة[127]، وخفّت اهتماماتهم بامور الرعية، وحرصوا على الحصول على المال بشتى السبل وصارت المناصب تشرى بالرشوة[128]. وتمكن بعض القضاة من جمع اموال طائلة بطرق مشبوهة، من دون ان يخجلوا، بل ان بعضهم راح يتباهى بسطوته ونفوذه غير آبه بتهكم الناس، وغير مكترث بأحكام الشريعة، فاحتقره زملاؤه والناس كلهم[129]. خصوصا ان بعض هؤلاء كان جاهلا اصول القضاء واحكام الشريعة، والعلوم الدينية الاخرى التي هي في اساس التربية في الاسلام ومنارة السلوك الاجتماعي[130]. ولم تكن حال حميع القضاة على هذا النحو اذ أُثر عن بعضهم الصلاح واعمال الخير والاجتهاد بتلاوة كتاب الله والاكثار من الصلاة والتفقه بالاحاديث النبوية[131].

ب – رجال الدين المسيحيين:

     كما مارس احيانا قضاة القضاة والقضاة ضغوطا على الطبقة العسكرية الحاكمة بدمشق لاطلاق من اعتقل ظلما وعدوانا، اوللشفاعة بمن اعتقل اثناء الصراع بين الاجناد المماليك والسكان، وما شابه هذه الحالات[132]   

الوظائف الدينية الاخرى: تنوعت مهام رجال الدين وشملت مختلف الحقول الاجتماعية لإرتباطها بالشرع الاسلامي، ولأن وظيفة رجال الدين تتصدر الحياة الاجتماعية. ونذكر منهم مفتيي دار العدل وكان من مهامهم حسن تطبيق الشريعة الاسلامية، وبلغ عددهم، بوجه عام، اثنين: شافعي وحنفي، ويتم تعيينهما من قبل السلطان[133]. ووكلاء بيوت المال، وهم مؤتمنون على اموال  الدولة[134]. والمحتسب الذي يراقب الاسعار و المكاييل و الموازين والاخلاق العامة[135] ودوره اجتماعي بامتياز لأن من مهامه الاشراف على المرافق العامة، والاقتصاص من المخالفين للأنظمة العامة والاخلاق، وباختصار فان دوره يتمحور على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن الحسبة صارت منذ العهد الجركسي عموما تشرى بمال، وفسد اصحابها، وحادوا عن السراط المستقيم، ما جعل المقريزي الذي سأه اسناد الحسبة الى احد باعة السكر ان يقرّظ السلطة قائلاً:” فكان هذا من اشنع القبائح، وواقبح الشناعات.”[136]

 ومارس رجال الدين دورا اجتماعيا مهما جدا وهو التدريس بالمدارس، وادارة اوقافها، واوقاف المؤسسات الدينية المتنوعة كالمساجد والجوامع والخوانق والربط وما الى ذلك، وبالتالي ارتبط بهم السكان بشكل اساسي بحياتهم اليومية والعادية، لأن الثقافة الدينية كانت محورا اساسيا في حياة الناس، ولم يكن من الضروري ان يتقن الفرد القراءة والكتابة لكي يحظى بثقافة دينية، بل عن طريق السماع والوعظ والاراشاد.

   لهذا لعبت المدرسة دورا اساسيا في التآلف الاجتماعي لاستنادها الى مذهب شرعي محدد، ولوجودها في مكان محدد من المحلات او الاحياء، وبما انها كانت تقوم اساسا على التوعية الدينية وتعليم اصول الدين من فقه واحاديث، وخصوصا تلقين القرآن، لان الدين الى جانب كونه عقيدة غالبية السكان فانه كان ايضا نظام حياة، وبالتالي اصبحت المدرسة النقطة المركزية في التوحيد الشامل لابناء المذهب المنتسبة اليه. ولم تكن غايتها التعليمية تخريج رجال دين على مختلف المستويات فقط، بل ايضا تثقيف المجتمع، فكان ينتسب اليها ابناء الفئات المتوسطة والغنية تقربا من الله وللتفقه باصول الدين، وللاكتفاء الذاتي على هذا الصعيد. حتى اذا تخرج الواحد منهم واشتغل بمهنة حرة ادرك اصول المعاملات الشرعية [137]

على رغم الدور الديني- الاجتماعي الذي مارسه المتعممون الدمشقيون فقد شكلوا فئة اجتماعية خاصة، فاذا اخذنا فقط بالاعتبار قضاة القضاة ومساعديهم من القضاة، وارباب الوظائف الديوانية، والمدرسين ندرك تماما العدد الكبير لهؤلاء الذين شكلوا فئة متميزة وان على درجات تبعا لوظائفهم. فقد كانوا جميعهم من المتفقهين بعلوم الدين على مختلف انواعها وان بمستويات متفاوتة، وجاءت ثيابهم متشابهة مع بعض الاختلاف[138]، وفرضوا احترامهم على الدمشقيين والحكام على حد سواء، ونالوا رواتب نقدية او اقطاعات، وبالتالي كانت احوالهم الاقتصادية جيدة الى مريحة تبعا للوظائف التي كانوا يشغلونها. كما كانت لهم منزلة وكلمة مسموعة عند الفئة العسكرية الحاكمة.    

رجال الدين المسيحيين: اعترفت السلطات الاسلامية بالهرمية الكنسية عند المسيحيين، ويذكر كل من القلقشندي والخالدي ان البطريرك رأس الكنيسة والقائم بامور الدين، ويليه الاسقف وهو نائب البطريرك، فالمطران الذي يتولى القضاء بين رجال الدين ممن هم دونه، فالقسيس، ثم صاحب الصلاة المعروف بالجاثليق وهو القيم على الكنيسة ويأتي في المرتبة الاخيرة الراهب المتعبد في خلوته.[139]

بعد انتقال بطريركية اليعاقبة من انطاكيا الى دمشق غدت ابرشية دمشق تابعة للبطريرك القائم عليها وصار، منذ ذلك التاريخ، يتم انتخابه من قبل مطارنة الابرشيات الاخرى[140]. وللانتخاب دلالات مهمة على الاستقلال الداخلي للجسم الكنسي خلافا لاوضاع السلطات الروحية الاسلامية التي كان السلطان ينفرد بتعيين كبار رجالها. اما بطريرك اليعاقبة فكان نائب البطريرك في مصر.[141]

 قاد رجال الدين المسيحيون ابناء طوائفهم ومثلوهم امام السلطان ونوابه لأنهم كانوا المسؤولين عنهم، وليست لدينا معلومات وافية عن احوالهم سوى الناحية الادارية التي ذكرها القلقشندي، وشأنها معروف حتى اليوم.[142] ومن المرجح، ان المسيحيين كانوا يعيشون في احيائهم الخاصة، ويتمتعون بنظمهم الخاصة ايضا، ما جعلهم فئة اجتماعية ميميزة ببعض وجوهها من الفئات الاجتماعية الاسلامية، علما ان الصفة العامة للمجتمع الاسلامي بما هي ظاهرة اجتماعية عامة شملتهم بدورهم، لانهم تشاركوا مع بقية السكان الاعمال عينها، واحتفلوا معهم بكل الاحتفالات والاعياد ، كما شاركهم المسلمون احتفالاتهم.

رجال الدين اليهود: كان رئيس اليهود المسؤول، بوجه عام عن طائفتي اليهود القرائيين و الربانيين معا[143]، وكان وضعهم الاجتماعي مشابها الى حد بعيد لوضع المسيحيين.

ج – اعيان التجار والصناعيين: لتحديد التفريع الاجتماعي ضمن فئة الاعيان لا بد من اعتماد المبدأ المنظم المبني في هذه الحالة على المستويين الاقتصادي والمنزلة الوظيفية. ان خلوّ مصادرنا العربية من الارقام تدفع بالباحث لاعتماد الصفة فقط بالنسبة للحالة الاقتصادية التي تعتمدها هذه المصادر كأن تقول فلانا من مياسير التجار او من كبار التجار، كتجار الخانات والقيساريات، وارباب القوافل وتجار الجملة والسماسرة او الوسطاء التجاريين

    لقد ضاهى هؤلاء كبار الامراء من حيث الاهمية وشاركوا بحضور الاحتفالات الرسمية، ونالوا احتراما مميزا من السلطات ومن الشعب على حد سواء[144]،لان التجارة تحتل مركزا مرموقا في الاسلام[145]. ويندرج ضمن هذه الفئة اصحاب الصناعات المهمة وهم غير الحرفيين الصغار. ويصعب علينا اعطاء فكرة واضحة عن هؤلاء حتى وان اعتمدنا على دراسة المصادرات التي كانت تقوم بها السلطات الحاكمة بدمشق لسد عجز موازناتها او لزيادة مداخيلها، لأن المصادر الدمشقية تحجم، غالبا، عن مدنا بالارقام عن غنى بعض التجار وغيرهم من الميسورين سوى بعض الحالات النادرة[146]. وهناك صعوبة اخرى تتمثل بتحديد نسبتهم الى مجموع تجار مصر وبلاد الشام من جهة، والى مجموع السكان من جهة ثانية.

4 العامة: ان تعبير العامة او اصطلاحه قديم جدا في المجتمع الاسلامي، تناوله الادباء والفقهاء والمؤرخون للدور البالغ الاهمية الذي مارسته العامة في المجتمع على الصعيدين الاجتماعي والسياسي؛ فهم عند الدينوري :”اصحاب الاهانات، وابناء الانذال…ومنهم الرعاع والهمج والغوغاء، واهل السفه.”[147] وهم عند الطبري: النطاف وباعة الطريق في محتقرات البيوع، وبائعو البطيخ والزجاج، والقصابون، والبقالون، والكناسون[148]. والعامة عند “الصفدي”خلاف الخاصة”[149].

  وعلى هذا ، يمكن تعريف العامة في العهد المملوكي بأنها الفئات الشعبية التي لم تتلق تعليما، ولا حققت ثروة، ولم تشغل منصبا حكوميا، بل هي جماعات دفعت الضرائب من دون ان تفيد منها اجمالا، وسميت العامة او عامة الناس لاضفاء عليها صبغة من الاحترام وتمييزا لها من الزعر والارذال.

   وتألف العامة في العهد المملوكي من: اصحاب الحوانيت، والباعة المتجولين، وباعة المفرق، والعمال كالنجارين والبنائين، والحرفيين[150]، وضمت ايضا اصحاب الصفقات التجارية المشبوهة،

والمخادعين، والسماسرة، والصيارفة.[151]واضاف اليهم المقريزي تجار النخاسة، وبائعي الخمور، والمغنين والنادبين، والقصابين، واصحاب بيوت الدعارة، وضامني الافراح والمآتم، والمشاعلية اي منظفي الاقنية والبيوت[152]. كما يضاف الى هؤلاء عمال الدباغة، وضاربي الرمل لكشف الغيب، وسائقي البغال والحمير وغيرهم[153]. وشمل هذا التصنيف مختلف الطوائف: الاسلامية من سنة وشيعة، والمسيحية من نساطرة ويعاقبة، ويهود قرائيين وربانيين وسامرة.

     لقد تجانس جميع العامة من حيث طبيعة العمل، فمثلا: لم يكن ممنوعا على الذميين ممارسة اي مهنة يمارسها المسلمون. وتحجم مصادرنا عن مدنا بمعلومات لدراسة وضع العامة الاجتماعي بشكل صحيح. ويمكن القول: انهم شكلوا معظم السكان، وكانت لهم عاداتهم وتقاليدهم المشتركة مع امتياز كل فئة منهم بلغة خاصة، واسلوب عمل تبعا لطبيعة المهنة التي يمارس.

5 – الزعر: ان نشوء المعدمين في مختلف المجتمعات الانسانية نتج من الصراع على الثروة او على السلطة، او على الاثنين معا لتلازمهما في غائية جنوح الانسان الى العظمة. وفي خضم يأس المعدمين انبرت جماعات تدعي الدفاع عن مصالحهم، ونصبت نفسها قادة عليهم باسم الانسانية. وتكونت هذه القيادات، في الغالب، من افرازات اوضاعهم البائسة المنبثقة من رفض الواقع المظلم والمرير، ومن جنوحها بدورها للاستغلال، ولشراسة في اخلاقها وطبائعها. فتكونت اذ ذاك احزاب عفوية اخذت على عاتقها تغيير الواقع المشكو منه، وفق اساليبها الخاصة، واقنعت المعدمين بأن ما تصبو وتسعى اليه، وفق وسائلها الخاصة، يمثل انجع السبل لتطوير احوالهم البائسة، وبالتالي نشأت منظمات الزعر لتقف بوجه ممارسات المماليك الظالمة. وأنشأوا حارات خاصة بهم في عدد من الأحياء المملوكية وهي عبارة عن احزمة بؤس في طفرات المدن الحالية[154]، ساهمت بزيادة التدهور الاجتماعي والاقتصادي الدمشقي، لأن الزعر ومن شابههم عزفوا، بوجه العموم، عن القيام بأعمال شريفة.

لقد كون الزعر خلايا خاصة بهم تمركزت كل خلية في حارة من الحارات يتزعمها قائد عرف بكبير زعر محلته، وتزيّوا بلباس خاص تمييزا لهم من بقية الناس، وهو كناية عن “فرعاني” يلفونه على رؤوسهم، وثياب يقلبونها على أكتافهم. وارتدوا ايضا الأبشات بأكمامها الطويلة والعريضة لتخفي ما يحملونه من سلاح[155].

   اعتاش الزعر من موارد متعددة: فقد امتلك بعضهم الحوانيت، وفي هذه الحال فرضوا سطوتهم على الحوانيت المجاورة واحيانا على معظم حوانيت السوق او المحلة، بأن اقاموا في بعضها من يبيع لحسابهم باسعار مرتفع نسبيا فينصرف المشترون الى محلات الزعر فازدهرت محلاتهم. او انهم فرضوا الاتاوة “الخوة” على بعض الحوانيت، وذا رفض اصحابها الانصياع تعرضت حوانيتهم اما للسرقة او لاعتداءات اخرى. وكان تواجد حوانيتهم في محلة ما يشكل كارثة على اصحاب الحوانيت الاخرى، ليس بسبب ما ذكرت فقط، بل لان المحلة اذا تعرضت للرمي او الطرح فرضوا، بقوة السلاح او السطوة، المال المتوجب لتلك الضرائب على الحوانيت الاخرى، وبالتالي ينجون هم من دفع الضرائب[156]. واذا ارادوا الاحتفال- وكانت احتفالاتهم باذخة – بسبب اقامة الهدنة العسكرية بين منظماتهم حمعوا الاموال من “المستورين او المحتاجين على وجه الحياء والقهر”على حد تعبير ابن طولون[157].

   من المفارقات الغريبة، هوتشجيع السلطة الحاكمة للزعر على التمادي بغيهم، لاسيما عندما كانت تحتاج الى خدماتهم: فأحيانا كان نائب دمشق وبعض كبار الموظفين العسكريين يحضرون العرض العسكري الذي يقيمه الزعر، ومن ثم يخلع الخلع على اكابرهم[158]. وهذا يعني اعترافا ضمنيا بسلطتهم. والمؤسف ان نائب المدينة ساهم بطريقة فعالة بالاعتراف بالزعر وبتنظيمهم عسكريا وتدريبهم والاستعانة بهم[159].

  ومن المؤسف مساهمة بعض الفقهاء بطريقة غير مباشرة بازدياد اعمال الزعر الشائنة حينما اجازوا لهم قتل اعوان الظلم والمجرمين من البلاصين واللصوص وغيرهم من دون ان يدروا او انهم كانوا يدركون انهم حاولوا استئصال الجريمة بجريمة اخرى قد تكون ابشع، لان الزعر استندوا لتبرير جرائمهم على فتوى دينية وعلى مساندة بعض رجال الدين اذا اراد نائب المدينة او غيره من المسؤولين الاقتصاص منهم[160]. والافدح من ذلك كله انهم صاروا يخرجون باسلحتهم، ويسطون على اموال  الناس ومن امتنع عليهم قتلوه باسم الدفاع عن مساوىء المجتمع[161]  ولم يقف الامر عند هذا الحد بل صار الناس يدفعون لهم الاموال  لقاء القضاء على اعدائهم .واذا تجرأ احد وشكا امرهم للسلطات دفع حياته ثمنا بحيث انتشرت كمائنهم وكثرت الاغتيالات[162].

ان انحياز السلطة المملوكية الى نفسها على مختلف المستويات باستثناء التعليم والثقافة ساهم الى حد بعيد بنشوء تركيب اجتماعي محدد المعالم. احتل السلطان وامراء المائة واحيانا المظيين من امراء الاربعين مركزا رفيعا ومميزا في المجتمع المملوكي.

احدث خضوع معظم رجال الدين المسلمين الى قرارات ورغبات السلطان ونوابه كما الى النافذين من امراء المائة شرخا اجتماعيا كان من العسير ردمه في مجتمع اسلامي، كان من المفترض بكبار رجال الدين كالخليفة، الذي بات ألعوبة بيد السلطان، وقضاة القضاة …، ان يكونوا حماته وصمام امانه. ولكن معظمهم آثر نفسه وحب الارتقاء في المناصب على واجباته الاساسية. فراحت فئات الشعب بخاصة العامة والمعدمين ضحية انانية من كان يفترض بهم حمايتهم.

خضع  كبار التجار واصحاب الصناعات الى رغبات السلطة الحاكمة، وكان حروج عليها يهدد مصالحهم، ويذهبون ضحية المصادرات والطرح وغير ذلك من المساوئ الضريبية.


[1] – ابن كثير (ابو الفداء الحافظ)، البداية والنهاية، مطبعة السعادة، مصر، لا تاريخ، 14 جزءا، ج13، ص321

[2] – ضومط (انطوان)، الدولة المملوكية، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1980، ص203

[3] – سيرد تفصيل كل ذلك بدراسة الطبقة العسكرية الحاكمة.

[4]  – غاوبه (هانس)، “المدينة المشرقية-الاسلامية وسكانها” ضمن كتاب الاثار السورية، مجموعة ابحاث اثرية تارخية، باشراف الدكتور عفيف البهنسي، ترجمة، نايف بللوز، فينا، 1985، (305-310)، ص305

[5] – غاوبه ،المدينة الشرقية – الاسلامية ، ص 305-307

[6] – ابن طولون ( شمس الدين محمد)، اعلام الورى بمن ولي نائبا من الاتراك بدمشق الشام الكبرى، تحقيق محمد احمد دهمان، دار الفكر، دمشق، 1984، ص 82، 186

[7] – الصفدي (خليل بن ايبك)، تحفة ذوي الالباب فيمن حكم من دمشق من الخلفاء والملوك والنواب، وزارة الثقافة، دمشق، 1991، ق2، ص182

 القلقشندي ( احمد بن علي)، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1913، ج9، ص 253

المقريزي (تقي الدين احمد)، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد مصطفى زيادة، دار الكتب، القاهرة، 1934-1936، ج4، القسم 1، ص425، 442 

[8] – المقريزي، سلوك، ج2،ق1،ص40

  [9]  – لن ندخل في نقاش هذا الامر في هذا البحث، لمزيد من المعلومات انظر: القطار(الياس) نيابة طرابلس في عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1998، ص543

[10]  – كان لها وفق دراسة الدكتور عمر تدمري 12 باباً نقلاً عن  القطار (الياس)، نيابة طرابلس في عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1998، ص543

[11] – ابن كنان (محمد بن عيسى الصالحي الدمشقي)، المواكب الاسلامية في الممالك والمحاسن الشامية، تحقيق حكمت اسماعيل، وزارة الثقافة، دمشق، 1992، ص208-210 ، وايضاً : البدري ( عبد الله بن محمد)، نزهة الانام في محاسن الشام، المطبعة السلفية القاهرة، 1341ه، ص26، وايضا : العلبي(اكرم)، دمشق بين عصري المماليك والعثمانيين، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق، 1986، ص50

[12] – ضومط (انطوان)، ” دمشق الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية” ضمن كتاب المؤتمر الدولي السادس لتاريخ بلاد الشام، 10-12- 2001، ص384-434، ص387

[13] – المقريزي (تقي الدين احمد)، المواعظ الاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار صادر، بيروت لا تاريخ، ج1، ص380

[14] –  انظر فصل التجارة

[15]  – هذه الابواب هي بالتسلسل من الجنوب الى الشرق فالشمال فالغرب :الباب الصغير ، باب كيسان ، الشرقي ، توما ، السلامة ، الفراديس ، الفرج ، الحديد ، الجناز ، والجابية ، ابن طولون ( محمد بن علي )، الشمعة المضية في اخبار القلعة الدمشقية ، مطبعة الترقي ، دمشق ، ص 17 .

ابن بطوطة ( محمد بن ابراهيم ) ، رحلة ابن بطوطة ،دار صادر ، بيروت ، 1960 ، ص 97

البدري ( ابو البقاء عبد الله )، نزهة الانام في محاسن الشام ، القاهرة ، 1341 ه.، ص 25-28 .

 العلبي ( اكرم حسن )، دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين ، الشركة المتحدة للتوزيع ، دمشق ،ص 49-50 .

[16] – المقريزي، خطط، ج1، ص 373

[17] – المصدر نفسه، ج1، ص361

[18] – نفسه، ج1، ص362

[19] – خطط، ج1، ص380-382

[20] – ابن كنان، المواكب، ج1، ص211-212

[21] – القطار، نيابة طرابلس، ص546

[22]  – المقريزي، خطط، ج1، ص373

[23]  – القطار، نيابة، ص 546

– نصار ( اندريه طانيوس ) ، العامة بدمشق المملوكية ، رسالة دبلوم دراسات عليا غير منشورة ،الجامعة اللبنانية ،كلية الاداب ،الفرع الثاني – الفنار- ،ص 22 .

[24] – مفردها محلة وهي حي ينفتح على ازقة ضيقة تعرف بالحارات

[25] – لابيدوس ( ايرا مارفين )، مدن الشام في عصر المماليك ، نقله الى العربية سهيل زكار ، دار حسان ، دمثق ، 1985 ، ص 81 .

[26] – لابيدوس ، المرجع السابق ، ص 142

[27]  – المقريزي، خطط، ج1، ص 373-377

[28] – خطط، ج1، ص373

[29] – غاوبة، المدينة، ص 307

[30] – المقريزي، خطط، ج1، ص373-376

[31] – خطط، ج1، ص374

[32] – خطط، ج1، ص374

[33] – القطار، نيابة طرابلس، ص 546

[34] – ضومط، دمشق-الشام، ص390

[35] – ابن المبرّد، (يوسف بن عبد الهادي)، نزهة الآفاق عن حالة الاسواق، نشره حبيب الزيات،مجلة المشرق، بيروت، 1939، ص18 وما بعد

[36]  – القطار، نيابة، ص 546

[37] – خطط، ج2، ص95-106

[38] – خطط،  ج1، ص 373- 377 ج2، ص106-107

[39] – المقريزي، خطط، ج2، ص 2

[40] – المقريزي، خطط، ج2 ، ص2

[41] – ابن طولون، (شمس الدين محمد)، القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، تحقيق محمد احمد دهمان، مكتب الدراسات الاسلامية، دمشق، 1956، ج1 ، ص 10 وغيرها

ابن كنان (محمد بن عيسى)، حدائق الياسمين في ذكر قوانين الخلفاء والسلاطين، تحقيق عباس صبّاغ، دار النفائس، بيروت، 1991، 147، 149…

[42] – لابيدوس،(ايرا مارفين)، مدن الشام في العصر المملوكي، تعريب سهيل زكّار، دار حسّان، دمشق، 1985، ص142

[43] -Abdel –Nour, introduction, p159    وتجدر الاشارة الى ان انطوان عبد النور تحدث عن المدينة العثمانية منذ القرن 16 ما يعني عن المدينة المملوكية

[44]  – انظر على سبيل المثال:

Abdel-Nour , A, Introduction à l’histoire urbaine de la Syrie ottomane, publication de l’Universite Libanaise, Beyrouth. 1982

Lapidus, I,” Muslim cities and islamic societies “ in Middle Eastern cities, Harvard, 1967

[45] – لابيدوس، ص142

[46] – لابيدوس، مدن، ص142-143

[47] –  القطار،نيابة طرابلس، ص548

[48] –  النعيمي ( محمد بن عبد القادر)، الدارس في تاريخ المدارس، دار الكتب العلمية بيروت، 1990، ج2، ص244، ومفاكهة، ج1، ص124

[49] – لابيدوس، ص 143

[50]  – المقريزي، خطط، 2/16 والامثلة على ذلك كثيرة.

[51] – خطط، ج1، ص373

[52]  – المواكب الاسلامية، ج1، ص2510-252

[53] – المواكب، 1،252

[54] – المصدر عينه، 1، 292-293، ونحن تمكنا من معرفة تطور مدينة دمشق من طريق ما ذكره مؤرخيها في مطلع العهد العثماني.

[55] – انظر ما كتبه المقريزي عن اللوق :” اما الجانب الغربي… المعروف اليوم …فانه مستحدث عمّر بعد سنة سبعمائة فانزلهم _ جماعة من التتر-  في دور كان قد امر بعمارتها من اجلهم بارض اللوق…فتزايدت العمائر في اللوق وما حوله وصار هناك عدة احكار عامرة آهلة الى ان خربت شيئا بعد شيئ ” خطط، ج1 ، ص 117-118 وانظر ايضا بمواضيع مشابهة :ج2، ص68،70،71

[56] – خطط، ج1، ص 374

[57] – خطط، ج1، ص375

[58] – كيّال (منير)، الحمامات الدمشقية، وزارة الارشاد القومي، دمشق، 1966، ص212

[59] – غاوبه، المدينة، ص307

[60] – الكيال، حمامات، ص 212 ، وغاوبه، المدينة، ص307

[61] – الكيال، حمامات، 212

[62] – غاوره، المدينة، ص 307

[63] – نصّار، العامة، ص22

[64]  – القطار، نيابة، ص557

[65] – الرمي هو ان ترمى على حارة ما مبالغ من المال لصالح السلطان او نائبه في النيابة، او لإقتراف احد ابناء المحلة جريمة، او اتهامها بالجريمة، وهي فتاوى انتزعها المماليك من بعض رجال الدين، انظر ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص 227، 249، 309، 363، 366…

[66] –  لقد اوردها في اماكن متعددة من مؤلفه انظر: النعيمي،(محي الدين عبد القادر محمد)، الدارس في تاريخ المدارس، مطبعة الترقي، دمشق، 1948، ج1، ص 161، 159، 215، 225، 229، 253، 277، 301، 373، 429، 431، 438، 455، 459، 467، 474، 488ن 496، 498، 537، 542، 555، 569، 588، 592، 599، 600، 604، 607 وج2، ص59، علما انه ذكر احيانا المدرسة الواحدة اكثر من مرة.

[67] – تدمري،(عمر)، تاريخ طرابلس، ج2، ص285، 286، 317، 324-325، 326، 329

[68] – خطط، ج2، ص362-403

[69] – كيال،(منير)، الحمامات الدمشقية، وزارة الارشاد القومي، دمشق، 1966، ص43

[70] – المقريزي، خطط، ج2، ص79-83

[71] – المصدر عينه، ج2، ص83

[72] – زيادة،(نقولا)، دمشق في عصر المماليك، مؤسسة فرنكلن للطباعة والنشر، بيروت-نيويورك، 1966، ص117-118 

[73] – خطط، ج2، ص317-331

[74] – العمري،(ابن فضل الله)، مسالك الابصار في ممالك الامصار، تحقيق دوروتيا كراوفلسكي، المركز الاسلامي للبحوث، بيروت، 1986، 181، وانظر ايضا ابن طولون (محمد)، اعلام الورى بمن ولي نائبا من الاتراك بدمشق الشام الكبرى، تحقيق محمد احمد دهمان، دار الفكر، دمشق، 1984، ص89 

[75] – المقريزي (تقي الدين احمد)، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد مصطفى زيادة، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1934-1936، ج1، القسم الثامي، ص 162

[76] – العمري، مسالك، ص181-182

[77] – Elissef (N), in EI2, Dimashk, vol2, pp- 286

وانظر ايضا، نصار، العامة، ص9

[78] – الصفدي،(خليل بن ايبك)، تحفة ذوي الالباب فيمن حكم بدمشق من الخلفاء والملوك والنواب، وزارة الثقافة، دمشق، 1991، ص 170-171

نصار، العامة، ص10

[79] – Ashtor,E, Histoire des prix et des salaires dans l’Orient medieval, Ecole Pratique des hautes etudes, Paris, 1959, pp 167, 268

[80] – العمري، مسالك، ص181

سوفاجيه،(جان)، دمشق، نقله الى العربية فؤاد افرام البستاني، حققه احمد العلبي، دار الوارف، دمشق، 1989، ص93-94

نصار، العامة، ص11

[81]  – سوفاجيه، دمشق، ص94-95

[82] – ابن بطوطة،(محمد بن عبد الله)، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار، المطبعة الاهلية، باريس، 1874-1879، ج1، ص235

[83]  – المصدر السابق، ج1، ص229-230

[84] – زيادة، دمشق، ص117-118

[85] – ابن تغري بردي،(جمال الدين يوسف)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، دار الكتب، القاهرة، 1930-1956، ج12، ص 239 وما بعد

ابن اياس،(محمد بن احمد)، بدائع الزهور في وقائع الدهور، بولاق، 1311هجري، ج1، ص 232وما بعد

[86] – لنا عودة مفصّلة لهذا الموضوع بحديثنا عن البني الاجتماعية

[87] – المقريزي،(تقي الدين احمد)، اغاثة الامة بكشف الغمّة، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال، القاهرة، 1940، ص72-73

[88] – زيادة، دمشق، ص131

[89] – ابن جبير،( محمد بن احمد)، الرحلة، دار صادر، بيروت، 1980، ص 257

– ابن بطوطة، تحفة النظار، ج1، ص63

[90] – ضومط(انطوان) وآخرون، الشرق العربي في القرون الوسطى، الدار الجامعية للنشر، بيروت، 1996، ص135، 137-138، 182-183220-221، 279-284…

[91] – القلقشندي، (احمد بن علي)، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، دار الكتب المصرية، القاهرة ، 1913، ج4، ص472

[92] – خرق هذا الشرط احيانا قليلة عندما كان ينعم بعض السلاطين على اولادهم وابناء الامراء بالأمرة، انظر: ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص99-100، وابن اياس، بدائع، ج1، ص225، وج2، ص5

[93] – Ayalon, D, the Muslim City and the Mumluk Military Aristicracy, proceeding of the Academy of Sciences and Humanities, 2 ,Jerusalem, 1968, p323

[94] – ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص51-52

[95] – ضومط،(انطوان)، الدولة المملوكية، التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، ط1، دار الحداثة، بيروت، 1980، ص86

[96] – Ayalon, Muslim city, p323

[97] – Ayalon, Muslim city, p323

[98] – القلقشندي، صبح، ج4، ص40-41

– المقريزي، خطط، ج2، ص98

[99] – ضومط، الدولة المملوكية، ص88

[100] – القلقشندي، صبح، ج4، ص310-312

– خطط، ج1، ص357-358

[101] – القلقشندي، صبح، ج4، ص50-51، وج3، 458، وج6، ص158، انظر فصل الوضع الاقتصادي

خطط، ج1، ص87، 90

ابن تغري بردي، نجوم، ج8، ص52،

ابن اياس، بدائع، ج1، ص90

[102] – العمري، مسالك، ص 117-119

  • القلقشندي، صبح، ج4، ص19- 20
  • خطط، ج2، ص219،222

[103] – العمري مسالك، ص 117-119

  • القلقشندي، صبح، ج4، ص19-20
  • خطط، ج2، ص 219، 222
  • ضومط، الدولة المملوكية، ص67-73

[104] – لمزيد من التفاصيل انظر: ضومط، الدولة، ص60-73

[105] – انظر حول تركيب الجيش المملوكي ولا سيما الاجناد:القلقشندي، صبح، ج3، ص15-16،347-348، 435، وج4، ص472

  • المقريزي، سلوك، ج3، ق3، ص982، وخطط، ج2، ص 215-216
  • الظاهري،(خليل بن شاهين)،زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، اعتنى بتصحيحه بولس راويس، باريس، المطبعة الجمهورية، 1891، ص115-116،

[106] – العمري،(ابن فضل الله)، التعريف بالمصطلح الشريف، مطبعة العاصمة بمصر، 1894، ص84

  • القلقشندي، صبح، ج4، ص184
  • الخالدي،(مجهول الاسم الاول)، المقصد الرفيع المنشأ الهادي لديوان الانشاء)، مخطوط حققه خليل شحادة، اطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة القديس يوسف، بيروت، 1988، ص272

[107] – اعلام الورى، ص82، 186

[108] -الخالدي، المقصد، ص273

مفاكهة، ج1، ص224

[109] – لن ادخل بتفاصيل صلاحيات نائب السلطان كلها، ولمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع انظر: العمري، مسالك، ص115

– القلقشندي، ج9، ص253، 259

[110] – لمزيد من الاطلاع ،انظر: السبكي،(تاج الدين عبد الوهاب)، معيد النعم مبيد النقم، دار الحداثة، بيروت، 1983، ص23

  • القلقشندي، صبح، ج13، ص124، 194، 197
  • ابن طولون، اعلام، ص59، 61، 70، 83، 115….
  • المقريزي، سلوك، ج4، ق1، ص136-137

[111] – القلقشندي، ج4، ص182-183

[112] – الظاهري، زبدة، ص113

  • القلقشندي، صبح، ج4، ص13-14
  • الخالدي، 272

 [113]  – نخص منهم:امير حاجب وهو مقدم ألف، ويلي نائب دمشق رتبة وينوب عنه اثناء غيابه، واستادار، ونقيب الجيش، والمهمندار، وشاد المهمات، ووالي الشرطة

انظر: الظاهري، زبدة، ص113

  • القلقشندي، صبح، ج4، ص185
  • الخالدي، ص272
  • المواكب، ج2، ص12

[114] – الصفدي، ق2، ص182

القلقشندي، صبح، ج9، ص253

السلوك، ج4، ق1، ص422، 452

[115] – مفاكهة، ج1، ص50، 155ن 157، 164…

[116] – انظر ادناه الحياة الاقتصادية

[117] – ابن اياس، بدائع الزهور، ج1، ص155-156

[118] – ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص153

– بدائع، ج1، ص156

[119] – نجوم، ج10، ص6-8، 44

[120] – العلبي، دمشق، ص145

[121] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص8-9، 240، 245

[122] – صبح، ج4، ص234

[123] – المقريزي، سلوك، ج1، ق2، ص306-307

[124] – ابن كنان، المواكب الاسلامية، ج2، 16-17

[125] – القلقشندي، ج4، ص34-36

[126] – سلوك، ج2، ق2، ص439-443

[127][127] – يروي المقريزي ان السلطان المؤيد الشيخ عقد مجلسا لقضاة القضاة الاربعة في مصر ومشايخ العلوم، وسأل فيه قاضي قضاة الحنابلة قاضي قضاة الشافعية عن اربع مسائل وهو يجيبه، فيقول له الاول اخطأت، وتدخل قاضي قضاة الحنفية لصالح الحنبلي وراح يشتم الهروي قاضي قضاة الشافعية ثم قال:” يا مولانا السلطان اشهدك على اني حجرت عليه الا يفتي.” ويعلّق  المفريزي على ذلك قائلاً:” فكان مجلسا بغاية القبح، من اهانة الهروي وبهدلته.”  سلوك، ج4، ق1، ص479-485

[128] – سلوك، جج3، ق3، ص1073، 1168

  • ابن طولون (شمس الدين محمد)، الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء الشام، تحقيق صلاح الدين المنجد، دمشق، 1956، ص130، 165، 219، 255
  • ابن طولون، (شمس الدين محمد)، نقد الطالب لزغل المناصب، تحقيق محمد احمد دهمان، وخالد دهمان، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1992، ص45

[129] – ابن طولون، الثغر البسام، ص128، 130

[130] – المصدر عينه، ص155 ولمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع، انظر: نصار، العامة، ص354-355

[131] – البصروي،(علي بن يوسف)، تاريخ البصروي، تحقيق اكرم العلبي، دار المأمون للتراث، دمشق، 1988، ص41، 43، 85، 86

– ابن طولون، الثغر، ص124-125، 160، 164، 180…

[132] – الامثلة كثيرة على هذا الموضوع سنذكرها في مكانها المناسب اي بالعلاقة بين العامة والسلطة المملوكية، وانظر على سبيل المثال فقط: مفاكهة، ج1، 158، 160، 162…

[133] – القلقشندي، صبح، ج4، ص192

الخالدي، المقصد، ص273

ابن كنان، المواكب، ج2، ص17

[134] – صبح، ج4، ص193

[135] – المكان عينه

الخالدي، المقصد، ص273

[136] – سلوك، ج4، ق1، ص11

[137] – ضومط،(انطوان)، دمشق الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية، ضمن كتاب المؤتمر الدولي السادس لتاريخ بلاد الشام، 10-12 تشرين الثاني- نوفمبر،( ص384-434) ص404-405

[138] – العمري، مسالك، ص112-113

[139]  –  القلقشندي، احمد بن علي، صبح الاعشى في صناعة الانشا، القاهرة، دار الكتب، 1913، ج5، ص 443-445، الخالدي، المقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا، اطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة القديس يوسف، بيروت، 1988، ص 266- 265

[140]  – نصّار، المرجع السابق، ص 46-47.

[141] – الخالدي، ص 275

[142] – صبح، ج0، ص473

الخالدي، ص 275

[143] – صبح، ج4، ص194

الخالدي، المقصد، ص275

[144]– لابيدوس، مدن الشام، ص136

[145] – سعد (فهمي)، العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع الهجريين، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1983، ص121

[146] – يذكر الظاهري ان احد تجار الكارم استطاع بناء مدرسة من مدخول يوم واحد، انظر، زبدة كشف الممالك، ص41، ويذكر القلقشندي ان بعض التجار ديّن السلطان مائة ألف درهم فضة، صبح، ج4، ص32، ويكرر الحادثة ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص279

[147] – الدينوري،(نصر بن يعقوب)، التعبير في الرؤية او القادر في التعبير، مخطوط، متحف بغداد، رقم 598، نقلا عن فهمي سعد (العامة في بغداد)، ص66

[148] – الطبري،(محمد بن جرير)، تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، القاهرة، 1960-1969، ج8، ص448 وما بعد

[149] – الصفدي،(خليل بن ايبك)، نكت الهيمان في نكت العميان،  ص10، نقلا عن العامة في بغداد، ص66

[150] – خطط،ج1، ص89

[151] – السبكي، معيد النعم، ص9-10

[152] – خطط، ج1، ص89

[153] – لابيدوس، ص138

[154] – ان دلالات تطور حركة الزعر وصراعهم فيما بينهم ومع السلطة حفظتها مؤلفات المؤرخين الدمشقيين خصوصا ابن طولون وابن عبد الهادي، انظر حول الحارات: مفاكهة، ج1، ص275، 289، 316، 342…واعلام، ص171، 178، 205، 22، 208…والامر الملفت للانتباه ان المقريزي وهو مؤرخ اجتماعي بامتياز لا يحدثنا عن حارات الزعر، ولا عن علاقاتهم فيما بينهم.

[155] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص268، اعلام، ص174، 195…

[156] – مفاكهة، ج1، ص292، 293، واعلام، 195

[157] – مفاكهة، ج1، 180

[158] – مفاكهة، ج1، 185

[159] – نفسه، ج1، 185، 200، 201

[160] – نفسه، ج1، ص160

[161] – ابن طولون،اعلام الورى، ص118، 119، 127، ومفاكهة، ج1، ص177ن 204، 213…

[162] – مفاكهة، ج1، ص204

جوانب من الحياة الاجتماعية في دمشق المملوكية

1382 – 1516م./  784 – 922                 

   لقد احتل بوجه عام التاريخ العسكري والسياسي وما يزال، مركز الصدارة في التأريخ لمختلف العصور والحقبات التاريخية للذاكرة العربية، واعتمد فيه على النمط التقليدي المبني على توالي العهود من دون الاخذ بعين الاعتبار التطور المنهجي المستند على المفاصل التاريخية لتحديد تطور مفهوم السلطة ايجابا او سلبا.كما لم يعن كفاية بالتاريخ الاجتماعي، الذي ظل يدرس بمقدار ما يتيحه المؤرخ السياسي والعسكري من مساحات ضيقة.او انه استند بشكل رئيسي على دراسة نظم الحكم كما صورتها كتب الادارة، من دون الاخذ بعين الاعتبار الواقع العملي الذي، يتباين ، احيانا، مع النظري.او صور هذا التاريخ على انه دراسة المباني على تنوعها. واضيف اليه احيانا وصف بعض المظاهر الاجتماعية كالحفلات او الاعياد وما شابه، من دون التطرق الى صلب التاريخ الاجتماعي كدراسة الفئات المكونة للمجتمع من حيث علاقة افراد كل منها في ما بينهم من جهة، وعلاقات الفئات كافة في ما بينهم من جهة ثانية. واذا كان التاريخ السياسي والعسكري يحدد المفاصل التاريخية ولكنه يصعب عليه توضيحها بمعزل عن قراءة متأنية للعوامل الاقتصادية والاجتماعية التي قد تكون احيانا في اصل تلك التحولات اوالعامل الاساسي في دفع التاريخ السياسي والعسكري وتوجيهه، فان التاريخ الاجتماعي يجهد لتوضيحها.    

      من هنا يعطي معظم المؤرخين اليوم اهمية قصوة للدراسات الاجتماعية الماضوية لاعادة تركيب الماضي بكل ابعاده بما في ذلك التداخل بين السياسة والاجتماع والاقتصاد .”لأن الزمان يكتسب فعاليته ويمر بتحولات طويلة او متقطعة ،او يستمر تراتبيا، من خلال الفعاليات البشرية. ومما يعانيه الانسان في مجتمعه وبيئته.”[1]

     يتكون المجتمع من اعداد من الناس تعيش على رقعة جغرافية محددة، لها عاداتها، وتقاليدها ، ونظمها، التي تشكل القواسم المشتركة في كل مجتمع، ويتفرع اناس المجتمع الى فئات متميزة من حيث العمل الذي يؤدونه ،وانماط العيش التي يمارسونها.

  ان هذه الخاصات ،على اهميتها، لا تؤمن آلية دراسة التاريخ الاجتماعي ،لان دراسة البنية الاجتماعية تؤمن هذه الآلية[2]، ولاسيما ان كل مجتمع يتألف من عدد من البنى الاحتماعية قد نجد بينها قواسم مشتركة و تباينا. وتتبدى صعوبة دراسة التاريخ الاجتماعي، في العصور الوسطى، اذا ادركنا ان البنية الاجتماعية هي مجموعة عضوية من التقارير الشديدة التماسك، في آن، اجتماعيا واقتصاديا ونفسيا، واقل ما يمكن قوله فيها :انها تتكامل في تقليد، وفي نظام خلقي، وهي تحدث اعادات ولا تتجدد، لان الحدث التاريخي هو الذي يحدث التجديد والابداع، اذ يحول بعض البنى ولا يقضي كليا على تماسكها الداخلي .[3]

 على هذا، تصعب كثيرا دراسة التاريخ الاجتماعي في العصور الوسطى، لافتقارنا، في الشرق العربي والاسلامي، للتقارير الاقتصادية الدقيقة، ولاقتصار الحوليات على لمحات اجتماعية لان اصحابها اعتادوا التأريخ للخاصة من دون ايلاء العامة ما يستحق دورها من اهمية في تطور الاحداث. وقد ذللت بعض هذه العقبات بالاعتماد على يوميات المؤرخ الدمشقي محمد بن طولون الغنية باخبار العامة والاعيان و الخاصة على حد سواء. هذا فضلا عن مؤلفات اخرى، وان كانت اقل غنى، سيرد ذكرها في البحث.

     وترتبط دراسة التاريخ الاجتماعي بالتطور المدني اوانحطاطه ،ذلك ان انتشار الابنية  الحكومية ،او تلك التي تتم بأمر منها ،  وان كانت غايتها اجتماعية او دينية صرفة ، على نطاق واسع ،فضلا عن الابنية الخاصة التي تشيدها فئات المجتمع. ان كل ذلك يحدد مستوى التطور، كما ويصب في الغاية عينها ازدحام المدينة بالسكان ،وازدهار الحركتين الصناعية والتجارية، اضف الى ذلك مستوى الثقافة من حيث المدارس والمؤسسات الدينية المرتبطة بشكل ما بالثقافة

      ولا بد في دراسة التاريخ الاجتماعي من تحديد الفئات الاجتماعية من حيث مستوياتها ، وتحديد الظواهر الاجتماعية التي تخضع لها، ودراسة التطور البطيء او السريع لهذه الظواهر بهدف تحديد مستوى التطور ايجابا اوسلبا.ولا بد ايضا من القاء الضؤ على نظام الحكم ودراسة بنية العلاقة بين الحكام وفئات الشعب لما لذلك من دور اساسي في فهم الدينامية الاجتماعية.

  اولا خطط دمشق وابرز ابنيتها المملوكية :                                             

    1 – خطط دمشق: ان مدينة دمشق تمثل تراكما حضاريا بنائيا وسكانيا لا يمكننا تحديد تاريخ بداياته  بالضبط ، ويصعب في الوقت عينه اعطاء فكرة واضحة عن تطور خططها عبر العصور ، وساكتفي في هذا البحث بذكر خططها تبعا للمصادر المملوكية .

       تمركزت احياء دمشق على شارع رئيسي مستقيم في وسطها يربط بين بابين : شرقي  شرقا، والجابية  غربا ، ومنه تفرعت شوارع اخرى رئيسية مستقيمة  ينتهي كل واحد منها بباب.[4]والملفت للانتباه ان دمشق قد تكون المدينة العربية الوحيدة التي تفتقر الى شارع رئيسي آخر مستقيم يخترقها من الشمال الى الجنوب.[5]اما ابواب دمشق فهي بدورها نتيجة تراكم بنائي عبر العصور نشأ الواحد منها لضرورات امنية بالدرجة الاولى. وابوابها تحدد اوضاعها الامنية والتجارية والاجتماعية، وقد جاءت على الوجه الآتي:الصغير ويقع جنوبيها[6]، وكيسان وهو ايضا في جنوبيها[7]0ولها في شرقها بابان: باب شرقي، وباب توما[8]، ولها في الشمال ثلاثة ابواب:السلام وسمي كذلك لصعوبة دخول الاعداء الى المدينة من خلاله لانه يؤدي الى منطقة كثيرة الغابات والانهار[9]والفراديس والفرج[10]، وفي الغرب باب النصر او الجنيز وباب السر[11].وكان يحيط بالمدينة سوران:الاول خارج الخندق ويبلغ ارتفاعه حوالى ثلاثين ذراعا، والثاني داخل الخندق بارتفاع حوالى اربعين ذراعا[12].وفي السور اربعة ابواب صغار تفتح عند الحاجة ينفتح كل منها على ” باشورة” وهي طريق صغيرة فيها منعطفات تعرقل دخول الاعداء، وهي كالسوق مليئة بالحوانيت، ولها بابان احدهما داخلي والآخر خارجي[13].

    ان كثرة الابواب الرئيسة تدل على تطور الحركة البنائية في المدينة لانها لم تنشأ جميعها دفعة واحدة بل جاءت تراكما عبر العصور، كما تدل ايضا على تطور ديموغرافي – سنعود للحديث عنه – خصوصا اذا ادركنا ان بعض الابواب كانت له ثلاثة ابواب فرعية مثل باب الجابية وباب شرقي، وقد خصص الباب الفرعي الاوسط للمشاة ، وآخر لمن يشرق بدابته والاخير لمن يغرب بدابته حتى لا يلتقي راكبان[14]، ما يدل على ان هذه الابواب الداخلية لم تكن واسعة ربما لضرورات امنية.وتكمن اهمية هذه الابواب التي اربت على العشرين بابا في انها شكلت المنطلق الرئيس لاسواق المدينة كلها التي شيدت على اطرافها، وعلى شوارعها الفرعية وصولا الى الازقة، وبالتالي يمكن تصور الرسم المديني لدمشق من حيث الكثافة في الشوارع الرئيسة، والمتوسطة، والفرعية والازقة.ما يدفعنا ، باستنتاج اولي، الى القول انها مدينة كانت زاخرة بالحياة.

2 – اسواق المدينة:  وانتشرت على طرفي الشارع الرئيسي الاسواق المركزية ،والمساجد الكبرى ،والحمامات العامة الرئيسية .[15] في حين توزعت على اطراف الشوارع الرئيسية المنطلقة من الشارع المركزي الانشطة التجارية والحرفية لكل حي ، اضافة الى حماماته ومساجده .[16] وتوزعت من هذه الشوارع، وهي بوجه عام شوارع ضيقة نسبيا لانها رافقت المدينة منذ نشأتها ولم تطور، شوارع اخرى اقل اتساعا خصص وسطها للفرسان واطرافها للمشاة، فجاءت احياء متلاصقة انتشرت فيها المحلات [17]، ومنها توزعت الحارات الشعبية المكتظة بالسكان [18].وانتشرت في كل حارة ازقة شيدت عليها ابنية شعبية تفتقر الى ابسط الشروط الصحية .انطلقت جميعها من شارع الحارة الرئيسي المعروف بالسويقة الذي يحوي الحمام العام ،والفرن ، والمسجد ، والحوانيت التجارية والحرفية [19].

      ويمكننا من خلال المصادر المملوكية تعداد ما يربو على العشرين سوقا متخصصا لعل ابرزها:الحرير، الدهشة ( الثياب الجاهزة)- وهو امر ملفت للانتباه انذاك ويدل على بحبوحة عند بعض السكان- الكوفيين، الذهبيين، الوراقين، الذراع، السرامجيين ( الاحذية)، السلاح، الوراقين، السقطية ( الالبسة المستعملة)، البزوريين، القطانيين، الجواري والرقيق، جقمق – نسبة الى السلطان الظاهر جقمق وكان مخصص لبيع الثياب- السروجيين، اللحامين، الخيل…[20]ان اهمية تعداد هذه الاسواق تكمن في اختصاصاتها، وهي تدل اولا على تفرع طبقي ان جاز التعبير تبعا لاختصاص كل من الباعة، وعلى التجانس في ما بين باعة كل سوق. ما يدفعنا للاعتقاد ان سمة ظاهرة اجتماعية بمعناها العلمي يخضعون لها جميعهم، وبالتالي يؤلفون فئة اجتماعية لها عاداتها وتقاليدها الخاصة.وتدل ثانيا، على رغم تمايز كل فئة، خضوعهم جميعهم الى عرف عام اوتقليد يحكمهم جميعهم بانتمائهم الى الباعة.ويدل ثالثا على مستوى تعامل كل فريق ، تبعا لاختصاصه، مع نوع من الزبائن، وبالتالي على تمايز اجتماعي من حيث لا يدرون.ويدل رابعا على مستوى الدخل الذي ينعكس على مستوى الحياة الاجتماعية، على الاقل من حيث السكن، خصوصا ان بعض هذه الاسواق اقيم على حدود الحارت، وسنلاحظ لاحقا ان الحارات ، بوجه العموم كانت مقفلة بوجه الاغراب.

   3 – حارات دمشق :وعلى ذلك، يمكن الانطلاق الى دراسة المحلات والحارت الدمشقية لارتباطها بشكل وثيق بالاسواق وبفئات الناس الاجتماعية، لا سيما ان كل محلة تفرعت الى عدد من الاحياء والحارات.اما ابرز الحارات الدمشقية التي وفرتها لنا المصادر التي اطلعنا عليها فهي:الصالحية، الجسر الابيض، الميدان، برج الروس، الربوة، الخلخال، المنيع، والشرفان،[21]القصاعين، مسجد القصب، حجر الذهب، العقيبة [22]. اما احياء دمشق فهي كثيرة جدا سنذكر بعضها مثل: السنانية، باب البريد، المناخية، الشاغور، العمارة، ومسجد القصب، السويقة، المصلى، ميدان الحصى، القبيبات، القراونة، المزار، المزابل، العقيبة…[23]

       والسؤال المطروح :هل كانت جميع محلات المدينة متشابهة ؟ من العسير ان نجيب عليه لان المصادر لم توفر لنا معلومات كافية، بل لمحات.ويمكننا من خلالها تبيان التمايز بين الشعبي، وبعض المحلات التي سكن فيها المماليك من دون غيرهم، وبالتالي فقد كانت مميزة من غيرهاعلى الاقل بامرين: نوعية المساكن والابنية الاخرىمن حيث  الهندسة البنائية والفخامة، ونوعية السكان التي اقتصرت بوجه العموم على المماليك الذين تميزت عاداتهم وتقاليدهم من السكان الاصليين.مثلا كان الشرفان مخصصا للفئة العسكرية الحاكمة، وهو قسمان: الاعلى، والادنى.كانت تنشرت في الاعلى قصور الامراء ومساكنهم، وكان يعرف ايضا “بدار الامراء” وفيه ايضا مدارس ومساجد[24]، وتوزعت في الشرف الادنى قصور للنزهة، وعدد من المساجد من ابرزها جامع تنكز[25]وعدد من المدارس، والعمائر، والمحلات العامرة، والخوانك[26].وكان الشرفان يطلان على الميدان، وعلى منتزه الشقرا[27].وكانت الربوة، الواقعة في سفح جبل قسيون والمشرفة على الغوطة، ايضا مسكن الامراء” لان فيها القصور والمباني الشريفة[28]، وتعني كلمة “شريفة” سلطانية، ونتساءل بالتالي هل كانت تلك الابنية ملكا للسطان، وسمح لبعض الامراء السكن فيها ؟ او انه كان يستغلها ؟ وكان فيها عدة مساجد احدها مسجد خطبة[29]، وفيها ايضا اطباق ( ثكنات للماليك السلطانية)، ومرابط للدواب، وسويقتان، وحمام فريد من نوعه على حد تعبير ابن كنان[30].

     لا يمكننا دراسة جميع محلات دمشق بالتفصيل لان ذلك يتطلب مجهودا جبارا، ويحتاج لكتاب وليس لبحث، انما الغاية من هذه العينة الوصول الى التمايز الاجتماعي بين السكان الاصليين في دمشق وحكامه المماليك0لان المحلات الشعبية كانت كثيرة، وخالية من القصور، ومكتظة بالسكان، وتتفرع الى عدد من الاحياء انغلقت على نفسها، خصوصا ان جميع اسواق المدينة كانت مسقوفة تتيح فسحة محددة من الضؤ كافية لانارة السوق، وباكتظاظ المحلات بالحارات غدا النور غير كاف وبالتالي خافتا.

       وبدت دمشق داخل سورها مجموعة حارات مستقلة، وكأن الواحدة منها قرية صغيرة مستقلة بمساجدها، وحماماتها، وسقاية الماء فيها[31].وجاءت ابنيتها متلاصقة، تمد افقيا، ويرجح الكيال اسباب ذلك لعدم الاطمئنان ولاتساع الرقعة الجغرافية[32]، وتنعدم فيها النوافذ والشرفات وقد يكون مرد ذلك الى نظرية الحلال والحرام في الاسلام. وتألف الحي فيها من عدة بيوت شيد لها باب خارجي مشترك يقفل في المساء وايام الاضطرابات، ويتوسطه باب خوخة ( صغير) يعبر منه سكان الحي كل الى داره.[33]ويرجع اسباب تلاصق الابنية الى ان رغبة رئيس الاسرة بان يسكن ابناؤه واحفاده في المنزل عينه، وكلما ضاق المكان بهم اضافوا اليه غرفا حتى بات المسكن داخلا في بيوت الجيران[34].واذا اضفنا الى ذلك النمو الديمغرافي ادركنا بوضوح تحول تلك البيوت الى اكواخ.

   وكان الحي من حيث بناؤه عبارة عن تشكيل من الابنية غير المتوازية وغير المتوازنة  ايضا من حيث  التصميم الهندسي ، بعضها ترتفع جدرانه الى اكثرمن طبقة والبعض الآخر يشبه الاكواخ ان لم يكن عبارة عن مجموعة من الاكواخ مظلمة يتسرب اليها الهواء عبر الازقة وممرات منخفضة معتمة.[35]وتميزت ازقة دمشق بأنها كانت مرصوفة ولكل واحد منها رصيفان خصصا للمشاة،ويمر بينهما الراكبون[36].لقد شكل الحي وحدة ادارية مستقلة على مستويين حكومي ومحلي اي شعبي.

       اما على الصعيد الاداري المحلي فقد ترأس الحي شيخ يعينه نائب السلطان المملوكي في نيابة دمشق من اجل حسن سير الاعمال المنوطة بالحي :حفظ النظام ،تمثيل الحي في المناسبات العامة التي تقتضيها الدواعي السياسية والاجتماعية في المدينة ، مساعدة الشرطة في تنفيذ مهامها ،او تولي هذه المهام بنفسه ، كجمع الضرائب القانونية وغير القانونية مثل الرمي او الطرح [37]. لان الاحياء قد انتظمت في مناطق منعزلة ومنطوية على ذاتها لا يتمكن الغرباء من الدخول اليها ، ولاسيما انها كانت متداخلة فيما بينها في حياتها العادية ، كما انها تتآزر ابان الاضطرابات العسكرية ،وتدافع جميعها بعضها عن البعض الآخر اذا تعرض احدها لاي اعتداء خارجي [38]. وكل حي انغلق اجتماعيا وسكانيا على نفسه فقط ابان الاضطرابات العسكرية والفتن الداخلية [39].

      وهكذا يتبدى التمايز واضحا بين محلات التي سكنها الحكام المماليك بابنيتها الفخمة والمشرفة على المناظر الخلابة، وغير المكتظة بالسكان، والمحلات التي سكنها العامة في دمشق.ويصعب علينا دراسة الابنية التي شغلها رجال الدين لان المصادر لا توفر لنا معلومات كافية.وثمة ظاهرة اخرى مهمة توضح لنا التطور الديموغرافي لدمشق وهي تتمثل بعدة امور:تطور حركة البناء، وفرة عدد المدارس والمساجد والجوامع، وتنامي عدد الحمامات.وان كنا لن ندرس كل ذلك في هذا البحث، ولكننا سنعطي فقط فكرة عن عددها الذي يعكس بشكل تقريبي عدد السكان. فقد بلغ عدد المدارس كما ذكرها ابن كنان 111 مدرسة توزعت على المذاهب السنية الاربعة[40].وقد اورد منير الكيال ان عدد الحمامات في دشق على عهد ابن عبد الهادي المعاصر لاواخر الدولة المملوكية بلغ 167 حماما عدا حمامات الغوطة[41]، وذكر ابو علي الاربلي المتوفي عام 726 / 1326 ايضا ان تعداد حمامات دمشق بلغ خمسة وسبعين حماما.واذا سلمنا بصحة هذه الارقام تكون دمشق المملوكية قد زادت حماماتها على ما يربو على الضعف ما يعكس تطورا ديموغرافيا وبنائيا ملحوظين، لان الحمامات الخاصة كانت قليلة جدا انذاك.

       ولا يمكننا اغفال قلعة دمشق لانها كانت مركزا حكوميا مهما، ويعود بناؤها الى العهد السلجوقي بحيث شيدها اتسز بن اوق الخوارزمي المتوفي عام 471 / 1078م.[42]وكان فيها خمسة ابواب:الجديد، السر، النصر، السلامة، والفرج[43]، وجميع هذه الابواب شيدت في العهدين السجوقي والايوبي.وكان يحيط بالقلعة خندق دائري عمقه خمسين ذراعا يحميها ابان الحصار جرت اليه المياه من نهر بانياس على جسر عريض محفور ومخفي[44].ويحيط بها سور ايضا فيه ابواب تفتح عند الحاجة فقط، على كل واحد منها مئذنة لجامع، وينفتح الباب على باشورة انتشرت عليها الحوانيت، وضمت القلعة ايضا حمام وطاحون – ما يدل على قلة عدد المماليك فيها- ودار للضرب، ودور حواصل، ومخازن لمختلف انواع العتاد، وآبار.ما يمكنها ابان الحصار من الاكتفاء الذاتي ولمدة طويلة[45].وبالتالي شكلت مجتمعا مملوكيا خاصا انغلق على ذاته الى حد، خصوصا اذا ادركنا انه كان يمنع على نائب القلعة ومساعديه الاساسيين الاتصال باي شكل من الاشكال بنائب دمشق، كما كان يمنع على اي كان الدخول اليها الا بمسوغ قانوني.ولا ندري بالضبط اذا كان الامر عينه فرض على الاجناد فيها وان كنا نرجحه.

   2 – تطور حركة البناء : شهدت دمثق المملوكية  تطورا ملحوظا على هذه المستويات ، فعلى صعيد الابنية الحكومية تم بأمر من السلطان بيبرس بناء القصر الابلق غربي المدينة  سنة 659/1260م [46]، وشيد نائب دمشق عز الدين ايدمر بناء على رغبة السلطان السعيد بركة خان المدرسة الظاهرية بالقرب من الجامع الاموي [47]. كما شيد نائبها تنكز سنة 739/ 1339م. خارج سور المدينة دارا لتعليم الحديث النبوي الشريف، ومسجدا ،[48]وكان الامراء يتقربون من الناس بتشييد المباني الدينية كبناء الامير مكي بن حيوط مسجدا شرقي الشويكة في وسط بستان واوقف عليه ” جهات عديدة ” [49].وانتشرت اسماء السلاطين المماليك ونوابهم في دمشثق منقوشة على عدد كبير من الابنية خصوصا خارج اسوار المدينة[50]. مما يدل على ازدياد في عدد السكان، قد لا يكون التزايد السكاني بهذا الشكل ناتجا عن تطور طبيعي داخل المدينة، انما ايضا عن هجرة سكانية من الارياف الى المكدن بشكل عام نتيجة لسؤ استغلال الارض المرتبط اساسا بالانحطاط الذي اصاب النظام الاقطاعي.[51] وعن انتشار الابنية الخاصة والحكومية خارج اسوار المدينة وفي داخلها.

   ان هذا الامور توضح بدون ادنى لبس ان دمشق تطورت سكانيا وعمرانيا بشكل ملحوظ ،ويزيد في قناعتنا هذه ما اورده العمري عن ازدياد عدد الاجناد بدمشق ، وقد ادت حاجاتهم للوازم الخيل وغير ذلك الى نشوء الاسواق المتخصصة، فاتسعت الاسواق وما عادت قادرة على استيعاب الطلب ،فانتقل المختصون ببيع لوازم الخيل الى خارج المدينة حيث اقيم سوق الخيل ،وتبعهم اصحاب بعض حوانيت الخضار والمواد الغذائية الاخرى فصار يقام بقرب السوق المذكور سوق خاصة عرف باسم ” دار البطيخ “.[52]ومما يعزز الرأي بتطور المدينة السكاني والبنائي ما اورده كل من “سوفاجيه “وابن بطوطة،فيتحدث الاول عن انشاء ضاحيتين جديدتين السويقة في الجنوب الغربي ،وسويقة ساروجا في الشمال [53].ويصف ابن بطوطة ضاحيتين جديدتين شيدتا في العصر المملوكي:الربوة الواقعة في اسفل جبل قاسيون” وبها القصور المشيدة والمباني الشريفة”[54]وتعبير المباني الشريفة هي صفة المباني السلطانية مما يدفعنا للاعتقاد اما ان السلاطين ساهموا بانشائها او انها اوقفت لصالحهم على غرار الاراضي الاقطاعية. والضاحية الثانية هي الصالحية التي شيدت خارج” باب شرقي” بدمشق وهي مدينة “عظيمة” على حد تعبير ابن بطوطة فيها سكك واسعة ومدرستان،[55]وصار فيها في اواخر العهد المملوكي سبع دور للحديث، وستة عشر رباطا، وثمان وثلاثون حارة وواحد وسبعون مسجدا.[56]          

   ان هذا التطور الملحوظ لم يرافق دمشق المملوكية عبر كل تاريخها ، فهي تعرضت لازمات متعددة احيانا متسارعة واحيانا اخرى متباعدة ، نتيجة التكوين الاجتماعي من جهة ، او بسبب اعتداء خارجي من جهة ثانية . فالحالة الاولى تكررت مرات عديدة وفي ظروف متقاربة من حيث علاقة الحكام بافراد الشعب على مختلف فئاتهم ، او من حيث علاقة هذه الفئات بعضها بالبعض الآخر. اما الحالة الثانية فليست سوى تغيير شبه جذري نتج من تعرض المدينة لغزوات المغول خصوصا غزوة تيمور سنة 1400م. التي ادت الى تهديم للبنى الاجتماعية والاقتصادية.[57]

 ثانيا :  البنى الاجتماعية  ان التاريخ الاجتماعي يأخذ بالاعتبار المجموعة الكلية للتكوين الاجتماعي ،ومن الصعب تحديد اطره ومعناه التام الا بدراسة، او التطرق الى جميع الاطر المعنوية المتعلقة بمختلف المجموعات، اضافة الى دراسة علاقة الفرد بالجماعة. وبما انه يتعذر علينا دراسة علاقة الفرد بالجماعة، بسبب قلة الوثائق، سأتناول في هذه الدراسة، حركية كل فئة اجتماعية، وبنيانها وعلاقة الفئات الاجتماعية بعضها بالبعض الآخر بحسب ما توفره المصادر التاريخية .

    ان من المبادىء الاساسية في التاريخ الاجتماعي تحديد المبدأ المنظم للمجتمع ، وبالتالي تحديد الفئات في التفرع الطبقي التي منها نحصل على المبدأ المنظم للمجتمع، الذي منه تنتج البنى، وكذلك العلائق بين الفئات الاجتماعية التي ستكون جد مختلفة[58]. واعتمدت على الوظيفة مبدأ للتفريع الطبقي او المبدأ المنظم.

    كان المجتمع المملوكي طبقيا – ان جاز التعبير كون الموضوع يرتبط بالعصور الوسطى ولأن استعمال ” طبقة ” مصطلح حديث- جامدا الى حد بعيد، وغالبا مغلقا، بحيث لم ينظر لحقوق الفرد فيه الا من خلال انتمائه الوظيفي – وظيفي بمعناها الواسع -. وكانت هذه الفئات ( الطبقات ) متفاوتة من حيث الدخل، والطمأنينة، والاستقرار واشتغال المناصب الحكومية والدينية والاقتصادية والاجتماعية.

     قسم المقريزي المجتمع المملوكي الى سبع فئات :      

  -ارباب الدولة.

  • مياسير الناس من التجار والفقهاء والمتعممين.
  • متوسطو الحال من التجار والباعة واصحاب المعاش والسوقة .
  • الفلاحون من اهل الزراعة .
  • سكان الارياف والقرى .
  • ارباب الصناعات والحرف البسيطة .
  • والمعدمون [59].

 ان هذا التوزيع العام الذي اورده المقريزي يشمل كل المجتمع المملوكي، اما في المدن، وخصوصا في بلاد الشام، فيمكن اعتماد تفريع آخر ينبثق من توزيع المقريزي يأخذ بالاعتبار خصوصية المدينة والتجانس الاجتماعي الاكثر شمولا، فيصبح على الشكل التالي: الطبقة العسكرية الحاكمة، الاعيان الذين يضمون رجال الدين والتجار وارباب الصناعة، او ما يطلق عليه بياض العامة، وسواد العامة، اضافة الى الزعر والارذال والاوباش. وكان سكان دمشق يتألفون من غالبية عربية كبرى، اضافة الى عدد من اجناس مختلفة وفدت اليها عبر تاريخها مثل بربر شمال افريقيا خلال العهد الفاطمي، والتركمان في العهد السلجوقي الاتابكي، والاكراد في العهد الايوبي واستمروا يشكلون اقلية[60]. هذا اضافة الى الشعوب المغلوبة من المناطق المجاورة خصوصا من تلك التي تعرضت للغزو المغولي ولا سيما العراق، كما لجأ الى دمشق طائفة دينية كبيرة العدد من المغاربة لاسباب دينية[61]

    1 – الطبقة العسكرية الحاكمة : شكل السلطان وامراؤه واجناده طبقة عسكرية حاكمة مغلقة عن الشعب. وحدد الانتماء اليها بشروط لم تتوفر بالسكان الاصليين: كالعرق، اي ان يكون مولودا خارج الاراضي المملوكية في الشرق العربي والاسلامي وبالتحديد في السهوب الآسيوية الاوروبية الممتدة من آسيا الوسطى حتى البلقان والبحر الادرياتيكي.[62]، والرق[63]، واجادة اللغة التركية لان المماليك كانو يتحدثون بالتركية في اجتماعاتهم ومجتمعاتهم[64]. وقليلون منهم من اتقنوا العربية ،لا بل ان بعضهم لم يفقه منها شيئا[65]. و التربية في الطباق ( الثكنة العسكرية )، و العتق ، و التدرج بالامرة[66]. وانحصر تزاوج امراء المماليك اما من نساء تركيات جيء بهن خصيصا لهذه الغاية، او من بنات امراء المماليك، وقليلون منهم من تزوجوا من بنات مياسير التجار او بنات المتعممين[67]. وكانت جميع اسماء الامراء تركية ، ولم يجرؤ احدهم الخروج على هذه القاعدة مخافة القتل او العزل، فالسلطان جقمق ( 1438 -1453م.) اراد ان يسمى محمدا تيمنا بالرسول (ًصلعم ) ولكنه خاف العزل فتسمى جقمق محمد[68]. انما حق لهم بالالقاب الدينية مثل ركن الدين او عز الدين… وانفرد المماليك بلبس ثياب مميزة مطرزة الكمين تمييزا لهم من افراد الشعب.[69]وارتدوا قباء طويلا ينتهي بأكمام ضيقة ، واعتمروا كلوتة صفراء من دون عمامة، وشدوا على خصورهم احزمة من القطن البعلبكي ، وتميزت ايضا ثياب الامراء من ثياب الجند[70].

 ومن مميزات الطبقة العسكرية الحاكمة اقتناء الرقيق وركوب الخيل الذي لم يجز ركوبها[71]لغيرهم، وعلى رغم اسلامهم فلم يقض الامراء في ما بينهم بالشرع الاسلامي بل ب”الياسة او اليسق ” وهي مجموعة القوانين المغولية التي اصدرها جانكيز خان ( 1206 – 1227م.)[72]. وحاز المماليك وحدهم ، سلطانا وامراء واجنادا ، الاقطاعات الزراعية وشاركهم بقسم ضئيل نسبيا بعض المتعممين ممن اشرفوا على المؤسسات الدينية والتربوية والاجتماعية[73]، كما توزعوا في ما بينهم المرافق الاقتصادية العامة الاخرى ولا سيما الجمارك التي حازوا عليها عن طريق الاقطاع.

 ان هذه المميزات تشمل كل المماليك خصوصا في القاهرة وهي تنسحب على تواجدهم في كل المدن ، لان نائب السلطان في نيابته شكل سلطانا مصغرا ، وتميز بخاصات السلطان من حيث الصلاحيات وبيوت الخدمة، انما على مستوى ادنى ، فالاول كانت تنعت بيوت خدمته بالشريفة والثاني بالكريمة .

   11 – وظائف الطبقة العسكرية الحاكمة في دمشق :

   عاش بدمشق عدد كبير من ارباب السيوف كان نائب السلطان اعلاهم رتبة، يعينه السلطان بمرسوم شريف ويعبر عنه، لاهميته، بكافل السلطان ويخصص بألقاب ونعوت لم يسمح بها لغيره،[74]كانت تزين كل احياء المدينة وحاراتها لدخوله اليها ، بحيث يطوف حول قلعتها سبع مرات ، ويصلي ركعتين عند باب السر[75]. ومن ثم يتوجه الى مقره في دار السعادة[76]. وللدور الديني اهمية اساسية في تولية النائب كون الدولة اسلامية، خصوصا ان  السلطان يستمد شرعية حكمه من الخليفة وقضاة القضاة و العلماء والفقهاء، لذلك كان النائب يخلع الخلع على قضاة القضاة الاربعة بدمشق في دار العدل[77] تعبيرا عن اقراره بدورهم في الحياتين الدينية والاجتماعية وان نظريا.

 تمتع نائب دمشق بصلاحيات واسعة جدا من حيث التوظيف والعزل، ومنح الاقطاعات.[78]وتوجب عليه اداء مهام ادارية وامنية وسياسية واجتماعية ودينية.[79]وتمتع بمنازل خدمة كريمة على غرار منازل الخدمة الشريفة السلطانية: فكان له دوادار، وخزندار، وامير مجلس، وامير آخور، وشاد الشرابخاناه، ومهاتر البيوت…[80]

 وعاش في دمشق الى جانب نائبها ثمانية امراء مئة مقدمو ألوف[81]، واحد وعشرون امراء اربعين او الطبلخانة[82]، واثنان وعشرون امراء عشرين، وواحد وخمسون امراء عشرة، وثلاثة وعشرون امراء خمسة. عدا عن مقدمي الحلقة واجنادها الكثر، والعديد من الموظفين لا يسعنا ذكرهم جميعهم كي لا يغدو الموضوع دراسة في الادارة المملوكية[83]. نذكر منهم:امير حاجب وهو مقدم ألف، ويلي نائب دمشق رتبة وينوب عنه اثناء غيابه، واستادار[84]، ونقيب الجيش[85]، والمهمندار، وشاد المهمات، ووالي الشرطة[86] ونائب القلعة الذي لم يكن لنائب دمشق سلطة عليه[87]، واتابك العسكر ( قائد الجيش ) وبالتالي نشأ نظام عسكري بيروقراطي لتلبية رغبات السلطان من جهة، وحاجات النائب شبه ال مستقلا من جهة ثانية. وتوزعوا الوظائف الاساسية، والاراضي الزراعية بنيابة دمشق اقطاعات كل على قدر الوظيفة التي يشغلها، وحصلوا ايضا على المعاصر المتنوعة و الطواحين وما الى ذلك من المرافق الاقتصادية. وبالتالي فقد اربتطت بهم فئات المجتمع بطريقة مباشرة خصوصا من استخدم من المتعممين في الادارة _ سيأتي الحديث عنهم بدراسة المتعممين- ، واحيانا اخرى غير مباشرة، وكانت تلك العلائق فوقية لصالح الطبقة العسكرية الحاكمة، حتى ان الصراع بين افراد هذه الطبقة اثر سلبا على تطور الحياة الاجتماعية الدمشقية، ناهيك بنهمها للمال غير المرتوي وهو اقتضى من الفئات الشعبية بكل مستوياتها تلبيته.

 واذا علمنا ان مقدم الالف حق له باقتناء من ماله الخص مائة مملوك وقد تجاوز هذا الحق الى مئة وعشرين، واجيز لأمير الطبلخاناه باربعين، وجوازا بسبعين او ثمانين، وهكذا نزولا حتى امير خمسة، ادركنا العدد الكبير لمماليك الامراء، ومن جهة ثانية كان في دمشق عدد من الطباقات مما يدفعنا للاعتقاد انه كان يعيش فيها عدد من المماليك السلطانية ممن يأتمرون بالسلطان فقط او من ينيبه عنه، هذا اضافة الى اجناد الحلقة. وتأمينا لسلامة الاوضاع فيها، وخوفا من الانقلابات العسكرية، عمد السلاطين الى تدابير احترازية: فمنع نائب القلعة، المعين من قبل السلطان، تسليمها او الاجتماع بنائب دمشق الا بامر سلطاني. وكان السلطان يرسل الى دمشق دوداره الثاني رقيبا على نائبها، وغير ذلك من الموظفين العسكريين المخلصين له. وبالتالي تضاربت مصالح العسكريين الاداريين العسكريين وتصارعوا في ما بينهم، صراعات غير منتهية اجمالا، ما اثر سلبا على اوضاع الناس الامنية والاقتصادية تنعكس باستمرار والاجتماعية.

شكل هذا العدد الكبير من رجال السيف فئة( طبقة) اجتماعية مميزة جدا عن ابناء البلاد، وتدرجت نسبتها الاجتماعية والاقتصادية تبعا للمناصب من اعلى الى اسفل بدءا بنائب المدينة، فامراء المئة نزولا حتى الاجناد. وهو تفرع اسروي الى حد، فكل امير شكل بجهازه الاداري والعسكري نوعا من اسرة قائمة بذاتها لانتماء مماليكه اليه وحده بثلاث روابط على الاقل:الرق، والعتق، والوظيفة، وارتبط به اسرهم، والعاملون في اقطاعاته المتنوعة. وعلى الرغم من انتماء افراد الطبقة العسكرية الحاكمة بدمشق الى رجال السيف، فانهم لم يكونو متجانسين من حيث وظائفهم وانتماآتهم، فبعضهم ارتبط بالسلطان مباشرة والبعض الاخر بنائب المدينة، ما ادى الى تمايز وظيفي، حتى ان بعضهم استغل ارتباطه بالسلطان وتجاوز كل الحدود[88].ان كل ذلك جعل الفئة العسكرية الحاكمة بدمشق وحدات شبه مستقلة، ومرتبطة في آن بغيرها من حيث الوظيفة ونمط الحياة العام.

  12 – ثراء الطبقة العسكرية :هيمن المماليك بسلطتهم السياسية والادارية والاقتصادية شبه تامة على الحياة المدنية جعلت الدمشقيين ينصاعون قسرا لهم، بما في ذلك ارباب الاقتصاد كالتجار وارباب الصناعة، طلبا للحماية. ومع ذلك لم تتوقف الصراعات في ما بين المماليك بغية الحصول على اكبر قدر ممكن من الثراء والنفوذ. وقد يجد الباحث عذرا لهذه لهم لو لم تكن امكاناتهم المادية هائلة، فالمصادر المملوكية تحدثنا عن ثراء الامراء بما يعيد الى الاذهان اساطير ألف ليلة وليلة. واليك بعض النماذج: عندما توفي الامير سلار ترك كنوزا مذهلة ذكر ابن اياس بعضا منها: خمسة وعشرين رطلا احجار كريمة من زمرد وياقوت، وثلاث مئة قطعة ألماس، ومئة وخمسين حبة لؤلؤ كبيرة زنة الواحدة منها مثقالا، ومئتي ألف دينار ذهب عين، واربع مئة ألف دينار من الفضة، واربعة قناطير من المصاغ الذهبي، عدا عن الخيل و غيرها من الماشية. ويزعم ابن اياس ان دخله بلغ من اقطاعاته وحماياته مائة ألف دينار.[89]وبلغت قيمة اموال نائب الشام التي صادرها السلطان الناصر محمد بن قلاوون ( 1309 _  1340م.) حوالى المليون ونصف المليون من الدنانير الذهبية .[90]ووزع الامير قوصون المعين نائبا على الشام النفقة على غرار السلاطين، منها ثمانين جارية، واثني عشر ألف اردب غلة[91]، وكثيرا من الذهب و الجواهر. ولكثرة عطاءاته توجس السلطان منه خيفة فاوقع به، فصادر له العامة اربع مئة ألف دينار ذهب عين، وعددا كبيرا من الكلفتاه المزركش والاواني الفضية والذهبية، فضلا عن ثلاثة اكياس اطلس كبيرة مليئة بالجواهر قدرت بمئة ألف دينار[92]. وقد احصي ما تركه “تنكز”الذي حكم الشام بضع سنوات مليونين وسبع مئة ألف دينار، وسبع مئة وثلاثين ألف درهم فضي فضلا عن المجوهرات.[93]

 لعلها ارقام مبالغ بها، وهي مستقاة من مؤرخين مملوكيين ثقة ويتحدران من الطبقة العسكرية الحاكمة[94]، انما تدل على مدى الثراء الفاحش للطبقة العسكرية المملوكية الحاكمة، التي لم يكن لها مبرر لظلم الفئات الشعبية، بخاصة انها جمعت بعض ثروتها ظلما.

  وقد انصب اهتمام المماليك على تنظيم الجيش وتدريبه وتأمين رفاهيته، من تحصيل الضرائب. ولم الحكومة المركزية مسؤولة عن الخدمات المدنية التي اضحت، عرفا، على عاتق نائب المدينة بشكل رئيسي، وبدرجة اقل على الامراء الكبار فيها، فهي ارتبطت بهمتهم وبقدر حاجتهم للتقرب من الشعب، وبمقدار ضعوط الشعب عليهم بقيادة بعض رجال الدين، او باعمال الشغب المشروعة _ ان جاز التعبير _ كالتكبير في المساجد، او التظاهر مكبيرين في الشوارع الرئيسية.[95]

وهكذا انفصل رجال السيف عن ابناء البلاد بنظمهم وعاداتهم واخلاقهم وممارساتهم المجحفة بحق الرعية، وشكلوا فئة اجتماعية سياسية عسكرية مغلقة عن الدمشقيين. وكانت آليتها الداخلية متحركة اما نحو القمة، او الى البطالة والعزل. وفي الحالين معا خضعت لظاهرة اجتماعية واحدة ممتازة ومتميزة عن الدمشقيين. وجاء تحولها بطيئا جدا بما اجازه القانون، تبعا، لافرادها بالاختلاط بالدمشقيين ضمن حدود ضيقة، دفعت ببعض السكان ان يحذوا حذوها متأثرين ببعض العادات المملوكية خلافا القانون، كما في كلامنا لاحقا عن الزعر.

     وتطلب تامين الخدمات العامة ، وادارة املاك نائب دمشق وامرائها واجنادها عدد كبير من الموظفين على اكثر من مستوى : فكان بعضهم من بياض العامة،  والبعض الآخر من سوادها ، اضافة الى رجال الدين الذين كان دورهم اساسي قي المجتمع الدمشقي على مستويين اجتماعي ووظيفي.

   2 – الاعيان

   21- رجال الدين المسلمون : شكل رجال الدين ، بوجه عام ، صمام امان في المجتمع الاسلامي لانهم احتلوا المنزلة الارفع فيه، وظل الناس ينظرون اليهم باكبار حتى في فترات الانحطاط ، لممارستهم شؤونا مدنية اجتماعية مثلت دور الرقابة على ممارسة الجهاز العسكري الحاكم. حتى ان رجال الدين الذين تسرب اليهم الفساد، وجروا وراء مصالحهم الذاتية، بخضوعهم لرغبات الطبقة العسكرية وتنفيذهم مآربها على حساب الشعب، وحتى ايضا الذين تندر بهم الناس ظلوا يحتلون منزلة مهمة ، ليس على الصعيد الشخصي، انما على مستوى الوظيفة الجليلة التي شغلوها بما كان لها من تقدير عند مختلف فئات  المجتمع. اما ابرز الوظائف الدينية فكانت :

قضاة القضاة :عرفت دمشق اربعة قضاة قضاة تبعا للمذاهب الاسلامية الاربعة، كان اهمهم الشافعي[96] الذي اشرف على دور الايتام والاوقاف التابعة لها ، والمدارس التي اما يتولى التدريس فيها او يشرف عليها، وهو الذي يقيم النائب في نيابة الشام اي يثبته فيها، وله اوقاف خاصة يعتاش منها.[97]ويليه اهمية الحنفي ، ثم الحنبلي واخيرا المالكي، ولكل واحد اوقافه ومدارسه واختصاصاته الاجتماعية والسياسية[98]. ويعتبر قاضي القضاة رئيس الادارة القضائية من حيث تعيين القضاة وعزلهم ، وتعيين نواب له ، والفصل بين الخصوم، وتنفيذ الاوامر الشرعية.[99]كما توجب عليه افهام نائب دمشق الصحة بالاحكام واصول الشريعة كي لا يقع بالخطأ ، كون النائب صاحب ولاية المظالم[100]ويجهل احيانا كثيرة اللغة العربية قراءة وكتابة وبالتالي القواعد الشرعية واحكامها.

     وكان من المفترض ان يختار اهل كل مذهب قاضي قضاتهم بعد موافقة السلطان،[101]لكن هذا الامر لم يراع باستمرار خصوصا على عهد الدولة الجركسية[102]،ولا سيما بعد ان صارت المناصب القضائية تشرى بالرشوة،وبالتالي فسد معها،بوجه عام، معظم النظام القضائي المملوكي، وغدت تصدر بعض الاحكام بالرشوة[103]. وتمكن بعض القضاة من جمع اموال طائلة بطرق مشبوهة، من دون ان يخجلوا لا بل ان بعضهم راح يتباهى بسطوته ونفوذه غير آبه بتهكم الناس، وغير مكترث بأحكام الشريعة،فاحتقره زملاؤه والناس كلهم.[104]خصوصا ان بعض هؤلاء كان جاهلا اصول القضاء واحكام الشريعة ،والعلوم الدينية الاخرى التي هي في اساس التربية في الاسلام ومنارة السلوك الاجتماعي.[105]ولم تكن حال حميع القضاة على هذا النحو اذ أثر عن بعضهم الصلاح واعمال الخير والاجتهاد بتلاوة كتاب الله والاكثار من الصلاة والتفقه بالاحاديث النبوية الشريفة.[106]كما مارس قضاة القضاة والقضاة ضغوطا على الطبقة العسكرية الحاكمة بدمشق لاطلاق من اعتقل ظلما وعدوانا، اوللشفاعة بمن اعتقل اثناء الصراع بين الاجناد المماليك والسكان، وما شابه هذه الحالات[107]   

مفتون دار العدل : ومن مهامهم حسن تطبيق الشريعة الاسلامية ، وكان عددهم ،بوجه عام ، اثنين : شافعي وحنفي، ويتم تعيينهما من قبل السلطان [108].

 ومن الوظاءف الديوانية التي شغلها رجال الدين: وكيل بيت المال ، وهو مؤتمن على اموال النيابة ، و المحتسب الذي يراقب الاسعار و المكاييل و الموازين والاخلاق العامة .[109]وشيخ الشيوخ الذي يوليه نائب دمشق للاشراف  على جميع الخوانق والفقراء الصوفية[110]، وكاتم السر الذي يعينه السلطان لاسداء النصح والارشاد للنائب، وكان يعاونه موظفون متعممون معينين ايضا من قبل السلطان مثل:كتاب الدست الذين يجلسون في دار العدل لمعاونة كاتم السر في رفع القضايا الى النائب ليتم اتخاذ القرارات بشأنها[111]، وكتاب الدرج ويعينهم السلطان ايضا.[112]

   قام رجال الدين، اضافة الى وظائفهم الشرعية،بدور مهم جدا على صعيد الحياة اليومية والدينية، اذ كان لبعضهم انصار في توجههم الديني خصوصا من سلك طريق الصوفية، بحيث كثر هؤلاء الانصار وانصاعوا الى تدابير رجال الدين، الذين مارسوا ضغوطا كبيرة على اهل السلطة لاحقاق الحق ،الذي كان يتنافى احيانا مع مصالح السلطة،وبالتالي شكلوا ازعاجا حقيقيا لها.[113]

  دور رجال الدين التعليمي:

بما ان موضوع التفريع الطبقي يتعلق بالوظيفة فلا بد من ان نتحدث عن دور العلم في دمشق التي عمل فيها قسم مهم من رجال الدين علماء وفقهاء وغيرهم اضافة الى عدد من الموظفين المدنيين.

أ -تأسيس المدرسة: كانت تؤسس المدارس لبعض الائمة الكبار ممن تعمقوا وتفقهوا بالعلوم الدينية لكي يمارسوا دورهم التعليمي بأمان وباحترام ،وبالتالي تمكين الطلاب من الحصول على الثقافة الضرورية من اجل تطوير المجتمع ليس على الصعيد الديني فقط انما ايضا في مختلف انواع العلوم الاخرى وان لم تلق الاهتمام الذي خظيت به المدارس الدينية.

  كانت المدارس في دمشق على نوعين ما يشاد خصيصا للتدريس،وفي هذه الحال جاء تصميمها على الشكل التالي: صحن مكشوف غير مسقوف تتوسطه نافورة محفورة من الرخام،تحيط به اروقة من جهاته الاربعة، احدها يؤدي الى الجامع الملاصق بها، وآخر الى قبر من اسسس المدرسة وهو عبارة عن مقصورة تعلوها قبة.اما الرواقان الآخرن فيحازيان الايوانات المعدة للتدريس،التي تعلوهما غرف اعدت لمنامة الطلاب[114].او ان تكون منزلا وتحول الى مدرسة فيأخذ في هذه الحالة طابعا خاصا.[115]ويذكر النعيمي ان عدد المدارس بدمشق قد جاوز المئة وثلاثين مدرسة ، انما يجب الاخذ بالاعتبار انه كان يذكر المدرسة اكثر من مرة احيانا[116].

كانت معظم المدارس المذكورة ذات اختصاصات دينية وادبية باستثناء ثلاث اختصت بتدريس الطب وهي: الدنسرية،الدخوارية،واللبودية النجمية[117]،وهي مدارس خاصة.والى جانبها اختصت البيمارستانات بتدريس الطب نظريا وعمليا لان المدارس الخاصة اقتصر عملها على الدروس النظرية فقط[118]،وكان في دمشق المملوكية اربعة بيمارستانات هي:الصغير اوالعتيق،باب البريد او الدقاقي،النوري الكبير،والقيمري[119].

وكي نتمكن من اعطاء فكرة عن الوظائف في المدرسة سأدرس الاختصاصات في مدرسة  واحدة هي العادلية[120]، بما في ذلك اقسامها والمدرسون فيها .قسم الفقه : درس فيه اشهر فقهاء دمشق وقضاتها من امثال:ابن خلكان،والقزويني،وتاج الدين السبكي…وكان يؤمها العلماء واللغويون ويتناقشون بكل ما له علاقة بالفقه واللغة.[121]وقسم اللغة العربية والقراءات الذي اعتنى بلهجات القبائل العربية،ومذاهب النحاة واللغويين.وسكن في هذه المدرسة المدرس المختص هو وعائلته.وكانت لها ايضا مشيخة كبرى.[122]

   حظيت كل مدرسة بهيئة تدريس تألفت من:رأس المدرسة وهو من كبار المدرسين، يتولاها بتوقيع اما من السلطان او من نائبه  في دمشق لانه ضم احيانا ،الى جانب مشيخة المدرسة،مشيخة اختصاصها ( الحديث او الفقه او اللغة العربية)[123]،وتعني المشيخة بتأمين حسن سير التدريس فيها من حيث الاشراف وتأمين الاساتذة ودفع المرتبات.وتألف الجهاز التعليمي في المدرسة ،الى جانب شيخها،من ناظرها،ومدرسيها، ومعيديها[124]– وتفاوت عددهم نسبة الى اتساع المدرسة وعدد طلابها ومساحة اوقافها- ومن امامها،ومؤذنها،وقيمها[125].

ب-الاوضاع المادية للجهاز التعليمي: تقاضى مدرسو المدارس والخوانق والربط رواتب جيدةعموما أمنت لهم مستوى لائق من العيش،خصوصا اذا كان ناظر المدرسة كريما صالحاومتقيدا بشروط الواقف[126].اما مدرسو المساجد فكانوا لا يطلبون اجرا اجمالا سوى الثواب عند الله وما اوقفه بعض الامراء واهل الخير من اوقاف على التعليم في المساجد.[127]وكانت رواتب مدرسي الكتاتيب زهيدة وتكاد لا تقوم بأودهم.

  وقد شكلت المدرسة الركن الاساسي للتآلف الاجتماعي لاستنادها الى مذهب شرعي محدد، ولوجودها في مكان محدد من المحلات او الاحياء، وبما انها كانت تقوم اساسا على التوعية الدينية وتعليم اصول الدين من فقه واحاديث، وخصوصا تلقين القرآن الكريم، لان الدين كان الى جانب كونه عقيدة غالبية السكان فانه كان ايضا نظام حياة، وبالتالي اصبحت المدرسة النقطة المركزية في التوحيد الشامل لابناء المذهب المنتسبة اليه.ولم تكن غايتها التعليمية تخريج رجال دين على مختلف المستويات فقط، بل ايضا تثقيف المجتمع، فكان ينتسب اليها ابناء الفئات المتوسطة والغنية تقربا من الله وللتفقه باصول الدين، وللاكتفاء الذاتي على هذا الصعيد.حتى اذا تخرج الواحد منهم واشتغل بمهنة حرة ادرك اصول المعاملات وفقتضيات الاحوال.وقد يكون هذا الامر دفع ايرا مارفين لابيدوس بالاستناد الى كتب السير والتراجم الى القول ان العديد من ابناء المهن الحرة كانوا من العلماء مثل:” البنائين، وعمال الحجارة والنجارين والنحاسين، وصناع الصابون والصيادلة… كما كان عدد من صناع الحبال والاسرجة والاقواس والنساج والقصابين وتجار الصوف… مطلعين على الشريعة الاسلامية، وتقلدوا العضوية في مدارس الفقه[128].

    وهكذا تصبح المدرسة راعية الحي ، والاساس في التفريع الطبقي، والرائدة في تعميم الظواهر الاجتماعية، ليس للدور التثقيفي الديني فقط انما للدور الاجتماعي والسياسي احيانا الذي كان يمارسه القيمون او المشرفون عليها.لانهم شغلوا مناصب جلية الى جانب التدريس ، فكانوا قضاة، ومحتسبين، ورجال ادارة، وأئمة مساجد، وكتاب سر وغير ذلك من موظفي الادارة المدنية.وبالتالي لعبت المدرسة دورا رئيسا في التآلف والتجانس الاجتماعيين.    

والى جانب المدرسة اختصت مؤسسات اخرى بالتعليم سأكتفي بذكرها فقط كي لا ادخل في كامل تفاصيل النظام التعليمي الدمشقي المملوكي،وهي: الجوامع، دور القرآن الكريم،والكتاتيب، والخوانق ،الربط ،وبعض الترب التي نص صاحبها بوقفه على هذا الامر.

    وعلى الرغم من الدور الاجتماعي المهم الذي مارسه المتعممون الدمشقيون فقد شكلوا فئة اجتماعية خاصة، فاذا اخذنا فقط بالاعتبار قضاة القضاة ومساعديهم من القضاة، وارباب الوظائف الديوانية، والمدرسين ندرك تماما العدد الكبير لهؤلاء الذين شكلوا فئة متميزة وان على درجات تبعا لوظائفهم.فقد كانوا جميعهم من المتفقهين بعلوم الدين على مختلف انواعها وان بمستويات متفاوتة، وجاءت ثيابهم متشابهة مع بعض الاختلاف[129]، وفرضوا احترامهم على الدمشقيين والحكام على حد سواء، ونالوا رواتب نقدية او اقطاعات، وبالتالي كانت احوالهم الاقتصادية جيدة الى مريحة تبعا للوظائف التي كانوا يشغلونها.كما كانت لهم منزلة وكلمة مسموعة عند الفئة العسكرية الحاكمة.    

22 – رجال الدين المسيحيون : ان الكنيسة المسيحية هرمية ، تتدرج الرتب فيها من اعلى الى اسفل كما يلي: البطريرك [130] وهو صاحب اعلى سلطة يأتمر به اصحاب الرتب الاخرى وعامة المسيحيين ، وهو المسؤول عن رعاياه بدمشق امام النائب. يليه نائبه الملقب بالاسقف ، ثم المطران المسؤول عن المسيحيين في ناحية جغرافية محددة ، ويمارس فيها سلطة قضائية ، ثم الكهنة الذين يرتبهم القلقشندي كالآتي : القسيس ، والجاثليق والشماس .[131] ان هذا الترتيب الكنسي ينطبق على طائفتي اليعاقبة والملكيين معا.ويبقى السؤال هل شكل هؤلاء فئة متميزة عن بقية السكان؟ تصعب الاجابة على ذلك نظرا لقلة المعلومات التي وفرتها لنا المصادر التي اطلعنا عليها، انما المرجح، بما ان المسيحيين كانوا يعيشون في احيائهم الخاصة، ويتمتعون بنظمهم الخاصة ايضا، انهم فئة اجتماعية ميميزة ببعض وجوهها من الفئات الاجتماعية الاسلامية، علما ان الصفة العامة للمجتمع الدمشقي بما هي ظاهرة اجتماعية عامة شملتهم بدورهم، لانهم تشاركوا مع بقية الدمشقيين الاعمال عينها، واحتفلوا معهم بكل الاحتفالات والاعياد ، كما شاركهم المسلمون احتفالاتهم.

رئيس اليهود : وهو المسؤول ، بوجه عام عن طائفتي اليهود القرائيين و الربانيين معا .[132]اما السامرة فقد كان لهم نائب رئيس بدمشق وهو المتحدث باسمهم [133]، وكان وضعهم الاجتماعي مشابها الى حد بعيد لوضع المسيحيين.

       على ان دور رجال الدين خصوصا المسلمين لم ينحصر فقط بما ذكرت ، بل مارسوا مهمات اخرى كالتدريس والافتاء وارشاد الناس والخطابة في دور العبادة مما قربهم من العامة ، كما مارسوا ضغوطا على الطبقة العسكرية الحاكمة بدمشق لحل المشاكل الناجمة عن سؤ اداء افرادها تجاه مختلف الفئات الشعبية

23  – الاعيان الآخرون: لتحديد التفريع الاجتماعي ضمن فئة الاعيان لا بد من اعتماد المبدأ المنظم وهو مبني في هذه الحالة على المستويين الاقتصادي والمنزلة الوظيفية.ان خلو مصادرنا العربية من الارقام تدفع بالباحث لاعتماد الصفة فقط بالنسبة للحالة الاقتصادية التي تعتمدها هذه المصادر كأن تقول فلانا من مياسير التجار او من كبار التجار،كتجار الخانات والقيساريات، وارباب القوافل وتجار الجملة والسماسرة او الوسطاء التجاريين.

 لقد ضاهى هؤلاء كبار الامراء من حيث الاهمية وشاركوا بحضور الاحتفالات الرسمية،ونالوا احتراما مميزا من السلطات ومن الشعب على حد سواء[134]،لان التجارة تحتل مركزا مرموقا في الاسلام [135].ويدرج في هذه الفئة اصحاب الصناعات المهمة وهم غير الحرفيين الصغار. ويصعب علينا اعطاء فكرة واضحة عن هؤلاء حتى وان اعتمدنا على دراسة المصادرات التي كانت تقوم بها السلطات الحاكمة بدمشق لسد عجز موازناتها اولزيادة مداخيلها،لان المصادر الدمشقية تحجم،غالبا، على خلاف المصادر المصرية التي تعطي ارقاما عن غنى بعض التجار وغيرهم من المياسير[136].وهناك صعوبة اخرى تتمثل بتحديد نسبتهم الى مجموع تجار دمشق من جهة ،والى مجموع سكان دمشق من جهة ثانية.

اما المبدأ الاخر المنظم للتفريع الطبقي للاعيان فهو السلم الوظيفي :فالى جانب الجهاز القضائي كان هناك العلماء، والمحتسب، وشيوخ الاسواق ( النقباء)،[137]والاطباء،والمهندسون،وجباة الضرائب. ان بياض العامة ممن ذكرنا شكلوا الطبقة البرجوازية بالاصطلاح الحاضر لان الابناء توارثوا عمل الآباء،وجنى بعضهم ثروات مهمة جعلتهم عرضة اما للمصادرات او للطرح[138]،ما دفع ببعضهم لاخفاء ثرواتهم،ما ادى لتقهقر نسبي في الحركة الاقتصادية عامة

 3- العامة [139]: من الواضح جدا ان الاسلام دعا الى المساواة بين المؤمنين بهدف الغاء التفاوت في المجتمعات الاسلامية وتحقيق العدالة على المستويات كافة . انما سير الفتوحات السريعة وما نتج عنها من غنائم مذهلة مادية وبشرية ، وخضوع مساحات جغرافية شاسعة للسلطة الاسلامية بسقوط الامبراطرية الساسانية ، وانحصار رقعة الدولة البيزنطية ، واعتناق بعض سكانها الاسلام دينا والبعض الآخر ظل على ديانته السابقة وفق مفهوم الذمة ، فترتب على كل ذلك ظهور اول ترتيب اجتماعي عفوي ، الذي يصنفه عبد العزيز الدوري كما يلي : الفاتحون العرب ، المسلمون من غير العرب ، الذميون والارقاء ( العبيد )[140] وزاد برسوخ هذا الترتيب جنوح الانسان بطبعه الى السلطة وما افرزه من  صراعات لم تترك آثارا سلبية على المستوى السياسي فقط ، انما ايضا على المستوى الاقتصادي، بالاضافة الى نشوء المذاهب في الاسلام الذي ادى الىتحولات اجتماعية استمرت تتراكم عبر العصور حتى اربكت التوازن الاجتماعي ، وبالتالي نجم منها تمزق شديد .

ولم يحاول القيمون على دول الخلافة رأب صدعه ، ولا سيما عندما تصدر السلطة السياسية الاغراب عن المجتمع العربي بدءا بالاتراك خلال العصر العباسي الثاني وصولا الى العهد المملوكي ، فازدادت الهوة بين الحكام والمحكومين ، ونشأ فراغ في الولاء ، حتى باتت شرائح كبيرة تعيش على هامش الحياة ، خصوصا في المدن.

 واشد ما نلادظ ذلك في العهد المملوكي بحيث تقاسم السلطان وامراؤه الخيرات الاقتصادية في الدولة ، وهي وفيرة جدا. ونشأ نوع من العداء بين الحكام والرعية، على الرغم من محاولة الحكام التقرب من الشعب عن طريق بناء المؤسسات الدينية والاجتماعية كالمساجد، والبيمارستينات ( المستشفيات ) والمدارس. انما الضرائب الفادحة وغير المنتظمة، اضافة الى السخرة، ومختلف انواع المصادرات، افرغت كل محاولات التقرب من مضمونها. وراح بعض افراد الطبقات الاجتماعية ( الفئات ) ينحدرون من طبقة الى اخرى ، وبتعبير اوضح كان تحولهم ينحدر باستمرار نحو القاعدة ، حتى تفرع على عهد الدولة المملوكية الثانية فئة اصطلح على تسميتها ب” الزعر” ، وهي عرفت في ما مضى بالعيارين والارذال والاوباش وتحديدا في العصور العباسية [141]، ولكنها لم تنحو الى التطرف في الفساد كما اصبح عليه الحال  مع  الزعر .

وتعبير العامة او اصطلاحه قديم جدا في المجتمع الاسلامي،تناوله الادباء والفقهاء والمؤرخون للدور البالغ الاهمية الذي مارسته العامة في المجتمع على الصعيدين الاجتماعي والسياسي: فهم عند الدينوري :”اصحاب الاهانات،وابناء الانذال…ومنهم الرعاع والهمج والغوغاء،واهل السفه والخفة…والدهماء.”[142]وهم عند الطبري:النطاف وباعة الطريق في محتقرات البيوع، وبائعو البطيخ والزجاج ،والقصابون ،والبقالون،والكناسون.[143]والعامة عند “الصفدي”خلاف الخاصة”[144]

وعلى هذا ، يمكن تعريف العامة في العهد المملوكي بأنها الفئات الشعبية التي لم تتلق تعليما ، ولا حققت ثروة ، ولم تشغل منصبا حكوميا ، بل هي جماعات دفعت الضرائب من دون ان تفيد منها اجمالا ، وسميت العامة او عامة الناس لاضفاء عليها صبغة من الاحترام وتمييزا لها من الزعر والارذال.[145]

وتألف العامة في العهد المملوكي من: اصحاب الحوانيت ، والباعة المتجولين ، وباعة المفرق ، والعمال كالنجارين والبنائين، والحرفيين[146]،وضمت ايضا اصحاب الصفقات التجارية المشبوهة، والمخادعين،والسماسرة،والصيارفة،[147]وتجار النخاسة،وبائعي الخمور،والمغنين والنادبين[148]، واضاف اليهم المقريزي القصابين،واصحاب بيوت الدعارة، وضامني الافراح والمآتم،والمشاعلية اي منظفي الاقنية والبيوت[149]،ويضاف الى هؤلاء عمال الدباغة،وضاربي الرمل لكشف الغيب،وسائقي البغال والحمير وغيرهم[150]. وشمل هذا التصنيف مختلف الطوائف: الاسلامية من سنة وشيعة ، والمسيحية من نساطرة ويعاقبة ، ويهود قرائيين وربانيين وسامرة.

لقد تجانس جميع العامة من حيث طبيعة العمل ، فمثلا: لم يكن ممنوعا على الذميين ممارسة اي مهنة يمارسها المسلمون، فامتلك المسيحيون محلات كثيرة غصت بمختلف انواع الملابس ، والاواني النحاسية وغيرها .[151]ويعتبر “اندريه نصار” ان تجارة الاقمشة شكلت واحدا من القطاعات التجارية الرئيسية للنشاط التجاري اليهودي في القرون الوسطى ، وتاجر يهود دمشق بالالبسة ، ومارسوا ايضا بعض الحرف .[152]واشتهروا باعمال الصيرفة وبالربى عن طريق اقراض الناس الاموال [153].كما تولوا وظائف كتابة السر ، ودار الضرب.[154]

واختلفت اوضاع اليهود والمسيحيين عن المسلمين بدفع ضريبة الخمر، والجزية او الجوالي عملا بأحكام اهل الذمة ،واجحف احيانا جباة الضرائب بحق الذميين ، فكانت تصدر بسبب ذلك، ووفقا لهوى السلطان،مراسيم سلطانية شريفة تأمر النائب بجباية الجزية وغيرها بالمعروف،وتطلب ممن ظلم من الذميين التوجه الى الابواب الشريفة اي السلطانية.[155]كما طبقت عليهم احيانا شروط الذمة[156].وعوقبوا جماعيا مرات اخرى بسبب استيلاء القراصنة الاوروبيين على السفن التجارية المملوكية في المتوسط ،او اعتداء دولة اروربية او اكثر على دولة اسلامية[157]، او بناء لرغبة السلطان ومن دون اسباب حقيقية[158].ولم يكن اليهود محبوبين من السكان، وتعرضوا مرات عدة للاهانات والضرب حتى في المواكب الرسمية او احتفالات النائب[159]

واختلفت ايضا اوضاع المسيحيين واليهود عن اوضاع المسلمين من حيث السكن، بحيث كان للمسيحيين حيهم الخاص في الزاوية الشمالية الشرقية للمدينة بالقرب من باب توما،وسكن اليهود بالمحلة التي عرفت باسمهم[160]، وكانت للطائفتين مقابر خاصة معروفة باسمهما على مقربة من اسوار المدينة.[161] ويصعب اعتبار ذلك اختلافا دقيقيا اومهما لان الاحياء عموما ،والحارات خصوصا انتظمت وفق ترتيب عائلي ، فكان لكل عائلة حيها اجمالا على حد تعبير لابيدوس[162]، الذي يصنف الاحياء وحدات اجتماعية قائمة على التجانس الديني_ من دون ان يحدد الطائفة_ والعرق، وهي، برأيه، مماثلة للوحدات القروية داخل التكتل المديني[163].

4-الزعر: ان نشوء المعدمين في مختلف المجتمعات الانسانية نتج من الصراع على الثروة او على السلطة،او على الاثنين معا لتلازمهما في غائية جنوح الانسان الى العظمة.وفي خضم يأس المعدمين انبرت جماعات تدعي الدفاع عن مصالحهم،ونصبت نفسها قادة عليهم باسم الانسانية.وهذه القيادات، في الغالب،تكونت من افرازات اوضاعهم البائسة المنبثقة من رفض الواقع المظلم والمرير،ومن جنوحها بدورها للاستغلال،ولشراسة في اخلاقها وطبائعها.فتكونت اذ ذاك احزاب عفوية اخذت على عاتقها تغيير الواقع المشكو منه ،وفق اساليبها الخاصة،واقنعت المعدمين بأن ما تصبو وتسعى اليه، وفق وسائلها الخاصة، يمثل انجع السبل لتطوير احوالهم البائسة،وبالتالي نشأت منظمات الزعر.

ولنا امثلة  في التاريخ العربي والاسلامي الوسيط على انتظام الشطار او العيارين بما يشبه الاحزاب،فضلا عن انتظامهم العسكري،فقد حفظ لنا المسعودي هذا التراتب.[164]

وقد تألف الزعر اجمالا من الشطار(سليلي العيارين على الارجح)،والبلاصين،والغوغاء،والاوباش ،والحرامية – وهم غير اللصوص)،والاوغاد ومن شابههم[165].ولم ينتج هؤلاء من الافراز الاجتماعي الدمشقي فقط بل ان بعضهم كانوا دخلاء عليها اذ لجأوا اليها على اثر الغزو المغولي للعراق وما جاوره.[166]وأنشأوا حارات خاصة بهم في عدد من احياء المدينة من اشهرها:الغوطة،الشاغور،القبيبات،ميدان الحصى،القراونة،حارة المزابل، الشويكة،زقاق البركة،باب السريجة وغيرها. وهي عبارة عن احزمة بؤس في طفرات المدن الحالية[167]،ساهمت بزيادة التدهور الاجتماعي والاقتصادي الدمشقي،لأن الزعر ومن شابههم عزفوا،بوجه العموم،عن القيام بأعمال شريفة.

لقد كون الزعر خلايا خاصة بهم تمركزت كل خلية في حارة من الحارات التي ذكرتها اعلاه يتزعمها قائد عرف بكبير زعر محلته،ولقب نفسه احيانا بلقب يستشف منه المنزلة العالية او النبيلة تدليلا على كرم في المحتد: مثل “قريش” او ابن “الاستاذ”، ولكي ايضا يجعل من  تنظيمه تنظيما محترما ظنا منه ان التسمية تمحو الصفات السيئة التي طالما اتصفت بها منظمات الزعر، [168]اومثلا للتدليل على القوة والمهابة لاخافة الاعداء فتسمى بعضهم الآخر ب” أبي طاقية”[169]،او “الجاموس”[170] للدلالة على ضخامة الجثة والقوة البدنية.

    وتمييزا لهم من بقية الناس تزي الزعر بلباس خاص هو كناية عن”فرعاني” يلفونه على رؤوسهم،وثياب يقلبونها على أكتافهم،وارتدوا ايضا الابشات بأكمامها الطويلة والعريضة لتخفي سلاح الواحد منهم [171].وبما ان تنظيمهم يقوم على القتال اما للدفاع عن انفسهم او مهاجمة الآخرين كالاعتداء على الناس بأموالهم، او مهاجمة الاسواق،[172]فقد اشترطوا على المريد الذي ينوي الانخراط بتنظيمهم حسن استعمال الخناجر والسيوف وغير ذلك من الاسلحة التي كانو يقتنونها[173].

-موارد رزقهم:  اعتاش الزعر من موارد متعددة:فقد امتلك بعضهم الحوانيت،وفي هذه الحال فرضوا سطوتهم على الحوانيت المجاورة واحيانا على معظم حوانيت السوق او المحلة،بأن اقاموا،في بعضها،من يبيع لحسابهم او باسعار مرتفع نسبيا فينصرف المشترون الى محلات الزعر فتزدهر محلاتهم،او انهم فرضوا الاتاوة “الخوة” على بعض الحوانيت،وذا رفض اصحابها الانصياع تعرضت حوانيتهم اما للسرقة او لاعتداءات اخرى،وكان تواجد حوانيتهم في محلة ما يشكل كارثة على اصحاب الحوانيت الاخرى، ليس بسبب ما ذكرت فقط،بل لان المحلة اذا تعرضت للرمي او الطرح فرضوا،بقوة السلاح او السطوة، المال المتوجب لتلك الضرائب على الحوانيت الاخرى،وبالتالي ينجون هم من دفع الضرائب.[174]واذا ارادوا الاحتفال- وكانت احتفالاتهم باذخة – بسبب اقامة الهدنة العسكرية بين منظماتهم حمعوا الاموال من “المستورين او المحتاجين على وجه الحياء والقهر”على حد تعبير ابن طولون.[175]

تمادي الزعر : ان من المفارقات الغريبة،تشجيع السلطة الحاكمة الزعر على التمادي بغيهم، لاسيماعندما كانت تحتاج الى خدماتهم:فأحيانا كان نائب دمشق وبعض كبار الموظفين العسكريين يحضرون العرض العسكري الذي يقيمه الزعر،ومن ثم يخلع الخلع على اكابرهم[176].وكان الزعر يستقبلون نائب دمشق الجديد ، كبقية السكان،انما بعدتهم الكاملة،[177]وهذا يعني اعترافا ضمنيا بسلطتهم. واذا اعلم نائب دمشق احدى منظماتهم انه سيمر بموكبه في محلتهم اخذوا اموال الناس قهرا وزينوا له عند زاوية المحلة[178]، وكأني به يشجع ممارساتهم ،وبالتالي يشجع الجريمة.وكثرا ما عمد الحكام المماليك الى كنائب المدينة، او اتابك العسكر الى ملاطفة الزعر، واقامة الصلح بين فئاتهم المتنازعة من دون ان يردعوهم او يقتسوا منهم بسبب تعدياتهم[179]، علما انهم ابدوا قلة احترام لاهل السلطة بمن فيهم من يحتل مناصب رفيعة[180]، بعد ان كانوا تعدوا مرات عديدة على المماليك السلطانية[181].والمؤسف ان نائب المدينة ساهم بطريقة فعالة بالاعتراف بالزعر وبتنظيمهم عسكريا وتدريبهم والاستعانة بهم[182].وبالتالي تم الاعتراف بهم رسميا، واعطوا صفة معنوية، على الرغم من عن الظاهرة الاجتماعية التي كانت تحكم تصرفهم كانت التعديات على اختلاف انواعها اضافة الى مختلف انواع الجريمة واللصوصية. 

ومن المؤسف ايضا ان بعض الفقهاء ساهموا بطريقة غير مباشرة بازدياد اعمال الزعر الشائنة حينما اجازوا لهم قتل اعوان الظلم والمجرمين من البلاصين واللصوص وغيرهم من دون ان يدروا او انهم كانوا يدركون انهم حاولوا استئصال الجريمة بجريمة اخرى قد تكون ابشع،لان الزعر استندوا لتبرير جرائمهم على فتوى دينية وعلى مساندة بعض رجال الدين اذا اراد نلئب المدينة او غيره من المسؤولين الاقتصاص منهم[183].والافدح من ذلك كله انهم صاروا يخرجون باسلحتهم ،ويسطون على اموال  الناس ومن امتنع عليهم قتلوه باسم الدفاع عن مساوىء المجتمع[184].ولم يقف الامر عند هذا الحد بل صار الناس يدفعون لهم الاموال  لقاء القضاء على اعدائهم[185].واذا تجرأ احد وشكا امرهم للسلطات دفع حياته ثمنا بحيث انتشرت كمائن الزعر وكثرت الاغتيالات.[186]

والاغرب من كل ذلك انه جرت العادة اذا وجد قتيل في محلة ما ،مجهول قاتله، غرم اصحاب حوانيت المحلة او سكانها  بديته،وتختم حوانيتهم ريثما يتم تسديد الدية[187].ان كل ذلك يدفعنا للاعتقاد ان (طبقة) فئة احتماعية تم الاعتراف بها رسميا من اعلى سلطتين في دمشق المملوكية: السلطة العسكرية ، ورجال الدين.وهذا يدل من دون ادنى شك على انتشار الجريمة والمساوئ الاجتماعية المتنوعة على نطاق واسع، وعلى عجز السلطة العسكرية والجهاز الحاكم.  

العلاقات بين فئات المجتمع الدمشقي :دخل معظم المماليك الى مصر وبلاد الشام صغارا،وتربوا تربية اسلامية من حيث اعتناق الدين فقط لانهم عاشوا في الطباق [188]،واشرف على تربيتهم الطواشية ،ومقدموهم[189]،الذين هم بدورهم يتحدرون من المماليك،فضلا عن بعض رجال الدين. وقد جهدوا كي يتخرج طلابهم منضبطين طائعين لرؤسائهم،  ومنعوا في بداية العهد المملوكي من التزاوج من بنات البلاد والاختلاط بالسكان فانعكس الامر سلبا على الانصهار الاجتماعي. وشعر المماليك باستمرار بانفة واستعلاء بما حظوا على مختلف الاصعدة المادية والاجتماعية والحظوة عند امرائهم وعند السلاطين ايضا.

وازداد في الوضع سوءا عندما جيء بالمماليك كبار السن، اي”الجلبان” ممن ثقل عليهم العيش في بلادهم،او كانوا قد امتهنوا حرفة او مهنة، فانخفض مستوى تعليم المماليك في الدين والتدريب على حد تعبير المقريزي.[190]

لقد ادى كل ذلك الى انفصام بين الحكام الاغراب وجهازهم العسكري من جهة، والسكان من جهة ثانية. فلم يدرك السلاطين اهمية السكان في منعة الدولة وتطور المجتمع ،ولم يشذ نائب دمشق عن هذه القاعدة ،وحذا الجهاز العسكري الدمشقي الخطى عينها.فاعتبروا السكان كل السكان مصدرا ماليا لاينضب،وخدما لرفاهيتهم،فاعتمدوا اساليب لا يقرها لا الشرع الاسلامي ولا اي شرع آخر، ولعل ابرز تلك الاساليب الملتوية:

الرمي : وأصله ان تفرض على حارة او حي بأكمله مبالغ من المال دية لقتيل وجد فيها لم يعرف قاتله عملا بالمذهب الحنفي[191]،ولكن المذهب المذكور اجاز دفع الدية لاهل القتيل انما بدمشق صار النائب او من ينوب عنه يستوفي مبالغ طائلة يدفع – ان دفع- قسما ضئيلا منها دية ويحتفظ ببقية المال. حتى غدا الامر سياسة مالية اجتماعية انتهجتها الطبقة العسكرية الحاكمة وافتن المماليك باختلاق الذرائع تبريرا لهذا الاساليب الملتوية.فتذرع نائب دمشق بفقدان الاشخاص بمحلة ما من دون التثبت من ان الغائب قتل او انه غاب في المحلة موضوع الرمية ليفرض الرمي على سكانها[192].وغدا الرمي آفة مادية اجتماعية بحيث تذرع نائب دمشق بمختلف الاجتهادات ليفرض المال على اهل دمشق مثل ملاقاة قافلة الحج[193]،او ليسدد من تولى وظيفة برشوة مالا للنائب الذي كان يشترط عليه لقبوله في المنصب الجديد الرمي على الحارات والاحياء[194]، او بسبب الصراع بين مملوك واحد الاهالي[195]،وبات الرمي مصدرا ماليا شبه ثابت اذ فرض لتسديد نفقات الحملات العسكرية[196]، وغير ذلك من انماط الاحتيال التي ابتدعها نائب دمشق ومعاونوه.[197]ومن الامثلة الصارخة على الضرر الذي كان يلحقه الرمي بالناس ان تاجرا دمشقيا شنق نفسه لعجزه دفع مال الرمي ، الذي قرره السلطان على تجار دمشق في ربيع آخر من عام 894 ه، ولما جاء والده يشتكي للنائب امر بشنقه بعد ان اتهمه برفض اقراض ابنه المال المتوجب عليه لدفع بدل الصابون المرمي عليه[198]    

الطرح : وهو بيع قسري يفرضه نائب دمشق على التجار وبأسعار يرتئيها كأن يملك سلعا يريد التخلص منها او ان يشتري سلعا من الاسواق بالسعر الذي يرتئيه ثم يعيد بيعه قسرا بثمن اغلى،او نهب سلع ما يمكن ان تكون فاسدة ويلزم التجار بشرائها[199].ومؤلفات لبن طولون مليئة بالنماذج على الطرح سنكتفي بذكر بعضها:بناء على مرسوم سلطاني طرح على تجار دمشق عام 886 ه كمية كبيرة من السكر بزيادة ثلاث دراهم على السعر الرائج للرطل الواحد[200]،وفي عام 904 ه طرح نائب دمشق جمالا على اهالي دمشق، كان نهبها من عرب حوران فشكا اهالي القبيبات فقرهم وعجزهم عن شرائها، فما كان من النائب الا ان طلب المشاعلية وامرهم بضرب المشتكين، ومن ثم غرمهم امالا كثيرة اضافية، وطرح بقية الجمالا باثمان مضاعفة على اهالي دمشق[201]  

المصادرة : وهي مصادرة اموال الناس من دون حجة شرعية. وقد بررها السلاطين ونواب دمشق كيفيا ،حينا من دون سبب وجيه كحاجة السلطان الى المال فيرسل قاصدا من عنده ويحدد قيمة المبلغ الذي تجب مصادرته،[202]او لسبب لا يمكن الركون الى صوابيته وهو تسديد نفقات الحملات العسكرية للدفاع عن الاطراف الشمالية لبلاد الشام ،او حملات تخدم النائب نفسه خصوصا عندما يثور على السلطان بقصد احتلال منصبه.[203]والمصادر المملوكية عامة والدمشقية خاصة مليئة باسباب المصادرات وانواعها،التي غدت عادة يلجأ ايها الحكام للحصول على الاموال من دون مشقة ،وكأنهم لم يكفهم استيلاؤهم على معظم مصادر الدخل في دمشق .

المشاهرة والمجامعة :وهي كناية عن مال شهري يفرض على الاسواق لصالح السلطان او نائب دمشق.فيعمد التجار الى رفع اسعار سلعهم كي يتمكنوا من تسديد المتوجب عليهم،وكانوا يستغلون الامر لزيادة الاسعار اكثر مما تقتضيه المشاهرة وبالتالي وقع سكان دمشق ضحية للتجار والحكام معا.[204]

تعديات معتنوعة:مارس المماليك تعديات متنوعة،لا يمكن دراستها كلها في هذا البحث لانها وحدها تشكل بحثا قائما بذاته،وسأكتفي بذكر ابرزها او عناوينها:كالنهب التي طالما تعرضت له دمشق في مناسبات عديدة من دون ان يلقى المنكوبون انصافا في أكثر الاحيان[205].

تجاوزات الاجناد:تعرضت دمشق لانواع رهيبة من التعديات الناتجة من ممارسة الجند أكان الذين اقامو فيها او الذين قدموا اليها لاكثر من سبب،وفي الحاليين معا سام الجند الدمشقيين انواع الاعتداءات في املاكهم وارزاقهم ونسائهم،اضافة الى زهق الانفس.[206]

ثالثا: موقف الدمشقيين:لم يتقبل الدمشقيون الواقع المرير بسهولة، وادركوا انهم مغلوبون على امرهم،وان اصلاح الحكام اصلاحا جذريا غير ممكن،فحاولو جاهدين تغيير المعادلات باللجوء الى الوسائل الدينية في معظم الاحيان،وعبروا عن مواقفهم بما اوتوا من امكانات محدودة، وهرعوا الى رجال الدين،الذين ينطقون باسمهم ان لم نقل انهم ممثلوهم، على اعتبار ان لهم منزلة مهمة قد يقدرها الحكام،وقد نجحوا احيانا في رفع الحيف عن المظلومين.[207]وفي حال فشلت الوساطة اعتمدوا بدائل اخرى كالاحتجاج السلمي وهو المعروف بالتكبير- النزول الى الاسواق هاتفين الله اكبر- وهو تدليل على ان الله ينصر المظلومين وبالتالي دعوة الى اهل الظلم الى الثواب.وتم التكبير في الشوارع باعترض مواكب النائب او احد مساعديه، وفي الجوامع،وكان القضاة والعلماء يتقدمون المتظاهرين تأكيدا على استرجاع حق سليب ولاضفاء الصفة الشرعية على التظاهرة عل الحكام يرعوون.وكانت تلك التظاهرات تخيف المماليك ،بوجه عام،بما تخلق من حالات عدم الاستقرار التي قد ينفذ من خلالها المصطادون بالماء العكر للاخلال بالامن او للتعدي على من يجدون من المماليك منفردين.[208]

      وكان لفشل تلك المساعي آثار سيئة على الوضع العام في دمشق،ادى الى يأس العديد من متوسطي الحال،اذ ان التعديات المتكررة حولتهم الى ما دون متوسطي الحال بل الى فقراء،وعجزوا ،بالتالي عن تأمين اود الحياة فسلكوا دروب الجريمة المتنوعة،فازدهرت اعمال اللصوصية والحرامية ،وكثرت الجرائم،ومناسر الليل ،والسرقات واعمال النهب[209]. وانخرط بعضهم في منظمات الزعر ما زاد في الطين بلة ،وساءت ،بوجه عام،احوال الدمشقيين. كما حفل المجتمع الدمشقي بانواع المفاسد الاخلاقية نتيجة ممارسات الحكام الجائرة وبسسب الفقر واليأس والكفر ان جاز التعبير، ولعل ابرز تلك المفاسد الدعارة على انواعها[210]والتحشيش.[211]وما الى ذلك.

من المؤسف حقاان تنتهك القيم المشرقية عامة والاسلامية خاصة في المجتمع الدمشقي،فالمماليك هم في واقع الامر اغراب اكتسبوا حديثا الاسلام دينا ولم يتثقفوا بعمق بمبادئه وقيمه الاخلاقية،ولا هم انخرطوا اجتماعيا في مظاهر الحياة التي عاشها كل الدمشقيين المدنيين او تحسسوا روعتها وانسانيتها،وبالتالي لم يدركوا ان الدمشقيين هم الاساس لرئيسي للحياة المرفهة التي عاشها المماليك ولم يقدروا الانسان فيهم،انما، ابدا، نظروا اليهم بامتهان واستعلاء.وقد تأتت كل تلك العلل من سوء تدبير القادة لتأصل عاداتهم الاصلية في نفوسهم،ولامتناعهم عن فرض عقوبات صارمة على من يعتدي ممن كانوا يحمونهم،ولاعتمادهم “الياسة”قانونا عوضا عن الشرع.ويعوزني التعبير الصحيح لشرح تلك المعادلة بين الاغراب والاهلين.

         لقد غدا الفقر والظلم وعدم الاطمئنان الظاهرة الاجتماعية لمعظم احياء دمشق، وعلى الرغم من تنوع الاحياء وتمايز بعضها عن البعض الآخر بالسلوك الاجتماعي احيانا المتأتي عن الوظيفة بوجه العموم، فان اللصوصية ، والنهب، وتعديات المماليك الفردية احيانا، والمنظمة احيانا اخرى، ناهيك بالصراع بين المماليك انفسهم نوابا، وارباب ادارة آخرين، فضلا عن الصراعات بين طوائف الجند، وقد تطرقت المفاسد الاجتماعية على اختلاف انواعهاالى الجهازين الاداري العسكري، والى بعض المتعممين، ولا سيما التنافس على المناصب وشراؤها، وشرب الخمر، وحماية الخمارات[212] ، والدعارة[213] .ان كل ذلك شكل السمات الاجتماعية لدمشق على عهد المماليك.ولم تكن اعمال البر والخير النادرة[214]، فضلا عن بناء المؤسسات الدينية العديدة على اختلاف انواعها سوى تكفيرا عن ممارسات الظلم غير المبررة، وتقربا من الله من جهة ثانية.وعلى الرغم من العقوبات المتعددة التي انزلت ببعض اهل الظلمة من ابناء دمشق، وببعض المماليك احيانا، فان سلوك الحكام الفاسد، بدا سلوكا عاما في اواخر عهد المماليك، حتى ان بعض المناصب الادارية العسكرية فضلا عن معظم مناصب المتعممين صار يشرى بمال.فانعكس هذا السلوك الملتوي على المجتمع الدمشقي وحول بنيته الاجتماعية.

                          الدكتور انطوان ضومط استاذ التاريخ الاسلامي الوسيط في الجامعة اللبنانية

    مصادر البحث ومراجعه :

اولا المصادر العربية:

-ابن ابي اصيبعة،(احمد بن القاسم)،عيون الانباء في طبقات الاطباء،تحقيق اوغست مللر،القاهرة ،1822،

ابن اياس،بدائع الزهور في وقائع الدهور،بولاق ،1311هجري

ابن بطوطة،(محمد بن عبد الله)،تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار،المطبعة الاهلية،باريس،1874-1879.

ابن تغري بردي،(جمال الدين ابو المحاسن)،النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة،طبعة دار الكتب ،القاهرة،1930-1956

ابن جبير،(حسين)، رحلة ابن جبير،دار صادر بيروت،1961.

ابن جماعة،(بدر الدين محمد)،تذكرة السامع والمتكلم في آداب العلم والمتعلم،مطبعة دائرة المعارف العثمانية،حيدر اباد الدكن،1353ه.

ابن طولون،( شمس الدين محمد)،-  مفاكهة الخلان في حوادث الزمان،نشر محمد مصطفى زيادة،القاهرة، 1962-1964

اعلام الورى بمن ولي من الاتراك بدمشق الشام الكبرى،تحقيق محمد احمد دهمان،دار الفكر ،دمشق،1984.

ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر،مجلة المشرق ،بيروت،1937،

نقد الطالب لزغل المناصب،حققه محمد احمد دهمان وخالد محمد دهمان،دار الفكر المعاصر نبيروت،1992.

الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء  الشام،تحقيق صلاح الدين المنجد،دمشق،1956.

القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية،تحقيق محمد احمد دهمان،دمشق،198.

ابن كثير،(عماد الدين اسماعيل)،البداية والنهاية في التاريخ،مكتبة المعارف،بيروت،1966.

ابن كنان،(محمد بن عيسى)، المواكب الاسلامية في الممالك والمحاسن الشامية، جزءان، تحقيق حكمت اسماعيل، وزارة الثقافة، دمشق، 1993

حدائق الياسمين في ذكر قوانين الخلفاء والسلاطين، تحقيق عباس صباغ، دار النفائس، بيروت، 1991

البدري،(ابو البقاء عبد الله)،نزهة الانام في محاسن الشام،القاهرة،1341ه.

البصروي،( علي بن يوسف الدمشقي)،تاريخ البصروي،تحقيق اكرم العلبي،دار المأمون للتراث،دمشق ،1988.

الخالدي،(مجهول الاسم الاول)،المقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا،مخطوط حققه خليل شحادة،اطروحة دكتوراه باشراف الاب الدكتور جان فييه غير منشورة،جامعة القديس يوسف،بيروت،1988.

الدينوري،(نصر بن يعقوب)،التعبير في الرؤية،مخطوط في متحف بغداد،رقم 598.

السبكي،(تاج الدين)،معيد النعم مبيد النقم،دار الحداثة،بيروت،1983.

الصفدي،(خليل بن ايبك)، تحفة ذوي الالباب،وزارة الثقافة ،دمشق،1991.

الصولي،(محمد بن يحي)،اخبار الراضي بالله والمتقي بالله مطبعة الصاوي،مصر،دون تاريخ.

الطبري،(محمد بن جرير)،تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، دار المعارف بمصر،القاهرة،1960-1969.

الظاهري،(خليل بن شاهين)،زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك،اعتنى بتصحيحه بولس راويس،المطبعة الجمهورية،باريس،1891.

العمري،(ابن فضل الله)،مسالك الابصار في ممالك الامصار،تحقيق دوروتيا كراوفولسكي،المركز الاسلامي للبحوث،بيروت،1986.

المسعودي،(ابو الحسن)،مروج الذهي ومعادن الجوهر،تحقيق شارل بلا،منشورات الجامعة اللبنانية،بيروت،1973.

المقريزي،(تقي الدين احمد)- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار،بولاق،1270 ه.

– السلوك لمعرفة دول الملوك،تحقيق محمد مصطفى زيادة،دار الكتب ،القاهرة،1934-1936.

النعيمي،(محي الدين عبد القادر محمد)،الدارس في تاريخ المدارس،مطبعة الترقي ،دمشق،1948.

     المراجع العربية

 الدوري،(عبد العزيز)،مقدمة في تاريخ صدر الاسلام،المطبعة الكاثوليكية،بيروت،1960.

العلبي،(اكرم)،دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين،الشركة المتحدة للتوزيع،دمشق،1986.

سوفاجيه،(جان)،دمشق،نقله الى العربية فؤاد افرام البستاني،حققه اكرم العلبي،دار الوارف،دمشق،1989.

زيادة،(نقولا)،دمشق في عصر المماليك،مؤسسة فرانكلن للطباعة والنشر،بيروت-نيويورك،1966.

سعد،(فهمي)،العامة في بغداد في القرنين 3و4 الهجريين،الاهلية للنشر والتوزيع،بيروت،1983

ضومط،(انطوان)،الدولة التاريخ السياسي والعسكري ، دار الحداثة،ط2،بيروت،1981

كرد علي،(محمد)،خطط الشام،مطبعة الترقي دمشق،1927.

كيال،( منير)، الحمامات الدمشقية، مطابع ابن خلدون، دمشق، 1986

عزب،(خالد)،”الاحياء السكنية”،مجلة الوعي الاسلامي،العدد 327،السنة 30.

لابيدوس،(ايرا مارفين)،مدن الشام في عصر المماليك، نقله الى العربية زكار،دار حسان،دمشق،1985.

نصار،(اندريه)،العامة بدمشق المملوكية،رسالة دبلوم دراسات عليا باشراف الدكتور انطوان ضومط،الجامعة اللبنانية،كلية الآداب،الفرع الثاني -الفنار،1997

                               Bibliographies

-Ashtor,E., Histoires des Prix et des Salaires dans l,Orient Medieval , Ecole pratique des hautes etudes, Paris , 1959

-Ayalon,D,” The Muslim City ahd the Mamluk aristocacy”,Proceeding of the  Israel Academy of Sciences and Humanities,2(Jerusalem 1968),pp. 311-329

-Heyd,W, histoire du Commerce du Levant au Moyen-Age,T2,Leipzig, 1885-1886

Institut francais d,archeologie orientale du Caire,Precis d,Histoire d,Egypte,par divers historiens et archeologues, 1932.

Soboul,A, L,Histoire sociale- Sources et Methodes,Colloque de l,Ecole Normale Superieure de Saint-Cloud,15-16 mai 1965,Paris, 1965.


[1] – شرف (جان )،الايديولوجية المجتمعية ، منشورات الجامعة اللبنانية،بيروت،1996، ص 100

[2] -Soboul, Albert, L’histoire sociale_ Sources et Méthodes, Colloque de l’Ecole Normale supérieure de Saint-Cloud, 15-16 MAI 1965, Paris 1965, p.10.

[3] – ibid  , p.  15

[4] – هذه الابواب هي بالتسلسل من الجنوب الى الشرق فالشمال فالغرب :الباب الصغير ، باب كيسان ، الشرقي ، توما ، السلامة ، الفراديس ، الفرج ، الحديد ، الجناز ، والجابية ، ابن طولون ( محمد بن علي )، الشمعة المضية في اخبار القلعة الدمشقية ، مطبعة الترقي ، دمشق ، ص 17 .

ابن بطوطة ( محمد بن ابراهيم ) ، رحلة ابن بطوطة ،دار صادر ، بيروت ، 1960 ، ص 97

البدري ( ابو البقاء عبد الله )، نزهة الانام في محاسن الشام ، القاهرة ، 1341 ه.، ص 25-28 .

العلبي ( اكرم حسن )، دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين ، الشركة المتحدة للتوزيع ، دمشق ،ص 49-50 .

[5]  – عينه ، ص 51

[6] – ابن كنان ( محمد بن عيسى الصالحي الدمشقي )، المواكب الاسلامية في الممالك والمحاسن الشامية ، تحقيق حكمت اسماعيل ، وزارة الثقافة، دمشق، 1992 ، ج1 ، ص208 

7- عينه ، ص209

8- المكان عينه

9- البدري ( عبد الله بن محمد )، نزهة الانام في محاسن الشام ، المطبعة السلفية ، القاهرة، 1341 ه. ، ص26

[10] – المواكب الاسلامية ، ج1 ص 211-212

[11] – العلبي ، ص 50

[12] – زيادة ( نقولا ) دمشق في عهد المماليك ، بيروت، 1966 ، ص 96

[13] -المواكب الاسلامية ، ص 215 ، وانظر حاشية رقم 7

[14]  – عينه ، ص 210

[15] – عزب ( خالد )، ” الاحياء السكنية “، مجلة الوعي الاسلامي ،العدد ، 327 ،السنة 30 ،ص 86-91 .

[16] – المكان نفسه

– نصار ( اندريه طانيوس ) ، العامة بدمشق المملوكية ، رسالة دبلوم دراسات عليا غير منشورة ،الجامعة اللبنانية ،كلية الاداب ،الفرع الثاني – الفنار- ،ص 22 .

[17] – مفردها محلة وهي حي ينفتح على ازقة ضيقة تعرف بالحارات

[18] – لابيدوس ( ايرا مارفين )، مدن الشام في عصر المماليك ، نقله الى العربية سهيل زكار ، دار حسان ، دمثق ، 1985 ، ص 81 .

[19]  – لابيدوس ، المرجع السابق ، ص 142

– بدرو ( شالميتا )، “الاسواق ” مجلة المدينة الاسلامية ، ص 109- 119 .

[20] – ابن المبرد ( يوسف بن عبد الهادي)، نزهة الآفاق عن حالة الاسواق ، نشر حبيب الزيات ، مجلة المشرق ، بيروت، 1939 ، ص 18 وما بعد

وانظر العلبي، دمشق، ص 251-253

[21] – ابن طولون ( شمس الدين محمد بن علي)، القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، تحقيق محمد احمد دهمان، نشر مكتب الدراسات الاسلامية، دمشق، 1956 ،ج1، ص 10 ، 74 ، ونزهة الانام، ص 82 ، والمواكب الاسلامية، ص 380-381

[22]  –  ابن كنان ، حدائق الياسمين في ذكر قوانين الخلفاء والسلاطين ، تحقيق، عباس صباغ، دار النفائس بيروت، 1991 ، ص 147، 149 156 ، 206

[23] – المواكب، ج1 ، ص 281 –  282، مفاكهة، ج1، ص 298، 358 ، اعلام الورى، 116 ، العلبي ،  ص 61-63

[24] – المواكب ، ج1 ، ص251-252

[25]  – عينه ، ج1 ، 252

[26]  – المكان عينه

[27] – المكان عينه ، وانظر الحاشية رقم 6 التي استند فيها المحقق على الاعلاق الخطيرة ، ونزهة الانام

[28]  – ابن بطوطة (محمد بن عبد الله )، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار ،المطبعة الاهلية ،باريس ، 1874 – 1879 ، ج1 ، ص235

[28] – نفسه ، ج1 ، ص 229 – 230

[29] – المواكب، ج1، ص292-293

[30] – عينه ، ج1 ، ص 293

[31] – كيال ( منير)، الحمامات الدمسقية، وزارة الارشاد القومي، دمشق،  1966 ، ص212

[32] – المكان عينه

[33]  عينه

[34] – الكيال، ص 212

[35]  – نصار ، المرجع السابق ، ص 22 .

[36] ابن جبير ( حين ) ، رحلة ابن جبير ، دار صادر، بيروت ، 1961 . ص 238 .

[37]  – الرمي هو ان ترمى على حارة معينة مبالغ من المال لصالح السلطان او نائب دمشق او لاقتراف احد ابناء الحي جرم او جريمة او اتهامه باحداهما ، وذلك بعدما بعدما تمكن الحكام المماليك من انتزاع فتاوى شرعية بشأن الرمي والطرح وما شابههما .انظر حول هذاه المواضيع : ابن طولون ، مفاكهة الخلان في حوادث الزمان ، نشر محمد مصطفى زيادة ، القاهرة ، 1962 – 1964 ، ج1 ، ص 227، 249 ، 309 ، 363 ، 366 ، وغيرها .

اما بالنسبة لتنظيم الاحياء فانظر ايضا ابن طولون ، المرجع السابق ، ج1 ، ص 213 ، 274 ، 282 ، 289، 330 ، 374 ، وايضا لابيدوس ، مدن الشام ، ص 152 .

[38] – ابن طولون ، المصدر السابق ، ص 227، 234 ، 267 ، 287 ، 363 ، 366 و377 .

[39] – لابيدوس ، المرجع السابق ، ص 145 وما بعد .

[40] – حدائق الياسمين ، ص 146 –157  

-38  كيال( منير)، الحمامات [41] الدمشقية، وزارة الارشاد القومي، 1966 ، ص43

[42] – ابن الاثير ( عز الدين)، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، دون تاريخ، ج10، ص 68، 98 ، و نزهة الانام ، ص 27 ، والمواكب الاسلامية، ج1 حاشية رقم5

[43] – المواكب، ج1، ص 214-215

[44]  – المكان عينه

[45]  –  المواكب ، ص 215 -216

[46]  – العمري ( ابن فضل الله ) ، مسالك الابصار في ممالك الامصار ، تحقيق دوروتيا كرافولسكي ، المركز الاسلامي للبحوث ، بيروت ، 1986 ، ص 181- 182 . وانظر ايضا ابن طولون ، اعلام الورى بمن ولي نائبا من الاتراك بدمشق الشام الكبرى ، تحقيق محمد احمد دهمان ، دار الفكر ، دمشق ،1984 ،ص 89 ، وايضا ابن طولون ،ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر ،مجلة المشرق ، بيروت ، 1937، ص 33 .

[47]  – المقريزي ( تقي الدين احمد ) ، السلوك لمعرفة دول الملوك ، تحقيق محمد مصطفى زيادة ، مطبعة دار الكتب ، القاهرة ، 1934 – 1936 ، ج1 ، القسم الثاني ، ص 162 .

[48]  – العمري ، المصدر السابق ، ص 181 – 182 ، elisseff , ( N), “DIMASHK” EI2, VOL2, pp 286, 293  ، و نصار ، المرجع الذكور ، ص 9  

[49] –  مفاكهة ، ص 20 .

[50]  – الصفدي ( خليل بن ايبك )، تحفة ذوي الالباب فيمن حكم من بدمشق من الخلفاء و الملوك والنواب ، وزارة الثقافة ، دمشق ، 1991 ، ص 170 – 171 ، Elisseff , ibid , p 294 , ، ونصار ، ص 10 .

[51] – Ashtor, Eliahu, Histoire des prix et des salaries dans l’orient medieval, Ecole pratique des hautes etudes, Paris, 1959, pp. 167,268

وانظر، ضومط ( انطوان)، الدولة المملوكية، دار الحداثة، بيروت ، ط2 ، 1981  ، ص 150

[52]  – العمري ، مسالك الابصار ، ص 181 ، و سوفاجيه ( جان ) ، دمشق ، نقله الى العربية فؤاد افرام البستاني ، حققه احمد العلبي ،دار الوارف ، دمشق ، 1989 ،ص 93 – 94 ، و نصار ، العامة الدمشقية ، ص  11 .

[53]  – سوفاجيه ، المرجع السابق ، ص 94 – 95 .

[54] – ابن بطوطة (محمد بن عبد الله )، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار ،المطبعة الاهلية ،باريس ، 1874 – 1879 ، ج1 ، ص235

[55] – نفسه ، ج1 ، ص 229 – 230

[56] – زيادة ( نقولا )، دمثق في عصر المماليك ،مؤسسة فرانكلن للطباعة والنشر ، بيروت – نيويورك، 1966 ، ص117 – 118

[57]  – ابن تغري بردي ( جمال الدين ابو المحاسن ) ، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، طبعة دار الكتب ، القاهرة ، 1930 – 1956 ، ج 12 ، ص 239 وما بعد ، وابن اياس ( محمد بن احمد ) ، بدائع الزهور في وقائع الدهور ، بولاق ، 1311 ه. ، ج1 ، ص 232 وما بعد .

[58]  – L’Histoire Sociale- Sources et Méthodes p.19 ,28 .

[59]  – المقريزي ( تقي الدين احمد ) ، اغاثة الامة بكشف الغمة ، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال ، القاهرة ، 1940 ، ص 72 – 73 .

[60] – زيادة ، دمشق ، ص 131

[61] – ابن جبير( محمد بن احمد)، الرحلة، دار صادر ، بيروت، 1980، ص 257 وابن بطوطة( شمس الدين محمد)، تحفة النظار في غرائب الامصار، جزآن، القاهرة، 1964،ج1، ص63

[62] – القلقشندي ( احمد بن علي )، صبح الاعشى في صناعة الانشاء ، مطبعة دار الكتب المصرية ،القاهرة ، 1913 ، ج4 ، ص 472 .

[63] – لم يعتبر الرق شرطا لدخول الفرد الى الطبقة العسكرية الحاكمة الا في احيان نادرة مثل انعام السلاطين على اولادهم احيانا او على اولاد الامراء الكبار احيانا اخرى . انظر : ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة ، ج 9 ، ص 99 -100 ، وابن اياس ، بدائع الزهور ، ج1 ، 227 ، و ج2 ، ص 5 .

[64] – – Ayalon ( david ), “the Musgim City and the Mamluk Mititary Arhstocracy “ , Proceeding of the Israel Academy of Sciences and Humanities, 2 ( Jerusalem 1968 ) , p. 323

[65] – النجوم الزاعرة ، ج9 ، ص 51 -52 .

[66] – ضومط ( انطوان ) الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي و العسكري ، دار الحداثة ، بيروت ، ط2 ، 1981 ، ص 86

[67] – Ayalon , ibid .

[68] – ibid

[69] – القلقشندي ، ج4 ، ص 40 – 41 .

[70] – المصدر نفسه ، ج4 ، ص 6 ، 10 ، و 40 ، وانظر المقريزي ، المواعظ والاتبار بذكر الخطط والآثار ، بولاق ، 1270 ه. ، ج2 ، ص 98 .

[71] ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 88

[72] – القلقشندي ، ج4 ، ص 310 – 312 ، وقد اورد المقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار- المعروف بالخطط – ، مطبعة الساحل ، بيروت ، 1959 ، ج3 ، ص 357 – 358 .

[73] – القلقشندي ،صبح الاعشى ، ج4 ، ص 50 – 51 ، وج3 ، ص 485 ، وج6 ، ص 185 ، المقريزي خطط ، بولاق ،ج1 ، ص 87 و90 ، ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة ، ج8 ، ص 52 ، ابن اياس ، بدائع ، ج1 ، ص 90، ج

[74] – العمري ( ابن فضل الله ) ، التعريف بالمصطلح الشريف ، مطبعة العاصمة بمصر ، 1894 ، ص 84 ، القلقشندي ، ج4 ، ص 184 ، الخالدي ، ( مجهول الاسم الاول )، المقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا ، مخطوط حققه خليل شحادة ، اطروحة دكتوراه غير منشورة ، جامعة القديس يوسف ، بيروت ، 1988 ، ص 272 . وهو مؤلف في الادارة على غرار التعريف بالمصطلح الشريف للعمري ، وصبح الاعشى للقلقشندي . وهو يعتبر احدث المصادر المملوكية في هذا الشأن .

[75] – المقريزي ، السلوك ، تحقيق سعيد عاشور ، دار الكتب القاهرة ، 1972 – 1973 ، ج4 ، القسم الاول ، ص 174 . ابن طولون ، اعلام الورى ، ص 73 – 75 ،92 ، 99 ، 121 ، 186 وغيرها .

[76]  – اعلام الورى ، ص 82 ، 186 .

[77] – ابن طولون ، مفاكهة ، ج1 ، ص 224 . كان بدمشق اربع قضاة قضاة للمذاهب السنية الاربعة ، الخالدي ، المصدر السابق ، ص  273 .

[78] – لن ادخل في تفاصيل صلاحيات نائب دمشق لان الموضوعي ينحصر بالتاريخ الاجتماعي ، ولمزيد من الاطلاع على صلاحياته انظر : العمري ،مسالك الابصار ، ص 115 ، والقلقشندي ، ج9 ، ص 253 – 259 .

[79] – لمزيد من الاطلاع انظر  : السبكي ، ( تاج الدين عبد الوهاب ) ، معيد النعم مبيد النقم ، دار الحداثة ، بيروت ، 1983 ، ص 23، و  القلقشندي ، ج13 ، ص 124 ، 194 – 197 ، وابن طولون ، اعلام ، ص  59 ، 61 ، 70 ، 83 ، 115 – 116 ، 122 ، 153 ، 165 – 166 ، 200، 203 ، 220 و غيرها ، والسلوك ، ج4 ، ق1 ، ص 136 – 137

[80] – القلقشندي، ( ابو العباس احمد)، صبح الاعشى في صناعة الانشا ، القاهرة،ج ،4 , ص182 -183

[81] – الخالدي ، المصدر السابق ، ص 272 . بلغ عدد اراء المئة في الدولة المملوكية 24 اميرا بوجه عام ، وكان ينقص عددهم احيانا الى 18 ويزيد الى 26 او 28 اميرا ، انظر الظاهري ( خليل بن شاهين ) ، زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك ، اعتنى بتصحيحه بولس راويس ، المطبعة الجمهورية ، باريس ، 1891 ، ص 113 ، والقلقشندي ، ج4 ، ص13 – 14، و الطرخان ( ابراهيم علي ) ،مصر في عهد دولة المماليك الجراكسة ، القاهرة ، 1960 ، ص 229 .

[82] – الخالدي ، ص 272 . كان من حق امير المئة اقتناء مئة مملوك يشتريهم من ماله الخاص ، وحق لامير اربعين اقتناء اربعين مملوكا ، وسمي ” طبلخاناه ” لانه حق له بقرع الطبول على بابه كل يوم ،اما تسمية الامراء الاخرين فتنبع من عدد المماليك الذين سمح لكل واحد منهم باقتنائهم ، لمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع انظر : ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 63 – 65 .

– الخالدي ، ص 272 .[83]، والمواكب، ج2ن ص 12

[84] – القلقشندي، ج4، ص 185 ، والمواكب، ج2، ص13

[85] – القلقشندي، ج4، ص185 ، والمواكب، ج2 ، ص15

[86] – المواكب، ج2، ص16

[87] – الصفدي ، ق2 ، ص 182 ، القلقشندي ، ج9 ، ص 253 ، السلوك ، ج4 ، ق1 ، 425 ، 442 ،والخالدي ، ص 272 .

[88] –  ابن طولون ( شمس الدين محمد)،  مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، تحقيق محمد مصطفى، الؤسسة المصرية العامة، القاهرة، 1962 ، ص50، 155، 157، 164، 183 وغيرها

[89] – ابن اياس ، بدائع ، ج1 ، ص 155 – 156

[90] – ابن تغري بردي ، نجوم ، ج9 ، ص 153 . ابن اياس ، بدائع ، ص 156

[91] – الاردب وحدة كيل مصرية ، يساوي 1\3 غرارة او 24 مدا ، القلقشندي ، ج3 ، ص 441 ، وج4 ، ص 181

[92] – نجوم ، ج10 ، ص 6 – 8 ، 44 .

[93] – دمشق في عهد المماليك ، ص 145 .

[94] – كان والد ابن تغري بردي امير مئة ومقدم ألف وتولى نيابة دمشق ، وكذلك ابن اياس .

[95] –  ابن طولون ، مفاكهة ، ج1 ،ص 8 – 9 ، 240 ، 245 .

[96] – المواكب، ج2 ، ص 16-17

[97] – الخالدي ، ص 273 .

[98] – المكان نفسه .والمواكب، ج2 ، ص 16

[99] –  القلقشندي ، ج4 ، ص 34 – 36 .

[100] – السبكي ، 56 ، القلقشندي ، ج11 ، ص 408 – 414 ، ابن طولون ، نقد الطالب لزغل المناصب ، دار الفكر المعاصر ، بيروت ، 1992 ، ص 46 ، ونصار ، العامة ، ص 356 – 357 .

[101] – البصروي ( علي بن يوسف الدمشقي ) ، تاريخ البصروي صفحات مجهولة من تاريخ دمشق في عصر المماليك من سنة 871ه. – لغاية 904 ه. ،نحقيق اكم العلبي ، دار المأمون للتراث ،دمشق ، 1988 ، ص 136.

[102] – ابن طولون ، مفاكهة الخلان ، ج1 ، ص 36 ، 37 ، و 50 وغيرها .

[103] – ابن طولون ( شمس الدين محمد الصالحي الدمشقي )، الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء الشام ، تحقيق صلاح الدين المنجد ،دمشق 1956، ص 130، 165، 219، 255 ،  وابن طولون ، نقد الطالب لزغل المناصب ، حققه محمد احمد دهمان وخالد محمد دهمان ، دار الفكر المعاصر ،بيروت ، 1992 ، ص 45 والمقريزي ، السلوك ، ج3، ق3، 1073 و 1168 ، والبصروي ، ص 174

[104] – ابن طولون ، الثغر البسام ، ص 128 – 130

[105] – ابن طولون ، الثغر البسام ، ص 155 . ولمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع انظر انريه نصار ، العامة ، 354 – 355 .

[106] – البصروي ، تاريخ البصروي ، ص 41، 43، 85- 86 ، وابن طولون ، الثغر البسام ، 124-125،160، 164، 180 وغيرها.

[107] – مفاكهة ،ص 115،158، 160 ، 162 وغيرها كثير

[108] – الخالدي ، ص ، 273، المواكب، ج2، ص 17

[109] – الخالدي ، ص 273 .

[110] – القلقشندي، ج4 ، ص 193

[111] – عينه، ج4 ، ص 30 ، والمواكب، ج2 ، ص 19

[112] – المكانان عينهما

[113] – لمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع انظر:انريه نصار ، العامة في دمشق ، ص 360- 364

[114] – ابن طولون ، القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية،تحقيق محمد احمد دهمان، دمشق ،1980، ج1، ص 110

[115] – ابن كثير ، ( عماد الدين اسماعيل ) ، البداية والنهاية في التاريخ ، مكتبة المعارف ، بيروت ، 1966، ج13 ، ص 351 ، و النعيمي ، ( محي الدين عبد القادر محمد )، الدارس في تاريخ المدارس، مطبعة الترقي دمشق ، 1948 – 1951 ، ج1 ، ص 56

[116] – النعيمي ، المصدر السابق ، في اماكن متعددة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ،ج1 ، ص 131 ، 159 ، 215، 225 ، 229، 301 ،253، 277 ، 326، 373 ، 429، 431، 438،  455 ، 459 ، 467 ، 474، 488، 496، 498، 537، 542، 555، 560، 569،  588،  592،594، 599، 600، 604، 607،  و ج2 ، ص 59

[117] – ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج13 ، ص 262، والنعيمي الدارس ، ج2 ، ص 129 – 133،و135

[118] – ابن ابي اصيبعة ، ( احمد بن القاسم )، عيون الانباء في طبقات الاطباء ، تحقيق اوغست مللر ، القاهرة ، 1822 ، ج2 ، ص 155

[119] – كرد علي ، (محمد )،خطط الشام ،مطبعة الترقي ، دمشق ، 1927 ، اما ج6 ، فطبع في مطبعة المفيد ، دمشق ، 1928 ، ج6 ، ص 161.لن اتوسع بدراسة البيمارستانات لانها لا تتعلق اجمالا بالوظائف الدينية

[120] – اسسها نور الدين زنكي ، ابن كثير ، البداية والنهاية، ج13 ، ص 58، والنعيمي ، الدارس ، ج1 ، ص 359

[121] – النعيمي ، ج1 ، 365 – 367 .

[122] – المصدر السبق ، ج2 ، ص 261 – 270 .

[123] – البداية والنهاية ، ج13 ، ص 339 ، والقلقشندي ، ج4 ، ص 192 .

[124] – كان المدرسون بوجه عام من القضاة والفقهاء ، والمعيدون من القضاة احيانا ومن العلماء انظر حول هذا الموضوع :ابن جماعة ، تذكرة السامع ، ص 150، 201، 204، والسبكي ، معيد النعم ، ص 108، والنعيمي، الدارس ، ج1 ، ص 297

[125] – القلقشندي ، ج5 ، ص 465 .

[126] – البداية والنهاية، ج14، ص 84، 321

[127] – ابن كثير ،المصدر السابق ، ج14، ص 71، 321

[128] – لابيدوس ، مدن الشام، ص 176

[129] – لمزيد من التفاصيل عن ازياء المتعممين انظر : العمري ، مسالك الابصار ص 112-113

[130] – الخالدي ، ص275 . القلقشندي ، ج5 ، ص 473 .

[131] – القلقشندي ، ج5 ، ص 473 – 474 .

[132] – الخالدي ، ص 275 .

[133] – القلقشندي ، ج4 ، ص 194 . الخالدي ، ص 275 .

[134] – لابيدوس ،المرجع السابق ، ص 136.

[135] – سعد،( فهمي عبد الرزاق )، العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع الهجريين، الاهلية للنشر والتوزيع،بيروت ، 1983، ص 121 .

[136] – الظاهري ،زبدة كشف الممالك ، ص41 فهو يقول ان احد تجار الكارم استطاع بناء مدرسة من مدخول يوم واحد،ويقول القلقشندي ان بعض التجار دين السلطان مئة الف درهم فضة ،ج4،ص 32 وما بعد. ابن تغري بردي ، نجوم ، ج10، ص279، وابن اياس  ،ج1 ،ص 197 وانظر ايضا Ashtor , Eliahu ,Histoire des Pix et Salaires dans  l Orieht Medieval , Ecole Pratique des Hautes etudes ,Paris ,1959 , p 271

[137] – مفاكهة ، ج1 ، ص 100 وغيرها

[138] – مفاكهة ، ج1 ، ص 41، 44 – 45، 78 ، 89 ، 91 ، 119، 231، 164 وغيرها، اعلام ص194، 203 ، 222.

[139] – لن اتحدث عن بياض العامة اي مياسير التجار واصحاب الحرف الكبرى بتفصيل لان هذا الموضوع يتطلب دراسة قائمة بذاتها .

[140] – الدوري ( عبد العزيز ) ، مقدمة في تاريخ صدر الاسلام ، المطبعة الكاثوليكية  ، بيروت ، 1960 ، في صفحات متعددة منها .

[141] – الصولي ( محمد بن يحي ) ، اخبار الراضي لله والمتقي بالله ، مطبعة الصاوي ، مصر ، دون اتريخ ، ص 202 – 211 وغيرها ، المسعودي ( ابو الحسن ) ، مروج الذهب و معادن الجوهر ، تحقيق شارل بلا ، منشورات الجامعة اللبنانية ، بيروت ، 1973 ، ج2 ، ص 307 – 308 وغيرها .

[142] – الدينوري،( ابو سعد نصر بن يعقوب )،التعبير في الرؤية،او القادر في التعبير،مخطوط متحف بغداد رقم 598 ، نقلا عن سعد ( فهمي)،العامة في بغداد، ص 66.

[143] – الطبري،( محمد بن جرير)،تاريخ الرسلوالملوك،دار المعارف، القاهرة،1960- 1969،ج8،ص448 – 468

[144] – الصفدي ، ( خليل بن ايبك) ، نكت الهميان في نكت العميان ، ص 10 ، نقلا عن العامة في بغداد لفهمي سعد ،ص66 .

[145] – لابيدوس ، مدن الشام ، ص ، 137.

[146] – خطط ج1، ص 89 ، لابيدوس ، المرجع السابق ، ص 137 – 138 .

[147] – السبكي ، معيد النعم ، ص 9 – 10

[148] – لابيدوس ن مدن الشام ، ص 138 .

[149] – المقريزي ، خطط ، ج1، ص  89

[150] – لابيدوس ، ص 138 .

[151] – ابن طولون ، مفاكهة ، ج1 ، ص 35 ، 68 ، 100 ، نصار ، العامة ، ص 88

[151] – نصار ، العامة ، ص 88 ، يستمد رأيه من Goitein  , S. D . , “Artisans en Méditerrannée orientale au haut Moyen-Age “in annales E.S.C., n 5 (1964), PP.847-868, P.852.

[152] – نصار المكان نفسه

[153] – مفاكهة ، ج2 ، ص  10

[154] – المصدر نفسه ،ج1 ،ص 115 .

[155] – المصدر نفسه ،ج1، ص 16 و 198 .

[156] – ابن طولون ،اعلام الورى ،ص 118  ، ومفاكهة، ج1، ص16 ، 87

[157] – المقريزي ، السلوك ،ج3 ، ق1 ، ص106 – 107 .Heyd .W , Histoire du commerce du Levant au Moyen -Age ,T2 , Leipzig , 1885 – 1886 ,p. 52 . 

[158] – مفاكهة، ج1، ص 130

[159] – مفاكهة، ج1، ص87

[160] – النعيمي ( عبد القادر بن محمد )،الدارس في تاريخ المدارس ،دار الكتب العلمية ، بيروت، 1990،ج2 ،ص 244.وابن طولون ،مفاكهة،ج1 ،ص 124 .

[161] – زيادة ، ( نقولا ) ، دمشق في عصر المماليك ،مؤسسة فرانكلن ،بيروت – نيويورك،1966، ص 131 – 133.

[162] – مدن الشام ، ص ، 157.

[163] – المكان نفسه .

[164] – المسعودي ، مروج الذهب ، ج2 ، ص 318 . وانظر ايضا: ضومط (انطوان )،بالاشتراك مع آخرين : الشرق العربي في العصور الوسطى ، الدار الجامعية للنشر، بيروت ، 1995 ، ص 208 – 209 .

[165] – ابن طولون ، مفاكهة، ج1 ، ص 3 ، 166 ، 168 ، 186 ،191، 195 ، 204 ، 261 – 262 ، واعلام الورى، ص 108 ، 127 ، 183 ، وغيرها .

[166] – ابن طولون ، مفاكهة ، ج1، ص 212 واعلام،ص 51 ، ونصار ،العامة ، ص 97 .

[167] – ابن طولون ،مفاكهة ، ج1 ، ص 27،92، 137، 153،160، 179- 185 ، 212 – 214 ، 224- 225، 250-252 وغيرها، واعلام،ص 101- 102 ،121 – 122 وغيرها .

[168] – ابن طولون ،مفاكهة ، ج1 ، ص 65 -66 ، 196 ، 224- 225، 258 – 259 ،295 وغيرها ، و اعلام الورى ، 121- 122 ، 167 – 168 ، 196 – 197 ، وغيرها . الاستاذ في الاصطلاح المملوكي هو من يشتري المماليك ، وتعني ايضا من اشترى المماليك وتربوا بعهدته ،ومن ثم اعتقهم وظلوا ابدا يرتبطون به برابط الولاء والطاعة عموما ، من هنا تأتي اهمية لقب ابن الاستاذ . اما لقب قريش فهو ادعاء نسبي للدلالة على ان صاحبه يتحدر من آل قريش

[169] – مفاكهة ، ج1 ، ص 283 .

[170]  المصدر نفسه ، ج1 ، ص247 .

[171] – نفسه ، ج1 ، ص 268 ، واعلام الورى ، ص 174، 195، 199، 203

[172] – ان مؤلفي ابن طولون :مفاكهة الخلان واعلام الورى مليئة بهذه الاخبار وسأكتفي فقط بذكر بعض الصفحات ، مفاكهة ، ج1 ،ص 179، 180، 182، 183، 247، 283..

[173] – مفاكهة ،ج1 ، ص 238- 239 ، 292 – 293 ،و314

[174] – مفاكهة ، ج1 ، ص 292 – 293 ، واعلام ، 195 ، ونصار ، العامة، ص 101

[175] – ابن طولون ، مفاكهة ، ج1 ، ص 180 .ويقول كانت بالغة ولم يسعدوا بها لانها نهبت.

[176] – نفسه ، ج1 ، ص 185 ، 247 ويسنهجن ابن طولون ،وكان قاضيا بدمشق، هذا الامر

[177] – مفاكهة ، ج1 ، ص  247

[178] – نفسه ، ج1 ن ص 225

[179] – مفاكهة، ج1، ص 179، 182-183،

[180] ، عينه ص 232، 200 ،

[181] -مفاكهة، ج1، ص219

[182] – مفاكهة، ج1، ص 185، 201 ، 200

[183] – عندما قتل الزعر احد الظالمين غرمهم نائب دمشق بخمس مئة دينار فتدخل لصلحهم قاضي القضاة ابن الفرفور لدى النائب فعفا عنهم ، مفاكهة ، ج1 ، ص 160

[184] – اعلام الورى ، ص 118 – 119 ، 127 و مفاكهة، ج1 ، ص 177، 204، 213-214، 238-239و181.

[185] – مفاكهة ،ج1 ، ص 181، 207 ، 278 -279، 293، واعلام ، ص 175و 181، ونصار ، ص 102 .

[186] – مفكهة ، ج1 ، ص 204

[187] – نفسه ، ص 238 – 239 .

[188] القلقشندي ،ج3، ص 375 – 376 ، Preؤprecis de l Histoire d Egipte , par divers historiens et rcheologues ,P240 t 2  , Istitut Francais De Damas ,1932   

[189] – الظاهري ، زبدة ، ص 122

[190] – خطط، ( بولاق ) ، ج3 ، ص 347 – 348 ، ولمزيد من التفاصيل حول تربية المماليك ومميزاتهم انظر : ضومط ،الدولة المملوكية ، ص 28 – 38 .

[191] – البصروي ، ص 198 ، هامش رقم1 ،ونصار ، العامة ، ص 320 .

[192] – البصروي ، ص 179

[193] – اعلام ، ص 157 ، ومفاكهة، ج1 ، ص 275

[194] – مفاكهة ، ج1 ، ص 247

[195] – نفسه ، ص 249

[196] – مفاكهة، ج1 ، ص 261

[197] – انظر ابن طولون في اماكن متعددة من كتابيه : مفاكهة،ج1 ، ص 275 ،289، 316 ، 342-343 وغيرها،واعلام، 171، 178، 205، 208،222 وغيرها

[198] – مفاكهة ، ج1 ، ص118-119

[199] – البصروي، ص 110  مفاكهة ، ج1 ، ص 41 ، 44 – 45 ، 119 ،231،292، 

[200] –  مفاكهة، ج1 ، ص44

[201] – مفاكهة، ج1، ص 213

[202] – مفاكهة، ج1 ، ص 78، 91،

[203] – المقريزي، السلوك، ج3، ق3، ص1145، مفاكهة، ج1، ص 108، ، 146 ، 180- 181 ، 209، 291،

[204] – مفاكهة، ج1، ص 287، 374، اعلام، ص 187، ونصار ن العامة، ص 326

[205] – البصروي، ص 125، 176، مفاكهة ، ج1، ص132 167،، 158،199 222، اعلام الورى، ص79، 99،119، 187، 209،

[206] – مفاكهة، ج1 ،17،92،100،101،127،208، 214،222،260،286،وغيرها،اعلام الورى، ص 79،119، وانظر نصار ،العامة، ص 327 – 331

[207] – مفاكهة، ج1، ص 6، 41، 62،  64، 65، 79،  124-125 ، 146 ، 147 ، 160، 178، 215، اعلاو الورى، ص 96، 97،

[208] – ابن طولون ، مفاكهة الخلان، ج1، ص 8-9،41، 65،124 79، – 125، 227، 299، 234،

[209] – البصروي، ص183،207،219،239، اما مفاكهة الخلان فهو مليء باخبار الجرائم واللصوصية وغيرها من المفاسد سأكتفي بذكر بعض الصفحات فقط:ج1،17، 92، 153،164،177،204،225،234،257، واعلام، ص،122، 136،164،181،وغيرها كثير

[210] – سلوك، ج4،ق3، ص 1066- 1067، السبكي، معيد النعم، ص 35-36، وفاكهة، ج1، ص 93-94، 142-143، 204- 205، 297

[211] – البصروي، ص 101- 102، ومفكهة،ج1، ص 7-9،65

[212] – مفاكهة، ج1، 30، 84، 158، 215، 248-249

[213] – مفاكهة، ج1 ، ص20-21

[214] – مفاكهة، ج1، ص 42، 203

الحياة الاجتماعية والاقتصادية في عهد المماليك.

                  

   منذ عام 648/1250 جهد المماليك ليخلفوا سادتهم الايوبيين في حكم مصر وبلاد الشام، واستجدّ عليهم خطر الزحف المغولي المدمّر الذي قضى على الخلافة العباسية عام656/1258. واذا كانوا قد تمكّنوا من ابعاد هذا الخطر في معركة عين جالوت658/1260 فقد توجّب عليهم تثبيت اركان دولتهم بالقضاء على بقايا البيت الايوبي، واخضاع عرب مصر بمنعهم من استرداد سلطة طالم حلموا بها واعتبروها من حقهم.

     بعد ان استتبّ الامر للماليك وضمّوا بلاد الشام الى مصر، وبسطوا سيطرتهم على الاماكن الاسلامية المقدسة، بل على الحجاز عموما، واجلوا الصليبيين نهائيا عن الشرق عام 690/1291 صار لدولتهم موقعا استراتيجيا مهما جدا بعد ان استوثق الساحل للمسلمين على حد تعبير ابن كثير[1]؛ فقد بسطوا سلطانهم على ثلاثة بحار اساسية: المتوسط، والاحمر، وبحر العرب المدخل الرئيسي الى المحيط الهندي والشرق الاقصى. وباتوا يسيطرون سياسيا واقتصاديا وعسكريا على كل موانئ الحوض الشرقي للمتوسط باستثناء ميناء اياس الارمني[2]، كما على معظم الموانئ في البحر الاحمر.

    اما على الصعيد الديني فقد غدا المماليك الحماة الحقيقيين للمسلمين، والحاضنين الفعليين للشرعية الاسلامية الوحيدة بعد ان احي السلطان الظاهر بيبرس عام 659/1261 الخلافة العباسية في مصر. وبالتالي صارت دولة المماليك محور الاحداث الكبرى في الشرق على مستويات متنوعة.

    اتبع المماليك نظاما اداريا خاصا بهم يمكن تسميته، جوازاً تبعا للأنظمة الحالية، باللامركزية، بحيث كانت مصر مركز الحكم لأنها تحتضن السلطان الذي اقام نوابا عنه في النيابات المتعددة أكان في مصر او بلاد الشام، اضافة الى عدد وافر من الموظفين الاداريين والعسكريين على رأسهم نائب القلعة ومهمته التجسس على نائب السلطان في النيابة وعدم تسليمها مهما كانت الظروف[3]. هذا اضافة الى عدد من المتعممين ممن كانوا يقومون بادارة الوظائف الديوانية والدينية.

    انما السؤال الكبير الذي يطرح نفسه: هل انصهر المماليك مع الشعوب في مصر وبلاد الشام، او هل تمّ تفاعل حقيقي بين الحكام والرعية؟ ما كان نصيب الشعب من الانتاج الاقتصادي؟ وهل كان له دور بالادارة؟ سيصار الى الاجابة على هذه التساؤلات تباعا.

اولا: المرتكزات المادية للتكوين الاجتماعي في العهد المملوكي:

    من العسير جدا دراسة المجتمع في العصور الوسطى بقسميه المديني والريفي نظرا لندرة المعطيات عن الوضع الريفي. ودراسة المجتمع المديني مرهونة بدورها بنسبة المعلومات التي توفّرها المصادر. لأنها اقتصرت اجمالاً على وصف العلاقات، بل المظاهر الخارجية للحدث من دون الخوض في شبكة العلاقات البنيوية المعقدة، الرابطة للعلاقات بين الفئات (الطبقات) الاجتماعية، ما يعني ان الحركية الاجتماعية لا توفرها المصادر. ومن جهة ثانية ان معظم المدن _مركز النيابات- بنيت في فترات لانعرف تاريخها بالضبط، باستثناء طرابلس، التي ما يزال النقاش غير محسوم، فيما اذا كانت قد شيدت على عهد المماليك ام لا ؟ وبالتالي جاء الطابع الاسلامي متأخرا على هذه المدن كلها، ومع ذلك ترك بصماته واضحة عليها، بل طبع الحياة فيها بنظمه وتشريعاته.

1 – مفهوم المدينة الاسلامية المشرقية في العصور الوسطى ومن خلاله المدينة المملوكية:

    درج المؤرخون بل المستشرقون على اعتبار المدينة المشرقية الاسلامية تعتمد نموزجا واحدا من الخطط يحدد وظائفها، ولعل ابرز الوظائف التي ركزوا عليها هي:

ا – السور: هو احد المعالم البارزة في المدينة الاسلامية، يحدد حجمها من حيث ازدهارها ونموّها، بل تطورها الديمغرافي، وفيه عدد غير محدد من الابواب[4]. ويعتبر غاوبة ان القلعة كانت مركز السلطة الحاكمة[5] من دون ان يميّز مثلا بين دار السعادة في دمشق مركز نائب السلطان[6] وقلعة المدينة مركز نائب القلعة الذي لم يكن لنائب دمشق سلطة عليه.[7] وكذلك دار السعادة في طرابلس مركز نائب السلطان ايضا[8].

   ان سمة السور تنطبق اجمالا على  معظم المدن المملوكية الرئيسة التي كان يقيم فيها نواب للسلطان، ما عدا طرابلس[9]. وكان لكل منها عدد معين من الابواب فكان لطرابلس اثنا عشر بابا[10]، ولدمشق تسعة ابواب كبار[11]، واربعة صغار،[12] وللقاهرة عشرة ابواب[13]، هذا عدا الابواب الصغار. ويقوم السور بدور الحماية ابان الحروب، وتقفل الابواب ليلا اجمالا كلما دعت الحاجة، وبالتالي تميّز بتأمين الطمأنينة للسكان والحكام على حد سواء، كما للتجار الاجانب[14]

2 –شوارع المدينة وطرقها: اذا كنّا لن نتوسّع بالحديث عن دور الاسوار امنيا، فاننا سنركّز على دورها بخطط المدن لأن الابواب الرئيسة فيها ارتبطت بشكل عام بشوارع المدينة الاساسية لأنها انطلقت من الابواب المذكورة، ومنها تفرعت شوارع ثانوية وطرقات فأزقّة. ما يعني ان الشوارع الكبرى المنطلقة من الابواب الرئيسة شكلت المحاور الاساسية في المدينة بوصفها سبل الاتصالات ضمن المدينة، وعليها تمرّكز النشاط الاقتصادي، ومنها تفرّعت الاحياء والمحلاّت والحارات. فقد تمركزت احياء دمشق على شارع رئيسي مستقيم في وسطها يربط بين بابين : شرقي  شرقا، والجابية غربا، ومنه تفرعت شوارع اخرى رئيسية مستقيمة  ينتهي كل واحد منها بباب[15]. والملفت للانتباه ان دمشق قد تكون المدينة العربية الوحيدة التي تفتقر الى شارع رئيسي آخر مستقيم يخترقها من الشمال الى الجنوب. ويمتد الشارع الرئيسي في القاهرة من باب زويلة الى بين القصرين حيث يتفرع منه طريقان احدهما يتجه شمالا والاخر يمينا، وتتفرّع منهما طرق وصولا الى الحارات والازقة.[16] وقد ذكر المقريزي ان القاهرة عندما بنيت كان لها اربعة ابواب من الجهات الاربعة[17]، ما يعني انه كان لها شارع رئيسي آخر اقل اهمية من الاول الذي شيّدت فيه قصور الخلفاء، والمسجد الجامع، ومباني الادارة الرسمية، والبيمارستان،[18] وبالتالي فان التفرعات عليه تشبه تماما مثيلاتها على الشارع الرئيسي. ويبدو ان ابواب المدن كانت لها ابواب فرعية يصل عدد بعضها احيانا الى ثلاثة مثل الابواب المكمّلة لبابيْ الجابية والشرقي في دمشق.[19] وكذلك في القاهرة.[20] وكانت مهمة هذه الابواب الثانوية الفصل بين الاحياء،[21] ومن جهة ثانية شكلت المنطلق الرئيسي للأسواق الاخرى في المدينة. واذا كان هناك من استنتاج اولي لكثرة الابواب فانها دلالة على التطور العمراني المتلازم مع النموّ الديموغرافي، ما يؤشّر على حيوية ملحوظة.

3 – الاسواق: تكمن اهمية الابواب في انها شكّلت المنطلقات الرئيسة للأسواق في اية مدينة اسلامية. وشكّلت الاسواق بدورها المنطلقات الرئيسة لخطط اية مدينة مملوكية ودليلنا على ذلك طريقة المقريزي بذكر خطط القاهرة اذ يستهل كلامه عنها قائلا:” وقبل ان نذكر خطط القاهرة فلنبتدئ بذكر شوارعها ومسالكها المسلوك منها الى الازقّة والحارات لتعرف بها الحارات والخطط والازقة والدروب وغير ذلك.”[22] وقد شُيّدت الاسواق على اطراف الشوارع الرئيسة ومتفرعاتها المتنوعة؛ ففي دمشق انتشرت على طرفي الشارع الرئيسي الاسواق المركزية ،والمساجد الكبرى ،والحمامات العامة الرئيسية[23]. في حين توزعت على اطراف الشوارع الرئيسية المنطلقة من الشارع المركزي الانشطة التجارية والحرفية لكل حي، اضافة الى حماماته ومساجده[24]. وتوزعت من هذه الشوارع، وهي بوجه عام ضيقة نسبيا لانها رافقت المدينة منذ نشأتها ولم تطور، اخرى اقل اتساعا خصص وسطها للفرسان واطرافها للمشاة، فجاءت احياء متلاصقة انتشرت فيها المحلات، ومنها توزعت الحارات الشعبية المكتظة بالسكان[25]. وتوزّعت في كل حارة ازقة شيدت عليها ابنية شعبية تفتقر الى ابسط الشروط الصحية. وقد انطلقت جميعها من شارع الحارة الرئيسي المعروف بالسويقة الذي يحوي الحمام العام، والفرن، والمسجد، والحوانيت التجارية والحرفية[26]. واسواق القاهرة تشابه من حيث البنى الاساسية والتركيب مثيلاتها الدمشقية.[27] فهناك السوق المركزي القائم على الشارع الاساسي او ما يسميه المقريزي” الشارع الاعظم او قصبة القاهرة”[28]. والشارع الرئيسي للمدينة الاسلامية ومنها المدن المملوكية، لأن المماليك ورثوها عن اسلافهم، يشكّل نقطة الثقل الاقتصادي للمدينة وريفها، ففيه تجمّعت تجارة الجملة والمفرّق، والمؤسسات المصرفية، والصناعات.[29] ومن هذا السوق الاعظم تفرعت شوارع اقل اهمية، فاخرى ادنى منها قيمة واتساعا وصولا الى الدروب والازقة المتنوعة ومنها غير النافذ[30]. وعندما ينهي المقريزي وصف القصبة الرئيسة بما اقيم عليها من اسواق وما استجد مكان بعضها، واندثار بعضها الآخر يشرع بوصف الشارع الرئيسي الآخر مستهلا كلامه قائلا:” هنا ابتداء خط بين القصرين.”[31] ويكمل رسم خطط اسواق القاهرة بكل تفرعاتها كما في يلي:” فاذا السالك بدخول بين القصرين من جهة خان مسرور فانه يجد على يسرته درب السلسلة، ثم يسلك امامه فيج على يمينه الزقاق المسلوك فيه الى سوق الامشاطيين المقابل لمدرسة الصالحية التي للحنفية والحنابلة ، والى الزقاق الملاصق لسور المدرسة المذكورة…”[32]واذا لم يكن لدينا وصفا مشابها لخطط المقريزي فا المؤرخين الشاميين تحدثوا عن اسواق دمشق بخاصة بما يشبه كلام المقريزي من دون ان يأتي كلامهم متسلسلا.

   ويتبدى لنا من خلال كل ذلك ان اسواق المدن المملوكية متشابهة عموما من حيث البنية الاساسية، ووظائفها الاقتصادية والاجتماعية أكان في القاهرة كما وصفها المقريزي، او في طرابلس فيها “اسواق جليلة”[33]، او كما رأينا في دمشق. ما يعني ان المدن المملوكية تتماثل عموما من حيث الخطط ووظيفة السوق فيها.

  كانت جميع الاسواق مسقوفة اما بقماش متين وسميك، او بالحجارة او الخشب حماية لشاغليها وزبائنها من الامطار وحر الشمس[34]، وتتيح فسحة محددة من الضوء كافية لإنارة السوق، وبإكتظاظ المحلات بالحارات غدا النور خافتا وغير كاف.[35]

     ويمكننا من خلال المصادر المملوكية معرفة انواع الاسواق في المدن المملوكية. فكان في دمشق ما يربو على العشرين سوقا متخصصا لعل من ابرزها: الحرير، الدهشة ( الثياب الجاهزة)- وهو امر ملفت للانتباه انذاك ويدل على بحبوحة عند بعض السكان- الكوفيين، الذهبيين، الوراقين، الذراع، السرامجيين ( الاحذية)، السلاح ، الوراقين، السقطية ( الالبسة المستعملة)، البزوريين، القطانيين، الجواري والرقيق، جقمق – نسبة الى السلطان الظاهر جقمق- كان مخصصا لبيع الثياب، السروجيين، اللحامين، والخيل…[36] وكان في طرابلس اسواق عديدة: العطارين، الدبّاغين، المسلخ، الحلاويين، السوق الشرقي، السلاح، الحدادين، وسويقة القاضي، البازركان، الجديد، النحّاسين، الصيّاغين (المعروف قديما ب عديمي المسلمين)، والكندرجية…[37]. اما اسواق القاهرة التي ذكرها المقريزي فهي: الفتوح، المرحليين، الروّاسين، الشماعين، حارة برجوان، الدجاجين، بين القصرين، السلاح، القفيصات، الزهومة، المهمازيين، اللجميين، الجوخيين، الشرابشيين، الحوائصيين، الحلاويين، الشواّيين، الجملون الصغير، المحايريين، الصاغة، الكتبيين، الصنادقيين، الحريريين،  العنبريين، الخراطين، الجملون الكبير، الفرّايين، الخلعيين، البندقائيين، الاخفافيين[38]. هذا عدا عن السويقات الكثيرة كالكفتيين، الاقباعيين، والسقطيين…[39]

    ان اهمية تعداد هذه الاسواق تكمن في اختصاصاتها، وهي تدل اولا على تفرع طبقي ان جاز التعبير تبعا لاختصاص كل من الباعة، وعلى التجانس في ما بين باعة كل سوق. ما يدفعنا للاعتقاد ان سمة ظاهرة اجتماعية بمعناها العلمي كانوا جميعهم يخضعون لها، وبالتالي يؤلفون فئة اجتماعية لها عاداتها وتقاليدها الخاصة. وتدل ثانيا، على رغم تمايز كل فئة، خضوعهم جميعهم الى عرف عام اوتقليد يحكمهم جميعهم بانتمائهم الى الباعة. ويدل ثالثا على مستوى تعامل كل فريق، تبعا لاختصاصه، مع نوع من الزبائن، وبالتالي على تمايز اجتماعي من حيث لا يدرون. ويدل رابعا على مستوى الدخل الذي ينعكس على مستوى الحياة الاجتماعية، على الاقل من حيث السكن، خصوصا ان بعض هذه الاسواق اقيم على حدود الحارت، وسنلاحظ لاحقا ان الحارات ، بوجه العموم كانت مقفلة بوجه الاغراب.

4 – المحلات والاحياء والحارات: ان اصطلاح المقريزي يختلف عن تعريفاتنا اليوم، بل عن اصطلاحات بلاد الشام في عصره، فقد ميّز بين الحارة والمحلة:” الحارة كل محلّة دنت منازلها، والمحلة منزل القوم.”[40] من دون ان يوضح اكثر. ثم شرع بذكر الحارات ما يعني انها الاصل، والمحلة فرع منها. ويميّز ايضا بين الحارة والدرب، والخط. وتبعا لتعريفه لحارة بهاء الدين؛ اذ بعد ان يحددها جغرافيا، يذكر ” وكان فيها دور عظيمة وحوانيت عديدة.”[41] ما يعني أنها تشبه المحلّة في دمشق التي ميّزها ابن طولون وابن كنان عن الحارات،[42] في حين ان لابيدوس يوازي بين الحارة والمحلة والخط.[43] وقد حسم انطوان عبد النور الامر معتبرا ان المدينة في العهد العثماني كانت موزعة الى عدة اقسام، وكل واحد الى حيّ او محلّة، وكل حي الى حارات، وكل حارة الى دخلات او ازقّة[44]. بالتأكيد يقتضي التمييز بين هذه التسميات ربما دراسة قائمة بذاتها، ولكننا سنعتمد هذا التفريع، مركّزين على الدور الاجتماعي الذي لعبه الحي او الحارة او المحلة.

   لا يمكننا في هذا البحث دراسة التطور المديني والديمغرافي لأكثر من مدينة واحدة هي دمشق، وسنعتمدها كنموذج للمدينة الاسلامية وتحديدا المملوكية، لأنه لغاية اليوم لم تبرز دراسات تناقض هذه الفرضية،[45] هذا، اضافة الى اطلالات على المدن المملوكية الاخرى كلما اقتضى الامر.

   كانت المدينة عبارة عن وحدات مدنية قائمة بذاتها لأهداف ادارية من جهة، ولمقتضيات اجتماعية من ناحية ثانية. وتتفرع الواحدة منها الى عدد من الاحياء تشكل وحدات اساسية للنواحي الاجتماعية والادارية والاقتصادية معا. ما جعل المدينة متداخلة فيما بين اجزائها كوحدة تامة، ومنقسمة على ذاتها من خلال الابواب والحارات الداخلية، بل كان كل حي والحارة الواحدة مكتفيا ذاتيا ويستمد روابطه الاجتماعية والاقتصادية والادارية من داخله من جهة، ذلك انه انشئ فيه ورشات من مختلف النشاطات الاقتصادية. ومن الظاهرة الاجتماعية العامة التي كانت تسود في المدينة وضمن الاحياء المتجانسة من حيث الدخل والتركيب الداخلي، ولم يكن ينغلق على ذاته الا ابّان الاضطرابات الامنية، وما كان اكثرها خصوصا في العهد الجركسي، من اجل الحماية ذلك ان الحي في دمشق وحلب، كما يعتبر لابيدوس، كان مساوياً لحجم القرى الصغيرة، ويضيف انه كان في دمشق وحدها خلال القرن الخامس عشر ما يقارب السبعين حياً، يبلغ متوسط عدد سكانه خمسمائة الى ستمائة نسمة[46]. ووجد في حلب في القرن عينه ما يقارب الخمسين حياً، بلغ معدل سكان الحي الواحد ألف الى ألف ومائتي نسمة، في حين ان مدينة القاهرة كانت تضم سبعا وثلاثين حارة على رغم ان مساحتها كانت أكبر بكثير من دمشق ومن حلب.[47] وازعم ان الحي كان اساس التنظيم الاجتماعي لأنه تميّز بخصوصية اتنية، اودينية، واحيانا اقليمية؛ وقد ذكر القطار انه كان في طرابلس اقليات انضوت في احياء خاصة؛ كالتركمان والأكراد، والمغاربة، والمصريين، والنصارى (محلة عديمي النصارى) واليهود.[48] وكانت لهم ايضا محلتهم الخاصة بدمشق، اذ كان يقع حيّهم الخاص في الزاوية الشمالية الشرقية للمدينة بالقرب من باب توما[49]. و خصصت حارات او احياء خاصة بالقاهرة للجاليات، وعلى سبيل المثال كان للشاميين حارتهم الخاصة في القاهرة،[50] شأن الروم[51]وغيرهم. وكان لكل طائفة من اليهود والمسيحيين حيّها الخاص في القاهرة.[52]

    لم تكن جميع حارات واحياء المدن المملوكية متشابهة من حيث الهندسة البنائية والفخامة، وان كانت تتشارك من حيث البنية العامة. ويمكننا من خلال المصادر تبيان التمايز بين الشعبي، وبعض المحلات التي سكن فيها المماليك من دون غيرهم، التي كانت مميّزة من غيرها على الاقل بامرين: نوعية المساكن والابنية الاخرى من حيث  الهندسة البنائية والفخامة، واثنية سكانها لأنها اقتصرت عموما على المماليك الذين تمايزت عاداتهم وتقاليدهم من مثيلاتها عند السكان الاصليين. مثلا كان الشرفان في دمشق مخصصا للفئة العسكرية الحاكمة، وهو قسمان: الاعلى، والادنى. وقد انتشرت في الاعلى، الذي عرف ايضا” بدار الامراء”،  قصور الامراء ومساكنهم وضمّ مدارس ومساجد ايضا.[53] وتوزّعت في الشرف الادنى قصور للنزهة وعدد من المساجد من ابرزها جامع تنكز وعدد من المدارس والخوانك والعمائر والمحلات العامرة[54]. وكانت في الربوة، الواقعة في اسفل جبل قسيون والمشرفة على الغوطة، مساكن امراء المماليك في القصور والمباني الشريفة ( مُلْك السلاطين)، ومساجد من بينها مسجد خطبة، فضلا عن عدد من الطباقات ( الثكنات العسكرية)، ومرابط للدواب، وسويقتان، وحمام فريد من نوعه على حد تعبير ابن كنان[55]. ونحن لا نعلم بالضبط من خلال خطط المقريزي ما هي المحلات التي استجدت تماما واستمر تطوّرها، لأنه يقول ان هذه المحلة خطت لقبيلة كذا او لفلان، ثم صار اسمها كذا، ويدل تغيير التسمية، على الارجح، على تطور بنائي من دون ان ندري نسبة التطور واهميته. ومن الثابت ان عددا من المساكن والقصور قد استحدثها السلاطين ونوابهم من دون ان ندري بالضبط اذا كان السكن في تلك المحلات كان حكرا على الامراء فقط، وان كنّا نرجحه، بيد ان بعض المحلات بنيت لغايات معينة وتطورت ثم تراجعت وخربت تدريجا[56]. ومن الامثلة على ذلك :” والقصر الصغير ومكانه الآن المارستان المنصوري وما في صفّه من المدارس والحوانيت.”[57] ” وكان داخل هذا الزقاق- المعروف بقصر امير سلاح- مكان يعرف بالسودوس فيه عدة مساكن صارت كلها اليوم دارا واحدة…”[58]

       بدت مدينة دمشق داخل سورها مجموعة حارات مستقلة، وكأن الواحدة منها قرية صغيرة مستقلة بمساجدها، وحماماتها، وسقاية الماء فيها،[59]والفرن، والمدرسة، والمسجد والسويقة[60]. وجاءت ابنيتها متلاصقة، تمد افقيا، ويرجح الكيال اسباب ذلك لعدم الاطمئنان ولاتساع الرقعة الجغرافية، وتنعدم فيها النوافذ والشرفات تماشيا مع نظرية الحلال والحرام في الاسلام. وتألف حيّها من عدة بيوت ُشيّد لها باب خارجي مشترك يقفل في المساء وايام الاضطرابات، ويتوسطه باب خوخة ( صغير) يعبر منه سكان الحي كلٌ الى داره.[61] ويرجع اسباب تلاصق الابنية الى رغبة رئيس الاسرة باسكان ابنائه واحفاده في المنزل عينه، وكلما ضاق المكان بهم اضافوا اليه غرفا حتى بات المسكن داخلا في بيوت الجيران. واذا اضفنا الى ذلك النمو الديمغرافي ادركنا بوضوح تحول تلك البيوت الى اكواخ[62]، خصوصا اذا علمنا ان الزقاق غير النافذ ما كان يضم سوى عدد قليل من البيوت او الاكواخ ربما[63].

   وكان الحي من حيث بناؤه عبارة عن تشكيل من الابنية غير المتوازية وغير المتوازنة  ايضا من حيث  التصميم الهندسي، بعضها ترتفع جدرانه الى اكثر من طبقة والبعض الآخر يشبه الاكواخ ان لم يكن عبارة عن مجموعة من الاكواخ مظلمة يتسرب اليها الهواء عبر الازقة وممرات منخفضة معتمة[64]. وضمّ الزقاق الواحد عائلة واحدة اجمالا تماشيا مع التجانس السكاني بل التركيب العائلي في المجتمعات العربية عبر العصور. علما :” ان العلاقة بين المجتمع والسكن لم يكن صورة متكررة عبر الزمن، بل كان خاضعا لمقتضيات الظروف المعيشية والاقتصادية والاجتماعية ” .[65] ما جعل المسكن انعكاسا للحالة الاقتصادية، يتسع ويضيق تماشيا مع مردود الجماعة. وشكّلت التدابير الامنية، بل تصرّفات السلطة الحاكمة عاملا مؤثّرا آخر في شكل المساكن. هذا ناهيك ان العلاقات بين الجماعات عبر التجانس العائلي او الطائفي وحتى المذهبي كانت تفرز تضامنا داخليا دفاعا ضد اي اعتداء خارجي مهما كان نوعه حتى وان بدر عن السلطة. ولنا في مؤلفات ابن طولون العديدة، ولا سيما “مفاكهة الخلاّن” نماذج متكررة تشرح هذه الظاهرة بوضوح كلي.

   اما على الصعيد الاداري فقد ترأس الحي شيخ يعينه نائب السلطان المملوكي في المدينة مركز النيابة من اجل حسن سير الاعمال المنوطة بالحي: حفظ النظام ،تمثيل الحي في المناسبات العامة التي تقتضيها الدواعي السياسية والاجتماعية، مساعدة الشرطة في تنفيذ مهامها، او تولي هذه المهام بنفسه، كجمع الضرائب القانونية وغير القانونية مثل الرمي او الطرح[66]. لان الاحياء قد انتظمت في مناطق منعزلة ومنطوية على ذاتها لا يتمكن الغرباء من الدخول اليها، لاسيما انها كانت متداخلة فيما بينها في حياتها العادية، كما انها تتآزر ابان الاضطرابات العسكرية ،وتدافع جميعها بعضها عن البعض الآخر اذا تعرض احدها لاي اعتداء خارجي. وكل حي انغلق اجتماعيا وسكانيا على نفسه فقط ابان الاضطرابات العسكرية والفتن الداخلية[67]

5 – تطور الحركة العمرانية: شهدت المدن المملوكية حركة عمران مزدهرة منذ مطلع القرن الرابع عشر وحتى بدايات نصفه الثاني، ولعل مرد ذلك الى عدة عوامل:

    ان إستقرار السلطة في سلطنة الناصر محمد الثالثة (1309-1340) لعب دورا كبيرا في استتباب الامن، وثبوت نوابه في مراكزهم من دون حدوث حركات تمرّد تذكر، بحيث يمكن اعتبار هذا العهد العصر الذهبي لدولة المماليك.

  ادى انحسار الخطرين المغولي والصليبي الاول بعد عين جالوت ومرج الصفر، والثاني بعد اجلاء الفرنجة نهائيا عن الشرق عام 1291 الى نوع من الاستقرار النفسي والطمأنينة الذاتية. فازداد عدد السكان من وطنيين، وقادمين الى المدن ومستقرين فيها، وتاليا الى تطور الحركة التجارية، وازدهار في الانتاج الصناعي.

  ادى سوء تصرف المقطعين تجاه الفلاحين الى هجرات متكررة من الريف نحو المدن، بل الى نزف شبه دائم

    كان للإنفصام بين الشعب والحكام دور بارز في تطوير الحركة العمرانية، ذلك ان السلاطين ونوابهم تقرّبوا من السكان بتشييد المنشآت الدينية والتعليمية والطبية وما الى ذلك، فكثرت المدارس فكان في دمشق وحدها ما يزيد على المائة وثلاثين مدرسة على حد تعبير النعيمي[68]، ووجد عدد غير ضئيل من المدارس في طرابلس[69]، وذكر المقريزي ستا وسبعين مدرسة في القاهرة[70]. ان ازدياد عدد المدارس يؤشّر ولا شك على نمو ديموغرافي مرتبط اصلا بنمو طبغرافي. ويتأكّد ذلك بما اورده منير الكيال من ان بلغ عدد الحمامات في دشق على عهد ابن عبد الهادي المعاصر لاواخر الدولة المملوكية 167 حماما عدا حمامات الغوطة[71]، واذا اخذنا بعين الاعتبار ما ذكره ابو علي الاربلي المتوفي عام 726 / 1326 بان تعداد حمامات دمشق بلغ خمسة وسبعين حماما. واذا سلمنا بصحة هذه الارقام تكون حمامات دمشق المملوكية قد زادت على ما يربو على الضعف ما يعكس نسبة نمو عدد السكان. واورد المقريزي ستا واربعين حماما في القاهرة[72] من دون ان ندري المستجد منها، علما ان عددا لا بأس به كان قد اندثر[73]. اما المساجد والجوامع في دمشق فقد بلغ وفق ما ذكره الدكتور نقولا زيادة واحد وسبعين مسجدا[74]، ولكننا لا نعرف المستجد منها خلال العهد المملوكي، ما يجعلنا نفتقد الى معيار جديد لتقدير النمو السكاني وبالتالي التطور العمراني، في حين ان هذا الامر واضح في القاهرة فعلى الاقل هناك حوالى عشرة جوامع استتحدثت غير تلك التي رممت.[75]

    لقد ازدادت الحركة العمرانية في دمشق المملوكية فعلى صعيد الابنية الحكومية تم بأمر من السلطان بيبرس بناء القصر الابلق غربي المدينة  سنة 659/1260م[76] ، وشيد نائب دمشق عز الدين ايدمر بناء على رغبة السلطان السعيد بركة خان المدرسة الظاهرية بالقرب من الجامع الاموي[77]. كما شيد نائبها تنكز سنة 739/ 1339. خارج سور المدينة دارا لتعليم الحديث النبوي الشريف، ومسجدا[78]،وكان الامراء يتقربون من الناس بتشييد المباني الدينية كبناء الامير مكي بن حيوط مسجدا شرقي الشويكة في وسط بستان واوقف عليه ” جهات عديدة “[79]. وانتشرت اسماء السلاطين المماليك ونوابهم في دمشثق منقوشة على عدد كبير من الابنية خصوصا خارج اسوار المدينة[80]. ما يدل على ازدياد في عدد السكان، قد لا يكون التزايد السكاني ناتجا عن تطور طبيعي داخل المدينة فقط، انما ايضا عن هجرة سكانية من الارياف الى المدن بشكل عام نتيجة لسؤ استغلال الارض المرتبط اساسا بالانحطاط الذي اصاب النظام الاقطاعي[81]. وعن انتشار الابنية الخاصة والحكومية خارج اسوار المدينة وفي داخلها.

        ان هذه الامور توضح بدون ادنى لبس تطور دمشق سكانيا وعمرانيا بشكل ملحوظ ،ويزيد في قناعتنا هذه، ما اورده العمري عن ازدياد عدد الاجناد بدمشق، وقد ادت حاجاتهم للوازم الخيل وغير ذلك الى نشوء الاسواق المتخصصة، فاتسعت الاسواق وما عادت قادرة على استيعاب الطلب، فانتقل المختصون ببيع لوازم الخيل الى خارج المدينة حيث اقيم سوق الخيل ،وتبعهم اصحاب بعض حوانيت الخضار والمواد الغذائية الاخرى فصار يقام بقرب السوق المذكور سوق خاصة عرف باسم ” دار البطيخ “[82]. وما يعزز الرأي بتطور المدينة السكاني والبنائي ما اورده كل من “سوفاجيه “وابن بطوطة، فيتحدث الاول عن انشاء ضاحيتين جديدتين السويقة في الجنوب الغربي، وسويقة ساروجا في الشمال[83]. ويصف ابن بطوطة ضاحيتين جديدتين شيدتا في العصر المملوكي: الربوة الواقعة في اسفل جبل قاسيون” وبها القصور المشيدة والمباني الشريفة”[84] وتعبير المباني الشريفة هي صفة المباني السلطانية ما يدفعنا للاعتقاد ان السلاطين ساهموا بانشائها او انها اوقفت لصالحهم على غرار الاراضي الاقطاعية. والضاحية الثانية هي الصالحية التي شيدت خارج” باب شرقي” بدمشق وهي ” مدينة عظيمة” على حد تعبير ابن بطوطة فيها سكك واسعة ومدرستان[85]، وصار فيها في اواخر العهد المملوكي سبع دور للحديث، وستة عشر رباطا، وثمان وثلاثون حارة وواحد وسبعون مسجدا[86].         

   ان هذا التطور الملحوظ لم يرافق دمشق المملوكية عبر كل تاريخها، فهي تعرضت لازمات متعددة احيانا متسارعة واحيانا اخرى متباعدة، نتيجة التكوين الاجتماعي من جهة، او بسبب اعتداء خارجي من جهة ثانية. فالحالة الاولى تكررت مرات عديدة وفي ظروف متقاربة من حيث علاقة الحكام بافراد الشعب على مختلف فئاتهم، او من حيث علاقة هذه الفئات بعضها بالبعض الآخر. اما الحالة الثانية فليست سوى تغيير شبه جذري نتج من تعرض المدينة لغزوات المغول خصوصا غزوة تيمور سنة 1400م. التي ادت الى تهديم للبنى الاجتماعية والاقتصادية.[87]

   اذا عدنا الى خطط المقريزي نلاحظ ان نسبة الهدم في القاهرة فاقت نسبيا نسبة العمران، ونلمس ذلك من تأسفه على الاسواق التي تهدمت بفعل الصراعات غير المنتيهية بين الفرق المملوكية.[88] ولا تمدنا  الخطط بالضبط بالضواحي التي شيدت خارج القاهرة ولا بنسبة التطور.

ثانيا: البنى الاجتماعية:

 1 – التوزيع السكاني في المدن: ان التاريخ الاجتماعي يأخذ بالاعتبار المجموعة الكلية للتكوين الاجتماعي، ومن الصعب تحديد اطره ومعناه التام الا بدراسة او التطرق الى جميع الاطر المعنوية المتعلقة بمختلف المجموعات، اضافة الى دراسة علاقة الفرد بالجماعة. وبما انه يتعذر علينا دراسة علاقة الفرد بالجماعة، بسبب قلة الوثائق، سأدرس هرمية المجتمع المملوكي المديني لأن معلوماتنا عن الارياف شبه معدومة، بادئا ببنية كل فئة من الفئات الاجتماعية، ثم حركيتها الذاتية من جهة، والخارجية من جهة ثانية اي علاقاتها بالفئات الاجتماعية الاخرى. وتبقى عمودية الدراسة مرهونة بما توفره المصادر من معلومات.

    ان دراسة التاريخ الاجتماعي تقتضي الحصول على المبدأ المنظّم للمجتمع الذي يفرّع السكان الى فئات (طبقات وفق المصطلح الحديث)، ويميّز بينها ويحدد بناها، ومن جهة ثانية يسمح بدراسة الحركية الداخلية والخارجية لكل منها. وقد اتخذت من الوظيفة مبدءا منظما للمجتمع المملوكي. وهي غير محصورة بالمناصب الحكومية فقط، بكل المهن ايضا ايا يكن نوعها ومستواها، كما البطالة عند الارذال او الزعر او الحرافيش.

     كان المجتمع المملوكي مغلقا اجمالا، بل جامدا لأن حقوق الفرد كانت مرهونة بحقوق الجماعة التي ينتمي اليها وظيفيا. ولم يغفل بعض مؤرخي العصور الوسطى عن تحديد التراتب الاجتماعي المملوكي المستند الى الوظيفة؛ فقد قسّم المقريزي المجتمع المملوكي ،بوجه عام، الى سبع فئات :      

  -ارباب الدولة.

  • مياسير الناس من التجار والفقهاء والمتعممين.
  • متوسطو الحال من التجار والباعة واصحاب المعاش والسوقة .
  • الفلاحون من اهل الزراعة .
  • سكان الارياف والقرى .
  • ارباب الصناعات والحرف البسيطة .
  • والمعدمون[89]

         ان هذا التوزيع العام الذي اورده المقريزي يشمل كل المجتمع المملوكي، اما في المدن فيمكن اعتماد تفريع آخر ينبثق من توزيع المقريزي يأخذ بالاعتبار خصوصية المدينة والتجانس الاجتماعي الاكثر شمولا، وهو باعتقادي على الشكل التالي: الطبقة العسكرية الحاكمة، الاعيان الذين يضمون كبار رجال الدين والتجار وارباب الصناعة، او ما يطلق عليه بياض العامة، ثم سواد العامة، واخيرا الزعر والارذال والاوباش.

    كان سكان دمشق يتألفون من غالبية عربية كبرى، اضافة الى عدد من اجناس مختلفة وفدت اليها عبر تاريخها مثل بربر شمال افريقيا خلال العهد الفاطمي، والتركمان في العهد السلجوقي الاتابكي، والاكراد في العهد الايوبي واستمروا يشكلون اقلية[90]. هذا اضافة الى الشعوب المغلوبة من المناطق المجاورة خصوصا من تلك التي تعرضت للغزو المغولي ولا سيما العراق، كما لجأ اليها طائفة دينية كبيرة العدد من المغاربة لاسباب دينية[91].

   اما القاهرة فهي عبارة عن سندس اثني بدءا بالاقباط، فالعرب، ثم موجات الاغراب العديدة والمتكررة التي حطت رحالها فيها خصوصا منذ العصر العباسي الثاني وتحديدا منذ بدايات العهد الطولوني. وتلا ذلك دخول المغاربة الذين جاءوا مع الفاطميين واستمر قدومهم اجمالا مدى العهد الفاطمي، ودخلها ايضا عدد وافر من الاتراك والاكراد في العهد نفسه كما السودان من النوبة والسودان. وتزايد عدد المشارقة من ديالمة واتراك واكراد في العهد الايوبي[92]، واكتمل السندس الاثني في العهد المملوكي الذي بني على استقدام الارقاء من مختلف الاعراق والجنسيات. هذا اضافة الى الجاليات التجارية المتعددة المشارب بين مشرقية واروبية. وكان لكل من هذه الجاليات عاداتها وتقاليدها  الذاتية، وتقيم في احياؤها الخاصة، وكانت جميعها تتشارك عموما عادات مشتركة منطلقة من التشريع الاسلامي واخرى متراكمة عبر العصور.

    2 – الطبقة العسكرية الحاكمة: شكل السلطان وامراؤه واجناده طبقة عسكرية حاكمة مغلقة عن الشعب. وحدد الانتماء اليها بشروط لم تتوفر بالسكان الاصليين: كالعرق، اي ان يكون مولودا خارج الاراضي المملوكية في الشرق العربي والاسلامي وبالتحديد في السهوب الآسيوية الاوروبية الممتدة من آسيا الوسطى حتى البلقان والبحر الادرياتيكي[93]. والرق[94]، واجادة اللغة التركية لان المماليك كانو يتحدثون بالتركية في اجتماعاتهم ومجتمعاتهم[95]، وقليلون منهم من اتقنوا العربية، لا بل ان بعضهم لم يفقه منها شيئا[96]. و التربية في الطباق ( الثكنة العسكرية )، والعتق، والتدرج بالامرة[97]. وانحصر تزاوج امراء المماليك اما من نساء تركيات جيء بهن خصيصا لهذه الغاية، او من بنات امراء المماليك، وقليلون منهم من تزوجوا من بنات مياسير التجار او بنات المتعممين[98]. وكانت جميع اسماء الامراء تركية، ولم يجرؤ احدهم الخروج على هذه القاعدة مخافة القتل او العزل، فالسلطان جقمق ( 1438 – 1453م. ) اراد ان يتسمى محمدا تيمنا بالرسول (ًصلعم ) ولكنه خاف العزل فتسمى جقمق محمد[99]. انما حق لهم بالالقاب الدينية مثل ركن الدين او عز الدين… وانفرد المماليك بلبس ثياب مميزة مطرزة الكمين تمييزا لهم من افراد الشعب. وارتدوا قباء طويلا ينتهي بأكمام ضيقة، واعتمروا كلوتة صفراء من دون عمامة، وشدوا على خصورهم احزمة من القطن البعلبكي، وتميزت ايضا ثياب الامراء من ثياب الجند[100].

     ومن مميزات الطبقة العسكرية الحاكمة اقتناء الرقيق وركوب الخيل الذي لم يجز ركوبها[101] لغيرهم، وعلى رغم اسلامهم فلم يقض  الامراء في ما بينهم بالشرع الاسلامي بل ب ” الياسة او اليسق ” وهي مجموعة القوانين المغولية التي اصدرها جانكيز خان ( 1206 – 1227م.)[102]. وحاز المماليك وحدهم، سلطانا وامراء واجنادا، الاقطاعات الزراعية وشاركهم بقسم ضئيل نسبيا بعض المتعممين ممن اشرفوا على المؤسسات الدينية والتربوية والاجتماعية[103]، كما توزعوا في ما بينهم المرافق الاقتصادية العامة الاخرى ولا سيما الجمارك التي حازوا عليها عن طريق الاقطاع.

        ان هذه المميزات تشمل كل المماليك خصوصا من كان يسكن في القاهرة وهي تنسحب على تواجدهم في كل المدن، لان نائب السلطان في نيابته شكل سلطانا مصغرا، وتميز بخاصات السلطان من حيث الصلاحيات وبيوت الخدمة، انما على مستوى ادنى، فالاول كانت تنعت بيوت خدمته بالشريفة والثاني بالكريمة.

    وانقسمت الفئة-الطبقة العسكرية الحاكمة من حيث وظائفها وتركيبها العسكري والاداري والاجتماعي الى ثلاث مستويات: السلطان، الامراء على اختلاف مراتبهم، والاجناد على تنوّع انتماءاتهم.

    كان السلطان هو رأس الجهاز العسكري والاداري المملوكي، ووظائف الامراء شكّلت بيوت خدمة له رغم ان الابعاد الاساسية لوظائفهم كان لها مهام حكومية بحتة. وليس ادل على ذلك من الاسماء او الالقاب التي اطلقت على بيوت الخدمة السلطانية مثل: امير مجلس، دوادار كبير، استاذ دار، امير آخور…[104]. هذا اضافة الى وظائفهم في النيابات الموزعة على ارجاء الدولة خصوصا في بلاد الشام حيث كانوا يقومون مقام السلطان فيها ويلقب واحدهم بنائب السلطان. وكانت للامراء بدورهم، ولا سيما امراء المائة، بيوت خدمة على غرار السلطان ولكنها كانت ادنى منزلة من حيث المهام الحكومية وضاهت احيانا نظيراتها السلطانية من حيث الفعالية والغنى.[105]وتمتع امراء الطبلخاناه او الاربعين ايضا ببيوت خدمة ادنى رتبة من مثيلاتها عند امراء المائة وتقدمة ألف، وهكذا نزولا حتى ادنى رتب الامراء[106].

    اما الاجناد فكانوا عدة فئات: المماليك السلطانية وكانوا بدورهم موزّعين الى عدة اقسام: الكتابية او المشتروات، القرانصة وهم مماليك السلطان السابق وصاروا في خدمة السلطان القائم ريثما ينشئ مماليكه الاجلاب، السيفية وهم مماليك الامراء المتوفين او المعزولين. ثم اجناد الحلقة وهم عدة فئات: مماليك سلطانية عزلوا من الطباق( الثكنة العسكرية)، وسسفية، واولاد الناس اي اولاد السلاطين والامراء. والفئة الاخيرة هي مماليك الامراء[107].

       لم يقل الشأن الوظائفي المملوكي في النيابات عمّ كان عليه في القاهرة؛ فقد عاش في دمشق مثلا عدد كبير من ارباب السيوف كان نائب السلطان اعلاهم رتبة، يعينه السلطان بمرسوم شريف ويعبر عنه لاهميته بكافل السلطان ويخصص بألقاب ونعوت لم يسمح بها لغيره[108]. وكانت تزين كل احياء المدينة وحاراتها لدخوله اليها، ومن عادته التطواف حول قلعتها سبع مرات، والصلاة ركعتين عند باب السر، ومن ثم يتوجه الى مقره في دار السعادة[109]. وللدور الديني اهمية اساسية في تولية النائب كون الدولة اسلامية، خصوصا ان  السلطان يستمد شرعية حكمه من الخليفة وقضاة القضاة والعلماء والفقهاء، لذلك كان النائب يخلع الخلع على قضاة القضاة الاربعة في دار العدل[110] تعبيرا عن اقراره بدورهم في الحياتين الدينية والاجتماعية وان نظريا.

    تمتع نائب دمشق بصلاحيات واسعة جدا ان من حيث التوظيف او العزل، او منح الاقطاعات[111] . كما توجب عليه اداء مهام ادارية وامنية وسياسية واجتماعية ودينية[112]. وتمتع بمنازل خدمة كريمة على غرار منازل الخدمة الشريفة السلطانية: فكان له دواداره، وخزنداره، وامير مجلسه، وامير آخوره، وشاد الشرابخاناه، ومهاتر بيوته…[113]

    وعاش في دمشق الى جانبه ثمانية امراء مئة مقدمو ألوف، وواحد وعشرون امير اربعين او طبلخاناه، واثنان وعشرون امير عشرين، وواحد وخمسون امير عشرات، وثلاثة وعشرون امير خمسة[114]، عدا عن مقدمي الحلقة واجنادها وهم عدد كبير، اضافة الى عدد آخر من الموظفين لا يسعنا ذكرهم جميعهم بحيث يغدو الموضوع دراسة في الادارة المملوكية ،[115] ونائب القلعة الذي لم يكن لنائب دمشق سلطة عليه[116]، واتابك العسكر ( قائد الجيش ) وبالتالي نشأ نظام عسكري بيروقراطي لتلبية متطلبات السلطان من جهة، ولتلبية حاجات النائب الذي كان الى حد بعيد مستقل.

        اذا علمنا ان الجيش المملوكي النظامي اقتصر على الارقاء المشتروات، ناهيك بان كل امير حُق له بشراء عدد من المماليك لخدمته الخاصة تتناسب مع رتبته لأدركنا العدد الهائل للمماليك الاغراب في الحاضرة او في مراكز النيابات ما جعلهم يشكلون بالتأكيد طبقة قائمة بذاتها ولكنها ذات مستويات مختلفة تبعا للرتبة والدخل. وقد تمايزت اجتماعيا بشكل لافت عن ابناء البلاد، وتدرجت نسبتها الاجتماعية والاقتصادية تبعا للمناصب من اعلى الى اسفل بدءا بالسطان فأمراء المائة في الحاضرة، ثم النواب في النيابات وعلى رأسهم نائب دمشق، فامراء المئة فيها وفي غيرها من النيابات التي اقام فيها مقدمو ألوف، نزولا هرميا حتى الاجناد. ويمكن اعتبار هذا التفرع اسرويا الى حد، بحيث شكل كل سلطان وامير نوعا من اسرة قائمة بذاتها بانتماء مماليكه اليه وحده بثلاث روابط على الاقل: الرق، والعتق، والوظيفة التي شغلوها لخدمته، وتبعهم بهذا الانتماء اسرهم، كما تبعهم ولاء العاملين بخدمتهم في الاقطاعات المتنوعة. وعلى الرغم من انتماء افراد الطبقة العسكرية الحاكمة الى رجال السيف، فانهم لم يكونو متجانسين من حيث وظائفهم وانتماآتهم، فبعضهم ارتبط بالسلطان مباشرة والبعض الاخر بالنائب في النيابة، ما ادى الى تمايز وظيفي في القاهرة وفي النيابات، حتى ان بعض الموظفين في النيابات استغل ارتباطه بالسلطان وتجاوز كل الحدود[117].

    ان كل ذلك جعل الفئة العسكرية الحاكمة أكان في القاهرة او النيابات وحدات شبه مستقلة، ومرتبطة في آن بغيرها من حيث الوظيفة ونمط الحياة العام مع الاخذ بالاعتبار التمايز الاداري والوظيفي الذي سبق الكلام عليه.

   على الرغم من المميزات العسكرية والادارية والمالية[118] التي حازها المماليك على اختلاف رتبهم وفئاتهم ومستوياتهم فانهم لم يكتفوا بها بل تصارعوا فيما بينهم بشكل شبه دائم للحصول على المزيد منها وعلى مراتب اعلى، حتى باتت المدن المملوكية مسرحا لصراعات دامية غير منتهية كان لها تأثير كبير على تدهور الحياتين الاقتصادية والاجتماعية.   

    وقد تمتع السلاطين والامراء المماليك الكبار بثراء فاحش بلغ مستويات اسطورية تذكرنا باخبار ألف ليلة وليلة، واليك بعض النماذج: عندما توفي الامير سلار ترك كنوزا مذهلة ذكر ابن اياس بعضا منها: خمسة وعشرين رطلا احجار كريمة من زمرد وياقوت، وثلاث مائة قطعة ألماس، ومائة وخمسين حبة لؤلؤ كبيرة زنة الواحدة منها مثقالا، ومائتي ألف دينار ذهب عين، واربع مائة ألف دينار من الفضة، واربعة قناطير من المصاغ الذهبي، عدا عن الخيل و غيرها من الماشية؛ ويزعم ابن اياس ان دخله بلغ من اقطاعاته وحماياته مئة ألف دينار[119]. وبلغت قيمة اموال نائب الشام التي صادرها السلطان الناصر محمد بن قلاوون ( 1309 _  1340م.) حوالى المليون ونصف المليون من الدنانير الذهبية[120]. ووزع الامير قوصون، الذي عين نائبا على الشام ، النفقة على الامراء على غرار السلاطين، منها ثمانين جارية، واثني عشر ألف اردب غلة، وكثيرا من الذهب و الجواهر، ولكثرة عطاءاته توجس السلطان منه خيفة فاوقع به، وصادر له العامة اربع مائة ألف دينار ذهب عين، وعددا كبيرا من الكلفتاه المزركش والاواني الفضية والذهبية، فضلا عن ثلاثة اكياس اطلس كبيرة مليئة بالجواهر قدرت بمائة ألف دينار[121].وقد احصي ما تركه ” تنكز ” نائب الشام فبلغ مليونين وسبع مئة ألف دينار، وسبع مائة وثلاثين ألف درهم فضي فضلا عن المجوهرات[122].

     قد تكون في هذه الارقام مبالغة، علما انها استُقيت من مؤرخيْن مملوكيين يتحدران من الطبقة العسكرية الحاكمة، ولكنها تدل على مدى الثراء الفاحش الذي اصابته الطبقة العسكرية المملوكية الحاكمة، التي لم يكن لها  مبرر لظلم الفئات الشعبية، لا سيما انها اصابت بعض ثرائها من اعمال الظلم التي مارسته على الرعية.

   انصب اهتمام المماليك على تنظيم الجيش _ بمعناه الواسع اي السلطان والامراء ايضا-وتدريبه وتأمين رفاهيته، وبالتلي الحصول على الضرائب لتحقيق هذه الغاية. وبما ان اهتمام الحكومة المركزية تركّز على الانجازات في القاهرة التي ساهمت الرعية بالعديد منها من طريق دفعها ضرائب استحدثت خصيصا لتنفيذ المشاريع، وبما انها ايضا ما كانت مسؤولة عن الخدمات المدنية التي اضحت عرفا على عاتق نوّاب السلطان في مراكز النيابات بشكل رئيسي، وبدرجة اقل على عاتق الامراء الكبار المتواجدين فيها. وبما ان هذا الامر لم يكن ملزما قانونيا، فان هذه الخدمات ارتبطت بهمتهم وبقدر حاجتهم للتقرب من الشعب، وبقدر الضعط الذي مارسه عليهم الشعب من خلال رجال الدين، او باعمال الضغط المشروعة _ ان جاز التعبير _ كالتكبير في المساجد، او التظاهر مكبيرين ايضا في الشوارع الرئيسية[123]. وهكذا انفصل اجتماعيا رجال السيف عن ابناء البلاد بنظمهم وعاداتهم واخلاقهم وممارساتهم التي جاءت غالبا مجحفة بحق الرعية، وشكلوا فئة اجتماعية سياسية عسكرية مغلقة عن الدمشقيين، ولكن آليتها الداخلية كانت متحركة باتجاهين صعودا نحو القمّة، او انحدارا وصولا الى مستوى البطالة والعزل. وفي الحالين معا خضعت تلك الفئة لظاهرة اجتماعية واحدة لها خاصاتها وميزاتها في انها فئة ممتازة ومتميزة عن ابناء البلاد الاصليين، بل عن السكان كل السكان. وجاء تحول تلك الظاهرة بطيئا جدا بما اجازه القانون تدريجا لافرادها بالاختلاط بالدمشقيين ضمن حدود ضيقة، دفعت ببعض السكان ان يحذوا حذوها وان جاء ذلك مخالفا للقانون، كما سنلاحظ بالحديث عن الزعر، كما تأثر السكان ايضا ببعض العادات المملوكية.

3 – اعيان المدنيين:

أ – رجال الدين المسلمين: كان الاعيان أكثر من فئة؛ رجال الدين، كبار التجار، وكبار الحرفيين او الصناعيين ان جاز التعبير. شكل رجال الدين المسلمون، بوجه عام ، صمام امان في المجتمع الاسلامي لانهم احتلوا المنزلة المدنية الارفع فيه، وظل الناس ينظرون اليهم باكبار حتى في فترات الانحطاط، لممارستهم، من حيث المبدأ، شؤونا مدنية اجتماعية مثلت دور الرقابة على اعمال الجهاز العسكري الحاكم. حتى ان رجال الدين الذين تسرّب اليهم الفساد، وجروا وراء مصالحهم الذاتية، بخضوعهم لرغبات الطبقة العسكرية وتنفيذ مآربها على حساب الشعب، وحتى ايضا الذين تندّر بهم الناس، ظلوا  جميعهم يحتلون منزلة مهمة، ليس على الصعيد الشخصي، انما على مستوى الوظيفة الجليلة التي شغلوها بما كان لها من منزلة رفيعة وتقدير عند مختلف فئات  المجتمع.

     اما ابرز الوظائف الدينية  في القاهرة او في النيابات فقد حددها القلقشندي ولعل ابرزها: قضاة القضاة وكان عددهم اجمالا اربعة، وقاضيي عسكر شافعي وحنفي، ومفتيي دار العدل شافعي وحنفي ايضا، والمحتسب، ووكيل بيت المال[124]. اهتم المماليك في بداية عهدهم بالنظام القضائي فاستحدث السلطان بيبرس البندقداري منصب قاضي قضاة لكل من المذهب السنية الاربعة[125] كان اهمهم الشافعي.[126] ويعتبر قاضي القضاة رئيس الادارة القضائية من حيث المبدأ، إليه يرجع تعيين القضاة وعزلهم، وتعيين نواب له، والفصل بين الخصوم، وتنفيذ الاوامر الشرعية[127]. والقضاء المملوكي استمر سليما معافى ما دام السلاطين كانوا يقظين ويهتمون بامور الرعية، فكانوا يعزلون من تسؤ سيرته من القضاة[128]. وكان من المفترض ان يختار اهل كل مذهب قاضي قضاتهم بعد موافقة السلطان، ولكن ذلك سقط بعد ان عمّ الفساد الادارة المملوكية عموما، خصوصا ان العلوم الدينية لبعض السلاطين كانت متواضعة[129]، وخفّت اهتماماتهم بامور الرعية، وحرصوا على الحصول على المال بشتى السبل وصارت المناصب تشرى بالرشوة[130]. وتمكن بعض القضاة من جمع اموال طائلة بطرق مشبوهة، من دون ان يخجلوا، بل ان بعضهم راح يتباهى بسطوته ونفوذه غير آبه بتهكم الناس، وغير مكترث بأحكام الشريعة، فاحتقره زملاؤه والناس كلهم[131]. خصوصا ان بعض هؤلاء كان جاهلا اصول القضاء واحكام الشريعة، والعلوم الدينية الاخرى التي هي في اساس التربية في الاسلام ومنارة السلوك الاجتماعي[132]. ولم تكن حال حميع القضاة على هذا النحو اذ أُثر عن بعضهم الصلاح واعمال الخير والاجتهاد بتلاوة كتاب الله والاكثار من الصلاة والتفقه بالاحاديث النبوية[133].

ب – رجال الدين المسيحيين:

     كما مارس قضاة القضاة والقضاة ضغوطا على الطبقة العسكرية الحاكمة بدمشق لاطلاق من اعتقل ظلما وعدوانا، اوللشفاعة بمن اعتقل اثناء الصراع بين الاجناد المماليك والسكان، وما شابه هذه الحالات[134]   

الوظائف الدينية الاخرى: تنوعت مهام رجال الدين وشملت مختلف الحقول الاجتماعية لإرتباطها بالشرع الاسلامي، ولأن وظيفة رجال الدين تتصدر الحياة الاجتماعية. ونذكر منهم مفتيي دار العدل وكان من مهامهم حسن تطبيق الشريعة الاسلامية، وكان عددهم، بوجه عام، اثنين: شافعي وحنفي، ويتم تعيينهما من قبل السلطان[135]. ووكلاء بيوت المال، وهم مؤتمنون على اموال  الدولة[136]. والمحتسب الذي يراقب الاسعار و المكاييل و الموازين والاخلاق العامة[137] ودوره اجتماعي بامتياز لأن من مهامه الاشراف على المرافق العامة، والاقتصاص من المخالفين للأنظمة العامة والاخلاق، وباختصار فان دوره يتمحور على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن الحسبة صارت منذ العهد الجركسي عموما تشرى بمال، وفسد اصحابها، وحادوا عن السراط المستقيم، ما جعل المقريزي الذي سأه اسناد الحسبة الى احد باعة السكر ان يقرّظ السلطة قائلاً:” فكان هذا من اشنع القبائح، وواقبح الشناعات.”[138]

 ومارس رجال الدين دورا اجتماعيا مهما جدا وهو التدريس بالمدارس، وادارة اوقافها واوقاف المؤسسات الدينية المتنوعة كالمساجد والجوامع والخوانق والربط وما الى ذلك، وبالتالي ارتبط بهم السكان بشكل اساسي بحياتهم اليومية والعادية، لأن الثقافة الدينية كانت محورا اساسيا في حياة الناس، ولم يكن من الضروري ان يتقن الفرد القراءة والكتابة لكي يحظى بثقافة دينية، بل عن طريق السماع والوعظ والراشاد.

   لهذا لعبت المدرسة دورا اساسيا في التآلف الاجتماعي لاستنادها الى مذهب شرعي محدد، ولوجودها في مكان محدد من المحلات او الاحياء، وبما انها كانت تقوم اساسا على التوعية الدينية وتعليم اصول الدين من فقه واحاديث، وخصوصا تلقين القرآن، لان الدين الى جانب كونه عقيدة غالبية السكان فانه كان ايضا نظام حياة، وبالتالي اصبحت المدرسة النقطة المركزية في التوحيد الشامل لابناء المذهب المنتسبة اليه. ولم تكن غايتها التعليمية تخريج رجال دين على مختلف المستويات فقط، بل ايضا تثقيف المجتمع، فكان ينتسب اليها ابناء الفئات المتوسطة والغنية تقربا من الله وللتفقه باصول الدين، وللاكتفاء الذاتي على هذا الصعيد. حتى اذا تخرج الواحد منهم واشتغل بمهنة حرة ادرك اصول المعاملات الشرعية [139]

على رغم الدور الديني- الاجتماعي الذي مارسه المتعممون الدمشقيون فقد شكلوا فئة اجتماعية خاصة، فاذا اخذنا فقط بالاعتبار قضاة القضاة ومساعديهم من القضاة، وارباب الوظائف الديوانية، والمدرسين ندرك تماما العدد الكبير لهؤلاء الذين شكلوا فئة متميزة وان على درجات تبعا لوظائفهم. فقد كانوا جميعهم من المتفقهين بعلوم الدين على مختلف انواعها وان بمستويات متفاوتة، وجاءت ثيابهم متشابهة مع بعض الاختلاف[140]، وفرضوا احترامهم على الدمشقيين والحكام على حد سواء، ونالوا رواتب نقدية او اقطاعات، وبالتالي كانت احوالهم الاقتصادية جيدة الى مريحة تبعا للوظائف التي كانوا يشغلونها. كما كانت لهم منزلة وكلمة مسموعة عند الفئة العسكرية الحاكمة.    

رجال الدين المسيحيين: قادوا ابناء طوائفهم ومثلوهم امام السلطان ونوابه لأنهم كانوا المسؤولين عنهم، وليست لدينا معلومات وافية عن احوالهم سوى الناحية الادارية التي ذكرها القلقشندي، وشأنها معروف حتى اليوم.[141] ومن المرجح، ان المسيحيين كانوا يعيشون في احيائهم الخاصة، ويتمتعون بنظمهم الخاصة ايضا، ما جعلهم فئة اجتماعية ميميزة ببعض وجوهها من الفئات الاجتماعية الاسلامية، علما ان الصفة العامة للمجتمع الاسلامي بما هي ظاهرة اجتماعية عامة شملتهم بدورهم، لانهم تشاركوا مع بقية السكان الاعمال عينها، واحتفلوا معهم بكل الاحتفالات والاعياد ، كما شاركهم المسلمون احتفالاتهم.

رجال الدين اليهود: كان رئيس اليهود المسؤول، بوجه عام عن طائفتي اليهود القرائيين و الربانيين معا[142]، وكان وضعهم الاجتماعي مشابها الى حد بعيد لوضع المسيحيين.

ج – اعيان التجار والصناعيين: لتحديد التفريع الاجتماعي ضمن فئة الاعيان لا بد من اعتماد المبدأ المنظم المبني في هذه الحالة على المستويين الاقتصادي والمنزلة الوظيفية. ان خلو مصادرنا العربية من الارقام تدفع بالباحث لاعتماد الصفة فقط بالنسبة للحالة الاقتصادية التي تعتمدها هذه المصادر كأن تقول فلانا من مياسير التجار او من كبار التجار، كتجار الخانات والقيساريات، وارباب القوافل وتجار الجملة والسماسرة او الوسطاء التجاريين

    لقد ضاهى هؤلاء كبار الامراء من حيث الاهمية وشاركوا بحضور الاحتفالات الرسمية،ونالوا احتراما مميزا من السلطات ومن الشعب على حد سواء[143]،لان التجارة تحتل مركزا مرموقا في الاسلام[144]. ويدرج ضمن هذه الفئة اصحاب الصناعات المهمة وهم غير الحرفيين الصغار. ويصعب علينا اعطاء فكرة واضحة عن هؤلاء حتى وان اعتمدنا على دراسة المصادرات التي كانت تقوم بها السلطات الحاكمة بدمشق لسد عجز موازناتها اولزيادة مداخيلها،لان المصادر الدمشقية تحجم،غالبا، عن مدنا بالارقام عن غنى بعض التجار وغيرهم من الميسورين سوى بعض الحالات النادرة[145].وهناك صعوبة اخرى تتمثل بتحديد نسبتهم الى مجموع تجار مصر وبلاد الشام من جهة، والى مجموع السكان من جهة ثانية.

4 العامة: ان وتعبير العامة او اصطلاحه قديم جدا في المجتمع الاسلامي، تناوله الادباء والفقهاء والمؤرخون للدور البالغ الاهمية الذي مارسته العامة في المجتمع على الصعيدين الاجتماعي والسياسي: فهم عند الدينوري :”اصحاب الاهانات، وابناء الانذال…ومنهم الرعاع والهمج والغوغاء، واهل السفه.”[146] وهم عند الطبري:النطاف وباعة الطريق في محتقرات البيوع، وبائعو البطيخ والزجاج، والقصابون، والبقالون، والكناسون[147]. والعامة عند “الصفدي”خلاف الخاصة”[148]

  وعلى هذا ، يمكن تعريف العامة في العهد المملوكي بأنها الفئات الشعبية التي لم تتلق تعليم، ولا حققت ثروة، ولم تشغل منصبا حكوميا، بل هي جماعات دفعت الضرائب من دون ان تفيد منها اجمالا، وسميت العامة او عامة الناس لاضفاء عليها صبغة من الاحترام وتمييزا لها من الزعر والارذال.

   وتألف العامة في العهد المملوكي من: اصحاب الحوانيت، والباعة المتجولين، وباعة المفرق، والعمال كالنجارين والبنائين، والحرفيين[149]، وضمت ايضا اصحاب الصفقات التجارية المشبوهة،

والمخادعين، والسماسرة، والصيارفة.[150]واضاف اليهم المقريزي تجار النخاسة، وبائعي الخمور، والمغنين والنادبين، القصابين، واصحاب بيوت الدعارة، وضامني الافراح والمآتم، والمشاعلية اي منظفي الاقنية والبيوت[151]، ويضاف الى هؤلاء عمال الدباغة، وضاربي الرمل لكشف الغيب، وسائقي البغال والحمير وغيرهم[152]. وشمل هذا التصنيف مختلف الطوائف: الاسلامية من سنة وشيعة، والمسيحية من نساطرة ويعاقبة، ويهود قرائيين وربانيين وسامرة.

     لقد تجانس جميع العامة من حيث طبيعة العمل، فمثلا: لم يكن ممنوعا على الذميين ممارسة اي مهنة يمارسها المسلمون. وتحجم مصادرنا عن مدنا بمعلومات لدراسة وضع العامة الاجتماعي بشكل صحيح، ولكنهم شكلوا معظم السكان، وكانت لهم عاداتهم وتقاليدهم المشتركة مع امتياز كل فئة منهم بلغة خاصة واسلوب عمل تبعا لطبيعة المهنة التي يمارس.

5 – الزعر: ان نشوء المعدمين في مختلف المجتمعات الانسانية نتج من الصراع على الثروة او على السلطة، او على الاثنين معا لتلازمهما في غائية جنوح الانسان الى العظمة. وفي خضم يأس المعدمين انبرت جماعات تدعي الدفاع عن مصالحهم، ونصبت نفسها قادة عليهم باسم الانسانية. وتكونت هذه القيادات، في الغالب، من افرازات اوضاعهم البائسة المنبثقة من رفض الواقع المظلم والمرير، ومن جنوحها بدورها للاستغلال، ولشراسة في اخلاقها وطبائعها. فتكونت اذ ذاك احزاب عفوية اخذت على عاتقها تغيير الواقع المشكو منه، وفق اساليبها الخاصة، واقنعت المعدمين بأن ما تصبو وتسعى اليه، وفق وسائلها الخاصة، يمثل انجع السبل لتطوير احوالهم البائسة، وبالتالي نشأت منظمات الزعر لتقف بوجه ممارسات المماليك الظالمة. وأنشأوا حارات خاصة بهم في عدد من احياء المملوكية وهي عبارة عن احزمة بؤس في طفرات المدن الحالية[153] ،ساهمت بزيادة التدهور الاجتماعي والاقتصادي الدمشقي، لأن الزعر ومن شابههم عزفوا، بوجه العموم،عن القيام بأعمال شريفة.

لقد كون الزعر خلايا خاصة بهم تمركزت كل خلية في حارة من الحارات يتزعمها قائد عرف بكبير زعر محلته، وتزيّوا بلباس خاص وتمييزا لهم من بقية الناس هو كناية عن “فرعاني” يلفونه على رؤوسهم،وثياب يقلبونها على أكتافهم، وارتدوا ايضا الابشات بأكمامها الطويلة والعريضة لتخفي سلاح الواحد منهم[154].

   اعتاش الزعر من موارد متعددة: فقد امتلك بعضهم الحوانيت، وفي هذه الحال فرضوا سطوتهم على الحوانيت المجاورة واحيانا على معظم حوانيت السوق او المحلة، بأن اقاموا في بعضها من يبيع لحسابهم باسعار مرتفع نسبيا فينصرف المشترون الى محلات الزعر فتزدهر محلاتهم. او انهم فرضوا الاتاوة “الخوة” على بعض الحوانيت، وذا رفض اصحابها الانصياع تعرضت حوانيتهم اما للسرقة او لاعتداءات اخرى. وكان تواجد حوانيتهم في محلة ما يشكل كارثة على اصحاب الحوانيت الاخرى، ليس بسبب ما ذكرت فقط، بل لان المحلة اذا تعرضت للرمي او الطرح فرضوا، بقوة السلاح او السطوة، المال المتوجب لتلك الضرائب على الحوانيت الاخرى، وبالتالي ينجون هم من دفع الضرائب[155]. واذا ارادوا الاحتفال- وكانت احتفالاتهم باذخة – بسبب اقامة الهدنة العسكرية بين منظماتهم حمعوا الاموال من “المستورين او المحتاجين على وجه الحياء والقهر”على حد تعبير ابن طولون[156].

   من المفارقات الغريبة، هوتشجيع السلطة الحاكمة للزعر على التمادي بغيهم، لاسيماعندما كانت تحتاج الى خدماتهم: فأحيانا كان نائب دمشق وبعض كبار الموظفين العسكريين يحضرون العرض العسكري الذي يقيمه الزعر،ومن ثم يخلع الخلع على اكابرهم[157]. وهذا يعني اعترافا ضمنيا بسلطتهم. والمؤسف ان نائب المدينة ساهم بطريقة فعالة بالاعتراف بالزعر وبتنظيمهم عسكريا وتدريبهم والاستعانة بهم[158].

  ومن المؤسف ايضا ان بعض الفقهاء ساهموا بطريقة غير مباشرة بازدياد اعمال الزعر الشائنة حينما اجازوا لهم قتل اعوان الظلم والمجرمين من البلاصين واللصوص وغيرهم من دون ان يدروا او انهم كانوا يدركون انهم حاولوا استئصال الجريمة بجريمة اخرى قد تكون ابشع،لان الزعر استندوا لتبرير جرائمهم على فتوى دينية وعلى مساندة بعض رجال الدين اذا اراد نلئب المدينة او غيره من المسؤولين الاقتصاص منهم[159]. والافدح من ذلك كله انهم صاروا يخرجون باسلحتهم، ويسطون على اموال  الناس ومن امتنع عليهم قتلوه باسم الدفاع عن مساوىء المجتمع[160]  ولم يقف الامر عند هذا الحد بل صار الناس يدفعون لهم الاموال  لقاء القضاء على اعدائهم .واذا تجرأ احد وشكا امرهم للسلطات دفع حياته ثمنا بحيث انتشرت كمائنهم وكثرت الاغتيالات[161].


[1] – ابن كثير (ابو الفداء الحافظ)، البداية والنهاية، مطبعة السعادة، مصر، لا تاريخ، 14 جزءا، ج13، ص321

[2] – ضومط (انطوان)، الدولة المملوكية، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1980، ص203

[3] – سيرد تفصيل كل ذلك بدراسة الطبقة العسكرية الحاكمة.

[4]  – غاوبه (هانس)، “المدينة المشرقية-الاسلامية وسكانها” ضمن كتاب الاثار السورية، مجموعة ابحاث اثرية تارخية، باشراف الدكتور عفيف البهنسي، ترجمة، نايف بللوز، فينا، 1985، (305-310)، ص305

[5] – غاوبه ،المدينة الشرقية – الاسلامية ، ص 305-307

[6] – ابن طولون ( شمس الدين محمد)، اعلام الورى بمن ولي نائبا من الاتراك بدمشق الشام الكبرى، تحقيق محمد احمد دهمان، دار الفكر، دمشق، 1984، ص 82، 186

[7] – الصفدي (خليل بن ايبك)، تحفة ذوي الالباب فيمن حكم من دمشق من الخلفاء والملوك والنواب، وزارة الثقافة، دمشق، 1991، ق2، ص182

 القلقشندي ( احمد بن علي)، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1913، ج9، ص 253

المقريزي (تقي الدين احمد)، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد مصطفى زيادة، دار الكتب، القاهرة، 1934-1936، ج4، القسم 1، ص425، 442 

[8] – المقريزي، سلوك، ج2،ق1،ص40

  [9]  – لن ندخل في نقاش هذا الامر في هذا البحث، لمزيد من المعلومات انظر: القطار(الياس) نيابة طرابلس في عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1998، ص543

[10]  – كان لها وفق دراسة الدكتور عمر تدمري 12 باباً نقلاً عن  القطار (الياس)، نيابة طرابلس في عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1998، ص543

[11] – ابن كنان (محمد بن عيسى الصالحي الدمشقي)، المواكب الاسلامية في الممالك والمحاسن الشامية، تحقيق حكمت اسماعيل، وزارة الثقافة، دمشق، 1992، ص208-210 ، وايضاً : البدري ( عبد الله بن محمد)، نزهة الانام في محاسن الشام، المطبعة السلفية القاهرة، 1341ه، ص26، وايضا : العلبي(اكرم)، دمشق بين عصري المماليك والعثمانيين، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق، 1986، ص50

[12] – ضومط (انطوان)، ” دمشق الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية” ضمن كتاب المؤتمر الدولي السادس لتاريخ بلاد الشام، 10-12- 2001، ص384-434، ص387

[13] – المقريزي (تقي الدين احمد)، المواعظ الاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار صادر، بيروت لا تاريخ، ج1، ص380

[14] –  انظر فصل التجارة

[15]  – هذه الابواب هي بالتسلسل من الجنوب الى الشرق فالشمال فالغرب :الباب الصغير ، باب كيسان ، الشرقي ، توما ، السلامة ، الفراديس ، الفرج ، الحديد ، الجناز ، والجابية ، ابن طولون ( محمد بن علي )، الشمعة المضية في اخبار القلعة الدمشقية ، مطبعة الترقي ، دمشق ، ص 17 .

ابن بطوطة ( محمد بن ابراهيم ) ، رحلة ابن بطوطة ،دار صادر ، بيروت ، 1960 ، ص 97

البدري ( ابو البقاء عبد الله )، نزهة الانام في محاسن الشام ، القاهرة ، 1341 ه.، ص 25-28 .

 العلبي ( اكرم حسن )، دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين ، الشركة المتحدة للتوزيع ، دمشق ،ص 49-50 .

[16] – المقريزي، خطط، ج1، ص 373

[17] – المصدر نفسه، ج1، ص361

[18] – نفسه، ج1، ص362

[19] – ابن كنان، المواكب، ج1، ص211-212

[20] – خطط، ج1، ص380-382

[21] – القطار، نيابة طرابلس، ص546

[22]  – المقريزي، خطط، ج1، ص373

[23]  – القطار، نيابة، ص 546

– نصار ( اندريه طانيوس ) ، العامة بدمشق المملوكية ، رسالة دبلوم دراسات عليا غير منشورة ،الجامعة اللبنانية ،كلية الاداب ،الفرع الثاني – الفنار- ،ص 22 .

[24] – مفردها محلة وهي حي ينفتح على ازقة ضيقة تعرف بالحارات

[25] – لابيدوس ( ايرا مارفين )، مدن الشام في عصر المماليك ، نقله الى العربية سهيل زكار ، دار حسان ، دمثق ، 1985 ، ص 81 .

[26] – لابيدوس ، المرجع السابق ، ص 142

[27]  – المقريزي، خطط، ج1، ص 373-377

[28] – خطط، ج1، ص373

[29] – غاوبة، المدينة، ص 307

[30] – المقريزي، خطط، ج1، ص373-376

[31] – خطط، ج1، ص374

[32] – خطط، ج1، ص374

[33] – القطار، نيابة، ص546

[34] – القطار، نيابة طرابلس، ص 546

[35] – ضومط، دمشق-الشام، ص390

[36] – ابن المبرّد، (يوسف بن عبد الهادي)، نزهة الآفاق عن حالة الاسواق، نشره حبيب الزيات،مجلة المشرق، بيروت، 1939، ص18 وما بعد

[37]  – القطار، نيابة، ص 546

[38] – خطط، ج2، ص95-106

[39] – خطط،  ج1، ص 373- 377 ج2، ص106-107

[40] – المقريزي، خطط، ج2، ص 2

[41] – المقريزي، خطط، ج2 ، ص2

[42] – ابن طولون، (شمس الدين محمد)، القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، تحقيق محمد احمد دهمان، مكتب الدراسات الاسلامية، دمشق، 1956، ج1 ، ص 10 وغيرها

ابن كنان (محمد بن عيسى)، حدائق الياسمين في ذكر قوانين الخلفاء والسلاطين، تحقيق عباس صبّاغ، دار النفائس، بيروت، 1991، 147، 149…

[43] – لابيدوس،(ايرا مارفين)، مدن الشام في العصر المملوكي، تعريب سهيل زكّار، دار حسّان، دمشق، 1985، ص142

[44] -Abdel –Nour, introduction, p159    وتجدر الاشارة الى ان انطوان عبد النور تحدث عن المدينة العثمانية منذ القرن 16 ما يعني عن المدينة المملوكية

[45]  – انظر على سبيل المثال:

Abdel-Nour , A, Introduction à l’histoire urbaine de la Syrie ottomane, publication de l’Universite Libanaise, Beyrouth. 1982

Lapidus, I,” Muslim cities and islamic societies “ in Middle Eastern cities, Harvard, 1967

[46] – لابيدوس، ص142

[47] – لابيدوس، مدن، ص142-143

[48] –  القطار،نيابة طرابلس، ص548

[49] –  النعيمي ( محمد بن عبد القادر)، الدارس في تاريخ المدارس، دار الكتب العلمية بيروت، 1990، ج2، ص244، ومفاكهة، ج1، ص124

[50]  – المقريزي، خطط، 2/16 والامثلة على ذلك كثيرة.

[51] – خطط، ج1، ص373

[52] – لابيدوس، ص 143

[53]  – المواكب الاسلامية، ج1، ص2510-252

[54] – المواكب، 1،252

[55] – المصدر عينه، 1، 292-293، ونحن تمكنا من معرفة تطور مدينة دمشق من طريق ما ذكره مؤرخيها في مطلع العهد العثماني.

[56] – انظر ما كتبه المقريزي عن اللوق :” اما الجانب الغربي… المعروف اليوم …فانه مستحدث عمّر بعد سنة سبعمائة فانزلهم _ جماعة من التتر-  في دور كان قد امر بعمارتها من اجلهم بارض اللوق…فتزايدت العمائر في اللوق وما حوله وصار هناك عدة احكار عامرة آهلة الى ان خربت شيئا بعد شيئ ” خطط، ج1 ، ص 117-118 وانظر ايضا بمواضيع مشابهة :ج2، ص68،70،71

[57] – خطط، ج1، ص 374

[58] – خطط، ج1، ص375

[59] – كيّال (منير)، الحمامات الدمشقية، وزارة الارشاد القومي، دمشق، 1966، ص212

[60] – غاوبه، المدينة، ص307

[61] – الكيال، حمامات، ص 212 ، وغاوبه، المدينة، ص307

[62] – الكيال، حمامات، 212

[63] – غاوره، المدينة، ص 307

[64] – نصّار، العامة، ص22

[65]  – القطار، نيابة، ص557

[66] – الرمي هو ان ترمى على حارة ما مبالغ من المال لصالح السلطان او نائبه في النيابة، او لإقتراف احد ابناء المحلة جريمة، او اتهامها بالجريمة، وهي فتاوى انتزعها المماليك من بعض رجال الدين، انظر ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص 227، 249، 309، 363، 366…

[67] – المصدر عينه، ج1، ص213، 274، 282، 289، 330، 374 ولابيدوس، مدن، ص152

[68] –  لقد اوردها في اماكن متعددة من مؤلفه انظر: النعيمي،(محي الدين عبد القادر محمد)، الدارس في تاريخ المدارس، مطبعة الترقي، دمشق، 1948، ج1، ص 161، 159، 215، 225، 229، 253، 277، 301، 373، 429، 431، 438، 455، 459، 467، 474، 488ن 496، 498، 537، 542، 555، 569، 588، 592، 599، 600، 604، 607 وج2، ص59، علما انه ذكر احيانا المدرسة الواحدة اكثر من مرة.

[69] – تدمري،(عمر)، تاريخ طرابلس، ج2، ص285، 286، 317، 324-325، 326، 329

[70] – خطط، ج2، ص362-403

[71] – كيال،(منير)، الحمامات الدمشقية، وزارة الارشاد القومي، دمشق، 1966، ص43

[72] – المقريزي، خطط، ج2، ص79-83

[73] – المصدر عينه، ج2، ص83

[74] – زيادة،(نقولا)، دمشق في عصر المماليك، مؤسسة فرنكلن للطباعة والنشر، بيروت-نيويورك، 1966، ص117-118 

[75] – خطط، ج2، ص317-331

[76] – العمري،(ابن فضل الله)، مسالك الابصار في ممالك الامصار، تحقيق دوروتيا كراوفلسكي، المركز الاسلامي للبحوث، بيروت، 1986، 181، وانظر ايضا ابن طولون (محمد)، اعلام الورى بمن ولي نائبا من الاتراك بدمشق الشام الكبرى، تحقيق محمد احمد دهمان، دار الفكر، دمشق، 1984، ص89 

[77] – المقريزي (تقي الدين احمد)، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد مصطفى زيادة، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1934-1936، ج1، القسم الثامي، ص 162

[78] – العمري، مسالك، ص181-182

[79] – Elissef (N), in EI2, Dimashk, vol2, pp- 286

وانظر ايضا، نصار، العامة، ص9

[80] – الصفدي،(خليل بن ايبك)، تحفة ذوي الالباب فيمن حكم بدمشق من الخلفاء والملوك والنواب، وزارة الثقافة، دمشق، 1991، ص 170-171

نصار، العامة، ص10

[81] – Ashtor,E, Histoire des prix et des salaires dans l’Orient medieval, Ecole Pratique des hautes etudes, Paris, 1959, pp 167, 268

[82] – العمري، مسالك، ص181

سوفاجيه،(جان)، دمشق، نقله الى العربية فؤاد افرام البستاني، حققه احمد العلبي، دار الوارف، دمشق، 1989، ص93-94

نصار، العامة، ص11

[83]  – سوفاجيه، دمشق، ص94-95

[84] – ابن بطوطة،(محمد بن عبد الله)، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار، المطبعة الاهلية، باريس، 1874-1879، ج1، ص235

[85]  – المصدر السابق، ج1، ص229-230

[86] – زيادة، دمشق، ص117-118

[87] – ابن تغري بردي،(جمال الدين يوسف)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، دار الكتب، القاهرة، 1930-1956، ج12، ص 239 وما بعد

ابن اياس،(محمد بن احمد)، بدائع الزهور في وقائع الدهور، بولاق، 1311هجري، ج1، ص 232وما بعد

[88] – لنا عودة مفصّلة لهذا الموضوع بحديثنا عن البني الاجتماعية

[89] – المقريزي،(تقي الدين احمد)، اغاثة الامة بكشف الغمّة، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال، القاهرة، 1940، ص72-73

[90] – زيادة، دمشق، ص131

[91] – ابن جبير،( محمد بن احمد)، الرحلة، دار صادر، بيروت، 1980، ص 257

– ابن بطوطة، تحفة النظار، ج1، ص63

[92] – ضومط(انطوان) وآخرون، الشرق العربي في القرون الوسطى، الدار الجامعية للنشر، بيروت، 1996، ص135، 137-138، 182-183220-221، 279-284…

[93] – القلقشندي، (احمد بن علي)، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، دار الكتب المصرية، القاهرة ، 1913، ج4، ص472

[94] – خرق هذا الشرط احيانا قليلة عندما كان ينعم بعض السلاطين على اولادهم وابناء الامراء بالأمرة، انظر: ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص99-100، وابن اياس، بدائع، ج1، ص225، وج2، ص5

[95] – Ayalon, D, the Muslim City and the Mumluk Military Aristicracy, proceeding of the Academy of Sciences and Humanities, 2 ,Jerusalem, 1968, p323

[96] – ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص51-52

[97] – ضومط،(انطوان)، الدولة المملوكية، التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، ط1، دار الحداثة، بيروت، 1980، ص86

[98] – Ayalon, Muslim city, p323

[99] – Ayalon, Muslim city, p323

[100] – القلقشندي، صبح، ج4، ص40-41

– المقريزي، خطط، ج2، ص98

[101] – ضومط، الدولة المملوكية، ص88

[102] – القلقشندي، صبح، ج4، ص310-312

– خطط، ج1، ص357-358

[103] – القلقشندي، صبح، ج4، ص50-51، وج3، 458، وج6، ص158، انظر مصل الوضع الاقتصادي

خطط، ج1، ص87، 90

ابن تغري بردي، نجوم، ج8، ص52،

ابن اياس، بدائع، ج1، ص90

[104] – العمري، مسالك، ص 117-119

  • القلقشندي، صبح، ج4، ص19- 20
  • خطط، ج2، ص219،222

[105] – العمري مسالك، ص 117-119

  • القلقشندي، صبح، ج4، ص19-20
  • خطط، ج2، ص 219، 222
  • ضومط، الدولة المملوكية، ص67-73

[106] – لمزيد من التفاصيل انظر: ضومط، الدولة، ص60-73

[107] – انظر حول تركيب الجيش المملوكي ولا سيما الاجناد:القلقشندي، صبح، ج3، ص15-16،347-348، 435، وج4، ص472

  • المقريزي، سلوك، ج3، ق3، ص982، وخطط، ج2، ص 215-216
  • الظاهري،(خليل بن شاهين)،زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، اعتنى بتصحيحه بولس راويس، باريس، المطبعة الجمهورية، 1891، ص115-116،

[108] – العمري،(ابن فضل الله)، التعريف بالمصطلح الشريف، مطبعة العاصمة بمصر، 1894، ص84

  • القلقشندي، صبح، ج4، ص184
  • الخالدي،(مجهول الاسم الاول)، المقصد الرفيع المنشأ الهادي لديوان الانشاء)، مخطوط حققه خليل شحادة، اطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة القديس يوسف، بيروت، 1988، ص272

[109] – اعلام الورى، ص82، 186

[110] -الخالدي، المقصد، ص273

مفاكهة، ج1، ص224

[111] – لن ادخل بتفاصيل صلاحيات نائب السلطان كلها، ولمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع انظر: العمري، مسالك، ص115

– القلقشندي، ج9، ص253، 259

[112] – لمزيد من الاطلاع ،انظر: السبكي،(تاج الدين عبد الوهاب)، معيد النعم مبيد النقم، دار الحداثة، بيروت، 1983، ص23

  • القلقشندي، صبح، ج13، ص124، 194، 197
  • ابن طولون، اعلام، ص59، 61، 70، 83، 115….
  • المقريزي، سلوك، ج4، ق1، ص136-137

[113] – القلقشندي، ج4، ص182-183

[114] – الظاهري، زبدة، ص113

  • القلقشندي، صبح، ج4، ص13-14
  • الخالدي، 272

 [115]  – نخص منهم:امير حاجب وهو مقدم ألف، ويلي نائب دمشق رتبة وينوب عنه اثناء غيابه، واستادار، ونقيب الجيش، والمهمندار، وشاد المهمات، ووالي الشرطة

انظر: الظاهري، زبدة، ص113

  • القلقشندي، صبح، ج4، ص185
  • الخالدي، ص272
  • المواكب، ج2، ص12

[116] – الصفدي، ق2، ص182

القلقشندي، صبح، ج9، ص253

السلوك، ج4، ق1، ص422، 452

[117] – مفاكهة، ج1، ص50، 155ن 157، 164…

[118] – انظر ادناه الحياة الاقتصادية

[119] – ابن اياس، بدائع الزهور، ج1، ص155-156

[120] – ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص153

– بدائع، ج1، ص156

[121] – نجوم، ج10، ص6-8، 44

[122] – العلبي، دمشق، ص145

[123] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص8-9، 240، 245

[124] – صبح، ج4، ص234

[125] – المقريزي، سلوك، ج1، ق2، ص306-307

[126] – ابن كنان، المواكب الاسلامية، ج2، 16-17

[127] – القلقشندي، ج4، ص34-36

[128] – سلوك، ج2، ق2، ص439-443

[129][129] – يروي المقريزي ان السلطان المؤيد الشيخ عقد مجلسا لقضاة القضاة الاربعة في مصر ومشليخ العلوم، وسأل فيه قاضي قضاة الحنابلة قاضي قضاة الشافعية عن اربع مسائل وهو يجيبه، فيقول له الاول اخطأت، وتدخل قاضي قضاة الحنفية لصالح الحنبلي وراح يشتم الهروي قاضي قضاة الشافعية ثم قال:” يا مولانا السلطان اشهدك على اني حجرت عليه الا يفتي.” ويعلّق  المفريزي على ذلك قائلاً:” فكان مجلسا بغاية القبح، من اهانة الهروي وبهدلته.”  سلوك، ج4، ق1، ص479-485

[130] – سلوك، جج3، ق3، ص1073، 1168

  • ابن طولون (شمس الدين محمد)، الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء الشام، تحقيق صلاح الدين المنجد، دمشق، 1956، ص130، 165، 219، 255
  • ابن طولون، (شمس الدين محمد)، نقد الطالب لزغل المناصب، تحقيق محمد احمد دهمان، وخالد دهمان، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1992، ص45

[131] – ابن طولون، الثغر البسام، ص128، 130

[132] – المصدر عينه، ص155 ولمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع، انظر: نصار، العامة، ص354-355

[133] – البصروي،(علي بن يوسف)، تاريخ البصروي، تحقيق اكرم العلبي، دار المأمون للتراث، دمشق، 1988، ص41، 43، 85، 86

– ابن طولون، الثغر، ص124-125، 160، 164، 180…

[134] – الامثلة كثيرة على هذا الموضوع سنذكرها في مكانها المناسب اي بالعلاقة بين العامة والسلطة المملوكية، وانظر على سبيل المثال فقط: مفاكهة، ج1، 158، 160، 162…

[135] – القلقشندي، صبح، ج4، ص192

الخالدي، المقصد، ص273

ابن كنان، المواكب، ج2، ص17

[136] – صبح، ج4، ص193

[137] – المكان عينه

الخالدي، المقصد، ص273

[138] – سلوك، ج4، ق1، ص11

[139] – ضومط،(انطوان)، دمشق الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية، ضمن كتاب المؤتمر الدولي السادس لتاريخ بلاد الشام، 10-12 تشرين الثاني- نوفمبر،( ص384-434) ص404-405

[140] – العمري، مسالك، ص112-113

[141] – صبح، ج0، ص473

الخالدي، ص 275

[142] – صبح، ج4، ص194

الخالدي، المقصد، ص275

[143]– لابيدوس، مدن الشام، ص136

[144] – سعد (فهمي)، العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع الهجريين، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1983، ص121

[145] – يذكر الظاهري ان احد تجار الكارم استطاع بناء مدرسة من مدخول يوم واحد، انظر، زبدة كشف الممالك، ص41، ويذكر القلقشندي ان بعض التجار ديّن السلطان مائة ألف درهم فضة، صبح، ج4، ص32، ويكرر الحادثة ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص279

[146] – الدينوري،(نصر بن يعقوب)، التعبير في الرؤية او القادر في التعبير، مخطوط، متحف بغداد، رقم 598، نقلا عن فهمي سعد (العامة في بغداد)، ص66

[147] – الطبري،(محمد بن جرير)، تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، القاهرة، 1960-1969، ج8، ص448 وما بعد

[148] – الصفدي،(خليل بن ايبك)، نكت الهيمان في نكت العميان،  ص10، نقلا عن العامة في بغداد، ص66

[149] – خطط،ج1، ص89

[150] – السبكي، معيد النعم، ص9-10

[151] – خطط، ج1، ص89

[152] – لابيدوس، ص138

[153] – ان دلالات تطور حركة الزعر وصراعهم فيما بينهم ومع السلطة حفظتها مؤلفات المؤرخين الدمشقيين خصوصا ابن طولون وابن عبد الهادي، انظر حول الحارات: مفاكهة، ج1، ص275، 289، 316، 342…واعلام، ص171، 178، 205، 22، 208…والامر الملفت للانتباه ان المقريزي وهو مؤرخ اجتماعي بامتياز لا يحدثنا عن حارات الزعر، ولا عن علاقاتهم فيما بينهم.

[154] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص268، اعلام، ص174، 195…

[155] – مفاكهة، ج1، ص292، 293، واعلام، 195

[156] – مفاكهة، ج1، 180

[157] – مفاكهة، ج1، 185

[158] – نفسه، ج1، 185، 200، 201

[159] – نفسه، ج1، ص160

[160] – ابن طولون،اعلام الورى، ص118، 119، 127، ومفاكهة، ج1، ص177ن 204، 213…

[161] – مفاكهة، ج1، ص204

العلاقات المسيحية الاسلامية فيى نيابة دمشق المملوكية بين تعسف السلطة وتشدد رجال دين مسلمين.

اولا:السلطات الاسلامية والمجتمع الفاضل.

1-الحكم الشرعي بين النظري والعملي.

أ-في العهدين الراشدي والاموي.

ب-في العصور العباسية

2- اهل الذمة:

أ-جدلية عهد الذمة بين النص والاجتهاد في العهد الراشدي

2-الشروط العمرية ما قبل العهد المملوكي

 ثانيا: السلطة والدين في العهد المملوكي.

1-المماليك ونظرية حماية الاسلام.

2-مميزات الجهاز الحاكم.

3-دور رجال الدين المسلمين.

مواقف المتشددين:

1-ابن تيمية.

2-ابن الاخوة.

3- ابن القيم الجوزية.

4-تاج الدين السبكي.

ثالثا: اوضاع المسيحيين في نيابة دمشق.

  1. تواجدهم.
  2. مراسيم الشروط العمرية وعوامل فرضها.

3-وطأة الشروط العمرية:

  أ-في الادارة.

 ب-في الاقتصاد:

ج-الضرائب

د-المصادرات.

ه-الابنية.

و-اعتناق الاسلام قسرا.

ز-الملابس.

ح-ركوب الرحائل.

ط-الكنائس.

رابعا:اوضاع المسيحيين غير المشرقيين

1-التجار الاجانب والتسهيلات التجارية

2-استبدال عهد الامان بنصوص المعهادات.

3-علاقة رجال الدين الاجانب بابناء البلاد

مقدمة:احتل التاريخ العسكري والسياسي وما يزال، مركز الصدارة في التأريخ لمختلف عصور وحقبات الذاكرة العربية. ولم يُعن كفاية بالتاريخ الاجتماعي، الذي ظل يُدْرس بمقدار ما يتيح له المؤرخ السياسي والعسكري من مساحات ضيقة. كما صُوّر انه دراسة المباني على تنوعها، ووصف بعض المظاهر الاجتماعية كالحفلات والاعياد وما شابه، من دون التطرق الى صلبه كدراسة الفئات المكونة للمجتمع، من حيث علاقة كل جماعة، فانه يصعب عليه توضيحها بمعزل عن قراءة متأنية للعوامل الاقتصادية والاجتماعية، التي قد تكون احيانا في اصل تلك التحولات، وفي توجيه التاريخ السياسي والعسكري، فتصبح الاستعانة بالتاريخ الاجتماعي من مهامه الاساسية. وبالتالي يعطي، اليوم، معظم المؤرخين اهمية قصوة للدراسات الاجتماعية، لاعادة تركيب الماضي بكل ابعاده، بما في ذلك التداخل بين السياسة والاجتماع والاقتصاد.”لأن الزمان يكتسب فعاليته ويمر بتحولات طويلة او متقطعة، او يستمر تراتبيا، من خلال الفعاليات البشرية، ومما يعانيه الانسان في مجتمعه وبيئته”.[1]  

تتبدى صعوبة دراسة التاريخ الاجتماعي، في العصور الوسطى، لأفتقارنا الى عناصر البنية الاجتماعية، المكوَّنة من مجموعة عضوية من التقارير الشديدة التماسك، اجتماعيا واقتصاديا ونفسيا، واقل ما يقال في البنية: انها تتكامل في تقليد، وفي نظام خلقي، وتحدث اعادات ولا تتجدد، لان الحدث التاريخي هو الذي يحدث التجديد والابداع، ويحوّل بعض البنى ولا يقضي كليا على تماسكها الداخلي.[2] فمن واجب التأريخ الاجتماعي اذا تحديد الظواهر، التي تخضع لها المكونات الاجتماعية، ودراسة تطورها البطيء والسريع، بهدف تحديد مستوى التطور ايجابا اوسلبا. كما دراسة بنية العلاقة بين الحكام وفئات الشعب، لأهميتها في فهم الدينامية الاجتماعية.

في الربع الاخير من القرن العشرين حظي هذا النمط من التأريخ، في المشرق العربي، بعدد ضئيل من الابحاث، لأن العلائق بين المكونات الاجتماعية، في العصور الوسطى، كانت شديدة التشابك وئاما واختلافا، ومنها المسيحية الاسلامية، التي قلما بحثها المؤرخون بجدية، لأن السواد الاعظم من شعوب المشرق العربي مسلمون. وبنشوء الدول الحديثة، التي تساوى فيها المسيحيون والمسلمون امام القانون، تمت دراستها من مناظير مختلفة؛ فكتبها بعضهم بمشاعر ذاتية، املا بشد اللحمة بين الفريقين، واختزلوا الاحداث التاريخية التامة تسويغا لاهدافهم، مفترضين انها كانت سليمة اجمالا، من دون الاستناد الى مسوّغات مصدرية صلبة. وطوّع آخرون الحوادث لتوافق اهوائهم الاحادية للاحداث، فتماهوا بطريقة او باخرى مع المواقف السابقة، بهدف اعلاء شأن الاسلام، من دون ان يميزوا بين احكام الاسلام، وتدابير واجرآت الحكام على اختلاف تسمياتهم، كما بين التدابير، التي اتخذها بعض رجال دين مسلمين متشددين، مدفوعين بحمية تبرر الاساءات الاسلامية للمسيحيين. لأنهم اعتبروا المسيحيين غير مساوين للمسلمين، ويجب ان يتميزوا عنهم في السلوك، والثياب…ومعظمهم عملاء لأعداء الاسلام، ومشكوك بصحة ولائهم، ومتهمون بانتهاك شروط العهد. من دون ان يحددوا ماهية هذا العهد، وكيف ابرم ومدى توافقه مع مضامين القرآن، لائذين بالشروط “العمرية” التي اكتسبت لقب عهد الذمة، بعد ان باتت جزءاً من السنة، من دون ان يدرسوا مدى قانونيتها، مستندين فقط على ممارسات خلفاء واجتهادات فقهاء.

لن ادعي ان تجردي مطلق، او متعاطف مع المواقف المسيحية من دون ضوابط منهجية. وما بحثي للعلاقات المسيحية الاسلامية الا محاولة لوضعها بالاطار التأريخي الصحيح، اي كما حدثت في اواخر العصور الوسطى، مستندا على المصادر الاسلامية العائدة الى مؤرخين وفقهاء وقضاة وعلماء مسلمين.

اولا: السلطات الاسلامية والمجتمع الفاضل:

1-الحكم واحكام الشريعة:

أ- في العهدين الراشدي والاموي:يعتقد معظم المسلمين ان المجتمع الاسلامي افضل المجتمعات، لأن نظمه مستمدة من كلام الله، ويؤدي تطبيقها الى مجتمع افضل من غيره، ان لم يكن ساميا. هذا على المستوى النظري والايماني او العقائدي، انما عمليا عجز العصر الراشدي عن جعله فاضلا ومغايرا لكل نظائره في العالم، بفعل التنازع الخافت والظاهر بين قيادييه على السلطة، والمكاسب المادية على تنوعها. ولم يفلح ابو بكر، ومن بعده عمر بن الخطاب، بالتصدي لها، فاجّلا حلّها لاسباب كثيرة ( ليست موضوع دراستنا)، وفشلا بتحقيق المجتمع الفاضل. ودفع الخليفة عثمان بن عفّان حياته ثمنا لتجاوزه حدود الدور الديني المرسوم له، بابقائه على القرآن المعروف باسمه، واحراق المصاحف الاخرى، ولاسباب رئيسة اخرى[3]. ما يعني ان العصر الراشدي لم يفشل فقط بتحقيق المجتمع الاسلامي الامثل، انما حدث فيه الانشقاق الكبير بين المسلمين(صراع علي ومعاوية)، واصاب منه مقتلا ما يزال فاعلا حتى اليوم. فكيف بالتالي تعتبر تدابير عمر بن الخطاب جزءا من السنة وسبيلا الى المجتمع الفاضل؟! وسقط الاموييون في فخ التحزّب بين المسلمين، فصنّفوهم درجات وفق قرب كل فريق من السلطة، بل كل قبيلة، فاختل توازن الدولة وسقطت.

والجدير بالملاحظة انه كلما ابتعدنا زمنيا عن عهد الرسول، تبتعد الدول الاسلامية عن الهداية الايمانية الحقة، فالمذاهب السنية الاربعة لا تتطابق تفاسيرها لبعض الاحاديث النبوية، ومنها ما يتعلق بمعاملة المسيحيين. ومن المفترض ان تكون السنة هداية ونبراسا لكل مسلم، ترشده سوي السبيل، لا عامل اخلال في المجتمع تفقده تلاحمه وتوازنه.

ب- العصور العباسية: اما العباسيون فافتقدوا الى المساواة، ابرز شعائر دعوتهم، بوقوعهم في فخ الصراع مع الشيعة، ومع بعض العرب. ومنذ اواخر العصر العباسي الاول، ضمرت هيبة دولتهم تدريجا في العصور التي تلته:( التركي المعروف بالفوضى العسكرية، والبويهي، ثم السلجوقي، فالايوبي، حتى سقوط الخلافة العباسية في مستهل العهد المملوكي على يد المغول( 656/ 1258). حيث صارت صلاحيات الخلفاء السياسية والدينية باهتة، وبعضهم لم يكن ضليعا في علوم الدين ولا بشؤونه، ما افسح في المجال للقادة العسكريين المتغلبين على الحكم، من امراء، وامراء الامراء، وبعضهم كان رقيقا، ومن ثم الملوك البويهيين، فالسلاطين السلاجقة، ليقتل الخليفة او يعزله او يعذبه حتى الموت[4]. وشكّل المجون وحياة الترف والبذخ، الخارجة على كل النظم الاسلامية، عناوين انماط عيش معظم الخلفاء وسلوك حواشيهم[5]. وبالتالي لم تنجح السلطة في الاسلام حتى ذلك التاريخ 1258/656 بالتحول الى سلطة سياسية دينية، او تتكامل فيها السلطتان الزمنية والدينية، لتحقيق العدالة الاسلامية وفق الشريعة. بل باتت سلطة زمنية بامتياز، ظاهرها ديني وحقيقتها خاوية منه، وبدت شبيهة باية سلطة زمنية اخرى. وسيست الرعية بالتسلط والقهر والعنف حينا، وبجباية الضرائب الفادحة، وزرع الشقاق بين المكونات الاجتماعية حينا آخر. وغدا الفساد عنوان المجتمع الاسلامي، الذي تحوّل مجتمعات متدرجة واضحة المعالم، على رأسه الحاكم من دون ان تلصق به اية صفة دينية، نزولا حتى القاعدة او سواد العامة. ما افرغ المجتمعات الاسلامية من مقوماتها الاساسية الصحيحة.

2-اهل الذمة:

أ- عهد الذمة بين جدلية النص والتطبيق في العهد الراشدي: منذ عهد الرسول وحتى اواخر العصور الوسطى لم يشكل عهد الذمة بين السلطة الاسلامية والمسيحيين علاقة سياسية، لأنه عقد اجتماعي يجيز للمسيحيين العيش في المجتمع الاسلامي بشروط الذمة، التي استحدثها خلفاء وفقهاء، مستعينين بالآية 29 من سورة التوبة :{ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون بدين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}، وبغيرها من الآيات، وبفتاوى واجتهادات، تعارضت بنسبة عالية مع عهد الرسول المبرم مع مسيحيي نجران،[6] المفترض ان تؤسس عليه العلائق المسيحية الاسلامية،[7] ما افرغه من جوهره.

لم يرد ابدا مصطلح أهل الذمة في القرآن، الذي يشير الى المسيحيين واليهود ب”اهل الكتاب”. وتُعرّف المعاجم العربية “الذمة”: بالعهد او الكفالة، والذمي هو رجل عهد، ولهذا اسمي المعاهد “ذميا”لحصوله على امان المسلمين لقاء الجزية، التي تؤخذ منه، والواجبات الاخرى…[8] وتعتبر الجزية احد اهم شروطه، لأنها امّنت للدولة الاسلامية مداخيل رئيسة وشبه ثابتة، وشكلت باستمرار علامة فارقة بين الذمي والمسلم في المواطنة، فكان الاول معفيا منها، في حين كان الثاني ملزما بأدائها، وفي حال تخلّفه عن دفعها يباح دمه. ويجيز معظم الفقهاء، سوى المتشددين منهم، تولي اهل الذمة الوظائف في الدولة الاسلامية، سوى التي لها الصفة او الطابع الديني، كالقضاء، والحسبة، وقيادة الجيوش، ورئاسة ديوان الجند، ووزارة التنفيذ، لأن وزير التنفيذ ينفذ ما يأمر به الخليفة، على عكس وزير التفويض، الذي يقرر الامور بنفسه وينفذها…[9]  على الرغم مما ورد في كتاب نجران، اعتبرت  تدابير عمر بن الخطاب بحق المسيحيين جزءا من السنة، فكرر فرضها خلفاء آخرون، لاسيما حفيده عمر بن عبد العزيز الاموي[10]،  واضاف بعضهم اليها موجبات اخرى، فعرفت كلها ب” الشروط العمرية“. ولعل اهمها: يحظر على المسيحيين بناء كنائس جديدة او ترميم القديمة منها، واظهار صلبانهم في الطرق والاسواق العامة، التي يسلكها المسلمون، وحمل السلاح وركوب الخيل، والزواج من مسلمات.  ويجاز لهم مرة واحدة فقط، الخروج  بزياح خارج المدينة مع حمل الصلبان، شرط الا يمروا بين المسلمين، وإلزامهم ارتداء ملابس مغايرة لثياب المسلمين، واعتبرت شهاداتهم محدودة امام القضاء. فرضت الشروط العمرية على الذميين عموماً ليتميزوا من المسلمين على اكثر من مستوى؛ في اللباس، بارتداء لباس خاص يشير إلى نوعية الذمي (نصراني ، يهودي، صابئة). وفي آداب الحياة اليومية؛ فلا يتناولوا طعاما وشرابا علنا خلال شهر رمضان، ولا يرفعوا الصوت أمام مسلم، والا يقتنوا خدما مسلمين، ولا رقيقا سباه مسلم، ولا يحوّلوا مسلما الى المسيحية، او يدرّسوا اولادهم القرآن. ولا يدخلوا الحمامات مع المسلمين احيانا، وان دخلوها تفرض عليهم علامات فارقة: وضع اجراس، او صلبان ثقيلة في الاعناق[11]، وان يفسحوا الطريق للمسلم. ودفعوا ضرائب تفوق ما كان يدفعه المسلمون على التجارة، وعلى الارض، التي جبي منهم  الخراج عنها بقيمته غير المحددة، في حين كان المسلمون يدفعون عشر المحصول. ويعتبر سورديل ان الخراج والجزية ارسيا ركيزة النظام المالي الاسلامي في كل الدول الاسلامية المتعاقبة.[12]

وعليه، لا بد من عودة سريعة الى عهد الرسالة الاسلامية لتبيان مدى صحة عهد الذمة ( الشروط العمرية) باحكامه. لأن دراسة الحدث معزولا عن ظروفه البعيدة والقريبة، تأتي مبتورة من دون التبحر بالاحداث الكبرى الماضوية ذات الصلة، المؤثرة في صيرورته التاريخية والاجتماعية، لأنها تبلوره، وتظل مشروطة بمقدرة الباحث في تعليل الحوادث وتحليلها واعادة تركيبها.

ينسبها بعض فقهاء وعلماء الدين ومؤرخين مسلمين الى احد الخليفتين عمر بن الخطاب، او حفيده عمر بن عبد العزيز الاموي. وهي موضوع نقاش من حيث شرعيتها، وتطابقها مع الاحكام القرآنية، لاسيما ان الاثنين ما كانا فقيهين او عالمي دين، وجل ما فرضاه لا يعدو تدابير سياسية لأحداث آنية، وغير مستمدة من القرآن. فذمة الله ورسوله محددة بالكتاب، الذي حرره الرسول الى مسيحيي نجران.

تجاوزت، مضمون كتاب نجران، ممارسات واجتهادات فقهية متشددة، اسس لها بعض الخلفاء، وتراكمت عبر الزمن التاريخي لتصبح جزءاً من السنة، على رغم تعارض بعضها مع احكام قرآنية، وتَشدّد بعض الفقهاء واغروا الحكام من اجل تطبيقها. والجدير بالملاحظة، ان الدولة الاسلامية عندما اشتدت قوتها، ألغى الحكام عهود الامان التي ابرمها قادة الفتوح مع المسيحيين، واستعاضوا عنها بما اصطلح على تسميته” الشروط العمرية”. ولكي لا نغرق في التفاصيل، سأشير الى ابرز محطاتها السابقة على العهد المملوكي موضوع البحث. فقد تجاوز الخليفة عمر بن الخطاب مضمون عهد الرسول لمسيحيي نجران: فطردهم من بلادهم الى الشام، [13]زاعما انه: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب[14]، فلماذا اذا كتب الرسول عهده لمسيحيي نجران؟ وامر ايضا :” لا تبنى كنيسة في الاسلام، ولا يبنى ما خرب منها.”[15]واجتهد لتحويل المسيحيين الى الاسلام؛ فكتب الى امراء الاجناد بوجوب ختم رقاب اهل الذمة”.[16] وحذّر مسيحيي بني تغلب “الا ينصّروا وليدا”[17]، ورفض قبول الجزية منهم، زاعما انهم نقضوا عهد الذمة لأنهم يعمدون اطفالهم[18]. وآزره علي بن ابي طالب في موقفه، وبدا اكثر تشددا بقوله:” ان تفرغت لبني تغلب ليكونن لي فيهم رأي:” لأقتلن مقاتلتهم، فقد نقضوا العهد، وبرئت منهم الذمة، حين نصروا اولادهم”.[19] وقلّل عمر من شأنا المسيحيين، مفترضا تواجودهم في الدولة الاسلامية ليس الا لخدمة المسلمين[20]، فمنعهم من حمل السلاح، والتقلد بالسيوف، وركوب الخيل والبغال، وقصر ركوبهم على الحمير فقط وبالاُكُف (البرادع الخشبية) وعرضا[21] اي لجهة واحدة. وقال فيهم ” لا اكرمهم بعد ان اهانهم الله، ولا اعزهم بعد ان اذلهم الله، ولا ادنيهم بعد ىان اقصاهم الله”.[22]واشترط في عهود الامان، مواد صارت ركنا مهما في الشروط العمرية، بل جزءا عضويا منها.[23] وفي السياق عينه عزلهم في مناطق خاصة، فكتب الى عماله في الامصار: على اهل الكتاب “ان يجزوا نواصيهم، وان يربطوا الكستيجات (الزنانير العريضة) في اوساطهم، ليعرف زيهم من زي اهل الاسلام”[24]، واضاف:” ايّما مصر مصرته العرب فليس لاحد من اهل الذمة ان يبنوا فيه بيعة… ولا يضرب فيه ناقوس”[25]، ومنع ايضا اظهار الصلبان بين المسلمين[26]. وتحدث الى جنوده قائلا:” ادبو الخيل، وإياي واخلاق الاعاجم، ومجاورة الخنازبر، وان يرفع الصليب بين اظهركم”[27]. وعندما تم فتح سواد العراق عنوة ، كتب الى امراء الاجناد ان يفرضوا على المسيحيين الجزية، ويختموا رقابهم[28]. فهل من مذلة اعظم من ذلك؟! وكأنهم موبوؤن ويجدر بالمسلمين تجنبهم. وزاد في احتقارهم عندما رفض اقتسامهم اذ اجاب احد القادة الملح على اقتسامهم كغنائم:” أرأيت لو اخذنا اهلها فاقتسمناهم، ما كان يكون لمن يأتي بعدنا من المسلمين، والله ما كانوا يجدون انسانا يكلمونه، ولا ينتفعون بشئ من ذات يده، وان هؤلاء ما يأكلهم المسلمون ما داموا احياء. فاذا هلكنا وهلكوا اكل ابناؤنا ابناءهم ابدا ما بقوا. فهم عبيد لاهل دين الاسلام.”[29] واستمر يذلهم ” ولجعل الكفار يُعرفون بسيماتهم- ان يعتمد كل من اليهود والنصارى ما يصيرون به مستذلين ممتهنين…وليفرّق بين المسلمين وبينهم في الشبه والزي…وليوسموا بالغيار وشد الزنار وازالة ما على المسلمين من تشبههم به من العار.”[30]واجرآته تلك، اسست لما عرف بصراط السلف الصالح، التي توسلها معظم المتشددين في تدابيرهم واجتهاداتهم، بل تذرعوا بها لاضطهاد المسيحيين.

ونسأل: لماذا استبدل عهد الذمة بما اصطلح على تسميته” الشروط العمرية”؟ فعهد الرسول لمسيحيي نجران، ومن خلاله الى كل المسيحيين، واضح ومما جاء فيه” ” …ولا يهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم. ولا يدخل شيئ من مال كنائسهم في بناء مسجد ولا في منازل المسلمين. فمن فعل ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله…ويكفّ عنهم ادب المكروه حيثما كانوا وحيثما حلّوا. وان صارت النصرانية عند المسلمين فعليه – صاحب السلطة في الاسلام- برضاها وتمكينها من الصلوات في بيعها. ولا يحيل بينها وبين هوى دينها…”[31] وقد حصّنهم الرسول، في العهد عينه، مخافة اعتداء المسلمين عليهم اذ ورد فيه ما حرفيته:”ما لأحد نقضه – اي العهد- ولا تبديله، ولا الزيادة فيه، ولا الانتقاص منه، لأن الزيادة فيه تفسد عهدي، والانتقاص منه ينقص ذمتي.”[32] مع ذلك لم يلتزم المسلمون به، واستعاضوا عنه بالشروط العمرية!!! 

اما الشروط العمرية فتنقسم الى قسمين: مستحق ومستحب[33]. “يتضمن المستحب ستة شروط:1- عدم ذكر الاسلام بذم له او قدح فيه، 2- عدم ذكر الله بطعن له له او تحريف فيه، 3- عدم ذكر الرسول بتكذيب له او ازدراء، 4- الاّ يصيبوا مسلمة بزنى او باسم نكاح، 5- الا يفتنوا مسلما عن دينه، او يتعرضوا لماله، 6- الاّ يعينوا اهل الحرب”

يعتبر ابن الاخوة، وهو احد الفقهاء المتشددين، عدم التقيد بهذه الشروط نقضا لعهد الذمة[34]. وكان المماليك يحيلون من يخالفها، على قضاة من المذهب المالكي المأثور عنهم التشدد في تطبيقها، فلم يكن يقبل من المتهم لا توبة، او اي امر آخر، سوى اعتناق الاسلام، والا تقطع رأسه.[35]

اما المستحبة فما كانت تنقض العهد، وهي بنيت على ستة احكام او شروط هي: 1″- لبس الغيار، 2- الاّ تعلو ابنيتهم فوق ابنية المسلمين، 3- الاّ تعلو اصوات نواقيسهم وتلاوة كتبهم، 4- الاّيجاهروا بشرب الخمر واظهار صلبانهم، 5- ان يخفوا دفن موتاهم، ولا يجاهروا بندب عليهم ولا نياحة، 6- ان يمنعوا من ركوب الخيل ولا يمنعوا من ركوب الحمير”.[36] 

طبقت هذه الشروط في معظم عهود الخلفاء والدول، وقلما خلا عهد طويل نسبيا، من اعادة العمل بها جزئيا او كليا، وان كان صار يتم التهاون في تطبيقها في العهد نفسه، وقد يتم فيه التأكيد على مضمونها بكتاب جديد، تبعا للخلفاء، ودور المتشددين. ولعل ابرز محطاتها عهود عمر بن عبد العزيز، والمنصور، والرشيد، والمتوكل، والحاكم بامر الله الفاطمي…

ب- الشروط العمرية من نهاية الراشدي وحتى المملوكي: في العهد الاموي، اسس لها الخليفة عمر بن عبد العزيز، الذي اثر عنه التقوى، ومحاولة اصلاح الدولة. ولكن موقفه من المسيحيين يتناقض تماما مع رؤيته الاصلاحية، فهو صاحب نظرية هدم الكنائس، وغيرها من التدابير التي صارت سوابق، وطبّقت طيلة العهود الاسلامية، فكتب الى عماله:” ان تهدم الكنائس، التي في امصار المسلمين، ويمنع النصارى بالشام ان يضربوا ناقوسا، ويجزوا نواصيهم، ويشدوا مناطقهم، ولا يركبوا على سرج، ولا يلبسوا عصبا ولا خزا، ولا يرفعوا صليبهم فوق كنائسهم…وان تمنع نساؤهم ان يركبن الرحائل”.[37]واعتبرهم كفرة مشركين لأن الله جعلهم[حزب الشيطان][38]. وكتب الى عماله ايضا:” فلا اعلمن ان احدا من العمال ابقى في عمله رجلا متصرفا على غير دين الاسلام الا ونكلت به، فان محو اعمالهم كمحو دينهم، وانزلوهم المنزلة التي خصّهم الله بها من الذل والصغار.”[39]

ثانيا:السلطة والدين في العهد المملوكي:

1-المماليك ونظرية حماية الاسلام: جهد عدد كبير من المؤرخين المسلمين، ولا سيما المصريون منهم، لاظهار المماليك حماة الاسلام منذ معركة عين، التي كانت مصيرية للمماليك والايوبيين. وهذا رأي دونه نقاش، فمثلا لو هزموا فيها لكانت ستصتأصل شأفتهم. وعلى الرغم من هذا الخطر المصيري، لم يتّحد المسلمون في ما بينهم، بمن فيم المماليك؛ فبعضهم تخاذل وطلب الصلح من المغول وخضع لهم، والبعض الاخر حارب الى جانبهم، وفريق ثالث آثر الحياد[40].

لم يؤد انتصارهم في عين جالوت الى تغيير في ذهنيتهم المتجزرة بالحسد، والغيرة، والتنازع المستمر على السلطة؛ فعلى الرغم من وطأة الخطرين المغولي الرابض في العراق، وعلى الحدود الشمالية لبلاد الشام، والصليبي المتمركز في بلاد الشام، اغتال الاميرُ بيبرس البندقداري السلطانَ قطز، غير آبه بالصراعات المملوكية الداخلية، معرّضا مصير المسلمين في المشرق العربي الى خطر حقيقي.[41] ولكي يضفي على حكمه، وعلى العهد المملوكي عامة، شرعية اسلامية، احي الخلافة العباسية في القاهرة شكليا، وجرّد الخليفة من صلاحياته الاساسية، وحصرها بشخص السلطان[42].

السلطة المتعسفة هي التي تمارس حكما استبداديا، على كل الناس. وقد تجور على فريق أكثر من غيره، من دون مراعاة للنظم والقوانين، وتستبيح المحاذير تأمينا لمصالحها. ومارس المماليك هذا النوع من الحكم، فلم يراعوا النظم الاسلامية الا من حيث الشكل، لأن كل انجازاتهم وتدابيرهم الادارية، وبنية نظاميهما العسكري والاقطاعي، تشي بذلك. احتكروا الجندية وحدهم، وسمحوا لبعض القبائل العربية الانخراط ضمن اجناد الحلقة لقاء خدمات يقدمهمونها. واقتسموا الاراضي الزراعية كلها وفق نظام استحدثوه، ارتبط عضويا بنظامهم العسكري، وتفننوا بالتسلط على كل الناس مسلمين وغيرهم، حتى صار من يعملون بالارض اشباه اقنان[43]. واستولى امراء المماليك على المرافئ، والمراكز الجمركية، والمعاصر المتنوعة، عن طريق الاقطاع. ومارس معظم السلاطين الاحتكارات، واستحدثوا   ضرائب جديدة: كالمشاهرة، والمجامعة(الضرائب الاسبوعية)، والطرح، والتحكير، والرمي،[44] حتى قال المقريزي :” لم يسلم من الضرائب الا الهواء”.[45]

2-مميزات الجهاز الحاكم: شكل السلطان وامراؤه واجناده طبقة عسكرية حاكمة مغلقة عن الشعب، وحدد الانتماء اليها بشروط لم تتوفر بالسكان الاصليين: كالعرق[46]، والرق[47]، واجادة اللغة التركية [48]، والتربية في الطباق ( الثكنة العسكرية )، والعتق، والتدرج بالامرة[49]. وانحصر تزاوج امراء المماليك، اما من نساء تركيات جيء بهن خصيصا لهذه الغاية، او من بنات امراء المماليك، وقليلون منهم من تزوجوا من بنات مياسير التجار، او بنات المتعممين[50]. وكانت جميع اسماء الامراء تركية، ولم يجرؤ احد الخروج على هذه القاعدة مخافة القتل او العزل[51]. وانفردوا بارتداء ثياب مميزة [52]، واقتناء الرقيق، وركوب الخيل، الذي لم يجز لغيرهم ركوبها[53]. وعلى رغم اسلامهم، لم يحتكم الامراء في ما بينهم بالشرع الاسلامي، بل ب “الياسة او اليسق” وهي مجموعة القوانين المغولية، التي اصدرها جانكيز خان ( 1206 – 1227م.)[54]. وتمتع السلاطين والامراء المماليك الكبار بثراء فاحش[55]، لنهمهم غير المرتوي للمال، الذي سبب حروبا وفتنا شبه متتالية، طبعت العهد المملوكي كله. ما كان يضطرهم التجاوب احيانا مع ضغوط رجال الدين، لا سيما المتشددين منهم، تخفيفا للنقمة الشعبية المتصاعدة ضدهم.

3دور رجال الدين المسلمين: من المفترض ان يشكل رجال الدين صمام امان في المجتمع الاسلامي، لانهم احتلوا منزلة رفعيعة فيه، وكان الناس ينظرون اليهم باكبار، لممارستهم شؤونا مدنية اجتماعية، مثلت دور الرقابة على ممارسة الجهاز العسكري الحاكم. ولكن الفساد تسرب الى بعضهم، ممن جروا وراء مصالحهم الذاتية، وخضعوا لرغبات الطبقة العسكرية، ونفذوا مآربها على حساب الشعب، فتندر بهم الناس. ومع ذلك ظلوا يحتلون منزلة مهمة، ليس على المستوى الشخصي، انما تقديرا للوظيفة الجليلة التي شغلوها. عندما توفي الامير سلار ترك كنوزا مذهلة ذكر ابن اياس بعضا منها: خمسة وعشرين رطلا احجار كريمة من زمرد وياقوت، وثلاث مائة قطعة ألماس، ومائة وخمسين حبة لؤلؤ كبيرة زنة الواحدة منها مثقالا، ومائتي ألف دينار ذهب عين، واربع مائة ألف دينار من الفضة، واربعة قناطير من المصاغ الذهبي، عدا عن الخيل و غيرها من الماشية؛ ويزعم ابن اياس ان دخله بلغ من اقطاعاته وحماياته مئة ألف دينار وبلغت قيمة اموال نائب الشام التي صادرها السلطان الناصر محمد بن قلاوون ( 1309 _  1340م.) حوالى المليون ونصف المليون من الدنانير الذهبية. ووزع الامير قوصون، الذي عين نائبا على الشام ، النفقة على الامراء على غرار السلاطين، منها ثمانين جارية، واثني عشر ألف اردب غلة، وكثيرا من الذهب و الجواهر، ولكثرة عطاءاته توجس السلطان منه خيفة فاوقع به، وصادر له العامة اربع مائة ألف دينار ذهب عين، وعددا كبيرا من الكلفتاه المزركش والاواني الفضية والذهبية، فضلا عن ثلاثة اكياس اطلس كبيرة مليئة بالجواهر قدرت بمائة ألف دينار.وقد احصي ما تركه ” تنكز ” نائب الشام فبلغ مليونين وسبع مئة ألف دينار، وسبع مائة وثلاثين ألف درهم فضي فضلا عن المجوهرات

احتل قضاة القضاة المنزلة الدينية الارفع بعد الخليفة، وتوجب على قاضي قضاة دمشق افهام نائبها، الذي كان واليا للمظالم ايضا، الصحة بالاحكام واصول الشريعة،[56] لأنه كان يجهل القواعد الشرعية واحكامها، لأنه احيانا كثيرة اصول اللغة العربية. ومع انحطاط الدولة، ونهم السلاطين للمال، صارت المناصب القضائية تشرى بالرشوة، وفسد معها معظم النظام القضائي، وغدت بعض الاحكام تصدر بالرشوة[57]. وتمكن بعض القضاة من جمع اموال طائلة بطرق مشبوهة، من دون ان يخجلوا، وراح بعضهم يتباهى بسطوته ونفوذه، غير آبه بتهكم الناس، او مكترث بأحكام الشريعة، فاحتقره زملاؤه والناس على حد سواء.[58] لا سيما من كان جاهلا باصول القضا،ء واحكام الشريعة ،والعلوم الدينية الاخرى، التي هي في اساس التربية الاسلامية، ومنارة السلوك الاجتماعي.[59]ومارس قضاة القضاة، والقضاة، ضغوطا على نائب دمشق وجهازه الاداري، لاطلاق من اعتقل ظلما وعدوانا، او للشفاعة بمن اعتقل اثناء الصراع بين الاجناد المماليك والسكان، وما شابه تلك الحالات.[60]

شكل رجال الدين قوة فاعلة في الادارة، فشغلوا المناصب الدينية كلها، ومعظم المالية[61]، وقاموا بدور مهم في الحياة اليومية والدينية. وصار لبعضهم انصار يسلكون توجههم الديني، كالصوفية، وينصاعون لتدابيرهم، وكان عددهم يزداد تدريجا، ما مكنهم من ممارسة ضغوطا شديدة الوطأة على اركان السلطة، وازعاجا حقيقيا لاحقاق حق تنافى احيانا مع مصالحها[62]. وادّى تعسف السلطة الى نقمة دمشقية على المماليك عموما، لاسيما على نواب دمشق. فلم يتقبلوا الواقع المرير بسهولة، وادركوا انهم مغلوبون على امرهم، واصلاح الحكام اصلاحا جذريا غير ممكن، فلجاءوا الى رجال الدين، الذين يقدرهم اركان السلطة لورعهم وصلابتهم، ويخشونهم في آن معا، ولنجاحهم احيانا في رفع الحيف عن المظلومين.[63] واذا فشلت الوساطة احتج العامة سلميا بالتكبير- النزول الى الاسواق هاتفين في الشوارع الله اكبر- ويعترضون مواكب النائب او احد مساعديه، يتقدمهم القضاة والعلماء، واذا لم يمر، كبروا في الجوامع، تأكيدا على استرجاع حق سليب، ولاضفاء الصفة الشرعية على التظاهرة، آملين ان يرعوي الحكام. كانت تلك التظاهرات تخيف المماليك ،بوجه عام، بما تخلق من حالات عدم الاستقرار، التي ينفذ من خلالها المصطادون بالماء العكر للاخلال بالامن، او للتعدي على من يجدون من المماليك منفردين[64].

  وكان لفشل تلك المساعي آثار سيئة على الوضع العام في دمشق، واصاب العديد من متوسطي الحال باليأس، وحولتهم التعديات المتكررة الى شبه معوزين، وفقراء، وسلكوا دروب الجريمة المتنوعة، فازدهرت اعمال اللصوصية والحرامية، وكثرت الجرائم، ومناسر الليل، واعمال النهب. وانخرط بعضهم في منظمات الزعر، ما زاد في الطين بلة، وساءت، بوجه عام، احوال الدمشقيين. فازدهرت في مجتمعهم انواع المفاسد الاخلاقية، كالدعارة، والتحشيش… نتيجة ممارسات الحكام الجائرة[65].

4-مواقف المتشددين: من الواضح ان بعض رجال الدين ما كانوا مقتنعين بقدرة المجتمع الاسلامي على استيعاب غير مسلمين. ومنهم من كان ينظر بغيرة، وحسد، و احيانا بحقد، الى من يتولى من المسيحيين وظائف ديوانية رسمية، اوعند الامراء الكبار، اجازت لهم ركوب الخيل، والحصول على مداخيل عالية، امنت لهم حياة رغيدة. فبنى بعضهم دورا توازي مثيلاتها عند المسلمين مساحة وارتفاعا، وربما افضل منها احيانا.[66]ولم يغضبوا على الموظفين وحدهم، بل على جميع المسيحيين، وكان اي خطأ يرتكبه احدهم ينال عقوبة قاسية، واحيانا تطال العقوبات معظم المسيحيين، ان لم يكن كلهم. ولعل مرد ذلك، الى رغبة المتشددين بطرد المسيحيين من الدول الاسلامية، لا سيما من ديار المماليك، او بتحويلهم الى الاسلام. وكان تأثيرهم عظيما، على طلابهم ومريديهم، ما كان يجعل افكارهم تطرد عبر كل العصور، وما زلنا نعاني منها في هذا القرن الواحد والعشرين. للضرر المخيف الذي يسببونه في كل المجتمعات والدول. وفي العهد المملوكي أثروا بفعالية على العامة والمعدمين، الذين املوا، عن خطأ، لشدة ظلم السلطة وسوء تدابيرها، ان يخلصوهم من بؤسهم. وسنكتفي بالحديث عن بعض مواقف اربعة منهم.

 أ – ابن تيمية (661- 716/ 1263-1329) : منذ العهد كان لتراكم السلف الصالح، والفتاوى والاجتهادات المتتالية التي باتت جزءا من السنة، تأثير شديد الوضوح على رجال دين متشددين فاعلنوا ما يشبه الجهاد ضد من لا يوافقهم الآراء والاجتهادات من المسلمين، وحربا شعواء ضد المسيحيين، ولا سيما في ممارسة طقوسهم الدينية، فاتهموهم بكل سوء. ووسموهم بالضلال، ولم يعتبروا ديانتهم سماوية، وحرّضوا السلاطين ليعيدوا العمل بالشروط العمرية مرارا وتكرارا، وسببوا لهم مآسي كثيرة، سنوردها في الكلام على وضعهم.

لكثرة تشدده حض ابن تيمية السلاطين ونوابهم لاسيما في دمشق ليضطهدوا المسيحيين، ولاعادة العمل بالشروط العمرية. وتأثر به طلابه ومريدوه، ومسلمون كثر. وساهمت بيئة عصره المشبعة بالصراع بين الفرنجة والمسلمين؛ من ايوبيين ومماليك، “بين المسيحية والاسلام”، اضافة الى نهله، منذ نعومة اظافره، من المذهب الحنبلي على ابيه، في تكوينه الفكري وثقافته العامة. فدافع عن الاسلام والمسلمين باستماتة؛ ووقف الى جانب الايوبيين، فالمماليك في صراعهم ضد الفرنجة (الصليبيين). وجهد ليبسط الاسلام سيطرته على الديانات الاخرى، والمذاهب السنية على ما عداها. فحرّض المماليك السنة، على اعادة توحيد المسلمين على مذاهب اهل السنة، لأعتقاده الراسخ ان انحطاط العالم الاسلامي، نابع من تشرذمه الى مذاهب وفرق، وصراعها في ما بينها. وحثهم على طرد الفرنجة والمغول من البلاد الاسلامية، وضرْب كل من ساندهم من ابناء المشرق العربي [67].

جسّد ابن تيمية الفكر المتشدد تجاه الذميين عامة، متخذا مواقف قاسية بحق المسيحيين، من دون اي مبرر سوى رغبته بتحويلهم الى الاسلام. فتمسّك بالشروط العمرية، وشجع على احيائها، واضاف اليها مواقف متصلبة، استمد بعضها من آيات قرآنية، واحاديث نبوية، واجتهادات فقهية. وبذل جهدا لدى السلاطين لفرضها والاستمرار بتطبيقها، لأن المسيحيين كفار ومشركون، ” ليس شيئ من امور الكفار في دينهم ودنياهم، الا وهو:اما ناقص في عاقبته…”[68] وهم ناقصون في دينهم وعقولهم ومضللون” يجتهدون في اصناف العبادات بلا شريعة من الله[69]. و” يشكلون خطرا حقيقيا على الاسلام، كونهم حلفاء طبيعيين لاعدائه…!!؟”[70] “وحرص، من موقعه كعالم وفقيه، على تحديد طريقة تواجدهم في الدولة الاسلامية، وعلاقتهم بالمسلمين. وحصر التعامل معهم باملاءات وقيود، استوحى معظمها من الشروط العمرية. ورفض ظهورهم بمظاهر تشابه المسلمين في لباسهم، وشعورهم(جمع شعر)، وركوبهم، مستندا الى ادلة استمدها من القرآن والسنة[71]. فالتميز في هذه الحالات ضروري جدا، على حد تعبيره، لأن عدمه يعني مشاركة الكفار في الظاهر، وبالتالي مشابهتهم في الاخلاق والافعال المذمومة، و”تورث هذه المشاركة محبة وموالاة في الباطن …يجب الا يتشبه اهل الكتاب بالمسلمين في الثياب والركوب،[72] “وهو امر منهى عنه في عامة امورهم الدينية والدنيوية[73]… اذا كانت المشابهة في الامور الدنيوية، تورث المحبة والموالاة، فكيف المشابهة بالامور الدينية؟ فان افضاءها الى نوع من الموالاة أكثر واشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الايمان”. ويضيف ” ليس شيئ من امور الكفار في دينهم ودنياهم، الا وهو: اما ناقص في عاقبته، حتى ما هم عليه من اتقان امور دنياهم، قد يكون اتباعنا لهم فيه مضرا: اما بدنيانا وآخرتنا. “[74] ومخالفة النصارى ضرورية[75] ” اذا المخالفة في المظهر واجبة لأن  الكفار – المسيحيين – : لا يتصوّر شيء من امورهم كاملا قط.”[76]

اصر دائما على تقزيمهم لأنهم “كفرة”، وعلى وجوب تمييزهم من المسلمين بالذل والتحقير. فقد رفض رفضا قاطعا اظهار الشعائر الدينية المسيحية في الشوارع العامة، وفي اماكن تواجد المسلمين، وعلى مرأى منهم، ولو كانت المناسبة عيدا مهما، ” لعدم جواز اجتماع شعائر الكفر مع شعائر الاسلام”، ولعدم جواز ايضا مشاركة المسلمين اعياد المسيحيين لأن :” الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر…”[77] ” انما منعناهم من اظهارها لما فيها من الفساد”[78]. وما يفعلونه في عيد دينهم الملعون من الاعمال المنكرة …مثل القرابين والذبائح وغير ذلك من المنكرات[79]“. و”ان مشاركتهم في العيد اقبح من مشاركتهم في لبس الزنار ونحوه من علاماتهم، لأن تلك علامة وضيعة ليست من الدين، وانما الغرض منها التمييز بين المسلم والكافر”.[80]

وتكرّم عليهم برفع صلبانهم وكتبهم المقدسة داخل كنائسهم، واديرتهم، وصوامعهم فقط، ودق اجراس الكنائس والاديار، على الا تسمع اصواتها خارج الاماكن المذكورة،كي لا تزعج المسلمين. وبالمقابل منعهم من بناء كنائس او بيع جديدة، او ترميم المهدم منها. واذا اخلوا بالعهد (الشروط التي فرضها هو) تنتزع الكنائس واماكن العبادة الاخرى منهم.[81]

رفض بشكل قاطع اسناد وظائف ادارية للمسيحيون لأنها تجعلهم ارفع من المسلمين وتسلطهم عليهم، واضاف اليها اسبابا اخرى اولها التخوين؛ فالرفيعة منها تتيح لهم الاطلاع على اسرار الدولة ونقاط ضعفها، وبما انهم اعداء طبيعيون للمسلمين، على حد اعتقاده، فسيزودون اعداء المسلمين تلك الاسرار للنيل منهم!!!. والثاني فئوي بامتياز، لأنها تمكنهم من مساعدة ابناء ملتهم في شتى المجالات، ومنها ترميم اماكن العبادة. والثالث تعصب اعمى، لاصراره على استخدام المسلمين في الوظائف عينها، حتى لو كانوا اقل كفاءة من المسيحيين، فهذا ” انفع للمسلمين في دينهم ودنياهم”. ومنع المسيحيين دخول المساجد، الا اذا رغبوا بالتحول الى الاسلام، في حين اشترط ان تظل ابواب الكنائس والبيع والاديار مشرّعة باستمرار لاستقبال المسلمين، وايوائهم فيها ثلاثة ايام على نفقة القيمين عليها[82]. وفي هذه الحال، يتوجب على المسيحيين خفض اصواتهم في صلواتهم، لكي لا تزعج المسلمين المأويين. وتعرّض الى جوهر الديانة المسيحية ناكرا صحة الاقانيم الثلاثة، ومفسرها على هواه[83].

 كان الهدف من كل ذلك تحويل المسيحيين الى الاسلام، ليصبح المجتمع الاسلامي متجانسا، لأن غير المسلمين مختلفين عنهم في الفكر والعقيدة، غير آبه بالمستوى الثقافي والمعرفي، واهمية التعدد الفكري والتمازج الاجتماعي في رفع مستوى التطور الحضاري، لأنه حصر منابع الحضارة بالاسلام. انها سياسة القوي ضد الضعيف، من دون ان يسيئ الاخير الى الاول. وهي تمييز عنصري بامتياز بمقياس الاجتماع الانساني، لاسيما في العصور الحديثة والمعاصرة. ونسي ابن تيمية او تناسى ان الاسلام نادى بالمساواة، وتوجهت تعاليمه الى كل الناس: “يا ايها الناس”. فكيف يجوز له ولغيره من المتشددين حجب القرآن عن المسيحيين، وكيف يجب التحول الى الاسلام من دون الاطلاع عليه ودراسة مضامينه، ابالقهر، والاذلال؟!! وما قيمة هذا التحول اذا لم يكن نابعا من الايمان؟!!! 

 ب – تقي الدين السبكي (685- 756/ 1284- 1355): كان كابن تيمية عالما وفقيها، وتولى مناصب دينية رفيعة، من اهمها قاضي قضاة المسلمين في بلاد الشام. تفاعل مع بيئته الثقافية والسياسية، وأثرت آراؤه ومواقفه سلبا على اوضاع المسيحيين عموما، ومسيحيي بلاد الشام خصوصا، بسبب تشدده، ولانصياع الحكام وفريق من عامة الشعب لفتاويه، ومواقفه، وآرائه المتصلبة. فقد استغل حادثة حصول مسيحيي الشام على امان من هولاكو، ابان هجومه على بلاد الشام، وثورة بعضهم في دمشق، وممارستهم امورا غير مألوفة، وغير مسؤولة ومؤذية للمسلمين: مثل دق اجراس الكنائس، ورفع الصلبان في الشوارع، وافراط فريق منهم باحتقار المسلمين، والتعدي على بعض مقدساتهم. فصب عليهم جام غضبه. علما ان المسلمين عبروا عن استيائهم بعد انتصار المماليك في عين جالوت، بقتل عدد وافر من المسيحيين، والاعتداء على الكنائس وتخريبها[84]. ولكثرة الكنائس التي هدمت جزئيا او كليا، اختلف الفقهاء حول الاجازة باعادة بنائها وترميمها. ومع ذلك فقد جرّم قاضي قضاة المسلمين تقي الدين السبكي المسيحيين جميعهم، واعتبرهم فاقدي حقهم بكنائسهم بعد تطاولهم على المسلمين، وصارت رقبتها للمسلمين:”اني اقول ههنا على الكنائس، لا أسلم انها للنصارى بل للمسلمين…”[85] وبالجملة المشهور من مذهبنا التمكين من الترميم، والحق عندي خلافه…”[86] معتبرا المسيحيين نقضوا عهد الذمة، وفي هذه الحال، يخيّر الذمي، بل يختار له فقهاء المسلمين، وفق المصلحة الاسلامية، واحداً من اربعة امور: القتل، او المن، والاسترقاق، والفداء. فاختار السلطان بيبيرس القتل، فقتل عددا من المسيحيين[87]، ما اثلج قلب السبكي، الذي لم يكتف بهذا العقاب، بل صب جام غضبه على بعض المفتين، ممن اجازوا سنة 755/ 1355 اعادة بناء الكنائس المهدمة، ومنعهم من الافتاء، وصنّف كتابا في هذا الموضوع اسماه ” الدسائس فيالكنائس.”[88] واصرّ على فقدان المسيحيين الحق بكنائسهم، وحوّل رقبتها وفق فتواه ملكا للمسلمين.

عجز السبكي عن التمييز بين ما فعله فريق من مسيحيي الشام، والمسيحيين عامة، فساوى الجميع بالخطيئة. واعمى الغضب بصيرته، حتى جانب المنطق. وكان لتصرف قاضي القضاة على هذا النحو، آثار سيئة على سلوك العامة، لأنها وجدت بفتاويه ما يبرر تصرفاتها الشائنة بحق المسيحيين كلما سنحت لهم الفرصة. وكأن التاريخ لا يعظ، او هناك من لا يريد الاتعاظ منه؛ ألم يقرأ السبكي تقريظ الامام الاوزاعي للخليفة العباسي ابي جعفر المنصور، بسبب تصرفاته المتشددة تجاه عامة مسيحيي المنيطرة، بعد فشل ثورتهم، وخاطبه واعظا:” فكيف تؤخذ عامة بعمل خاصة؟ …وقد بلغنا ان من حكم الله عز وجل، لا يؤخذ العامة بعمل الخاصة، ولكن يأخذ الخاصة بعمل العامة”.[89] ويبقى السؤال:هل فعلا اغتاظ السبكي مما حصل فقط، ام كان يضمر شرا للمسيحيين منتظرا الظرف المناسب؟!! وهل اعتقد ان تدابيره تلك هي الطريقة الفضلى لتحويلهم الى الاسلام؟!!

3-ابن الاخوة: فقيه تتلمذ على ابن تيمية، واكتسب التشدد منه، ولا سيما تجاه المسيحيين. خصص كتابه” معالم القربى في احكام الحسبة” للكلام على دور المحتسب والحسبة عموما “مراقبة الاسواق والاسعار وسلوك الناس…” وابدى نقمة على المسيحيين في سياقه. فاستعاد الشروط العمرية، التي شرطها عمر بن الخطاب على المسيحيين في عهود امانهم.[90]ولا ادري ان كانت نسبتها صحيحة، لأنه اوردها شبه شاملة لكل ما نعرفه عن الشروط العمرية، معتزا به، ومرتاحا لتشدده بتطبيقها. وقد اغاظه في عصره، دور الكتاب المسيحيين، لاسيما اصحاب النفوذ منهم، غير آبه بكفاآتهم. فهم باعتقاده مهما بلغ شأوى ثقافاتهم، يظلون ابدا اقل شأنا من المسلمين ممن هم اقل معرفة منهم، ويجب الا يتقلدوا اي منصب، يجعل المسلم، مهما كانت منزلته الاجتماعية والثقافية متواضعة، يعود اليهم في بعض من مسائله، لأنه يصبح في وضع حرج، عندما يسأل خدمة ممن هو دونه منزلة على المقياس الديني. ويعتريه حزن شديد من وضع الموظفين المسيحيين الاجتماعي الرفيع، لا سيما ذوي مناصب عالية، بالحياة المرفهة التي يعيشونها. ويترحم على عمر بن الخطاب، متنميا لو يعود الى الحياة ليقتص منهم:”لو شاهد عمر…اليهود والنصارى في زمننا هذا، وادُرُهم تعلو على يُثيْع المسلمين، ومساجدهم، وهم يُدعون بالنعوت التي كانت للخلفاء، ويكنّوْن بكناهم فمن نعوتهم الرشيد، …وبابي الحسن وهو علي بن ابي طالب…وبابي الفضل، وهو العباس عم الرسول…وقد جازوا حدّ اقدارهم، وتظاهروا باقوالهم وافعالهم، واظهرت منهم الايام طبائع شيطانية مكنتها، وعضدتها يد سلطانية فركبوا مركوب المسلمين، ولبسوا احسن لباسهم، واستخدموهم، فرأيت…النصراني راكبا يسوق بمركبه، والمسلم يجري في ركابه، وربما تضرعوا وتذللوا له؛ ليرفع عنهم ما احدثه عليهم.

واما نساؤهم اذا خرجن من دورهن، ومشين في الطرقات فلا يكدن يُعرفن، وكذلك في الحمامات، وربما جلست النصرانية في اعلى مكان من الحمام، والمسلمات يجلسن دونها، ويخرجن الى الاسواق، ويجلسن عند التجار فيكرموهن بما يشاهدون من حسن زيهن، فلا يدرون انهن اهل ذمة، فيجب على المحتسب الاهتمام بهذا الامر…ويمنعون من احداث بيع وكنائس في دار الاسلام…”[91]

يرتاح ابن الاخوة الى طريقة دفع المسيحي الجزية، لما فيها من احتقار للانسان، واذلال له لأنه مسيحي فقط، وفاقد للكرامة بمقياسه الديني الاجتماعي:” اذا جاء عمال الجزية اقام المسيحي بين يديه، ثم يلطمه على صفحة عنقه، ويقول: ادّ الجزية يا كافر، ويخرج الذمي يده من جيبه…فيعطيها له بذلة، وانكسار…”[92]

وكأن اذلال المسيحيين يريحه، وتحقيرهم يجب ان يطال سلوكهم الاجتماعي والديني، وطرق عباداتهم، وكنائسهم، وشعائرهم الدينية، وازياءهم. ويفترض اقتصار وظائفهم على ما عند المسيحيين وحدهم وفي بيئتهم، لأن خضوع المسلم لهم، ولو عن طريق تلبية حاجة له، هو الكفر بذاته، لأنهم كافرون. انها دعوة صريحة لتحويلهم الى الاسلام، وبأي طريقة، فيعلو شأن الاسلام، والمسلمين، ويزول الكفّار من المجتمع، ويرتاح ابن الاخوة، ويكسب اجرا عند الله.

ج-ابن قيم الجوزية: فقيه متشدد، لم يرق له ان يعامل المسيحيون بما يستحقون من العلم والمعرفة، وحسن التدبير الاداري في الادارة المملوكية او في غيرها، وعلى قدم المساواة بالمسلمين. فأرّخ في كتابه”احكام اهل الذمة” للتدابير المذلة التي مورست بحقهم، منذ العهد الراشدي وحتى عصره، جاعلا من كتابه مصدرا رئيسا لمعاملة المسيحيين في الدول الاسلامية، رغبة منه بتعميم الاضطهاد عليهم، في كل العصور، حتى يثوبوا الى رشدهم، ويتحولوا الى الاسلام. واسند تأريخه- ان جاز التعبير-، الى احاديث نبوية، وآيات قرآنية، انتقاها بعناية فائقة، وفسّرها بما يلائم توجهه، ودعّمها بسلوك خلفاء تسلحوا بفتاوى فقهاء متشددين. يحمل كتابه في طياته دعوة الى اعلاء شأن الاسلام، “افضل الاديان”، والى اقتلاع المسيحيين من المجتمع الاسلامي، واذلالهم بالانتقاص من كراماتهم :” لا يستعان بمن خان الله –المسيحيين- خالقه ورازقه، وعَبِد من دونه الاها فكذّب رسله، وعصى امره واتبع غير سبيله، واتخذ الشيطان وليا من دونه…وهم موسومون بغضب الله والشرك به، والجحد لوحدانيته…وامة الضلال هم النصارى المثلثة عبّاد الصلبان…وتبرأ الله من اتخذ الكفار وليا.”[93]ويبدو انه لم يترك آية قرآنية واحدة تدل عل “شرك او كفر” المسيحيين الا واظهرها، وعلّق عليها. واشاد بالخلفاء ممن تشددوا بتطبيق”الشروط العمرية”، وبمن سبقه من الفقهاء، الذين ارشدوا الخلفاء في شأنها.[94] ويستهل معظم فصول الكتاب بمقدمات تصب في اذلال المسيحيين، انظر ما كتبه في مستهل “حكم تولية اهل الذمة”:” …وقد حكم تعالى بان من تولاهم فانه منهم، ولا يتم الايمان الا بالبراءة منهم، والولاية تنافي البراءة، فلا تجتمع الولاية والبراءة ابدا، والولاية اعزاز، فلا تجتمع هي واذلال الكفر ابدا، والولاية صلة، فلا تجامع معاداة الكافر ابدا.”[95] ” وعلى رغم كفر المسيحيين، على حد تعبيره، يظل بقاؤهم المذل في الدولة الاسلامية نافعا ماديا، بالجزية التي يدفعومها، فهم ليسوا مواطنين بل دافعو ضرائب. “ان اقرار النصراني بين اظهر المسلمين على باطل دينه بالجزية والذل والصغار، والتزام احكام الملة، وكف شره عن المسلمين، خير وانفع للمسلمين من ان يخرج بماله الى بلاد الكفار المحاربين، فيكون قوة للكفار، محاربا للاسلام، ممتنعا من اداء الجزية…مع اقامته على الدين الباطل. “[96]

لم ينظر المتشددون الى المسيحي كفرد عامل في المجتمع، وقصروا عمله على خدمة المصلحة الاسلامية، افرادا وجماعات، وسلطة حاكمة، لا سيما في الموضوع المالي. وشكل المعيار الديني وحده المقياس الانساني، فالفرد ايا يكن مستواه الثقافي، وسمو سلوكه الاجتماعي، والوظيفي، يسقط في فخ التحزب الديني. فالاسلام وحده يشكل المعايير الحقيقي لقبول الانسان في المجتمع، ان لم يكن مسلما شابته عيوب كثيرة وان لم يكن مصابا بها. وانني لأسأل بماذا اضرّ المسيحيون بالمسلمين على كل مستوى، ولماذا هذا الحقد الاعمى، وما هي كوامنه البعيدة والقريبة، لأن احدا من الفقهاء المتشددين او غيرهم من المسلمين لم يحدد عوراتهم، سوى انهم يختلفون عنهم في الدين. ولم يشر احد منهم الى الآيات القرآنية التي تشيد بالمسيحية، وتمنع الاعتداء على المسيحيين. وكل من ناقشهم في دينهم، وعجز عن مجاراتهم اعتبرهم اغبياء، شأن ابن كثير مع احد البطاركة، من دون ان يشير الى موضوع الغباء، او اين عجز عن مناقشته. فكان سلوكه كمن يهرب الى الامام.

  ثالثا: المسحيون في العهد المملوكي:

1-المسيحيون في نيابة دمشق: منذ ان نشأت المسيحية انتشرت في بلاد الشام، ولا سيما في دمشق. وادى الخلاف على قضايا لاهوتية، الى انقسام المسيحيين الى مذاهب متعددة. فكان معظم مسيحيي المشرق من الروم الملكيين، واليعاقبة بمن فيهم السريان. ونحن نفتقر الى معلومات دقيقة حول اماكن استقرار المسيحيين في نيابة دمشق، سوى معلومات الضحلة امدتنا بها بعض المصادر. ولا يذكرهم المؤرخون اجمالا الا من خلال التدابير المتخذة بحقهم؛ كفرض الشروط العمرية عليهم، او التعدي على الكنائس، واهراق الخمور والحديث عن الخمارات، والعقوبات التي اصابتهم. واحيانا بالاجرآت الضرائبية غير المبررة، التي كانت تفرض عليهم،كالمصادرات، والطرح وما الى ذلك. او من خلال العلائق الخلافية بين مسيحي ومسلم، وبالتالي فهي معلومات شبه نادرة. وتبعا لها، كانت حارة المسيحين في دمشق، تقع خارج اسوار المدينة، في المنطقة الشمالية الشرقية بالقرب من باب توما[97]، ومقابرهم على مقربة من الاسوار.[98] واستقر مسيحيون في صور، وبيروت.[99]وكان للموارنة حضور فاعل في جبل لبنان، لا سيما في القسم الشمالي منه.

اعترفت السلطات الاسلامية بالهرمية الكنسية عند المسيحيين: كان البطريرك رأس الكنيسة والقائم بامور الدين، وكان يطلق عليه في المصادر الاسلامية اكثر من لقب: معلم اهل ملته، ذخر الملة المسيحية، وكنز الطائفة العيسوية[100]،ىويليه الاسقف وهو نائب البطريرك، فالمطران الذي يتولى القضاء بين رجال الدين ممن هم دونه، ويليه القسيس، ثم صاحب الصلاة المعروف بالجاثليق وهو القيم على الكنيسة، فالراهب المتعبد في خلوته.[101] وكان مركزا البطريركين اليعاقبة والملكيين في دمشق، ويتبع لكل منهما ابناء مذهبه في كل بلاد الشام[102]. كان البطريرك مسؤولا امام نائب دمشق، ويصدر السلطان منشور تثبيته[103]الذي يتضمن، الى جانب كلمات التكريم، الوجبات المترتبة عليه:الحض على القيام بما يليق بمركزه، والزهد في الدنيا، واصلاح الحال بين المتخاصمين بالحسنى:” اياه ان يتخذ تجارة مربحة، …واليه امر البِيَع والكنائس، وعليه ان يتفقدها في كل وقت…ويحذر الرهبان من جعلها مصيدة للمال، وتجنّب الخلوة بالنساء فيها، وايواء اي من الغرباء القادمين بما يريب، ولا يكتم ما اطلع عليه على المسامع الشريفة السلطانية، ولا يخفي كتابا يرِد اليه من احد الملوك، او جوابا …”[104] وكان يوصيه الإلتزام بالشروط العمرية ويحدد بعضها: يمتنع المسيحيون عن قرع اجراس الكنائس، ويصلوا باصوات منخفضة لا تزعج المسلمين، لا سيما في مواقيت صلاتهم. وينبهه للالتزام بالازياء المفروضة عليهم كما صدرت في المناشير السلطانية السابقة[105]. واستضافة المسلمين ثلاثة ايام، وفتح ابواب الكنائس والاديار لهم في الليل والنهار، وتوسيع ابوابها للمارة وابناء السبيل.[106] وهي اقل ما فيها توصيات رادعة، بل تهديدات منمقة مباشرة. وبالتالي لم تكن الشروط العمرية، ومرتبطة باصدار مراسيم سلطانية فقط، انما كان مفعولها المخيف ساريا في كل وقت، وسيفا مسلطا على رأس الكنيسة ورعاياه.

في العام 767 هـ/ 1365م اجتمع الاساقفة في دمشق وانتخبوا بشارة الملقب بمخائيل بطريركا عليها، ليستقر فيها. فلم يوافق النائب على قرارهم، فاستمر مركز البطريركية في انطاكيا.[107] وفيما بعد حصل هذا الانتقال وصارت ابرشية دمشق تابعة للبطريرك القائم عليها. ومنذ ذلك التاريخ، صار يتم انتخابه من قبل مطارنة الابرشيات الاخرى التابعة لها[108]. ويقومون بتنصيبه وتسليمه صولجان البطريركية في الكنيسة المريمية اذا كان المنتخب مطرانا، ومن المفترض حضور المطارنة جميعهم، وموافقتهم على الانتخاب، ويتولى الرسامة مطران صيدا وصور، لتقدمه على جميع اقرانه في المرتبة. وفي حال غيابه ينوب عنه مطران حوران، وبحضور الاساقفة المجاورين لدمشق؛ الزبداني، معلولا، صيدنايا، بعلبك، قارا ويبرود.[109] اما بطريرك اليعاقبة فكان نائب البطريرك في مصر، ولا يجوز له التوقيع الا باذن منه يرده من القاهرة.[110]

على الرغم من رفعة منزلة البطريرك، الذي اطلقت عليه القاب سنية في المناشير والمكاتبات السلطانية، التي حفظ لنا بعضا منها القلقشندي مثل: كنز الطائفة العيسوية، المشكور بعقله عند الملوك والسلاطين، المبجل، العالم بامور دينه، الحبر.[111]عمد بعض المؤرخين للحط من مقامه السامي، فأطلق ابن طولون عام 894/1488 على بطريرك الملكيين ميخائيل الاول في دمشق سنة 768/ 1366 لقب” كنز الكفر”[112] ربما نقمة منه على المسيحيين عامة. واما لعجز الآخرين عن مجارات البطاركة في المناقشات الدينية وفي شرح بعض النصوص، كما حصل مع ابن كثير الذي حقّر البطريرك بكلمات نابية لا تليق به كرجل دين ومؤرخ:” فاذا هو يفهم بعض الشيئ، ولكن حاصله حمار من أكفر الكفار لعنه الله.[113]

2-مراسيم الشروط العمرية ودوافعها:كان الحكام يجددون العمل بالشروط العمرية لاسباب متنوعة: اما نزولا عند رغبة وإلحاح فقهاء وعلماء مسلمين، حسدا من مستوى ونفوذ ارباب الوظائف الديوانية المسيحيين، للاقتصاص من كفاءتهم، بالعزل ومصادرة اموالهم ومتلكاتهم احيانا، او لتغريمهم اموالا من دون موجب شرعي، سوى اغناء خزانة السلطان. اوتذّرُع بعض الحكام، ومن وراؤهم بالرد على عمل عسكري اوروبي، ضد مسلمين في اي مكان من العالم. او ليخيّر المسيحيون بين اعتناق الاسلام، والاستمرار بالوظيفة، او العزل، واحيانا القتل. او ردا على اعمال قرصنة اوروبية بحتة لا علاقة لها بالدين بتاتا، ولا بمسيحيي المشرق العربي. او بتأثير رجال دين سياسيين او نافذين؛ شاهد وزير ملك المغرب موكبا لموظف يتضرع اليه الناس وهو يعرض عنهم، وينهرهم ويصيح بغلمانه بطردهم، فسأل المغربي عنه فقيل له انه نصراني. فاستنكر الامر ورفعه الى الاميرين بيبرس الجاشنكير وسلار، فصدر منشور يقضي بفرض الشروط العمرية، وعمم على الاراضي المملوكية كلها، وسبب بهجوم العامة على الكنائس، الى هدم بعضها، والى تحوّل بعض من كان في الدواوين الى الاسلام  ليستمروا بوظائفهم.[114] وكلّما كان يبرز في المجتمع او الادارة احد المسيحيين، يغار منه بعض المسلمين ويهاجمونه في الشارع او منزله، ويحدثون فتنة، ما يضطر السلطان والامراء الى اعادة العمل بالشروط العمرية.

وتتمحور كل هذه الذرائع حول هدف رئيسي واحد: هو تحويل المسيحيين الى الاسلام، وكأن المجتمع الاسلامي، في رؤية اولئك المتشددين، لا يتعايش فيه الا المسلمون وحدهم، ولا يتسع لغيرهم!!! وهي جعلت المسيحيين مواطنين من الدرجة الثانية على حد تعبير احمد الزين،[115] ما افقدهم حق المواطنة الكامل، فحرموا الحقوق السياسية خلال الحكم الاسلامي في المشرق العربي، وأدت الى اكراه اعداد كبيرة منهم الى التحول الى الاسلام قسرا،” هربا من العنف والقسوة التي عوملوا بها وخوفا من الموت. وهكذا كان التحول كبيرا، ودوافعه قاسية، واعداد المتحولين كبيرة جدا …”[116]

قد تكون سنة 663/1265 اسست لبدايات تطبيق الشروط العمرية في العهد المملوكي، حين اتهم مسيحيون في تلك السنة، بافتعال حرائق في القاهرة والفسطاط[117]. وفي عام 680/1281 اصدر السلطان قلاوون مرسوما طلب فيه: ان يُسْلم من في الدواوين، والكتبة من اهل الذمة تحت طائلة القتل، فاسلم بعض منهم، اما الاخرون فوضعت الحبال في اعناقهم، وعرضوا في سوق الخيل في القاهرة لكي يصلبوا.[118]واتبعه بآخر سنة 1283 [119] وكرر ابنه الاشرف خليل الامر عينه سنة 689/1290، فمنع استخدام المسيحيين في الدواوين،[120] وألزم كل كتاب الدواوين المسيحيين اعتناق الاسلام، او دفع فدية قيمتها ألف دينار، فاسلم اربعة من ارباب الوظائف العالية.[121] ومنع السلطان كتبغا عام 694/1294 المسيحيين من ركوب الخيل والبغال، واجاز للمسلمين سلب من وجدوه راكبا، فاستغل بعض الغوغاء الامر وتعدوا على المسيحيين ،[122]وبالتالي تم استرضاء العامة واستيعاب نقمتها. وكرر اخوه الناصر محمد سنة 700/1300، منع المسيحيين من العمل في دواوين الامراء، ومن ركوب الخيل والبغال، وفرض على كل المسيحيين في البلاد المملوكية ارتداء العمائم الزرقاء، تحت طائلة العقوبة.[123]و في سنة 709/ 1309 لم يجد السلطان نفسه غضاضة في ان يعتمر المسيحيون عمامات بيضاء عوضا عن العلامات الفارقة، التي تميّزهم عن المسلمين، مقابل فدية مالية. ولكن ابن تيمية انتفض ضد هذا التدبير، وحثّ السلطان ليس على ابطال المرسوم فحسب، وعلى تغريم المسيحيين جميعهم 700 ألف دينار سنويا زيادة على الجزية، التي كانت مفروضة عليهم، وليعتمروا العمامات الفارقة ايضا[124]. وهذا دليل آخر على استغلال المسيحيين ماديا. وفي سنة 721/1321 فرضت الشروط العمرية كاملة، في كل الديار المملوكية، وطلب السلطان الناصر محمد بن قلاوون من نوابه في النيابات، التشدد في تطبيقها، وباقفال الكنائس والاديار.[125] وفي سنة 755/1354 منع السلطان الناصر حسن، من دون اي سبب، استخدام المسيحيين في الدواوين الشريفة والكريمة على حد سواء، ورسسم في المنشور عينه، وجوب تصغير عمامة المسيحي الى عشرة اذرع، وزيادة صبغها، لكي تتميّز بجلاء عن عمامة المسلم، والا يركبوا الا الحمير وبالأُكُف، كما رسم ان ترتدي نساؤهم ثيابا مغايرة لازياء المسلمات، ويحتزين خفين من لونين مختلفين.[126]

تكرر الامر عينه، سنة 766/1364[127] على عهد الاشرف شعبان، وكذلك عام 767/1365 على اثر هجوم ملك قبرص على الاسكندرية، واصدر ابنه السلطان علي بن شعبان مرسوما قضى برد الاموال، التي  أخذت من نساء مسيحيات بدل دخولهن حمامات المسلمات، على ان يُمنعن من دخولها لكي لا تتساوين مع المسلمات في الحقوق. وفرض على الرجال، عند دخولهم حمامات المسلمين، تعليق اجراس في اعناقهم. وتكرر الامر عينه سنة 782/1380 .[128] في العام 1465م منع السلطان خشقدم المسيحيين من تعاطي الترجمة والسمسرة، انتقاما من سقوط غرناطة بيد الأسبان، ومن الاشتغال مع التجار الفرنج[129]. وفي سنة 1488 امر نائب دمشق اهل الذمة، عند دخولهم الى الحمامات، ان يربط الرجال حبالا في اوساطهم، وتعلق النساء الاجراس في رقابهن، ومنعهم من ركوب الدواب داخل المدينية[130]. وفي العام 1510 م  عاد الاضطهاد إلى سالف عهده.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما ذنب المسيحيين المشرقيين اذا كان ملك قبرص هاجم الاسكندرية، وانزل خسائر بشرية ومادية فيها، لا سيما ان السلطات المملوكية لم تجد اي رابط بين المسيحيين والمسؤولين عن الحملة ؟! وهل كان الانتقام منهم يعوض عجز المماليك عن إلحاق الهزيمة بالقبارصة، ويحوله الى انتصار، ام كان الامر تأكيدا على الحط من قدر المسيحيين انتقاما من الهزيمة؟! وما هي المعادلة القيّمة، التي توازي بين المادي والروحي، فهل فعندما يدفع الموظف المسيحي في الديوان بدلا ماليا ليستمر في وظيفته، وعلى دينه، تحل مشكلة دينه؟! كانت قضية استغلال مالية؛ طمعا بثروات المسيحيين، ولسد عجز بيت مال المسلمين، أكثر مما كانت تعلقا بالدين الاسلامي. فالسلطان كان شبه موقن انهم لن يبدلوا دينهم، وسيحصل على اموال مجانية. وفي الوقت عينه يتم استرضاء عموم المسلمين لا سيما الفقراء والمعوزين، الذين صوُر لهم ان المسيحيين كفارا، وتجدر معاقبتهم.

3-وطأة الشروط العمرية

أفي الادارة: منذ ما قبل الاسلام، كان الذميون، بمن فيهم المسيحيون ، بارعين في الشؤون الادارية ويتقنون فنونها. واعتمد عليهم في دواوين جميع الدول الاسلامية المتعاقبة، بما فيها العهد المملوكي، ما يثبت كفاآتهم. وشغلوا كل المناصب التي يجيزها الشرع الاسلامي؛ وزارة التنفيذ، والكتابة في مختلف دواوين السلطانية، او التابعة للامراء.[131]ما سمح لهم المشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكان يعينون بمراسيم شريفة(سلطانية)، ويعزلون غالبا بالطريقة عينها تطبيقا للشروط العمرية، بتأثير من رجال دين متشددين او لاسباب اخرى. واطلق السلاطين ونوابهم على الموظفين المسيحيين ألقاب تشريف مثل: شيخ، وحضرة، او حضرة الشيخ، او ولي الدولة. وزيادة في التكريم كان يضاف الى الاسم الاساسي”أل” مثلا الشيخ شمس يصبح” الشيخ الشمس” والشيخ الصفي” و”الشيخ الموفق” واذا اسلم احدهم يضاف الى اسمه كلمة “الدين”، فيغدو اسمه الشيخ الشمس” شمس الدين”…[132] واجيز لبعضهم ممن نال لقب امير، شراء عدد من المماليك من ماله الخاص يتناسب مع رتبته، يقومون على خدمته[133]. نذكر منهم جمال الدين آقوش الرحبي من مسيحيي اربيل، الذي حمل لقب امير طبلخاناه عندما صار واليا على دمشق، واقتنى اربعين مملوكا، واقطاعا مناسبا[134]. وغبريال القبطي الذي صار وزيرا بدمشق لعلاقته الحسنة بتنكز نائبها، ومن ثم تحول الى الاسلام، بعد ان تم التآمر عليه وابرح ضربا.[135]وكان ابن مكانس القبطي وزيرا بدمشق، ويساعده عدد من المباشرين[136]. وذكرت المصادر بعض اسماء من تولى مناصب في دمشق مثل: جمال الدين آقوش الرحبي شاد الدواوين[137]. والرشيد سلامة كاتب سنجر البشمقدار، والمكين يوسف بن يحي عامل الجيش، والمكين يوسف بن ابي الكرم كاتب الحوطات، والمكين يوسف كاتب بهادر آص، والعلم عامل بيروت[138]، والموفق بن فضل الله الصقاعي الدمشقي الذي تولى عددا من المناصب ومنها الكتابة في ديوان المرتجع[139]. وابو الكرم النصراني كاتب في الدواوين الرسمية الدمشقية،[140]وبدر ابن القسيس القبطي كاتب الامير سيف الدين كجكل.[141]وموسى بن سمعان النصراني الكركي كاتب الامير قطلوبك الجاشنكير .[142] وكاتب مسيحي-لا يرد اسمه في المصادر- في خدمة القاضي الشافعي في دمشق.[143]

كانت نقمة بعض رجل الدين المسلمين عظيمة ضد الموظفين المسيحيين، لا سيما من تولى منهم وظيفة مرموقة كالوزارة، و أي منصب يجيز جباية الاموال، وحذروا باستمرار من تولي الصيارفة وظائف في بيت مال المسلمين[144]. نذكر منهم ابن القيم الجوزية، وابن النقاش، وتاج الدين السبكي[145]، وابن تيمية، وابن الاخوة، فضلا عن عدد من المؤرخين ممن كانوا يعتبرون علماء دين كأبن تغري بردي… ولم يسلم الكتّاب المسيحيون من نقمة زملاء مسلمين كانوا ادنى منهم مرتبة، كما حصل مع عبد الله بن يوسف السفاح احد كتاب الدواوين، الذي غضب بسبب تولي الذميين مناصب عالية في حلب، فتركها الى دمشق، ولما وجد الوضع فيها مشابها، نظم شعرا يعبّر عن مكنونات صدره[146]. وكان يتم ابعادهم او عزلهم بمراسيم شريفة ،كما في السنوات: 689/1290، 700/1301، 755/1354، 757/1356، 765/1363… وقد وصل منشور سلطاني الى دمشق سنة 700/1301 يدعو الى محاربة المغول والكتاب المسيحيين. انها مفارقة عجيبة، تجعلك تتساءل عن هذه المساواة بين العدو الرهيب وابن البلد المختلف عنه في الدين، والذي يخدم الدولة؟!

بفي الاقتصاد:

الضرائب: اهتم المماليك بجباية الاموال، وكان نهمهم لها منقطع النظير، على رغم سيطرتهم شبه التامة على معظم مقدرات الاقتصاد، وتحويل فريق من عامة الناس الى اشباه اقنان، استمروا يتفنّون باستحداث ضرائب غير شرعية[147]. وشكلت الجزية او الجوالي ركيزة مهمة في نظامهم المالي، ليس لأنها فريضة إلاهية، وتشعر دافعها بالذل والصغار فقط، بل لأن مردودها كان مرتفعا جدا، ويغذي دواوين السلاطين المالية. وقد ترتبت على البالغين من الرجال فقط. في البدء كان اوان استحقاقها في شهر محرم ثم تحول الى رمضان[148]، ويستوفيها شاد الجوالي المعين من قبل السلطان، بناء على انهاء نائب دمشق[149]. وعلى رغم فداحتها، كانت تصاعدية وفقا للمصادر، فبلغت دينارا على الفقير، ودينارين على متوسط الحال، واربعة دنانير على الغني[150]. وكانت تزداد فداحتها بالضرائب المتعددة الاخرى الشرعية وغير الشرعية، التي توجبت على المكلف. وظلم المسيحيون في تأديتها، لأنهم دفهعوها احيانا مقدما، وعن اكثر من سنة، كما عام 742/1341 حيث جبيت عن ثلاث سنوات مقدما.[151]

  في مطلع عهد المماليك كان البطريرك في الشام، او”حاشر المسيحيين”، ينظم قوائم باسماء نوعي رعاياه المكلفين: “الرواتب” اي ابناء البلاد، و”الطوارئ” القادمين من بلاد اخرى. ويذكر في نهايتها اسماء من توفي، او سافر، او تحول الى الاسلام لاسقاطها عنهم[152]، ويرسلها الى شاد الجوالي، الذي كان يحرر، لمن يدفعها، ايصالا بقيمتها ممهورا بخاتمه[153].

لم تكن تجبى الجزية دائما افراديا، لأن البطريرك ونائب الشام كانا يتفقان على تأدية مبلغ معين عن جميع رعاياه من دون التمييز بين غني وفقير[154]، لا سيما عندما يصر النائب على جبايتها مسبقا، كما في العام 762/1361 [155]. ومن يتأخر عن دفعها يوضع في الترسيم اياما، ثم يسجن حتى يؤدي المتوجب عليه[156]. واذا تأخر عدد كبير عن دفعها لأكثر من سبب؛ ككقحط المواسم، او الفقر.. يمنع جميع المسيحيين من الصلاة في الكنائس[157]. وعلى اثر الروك الناصري لبلاد الشام سنة 1313، باتت جبايتها اشد قساوة، لأن اموالها لم تعد حكرا على الديوان الخاص، – الخاص بالسلطان وحده-، بحيث صارت كل جماعة تدفعها للامير الذي تعيش في نطاق اقطاعه[158]. وبالتالي لم تعد تصرف في الوجوه التي حددها بعض الفقهاء، كرواتب الولاة، والفقهاء والقضاة، وعلماء الدين، والمجاهدين، من دون التقيد بالشرع الاسلامي، الذي لا يجيز اقطاع الضرائب، لأنها حق لبيت مال المسلمين وحده. وعجز كثيرون عن دفعها، وتحوّل قسم كبير منهم الاسلام للخلاص منها.[159]

دفع المسيحيون، بالاضافة الى الجزية، ضريبة الحج ليسمح لهم تأدية فريضته الى الاراضي المقدسة المسيحية في القدس، وكانت فادحة على حد تعبير فحص، وتوزعت على ثلاثة مكوس: الاول للدخول اليها، والثاني لزيارة كنيسة القيامة، والثالث لحارسي القافلة من الجنود، وهو كان يفوق كثيرا ما كان يدفعه المسلمون لخفر جنود قافلة الحج الاسلامي .  ففي سنة 766/1365 دفع كل حاج مسيحي 63 درهما، وكان مقدار هذا المكس في ارتفاع مستمر[160]. وهي، بهذا المعنى، وسيلة ضغط ليعتنق المسيحيون الاسلام. ودفعوا ايضا ضرائب على انتاج الخمور وبيعه، وعلى الارث.[161]

المصادرات: المصادرة بدعة ضرائبية مؤداها اتهام شخص، او جماعة كالتجار، او حارة، او حي، او طائفة معينة، بتهمة ما، قد لا تكون صحيحة، تخوّل السلطان مصادرة اموالهم المنقولة وغير المنقولة حزئيا او كليا. وقد فرضت اجمالا  على من اشتدت شكيمته من الامراء وبات خطره داهما، اوطمعا بمن ازدادت ثروته من اصحاب المناصب العالية، اومن اساء الامانة، او اخلّ بوظيفته، وما شابه ذلك. وقد يبرر السلطان احيانا هذا التصرف الشاذ، بتجهيز حملة عسكرية، او تحصين ثغور، او بسبب قتيل وجد في محلة او حارة، فتتم مصادرة اموال محددة من سكانها. وكانت تلك اموال تكدس في احد ديواني السلطان المفرد او الخاص. وهذه البدعة او الظاهرة البشعة طبعت العهد المملوكي برمته، رغم مخالفتها الشرع الاسلامي، واجازها بعض رجال الدين، تقربا من اركان السلطة، واما خوفا منهم، او انتقاما من شخص او جماعة.

عانى المسيحيون في نيابة دمشق من شدة وطأتها، فقبيل موقعة عين جالوت 658/1260، اتخذ السلطان من اساءة بعض مسيحيي دمشق الى المسلمين بمساعدة من المغول، او غض الطرف منهم، عندما رشوا الخمور على حيطان المساجد، واظهروا الصلبان في الشوارع، سببا ليصادر من جميع مسيحييها مليون درهم، جبيت بالضرب وانواع التعذيب، وطالت من شارك ومن لم يشارك في الاساءة[162]. ولما اشعل بعض المسيحيين حرائق في اسواق دمشق، اتت على جزءا من الجامع الاموي، وما حوله من اماكن تجارية ومدارس، واوقعت خسائر كبيرة، لم يقبض نائب الشام على الفاعلين وحدهم، انما على ستين من رؤساء المسيحيين ايضا، من غير ذنب، وضربوا جميعهم بالمقارع، وانزل بهم انواعا من التعذيب، وصودرت اموالهم بمختلف الطرق، ثم صلب احد عشر من اعيان الكتاب المسيحيين- قد يكونون هم المسببين- وطيف بهم في الاسواق، ثم احرقوا، وسجن قسم من الباقين، وتحوّل عدد من المقبوض عليهم الى الاسلام لكي يطلق سبيلهم، وصودر من اربعة كتاب مليون ومائتي درهم[163]. ولما علم السلطان بالامر، استاء من تصرفات تنكز نائب الشام، ليس رفقا بالمسيحيين، انما خوفا من انتقام الروم من مسلمي القسطنطينية، ومن دون ان يتدخل لانصاف المظلومين.[164] وفي سنة 741/1341 صودر بامر سلطاني من مسيحيي دمشق، ما يقارب 107 آلاف من الدنانير، وفي الوقت عينه افرج عمن كان مسجونا منهم بسبب حادثة الحريق. وفي السنة عينها جبيت منهم جزية ثلاث سنين مقدما.[165]وفي سنة 767/1365، وردا على حملة ملك قبرص بطرس الاول على الاسكندرية، اصدر السلطان امرا شريفا الى “منكلي بغا” نائب دمشق، يأمره بالقبض على مسيحيي الشام ومصادرة ربع اموالهم، فطُلبوا في بيوتهم، واهينوا من دون ان يدروا ما الذي ارتكبوه، وهرب بعضهم الى جهات مختلفة[166]. ويذكر الدويهي، في هذا الصدد، ان السلطان امر بالقبض على اساقفة دمشق، فهرب بعضهم خوفا، واستقر احدهم في قبرص، وسجن الباقون.[167]وامر يلبغا الناصري، الذي تولى الحكم بعد انقلابه على السلطان برقوق، بمصادرة اموال الرهبان ومقتنياتهم، واموال المسيحيين جميعهم في مصر وبلاد الشام،  فبلغت غلّته من الصلبان اثني عشر ألف صليب، من بينها واحد ذهبي زنته عشرة ارطال مصرية.[168]ولما اجتمع ابن كثير، وهو مؤرخ ورجل الدين، بنائب دمشق انكر عليه هذا التصرف بحق المسيحيين، لأنهم في ذمة المسلمين. فاجاب النائب انها الاوامر من القاهرة، التي افتى بها بعض رجال الدين في مصر. ثم جمع من المسيحيين ربع اموالهم، وارسل ولاة الى البر الشامي فاستخلصوا اموال المسيحيين، بكل انواع التعذيب والاهانات.[169]

ج-الابنية: اجتهد فقهاء مسلمون في تفسير نظرية”الاسلام يعلو ولا يعلى عليه”[170]، واتخذوا منها ذريعة لتحقير غير المسلمين ومنهم المسيحيون. شمل هذا التحقير ممارسات اسلامية متعددة: في اللباس، ودخول الحمامات، وركوب الرحائل… وجعل بيوت المسيحيين اقل  ارتفاعا من دور المسلمين[171]، لأنه حق خالص للاسلام ولايجوز للمسلمين مخالفته. فان رضي الجار المسلم، ان يوازي سقف بيت جاره المسيحي سقف داره، او يزيده ارتفاعا، فان المحتسب كان يمنع المخالفة، ويأمر بالهدم، او بخفض مستوى السقف. وكثيرا ما حدث ذلك على ما يذكر المؤرخون[172].

د- اعتناق الاسلام قسرا:في عهد الرسول كان المجتمع متنوعا، يعيش فيه المسلم الى جانب المسيحي واليهودي، وفرض على غير المسلمين دفع الجزية فقط. وفي هذا المسار جهد بعض السلاطين المماليك، ورجال دين مسلمين متشددين، لتتحويل االمسيحيين الى الاسلام. وقد يكون السبب ما خلّفته من احقاد الحروب الفرنجية او الصليبية، وغزوات المغول، وقضاؤهم على دول اسلامية عديدة، ولا سيما الخلافة العباسية. قد نسلّم بهذه الاسباب، التي اجتهد بها مؤرخون، لو لم يكن هذا الجهد قد بدأ منذ العهد الراشدي، الذي فيه ارسيت ابرز ركائز الذمة في مفهوميها الاجتماعي والديني. وفيه نشأت معايير الردة، التي تطور بالممارسات والنصوص، وما عاد محصورة فقط بالتراجع اللفظي عن الاسلام، انما بات شتم الرسول، وامور اخرى من ركائزها الاساسية. وفي هذه الحال كان يخيّر كل من يذم الرسول، او يحقره، بين امرين: اعتناق الاسلام، او القتل. لن نغوص في هذا الموضوع لأنه يخرجنا عن هدف بحثنا. وبذل رجال دين متشددون، وسلاطين، ونواب حكموا دمشق، جهود كثيرة لتحويل المسيحيين الى الاسلام، مستغلين كل الاسباب الشرعية وغير الشرعية. ما كان يدفع المقصودين بالتحول احيانا الى الاسلام، وكل من يرتد منهم كان يعدم. وكانت تحال معظم هذه الحالات الى القاضي المالكي، الذي لم يكن يقبل توبة المرتد، ويأمر بضرب عنقه.

 ورد في المصادر حالات عمّن تحول الى الاسلام، ومن ثم ارتد الى المسيحية، نذكر منهم رجل اقيمت البينة عليه سنة 812/1409 واقر بالتهمة، واصر على مسيحيته فضربت عنقه[173]. وعُزّر المسلم عماد اسماعيل لأنه شهد ان الانجيل والتوراة ما بدّلا، وانهما بحالهما كما انزلا على حد تعبيره[174]. واعدم المسيحي موسى بن سمعان، لأنه حول احد المسلمين الى المسيحية، ونقش على يده اشارة الصليب[175]. وامر نائب دمشق برجم احد المسلمين، لأنه حمى مسيحيا شتم النبي[176]. في سنة 693/1294، بسبب خلاف بين رجلين مسيحي ومسلم، شهد بعض اهل السويداء على المسيحي انه ذمّ النبي، وحاول الامير عساف بن احمد بن حجي ان يجيره، ولكن ابن تيمية وشيخا آخر طالبا باعدامه، ما اثار العامة، فرجموا المسيحي والامير عساف معا. ومنعا للفتنة اعتقل عز الدين ايبك الحموي نائب دمشق الشيخين، ولم يتمكن مجلس العدول، الذي انعقد نزولا عند رغبته، من تبرئة المسيحي، الذي حفاظا على حياته، تحول الى الاسلام[177]. في عام 726/1326 مثل مسيحي امام القاضي الحنبلي بدمشق، واعترف بما نسب اليه: بان مؤذني جامع دمشق كفرة، ومخافة الموت اسلم على يديه[178]. في سنة 730/1330 قال احد المسيحيين، في احد جوامع دمشق، اريد ان اسلم، ثم ترجع عن موقفه، فاعتبر كافرا وضربت عنقه، ثم احرقت جثته[179]. واعتنق الراهب توما بن عبد الله النصراني الاسلام على يد ابن تيمية ولازمه فترة، ودرس القرآن، وبعد مدة عاد الى المسيحية، وقال صراحة: “ان القرآن ثلثه من التوراة، وثلثه الثاني من الانجيل، والاخير صنفوه”، فضربت عنقه[180]. وفي عام 785/1383 مثل مسيحي امام القاضي الشافعي بدمشق، واقر بارتداده عن الاسلام وتاب امامه، وبعد مدة ارتد مجددا، فامر القاضي المالكي بضرب عنقه[181]. واسلم رجل مسيحي اتقاء للقتل، وبعد اشهر من عذاب الضمير، توجه الى بعض القضاة، وارتد عن الاسلام الى المسيحية، وقال انا اريد ان اتطهر بالسيف، وقدح بالدين الاسلامي وعظّم المسيحية، فقطعت عنقه[182].

من اجل نهب الكنائس وهدمها، كان بعض المسلمين يشتكون للسلاطين، متهمين مسيحيين باستجداد او ترميم كنيسة، فيأمر السلطان بهدم ما استجد. فيستغل مسلمون الامر لنهب كنائس واديار، ويهدمونها وان كانت غير مستجدة. ما كان يدفع قسرا عددا من المسيحيين للدخول في الاسلام[183]. واضطر بعض المسحيين اتقاء للقتل الى اعتناق الاسلام، ومن ثم كان بعضهم يتوبون عن هذه الخطيئة المميتة، على حد اعتقادهم، ويرغبون في الشهادة للمسيح، فيشهرون ارتدادهم الى المسيحية، فتضرب اعناقهم واعناق نسائهم. وعلى الرغم من ذلك استمر عدد من المسحيين ممن اسلموا يرتدون عن الاسلام، رغم قناعتهم بالمصير المحتوم[184].

 لم ينحصر التحول الى الاسلام بتلك المواقف المتشددة والفردية وحدها، بل كانت السلطة عموما تدفع بهذا الاتجاه، بضغط من رجال دين متشددين. ويتركز معظمها على المسيحيين العاملين في الدواوين الرسمية. فقد اصدر السلطان محمد بن قلاوون مرسوما يقضي بان يعتنق الاسلام من يعملون في الدواوين الرسمية، وعند الامراء، او ان يدفع كل منهم غرامة مقدارها ستة آلاف درهم، او يطرد من الوظيفة، فاسلم اربعة منهم[185]. وتحول غازي شهاب الدين الواسطي، الذي تولى نظر الدواوين  في وحلب، ثم في دمشق، الى الاسلام مكرها، لكي يستمر في وظيفته[186]. وغضب رجال دين على احد الكتاب المسلمين، لأنه جعل احد المسيحيين نائبا له في القضاء، واصروا على عزله او يتحول الى الاسلام[187]. وفي عام 701/1302 اسلم غبريال متولي الدواوين في دمشق، هو و”امين الملك” مستوفي الصحبة[188]. واسلم النشو احد الوزراء في دمشق ليستمر في وظيفته[189]. وغرّم علماء مسلمون احد المسيحيين بستمائة درهم استياء منه، لأنه قال لأحد المسلمين: انا اخوك وانت اخي، ولا فرق بيني وبينك[190].

يمكننا ان نفهم بعض الحالات التي توجب معاقبة بعض المسيحيين، ممن اساءوا الى الرسول، او الى شعائر الاسلام، ولكن ما لا يمكن ادراكه هو استغلال اتفه الامور، للنفاذ لمعاقبة المسيحيين، ودفعهم قسرا الى التحوّل الى الاسلام. كانت سياسة الدفع نحو الهاوية بالتدرج، حتى السقوط او اعتناق الاسلام.

ه-الملابس: لا ندري ما هي الحكمة، التي افترضتها الشروط العمرية، بما عرف ب“الغيار”، التي تلزم المسيحيين ارتداء ملابس واحذية مغايرة لما يلبسه المسلمون[191]. فهل كان المسيحيون موبوئين، او مجرمين او نجيسين، وتجدر مجانبتهم، ام كان المقصود احتقارهم واذلالا لهم، تبعا لنظرية الاسلام يعلو ولا يعللا عليه؟!. فقد اثر في كل المجتمعات القديمة والحديثة ارتداء الثياب الفاخرة كل من يقدر على شرائها، وهي ليست حكرا على دين او طائفة. ولم يكن حذو بعض السلاطين المماليك في إلزام المسيحيين ارتداء الغيار، الا استمرارا لسلوك حكام مسلمين سابقين، وارضاء لتشدد بعض رجال الدين متسلحين بالشروط العمرية. فاصدروا مناشير مرارا وتكرارا تضمن بعضها “الغيار”، ومن شروطه الاّ يرتدي المسيحي عمامة بيضاء، انما صفراء او زرقاء، والاّ يزيد طولها عن عشرة اذرع، واقتصرت احيانا على ذراع ونصف الذراع[192]. وكرر الناصر محمد سنة 700/1300 فرض على كل الرجال المسيحيين في البلاد المملوكية، ارتداء العمائم الزرقاء، تحت طائلة العقوبة.[193]و في سنة 709/ 1309 لم يجد السلطان نفسه غضاضة في ان يعتمر المسيحيون عمامات بيضاء، بالعلامات الفارقة في بقية ملابسهم، التي تميّزهم عن المسلمين، مقابل فدية مالية. ولكن ابن تيمية انتفض ضد هذا التدبير، واعتبره غير كافى، وحثّ السلطان على تغريم المسيحيين جميعهم 700 ألف دينار سنويا، زيادة على الجزية، المفروضة عليهم، وان يعتمروا العمامات الفارقة[194]. وفي العام 1324م ورد منشور سلطاني، فرض على المسيحيين رجالا ونساء تعليق اجراس في رقابهم عند دخولهم الحمامات، وانتعال نعلين احدهما أسود والآخر بلون مغاير. ما افرح المسلمين، ودعوا للسلطان بطول العمر[195].  وكان الزنار يلبسه جميع الناس نساء ورجالا مسلمون ومسيحيون وغيرهم، وهو عبارة عن حبل يشد في وسط الجسم فوق الثياب، واشترط ن يكون زنار المسيحي  غليظا وازرق اللون[196]. وتكررت هذه المناشير او الكتب،كما في سنة 755/1354 على عهد الصالح صلاح الدين، الذي فرض: لا تزيد عمامة المسيحي عن عشرة اذرع، ولا يدخلو الى الحمامات، الا بالعلامات من جرس، او خاتم نحاس اصفر، او رصاص، ولا تدخل نساؤهم الحمامات مع النساء المسلمات، وليكن لهن حمامات تختص بهن. وان يكون إزار النصرانية من كتان ازرق، وأحد خفيها اسود والآخر ابيض.”[197] واعيد العمل به مجددا 1365، ونودي في البلد على أهل الذمة، الالتزام بالصغار، وتصغير العمائم، والّا يستخدموا في شيء من الأعمال، ولا يدخلون الحمامات الا بعلامات الكفر، من اجراس، وخواتيم، ونحو ذلك، وتنتعل المرأة خفين مختلفي اللون على ما ورد في المنشور.[198]وتكرر الامر في معظم المناشير الشريفة. وفي سنة 1488 امر نائب دمشق اهل الذمة، عند دخولهم الى الحمامات، ان يربط الرجال حبالا في اوساطهم، وتعلق النساء الاجراس في رقابهن، ومنعهم من ركوب الدواب داخل المدينية [199] . وفي العام 1510 م  عاد الاضطهاد إلى سالف عهده.

ز-ركوب الرحائل: استمرارا في الاحتقار، والتمييز الديني، منع المسيحيون من امتطاء الخيل والبغال، تبعا لمناشير عديدة. وهي اذا اضيفت، الى لبس الغيار، تؤكد عدم المساواة في مجتمع اريد له ان يكون نموذجيا، ومغايرا  لكل نظائره في العالم. لقد منع السلطان كتبغا عام 694/1294 المسيحيين من ركوب الخيل والبغال، واجاز للمسلمين سلب من وجدوه راكبا، فاستغل بعض الغوغاء الامر وتعدوا على المسيحيين ،[200] فتم، في آن واحد، الاقتصاص من المسيحيين، واستيعاب غضب العامة على ممارسات السلطات المملوكية. وصدرت مناشيسر اخرى، تؤكد على ما سبقها كما عام 755/1354، اجاز للمسيحين ركوب الحمير فقط، وبالأكف، وبالعرض.[201] وتلته كتب اخرى[202] لا سيما الذي صدر عام 765/1364-65 على عهد الاشرف شعبان.[203] ومنعهم السلطان خشقدم من ركوب الدواب داخل المدين، ومنها دمشق اكبر النيابات المملوكية [204]. ولسنا ندري ما الحكمة من ذلك، فهل كل مسلم ينضح قداسة، ويفوق المسيحي التقي نقاوة وايمانا. من الواضح انها لا ينتميان الى دين واحد، ولكن الايمان لا يقاس في ما اذا كان هذا الدين هو الافضل، لأن اهمية الانسان تكمن في اخلاقه، وبما يمارسه في حياته الاجتماعية.

ح-الخمور: امتلك المسيحيون اراضي كثيرة، تعود ملكيتها الى ما قبل الفتوحات الاسلامية، وحافظوا على بعضها عبر الزمن، وزرعوها بانواع الاشجار المثمرة، ومنها الكرمة. واعتاد الناس، منذ ما قبل الاسلام، على شرب الخمور وصنع الزبيب وتناوله في الشتاء. والخمرة ركيزة اساسية عند المسيحيين لاستخدامها في الذبيحة الالهية، لهذا زرعت اراضي تابعة للكنائس والاديار بالكرمة [205]. وكان المسيحيون يستخدمون العنب في استعمالاتهم الشخصية، وصناعة الزبيب. وأمّنت الخمرة لهم مردودا ماليا مهما، لأن معظم الفئات الاجتماعية كانت تقصد الخمارات. وهذه بدورها وفّرت مردودا ماليا عاليا لبيت مال المسلمين بالضرائب المحصّلة منها.

من المسلم به ان القرآن حرّم الخمر شربا وصناعة واتجارا، وزاد بعض المتشددين، على هذه الاحكام، الاقتراب منها. واجيز للمسيحيين انتاجها وشربها، والاتجار بها بعيد عن مرأى المسلمين[206]. وكأن في الامر خديعة، فهل اذا دخل مسلم دار مسيحيي وهو يبيع الخمر، او يشربه، يعتبر الامر مخالفة شرعية، توجب اهراق الخمور ومعاقبة صاحبها؟! انها معادلة تحيق الخوف بالمسيحيين. وكان بعض المسلمين يقبلون على شرائها من الخمارات، التي كانت تتزود بانتاج المسيحيين اجمالا، وتنافس على ادارتها مسيحيون ومسلمون على السواء، لما تدر من ارباحها وفيرة، لا سيما في الخمارات التي كان يمارس البغاء فيها. وقد شاع شرب الخمرة المحرمة بين جميع فئات المجتمع المملوكي وطوائفه ومذاهبه. وانتشرت الخمارات في ارجاء دمشق، ولكثرة مردودها المالي، وضمنها وحماها بعض نواب دمشق، وكبار امرائها، وافردوا لها اجنادا يسهرون على سلامة انتاجها، وتأمين وصول المواد الاولية اليها، ولمرافقة الباعة الى مقاصدهم.[207]

كان يعمد بعض السلاطين، بضغط من رجال الدين، او تقربا من الله في الشدائد، ومنها انتشار الاوبئة كالطاعون، الى اصدار مناشير باهراق الخمور، ويطلب الى المحتسب التشدد بتنفيذها، باراقتها في الشوارع على مرأى من المسلمين. واقفال الخمارات وملاحقة صانعي الخمور، وكبس بيوت المسيحيين، والمشتبه بهم من المسلمين، ممن كانوا يشاركون في هذه التجارة[208]. واجتهد بعض الصوفيين والعامة الدمشقية الى الحد من انتشار هذه الآفة، على حد تعبيرهم، واطلقوا النداآت في الشوارع، على طريقة التظاهرات المنددة، بمساعدة بعض رجال الدين او بطلب منهم، واحيانا بمبادرة ذاتية، تنفيسا عن اوضاعهم المذرية. وكانت تصادر اموال طائلة من اصحاب الخمارات تعسفا، وتدهم بيوت المسيحيين، ويعتدى عليهم بحثا عن الخمور لاهراقها، من دون اي اعتبار لعهد الذمة، وللقانون الذي يجيز لهم تخزينها في منازلهم. وكثيرا ما ادت الى صراعات بين المداهمين وحماة الخمارات، واسفرت عن قتلى وجرحى.[209] فقد كبس الشيخ خضر العدوي، باذن من السلطان بيبرس، بيوت المسيحيين، والاديار بدمشق، واهرق الخمر، واتلف الزبيب[210]. واعيدت الكرة في منشور 767/1365. وتكررت العملية عينها في سنوات كثيرة، طالت اجمالا  كل عهد المماليك.

من الواضح كان يتم اقفال الخمارات بقرارت تصدر عن السلطات المخولة، ولكن ان تدهم البيوت من دون مسوّغ حتى في الارياف، فهذا ليس تعديا على الناس وعلى ارزاقهم. فلماذا مثلا لا يتم، عندما تنتشر الاوبئة، وقف التعدي على الناس، كل الناس بمنع الطرح، والتحكير، والمصادرات، او تخفيف الضرائب؟!! فهل الله لم يكن يقبل الشفاعة الا بالاساءة الى المسيحيين، ليرضى على اركان السلطة، والمسلمين جميعهم؟!! ام انها كانت ذرائع للتعدي على المسيحيين بقصد تحويلهم الى الاسلام، وارضاء لعامة المسلمين، الذين تثقفوا على اضطهادهم. ولماذا كان كبار رجال الدولة يعودون، بعد الازمة، الى المشاركة بالعمل في الخمارات حماية واستثمارا من دون ان يجرؤ احد للتعدي عليهم؟!!

طالتعدي على الكنائس:  في العهد المملوكي، كان التعدي على الكائس شائعا، لأنه قلما انزلت العقوبة بالمعتدين. وكثيرا ما كانت الكنائس تدمر، او تحوّل الى جوامع، بدسيسة من بعض رجال الدين، اوالعامة التي كانت ترغب بالتعدي عليها لسببين: ايذاء المسيحيين، ونهب محتويات الكنائس والاديار. وعندما يحصل التخريب، لم تكن غالبية الفقهاء تجيز اعادة بناء ما تهدم، على الرغم من حصوله من دون سبب موجب، وكان بعض السلاطين يباركون، ويسكتون عن جريمة تحويل الكنائس الى مساجد. والكنائس عند المتشددين ليست بيوت الله:” من يعتقد ان الكنائس بيوت الله، او انه يعبد فيها، او انه يحب ذلك ويرضاه، فهو كافر؛ لأنه يتضمن صحة دينهم، وذلك كفر…ومن يعتقد ان زيارة اهل الذمة كنائسهم قربة من الله، فهو مرتد.”[211]وقد افتى تاج الدين السبكي بهدم الكنائس، واجلاء اليهود والمسيحيين.[212] ولن نذكر في هذه العجالة،كل اعمال الهدم والتدمير والحرق، التي طالت الكنائس والاديار وغيرها، لأن الموضوع سيطول كثيرا ويصبح قائما بذاته[213].

سلبيات الشروط العمرية: هذه عينات معبرة عما كان يعانيه المسيحيون، في نيابة دمشق المملوكية، من تعسف واضطهاد، تحد من حريتهم وترهبهم من اعادة العمل بالشروط العمرية، الخاضعة لمزاج رجال دين متشددين، وسلاطين يهابون انفلات غضب العامة، فكانوا يعملون على تخديرهم بتلك المناشير. فطوال حوالى خمسين عاماً، تعرّض المسيحيون لتسعة إجراءات تعسّفية، وقس على ذلك في المراحل الأُخَر من التاريخ المملوكي.

سُلطت تلك الشروط على اهل الذمة،[214] وكان تنفيذها شديد الوطأة عليهم يشعرهم على المستوى الاخلاقي بالدونية والاذلال، وعلى المستوى الوطني بالمواطنة غير الموثوقة، وعلى المستوى الاجتماعي بالشك بولائهم واتهمامهم بالخيانة كونهم غير مسلمين، ومستهدفين بسوء الامانة، لأنهم ميالون بطبيعتهم ودينهم الى الدول المسيحية اعداء المسلمين، ويستغلون الظروف لتزويدها بنقاط ضعف الدول الاسلامية، على حد زعم بعض رجال الدين المتشددين. وباتت المواطنة تقاس بالانتماء الديني، وليس بالولاء السياسي والانتماء المشرقي؛ فالامة هي مجموع المؤمنين المسلمين فقط، لأنهم وحدهم المختارون عند الله، اما الآخرون فمشركون. هذا ما كان يعكسه موقف فقهاء وعلماء متشددين، دفعوا السلاطين مرارا وتكرارا لاتخاذ اجراءات وتدابير تتنافى مع النظرة القرآنية للمسيحيين. لا ندري لماذا لم يستلهم عمر بن الخطاب ومن تلاه من الخلفاء طيلة العصور الوسطى العلاقة مع اهل الكتاب من “دستور المدينة” عهد الصحيفة، الذي ساوى فيه الرسول بين المسلمين مهاجرين وانصار واليهود في المعاملة، ومن يرتكب اثما  يكون وحده مسؤولا عن فعلته، ويرفضه قومه والموقعون على العهد جميعهم؟![215] مؤسسا بموجبه ركائز الدولة الاسلامية، التي يعيش فيها كل من آمن بالله الواحد واليوم الآخر بسلام وامان.

  نموزج عن المناشير السلطانية:” ” فلما كان في يوم الخميس السابع والعشرين من الشهر جلس السلطان على العادة، وحضر الأمراء وغيرهم إلى الخدمة فخاطب السلطان أكابر الأمراء في هذا الأمر، وقال: قد قررت على النصارى مضاعفة الجزية فيؤخذ منهم جزيتان. وأمر أن ينادي في المدينتين أن يلبسوا الثياب الزرق مضافة إلى العمائم، وأن يشدوا الزنانير فوق ثيابهم، وأن يميزوا إذا دخلوا الحمام بجلجل يجعلونه في أعناقهم، وأن لا يستخدموا في الدواوين السلطانية ولا في دواوين الأمراء ولا في الأعمال والبرور. فنودي بذلك، وبرزت الأمثلة الشريفة السلطانية به، وقرئت على المنابر بالمدينتين، ونفذت إلى العملين، وتضمّن المثال المجهّز منها إلى الوجه القبلي الذي قرئ على منابر المدن ما مثاله بعد البسملة :

 ” ( . . . ) وكان جماعة من مفسدي النصارى قد تعدوا وطمعوا، وتمادوا في المخالفة إلى ما تقتضي بعض العهود، وبغوا ومكروا مكرا كبارا، فأدخلوا نارا، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا؛  وتعرضوا الرمي بنار أطفأها الله تعالى بفضله، ومكروا مكرا سيئا (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله )؛ اقتضى رأينا الشريف أن نأخذهم بالشرع الشريف في كل قضية، ونجدد عليهم العهود العمرية، وأن نقرر على من شمله عفونا ممن ضعف منهم الجزية ما تكون به أنفسهم تحت سيوفنا مرتهنة، ونضرب عليهم في لباسهم وحرمانهم الذلة والمسكنة. فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي “السلطاني الملكي الناصر، لا زال ناصر الدين بجنوده، مظهر دين الحنفية على الدين كله، أن تستقر الجزية على سائر النصارى بالوجه القبلى ضعف ما عليهم الآن، ويؤخذ من كل نصراني جاليتان المستقرة أولا واحدة ، والزيادة نظير ذلك للخاص الشريف مهما كان مستقرا بسائر النواحي بالوجه القبلي في الإقطاع، حسب ما قررت في الروك المبارك الناصري، يكون للمقطعين، والزيادة الثانية المضاعفة الآن تكون للخاص الشريف، وأن تلبس سائر النصارى عمائم زرقاً وجهابأ زرقاً ويشدوا والزنار في أوساطهم، وأن لا يستخدم أحد من النصارى في جهة من الجهات الديوانية والأشغال السلطانية، وكذلك لا يستخدم أحد من الأمراء أحدا من النصارى عنده، وأن يبطلوا جميعهم من الجهات التي كانوا يخدمون بها. والحذر ثم الحذر من أن أحدا منهم يخرج عما رسمنا به، ومن فعل ذلك منهم كانت روحه قبالة ذلك، ولا تنفعه بعدها فدية ولا جزية. وتحسم مادة فسادهم ، وينكشف بذلك ما أظهروه من سوء اعتمادهم فليثبت حكم هذا المرسوم الشريف، وليدخل تحت أمره المطاع كل قوى وضعيف؛  وليستقر ضرب هذه الجزية استقرارا بلا زوال، مستمرا بدوام الليالي والأيام، باقية بدوام الأعوام والسنين، مخلدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. فإنها حسنة ساقها الله تعالى لدولتنا الشريفة، ومثوبة وذخيرة صالحة لم تزل في صحائفنا الطاهرة مكتوبة، ومعدلة يسرها الله تعالى على يدينا في الآفاق، وأجراً يكون ثوابه عند الله باق. وسبيل كل واقف عليه، والياً ونائباً، وحاضرأ وغائباً ، وناهياً وآمراً، وشاهداً وناظراً ، ومأموراً ، وأميراً ، وكبيراً (ص 8) وصغيراً، الانتهاء عند هذا التحذير، فيبادرون إلى امتثال المرسوم الشريف، ويسمعون ويسارعون إلى العمل بما فيه”[216].

4-المماليك والتجار المسيحيين:شكلت دولة المماليك اقصر حلقة اتصال بين الشرق الاقصى والغرب الاوروربي، لأن المماليك كانوا يبسطون سيطرتهم على كل موانئ حوض المتوسط الشرقي، باستثناء “اياس”الارمني. وعلى موانئ البحر الاحمر، والخليج العربي عموما[217]. وكان الغرب الاوروبي بحاجة ماسة الى توابل الشرق الاقصى[218]، لذلك، وبعد سقوط آخر المعاقل الصليبية بايديهم عام 1291، استهل البنادقة العلاقات التجارية معهم، بعقد معاهدة صلح وامتيازات تجارية. فالفريقان كان الواحد منهما بحاجة الى الآخر، المماليك يحتاجون بشدة الى المواد الحربية الاولية، لا سيما ما يدخل في صناعة الاسطول، كالحديد والاخشاب والرصاص…كما الى المماليك” المشتروات” من اجل الجندية،[219] والى زيادة ارباحهم التجارية. والتجار الاوروبيون عموما، بخاصة البنادقة والجنويون يحتاجون الى سلع الشرق الاقصى،  وهم تحدوا التحريمات البابوية، وأمنوا ما يحتاجه المماليك من مواد اولية، وسلع تجارية. وشجع المماليك، بدورهم انشاء الفنادق، والوكالات التجارية، ووزعوها عليهم.[220]وتسابق التجار الاوروبيون على عقد معاهدات تجارية مع المماليك.[221] وتمكنت البندقية من فرض سيطرة شبه تامة على التجارة مع المماليك لا سيما في اواسط القرن 15م.، فكانت تتراوح ارباحها السنوية بين 300000الى 500000دوكة.[222] وتضمنت المعاهدات المسؤولية الفردية للتاجر، وليس للجالية كلها، عن كل اخلال يقوم به على اي مستوى في الاراضي المملوكية. ولا توجب مهاجمة القراصنة مراكب التجار المسلمين اي مسؤولية على التجار البنادقة، الذين تمتعوا بالاقامة في فندق داخل المدن: الاسكندرية، بيروت، دمشق…وحق لهم استخدام الحمام في يوم محدد من الاسبوع، وامتلكوا فرنا، وكنيسة لممارسة شعائرهم الدينية بحرية تامة. وتميز القنصل البندقي بصلاحيات مهمة: ادارية، وقضائية، من دون تدخل السلطات المملوكية. وخصّه السلطان ب”جامكية” راتب شهري، ومنزل، واجاز له التوجه اليه مباشرة لرفع اي شكوى.[223]وحلت المعاهدات التجارية، التي شكلت نوعا من التحالف بين التجار والسلطان، وامنت لهم حماية غير محدودة زمنيا، عوضا عن عهد الامان، الذي كان يحمي التاجر طيلة المدة المحددة فيه فقط.[224]

اثارت هذه الامتيازات حفيظة رجال الدين عموما، والمتشددين خصوصا، وناشدوا السلاطين مرارا وتكرارا لاغائها، واحلال الشروط العمرية مكانها، واصدروا فتاوى، على مدى القرن 14م، تطال المستأمنين من اهل دار الحرب، كي لا يطال عهد الامان تواجدهم بين المسلمين، لاكثر من سنة. واصروا على عودة التجار، ممن يقيمون في دار الاسلام مدى طويلا، الى بلادهم، لأنهم يشكلون خطرا حقيقيا على المسلمين، بما ينقلونه من معلومات تفيد اعداء الاسلام. وكانوا يغتاظون من اتخاذهم بعض المسلمين خدما لهم، مما يجعلهم ارفع منزلة من المسلمين، [225]وهي مخالفة للشروط العمرية. ورفع لواء هذه الحملة الشعواء ضد التجار الاوروبيين، رجال الدين المتشددين، من امثال: ابن تيمية، وابن النقاش، والاسنوي[226]. ولم توجه حملاتهم ضد التجار الفرنج فقط، انما ضد الموظفين المسيحيين في دواوين السلاطين والامراء. ما اضطر السلاطين لاصدار مراسيم اعادة العمل بالشروط العمرية، التي ذكرناها آنفا بحق المسيحيين المشرقيين وحدهم،[227]ورافق تلك المواقف المتشددة تظاهرات للعامة تضامنا مع المتشددين. وكانت تتم التسويات لصالح التجار الاجانب المسيحيين، بتدخل من حكامها لدى السلاطين، وتطبق شروط الامتيازات التجارية، خوفا على العائدات الجمركية المتزايدة القيمة، التي يؤمنها التجار للسلاطين. فقد احدث تجار مسلمون مشرقيون شغبا في القاهرة والاسكندرية، ضد التجار الاوروبيين، وهاج الشعب معهم، وحاول المتظاهرون مهاجمة القلعة مقر السلطان، لأنه يعامل الاوروبيين بما يلائم ارباحه ضد مصالح المسلمين. فقُبض على والييْ القاهرة والاسكندرية، وامر بتوسيط ثلاثين تاجرا مسلما.[228]

اعفي البنادقة من الجزية، وهي مخالفة صريحة للشرع الاسلامي، واستعيض عنها بشراء البنادقة كمية من البهارات بثمن يفوق اسعار السوق. واجيز لهم، اعتبارا من عام 1415 على عهد السلطان شيخ المحمودي، رفع شكاويهم امام نائب السلطان، والحاجب –بعد الغاء منصب الاول، واذا اضطر الامر امام السلطان مباشرة كونه والي المظالم،  متجاوزين النظام القضائي الاسلامي كله، وتساووا مع الامراء المماليك في القضاء[229]. وقرر السلاطين عقوبات استنسابية في القضاء الجزائي، فعوضا عن قطع اليد والرجل، او الرجم، اكتفوا بالتعزير والبدلات المالية. وفي عام 1442نال البنادقة امتيازا جديدا يجيز لهم امتطاء الخيل، وارتداء ملابس شرقية على غرار المماليك والتجار الشرقيين الآخرين، في تنقلاتهم الداخلية.[230] ومن اجل زيادة ارباحهم،  عاقب السلاطين قضاة ومسؤولين رفيعي المناصب، لتعرضهم للتجار البنادقة.

والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا لم تحترم التشريعات الاسلامية مع التجار الاجانب المسيحيين. الا تعتبر كل تلك التدابير والاجرآت مخالفات شديدة الوضوح لنظام الذمة المعمول به في الديار المملوكية، وللشروط العمرية، التي فرضها السلاطين بمبادارت منهم او بضغوط من رجال الدين، وللشرع الاسلامي عموما؟! الا توضح قابلية الشرع الاسلامي للتعديل، ليتماشى مع مصالح الدولة حينا، والشخصية حينا آخر، وان الغاية تبرر الوسيلة؟! فكيف يجوز معاملة المسيحيين المشرقيين، وهم عرب بالاجمال بالتشدد والاضطهاد احيانا، في حين تُطَوع كل القوانين والتشريعات، لصالح تجار اجانب ينتمون الى دول معادية للمماليك، المفترض بهم حماة الاسلام. انها سلطة متعسفة، لا تلتزم بالقوانين عندما لا تراعي مصالحها بكل المقاييس، وكلما خشيت نقمة رجال الدين المحصنين بمراكزهم، وبالشعب الغاضب من ممارساتها، تعمد الى اضطهاد المسيحيين المشرقيين.

العلاقات المسيحية الاسلامية بعيدا من السلطة ورجال الدين: يفرز كل مجتمع عادات وتقاليد واساليب حياة تشكل ظواهر اجتماعية تخضع لها معظم المكونات الاجتماعية، مع احتفاظ كل جماعة دينية او عرقية بخاصات لها وحدها. ومنهم المسيحيون الدمشقيون الذين مارسوا كل المهن، التي تعاطاها المسلمون، وخضعوا جميعهم الى نظام المهنة، وامتثلوا الى اوامر رئيسها، الذي عُهد اليه المحافظة عليها وتنفيذ قوانينها، وكانت تشابه انظمة النقابات في عصرنا الحاضر. وتشارك الدمشقيون، على الرغم من قلة الوثائق، الاحتفتلات الدينية كلها، المسيحية والاسلامية. اما المسيحيون فقد احتفلوا بالعديد من الاعياد؛ من ابرزها الميلاد، الذي كان يقع باستمرار يوم احد، على حد تعبير شيخ الربوة.[231] وتشابهت احتفالاتهم في الانحاء الشامية كلها، وترك لنا شيخ الربوة نموزجا احتفاليا في حماة:”وفي هذه الليلة يوقد اهل حماة، كبيرهم وصغيرهم، وجليلهم وحقيرهم، وجندهم واميرهم، من القناديل فوق الاسطحة، ومن القنّب والشيح عظيما، ويوقدون من البارود والنفط انواعا شتى.”[232] ان مشاركة المماليك:( جندهم واميرهم)، – كانت الجندية احتكارا مملوكيا- بالاحتفالات يعطي العلاقات الاجتماعية بعدا رائعا، لم تعكر صفوه الا مواقف المتشددين[233]. واحتفلوا ايضا بعيد ختان السيد المسيح، الذي كان تاريخه في ثامن يوم للميلاد، وبعيد الغطاس ايضا.[234] وكان عيد الفصح يتوّج احتفالاتهم، ويُطلق عليه”عيد النصارى”. ويحتفل به بعد انتهاء الصيام. واليك هذا الوصف الرائع ، بعيدا من سطوة رجال الدين المتشددين، للعلاقات الاجتماعية الاسلامية المسيحية في حماة، التي  يبدو انها كانت مركزا دينيا مسيحيا مهما، لأن الناس كانوا يتوافدون اليها من نواحي ومدن عديدة:” وفي هذا العيد تبطل اهل حماة مدة ستة ايام، اولها الخميس الكبير، وهو خميس العهد (خميس الاسرار)، وآخرها يوم الثلاثاء، ثالث الفصح. وتنتقش فيه النساء، وتُلبس فيه الكساوة الفاخرة، ويصبغون فيه البيض، ويعملون الاقراص والكعك، والمسلمون فيه اكثر من النصارى. ويرد الى حماة اهل سائر البلاد المجاورة لها مثل: حمص وشيزر، وسلمية، وكفر طاب، و ابو قُبيْس، ومصياف، والمعرة، وتيزين، والباب، وبُراعة، والفوعة، وحلب. ويطلعون جميعا الى العاصي، ويضربون لهم اهل حماة على شطوطه خياما، ويركبون في المراكب بالمغاني، ويرقصون في المراكب، والنساء والرجال على الشطوط، حتى تتهتك الخلائق، ويمضي لهم ستة ايام لا يرى في الوجود مثلها…”[235] واحتفل المسيحيون ايضا ب” السلاّق” خميس الصعود، وبالعنصرة وهو عيد البارقليط[236]. وبعيد الاول من نيسان، وبآخر يلي خميس البيض، وعيد مولد السيدة العذراء في الثامن من ايلول، وعيد الصليب في 14 منه.[237] اما في دمشق، فقد احتفل المسيحيون باعيادهم في حاراتهم واحيائهم الخاصة، فيما خلا خميس النصارى، الذي كانوا يحتفلون به في القابون. وشاركهم في اعيادهم مسلمون، اما احتفالا اومشاهدة.[238]

ان هذا التآلف والمشاركة الاجتماعية والدينية، واتساق معظم فئات المجتمع الى ظواهر اجتماعية تشد اواصر الحياة، وتزيل الحواجز، كان يغيظ رجال الدين المتشددين. ولعل ابن تيمية كان اكثرهم انزعاجا وغضبا، فاستمرار الفوارق الاجتماعية كان مبتغاه، وقهر واذلال المسيحيين وسيلته للتقرب من الله. فكتابه “اقتضاء الصراط” مليئ بالمواقف الحاضّة على احتقار المسيحيين، واجتنابهم “اجتنبوا اعداء الله في عيدهم”.[239]وينهي المسلمين عن الدخول الكنائس ايام الاعياد المسيحية، لأنها مخالفة الاهية، وتقربهم منهم، وكأنهم وباء :”لأن الموافقة في العيد، موافقة في الكفر.” و”دين النصارى ملعون”.[240]وينتقد المسلمين الذين يشاركون احتفالات المسيحيين في اعيادهم، ولا يعتبرهم مسلمين حقيقيين، مشككا بصحة ايمانهم، ومقتديا باقوال عمر بن الخطاب :” اياكم ورطانة الاعاجم، وان تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم فان السخطة تنزل عليهم، واجتنبوا اعداء الله في اعيادهم”[241]. ويزداد تشدده مصحوبا بالغضب والكره للمسيحيين، ما يجعله لا يجد اية مكرمة في الديانة المسيحية، فينعت اتباعها باقذع الاوصاف:”ان مشابهتهم في اعيادهم هو سبب لنوع من اكتساب اخلاقهم التي هي ملعونة. ومشابهتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في الاخلاق والافعال المذمومة، وهي تورث نوع محبة ومودة، فاذا كانت المشابهة بامور دنيوية تورث المحبة والموالات، فكيف المشابهة بامور دينية؟” [242]واضاف “أليست موافقتهم في العمل اعظم من موافقتهم في اللغة؟ أوليس عمل بعض اعمال عيدهم اعظم من مجرد الدخول عليهم في عيدهم”[243]  ويضيف:وعامة اعمال النصارى في اعيادهم قد زينها الله لكثير ممن يدعي الاسلام…انما خصوصها في الدين الباطل…وفيه مشابهة لهم”[244]:ويستطرد” ان المشابهة تفضي الى الكفر، او معصية غالبا، او تفضي اليهما في الجملة.”[245] وهذه المعصية تطال بعض المسلمين المتآلفين اجتماعيا مع المسيحيين، لأنه ينكر عليهم، غسل اولادهم في الحمام تيمنا بعيد الغطاس:” وقد صار كثير من جهال النساء يدخلن اولادهن الى الحمام في هذا الوقت، ويزعمن ان هذا ينفع الولد وهذا من دين النصارى، وهو من اقبح المنكرات.”[246]ويستمر بتحقير مقدساتهم بحقد، ومن دون دليل :”وفي آخر خميس من الصوم – وهو الخميس الحقير- على حد تعبيره، يجتمعون في اماكن اجتماعات عظيمة ويصبغون البيض ويطبخون اللبن …ويصنعون الاطعمة…ويتهادون الهدايا…”[247] ويشدد على المسلم لكي يختلف في سلوكه العام عن المسيحي، لا سيما في المشاركة في الاعياد، لأنها معصية كبيرة جدا.

صب ابن تيمية جام غضبه وحقده على المسيحيين، بمجرد انهم ليسوا مسلمين، ومن دون ان يناقش اي رجل دين مسيحي لكي يقنعه بالتحول الى الاسلام. فهو لا يقر امرا عن المسيحية الا ما جاء في القرآن من منظاره، ومن دون التطرق الى الآيات التي تمجد السيد المسيح. لم يجد في التسامح الذي حض عليه السيد المسيح اية مكرمة، ولا في دعوته الى التواضع والمغفرة، الا مذمة. وحذا حذوه عدد من المتشددين في زمن المماليك، لا يسعنا الاطلالة عليهم جميعهم في هذا البحث.

اما في المجتمعات التي لم يتأثر سكانها بالمتشددين، نجد نوعا آخر من السلوك الاجتماعي والديني. وسأكتفي بهذه العجالة بمقال لرئيس الرهبان الفرنسيسكان يتحدث فيه عن علاقات مسلمين شيعة ودروز بالرهبان الفرنسيسكان، في نواحي بيروت في اواسط القرن 15م.[248] ويتحدث عن اختبار شخصي لايمان “الكفرة” على حد تعبيره، كان المسلمون يبجلون كنيسة الرهبان بمقدار الرهبان انفسهم: ومن شدة ايمانهم يرسلون المرضى الى حدائق الكنيسة والدير لقطف الازهار الطبية، على الرغم من وجود مثيلاتها في الاسواق، لأعتقادهم بقدرتها على الشفاء بوضعها على الرأس[249]، ويؤمنون بما يتحدث به الرهبان عن الحياة والموت، ويطلبون منهم البركة والنصائح[250]. واذا تنزّه الرهبان في بساتين المسلمين، كان هؤلاء يطلبون منهم لمس الاشجار لمباكتها. وكانوا يحملون اليهم منتوجاتهم، ويبيعونها لهم باسعار متهاودة، واذا لم يستطيعوا دفع كامل ثمنها، ماكانوا يذكرونهم، خجلا، بما يستحق لهم بذمتهم، ولكن الرهبان كانوا يسددون دينهم. وعندما كان احدهم يشيد بيتا يطلب من الرهبان تبريكه بالماء المقدس على الطريقة المسيحية[251].

على الرغم من المبالغة الواضحة في النص، فهو يعبر عن تقدير مسلمين لرجال دين مسيحيين اغراب، متخذين من حسن المعاملة معيارا. فالعلائق بين الطرفين خلت من الحقد، والرفض، والبغض، وسادتها وشائج انسانية تقوم على احترام الآخر ايا يكن دينه ومذهبه. وهي تؤشر الى علاقات وئام بين الفئات الاجتماعية بعيدا عن المتشددين. وبالتالي يتسع المجتمع الاسلامي لغير المسلمين اذا اتسمت السلطة بالعدالة، وخلا المجتمع من التعصب الاعمى، والعنصرية الدينية.       

ويبقى السؤال هل شكل المسيحيون المشرقيون فئة متميزة عن بقية السكان؟ تصعب الاجابة على ذلك نظرا لقلة المعلومات، التي وفرتها مصادرنا، انما المرجح، انهم تمتعوا في احيائهم الخاصة بنظم محددة ميزتهم، في بعض وجوهها، من الفئات الاجتماعية الاسلامية. وخضعوا، كما المسلمين، الى ظاهرة اجتماعية عامة، فتشاركوا مع الدمشقيين الاعمال عينها، والاحتفالات والاعياد المتنوعة.

ان التعميم في التأريخ ساقط بلا شك، واذا كان عهد المماليك حبل بالكثير من الاضطها والتعسف بحق المسيحيين، بسبب الاوضاع الداخلية القلقة التي رافقته، كما بتسلط بعض رجال الدين على بعض السلاطين، ممن كانوا يرون الانسانية بمنظار ضيق جدا، وحصروا المكارم في الاسلام والمسلمين فقط، على الرغم من الممارسات المملوكية الخارجة على كل قانون او عرف، بما سببوه من فساد رهيب على الصعد كافة. وجهدوا لتحويل الناس من دين الى آخر بالقهر والاضطهاد. ففي عهد صلاح الدين الايوبي، على الرغم من الصراع الديني، الذي بلغ ذروته بين المسلمين والفرنجة المسيحيين الاغراب عن المشرق العربي، لم يؤثر عنه مواقف اسلامية متشددة صادرة. واذا سلمنا بما قاله مؤرخه ابن شداد “ومن عدله أن في أيامه، لم تتمكن أكابر الأمراء من التعدي على أقل العوام، بل على أدنى اليهود والنصارى، ومتى رفع إليه يهودي أو نصراني أو أقل العوام، ظلامة على أحد من أعيان دولته، أنصفه منه وكفه عنه . . .[252]“. هل كان من العدل تحويل الناس الى الاسلام عن طريق القهر والاضطهاد فقط، ومن دون ان يسمح للمقهور بالاطلاع على القرآن، وغيره من الكتب الدينية كالحديث، والفقه… من دون ايمان؟!!

من دون ادنى شك، جعلت المراسيم السلطانية، وفتاوى وممارسات المتشددين، المسيحيين يخافون على كراماتهم، ويخشون الاضطهاد، وربما أرّقت حياتهم الرهبة من اعادة العمل بالشروط العمرية، في اي وقت، وفي اي ظرف. وادت تلك السياسة الرعناء الخارجة على مفهوم الاسلام الحقيقي، باعتمادها على اجزاء من الآيات، ووضعها في غير السياق العام للقرآن كله، وتفسيرها الكيفي، والاجتهاد في تطبيقها، والى عدم التطرق الى الآيات التي، تبارك عيسى وتجعله كلمة الله، وروح الله، والعجائب التي صنعها، وتلك التي تبارك السيدة العذراء، وتقول انها ولدت من دون خطيئة، وانها لم ترتكب اثما في حياتها….ما ادى الى خلل في الاجتماع الانساني في المرحلة المملوكية. لماذا لم يثر المتشددون على جور السلطة المملوكية في الاقتصاد، والامن، والامن الاجتماعي الذي زاد في بؤس الناس. والسلطة المملوكية كانت تخشى من النقمة الشعبية العارمة والعامة، التي توسلت احيانا رجال الدين للتعبير عن يأسها، والظلم الحائق بها. لا سيما انها غريبة عن البيئة المشرقية، عرقا، وسلوكا سياسيا، وتصرفا اجتماعيا، وممارسة اقتصادية، وتخشى الفتن الشعبية، التي، اذا اضيفت الى الصراع شبه غير المنتهي بين الامراء من جهة، وبين طوائف الاجناد من ناحية ثانية، قد تودي بالسلطان واركان حكمه. ما جعلها تخضع احيانا الى تسلط رجال الدين المتشددين، فيزداد تعسفها تعسفا، وجورها احتداما، وتنتقم من الفئة الاضعف “المسيحيين”، ارضاء للمتشددين. وبات هذا السلوك غير السوي، ان جاز التعبير، ثقافة عامة تماهت سلوكا بالاذلال، والرعب، والخوف من القتل. حتى بات المسيحيون يعيشون احيانا على هامش المجتمع، وليس في قلبه. ان هذا الاسلوب المرعب، الذي مارسه المتشددون، وجارتهم فيه السلطة المتعسفة، ما نزال نعاني خطورته حتى اليوم، وفي كل اصقاع الدنيا، بعد انتشر الارهاب فيها، بتشجيع من دول وافراد.


[1] – شرف (جان )،الايديولوجية المجتمعية ، منشورات الجامعة اللبنانية،بيروت،1996، ص 100

[2] -Soboul, Albert, L’histoire sociale_ Sources et Méthodes, Colloque de l’Ecole Normale supérieure de Saint-Cloud, 15-16 MAI 1965, Paris 1965, p.10.

[3]  –  لمزيد من الاطلاع انظر: شعبان (محمد عبد الحي)، صدر الاسلام والدولة الاموية، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1983، ص 46، 51-53،66،76-81…

[4]  – الصولي (محمد بن يحي)، اخبار الراضي لله والمتقي بالله، مطبعة الصاوي، مصر ، دون تاريخ، ص 142-149، مسكويه (احمد بن محمد )، تجارب الامم، تحقيق امدروز، مطبعة التمد الصناعية، مصر، 1915، ج1، ص 86، 151، ج2، ص112، و ابن الجوزي ( ابو الفرج عبد الرحمن)، المنتظم في تاريخ الملوك والامم، حيدر آباد الدكن، 1965، ج8، ص 202 واماكن متعددة منه ومن الجزء التاسع، وضومط، الشرق، ص112-115، 135-137، 171-172، 182-184

[5]  – ان نظرة سريعة على مجموعة الاغاني كافية لمعرفة المستوى الذي بلغه البذخ والمجون عند العباسيين، انظر : ابو الفرج الاصفهاني، علي بن الحسين، الاغاني، الهيئة المصرية العامة القاهرة، 1970 – 1974

[6] – حميد الله، محمد، الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدية، دار النفائس، ط4،، بيروت 1983، ص 180- 185

[7] –  الوثائق السياسية، ص 561- 563. ومما جاء فيه ” نفر من اصحابه سألوه كتابا لجميع اهل النصرانية، امانا من المسلمين، وعهدا ينجز لهم الوفاء بما عاهدوهم، واعطيتموه اياه من نفسي… ومن نكثه وخالفه الى غيره وبدّله فعليه وزره، فقد خان امان الله” ويضيف “ولا يهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم. ولا يدخل شيئ من مال كنائسهم في بناء مسجد ولا في منازل المسلمين. فمن فعل ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله…ويكفّ عنهم ادب المكروه حيثما كانوا وحيثما حلّوا. وان صارت النصرانية عند المسلمين فعليه – صاحب السلطة في الاسلام- برضاها وتمكينها من الصلوات في بيعها. ولا يحيل بينها وبين هوى دينها…”

[8]  – ابن منظور، جمال الدين محمد، لسان العرب،  دار صادر، بيروت، لا ت ، مادة ” ذمم” ، ص 221-222

[9]  – الماوردي، علي بن محمد، الاحكام السلطانية، مصر، 1228 هجرية، ص 6

[10]  –  اختلف المؤرخون الى من يعود تأسيس الشروط العمرية ألعمر بن الخطاب او لحفيده عمر بن عبد العزيز الاموي، فابن القيم الجوزية يعيدها كلها الى ابن الخطاب.

[11] – ابو يوسف، يعقوب بن ابراهيم، كتاب الخراج، المكتبة السلفية، 1932 هجرية، ص72، ابو الفدا، المختصر في اخبار البشر، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997، ج2، ص 385، ابن كثير، البداية، ج14، ص 16، صبح، ج13، ص 377-378

[12]  –  سورديل، ج. و د.، معجم الاسلام التاريخي، الدار اللبنانية للنشر الجامعي، لبنان، 2009، 435-436

[13]  – ابن هشام، السيرة النبوية،  القاهرة، 1936،ج2، ص 779، والبلاذري، احمد بن جابر، فتوح البلدان، بيروت، 1957، 90

[14]  – مستندا الى حديث نبوي يذهب بعضهم الى ان الرسول ادلى به على فراش الموت” لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا ادع فيها الا مسلما” ابن هشام، السيرة النبوية، صورة مصورة عن طبعة غويتن، ج2، ص 779، ابن سلام، ابو عبيد القاسم، الاموال، مؤسسة ناصر الثقافية، بيروت، 1981، ص 48، الوثائق السياسية، ص 523،

[15]النفائس في احكام، ص17

[16] – الاموال، ص 30

[17]  – الاموال، ص 20، احكام اهل الذمة، ص 209

[18] -” فهم صبغوا في دينهم” اي عمدوا اولادهم انظر، الاموال، ص 20.

[19]الاموال، ص 20، احكام اهل الذمة، ص 209

[20]  – انظر لاحقا حديثه مع احد فاتحي العراق عنوة

[21]ابن بسام،  محمد، نهاية الرتبة في طلب الحسبة، بغداد، مطبعة المعارف، 1986، ص 207.

[22] – ابن الااخوة، محمد بن احمد، معالم القربى في احكام الحسبة، دار الفنون، كمبردج، 2010، ص 39 قال ذلك لابي موسى الاشعري لأنه اتخذ كاتبا مسيحيا

[23] – ” لما قدمتم علينا، وقد سألناكم الامان لأنفسنا، وذرارينا، واموالنا على ان لا نحدث في مدائننا، ولا حولها كنيسة ولا ديرا، ولا قلاية، ولا صومعة راهب، ولا نحدث منها ما خرب، ولا ما كان منها في خطط المسلمين في ليل او نهار، وان نوّسع على من مر بنا من المسلمين في الضيافة ثلاث ليال، ولا نكتم عينا للمسلمين، ولا نعلم اولادنا القرآن، ولا نظهر شرعنا، ولا ندعو اليه احد، ولا نمنع احد من ذوي قرابتنا من الدخول في الاسلام…وان نوقر المسلمن، ونقوم لهم في مجالسنا…ولا نتشبه بهم بشيئ من لباسهم…ولا نركب بالسروج، ولا نتقلد بالسيوف، …ولا ننقش على خواتمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، ولا نسقيها احدا، وان نجز مقدم رؤوسنا، ونجعل الزنانير على اوساطنا، ولا نظهر صلباننا ولا كتبنا في شيئ من طرق المسلمين، ولا اسواقهم، ولا نضرب النواقيس في شيئ كنائسنا الا ضربا خفيفا. ولا نرفع اصواتنا بالقراءة في شيئ بحضرة المسلمين، ولا نرفع اصواتنا مع موتانا…ولا نظهر باعوثا، ولا شعانين، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، ولا نطلع على منازلهم.” وهناك المزيدانظر معالم القربى ص 40-41 

[24] – ابن قيم الجوزية، محمد بن ابي بكر، احكام اهل الذمة، تحقيق يوسف بن احمد البكري، وشاكر العاروري، الدمام، دار الرمادي للنشر1997، ص.491 ، الاموال، ص30، الوثائق السياسية، ص 508

[25]  – الاموال ، ص 46- 47

[26]الوثائق السياسية، ص 485

[27]الاموال، ص 47

[28]الاموال، ص 30

[29]الوثائق السياسية، ص 484

[30]احكام، ص 492-493

[31] ، الوثائق السياسية، ص 561-563

[32]الوثاءق السياسية، ص 184

[33] – الماوردي، الاحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت، لا. ت. ص 184-185

[34]معالم، ص 95

[35] – ابن قيم، احكام، ج2، ص 809، ابن كثير، ج14، 122، 273

[36] – الماوردي، الاحكام السلطانية ، ص 185

[37] – السيد بن حمودة، النفائس في احكام النفائس ويليه بما يحكم اهل الذمة، لا مكان للنشر، 2012، ص 31-32

[38] – مستندا الى جزء من سورة المجادلة، الآية 19.،

[39]احكام اهل الذمة، ص

[40]  – ابو شامة ( شهاب الدين عبد الرحمن)، الذيل على الروضتين، دار الجيل، بيروت، ط2، 1974، ص207، اليونيني (قطب الدين)، ذيل مرآة الزمان، حيدر آباد الدكن، مطبعة المعارف العثمانية، ط1، 1960، ج1، ص 361، ابن كثير ( الحافظ)، البداية والنهاية، دار الفكر، بيروت، 1978، ج13، ص221-225،  ابن العبري، غريغوريوس، تاريخ مختصر الدول، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، ص 483، سلوك، ج1، ق2، ص 409، ابن تغري بردي (ابو المحاسن، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، طبعة دار الكتب المصرية، ج7، ص 56

[41]  – ابو الفدا (اسماعيل بن علي)، المختصر في اخبار البشر، القسطنطينية، 1286 ه، ج3، ص207، نجوم، ج7، ص86-87

[42]  – لمزيد من الاطلاع انظر: عاشور (سعيد عبد الفتاح)، مصر والشام في عصر المماليك والايوبيين، دار النهضة العربية، بيروت، 1972، ص 171-186 العبادي، (احمد مختار)، قيام دولة مماليك الاولى في مصر والشام، دار النهضة العربية، بيروت، 1986، ص175 وما بعد، والحاشية رقم 5

[43]  – المقريزي، اغاثة الامة بكشف الغمة، مطبعة لجنة التأليف والنشر، القاهرة، 1940، ص 45-47، سلوك، ج4، ق1، ص 473، الطرخان، ابراهيم علي، دولة المماليك الجراكسة، النهضة المصرية القاهرة، 1960، ص 240- 242 ، ضومط، انطوان، الدولة المملوكية، التاريخ السياسي والعسكري والاقتصادي، دار الحداثة،بيروت، ط1، 1980، ص 148-150

[44]  – لمزيد من الاطلاع انظر : ،البصروي، علي بن يوسف، تاريخ البصروي، دار المأمون للتراث، دمشق، 1988، ص 110،125، 176، 179… ابن طولون، شمس الدين محمد، مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، القاهرة، 1962-1964،ج1، ص 247، 249،261، 287، 374…وللمؤرخ نفسه، اعلام الورى بمن ولي من الاتراك بدمشق الكبرى، دار الفكر، دمشق، 1984، ص 157، 171، 178، 205، 222،208…المقريزي، كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، دار الكتب المصرية، 1970-1972، ج1، ق3، ص810-814، ج2 ق1، 150-152، ج2، ق2، 439، 444، ج3، ق2، 55، ج4، ق3، 1127 ……انطوان ضومط، المؤتمر الدولي السادس لتاريخ بلاد الشام، ” دمشق – الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية” ص 416-418 ، – ” التجديد في منهج المقريزي”، ضمن كتاب، نحو تاريخ ثقافي للمرحلة المملوكية، “إرغون فرلاغ” فوتسبورغ، بيروت، 2001، ( 94- 111). ص99-100 والشربيني، البيومي اسماعيل، مصادرة الاملاك في الدولة الاسلامية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997، ج2، 98-108

[45] – القلقشندي، احمد بن علي، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، القاهرة، 1913، ج3، ص50، 68 458، وغيرها كثير، المقريزي، تقي الدين احمد، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، 1270 هجرية، ج1، ص 87-90 وغيرها، ضومط، الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، دار الحداثة، ط1، 1980، ص 106-113، 133- 144، 148-152.

[46] – القلقشندي، (احمد بن علي)، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، دار الكتب المصرية، القاهرة ، 1913، ج4، ص472

[47] – خرق هذا الشرط احيانا قليلة عندما كان ينعم بعض السلاطين على اولادهم وابناء الامراء بالأمرة، انظر: ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص99-100، وابن اياس، بدائع، ج1، ص225، وج2، ص5

[48] – Ayalon, D, the Muslim City and the Mumluk Military Aristicracy, proceeding of the Academy of Sciences and Humanities, 2 ,Jerusalem, 1968, p323

[49] – ضومط،(انطوان)، الدولة المملوكية، التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، ط1، دار الحداثة، بيروت، 1980، ص86

[50] – Ayalon, Muslim city, p323

[51] – Ayalon, Muslim city, p323

[52] – القلقشندي، صبح، ج4، ص40-41

– المقريزي، خطط، ج2، ص98

[53] – ضومط، الدولة المملوكية، ص88

[54] – القلقشندي، صبح، ج4، ص310-312

خطط، ج1، ص357-358

55.  ابن اياس، بدائع الزهور، ج1، ص155-156، ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص153وج10، ص6-8-44، العلببي، دمشق، ص 145

[56] – السبكي، 56، القلقشندي ، ج11 ، ص 408 – 414، ابن طولون ، نقد الطالب لزغل المناصب، دار الفكر المعاصر، بيروت ، 1992 ، ص 46

[57] – ابن طولون ( شمس الدين محمد الصالحي الدمشقي )، الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء الشام ، تحقيق صلاح الدين المنجد ،دمشق 1956، ص 130، 165، 219، 255 ،  وابن طولون ، نقد الطالب لزغل المناصب ، حققه محمد احمد دهمان وخالد محمد دهمان ، دار الفكر المعاصر ،بيروت ، 1992 ، ص 45 والمقريزي ، السلوك ، ج3، ق3، 1073 و 1168 ، والبصروي ، ص 174

[58]  – ابن طولون ، الثغر البسام ، ص 128 – 130

[59]  – الثغر البسام، ص 155

[60]مفاكهة ،ص 115،158، 160 ، 162 وغيرها كثير

[61]  – لمزيد من الاطلاع انظر: ضومط انطوان، “جوانب من الحياة الاجتماعية في دمشق المملوكية” ، مجلة التاريخ العربي التي تصدر عن جمعية المؤرخين المغاربة، العدد السابع ، 1998 .

[62]  نصار ( اندريه طانيوس ) ، العامة بدمشق المملوكية ، رسالة دبلوم دراسات عليا غير منشورة ،الجامعة اللبنانية ،كلية الاداب ،الفرع الثاني – الفنار، ص 360-364

[63]مفاكهة، ج1، ص 6، 41، 62،  64، 65، 79،  124-125 ، 146 ، 147 ، 160، 178، 215، اعلاو الورى، ص 96، 97،

[64]  – ابن طولون ، مفاكهة الخلان، ج1، ص 8-9،41، 65،124 79، – 125، 227، 299، 234

[65] – لمزيد من الاطلاع، انظر: ضومط، انطوان، ” جوانب من الحياة الاجتماعية في دمشق المملوكية” في اماكن متعددة في البحث

[66] ابن ىالاخوة، ضياء الدين محمد، معالم القربى في احكام الحسبة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 1982، ص 96-97

[67]  – جهد ابن تيمية بطريقته الخاصة كعالم وفقيه لاعادة توحيد العالم الاسلامي بزعامة المماليك، فاتخذ مواقف متشددة من الفرق الشيعية كلها، ومن غير المسلمين ايضا ودعاهم الى الدخول في الاسلام لينجو المسلمون من كفرهم. ولتحقيق مأربه راسل الفرق الشيعية ودعاها الى التوبة والعودة الى الاسلام الحقيقي السني. ولما لم تتجاوب حرّض المماليك، انطلاقا من موقفين سياسي وديني على قتالهم مهرقا دماءهم بفتاويه، وعلى قتال المسيحيين لا سيما موارنة لبنان” الحلفاء الطبيعيين للصليبيين”، ولمشاركتهم بالدفاع عنهم. وشارك شخصيا في بعض الحمالات المملوكية على لبنان لتطهيره من الكفرة على اختلاف انتماآتهم، لأنه كان يخشى عودة المسيحيين الاوروبيين الى احتلال شواطئه، والسيطرة مجددا على بعض البلاد الاسلامية المشرقية. لمزيد من الاطلاع على الحملات المملوكية على لبنان وعلى مواقف ابن تيمية منها، انظر: القطار، الياس، نيابة طرابلس على عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1998، ص 112- 120

[68]  – ابن تيمية، اقتضاء الصراط،تحقيق ناصر بن عبد الكريم العقل، الرياض، مكتبة، الرشد، لا ت.،40،418 ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج1، ص 91-92 ، نقلا عن احمد حطيط، ابن تيمية، ص 373

[69]  – ابن تيمية، احمد بن عبد الحليم، اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة اصحاب الجحيم، تحقيق ناصر بن عبد الكريم العقل، مكتبة الرشد الرياض، لا ت. ، ص 66

[70]  – حطيط، ابن تيمية، ص 373

[71]  – الصراط، ص، 90 ومن نمازجه الصارخة على كرهه لاهل الذمة ما ذكره احمد حطيط، نقلا عن ابن عبد الهادي، عن المجلس الشرعي الذي عقده السلطان الناصر محمد بن قلاوون للبت بطلب المسيحيين للعودة الى ما كانوا يلبسون على ان يدفعوا جزية زيادة= =عما كانت عليه، سكت جميع الحاضرين الا ابن تيمية الذي جثا على ركبتيه وقال للسلطان :” لا تفعل، واني اعيذك ان يكون اول مراسمك…تنصر فيه الكفار وتغرّهم من اجل حطام الدنيا الفانية.” حطيط، ابن تيمية، ص 374.

[72]الصراط، ص82، 354 ،366، 422، 426، 489،

[73] – عينه ص 90

[74] – الصراط، ص 40، 182، 186، 418، 480

[75] – الصراط، ص176

[76]  –  اقتضاء الصراط، 176، 182،186، 480

[77]  – ابن تيمية، الصراط ص 454. ويستند لتبرير مواقفه تلك بما اثر عن ائمة السنة:” فمشابهتهم في اعيادهم، ولو بالقليل، هو سبب لنوع لاكتساب اخلاقهم التي هي ملعونة…” انظر: اقتضاء الصراط، ص 460، 454، 476

[78] – الصراط،  ص 454

[79]الصراط، 476

[80]الصراط، ص، 470

[81]  – اقتضاء الصراط، ص، 267، 180، 195.

[82]  –  ابن تيمية، الصراط، ص 381

[83]  – لمزيد من الاطلاع انظر ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، مكتبة المدين، جدة، دون تاريخ.

[84]  – فجاءوا من باب توما باتجاه درب الحجر ورشوا الخمر على رباط الشيخ ابي البيان، وعلى مسجد باب الحجر الصغير، والمسجد الكبير. انظر ابن العميد، اخبار الايوبيين، بور سعيد الظاهر، مكتبة الثقافة الدينية، لا. ت. ص 53-54، الذهبي، دول الاسلام،= =الهيئة المصرية العامة، مصر، 1974 ج2، ص 163، ابن كثير، ج13، ص 221، سوك، ج1، ق2، ص 425-432، نجوم، ج7، ص 80-81

[85]  – السبكي، تقي الدين علي، فتاوى السبكي، دار المعرفة، بيروت،  ج2، 407 – 408

[86]  – السبكي، فتاوى، ص 417 ،

[87]  – ابن شداد، تاريخ الظاهر بيبرس، بيروت، 1984، ص 357-358، ابو الفدا، المصدر السابق، ج4، ص 14، السبكي، فتاوى، ص 419، نجوم، ج7، ص 140، اسماعيل، اكتمال، الآثار الاجتماعية والاقتصادية للحملات المغولية على بلاد الشام، دار رسلان، دمشق، 2008، 187-188

[88]  – ابن كثير، بداية، ج14، ص 319-320

[89] – البلاذري، احمد بن يحي، فتوح البلدان، دار الكتب العلمية، بيروت1978، ص 192، الاموال، 182-183

[90] – انظر اعلاه دور عمر بن الخطاب في الشروط العمرية

[91]معالم القربى، ص 39-43

[92]معالم القربى، ص45

[93] – ابن قيم، احكام، ص 482-484، 488

[94] – انظر مثلا: احكام، من ص 490 الى 499 فكلها آيات استنبط منها ما يسيء الى المسيحيين واليهود.

[95]احكام، ص 499

[96]احكام اهل الذمة، ص 202

[97]  – ابن طولون، محمد، مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، نشر محمد زيادة، القاهرة، 1962-1964، ج1، ص 124، 153، زيادة نقولا، دمشق في عهد المماليك، مكتبة لبنان، 1966، ص131، نصّار،” اندره، اوضاع المسيحيين في دمشق وحلب في العصر المملوكي” ص41-75 ضمن كتاب نحو تاريخ ثقافي للمرحلة المملوكية،  ص 44

[98] – زيادة ، ، دمشق في عصر المماليك ، ص 131 – 133.

[99]  – القطار، الياس، ” الموارنة واليعاقبة والشيعة والدروز في الجبل اللبناني في العهد المملوكي جدلية الاضطهاد والتسامح” ضمن كتاب نحو تاريخ ثقافي للمرحلة المملوكية، المعهد الالماني للابحاث الشرقية، بيروت، 2010، ص 6

[100]  القلقشندي، ج4، ص 173

[101]  –  القلقشندي، احمد بن علي، صبح الاعشى في صناعة الانشا، القاهرة، دار الكتب، 1913، ج5، ص 443-445، الخالدي، المقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا، اطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة القديس يوسف، بيروت، 1988، ص 266- 265

[102]صبح، ج5 ، ص 443، و ج13، ص 276

[103]  – صبح، ج4، 201، و ج12، ص 422-423

[104]  – صبح، ج11، ص 388-389، و ج12، 425-426

[105] – صبح، ج12، 424

[106] –  ابن قيم الجوزية، احكام، ق2، ص 659- 661 ، صبح، ج12، 424، الخالدي، ص 375

[107] – ابن كثير، البداية، ج14، ص 319-320

[108]  – نصّار، المرجع السابق، ص 46-47.

[109] – باشا، قسطنطين المخلصي، لمحة تاريخية في الرهبانية الباسيلية المخلصية، المطبعة الادبية، بيروت، 1909، ق1، ص 59-60

[110] – الخالدي، ص 275

[111]  – صبح، ج6، ص 164-165، ج12، ص 389، نصار، اوضاع، ص 48

[112]  – مفاكهة، ج1، ص 100، نصار،  اوضاع، ص 48

[113]  – ابن كثير، بداية، ج14، ص 249، نصار، اوضاع، ص 48

[114] – ابن الرفعة الشافعي، نجم الدين احمد، النفائس في هدم الكنائس، مؤسسة بينونة للنشر والتوزيع، دولة الامارات العربية المتحدة، 2013، ط1، ص 44-46

[115]  – فهو يقول:” كان عهد عمر…يفرض على المسيحيين حالة من الاضطهاد ومن مواطنية الدرجة الثانية…انظر: الزين، حسن، الاوضاع القانونية للنصارى واليهود في الديار الاسلامية، دار الفكر الحديث، ط2، بيروت، 2000، ص 63 . واحكامها، انظر : ابن القيم الجوزية، احكام اهل الذمة، تحقيق صبحي الصالح، بيروت، 1961، ج2، ص 657

[116]  –  المقريزي، تقي الدين احمد، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج4، ص 389 وما بعد، الزين ص 64

[117]    –  حطيط، ابن تيمية، ص31

[118]  – ابن كثير، البداية، ج11، ص 294

[119] – المقريزي، تقي الدين احمد، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1998، ج3، ص 778

[120]  – ابن الشحنة، روض، مخطوط الفاتيكان رقم 271، ص 122،خطط، ج3، ص 778-779اسماعيل، الآثار الاجتماعية، ص 188

[121]سلوك، ج1، ق2، ص 542، ابن تغري بردي، المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986، ج5، ص 274

[122]  –  البداية، ج13، ص 340

[123]  – البداية، ج 14، ص 16، النويري، نهاية، 31/416-426. ابن تغري بردي، النجوم، 8/133-135، خطط، ج3، ص 780-781، سلوك، – دار الكتب العلمية، ج2، ص337-338321

[124]  – السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص 484، النويري، نهاية، 31/416-426، أبو الفداء، المختصر، 4/47. ابن كثير، البداية والنهاية، 14/55 ابن تغري بردي، النجوم، 8/133-135، خطط، ج3، ص 780-781، سلوك، – دار الكتب العلمية، ج2، ص337-338321

[125]  –  سلوك، ط.دار الكتب العلمية، ج3، ص44

[126]  – سلوك، ج4، ص 201، الدويهي، الأزمنة، ط. توتل، ص 182، خطط، ج3، ص 782-783، سلوك، ج4، ص 201

[127]البداية، ج14، ص 317

[128]  –  بداية، ج14، ص 305-306

[129] Sobernheim, Corpus, pp. 125-126.

[130] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص 87

[131] – انظر سابقا

[132] – القلقشندي، صبح الاعشى في صناعة الانشا، ج5، ص 460

[133] – لم يجز للمسيحيين لقب امير مائة ومقدم ألف لأنها رتبة حربية، انما سمح لهم بالقاب طبلخاناه، وعشرين، وعشرة وخمسة واحيانا اثنين

[134] – الصقاعي، فضل الله بن ابي الفخر، تالي كتاب وفيات الاعيان، المعهد الفرنسي بدمشق، المطبعة الكاثوليكية ، بيروت، 1974، ص 186

[135] – شيخو، وزراء، ص 186

[136] – الصقاعي، تالي الوفيات، ص11-12

[137] – الصقاعي، تالي، ص ، 186، ووظيفته حساسة جدا لأنها اختصت بتحصيل المصادرات

[138] – الشجاعي تاريخ، ص 75، البصروي، تاريخ، ص 89

[139] – شيخو، وزراء النصرانية ، ص 77، تكمن اهميته الى جانب وظيفته، انه ألف عددا من الكتب مثل: ذيل على تاريخ ابن العميد، واختصر وفيات الاعيان لإبن خلكان، واصاف اليه ذيلا اسماه” تالي وفيات الاعيان.

[140] – الجزري، ج1، ص 389-390

[141] – الجزري، حوادث، ص 114

[142] – ابن حجر، انباء، ج2، ص 139

[143] – ابن طوق، التعليق، ج2، ص 682-683

[144] – السبكي، معيد، ص 139-140

[145]السبكي، معيد، ص 139-140

[146] – الهيب، الحركة الشعرية، ص 68

[147] – الضرائب غير الشرعية هي التي لا يجيزها الشرع الاسلامي كالرمي، والطرح، والمجامعة والمساهرة، والمصادرات على اختلاف انواعها. لمزيد من الاطلاع انظر: ضومط، انطوان: دمشق الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية، ص 416-417، ضمن كتاب المؤتمر الدولي السادس لتاريخ بلاد الشام، مطبعة جامعة دمشق، دمشق، 2001

[148] – نصار، ص 59

[149]صبح، ج12، ص 306-3607، ابن طولون، مفاكهة الخلان، ج1، 16

[150] – ابن الاخوة، ص 99-100

[151] – ابن قاضي شهبة، تاريخ، مج2، ج1 ص 231، البداية، ج14، ص 198، صبح، ج3، ص 530

[152] – القلقشندي، ج3، ص 97، 350

[153] – القلقشندي، ج 3، ص 530

[154] – فحص، اهل الذمة، ص 117

[155] – الذهبي، محمد بن احمد، ذيول العبر في خبر من غبر، دار الكتب العلمية، بيروت، لا تاريخ، ج4، ص 190

[156] – فحص، اهل الذمة، ص 117

[157] – المكان عينه

[158] – القلقشندي، ج3، ص531

[159] – نصار، اوضاع، ص 59

[160] – فحص، اهل الذمة، ص 122

[161] – نصار، اوضاع، ص 59

[162] – اليونيني، قطب الدين، ذيل مرآت الزمان، حيدر آباد الدكن، مطبعة دار المعارف العثمانية، 1960، ج1، ص 362-363، ابن كثير، ج13، ص221 .

[163] – ابن كثير، الحافظ ابو الفدا، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت، 1988، ج14، ص186، ابن الوردي، تاريخ، ج2، ص 318

[164] -ابن كثير، البداية، ج14، ص 86، ابن الوردي، تاريخ، ج2، ص318، البصروي، تاريخ، ص 89-90

[165] – ابن كثير، البداية، دار المعارف، ج14، ص 198

[166] – ابن كثير، البداية، ج14، ص115-117

[167] – الدويهي، البطريرك اسطفان، تاريح الازمنة، طبعة فهد، بيروت، دار لحد خاطر، لا ت، 322-323 ، نصار، اوضاع، ص 62

[168] – نصار، اوضاع، ص 62

[169] – ابن كثير، البداية، ج14، ص 315

[170] ، شمس الدين بن ابي بكر، احكام اهل الذمة، تحقيق صبحي الصالح، دار العلم للملايين، ط4، 1994، ق2، ص705. شرح الشروط العمرية، دار العلم للملايين، ط2، 1981، ابن القيم الجوزية، ص 49

[171] – ابن الاخوة، معالم، ص 49

[172] – ابن ىالاخوة، ضياء الدين محمد، معالم القربى في احكام الحسبة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 1982، ص 96-97، النويري، شمس الدين احمد، نهاية الارب في فنون الادب، الهيئة المصرية العامة، 1992، ج31، ص 417. القلقشندي، صبح، ج13، ص 379. سلوك، ج4، ص 202

[173]  العسقلاني، ابن حجر، انباء الغمر بابناء العمر، دار الىلاكتب العلمية، بيروت، 1986، ج8، ص 258

[174] – الجزري، شمس الدين محمد، تاريخ ابن الجزري، تحقيق عمر تدمري، المكتبة العصرية، صيدا، 1998، ج2، ص 112

[175] – العسقلاني، انباء،ج2، ص 139،  شيخو، لويس، وزراء النصرانية وكتابها في الاسلام، المكتبة البولسية، بيروت، 1987، ص 220

[176] – ابن كثير، ج14، ص122

[177] – الجزري، ج1، ص203-205، ابن كثير، ج13، ص 335-336

[178] – نصار، اندره، “اوضاع المسيحيين في دمشق وحلب في العصر المملوكي” ضمن كتاب نحو تاريخ ثقافي للمرحلة المملوكية، مطبعة درغام، بيروت، 2010، ص51

[179] – الجزري، ج2، ص 400

[180] – الجزري، ج2، ص 108، مفاكهة، ج1، ص 153

[181] – العسقلاني، ج4، ص 4

[182]سلوك،ج4، ق2، ص 884

[183]سلوك، ج2، ق3، ص 921-927

[184] سلوك، ج3، ق1، ص 372-373

[185] – الذهبي، تاريخ الاسلام، حوادث ووفيات، ص 26

– شيخو، لويس، وزراء النصرانية وكتابها في الاسلام، المكتبة البولسية، بيروت، 1987، ص 22

[186]  فحص، اوضاع، ص64

[187] – الجزري، ج2، ص 319

[188] – الجزري، ج3، ص590، 678،736، 866.

[189]تاريخ الجزري، ج2، ص 523

[190] – الجزري، ج2، ص 319

، شمس الدين محمد، مفاكهة الحلان في حوادث الزمان، ج1، دار احياء الكتب العربية، القاهرة، 1962، ص 68

،[191]  – نهاية الارب، ج31، ص 385، ابن كثير، البداية، ج 14، ص 99، 250، 305، 306 وغيرها، القلقشندي، صبح، د13، 378، المقريزي، خطط، ج3، 778، 781، 784، 822، سلوك، ج3، ص 44، ج4، ص 302-303

[192] – البداية، ج 14، ص 250، صبح الاعشى، ج13، 377-378، سلوك، ج2، 337-338، ج4، ص 203

[193]  – البداية، ج 14، ص 16، النويري، نهاية، 31/416-426. ابن تغري بردي، النجوم، 8/133-135، خطط، ج3، ص 780-781، سلوك، – دار الكتب العلمية، ج2، ص337-338321 –

[194]  – السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص 484، النويري، نهاية، 31/416-426، أبو الفداء، المختصر، 4/47. ابن كثير، البداية والنهاية، 14/55 ابن تغري بردي، النجوم، 8/133-135، خطط، ج3، ص 780-781، سلوك، – دار الكتب العلمية، ج2، ص337-338321

[195] القلقشندي، صبح،13/20.

[196]  ابن الاخوة، معالم، ص 95،- البداية، ج14، ص 99 ، 250، سلوك، ج3، ص 44، 203

[197] – ابن كثير، ج14، 250

[198]البداية، ج14، ص 317

[199] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص 87

[200]  –  البداية، ج13، ص 340

[201] – البداية، ج14، ص 250

[202] – انظر الكتب او المناشير السابقة.

[203] – البداية، ج14، ص 305-306

[204]  ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص 87

[205]مجلة المشرق، الزيات حبيب، الديارات الاسلامية في الاسلام ، عدد 36، بيروت، 1938، ص 291-417، ص320

[206]احكام اهل الذمة، ق2، ص 727

[207] – نصار، اوضاع، ص 57

[208]خطط، ج1، 304-305

[209] – ابن كثير، البداية، ج14، ص 317، ابن قاضي شهبة، تاريخ، مج3، ص273، البصروي، صفحات مجهولة من تاريخ دمشق في عصر المماليك، تحقيق اكرم العلبي، دار المأمون للتراث، دمشق، 1988، ص 204-205، مفاكهة، ج1، ص 21، 30، 32،109، 153-154، 158، 203، 205، 248-249، 303، 314. ابن طولون، اعلام الورى، بمن ولي نائبا من الاتراك بدمشق الشام الكبرى، ط2، دمشق، دار الفكر، 1984، ص 116-117، 186-188

[210] – الذهبي، تاريخ، ص 50-51

[211] -النفائس في احكام الكنائس، ص15

[212] -السبكي، فتاوى، ج2، ص373

[213] – لمزيد من الاطلاع انظر: ضومط انطوان، “مسيحيو المشرق العربي اواخر العصور الوسطى جدلية السلطة والدين، مجلة المشرق، السنة التاسعة والثمانون، الجزء الاول، كانون الثاني، 2015. وايضا بالكلام على المتشددين في هذا البحث

[214]  – ويتعذر  التمييز، في تعبير اهل الذمة، بين اليهود والمسيحيين. لذلك سنقصد به  المسيحيين فقط، بخاصة ان الصابئة والمجوس لم تشير اليهم الفرامانات او المراسيم السلطانية

[215]   – لمزيد من الاطلاع على عهد الصحيفة انظر:حميد الله، الوثائق السياسية، ص59 – 62

[216] – المقريزي، السلوك، 2/959- 962

[217] -لمزيد من الاطلاع انظر:ضومط ،انطوان، الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، بيروت، دار الحداثة، ط1، 1980، 188-196

[218] – لمزيد من الاطلاع، انظر: ضومط، الدولة المملوكية، ط1، ص، 182-183، 220 – 232

[219]-Heyd,W, Histoire du commerce du Levant au moyen-age,II, Leipzig,1885-1886,p.86

[220]– ibid,II, p.430-431

ضومط، الدولة، ص206-209

[221] – انظر هذه المعاهدات في بحث: بيار مكرزل، المعاهدات التجارية بين البنادقة والسلاطين المماليك، المشرق، تموز-كانون الاول، 2013، ص590-591

[222]-Ashtor,E, Les metaux precieux et la balance des paiement du Proche Orient a la basse epoque, S.E.V.O.E.N., Paris,1971,p.65

[223] – مكرزل، المعاهدات،  ص592

[224] – عينه، ص 593

[225] – مكرزل، المعاهدات، ص593

[226] – من اكثر المتشددين السنة الشوافع

[227] -انظر مراسيم الشروط اعلاه، والمقريزي، سلوك، ج2،ص337-338،ج3، ص 41-44، ج4، ص201-202

[228]-Wiet,Gaston, L’egypte arabe de la conquete arabe a la conquete musulmane,(642-1517), Le Caire, 1937, p491-493

– ضومط، الدولة، ص225

[229] –  القلقشندي، صبح، ج4، ص 310-312، مكرزل، المعاهدات، ص597-598

[230] – مكرزل، المعاهدات، ص 599

[231] – شيخ الربوة الدمشقي، كتاب نخبة الدهر في عجائب البر والبحر، لابزيغ، 1993، ص 281،نقلا عن اندره نصار، اوضاع، ص55

[232] – المصدر عينه، ص281

[233] -انظر لاحقا

[234] – نصار، اوضاع، ص56

[235] – شيخ الربوة، ص 281

[236] – المكان عينه، نصار، اوضاع، ص 56-57

[237] – نصار، اوضاع، ص 57

[238] – العلبي، اكرم، دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق، 1982، ص 88-89

[239]اقتضاء، ص 458

[240]اقتضاء، ص 460، 470.

[241] -هذا القول لعمر بن الخطاب اورده ابن تيمية انظر الهامش التالي

[242] – اقتضاء، ص، 454-456، 484

[243] – عينه، 458

[244]اقتضاء الصراط، ص، 479

[245]قتضاء، ص 480

[246]اقتضاء، 518

[247]اقتضاء 471، 479-480

[248]– Suriano Fancesco, Treatise on the Holy Land, translated by T. Bellorini &E. Hoade,Jerusalem,1949, reprinted, 1983, pp170-172

[249] Ibid, p 170

[250] Ibid,171

[251]-ibid, p,171

[252] – ابن شدّاد، تاريخ، ص 281-282.