ابن الاثير ( 555- 630 /1160-1233 )

اولاً: عصره وحياته ومؤلفاته.

1 – عصره : تميز القرنان السادس والسابع بالتمزق الداخلي الشديد في الدولة الواحدة أكان عند الفاطميين، ام عند الاتابكيات الزنكية في حلب ودمشق والموصل وآمد وغيرها، كما ايضا في الامارات والممالك الصليبية. فالخلافة الفاطمية شهدت صراعات داخلية مخيفة ولا سيما منذ اواسط القرن الرابع/الحادي عشر حين نشأ فيها ما يعرف بحكم الوزراء الذين استبدوا بالخلفاء وصارت السلطة الفعلية بايديهم، وتصارع المرشحون على الوزارة عسكريا وسياسيا فيما بينهم. كما عرفت ايضا حركات استقلالية داخلية في طرابلس، وصور ومعظم مدن الساحل اللبناني، ناهيك عن محاولات مشابهة في بعلبك، ودمشق وحلب وغيرها. وتميزت هذه الفترة ايضا بما يعرف بثورات الاحداث. وكانت محاولات الفاطميين استرداد المناطق المستقلة وتلك التي استولى عليها السلاجقة تؤدي الى حروب شبه غير منتهية ما اضعف الجبهة الاسلامية.

   وتمزقت السلطنة السلجوقية الى اتابكيات مستقلة متنافرة فيما بينها، كل واحدة تطمع بالاستيلاء على مثيلاتها، وضمها اليها، ما سهل دخول الصليبيين الى المشرق واستقرارهم فيه. والصليبيون كانوا ايضا مختلفين فيما بينهم ولكل فريق امارته او كونتيته، وان من خضع منهم الى المملكة اللاتينية في القدس كان خضوعه اسميا.

   ان كل ذلك كان يؤشر الى سهولة سبل الصراع، والى تشتت الجبهات المفترض ان تكون موحدة. وقد عايش ابن الاثير ثلاث مراحل متميزة: توحيد الجبهة الاسلامية على يد صلاح الدين الايوبي وتهديده الواضح للوجود الفرنجي في المشرق العربي. ثم انقسام الدولة وتمزقها بعد وفاته بين اولاده واخوته، ومحاولة اخيه العادل الاول اعادة توحيدها، وانحلالها مجددا بعد وفاته وتناحر حكامها فيما بينهم. اما المرحلة الثالة فكانت هجوم التتار على الدولة الخوارزمية وقضاؤهم عليها وتهديدهم الخلافة العباسية.

   ان هذه المراحل وخاصاتها أثرت بابن الاثير وتركت بصمات على نظرته التاريخية، فادرك اهمية العالم الاسلامي ووحدته، ولم يمنع تمزّق هذا العالم على المستوى السياسي والعسكري مؤرخنا من توحيده على المستوى التأريخي، برغم من بعد الشقة بين ارجائه، وتمايز التوجهات بين دوله ودويلاته وخلافاته ( جمع خلافة ).

    على هذا، يمكن تفسير معظم مواقفه التأريخية، فلم يرحم المسيئين الى المسلمين لان في التاريخ مواعظ وعبراً. كما نفهم من المنظار عينه مهاجمته لصلاح الدين الايوبي حين استولى على مصر وحاول الاستقلال بها عن نور الدين محمود اتابك دمشق وحلب، وتراجعه المستمر عن حصار حصني الشوبك والكرك الصليبيين كلما تقدم نحوهما نور الدين لمساعدته مضعفا الجبهة الاسلامية، ومن ثم تقديره البالغ له عندما وحّد مصر وبلاد الشام وشن حروبه غير المنتهية على الصليبيين.         

2- حياته: هو ابو الحسن علي بن محمد الشيباني المعروف بان الاثير الجَزَري نسبة الى جزيرة ابن عمر التي ولد فيها بتاريخ 4 جمادي الاولى سنة 555 الموافق 12 ايار1160، ولقبه عز الدين. نشأ في مسقط رأسه لأن والده كان متوليا ديوان جزيرة ابن عمر من قبل قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل[1]. ثم ارتحل الى الموصل مع والده وأخويه[2]، وتثقف فيها على العلامة عبد الله الخطيب الطوسي ومن في طبقته. وقدم الى بغداد مرات عدة وسمع فيها من الشيخين ابي القاسم بن صدقة الفقيه الشافعي، وعبد الوهاب بن علي الصوفي. ثم زار الشام والقدس واخذ العلم عن جماعة، وعاد بعد ذلك الى الموصل حيث استقر، وربطته علاقة وثيقة بالطواشي طغريل الخادم اتابك العزيز صاحب حلب[3]. ولما بلغ الثامنة والعشرين من العمر رافق السلطان صلاح الدين الايوبي خلال محاربته للصليبيين [4]. كان يكره الوظائف الحكومية ربما لأنها قد تؤثر على توجهاته الفكرية من جهة، ومن جهة ثانية كان ميسورا وليس بحاجة الى المال. ولكن ابتعاده عن تولي المناصب الحكومية حرمه الاطلاع على الوثائق الرسمية المتنوعة التي كان بامكانها اغناء ابحاثه من حيث توضيح الكثير من الامور خصوصا المتعلقة باحداث عصره . كان اماما بالحديث، وحافظا للتواريخ المتقدمة والسابقة لعصره وتلك التي عاصرها وخبيرا بانساب العرب[5]. فانقطع الى العلم وتصنيف الكتب، وصار بيته منتدى ادبيا لعلماء الموصل والواردين اليها. وربطته بابن خلّكان علاقة الطالب بالاستاذ وافاد منه كثيرا، ويتحدث عنه ابن خلكان بالكثير من الاجلال والتقدير. ويزعم ابن القفطي ان ياقوت الحموي طلب اليه، في أواخر حياته، ان ينقل مكتبته واوراقه ويودعها الوقف الزبيدي في بغداد ولكنه احتفظ بها لنفسه[6]، ونحن لا نعرف مدى صحة هذه الرواية التي تناقض تماما ما ذكره عنه معظم معاصريه من انه كان كريم الاخلاق وكثير التواضع مستقيما، ما يجعلنا نشك بصحة رواية ابن القفطي. توفي عن ثلاثة وسبعين عاما في شعبان او رمضان من سنة 630 ايار 1233م.

3- مؤلفاته : قد لا يكون ابن الاثير من اكثر المؤرخين تأليفا، ولكنه قد يكون من افضلهم نوعية، وقد ترك عدة مؤلفات كلها طبعت ونشرت:

– اسد الغابة في معرفة الصحابة، وهو مؤلف وفق منهج التراجم تحدث فيه عن صحابة الرسول. ويبدو انه كتبه نزولا عند رغبة عدد من علماء دمشق وعلماء القدس المختلفين حول سير الصحابة وبعض الاحاديث النبوية ليحسم الخلاف بينهم، ومن جهة ثانية لأنه وجد عددا من المآخذ على بعض المؤلفات في هذا المضمار.وتظهر اهمية هذا الكتاب من خلال عدة أمور: ضبط الاسماء بالتشكيل، وتصحيح بعض الاخطاء الواردة في مثيلاته، وشرح الألفاظ الغريبة، واخيرا بترتيبه على الحروف الهجائية.[7]

– اللباب في تهذيب الانساب، يبرر ابن الاثير الدافع الى كتابته بحاجة الناس الى هذا العلم الجليل الفائدة، الذي بدأ بالاندثار او قلت التآليف في مضماره. و« اللباب » هو مختصر كتاب الانساب لعبد الكريم بن السمعاني الذي يصفه ابن الاثير ب ” الملاحة والجودة والفصاحة، وقد اتى بما عجز عنه الاوائل.” ولكنه نبّه الى ما فيه من عيوب وهفوات، فانتقده واهمل فصوله الاولى واختصر بعض التراجم واسقط بعضها الآخر كليا، وزاد عليها ما وجده مناسبا، وصحح الاخطاء الواردة في انساب السمعاني[8].

– الباهر بالدولة الاتابكية، وقد خصصه لتاريخ الاتابكة في الموصل من حين تولى عماد الدين زنكي اتابكية الموصل عام 521/1127 حتى وفاة الاتابك نور الدين ارسلان شاه عام 607/1221. ويعتبر شاكر مصطفى ان ابن الاثير لم يلتزم بكامل موضوعيته في هذا الكتاب بل حابى الاتابكة[9]. والكتاب كما يلاحظ هو في تاريخ المحلي او الاقليمي.

ويذكر شاكر مصطفى ان لابن الاثير كتابا آخر ضائعا وهو بعنوان: ادب السياسة.[10]

    واذا اضفنا الى المؤلفات المذكورة «الكامل في التاريخ»الذي يتمحور حوله بحثنا نلاحظ بوضوح ان ابن الاثير جمع في مؤلفاته الاربعة المناهج التأريخية المتداولة في عصره وهي : التراجم في اسد الغابة، والانساب في اللباب، والتاريخ البلداني او الاقليمي في الباهر، والتاريخ العالمي الشامل في الكامل. ما يؤشّر الى اهمية منهج ابن الاثير وتكامل المناهج كلها في تآليفه ويطرح رؤيته المنهجية الشاملة التي سنفصلها فيما يلي.

  اما مضمون الكامل فيتألف من قسمين: ما قبل الاسلام، والتاريخ الاسلامي.

   ما قبل الاسلام: يبدأه بقصة الخلق انطلاقا من مفهوم قرآني، ويستمر على هذا النحو في تاريخ الانبياء جميعهم فيربط احداثهم بآيات قرآنية من دون الدخول في مفاهيم دياناتهم يهودية كانت او مسيحية[11]. ثم يتحدث عن ملوك الفرس وطبقاتهم ودياناتهم، ولكن فهمه للديانة المزدكية جاء سطحيا جدا وعمل على الحط من قدرها من دون ان يدخل الى صلبها او يدرس مرتكزاتها[12]. وتحدث عن الملوك الروم وطبقاتهم ايضا، ، وقسمهم الى ما قبل المسيحية، المسيحية، والطبقة الاخيرة المعاصرة للتاريخ الاسلامي بدءأ من الهجرة من دون ان يأتي على ذكر اليونان. ويذكر من تاريخ الاحباش فقط ما يتعلق بالعرب وخصوصا يوم الفيل، ويتحدث عن تاريخ العرب في الجاهلية ويعطي اهمية لأيام العرب[13].

    اما التاريخ الاسلامي فيبدأه بمقدمة طويلة عن اجداد الرسول واحوال قريش فالسيرة النبوية وصولا الى عام 628/1231  

ثانيا منهجه.

1- نظرته التاريخية:

أ- الساسية: ترتبط نظرته التاريخية بالتوجه الاسلامي العام والشامل الذي ساد منذ القرن الثالث الهجري، والذي جعل ظهور الاسلام مفصلا اساسيا في حياة الشعوب وخصوصا المسلمين. لذلك استهل مؤلفه« الكامل في التاريخ»  ببداية الخلق وتاريخ الانبياء رابطا بينها وبين الاسلام وكأنها محطات سابقة عليه، لا بل ممهدة له. من هنا قد يكون اهمل تاريخ اليونان على ما فيه من نواحي حضارية على المستويات كافة، لأنه لا يرتبط بالتاريخ الاسلامي كما بتاريخ الديانات التي يقرها الاسلام، وهو سابق على ظهور المسيحية التي تتقاطع بنواحي متعددة مع الدين الاسلامي. ما جعله، ربما، يفسر الاحداث الدينية اليهودية والمسيحية وفق توجهه الديني الاسلامي، اضف الى ذلك ان العلاقات بين المسيحية والاسلام حروبا او وئاما لم تنقطع على امتداد التاريخ الوسيط أكان في فترة الفتوحات وما تلاها من احداث، ام بالصراعات شبه الدائمة مع البيزنطيين، ام مع الغرب الاوروبي على مستويين: الحروب الصليبية في المشرق العربي، وحرب الاسترداد الاسبانية في الاندلس، محاولا في تأريخه هذا تبيان رفعة الدين الاسلامي على انه افضل الديانات لأن اليهودية والمسيحية مهدتا له، وكأنه يقول ضمنا: على اليهود والمسيحيين التحول الى الاسلام الذي هو الدين عند الله. وتتوضح هذه الصورة اكثر عندما يؤرخ للسيرة النبوية مبينا عظمة الرسول والاسلام، ويكمل وفق المنهج عينه بدايات العصر الراشدي مع ابي بكر وعمر، فيحاول في عهديهما ابراز اهم المنجزات ليقول ان الاسلام اثمر مع الصحابة واكمل مسيرته في العهدين المذكورين الذين يعتبران الركائز المتينة للتاريخ الاسلامي بعد الرسول، ليلي ذلك مرحلة انقسام الامة.

    يحصر ابن الاثير اهتمامه بالصراعات الداخلية خصوصا في المرحلة الثانية من عهد عثمان بحيث يذكر تسلسليا المآخذ على عثمان[14]. ويستمر التأريخ لانقسام الامة بالصراع بين علي ومعاوية بطريقة موضوعية حتى لنخال ابن الاثير مؤرخا شيعي الميول اذ يحمّل مرات عدة معاوية وولاته اخطاء كثيرة بما فيها الخروج احيانا على تعاليم الاسلام. وتختفي نظرته الشاملة من سنة 34 الى عام 49 للهجرة لا بل تمتد هذه المرحلة الى عام 63 لتنحصر بالصراع الداخلي  من دون التطرق الى اخبار بلاد فارس والعلاقات مع الروم. ويستشف منها انها مرحلة مخيفة تهدد دولة الخلافة، فالقبائل منقسمة على نفسها لا بل القبيلة الواحدة منقسمة على ذاتها، ويوحي لك تأريخه نوعا من الصراع بين الباطل والحق، بين المؤمن الذي يتمسك بحبل الله وآخر يتمسك بحبل الدنيا، فيظهر لك اجتهاد لا بل استبسال الولاة الامويين للنيل من آل علي ارضاء لحقدهم وتقربا من سادتهم، تبعا لأبن الاثير. وقد يكون لهذا السبب اعطاها هذا الاهتمام. ويحتل التأريخ للشيعة مساحة واسعة جدا في ” الكامل ” ويطلق على الأئمة الشيعة الالقاب الحسنة ويتحدث عنهم باجلال حتى خلال العصر العباسي.

   وفي العهد الاموي يركز على الاحداث البارزة ويجعل منها مفاصل للحركة التاريخية من دون ان يهمل الثورات وحركات التمرد، ويتوازن اجمالا في هذا العهد التأريخ لبلاد فارس وما وراء النهر، وللمشرق العربي، ولافريقيا والاندلس وان نالت احداث المشرق وبلاد فارس وما وراء النهر اهتماما أكثر. ويتضح موقف ابن الاثير من التاريخ الاموي من حكمه على الخلفاء الامويين اذ توسع بسِيَرْ بعضهم ممن اعتبرهم نبراسا يحتذى شأن عمر بن عبد العزيز[15]، ويدرج سير آخرين بطريقة مقلة، ويذكر في بعضها محاسن الخليفة ومساوئه وان كان يتجنب اجمالا التعرض الى المساوئ كما في سيرة الوليد بن عبد الملك[16]. ويركز في نهاية العهد الاموي على الاحداث في خراسان التي طغت على ما عداها.

   ولا نلمس عنده ميلا محددا أكان للعباسيين ام للامويين في تأريخه لقيام الدولة العباسية. وفي العصر العباسي الاول تستمر نظرته التاريخية عسكرية سياسية تركز على الاحداث البارزة خصوصا الثورات ويصبح العراق محور الاحداث لأنه مركز السلطة والقرار السياسي. وهو يؤيد اجمالا مواقف الخلفاء تجاه من يحاول سلبهم السلطة بدءا بابي سَلَمَة الخلال مرورا بابي مسلم الخراساني وصولا الى نكبة البرامكة، بحيث لا تجد تأنيبا وان مضمرا لأي من الخلفاء بسبب مواقفهم من التسلط الفارسي. ولكنه يلوم ضمنا الرشيد بسبب قسمة الدولة بين اولاده ولاعطائه ولاية العهد لأكثر من ولي عهد قائلا :« وهذا من العجائب! فان الرشيد قد رأى ما صنع ابوه وجده المنصور بعيسى بن موسى حتى خلع نفسه من ولاية العهد، وما صنع الهادي…ثم هو يبايع للمأمون بعد الامين! وحبّك الشيء يعمي ويصم.»[17] ويوجه للامين نقدا لمواقفه وتصرفاته المتعنتة تجاه المأمون والرعية على حد سواء بقوله:« ولم نجد في سيرته ما يستحسن ذكره من حلم او عدل اوتجربة…»[18]. وكأنه يريد القول ان في التاريخ عظات ولكن هل من يتعظ!؟

 وتحتل احداث بلاد فارس حيزا موازيا لأحداث العراق لوجود الخليفة فيه ولكن ذلك لا يمنعه من تمرير ملاحظات، بل نقدا للخليفة لاستسلامه لرأي الوزير.

   وتزداد نظرته التاريخية توازنا وشمولا منذ بداية عهد الرشيد بحيث تحتل افريقيا في عهد ابراهيم بن الاغلب حيزا واسعا في تأريخه؛ فيتحدث عن الثورات التي قامت بوجهه وكيفية قضائه عليها، وعلاقته بالرشيد[19]، ويستمر اهتامه بموضوع الاغالبة في ظل زيادة الله ابن الاغلب ايضا من دون ان يكون هذا التاريخ حوليا بالمعنى الدقيق[20]. وقد يكون مرد هذا الاهتمام لخضوع الاغالبة للسلطة العباسية في بغداد، وسيطرتهم ايضا على صقلية بما هي موقع استراتيجي، وثالثا بسبب موقع دولة الاغالبة التي كانت تشكل حدا فاصلا بين العباسيين من جهة واخصامهم من الدويلات الاخرى من جهة ثانية كبني مدرار، وبني رستم، ودولة الادارسة، ومن ورائهم امويو الاندلس.

   ويصور ما آلت اليه حال خلفاء  العصر العباسي الثاني، وحال تشرذم الدولة وانقسام القادة الاتراك وتصارعهم على السلطة. ولا يسلم القادة من نقد ابن الاثير، ويعلّق على مقتل المقتدر قائلا:« صار سببا لجرأة اصحاب الاطراف على الخلفاء…وانخرقت الهيبة، وضعف امر الخلافة.»[21] ويسوؤه استيلاء ابن رائق على العراق وتقلّده امرة الامراء بحيث يرى انه اعتبارا من سنة 324 بطلت الدواوين والوزارة، وحلّ ابن رائق وكاتبه مكان الوزير، وصارت الاموال تحمل الى خزائنه مؤسسا سابقة انتهجها كل امراء الامراء من بعده. وعلى المستوى السياسي استقل اصحاب الاطراف ولم يبق للخليفة الا بغداد[22]. ويصور لأول مرة دور العيارين بالصراع الداخلي كحلفاء اوفياء للخلفاء في صراعهم مع اخصامهم من الامراء الاتراك فجاءت نظرته هنا تحاكي نظرة الطبري.

   ويؤرخ لقيام الخلافة الفاطمية  ويجعل احداثها تتقاطع مع احداث الدويلات في المغرب، وفي الاندلس بنظرة فذة عمودية الرؤية. وبانتقال الفاطميين الى المشرق العربي تتقاطع احداثهم مع العباسيين والدويلات التي كانت تعيش بظلهم، سابرا الاحداث الداخلية لكل دويلة بطريقة تجعلك تعتقد ان الولاء السياسي عند الدويلات الشيعية تفوق على الولاء المذهبي. وعلى الرغم من انه سني فهو لا يبخس الخلفاء الفاطميين البارزين حقهم ولا سيما العزيز، ويتأرجح موقفه من الحاكم بامر الله الفاطي تبعا لمواقف الحاكم وتصرفاته من دون ان يهاجمه او يحقّره[23] كما فعل بعض المؤرخين السنة، وبالتالي لا يأخذ ابن الاثير موقفا عدائيا من الفاطميين على غرار معظم المؤرخين السنة؛ فلا يتهمهم بالخروج على التعاليم الاسلامية وما الى ذلك.

    ولم يمنعه انتقال الفاطميين الى المشرق من التأريخ لهم في المغرب وعلاقة ولاتهم بهم من جهة ومحاولة هؤلاء الاستقلال من جهة ثانية، كما علاقاتهم بامويي الاندلس ميولياً احداث افريقيا اهمية شديدة شأن اخبار بقية ارجاء الدولة علما انها لم تكن خاضعة للخلافة العباسية، وغير خاضعة تماما للخلافة الفاطمية. وهو الى ذلك، يتابع ايضا اخبار الاندلس بشكل غير منتظم كما حال افريقيا والفاطميين في مصر وبلاد الشام، مركزاً على ابرز احداثهم فقط[24].

   وفي العهد البويهي يتوازن تأريخه مجددا بين بلاد فارس والعراق، لا بل تزداد اخبار بلاد فارس وما وراء النهر اهمية وتحتل مساحة اكبر خصوصا في اواخر العهد البويهي، مركّزاً على الانهيار السريع للدولتين البويهية والسامانية لصالح الغزنويين، الى ان تسقط الدولة البويهية في العراق لصالح السلاجقة[25].

    اما موقفه من الاوروبيين فواحد ورؤيته لهم شاملة، متدرجة عبر الزمن تبعا لتاريخ وقوع الحوادث لكي لا تبقى الاحداث متقطعة بل تجمعها كلها عوامل سببية: السيطرة على بلاد لااسلام. ولا يبدّل الموقع الجغرافي من هذه الرؤية بل تستمر على حالها أكان في الاندلس او شمالي افريقيا ( افريقيا ) او في المشرق، فالاوروبيون جميعهم صليبيون واعداء الاسلام، ولا يجد اي تبرير لهجماتهم على اية منطقة من بلاد الاسلام ، لأنها كلها ارض اسلامية، ولنا شهادة دامغة على ذلك قوله:« دخلت سنة احدى وتسعين واربع مئة كان ابتداء ظهور دولة الفرنج، واشتد امرهم وخروجهم الى بلاد الاسلام، واستيلاؤهم على بعضها، سنة ثمان وسبعين واربع مئة فملكوا مدينة طليطلة وغيرها من بلاد الاندلس…ثم قصدوا سنة اربع وثمانين واربع مئة جزيرة صقلية وملكوها…وتطرقوا الى اطراف افريقيا فملكوا منها شيئا…فلما كان سنة تسعين واربع مئة خرجوا الى بلاد الشام …»[26] ومع ذلك قد يكون ابن الاثير افضل من انصفهم رغم تقريظه بعض الحكام المسلمين لتهاونهم، ولتعاون بعضهم الآخر مع الفرنجة.

   وهو مؤيد لموقف السلاجقة ويتتبع احداثهم بكل دقة منذ دخولهم في خدمة الدولة الغزنوية مرورا بحروبهم معها وصولا الى موقعة داندانقان وانتصارهم الساحق وتوسعهم في كل بلاد فارس حتى دخولهم الى العراق[27]. ويؤرخ باعجاب لكل سلاطينهم ويخص ألب ارسلان بمنزلة عالية معتباًر ان سيرته جديرة بالتخليد[28]. ويتحدث باعجاب واجلال عن نظام الملك الطوسي وزير ألب ارسلان وملك شاه. وتحتل في هذا الخضم احداث الباطنية مسحة مهمة جدا أكان بعلاقتها بالسلاجقة او بالفاطميين وفيما بعد بصلاح الدين الايوبي من دون التشهير بهم او الحط من قدرهم، بل يتحدث عن الموضوع بحياد واضح[29].

   ويشيد كثيرا بعماد الدين زنكي لجهاده ضد الفرنجة ولحسن اخلاقه ولمقدرته على سياسة البلاد بدراية، ولرغبته الصادقة بتأسيس جبهة اسلامية عريضة للقضاء على الصليبيين. ومن هذا المنطلق وجّه لوما واضحا الى صلاح الدين الايوبي واتهمه بالتهرب من الخضوع لنور الدين محمود اتابك دمشق وحلب لأنه في قرارة نفسه مزمع على تأسيس ملك خاص به، واعتبره مسؤولا عن تصدع الجبهة الاسلامية ما سمح للصليبيين بالمحافظة على مواقعهم. ولكن موقفه هذا تبدّل بعد ان اسس صلاح الدين دولته ووحد مصر وبلاد الشام وانصرف لجهاد الصليبيين، فاصبح غير صلاح الدين الاول الانتهازي المتهرب من مواجهة سيده والخضوع له، وصار صلاح الدين المجاهد.

   على الرغم من موقفه العدائي من الصليبيين فانه لم يصفهم باوصاف دنيئة وما اليها، في حين انه كان عازفا عن التأريخ للتتار مستفظعا اعمالهم، خائفا ان يقضوا على دول الاسلام لا بل على الاسلام نفسه، اذ يقول في هذا الصدد :” لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة – الحرب بين التتار والدولة الخوارزمية- استعظاما لها، كارها لذكرها…فمن الذي يسهل عليه ان يكتب نعي الاسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت امي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيا منسيا، الا اني حثّني جماعة من الاصدقاء على تسطيرها وانا متوقف، ثم رأيت ان ترك ذلك لا يجدي نفعا…”[30] ومع هذا الموقف العدائي من التتار فهو ينصف مقدرتهم العسكرية محددا اسبابها، مهاجماً سوء تصرفاتهم النابعة من انعدام الحس الانساني عندهم المتأثر اصلا بعادات بلادهم وتلك التي فرضها عليهم جنكيزخان بما يعرف ب ” الياسة او اليسق ” من دون ان يسميها بهذا الاسم.

بالطبغرافية: من الواضح ان ابن الاثير نظر الى التاريخ من الناحيتين السياسية والعسكرية من دون ان يولي المجتمع والادارة والاقتصاد منزلة مهمة سوى لمحات نادرة، فقد تبوأ الاهتمام بشؤون المسلمين ومصيرهم المنزلة الكبرى بل المحورية في« الكامل». فقدّم السياسة والدور العسكري على النواحي الحضارية التي لم تحتل الا حيزا ضيقا جدا؛ فعلى المستوى الاداري ذكر امرا بالغ الاهمية قد لا نجده عند غيره اذ يتحدث عن عمال زياد بن ابيه ويتوسع بذكر اسمائهم ويقول:« ان زيادا اول من سيّر بين يديه بالحراب والعمد واتخذ الحرس رابطة خمسمائة لا يفارقون المسجد.»[31] وقد يكون ذكر هذا الامر لدلالته السياسية أكثر مما هو تدبير اداري بحت. وترد عنده بعض اللمحات الطبوغرافية حينا عمدا كما في اخباره عن خطط بغداد حين يذكر سور المدينة ومحالها ومحلاتها باسمائها، والمواد التي استخدمت ببناء المدينة وسورها، وحجم اللبن، وابوابها…[32] واحيانا من غير قصد اذ ترد اسماء الاسواق والمحلات من ضمن سياق احداث عسكرية وسياسية كما في الفتنة بين السنة والشيعة ببغداد[33].

جالاقتصادية: وقد ترد باخباره بعض الومضات الاقتصادية تدليلا على سوء الاوضاع احيانا الناتج من صراعات عسكرية شأن كلامه عن المجاعة التي اصابت مكة في اواخر عهد ابن الزبير:« حتى ذبح – ابن الزبير- فرسه وقسّم لحمها في اصحابه، وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم…»[34] او كما في حديثه عن ضرب الدراهم والدنانير بحيث يدخل في تفاصيل قيمة الدرهم نسبة الى المثقال:« فصار وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل.»[35]

   ويتحدث نادرا عن الاقطاع من دون ان يحدد معناه او قيمته او نوعه. فقد ذكره في العهد البويهي من حيث توزيع الاراضي على القواد والجنود الاتراك خصوصا ما ادى الى حسد الجنود الديالمة، محددا ان هذا الامرسيكون له شأن كبير بالصراع بين الفريقين. ويتحدث عنه ثانية ابان الصراع بين العامة وجند طغرل بك ببغداد من دون ان يذكر كيفية الحصول عليه[36]. وهو لا يتناوله كقضية زراعية او ضمان انما كغنيمة او مكافأة سياسية: استرد اقطاع فلان واعطاه لآخر بقيمة محددة[37]. ويفصّل كيفية توزيع ألب ارسلان مناطق دولته على امرائه من تحديد قيمة الاقطاع او مردوده، او عدد الجنود المتوجبين على صاحبه[38]. ما يعني ان ابن الاثير لم يكن يهتم بهذا الامر ولم يتناوله الا توضيحا لأحداث عسكرية وسياسية وليس كعملية حضارية لعبت دورا رياديا، او انها سارت باتجاه معاكس فادت الى انحطاط على مستويات مختلفة. 

د- الاجتماعية: اما النواحي الاجتماعية فلم يولها اهمية حقيقية بل تناولها لماما وربطها بالوضع الامني، بمعنى انه أحلّ الناحية الامنية في المرتبة الاولى وجاء حديثه عن الناحية الاجتماعية نتيجة للأمن المفقود كما في اخباره عن سوء الوضع الامني في عهد المأمون عندما كان في خراسان وانبرت جماعة تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتقمع تعديات الشطار[39]. ويتكرر الامر بالصراع بين كمشتكين القيصري المرسل شحنة الى بغداد من قبل السلطان برقيا رق وشحنتها القائم فيها «إلغازي» فيصور ما تعرض له السكان في بغداد وفي تكريت من جرائم اخلاقية وسرقات ونهب وقتل وغير ذلك، وكيف انبرى العامة للدفاع عن الناس.[40]من دون ان يعطي هذا الموضوع، على اهميته، دورا حقيقيا في تأريخه رغم انه شكل احد ابرز عوامل تفكيك اوصال الدولة العباسية.

هقيمة نظرته: وعلى ذلك جاءت نظرة ابن الاثير افقية من جهة وعمودية من ناحية ثانية؛ فقد نظر الى احداث كل منطقة بل كل جزء احيانا من المشرق العربي على حدة، وحينا آخر تداخلت احداث المشرق بعضها بالبعض الآخر على رغم تعدد الكيانات السياسية من جهة، ولوجود خلافتين اسلامتين عباسية في بغداد وفاطمية اسماعيلية في القاهرة، ثم ثالثة سنية اموية في الاندلس من جهة ثانية. كما لم يغفل عن احداث افريقيا والاندلس تبعا لتأريخه للمشرق العربي من دون ان يعنى بها كعنايته بالمشرق. ولم تكن رؤيته للحوادث واحدة اذ كان يعمد الى افضليات فيها تبعا للدور المحوري لابطالها، او لتأثيرهم على المحاور الاساسية. فكلما ارتفع شأن المسلمين او اولي الامر الشرعيين في منطقة ما توسّع باخبارهم. ولنا نموذج واضح بما ذكره عن وضع المسلمين في الاندلس اذ ابرز دورهم حتى تعدى اهمية اخبار بلاد فارس[41]. وتتوضح هذه النظرة الى التاريخ باخبار الاتراك في العصر العباسي الثاني؛ فلا نعرف عموما كيف دخلوا الى العراق وتحديدا الى بغداد، ومتى تمّ تجنيدهم؟ وكيف وصلوا الى الحكم؟ في حين ان هذا الامر شديد الوضوح عند الطبري.

   وعلى الرغم من كل الشوائب التي قد يسجلها المؤرخون على ابن الاثير تبقى رؤيته الى التاريخ فريدة من حيث شمولها وشدة ادراك صاحبها ومقدرته في جعل الاحداث تتقاطع على رغم وسع الرقعة الجغرافية التي تحدث عنها وتنوع الاتنيات والمذاهب وتصارع ارباب السياسة فيما بينهم، وتمكنه من سبر غور كل فريق، بل الدخول احيانا الى اعماق تطلعاتهم وادراك نواياهم. وهي نظرة قل نظيرها عند سابقيه ومعاصريه حتى عند الذين جاءوا بعده الى ان نصل الى مؤرخي العهد المملوكي، ولنا وقفة طويلة معهم.

   وعلى الرغم من هذه النظرة الفذة فانه اعتمد اخبارا تدل على السطحية احيانا وعلى المبالغة اذ تشوب اخباره عن الفرس والتبابعة معلومات فيها الكثير من المبالغة والبعد عن الواقع، وقد قبلها على علاتها:« كان كل واحد منهم في جيش عظيم يقال كان في ستمائة ألف واربعين ألفا.»[42]، كما يطلق التنبؤات على لسان اشخاص سبقوا مجيء الرسول عن مجيئه ونشر الاسلام[43]. وانظر ايضا قصة الراهب الذي رمى بول الحمار في دجلة فلما سئل أجاب:«     نجد في الكتب القديمة أنه يبنى في هذا الموضع مسجدا.»[44] ولست ادري كيف اقتنع ابن الاثير بانتصار يحي بن زيد ومعه سبعون من انصاره على عمرو بن زرارة وهو في عشرة آلاف[45]. كما بقبوله بقصة بناء بغداد قائلا هكذا ورد بكتب المسيحيين من دون تمحيص[46]. وغير ذلك من الامور التي تضعف رؤيته، ولا ندري لماذا اوردها، ومع ذلك فهي لا تبخس « الكامل » حقه ومنزلته العلمية التي قلّ نظيرها.

والتاريخ بنظره يتجاوز الاخبار والقصص، وهو كثير الفوائد، وعلى مستويين: دنيوي وأخروي:« لقد رأيت جماعة ممن يدعي المعرفة والدراية…يحتقر التواريخ ويزدريها .. . ظنا منه ان غاية فائدتها القصص والاخبار، ونهاية معرفتها الاحاديث والاسمار وهذه حال من اقتصر على القشر دون اللبّ نظره…ومن رزقه الله طبعا سليما وهداه صراطا مستقيما، علم ان فوائدها كثيرة، ومنافعها الدنيوية والاخروية جمّة غزيرة.»[47]

2 – المصادر: يعدد له شاكر مصطفى 32 مصدرا من دون ان يذكر منها سوى الطبري، ويعتبر انه تحّراها جميعها.[48] يعترف ابن الاثير صراحة انه اخذ معلوماته حتى القرن الثالث الهجري من تاريخ الرسل والملوك للطبري بشكل رئيسي:« اذ هو الكتاب المعوّل عند الكافة عليه، والمرجوع عند الاختلاف اليه، فاخذت ما فيه من جميع تراجمه، ولم اخل بترجمة واحدة منها…وانما اعتمدت عليه من بين كل المؤرخين اذ هو الامام المتقن حقا، الجامع علما وصحة اعتقاد وصدقا.»[49] ومع ذلك لم يقبل كل رواياته على علاتها بل كان ينتقد الطبري كلما وجد الى ذلك مجالا شأن كلامه عن استلحاق زياد بن ابيه بمعاوية:« هذا جميع ما ذكره ابو جعفر…ولم يذكر حقيقة الحال في ذلك، انما ذكر حكايات جرت بعد استلحاقه، وانا اذكر سبب ذلك وكيفيته فانه من الامور المشهودة في الاسلام لا ينبغي اهمالها.»[50] ثم علل قضية زياد:« وانما استلحق معاوية زيادا لأن انكحة الجاهلية كانت انواعا…وكان منها ان الجماعة يجامعون البغيّ فاذا حملت وولدت ألحقت الولد لمن شاءت منهم فيلحقه، فلما جاء الاسلام حرّم هذا النكاح، الا انه اقر كل ولد كان ينسب الى اب من اي نكاح…فتوهم معاوية ان ذلك جائز له ولم يفرق بين استلحاق في الجاهلية والاسلاموهذا مردود لاتفاق المسلمين علىانكاره.»[51] وقلّما يذكر مصادره الاخرى خصوصا اصحاب المؤلفات المشهورة التي أتمّ منها ما وجده ناقصا عند الطبري من دون ان يذكر اصحابها في مقدمته[52] او ان يشير اليها بوضوح في سياق الاخبار. وفي بدايات العصر العباسي يذكر احيانا من اخذ عنهم:« حدثني سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي.»[53] ولا نعرف من اين استمد معلوماته عن افريقيا والاندلس لأنها غير مسندة.

   واعتبارا من سنة 541 يذكر بعض اسانيده وهي تعود لشهود عيان كقوله:« حدثني او حكى لي والدي.»[54] او:« حدثني من رأى اسد الدين حين خرج من بلبيس قال.»[55] او «حكى لي انسان صوفي يقال له ابو القاسم كان مختصا بخدمته بالحبس.»[56] كما استخدم التعبير التالي:« حكى لي طبيب يعرف بالطبيب الرجّي وهو كان يخدم نور الدين.»[57]وهي كما نلاحظ تعود الى شهود عيان لكل منهم اختصاصه المحدد وكانوا على علاقة مباشرة مع الشخصية موضوع التأريخ ما يجعلهم موضع ثقة. وقد يقول:« هكذا ذكر لي بعض الفقهاء ممن كان ببخارى.»[58]ان هذا الاسقاط شبه العام للإسناد دفع علم التاريخ للابتعاد أكثر فاكثر عن علم الحديث واعطاه استقلالا شبه تام. ويبقى سؤال مركزي : هل فعلا هذا ما اراده ابن الاثير لعلم التاريخ؟

3– التأريخ الحولي: أرّخ ابن الاثير حوليا سنة بعد سنة مقلدا النهج الذي اعتمده الطبري من دون ان ينسخه كما فعل مؤرخون آخرون لأنه كان يعي الحدث بابعاده ودلالاته ونتائجه. فالخبر عنده لم يكن معزولا عن ظروفه الاساسية، ودوافعه الرئيسة فمعظم الحوادث عنده مبنية على ما سبقها الا تلك التي لها استقلال تام او انها اخبار اعتراضية، او على الاقل هكذا نظر اليها ابن الاثير. وهذا لا يعني ان الطبري لم يسبر اغوار الاحداث التي أرّخها انما التقاطع فيما بينها احيانا او تأسيس بعضها للبعض الآخر كان مفقودا عنده. وهذا المنهج الذي اختطه ابن الاثير صعب جدا يقتضي من صاحبه ادراكا كليا للاحداث التي يؤرخها ، ادراكا عموديا، ورؤية افقية في آن واحد، ومعرفة حقيقية شديدة التبصر بالاحداث كي لا يقع المؤرخ مكرها بالاخطاء. ما جعل  ” الكامل ” ينبض بالحركة والحيوية والتكامل.

    ان كل ذلك جعله يركز على وحدة الموضوع المفقودة اجمالا في التواريخ السابقة عليه، وتتجلى هذه الوحدة بالرؤية الشاملة لحادثة معينة مبعثرة على امتداد سنة معينة، فربط اجزاءها فيما بينها ضمن عنوان واحد، وشد اواصر الحوادث بعضها الى البعض الآخر، وربما هذا ما قصده بقوله:« رأيتهم – اي المؤرخين- ايضا يذكرون الحادثة الواحدة في سنين، ويذكرون منها في كل شهر اشياء، فتأتي الحادثة مقطّعة لا يحصل منها على غرض، ولا تفهم الا بعد امعان النظر، فجمعت انا الحادثة في موضع واحد وذكرت كل شيئ منها في اي شهر او سنة كانت، فأتت متناسقة متتابعة، قد اخذ بعضها برقاب بعض.»[59]وهذا التركيز على وحدة الموضوع من هذه الزاوية لم يعممه على كل حوادث تاريخه، اذ اعتمد هذا النمط في التأريخ لبعض الحكام او المناطق التي لم يرغب بالتوسع باخبارها، او لأنه لم يرد الانتقال في آن من المشرق الى المغرب او الى الاندلس او الى مصر الفاطمية لما في ذلك من صعوبة الجمع بين كل الاحداث دفعة واحدة خصوصا انها لا تتقاطع فيما بينها، فكان يهمل بعض احداث هذه المناطق سنين طويلة، ثم يعود ويؤرخ لها بطريقة كلية، مسقطاً احيانا كثيرة الشهور بل السنين ايضا كما في اخبار قيام الدولة الفاطمية منذ وصول ابي عبد الله الشيعي اليها مرورا باعلان الخلافة الفاطمية وحتى مقتل ابي عبد الله[60]، او عن حوادث صور منذ سنة 506 ذاكرا ما جرى فيها من تقلب الاوضاع بين طغتكين اتابك دمشق والآمر بالله الفاطمي، والفرنجة حتى سقوطها سنة عام 516 [61]

   وقد تكون وحدة الموضوع هي الاساس عند ابن الاثير لا بل هاجسه رغم الاختصار الذي اصاب بعض اخباره، وهذا ما نلحظه في تتبعه لاوضاع مسيحيي نجران منذ حصولهم على عهد الرسول مروراً بعهود ابي بكر، وعمر بن الخطاب، ومعاوية، وعمر بن عبد العزيز[62]. وتتضّح رغبته بوحدة الموضوع وشد اواصر الحوادث بعضها الى البعض الآخر بنماذج متعددة غير النموذج السابق منها مثلا: الانتفاضة في افريقيا وما حل باهلها في عهد معاوية، وموقف الوفد الذي قدم منها الى الشام وحاول عبثا مقابلة الخليفة هشام بن عبد الملك ما ادى الى ثورة اهل افريقيا على عامل هشام وطرده منها واستقلالهم بها[63].

   ونجد نمطا آخر عنده، وهو الغالب، وهو التأريخ لحادثة معينة خلال سنة واحدة، ويقطعها في مفصل معين ليذكر عدة حوادث في نهاية السنة موضوع التأريخ، ثم يعود الى اكمال الحادثة المذكورة[64].انظر مثلا اخبار المختار الثقفي الذي يتابعه من ثورته وحتى مقتله ولا يقطعه الا باستطرادات قليلة ذكر فيها اخبار الفتن ببلاد فارس[65]. وانظر ايضا نمطا آخر من وحدة الموضوع المتمثل باخبار قيام الدولة السلجوقية اذ يقول:« في هذه السنة- 432 – اشتد ملك السلطان طغرل بك…فنذكر اولا حال آبائه، ثم نذكر حاله كيف تقلّب حتى صار سلطانا، على اني قد ذكرت اكثر اخبارهم متقدمة على السنين، انما اوردناها هنا مجموعة لترد سياقا واحدا فهي احسن.»[66]وهناك الكثير الكثير من هذه النماذج التي تبرهن على تشديد ابن الاثير على وحدة الموضوع، ليعطي التأريخ توجها جديدا نحو تكامل الاخبار وشد اواصرها بعضها الى البعض الآخر، فاسحة في المجال لرؤئية اكثر وضوحا وشمولا للحوادث، وبالتالي يصبح التأريخ لمواضيع متعددة ومبعثرة جغرافياً غير مفتت بالمطلق بل يضيئ بعضه على البعض الآخر، ويوضحه احيانا، ما اعطى ابن الاثير فرادة بين معاصريه وسابقيه.

4 – مفهوم الخبر: واذا كان تفتيت الحوادث من سمات الخبر الاساسية، وكذلك استقلاله عن غيره استقلالا شبه تام، فان ابن الاثير تجاوز هذا المفهوم وارسى قواعد جديدة جعلت اخباره متدرجة يمهد بعضها للبعض الآخر، وباتت الروابط السببية اساسا للخبر من حيث هي فعل في ذاتها، وفي آن نتيجة لما سبقها، ممّا جعل الاخبار، وان كانت متباعدة، مترابطة من حيث اسبابها، وهذه بدورها تشكّل نتائج لأخبار لاحقة. فصار الخبر عنده مستقلا وفي آن يؤسس لما يرتبط به ايجابا او تداعيات[67]. وتتدرج اخباره احيانا بطريقة فذّة كما في هذه المقدمة:« وقد ذكرنا فيما تقدم تمكن اسماعيل بن ارسلانجق من البصرة ونواحيها، واقام بها عشر سنين نافذ الامر، وازداد قوة وتمكنا بالاختلاف الواقع بين السلاطين، واخذ الاموال السلطانية، وكان قد ارسل صدقة واظهر له انه في طاعته وموافقته. فلما استقر الامر للسلطان محمد اراد ان يرسل الى البصرة مقطعا يأخذها من اسماعيل، فخاطب صدقة في معناه، حتى اقرت البصرة عليه، فانفذ السلطان عميدا اليها ليتولى ما يتعلق بالسلطان هناك فمنعه اسماعيل…فامر السلطان صدقة بقصده واخذ البصرة منه عنوة.»[68] ان في هذا التدرج المنطقي تبريرا لأخذ البصرة، واختصارا لحوادث سابقة، وفي الوقت عينه مقدمة او مدخلا للحادثة المنوي ادراجها، وكأنك امام معادلة رياضية.

   ونجد عنده نمطا آخر من مفهوم الخبر مبنيا على الترابط الاسمي المتمم للعنوان الرئيسي منهجيا، وبتعبير ادق تصميما متكاملا يوضح كل عنوان، بالمساحة الاخبارية المخصصة له، جزءا من الخبر الرئيسي، وهو لا يفرّع الحادثة الرئيسية الى عناوين متعددة الا تبيانا لأهمية كل مقطع من جهة كونه يدور محوريا حول احدى شخصيات الخبر الاساسي، ولتأسيسه لما سيلي من جهة ثانية. وانظر هذا النموذج الرائع: ” ذكر ملك قلج ارسلان الموصل” وهو العنوان الرئيسي، واليك العناوين المتممة والتي تعتبر تصميما له:

  – ” ذكر قتل قلج ارسلان وملك جاولي الموصل”

-” ذكر حال جاولي مدة الحصار”

– ” ذكر اطلاق جاولي للقمص الفرنجي “

– ” ما جرى بين هذا القمص وبين صاحب انطاكيا”

– ” ذكر حال جاولي بعد اطلاق القمص “

– ” ذكر حال الحرب بين جاولي والفرنج “

 – ” ذكر عودة جاولي الى السلطان”.[69] 

   ان هذا الترابط بين الاحداث « مجموع خبر» غدا سمة « الكامل » ولا سيما كلما اقترب ابن الاثير من حوادث عصره وتخصيصاً الحوادث التي عاصرها، وبالتالي ما عاد الخبر معزولا عن ظروفه الاساسية حتى وان كان تاما بذاته، لأنه صار مربطتا سببيا بما سبق من جهة، ومؤسسا لما سيلحق من جهة ثانية الى ان تتم كليا دراسة الموضوع المتمحور حوله. والنماذج كثيرة جدا حول هذا المنهج، وسنكتفي بالاشارة الى بعضها فقط: فقد ربط هزيمة الفرنج وفتح صلاح الدين الايوبي لحارم بهزيمته بالبقيعة، وهذه الهزيمة نتجت عن استيلائه على قلعة بانياس[70].

   ويتضح هذا الترابط السببي بما سبقه، وتأسيسه لما سيليه بحديثه عن تولي صلاح الدين الايوبي الوزارة بمصر: فقد ادى مقتل شاور الى تولّي اسدين شيركوه الوزارة الفاطمية، ولكن وفاته بعد اشهر قليلة قدمت الوزارة لصلاح الدين الذي بواسطتها سيملك مصر[71]. وعلل اسباب هجوم محمود الغزنوي على بلاد الغور:« تجاور غزنة، وكان الغور يقطعون الطريق، ويخيفون السبيل، وبلادهم جبال وعرة، ومضايق غلقة كانوا يحتمون بها، ويعتصمون بصعوبة مسالكها، فلما كثر ذلك منهم…»[72] وذكر مثلا الاسباب الموجبة لقتل ناصر الدولة بن حمدان في مصر:« ونذكر هنا الاسباب الموجبة لقتله فانها تتبع بعضها بعضا، وفي حروب وتجارب…»[73] وانظر ايضا تعليله اسباب خروج التتار الى البلاد الاسلامية:« وقيل في سبب خروجهم الى بلاد الاسلام غير ذلك مما لا يذكر في بطون الدفاتر…»[74]

   ويرتبط بهذا المنهج تبريره مقتل احدى الشخصيات: فيستهل الكلام بتحديد السنة واليوم والشهر والسبب المباشر للقتل، ولا يكتفي بذلك بل يعود الى احداث سابقة يستل منها الاسباب بشكل متدرج رابطاً الدافع الرئيسي بالعوامل الصغرى باسلوب منطقي رائع. ويتضح هذا النمط كلما اقتربت الاحداث من عصره، ومن الامثلة الشديدة الوضوح على هذا النمط: مقتل ارسلان أرغون عام 490[75].

   وعلى هذا لم يعد التأريخ، كما في معظم روايات المؤرخين السابقين، سردا للاحداث، بل تعداها الى نوع من التعليل، بل احيانا تعليلا تاما. وبالتالي تحوّل الخبر من المفهوم الكلاسيكي الروائي الى نوع تحليلي عكس رؤية ابن الاثير الى التاريخ.

5– التراجم في « الكامل »

   لم يسر ابن الاثير على نمط واحد في كتابة تراجم الخلفاء والسلاطين والملوك والحكام والقادة، اذ ربط حجم الترجمة بمآثر الشخصية المترجم لها، وبالاتعاظ من التاريخ من جهة ثانية. كما انه يذكر حينا اسم الشخص، نسبه، كنيتها، ازواجه، اولاده، واسماء عماله حين وفاته، وما قيل فيه من شعر[76]، وحينا آخر يختصر بعض هذه الامور خصوصا بالنسبة للخلفاء او القادة او الوزراء ممن لم يتمتعوا بمآثر او بسيّئات، ويوجز سيرة آخرين ممن لم يجد عندهم حسنة واحدة تستحق الذكر كالمعتمد[77]، او كقوله في الامين:« ولم نجد في سيرته ما يستحسن ذكره من حلم او عدل او تجربة »[78]، وحينا آخر يتوسع بذكر مساوئهم جاعلا منها عظات للخلف او لمن يتعظ[79]. ويسهب بسِيَر من لهم مآثر وانجازات كبرى كالمنصور[80]. وان الملفت للأنتباه في هذا الصدد تركيزه على ذكر وصية المأمون كاملة لما فيها من عظات وحسن التدبير وبعد الرؤية[81]، وقد اختار منها امثالا (جمع مثل) اجتماعية[82]. وهو يشيد بسيرة جمال الدين وزير قطب الدين صاحب الموصل[83].هذه بعض النماذج من التراجم الكثيرة المنتشرة على صفحات « الكامل ».

    ونجد نوعين آخرين من طرق تدوين تراجم الخلفاء: السيرة المختصرة  لأنه توسع باخبار صاحبها في تأريخه لعصره، وتلك الموسعة التي لم يؤرّخ لصاحبها حوليا بل بصفة اجمالية شأن عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي[84].

   وتشكل التراجم عند ابن الاثير نقطة تحول مهمة على المستوى التأريخي لأنه جعل منها عظات للحكام على اختلاف مستوياتهم؛ آملاً التقيد بجيّدها وتجنب سيّئها، لأن في ذلك دفعا للحكام لكي يحسنوا ادارة شؤون الحكم، لترتفع كلمة المسلمين، ويتم التقيد بكتاب الله، فيرضى الله على المسلمين ويعضدهم. والتاريخ بنظره يتجاوز الاخبار والقصص، وهو كثير الفوائد، وعلى مستويين: دنيوي وأخروي:« لقد رأيت جماعة ممن يدعي المعرفة والدراية…يحتقر التواريخ ويزدريها…ظنا منه ان غاية فائدتها القصص والاخبار، ونهاية معرفتها الاحاديث والاسمار وهذه حال من اقتصر على القشر دون اللبّ نظره…ومن رزقه الله طبعا سليما وهداه صراطا مستقيما، علم ان فوائدها كثيرة، ومنافعها الدنيوية والاخروية جمّة غزيرة.»[85]

   وعلى ذلك كتب التراجم في « الكامل » واختار بعض الحوادث المؤذية وجعلها عظات لمن يتعظ كما في اخباره عن تعديات البريدي وجنده على الناس ببغداد التي بلغت حدا كبيرا جدا من الظلم، وقد علّق عليها بأسى قائلا :« وانما ذكرنا هذا الفصل ليعلم الظلمة ان اخبارهم تنتقل، وتبقى على وجه الدهر، فربما تركوا الظلم …»[86] ونجد الكثير الكثير من هذه التعليقات التي تؤيد غاية ابن الاثير من كتابة التاريخ وهو تصويب اخطاء الحكام.      

6– تعدد الروايات : امتازت معظم المصادر التي أخذ عنها ابن الاثير ولا سيما الطبري بتعدد الروايات، ممّا افقد السياق وحدته، فعمد مؤرخنا الى تجنّب هذا العيب الى حد بعيد ستخدماً النقد للبتّ بتعدد الروايات بعد ان تعمّق بمضمون الحوادث، فصار تأريخه شديد التماسك. ومع ذلك، يبدو انه لم يستطع القطع في صحة كل الروايات فاورد بعضها اما متمّمة للرواية الرئيسة او معارضة لها. فذكر الرواية الاساسية كاملة من دون استطرادات حتى نهايتها، ومن ثمّ علّق عليها باخرى مغايرة للأصلية على الاقل في قسمها الاخير ، انظر مثلا مراسلة الكوفيين للحسين بن علي وقتل مسلم بن عقيل[87].

7– موقفه من الزمن : أرّخ لسنوات من دون ان يذكر التواريخ باليوم والشهر والسنة، وتجلّى ذلك في الفترة الممتدة من العصر الراشدي وحتى اواخر العهد الاموي. وانظر نموذجا واضحا عن هذا الامر بتأريخه لصالح بن مرداس الذي بدأه سنة 402 وانهاه بعام 468 بحيث يكاد يغيب الزمن فيها[88]. ويتكرر الامر عينه باخبار الدولة العلوية بالاندلس[89].

8- عدالته: لقد انصف اشخاصا عديدين من مذاهب تغاير مذهبه، ممن اعتبرهم بعض المؤرخين اعداء للاسلام، او انهم اساءوا اليه؛ ففي حديثه عن الحسن الصباح تعتقد انه يمتدحه على رغم موقف ابن الاثير غير المؤيد للباطنية وخصوصا الفداوية منها:« كان رجلا شهما، كافيا، عالما بالهندسة والحساب والنجوم…»[90]وانظر ايضا تأريخه لسِيَر الخلفاء الفاطميين البارزين كالمعز لدين الله والعزيز بالله فقد قدّرهم وأجلّهم[91]. وانصف كثيرا الطالبيين والباطنية.

9– اختصار احداث بعض السنوات : لقد اختصر سنوات كثيرة بصفحة واحدة او أكثر بقليل ربما لأنه لم يجد فيها ما يستأهل التأريخ، فعهد المهدي العباسي الذي امتد عشر سنوات اوجزه ابن الاثير بصفحات معدودات، والشواهد كثيرة على هذا النمط.

10– الوفيات : يذكر في نهاية كل سنة ابرز الوفيات، ما كان يقطع سياق الحوادث احيانا.

   ان منهج ابن الاثير يجعل صاحبه من ابرز المؤرخين العرب والمسلمين، لما فيه من انماط مهدت الطريق، بل عبدتها للعديد من المؤرخين في القرون اللاحقة. واعطت المنهج الحولي ابعادا جديدة شدت اواصر الاحداث بعضها الى البعض الآخر. واذا كان تاريخه اقتصر عموما على الاحداث السياسية والعسكرية فهذا لا يمنعه من تبوّء مركز الصدارة بين مؤلفات مؤرخين كثر جاءوا بعده وما استطاعوا مجاراته.


[1]  – ابن الاثير ( علي بن محمد) ، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1979 ، ج1، ص 10

[2]  – ابن خلّكان ، وفيات الاعيان، 7/31

Rosenthal F, Ibn al Athir, EI2 , p746

[3] –  ابن خلكان، 7/31

[4] EI2, op. cit. p 746

[5]  – ابن خلكان، ج3، ص349

[6]– Rosenthal, op. cit. p 746

[7]  – مصطفى، التاريخ العربي، ج2، ص 115

[8]  – ابن خلكان، 3/348-349 

[9]  – مصطفى، التاريخ العربي، ج2، ص 114

[10]  -المرجع السابق، ص 116

[11]  –  انظر مثلا قصة موسى التي اورد فيها 61 آية قرآنية، الكامل، 1/169-199 ، وانظر ايضا ولادة المسيح وقد اورد فيها 13 آية، الكامل، 1/ 307-312

[12]  – نفسه، 1/413

[13] – المصدر عينه، 1/502_ 655 وغيرها

[14] – نفسه، 3/145-180

[15] –  نفسه، 5/60-66

[16] – نفسه، 5/9

[17]  – نفسه 6/ 161

[18] – نفسه، 6/295

[19] – الكامل، 6 /154-157

[20] – نفسه، 6/328-340

[21] – 8/243

[22] – 8/323

[23] – نفسه، 9/314-319

[24] – الكامل، 8/677-684 ، وايضا 9/269-292

[25]  – نفسه، 9/148-149 وانظر ايضا كل الجزء التاسع

[26] – نفسه، 10/272

[27]  – نفسه، 9/532-549

[28] – الكامل، 10/74-75

[29] – نفسه، 10/313-323

[30] – نفسه، 12/358

[31] – نفسه، 3/451

[32] – 5/558-559، 573-574

[33] – 9/419

[34] – 4/352

[35] – 4/416-418

[36]  – 9/613-614

[37] –  10/25-26

[38] – 10/50

[39] – 6/234-237

[40] -10/355-358

[41] – 10/151-155، 186-198

[42] – 1/415

[43] 1/419-420

[44] 4/496

[45]  – 5/271

[46] – 5/558-559

[47] – 1/6  انظر موقفه من الاتعاظ من التاريخ بتدوين سير الحكام من هذه الدراسة

[48] – مصطفى، 2/113

[49]  – الكامل، 1/3

[50] – الكامل، 3/443

[51] – 3/445

[52]  المكان عينه

[53] – 5/535

[54] – 11/110-11

[55] – 11/300

[56] – 11/306

[57]  11/402

[58] – 12/ 370

[59] – نفسه، 1/4

[60] -8/ 36-53

[61] – 10/620-622

[62] – 1/293-295

[63] – 3/91-93

[64] – 3/ 289-328

[65] – 4/211-254

[66] – 9/473

[67] – انظر مثلا: حرب الفرنجة والمصريين عام 498 ، 10/394 ، وايضا الحرب بين طغتكين والفرنجة، 10/399 ، والحرب بين عبادة وخفاجة، 10/400 والامثلة كثيرة جدا

[68] – 10/402

[69] – 10/426-466

[70] – 11/301-304

[71]  – 11/345-347

[72] – 9/221

[73] – 10/80

[74] – 12/362

[75] – 10/462-464

[76] – انظر مثلا سيرة عثمان بن عفان، 3/180- 190

[77] – 7/445

[78] – 6/295

[79] – كما في سيرة المأمون، وسيرة بختيار بن معز الدولة 8/576

[80] – 6/23-28

[81] – 6/428-431

[82] – 6/431- 439

[83] – 11/306-310

[84] – 9/314-319

[85] – 1/6

[86] – 8/382

[87] – 4/19 ، والرواية المعارضة 4/ 29

[88] – 9/227-234

[89] – 9/269-292

[90] – 11/335-336

[91]  – 8/497-499

محمد بن طولون (880-935/1476-1546

اولا: حياته ومؤلفاته:

1 – سيرته: هو محمد بن علي بن محمد بن خمارويه بن طولون الصالحي الدمشقي ولقبه شمس الدين. ولد بالصالحية في دمشق عام 880/1476، وابوه علي وامه ازدان الرومية، دوّن سيرة حياته في كتابه « الفلك المشحون في احوال ابن طولون»[1]ويرجع فيه نسبه الى جده الاعلى احمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية في مصر وبلاد الشام[2]. وتتباين آراء المؤرخين حول صحة نسبه، فأكّده الدكتور محمد مصطفى زيادة مستدلا من الكتابين الذين تركهما مؤرخنا:« العقود اللؤلؤية في الدولة الطولونية» و«حوار العيون في تاريخ ابن طولون»[3]، طبعا لم يقدم جديدا لأنه استند على المؤرخ نفسه الذي ينسب نفسه الى الطولونيين. وتوفيت والدته وهو بعد رضيع لا يقوى على المشي[4]، فعاش في كنف ابيه وعمّه المفتي، واخي جده لأمه برهان الدين بن قنديل[5]، فتربى في كنف اسرة ميسورة تعمل في التجارة، واشتهرت بتعاطيها العلوم ولا سيما الدينية؛ فعمّه جمال الدين يوسف بن طولون اتقن العلوم الدينية وتولى مناصب عديدة مهمة كالقضاء والإفتاء فقد شغل منصب مفتي دار العدل بدمشق[6].

    لعب عمّه دورا اساسيا بتوجيه حياته منذ نعومة اظفاره فادخله المدرسة الحاجبية، ثم نقله الى مسجد العساكر القريب من منزله. وابدى مؤرخنا نجابة ومحبة للعلوم اذ حفظ المختار في الفقه الحنفي، ثم المنار في اصول الفقه، فألفية ابن مالك، والمقدمة الجزرية في علم التجويد، والمقدمة الآجرومية في النحو وكتاب الحدود للأبدي[7]. ثم شرع يعرض السماعات على شيوخ عصره لكي يجيزوه[8]، كما عمد الى حفظ متون اكثر صعوبة ذكرها كلها مع اجازاتها في« الفلك المشحون»[9]. ولزم محمد بن ابي بكر المشهور بابن زريق عشر سنين قرأ عليه سبع مائة جزء من كتب الحديث الستة المشهورة[10].

   على الرغم من تولي مؤرخنا مناصب عالية، وحصوله على اجازات عديدة فان اهميته اشد ما تبدو في مؤلفاته العديدة في حقل التأريخ التي ناهزت 476 مؤلفا [11] بعضها لا يتجاوز الصفحات المعدودات.

2- مؤلفاته: قد تمكنت من الحصول على بعض مؤلفاته منها المنشور ومنها المخطوط، وسأذكرها تباعا:

« ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر» .

 حارات دمشق، نشره حبيب الزيات في مجلة المشرق عام 1937 ص 33-35، كما نشر احمد تيمور قسما آخر منه بعنوان « ربوة دمشق ومنتزهاتها وميدان القبق» في مجلة المجمع العلمي العربي، دمشق، عدد2، سنة 1922، ص147-152

مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، نشره محمد مصطفى زيادة في جزأين، القاهرة، 1962-1964

اعلام الورى بمن ولي نائبا من الاتراك بدمشق الشام الكبرى، حققه محمد احمد دهمان، دمشق، 1962-1964

قرّة العيون في اخبار باب جيرون، حققه صلاح الدين المنجد، دمشق، 1964

التمتع بالاقران بين تراجم الشيوخ والاقران، حققه صلاح الدين الشيباني الموصلي ضمن« الضرة المضية في الوصايا الحكمية » الذي لم يحقق بأكمله، دمشق، مطبعة الفردوس، 1986

ضرب الحوطة على جميع الغوطة، نشره محمد طلس في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، المجلد 21، آذار- نيسان 1946، وايار- حزيران 1946، ص 236-247، وتموز –آب 1946، ص 238-251

اللمعات البرقية في النكت التاريخية، نشرته مكتبة القدسي والبدير، دمشق، مطبعة الترقي، 1348ه.

نقد الطالب لزغل المناصب، حققه محمد احمد دهمان، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1992

القلائد الجوهرية بتاريخ الصالحية، حققه محمد احمد دهمان، قسمان، دمشق، 1949

فص الخواتم في ما قيل في الولائم، حققه نزار اباظة، دار الفكر، دمشق، 1983

الفلك المشحون في احوال ابن طولون، نشرته مكتبة القدسي والبدير، مطبعة الترقي، دمشق، 1348ه.

تبييض الطرس بما ورد في السمر ليالي العرس، نشرته مكتبة القدسي والبدير، دار الترقي، 1348ه.

ضوء السراج فيما قيل في النسّاج، وثيقة قدمتها ليلى صبّاغ الى المؤتمر الثاني لتاريخ بلاد الشام، ج1، 1978، ص 75-94

المعزّة فيما قيل في المزّة، حققه محمد عمر حمادة ونشره في « تاريخ المزة وآثاره »، دار قتيبة، دمشق، 1404/1983

الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء الشام، حققه صلاح الدين المنجد ، 1956

اعلام السائلين عن سيد المرسلين، نشره بدمشق حسام الدين القدسي.

وهناك عدد من مؤلفاته ما يزال مخطوطا وموجودا في مكتبة الظاهرية بدمشق، وينتظر همّة المؤرخين لكي يبصر النور ويوضع بتصرف الباحثين.

ثانيا: منهجهه

Iنظرته التاريخية:

    من العسير جدا دراسة كل مؤلفات محمد بن طولون في هذا الكتاب لأنها تقتضي أكثر من كتاب واحد لإيفائها حقها، فعمدت الى انتخاب بعضها كنماذج لمنهجه ونظرته التاريخية. فجاء التركيز على« مفاكهة الخلاّن» و« اعلام الورى» وبدرجة اقل على بعض من كتبه الاخرى التي لها صلة بالتاريخ الاجتماعي، متمّما ما افتقر اليه الكتابان الرئيسياّن، او بالحري تكاملاً لموقفه من التاريخ، ما جعل نظرته التاريخية تتفاوت بعض الشيء تبعا للموضوعات المبحوثة كالاوضاع السياسية والادارية خصوصا في دمشق،  ولكنها تتقاطع بوجه عام بالتركيز على التاريخ الاجتماعي.

1- موقفه من الاقتصاد: ونعني بالاقتصاد هنا كل ما له علاقة مباشرة باوضاع الناس الاقتصادية بما في ذلك الضرائب، وبات معروفا ان المماليك ابتدعوا انماط من الضرائب تحت عناوين متعددة لا تمت الى الشرع الاسلامي بصلة. واذا كانت هذه الانماط الضرائبية قد بدأت مع دولة المماليك الاتراك فانها تجاوزت كل حد، على ما ازعم، في عهد الدولة الجركسية لأسباب متنوعة؛ لأن هذه الدولة كانت تعاني عجزا ماليا مستمرا بفعل عدم الاستقرار الداخلي الناجم عن تدهور النظام العسكري المملوكي، بل عن فساده[12]. وهو أثّر ايضا على النظام الاقطاعي حتى كاد يفرغه من محتواه، بل من الاسس التي من اجلها وضع، فاصابه بدوره الفساد والانحطاط[13]. اضف الى ذلك الصراعات المستمرة بين فئات الاجناد، وصراع كبار الامراء شبه الدائم، وتقاعس الاجناد عن القيام بمهامهم، وهم طالما تمرّدوا بسبب تأخر جوامكهم. هذا فضلا عمما تطلّبته الحروب شبه الدائمة مع الامارت التركمانية المنتشرة على الاطراف الشمالية الشامية. وزاد في الامر سوءا بذخ المماليك المنقطع النظير. ان كل ذلك جعل بيت مال المماليك يشكو العجز الدائم، ودفع الحكام المماليك الى ابتداع اساليب ملتوية لاستخراج الاموال من الناس، ومن الاوقاف التي كانت قد زادت بشكل ملحوظ في تلك الفترة، ولم تسلم منها ايضا ممتلكات المساجد والمدارس والترب…

أ- المصادرات:  ولعلها ابرز مصادر الدخل غير المشروع، او ما يطلق عليه طرقا ملتوية، وقد تعددت اسماؤها، فهي حينا رميا، وحينا آخر طرحا، وثالثة احاطة على املاك فلان، وقد ذكرها كلها ابن طولون في اماكن متعددة من مؤلفاته ولا سيما في مفاكهة الخلاّن، وانتقد السلطات المملوكية على هذه الممارسات غير المشروعة.

   فكثيرا ما تعرضت المؤسسات الدينية والمدارس التي كان قضاة القضاة مسؤولين عنها لشتى انواع الضغوط كي يدفعوا عنها اموالا غير مبررة ، بل دون وجه حق[14]. وكانت تتم هذه المصادرات، بكل قحة، لصالح السلطان احيانا[15]، وليس من اجل اعداد الحملات العسكرية جريا على العادة او اي امر يتعلق بامن الدولة او لتأسيس مشروع اجتماعي.

ب موقفه من الرمي: ويندرج الرمي في الاطار عينه، وهو فرض مبلغ من المال على حارة من حارات دمشق لأسباب يجترحها نائب السلطان فيها او مساعدوه. وقد استمد المماليك هذه الضريبة غير الشرعية من اصول جاهلية فسّرها كيفيّا بعض رجال الدين تقرّبا من ارباب السلطة من دون ان يتلاءم التفسير مع اصول الفقه الاسلامي، محاولين تجاوزا ملاءمة الامر مع توجهات المذهب الحنفي من دون التقيّد بحذافيره؛ اذ كان يرمى مبلغ معين على احدى حارات دمشق ديّة لقتيل وجد فيها لم يعرف قاتله عملا بالمذهب الحنفي[16] لكي تعطى لأهله. ولكن المماليك تجاوزوا هذا التشريع بحيث كان يدفع قسم من الدية لأهل القتيل والقسم الآخر يذهب الى جيوب من فرضها[17]. وكانت تتحمّل الحارة ايضا الرمي لإعداد الحملات العسكرية[18]، او لدفع رواتب العامة من الناس ممن جُنّدوا كمشاة[19].

ج- موقفه من الطرح : اما الطرح فهو مصادرة سلع الناس قسرا باثمان بخسة ثم اعادة بيعها من التجار باسعار مرتفعة، او فرض سلع محددة صادرها رجال السلطة لصالح السلطان او نائبه او كبار الاداريين على التجار باسعار تفوق الاسعار الرائجة. وشمل الطرح انواع حيوانات النقل والاغنام والابقار، والحبوب على انواعها، والاقمشة[20].
   وكان مؤرخنا يوجه اللوم، بل يحمّل نائب دمشق والسلطان في القاهرة مغبة هذه التصرفات السيئة التي لا تمت الى اصول التشريع الاسلامي باية صلة، لأن من كان تُفرض عليهم هذه الضرائب كانوا يجهدون بدورهم لرفع الاسعار، واذا سُئلوا عن السبب اجابوا علينا مال نؤديه للسلطان، وبالتالي كانت ترتفع الاسعار.

د- موقفه من الغلاء: لم يسلم المسؤولون المماليك من سلاطة لسان ابن طولون بسبب موجات الغلاء غير المبرر معظمها لأنها كانت تطال حياة الناس بشكل مباشر، وتُضخّم جيوب التجار وأولي السلطة. ويرد اسباب الغلاء الى امرين على الاقل: سوء تصرف الحكام وجشعهم المنقطع النظير للمال، والعوامل الطبيعية كشح المطر، وكثافة الثلوج، والجفاف. وكانت عدالته تحتم عليه انصاف الحكام عندما يتدخلون لردع جشع التجار والامراء المتواطئين معهم. وهو يحدد الاصناف التي كان يصيبها الغلاء وتؤثّر مباشرة على حياة الناس: القمح،[21] والشعير،[22]الخبز ذاكرا انواعه ومحددا اسعاره[23]، وموضحا انه صار يباع بالاوقية بدلا من الرطل لشدة الطلب عليه ولندرة وجوده، ويوضح ايضا ان الخبازين عمدوا الى تصغير الارغفة طمعا بالكسب غير المشروع[24]، ولم يهمل ذكر تطور اسعار سلع اخرى مثل السكر،[25] والارز والدبس[26]، والبطيخ ، والعنب،  والدرانق، والزيت[27]، والسمسم[28]، والحلاوة[29]. ويركّز مؤرخنا على غلاء اللحوم ويرجع السبب الى العاملين الاساسيين المذكورين، اضافة الى عامل اضافي هو دخول حملة عسكرية الى دمشق اما لقمع تمرّد فيها، او للانطلاق الى مكان آخر، بحيث كان يعمد جنودها الى احتلال منازل الدمشقيين ونهب الاسواق[30]

 هالنوازل الطبيعية:  لا تقف رؤية ابن طولون الاجتماعية عند هذا الحد، بل نجده يضرع الى الله كي تخف النوازل الطبيعية رحمة بوضعي الدمشقيين الاجتماعي والاقتصادي. اذ كانت كثرة الامطار وازديادها عن المعدل العام تؤدّي الى تلف المحاصيل، وقل الامر عينه عن الثلوج، وقد فنّد مؤرخنا العامليين الطبيعيين من حيث مواعيد تساقطهما، شارحا تأثير تأخر هطول الامطار وتساقط الثلوج على حياة الناس[31]. ويلوم السلطة لتقاعسها عن تنظيف الانهار لأنها كانت تفيض وتدخل الى البيوت المحاذية وتتلف محتوياتها وتقتل حيواناتها، وتأتي على المزروعات ايضا[32]. وكانت العوامل الطبيعية ولا سيما البرد والصقيع يؤديان الى انتشار الامراض لا سيما المعدية كالطاعون[33]، والى فقدان الغلال.[34]

   ونلاحظ ان نظرته تركزت بشكل رئيسي على النواحي الاجتماعية والاقتصادية، وهي نظرة قلما نجدها عند مؤرخي العصور الوسطى. وربما ان هذا الامر تأتّى من منهجه المبني على تأريخ الحوادث يوميا[35]، ما جعله يعيش اوضاع الناس عن قرب من خلال مشاهداته اليومية. ومن خلال هذا التوجه نظر الى التجارة لا ليدرسها كموضوع قائم بذاته، انما من حيث ارتباطها بتوجهه الاجتماعي الاقتصادي العام. 

والتجارة : نجد لمحات تجارية وصناعية في مؤلفات ابن طولون، ما يعني انه لم يُعن بالامرين الا من حيث ارتباطهما بالحوادث العامة المتصلة اساسا بالسلطة، او بالغلاء عن طريق فرض الضرائب. من هذه الزاوية لم يؤرّخ للإقتصاد الدمشقي الصرف بل تناوله لمحات.

    ان التجار في عهده احتلوا مركزا مرموقا، ولكنهم لم يسلموا من عسف السلطة وتخصيصا التجار الاوروبيين، لأن نائب دمشق كان يستغل مركزه احيانا لمصادرة بعض بضائعهم، ثم يعود فيبيعها منهم باثمان مرتفعة، بمعنى كان يمارس عليهم عمليتي المصادرة والطرح[36]. ويذكر ابن طولون في سياق الاحداث بعض الخانات، والقيساريات[37]، والاسواق[38]، من دون ان يتحدث عن دورها واهميتها التجارية.

زالصناعة: لا تختلف رؤية ابن طولون الى الصناعة عن موقفه من التجارة، بحيث يمكننا التعرف من خلال سياق الحوادث على بعض الصناعات مثل النجارة، والنحاس المطعم بالذهب والفضة، والمطرزات وبعض المنسوجات، وبعض الصناعات المعدنية، ولوازم الخيل[39].

   وعليه، يمكن اعتبار رؤية ابن طولون الى التاريخ نظرة الى الاوضاع الاقتصادية التي كانت تؤثّر على احوال الناس الاجتماعية، وقد هدف من خلالها الى توجيه اللوم الى السلطة المملوكية المتقاعسة عن واجباتها تجاه رعاياها، موجّها اليها نقدا لاذعا احيانا. ونظرته الى التاريخ تتكامل بموقفه من المجتمع المملوكي من حيث تركيبه وعلاقة افراده بعضهم بالبعض الآخر، وقد تكون فرادته التأريخية تأتت من تركيزه على المجتمع المدني.

2- المجتمع الدمشقي: لم يقصد ابن طولون الدخول الى تركيب بنية المجتمع الدمشقي والكلام عن خاصات كل فئة من فئاته الاجتماعية، او لم تكن تلك غايته، لأنه تحدث عن المجتمع عشوائيا وبشكل اجمالي من خلال تدوينه يومياته من جهة، ومن خلال بعض كتاباته المتخصصة بناحية معينة من جهة ثانية مثل القلائد الجوهرية، ونقد الطالب لزغل المناصب… التي تحدث بها عن رجال الدين اجمالا[40]. ومع ذلك يمكننا من خلالها تحديد التفرعات او البنى الاجتماعية الدمشقية.

21– المجتمع المدني: وتألف هذا المجتمع، تبعا لأبن طولون، من : رجال الدين على اختلاف الديانات والمذاهب، ومن العامة، والزعر. واستكمالا لرؤيته الاجتماعية يتحدث في سياق يومياته عن المفاسد الاجتماعية وما يناسبها من عقوبات، بل ما كان يفرض من عقوبة على كل ذنب، فضلا عن بعض المظاهر الاجتماعية التي سترد في موضعها المناسب.

أ- رجال الدين المسلمون: جاء موقفه منهم من خلال الحديث عن اخباره العامة، بل عن يومياته في « مفاكهة الخلان» وتراجمه في «اعلام الورى» اضافة الى ما ورد في كتبه المتخصصة مثل « نقد الطالب لزغل المناصب»…

   نظر الى رجال الدين نظرتين: ايجابية، وسلبية. اما الايجابية فتتمثّل بارشاد الناس الى الصراط المستقيم، ومحاولة تقويم الاعوجاج في المجتمع[41]، وكانت الصوفية بنظره شديدة الورع والتفقه بالعلوم، واظهر تعلّق الناس بهم[42]، كما تناول المذاهب الاسلامية الاخرى ووظائف العلماء[43]. وفي السياق الايجابي يبرز دور رجال الدين في مؤازرة العامة ضد طغيان السلطة، واستجاباتهم لإستغاثات العامة الدمشقية[44]. وتتناول السلبيات بعض رجال الدين ممن صب جام غضبه عليهم لجهلهم وغيّهم، فابرزسلبياتهم وانتقدها وحدّد مسببيها « مثيري فتن على غير فقه شرعي» لأنهم برأيه اجازوا لبعض الزعر بقتل بعض اعوان الظالمين، فصار كل من رغب بقتل شخص ما يدفع مالا للزعر فيقتلونه، فذهب ابرياء كثر ضحية هذه الفتوة الجاهلة[45]. يدرج ابن طولون بعض القضاة بالاطار السلبي ممن لا يتّصفون بعلو المنزلة الدينية والخلقية مقارنا بينهم وبين منزلة القضاة الحقيقيين بنظره ممن يتصفون بالاخلاق الحميدة والنفس العفيفة، وعلو الهمة، والتفقه العالي بالعلوم. ويحث الأُول على ممارسة اعمالهم بصدق ونزاهة[46]، مبرزا قدرات القاضي الذهنية، والمهام التي من اجلها وجد النظام القضائي[47]. ويصب جام غضبه على فساد النظام القضائي ولا سيما انتشار الرشوة بين العديد من اعضائه[48]، حتى ان بعض القضاة بنظره ما كانوا اهلا لمناصبهم لأنهم لم يتثقفوا بالعلوم الدينية والفقهية بشكل صحيح، وصار يُستبدل القضاة برشوة[49]، حتى صارت المناصب القضائية تشرى بالمزاد[50]، ما دفع بعض القضاة لأن يتصارعوا، بكل قحة، على اختلاس اموال الناس، ويصدرون احكاما ثم يتراجعون عنها بشفاعة النافذين[51]، وصار لبعضهم، بسبب سوء سلوكه، احتكارات في سوق البازورية[52].

   لم يكن حال جميع القضاة على هذا النحو بل مارس بعضهم اعمالهم بنزاهة وعدل ليس القضائية فحسب بل الاخرى- ومن خلالها يمكننا التعرف على الوظائف الديوانية التي كانت موكلة الى القضاة- كالتدريس، والافتاء لا سيما مفتي دار العدل، والوعظ، والارشاد، ووظائف النظار: الجيش، والجوالي، ووكالة بيت المال، والبيمارستان[53]، ما فتح آفاقا للناس المظلومين والمقهورين فتعلقوا بهم واستبشروا خيرا[54].

    اضافة الى الوظائف التي ذكرناها يتحدث ابن طولون عن وظائف اخرى تولاها كبار رجال الدين مثل نقابة الاشراف[55]. وهم كانوا قيمين على اوقاف المدارس والمساجد، فضلا عن الوقفيات الذرية. وقد ذكر مؤرخنا بعض الوقفيات فامدنا بمعلومات قيمة جدا عن الاوضاع الاجتماعية والرواتب والمهام الادارية التي كانت توكل للقيمين على الاوقاف على اختلاف مستوياتهم، وعن الاهداف السامية للوقفيات عموما، وتلك التي تمّ التلاعب او التحايل على الشرع من خلالها ليصار الى توريثها.[56]

  بالعامة الدمشقية: تألفت العامة الدمشقية تبعا لابن طولون من اصحاب الحوانيت، والباعة المتجولين، وباعة المفرّق، والعمال كالنجارين والبنائين، والحرفيين، وضمّت اصحاب الصفقات المشبوهة والمخادعين والسماسرة، وتجار النخاسة، وبائعي الخمور، والقصابين، واصحاب بيوت الدعارة واصحاب المهن الوضيعة.

    وهكذا تجانس العامة من حيث العمل الذي يؤدونه؛ فلم يكن ممنوعا على الذميين ممارسة اي مهنة يمارسها المسلمون، فامتلك المسيحيون محلات كثيرة غصّت بمختلف انواع الملابس والاواني النحاسية وغيرها[57]. وتساوى جميع العامة بنسبة الضرائب المفروضة عليهم وتذمّروا جميعهم منها، وكانت لكل حرفة نقابة ان جاز التعبير يرأسها شيخ. والاحياء انتظمت وحدات اجتماعية وفق ترتيب عائلي. ويمكننا من خلال مؤلفات ابن طولون تتبع المهن وعلاقات الافراد بعضهم بالبعض الاخر، بل علاقات الجماعات فيما بينها، وهي لعمري خاصات لا نجدها في مؤلفات معاصرة له ولا سابقة عليه، ما يعطيه رؤية فريدة للتاريخ الاجتماعي.

جاهل الذمة: كان موقف ابن طولون من اهل الذمة عادلا عموما اذ تناول اوضاعهم كما شاهدها في يومياته، ولم يعتبرهم طارئين على المجتمع الدمشقي بل من صلبه. ويمكننا من خلال كتاباته التعرف على احيائهم الخاصة[58]، وطرق عيشهم، ومعاملة السلطة لهم؛ كانت الجزية إلزامية عليهم وينتقد طريقة جبايتها احيانا، ويقول:« يجب ان تؤخذ بالمعروف»، ويتحدث عن منشور سلطاني يطلب ممن ظلم من الذميين التوجه الى الابواب السلطانية [59]. ويذكر ايضا تعرضهم الى إلزامية التقيد بالشروط العمرية احيانا وطرق تنفيذها[60]، ويقول اذا جلس احدهم في حانوت يحفر له حفرة ولا يصدّر[61]. وهو يأسف للمضايقات التي مارسها الدمشقيون احيانا ضد اليهود التي وصل بعضها الى حد الشتم والضرب[62]. وفي الاطار عينه يتحدث عمن اسلم من اليهود لأسباب غير ايمانية والظروف التي دعتهم الى ذلك[63]. ولم يُمنع اليهود من حقهم بممارسة الصلاة فكان لهم كنيس في قرية جوبر قرب دمشق[64]. ويتحدث عن الوظائف التي تسنّموها بما فيها تلك التي كانت حكرا على المسلمين مثل دار الضرب[65]، ومارسوا حياتهم الاقتصادية ككل الدمشقيين فكانت لهم محالهم التجارية الغاصة بالملابس.[66] ولا نجد تفاصيل عنده عن المسيحيين ولا عن رجال الدين المسيحيين واليهود ربما لأنه لم يقصد الحديث عن كل فئة من فئات المجتمع الدمشقي.      

دالذعر : كثر المعدمون في دمشق على عهد ابن طولون، ومرد ذلك الى ظلم السلطة والى الاوضاع الاقتصادية السيئة المتراكمة عبر العصور، وقد يكون ان تردّت كثيرا على عهد الدولة المملوكية الثانية او الجركسية. وقد تالف الزعر اجمالا من الشطار ( سليلي العيارين والاحداث على الارجح )، والبلاصين، والغوغاء، والاوباش والحرامية (غير اللصوص المحترفين)، والاوغاد ومن شابههم[67]. ويعتقد مؤرخنا ان بعضهم كانوا دخلاء على دمشق اذ لجأوا اليها على اثر الغزو المغولي للعراق وما جاوره[68]. وانشأ الزعر حارات خاصة بهم في عدد من احياء دمشق[69]، وكانت كناية عن مجمعات بؤس تفتقر الى الحد الادنى من الشروط الصحية. وساهم الزعر بازدياد الازمة الاقتصادية وبتدهور الاوضاع الاجتماعية لأنهم عزفوا عن ممارسة الاعمال الشريفة. وكوّنوا خلايا خاصة بهم كل خلية في احدى الحارات يتزعمها كبير زعر محلته، واتخذ كل واحد منهم لقبا تباهى به[70]. ويحدثنا عن لباس الزعر المتميز عن لباس بقية الناس ليمكنهم من اخفاء الاسلحة التي يحملونها[71].

    ولايهمل الحديث عن موارد رزق الزعر، فقد ملك بعضهم الحوانيت، وفي هذه الحال فرضوا سطوتهم على بقية حوانيت المحلة بحيث كانوا يقيمون فيها من يبيع لحسابهم وباسعار مرتفعة نسبيا حتى ينصرف الزبائن الى محلات الزعر التي تبيع باسعار ادنى، وفرضوا الاتاوات على المحال المجاورة، واحيانا على كامل محال السوق او المحلة[72]. ومن المفارقات الغريبة ان السلطة الحاكمة كانت تشجّع الزعر على المضي بغيّهم، وهذا الامر كان يضير ابن طولون كثيرا. حتى ان نائب السلطان في المدينة وكبار موظفيها كانوا يحضرون العروض التي كان يقيمها الزعر ويخلعون الخلع على اكابرهم[73]. وكانوا يستقبلون نائب المدينة الجديد بكامل عدتهم العسكرية[74]. هذه الاعمال كانت تؤذي ابن طولون كثيرا وتدفعه للإستهجان، ولكن الذي لم يقبله ابدا هو تسويغ بعض الفقهاء للزعر قتل اعوان الظلم ما ادى الى قتل عدد كبير من الابرياء [75]. والافدح من ذلك، وتحت ستار هذه الفتوى صاروا يخرجون باسلحتهم ويسطون على اعمال الناس ومن امتنع عليهم قتلوه باسم الدفاع عن مساوئ المجتمع[76]. واذا تجرأ احد وشكا امرهم للسلطان كان يدفع حياته ثمنا بحيث كثرت كمائنهم واغتيالاتهم[77].

هالمفاسد الاجتماعية: يبدو ان المفاسد الاجتماعية استشرت في عصر ابن طولون بسبب التركيب الاجتماعي الآخذ بشد الفئات الاجتماعية نحو القاعدة، لأن المجتمع المملوكي كان مغلقا، اذ نادرا ما تمكن افراد فئة ما اختراق حواجز الفئة التي تعلوها، بل العكس كان صحيحا. وبالتالي فان الفقر وسوء تصرف السلطة كانا يؤديان الى مشاكل اجتماعية متعددة لم يغفل عنها ابن طولون، ولعل ابرزها:

* – الدعارة: كانت الدعارة منظمة ولها بيوت مرخصة، وتدر اموالا طائلة لمن اقطعت لهم. وكان بعضهم يمارس الدعارة والتحشيش معا، وقد تفنن مروجو الحشيش بابتداع انواعه كمزجه بالحلويات مثلا[78]. وما كانت الدعارة مقتصرة على النساء بل كان يتم اغتصاب المردان، واحيانا كان يصار الى قتلهم بعداغتصابهم[79].

* شرب الخمر: انتشر شرب الخمر انتشارا واسعا من دون مراعاة شعور الناس، اذ كان بعض الموظفين يشرب الخمر علانية في شهر رمضان احيانا[80]. ويثور مؤرخنا على نواب السلطان الذين كانوا اما يضمنون الخمّارات او يحمونها[81]، ويفنّد مساوئ الخمر وينهي عنه[82].

* الجرائم: كانت تسود مجتمع ابن طولون انواع الجرائم، فقد اتخذ موقفا معاديا منها  بعد ان فنّد انواعها. وكان ينهى عنها ويلوم ارباب السلطة المتقاعسين عن ردع المجرمين[83].

* السرقات: استشرت السرقات واشتدت وطأتها بسبب الفقر، وسوء تدبير نواب دمشق ومساعديهم، وازدياد عدد منظمات الزعر، وكثرة الحرامية واللصوص، فعمدت الحارات الى تحصين احيائها ضد الجريمة[84]. واقتضت تلك الجرائم البشعة عقوبات لردع المعتدين وحماية المجتمع، او على الاقل للتقليل من انتشارها. وقد وصف لنا ابن طولون انواع العقوبات وطريقة تنفيذها بدقة متناهية، وتأسّف على من كانت تنفّذ به ليس اسفا على اعماله الشنيعة، بل لوحشية بعض العقوبات التي تخطت حدود الشرع، ولعل ابرزها: الصلب[85]، والشنق[86]، والتوسيط[87]، وضرب الاعناق[88]، والخوزقة[89]، والتسمير[90]، والتجريس[91]. ويحدثنا في مؤلفاته عن عقوبات اخرى مثل قطع الايدي والارجل، والاخصاء، والاغراق بالانهر، والسلخ، والرجم…[92]

 و-  شؤون اجتماعية اخرى :لم يركز مؤرخنا على الجوانب الاجتماعية السيئة وحدها، بل تناول معظم الشؤون الاجتماعية بما فيها الايجابية، ومنها:

* – الطلاق والزواج: هي علاقات تطال كل الناس، فحدثنا عن عقود الزواج وانواعها، واعمار الفتيات في سن الزواج، ووصف الاعراس[93]. وتعرّض باطار المشاكل الزوجية الى الطلاق معللاً اسبابه[94].

قافلة الحج: ان الحج برأيه يتمّم الدين، لذلك وصف محمل الحج والاستعداد للسفر، وما كان يصيب الناس جراء فرض الاموال عليهم وجبايتها منهم قسرا لصالح امير الحج[95]. ويصف ايضا المصاعب المتنوعة التي كانت تصيب القافلة[96]، والنشاط الصناعي الذي كانت تحدثه تلبية لمتطلبات الحجيج[97].

* زينة دمشق: ما كانت المدينة تزيّن الا بمرسوم سلطاني شريف، وتنوعت دواعي زينتها: مجيء قاصد سلطاني، او اعتلاء سلطان جديد العرش، او تعيين نائب جديد للمدينة، واحتفالاً بانتصار المماليك على اعدائهم[98]. ويأسف ابن طولون لما كان يرافق عملية تزيين المدينة من اعمال نهب وسرقة، وحرائق، وامور شنيعة بل فاسدة، اضافة الى الغرامات التي كانت تفرض على الاسواق للمساهمة في تكاليف الزينة[99].

* الاعياد: شكّلت الاعياد مظاهر اجتماعية واضحة في المجتمع الدمشقي وتحدث ابن طولون عنها وعن احتفالات الدمشقيين بها في بعض مؤلفاته، من هذه الاعياد: المولد النبوي[100]، وعيدي الفطر والاضحى[101]، واحتفلوا باعياد غير دينية مثل: بعد هطول الثلج[102]، وخميس الحلاوة وخميس البيض[103]، عيد الزبيب[104]… 

    على هذا النحو كان المجتمع المدني الدمشقي من منظار ابن طولون، ولكن نظرته التاريخية الاجتماعية هذه تكاملت بالحديث عن القسم الثاني من المجتمع عنيت به المجتمع العسكري او الفئة ( الطبقة) العسكرية الحاكمة لأنها بممارساتها اثّرت على تطور الاحداث كلها.      

22 –المجتمع العسكري: يمكن من خلال مؤلفات ابن طولون التعرف على افراد الطبقة العسكرية الدمشقية ومراكزهم ورتبهم ومسؤولياتهم وسلوكهم تجاه الناس، كما على قسم كبير من الجسم الاداري في القاهرة.

الوظائف العسكرية بدمشق: وردت متفرقة في مؤلفاته وتبعا لعلاقة احد اصحاب الوظائف بالحوادث، ومن دون ان يقصد الكلام على الوضعين الاداري والعسكري الدمشقيين، ولعل ابرز الوظائف ومهام اصحابهاهي: نائب السلطان، ونائب القلعة[105]، الحاجب الكبير مع ذكر صلاحياته[106]، النائب الكبير ويكون عادة حاجبا[107]، الامراء الكبار وهم عادة اربعة من مقدمي ألاوف[108]، حاجب الحجاب[109]، اتابك العسكر وهو مقدم ألف[110]، واستدار النائب[111]

الامراء والاجناد: ذكر ابن طولون في اماكن متفرقة من مؤلفاته الامراء والاجناد مثل: مقدمي الالوف مع ذكر اقطاعاتهم بدمشق احيانا[112]، امراء الطبلخاناه[113]، المماليك السلطانية[114]، العبيد البارودية اي الذين يستخدمون البنادق مشاة بين يدي نائب السلطان[115]

العلاقات في ما بين افراد الطبقة العسكرية الحاكمة: ان سوء تدبير نائب دمشق احيانا، ونظام الجاسوسية الذي افرزه النظام العسكري المملوكي لكي يتجسس افراده بعضهم على البعض الآخر، كي يأمن السلطان ولاء نائب دمشق. ان كل ذلك عقّد النظام الاداري المملوكي، وجعل مسؤوليات افراده تتضارب، وكانت تؤدي باستمرار الى صراعات غير منتهية فيما بينهم، وتنعكس سلبا على الاوضاع الاقتصادية والحياة الاجتماعية الدمشقية. وقد يكون تعدي المماليك الجلبان ابّان خروجهم من القاهرة بحملة عسكرية وحلولهم بدمشق، قد يكون الاسوأ اذ كانوا يمارسون فسادا خلقيا بربرياعلى حد تعبير مؤرخنا[116] مثل لواط الاولاد وخطفهم وخطف النساء والتعدي عليهن[117]، وافساد البساتين بترك خيولهم ترعى فيها[118]، وانتزاع ابواب وشبابيك المنازل واستعمالها حطبا[119].

   هذه التعديات والصراعات بين فئات المماليك اضافة الى تعديات الزعر غير المنتهية كانت تؤدي الى نتائج مدمّرة على كل المستويات البشرية والاقتصادية والاجتماعية[120]. وجاءت ردات فعل الدمشقيين عليها عنيفة احيانا، وباساليب متنوعة: الثورة ومهاجمة النائب ومساعديه[121]، والتكبير في المساجد والجوامع[122]، والتجمّع امام المساجد[123]، او النزول بالاعلام الى الشوارع[124].

   كانت هذه الممارسات تؤّدي الى تصلب رجال السلطة وتسلطهم معظم الاحيان، فيقبضون على المحرّضين، ما يستدعي تدخّل رجال الدين لإطلاق سراح المعتقلين بعدة اساليب[125].

23- العلاقات الخارجية: لم يغفل ابن طولون عن التحديات المصيرية التي واجهت دولة المماليك منذ اواسط القرن التاسع/ الخامس عشر التي تمثّلت بتدخل الدولة العثمانية بالشؤون الداخلية المملوكية عن طريق تحريض الامارات التركمانية المنتشرة على الحدود الشمالية المملوكية للثورة على المماليك. فتحدث عن الحملات المملوكية ضد تلك الامارات والعثمانيين معا[126]، وعن تأثيرها على الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية على الدمشقيين[127]. وهذه العلاقات ادت بالنهاية الى الصراع المدمر بين العثمانيين والمماليك الذي انتهى بزوال دولة المماليك.

III-طريقة المعالجة:

1-المصادر: من العسير معالجة منهج ابن طولون في كل مؤلفاته لأنها مجموعة ضخمة جدا وبعضها ما يزال مخطوطا، وسأكتفي بنموذجين منها: مفاكهة الخلان، واعلام الورى لأنهما يمثّلان نموذجين رئيسين في منهجه وواحدهما يكمّل الاخر للتشابه بين موضوعاتهما، ومن جهة ثانية لأن مفاكهة الخلاّن تأريخ حولي مبني على اليوميات، والثاني تراجم. ففي الاول تنعدم المصادر لأن مؤرخنا كان شاهد عيان على الاحداث، ودوّنها بطريقة اليوميات وقد يكون رائد هذا المنهج. اما في الثاني فيذكر بوضوح وجلاء الاشخاص الذين اخذ عنهم، ولعلّ ابرزهم: تقي الدين الاسدي[128]، السيد الحسيني[129]، ابن حجر العسقلاني[130]، والذهبي[131]، وشمس الدين الزملكاني الذي اعتمد عليه كثيرا بحيث ان معظم معلوماته استمدها منه[132]،  وعندما كان يلاحظ انها غير وافية اتمّها من «ذيل السيد الحسيني» . ومن شدة اعجابه بالزملكاني ذيّل اعلام الورى على كتابه[133]

2-التراجم، وعهود نواب الشام: دوّن اعلام الورى كما اسلفت وفقا لمنهج التراجم، من دون ان يسير على خطة واحدة في كل الترجمات، فبعضها بالنسبة اليه لم يكن ذا اهمية كبرى خصوصا المتعلقة بالنواب السابقين على عصره، وتحديدا في الفترة الممتدة منذ بداية العهد المملوكي وحتى سنة 865/1462 بحيث جاءت تراجم بعض النواب في سطر او سطرين[134]، وبعضها الآخر في عدة اسطر[135]. وتنعدم الترجمات الموجزة بعد ذلك اعتقادا منه ان ذكر الحوادث مفّصلة في عهد كل نائب يغني عن الترجمة الموجزة، وبالتالي صار يؤرّخ لعصره على اساس عهود نواب دمشق المرتبطين بعهد السلطان.[136] فصار عهد السلطان يشكّل مفصلاً تاريخياً بارزاً، ونوّاب السلطان في دمشق يشكلون محورا رئيسا فيها يدور في فلك السلطان وفي آن يطغون عليه كليا بالنسبة للاحداث الدمشقية. ما يعني ان الشخصية الرئيسة صارت المحور الاساسي وتدور حولها مجموعة كبيرة من جزئيات الاحداث. وبتعبير اوضح فان الحدث في هذه العهود ليس تاما بذاته، بل شبه خبر لسببين على الاقل؛ لأنه خبر لما جرى في اليوم الواحد متلازما مع عدد وافر من جزئيات الاحداث شديدة الاختصار لا ارتباط بينها، وكأنها يوميات لا لحمة اجمالا بين مجريات حوادثها، بل تتناول مواضيع متنوعة لا يشدّها الى بعضها موضوع رئيسي، فجاءت اخبارا مفككة لا تعكس رؤية واضحة للشخصية المحورية. ومن النماذج على هذا المنهج ماذكره في ترجمة سودون العجمي:« وفي اليوم المذكور دخل من مصر الى دمشق الامير قلج متسلم دمشق لنائب الشام الجديد سودون العجمي المصري امير مجلس بمصر. وشاع في هذه الايام بدمشق ان سيباي نائب حلب عرض عسكره…وشاع بدمشق ايضا عصيان نائب طرابلس…وشاع ايضا عصيان نائب حماه دولة باي.

    وفي يوم الخميس ثامن عشر جمادى المذكور ورد مرسوم سلطاني الى دمشق بتحليف الامراء بقلعة دمشق…»[137]

 3- التأريخ الحولي: وقد اعتمد في منهجه على التأريخ الحولي المبني على يوميات مختارة توافق رؤيته كمؤرخ اجتماعي، راسما لنفسه منهجا خاصا اعتمده ايضا في مفاكهة الخلاّن.

   ان التأريخ الحولي الموزع على الايام والشهور يبدو واضحا في مفاكهة الخلاّن ولا يختلف كثيرا عن منهج اعلام الورى من حيث مضمون الاخبار وتبعثرها، بل ان الحدث الذي يجاوز اليوم نجده غير تام في مكانه، اذ يقطعه مؤرخنا ليروي احداثا اخرى شديدة الاختصار وفاء ليومياته، ليعود ويكمله في المكان المناسب ولو اضطر لقطعه مرات عدة[138].

   نجد اخبار بعض السنوات لا يجاوز الصفحة الواحدة[139]، وبعضها الآخر يقتصر على صفحات عدة[140] تتخلّلها احيانا اخبار من مناطق اخرى كمصر[141]، او نيابات شامية[142].

   كلما استهلت سنة في مفاكهة الخلان كان يذكر اسم السلطان، واسماء نائب دمشق وارباب الوظائف العسكرية والدينية فيها[143]. اما في اعلام الورى فيذكر حين اعتلاء النائب منصبه في دمشق العادات المتبعة في تقليده، ويحدد مكان اقامته، ومبايعة القضاة له، ونوعية الخلع التي كان يقدمها لأرباب الدولة خصوصا اصحاب الوظائف الدينية[144] . وبالتالي يكون ابن طولون قد اختط لنفسه منهاجا خاصا، وهو وان بني على بعض ميزات التأريخ العام في العصور الوسطى فانه جاء نابضا بالحيوية.

ثالثا: قيمة ابن طولون: يمكننا الخلوص من خلال مؤلفات ان طولون بالملحوظات التالية:

1- المؤرخ الاجتماعي: تفّرد محمد بن طولون بين معظم المؤرخين المعاصرين له والسابقين عليه بالتركيز على التاريخ الاجتماعي، حتى بات دارس مؤلفاته يشعر بنبضات المجتع بين دفتي كل كتاب من مؤلفاته العديدة. فقد طرح مشكلة الزعر ليس كفئة اجتماعية عاشت داخل المجتمع وخارجه في آن، على الرغم من ان المؤرخين لم يحسبوهم من ضمن فئات المجتمع المملوكي[145] بل جعلوهم عالة على الفئات المكوّنة له، حتى انهم لم يصنّفوهم من بين فئات سواد العامة. في حين ان ابن طولون جعلنا ندرك انهم نحوا باتجاهين لتحقيق مكاسب شخصية: فلم يكن صراعهم فيما بينهم الا احلالاً لزعامة احدهم او توكيدا لها، وبالتالي فان هذه الصراعات كانت تشبه في مضمونها العام ومن حيث توجّهها ما كان يتصارع عليه افراد الفئات الاجتماعية الاخرى او على الاقل قادتها. وصراعاتهم تلك كانت تجرّ ويلات على حاراتهم والمناطق المحيطة بها، تماما كما كان يحصل نتيجة للصراع بين افراد الطبقة العسكرية الحاكمة. وسلكوا من جهة ثانية طريق الجريمة واللصوصية لتأمين معاشهم حتى صاروا اعداء للناس واعداء للسلطة احياناً. وهذا السلوك يشابه بعض الاساليب التي اعتمدت عليها الطبقة العسكرية الحاكمة بفارق انها جعلت ممارساتها شرعية في حين ان تصرّفات الزعر بدت خارجة على الشرع والقانون. ولكن ومع ذلك جعلنا مؤرخنا ندرك ان نتائج ممارسات السلطة بدت في مفاكهة الخلان واعلام الورى شبيهة بنتائج اعمال الزعر من حيث عداء الناس لها، كما لم يكن صراع الزعر مع السلطة سوى انجراف مع التيار الشعبي العام الناقم على ممارساتها غير الانسانية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. لم يتصرف الزعر على وتيرة واحدة اذ ناهضوا السلطة الحاكمة حينا، وآزروها حينا آخر جريا وراء مصالحهم، وبالتالي سقطت قيمتهم الاجتماعية كقوّة مؤثّرة في ايجابية احداث المجتمع.

    وجاء تصويره القاتم للعهد المملوكي وبخاصة الجركسي هادفا الى ارشاد الحكام الى السبل الآيلة الى تقويم المجتمع واصلاح الراعي والرعية على حد سواء، ولكي يعتبر الخلف من السلف.

2- الادارة: لم يدرس الادارة كموضوع قائم بذاته، بل جاء كلامه عليها تبعا لما تقتضيه حوادثه اليومية. ومع ذلك فاننا نجد في كتبه بعضا من مؤلفات العمري، والنويري، والمقريزي، والقلقشندي، وخليل بن شاهين الظاهري، والخالدي وغيرهم من منظّري الادارة المملوكية مع فارق اساسي وهو ان ابن طولون تحدث عن الجانب التطبيقي للنواحي الادارية باظهاره ممارسات ارباب السلطة ومعاونيهم، وهي لعمري خاصة شديدة الاهمية لأن النظري لم يحترم احيانا كثيرة وظلّ فارغ المضمون، ما جعل معلومات ابن طولون الادارية أكثر واقعية.

3 – الخطط: يمكننا اجمالا من خلال اخباره اليومية اعادة تخطيط مدينة دمشق باسواقها، وابوابها، وحاراتها، ومساجدها، وجوامعها، ومنتزهاتها، ومبانيها الحكومية، وما اصاب بعضها من تدمير، وما اضيف اليها من ربض وغير ذلك من المعلومات الطبوغرافية…

4 رجال الدين: نال رجال الدين حيزا واسعا في مؤلفات ابن طولون، واعتبرهم ضابطي الاخلاق في المجتمع الاسلامي عامة والمملوكي خاصة. فابرز الفاسدين منهم بخاصة قضاة القضاة، والقضاة ايضا. ومعلوماته تكمل ما ورد عند البصروي في تاريخه، والمقريزي في السلوك وغيرهما من مؤرخي العهد المملوكي. ولم تكن قساوته شديدة على بعض رجال الدين الاّ لأنه رجل دين ويعرف مدى فاعلية اضطلاع رجال الدين بمسؤولياتهم في تصويب المسارات في الحياة عامة.

5- التاريخ العام: لا تقل مؤلفاته، في هذا الاطار، قيمة عن مؤلفات العصر المملوكي منهجا ومضمونا، وقد يكون فاق معاصريه وسابقيه من حيث المعلومات الاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بمدينة دمشق. وهو يمدنا بمعلومات فريدة عمّا اصاب المدينة على يد العثمانيين اثر سقوط المماليك في مرج دابق عام 1516، وعن سياسة العثمانيين فيها. واذا كان لا يجاري ابن اياس من حيث التفصيل، وهما شاهدا عيان على اواخر الدولة المملوكية، من اوضاع المماليك اواخر ايامهم وعمّا حصل في مرج دابق وقبيلها، فان معلوماته أكثر لصوقا وصدقا عمّا حلّ دمشق.

    وعلى هذا فان مؤلفات ابن طولون العديدة تشكّل– ان جاز التعبير- موسوعة  تاريخية حضارية لحقبة اواخر العصور الوسطى المشرقية. ومع هذا فانها لم تنل الجهد الكافي من قبل الباحثين والمؤسسات العلمية.


[1] – ابن طولون (محمد)، الفلك المشحون في احوال ابن طولون، مكتبة القدسي والبدير، مطبعة الترقي، دمشق، 1348ه.

[2]  – احمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية في مصر والشام سنة 154/868 وتوفي عام 270/884 استمرت بعد وفاته الى ان سقطت عام 292/905، انظر البلوي، سيرة احمد بن طولون، تحقيق كرد علي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، لا تاريخ، ص 56-58

[3]  – زيادة (محمد مصطفى)، المؤرخون في مصر في القرن الخامس عشر الميلادي، ط2، مصر، 1964، ص79

[4]  – الفلك المشحون، ص7

[5] – المكان نفسه

[6] – المكان عينه

[7] – ابن طولون ( محمد)، اعلام الورى بمن ولّي نائبا من الاتراك بدمشق الشام الكبرى، تحقيق محمد احمد دهمان، دار الفكر، دمشق، ط2، 1984، ص19

[8] – السماع وجمعها السماعات، وهي ان يكتب الشيخ في آخر كتاب الطالب المحاضرات والخطب التي سمعها عليه، والمواضيع التي فاتته، ابن بطوطة( محمد بن ابراهيم)، رحلة ابن بطوطة، دار صادر، بيروت ، 1960، ج1، ص66، وفي العصور الوسطى كانت الاجازات العلمية عديدة: الاجازة بعراضة الكتب وهي ان يجيز المدرس الطالب ما سمعه منه ؛ القلقشندي، صبح الاعشى في صناعة الانشا، دار الكتب، القاهرة، 1913-1918، ج14، ص327، وهناك الاجازة بالمرويات اي المراسلة، انظر: موسى(عمر باشا)، الاجازات العلمية، مجلة التراث العربي، العدد 4، السنة2، ص92، وهناك ايضا المناولة العلمية وهي ان يناول الشيخ الطالب كتابه =   = ويقول له: اروه عني، اضافة الى الاجازة التحريرية خصوصا التي تدوّن على ظهر الكتاب، انظر: السبكي، طبقات الشافعية، تحقيق محمود طناحي، مطبعة عيسى البابي الحلبي، 1864، ج2، ص194

[9] – الفلك، 9-11

[10] – المصدر السابق، ص 11، ويذكر في الفلك المشحون الشيوخ الذين اخذ عنهم والذين اجازوه

[11]  – انظر مقدمة اعلام الورى لمحمد احمد الدهمان، ص 21

[12] – Precis d’Histoire d’Egypte, par divers historiens et archéologues, T2, Paris, 1932, pp 246-247…

وانظر ايضا، ضومط (انطوان) الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي و العسكري، دار الحداثة، بيروت، 1980، ص76-82

[13] – الطرخان (ابراهيم علي)، النظم الاقطاعية في الشرق الاوسط في العصور الوسطى، دار الكتاب العربي،  القاهرة، 1968، في اماكن متعددة خصوصا ص 261 – 294

[14]– اعلام الورى، ص 74-76، 117، 163، 167، 171…ومفاكهة الخلاّن ج1، ص 78، 91، 108، 248، 258، 291…

[15] – مفاكهة ج1، ص 78، 81، 86، 93، 108، 11، 170، 176، 179…

[16] – البصروي ( علي بن يوسف الدمشقي)، تاريخ البصروي، تحقيق اكرم العلبي، دار المأمون للتراث، دمشق، 1988، ص198 هامش رقم 1، وانظر ايضا: نصّار( اندره)، العامة بدمشق المملوكية، رسالة دبلوم دراسات عليا غير منشورة، باشراف الدكتور انطوان ضومط، الجامعة اللبنانية، كلية الآداب، الفرع الثاني ، ص320

[17]  – اعلام الورى، ص 123، 194، 198، 205، و مفاكهة ج1، ص 157، 247، 249…

[18] – اعلام، ص 171، 200، 203، 208، 222…و مفاكهة ج1، ص261، 275، 289، 306، 343…

[19]  – ابن طولون، المعزّة فيما قيل في المزّة، ص 47-48، اعلام، ص 115-116، 194، 222-223…مفاكهة ج1، ص 41، 44، 45، 119، 231، 249، 292…

[20] – مفاكهة، ج1، ص41، 44، 45، 119، 231ن 292

[21] – مفاكهة، ج1، ص 29، 30، 98، 104، 111، 118، 120، 123، 155، 261، 266-268، 317، 361، واعلام، ص 93-95، 169، 173، 174، 217

[22]  – مفاكهة، ج1، ص83-84

[23]  – مفاكهة، ج1، ص 90، 97، 268، اعلام 174

[24] – مفاكهة، ج1، ص83-84، 90، 97، 256، 267، 291، 292، 369، 375، واعلام، ص 174، 177، 188، 189، 193، 215-217

[25]  – مفاكهة، ج1، 41، 48

[26]  – مفاكهة، ج1، ص97

[27]  – مفاكهة، ج1، ص 97، 239، واعلام، ص 138

[28]  – مفاكهة، ج1، ص 267، 286

[29]  – مفاكهة، ج1، ص 367، 377

[30]  – مفاكهة، ج1، ص 121

[31] – المصدر السابق، ج1، ص 74ن 134، 135، 155

[32]  – مفاكهة، ج1، ص 49، 102، 126، 152، 272، 350، 339

[33]  -المصدر السابق، ج1، ص 164ن 176، 187، 272، 376، 379، واعلام، ص101، 177

[34]  – مفاكهة، ج1، ص 10، 13، 34، 68، 255، واللمعات البرقية، ص 27-28

[35]  – انظر منهجه لاحقاً

[36]  – اعلام، ص 96

[37]  – مفاكهة، ج1، ص 112، 224

[38] – مفاكهة، ج1، ص 26، واعلام، ص 61

[39]  – مفاكهة، ج1، ص 127-128

[40] – انظر مؤلفاته اعلاه

[41]  – القلائد الجوهرية، القسم الاول، ص 108-109، القسم الثاني، ص 357، 359، 366-368، ومفاكهة، ج1، ص172،

[42]  – القلائد، ق2، ص392، ومفاكهة، ج1، ص21، 263، 264، 323

[43] – القلائد، ق1، ص50، 53، 60، 81، 93، 116، 120، 132، 141، 142، 153، 155، 173،

[44] – مفاكهة، ج1، ص 42، 43، 48، 181، 696، 124، 125، 132، 153، 360، 384، 385…

[45] – مفاكهة، ج1، ص181

[46] – الثغر البسام، ص 102، 124، 131، 149، 160، 164، 174، 179، 250…

[47] – المصدر السابق، ص 122، 124، 126، 131، 132، 134، 149، 160، 172، 203…

[48] –  الثغر البسام، 129، 130، 157، 165، 207، 255، 298…

[49]  – الثغر، ص 155، مفاكهة، ج1، ص159…

[50]  – مفاكهة، ج1، ص42، 133…

[51]  – المصدر السابق، ج1، ص11، 42، 133

[52]  – المصدر عينه، ص 117

[53]  – مفاكهة، ج1، ص122-124ن 149، 179، 208…

[54]  – نفسه، ج1، ص 129، 130، 149، 150، 151…

[55] – مفاكهة، ج1، ص53

[56]  – المصدر السابق، ج1، ص148

[57]  – مفاكهة، ج1، ص35، 68، 100…

[58] – مفاكهة، ج1، ص 124

[59] – المصدر السابق، ج1، ص16، 198

[60]  – نفسه، ص87

[61]  – مفاكهة، ج1، ص 288، واعلام، ص 188

[62]  – مفاكهة، ج1، ص 73، 289

[63] – مفاكهة، ج1، ص147، 157

[64]  – ضرب الحوطة، ص 155

[65]  – نقد الطالب، ص 187، ومفاكهة، ج1، ص 115، 350

[66]  – مفاكهة، ج1، ص35، 68، 100

[67]  – مفاكهة، ج1، ص3، 166، 168، 186، 191، 195، 204، 261، 262…واعلام، ص 108، 127، 183…

[68] – مفاكهة، ج1، ص212، اعلام، ص51

[69]  – ترد هذه الاحياء في اماكن عديدة من مفاكهة الخلان،ج1، ص: 27، 92، 127، 153، 160، 179، 185، 212-214، 224، 224، 250-252…وفي اعلام الورى ص: 101، 102، 121، 122…ونذكر من هذه الاحياء: الغوطة، الشاغور، القبيبات، ميدان الحصى، القراونة، حارة المزابل، الشويكة، زقاق البركة، باب السريجة… 

[70]  – مفاكهة، ج1، ص65، 66، 196، 224، 225، 258، 295…واعلام، ص121-122، 167، 168، 196، 197

[71]  – مفاكهة، ج1، ص268، واعلام، ص174، 195، 199، 203…

[72]  – مفاكهة، ج1، ص292، 293، اعلام، ص195

[73]  – مفاكهة، ج1، ص185

[74]  – عينه، ص 247

[75]  – مفاكهة، ج1، ص160

[76]   – مفاكهة، ج1، ص177، 204، 213، 214، 238، 239، 181 واعلام، ص 118، 119، 127…

[77]  – مفاكهة، ج1، ص238، 239

[78]   -مفاكهة، ج1، ص7، 8، 9ن 20، 21، 65ن 93، 104…

[79]  – تبييض الترس، ص4

[80]  – مفاكهة، ج1، 109، 210

[81]  – مفاكهة، ج1، ص21، 30، 84، 203، 228 واعلام، ص108ن 186، 188…

[82] – عينه، 1/ 109، 210

[83] – اعلام، ص59، 136ن 151، 181ن 254، ومفاكهة 1/ 17، 46، 66، 92، 109، 127، 142، 153-154، 162، 164، 177، 180، 196، 204، 209، 225، 235، 257، 268، 274، 279، 320، 350، 354، 370

[84]  – اعلام، ص188-189، 203، ومفاكهة، 1/ 27، 35، 49، 66، 84، 105، 118، 127، 132، 142، 161، 172، 174، 179، 230، 240، 284، 300…

[85] – اعلام، ص119، 121، 131، ومفاكهة، 1/ 66، 150ن 220، 224، 227

[86]  – اعلام، ص121، 157، 162، 195، ومفاكهة، 1/ 87، 134، 204، 214، 232، 246، 292، …

[87]  – اعلام، ص123، 191، ومفاكهة، ج1، ص 150، 186، 196، 247، 289، 366، 390…

[88] – مفاكهة، ج1، ص108، 110، 262، 383، واعلام، ص 170

[89]  – مفاكهة، 1/ 172-173، 287، واعلام 99، 118-119، 187

[90]  – مفاكهة، ج1، ص108، 271، 272 واعلام، ص177

[91]  – مفاكهة، 1/ 176، 334

[92]  – مفاكهة، 1/ 106، 109، 196ن 385، واعلام 151

[93] – تبييض الترس، ص4ن مفاكهة، 1/ 3، 12ن 362،

[94]  – شهوة الاخر، والخيانة الزوجية، وقلة التقوى مفاكهة، 1/ 358

[95] – مفاكهة، 1/ 187، 273، 341، 351، 360 واعلام، ص 150-151، 178، 217…

[96]  – مفاكهة، 1/ 34، 59-60، 218

[97]  – مفاكهة، 1/341

[98] – مفاكهة، 1/ 9، 138-139، 167

[99]  – مفاكهة، 1/ 8-9، 98، 138-139، 165، 167، 204، 262

[100] – مفاكهة، 1/40

[101] – نفسه، 1/30، 228-229، 279

[102] – فص الخواتم، ص65

[103] – مفاكهة، 1/37، 76، و282، وضرب الحوطة، ص159

[104]  – مفاكهة، 1/ 185، 202، 376

[105]  – مفاكهة، ج1، ص5

[106]  – نفسه، ص11

[107]  – نفسه، ص21

[108]  – مفاكهة، 1/ 13، 24، 140

[109]  – نفسه، ص 52

[110] – المصدر السابق، ص 48، 60

[111]  – نفسه، ص 127

[112]   – مفاكهة، 1/140

[113]  – نفسه، ص142

[114]  – المصدر عينه، 1/219

[115] – مفاكهة، 1/211

[116]  – مفاكهة، 1/ 123، 192، 208، 226، 309

[117]  – نفسه، 1/17

[118]  – نفسه، 1/123، 130

[119]  – مفاكهة، 1/ 192

  [120]  – مفاكهة، 1/164، 222، 256 واعلام، 119، 209…

[121]  – مفاكهة، 1/ 240، 245، اعلام، 79-80، 155، 157، 96، 97…

[122]  – مفاكهة، 1/ 8-9، 65، 227، 234، 299 واعلام، 96-97، 123، 143-144، 198-199…

[123]  – مفاكهة،1/71، 73، 108ن 124-125، 132، 147، 153، 154، 178، 249

[124] – المصدر السابق، 1/79

[125]  – مفاكهة، 1/ 15، 160، 215، 254-255

[126] – مفاكهة، 1/ 4، 26، 84، 90، 125، 175، 226، 240، 252، 256، 261، …واعلام، ص، 61-64، 70-71، 110-112، 122، 125، 141، 155…

[127] – انظر ما سبق عن دور الجلبان عند حلولهم بدمشق، ودور الزعر وهامش رقم 123

[128]  – اعلام، ص60، 61، 63…

[129]  – نفسه، ص 16، 63، 64، 66، 68، 71…

[130]  – نفسه، 71، 73…

[131]  – اعلام، ص 40

[132]  – المصدر عينه، ص 31، 49، 50، 54،…

[133]–  ذكر ابن طولون في الصفحة 79 من اعلام الورى ” من هنا نشرعفي الذيل عليه”

[134]  – انظر مثلا ترجمة طشتمر واقطمر ص 52، 53، وايضاجمال الدين آقوش، ص33 وغرلو، ص 36…

[135]  – مثلا ترجم الطنبغا 12 سطراً ، ص 42 ، وجار قطلي في 16 سطرا، ص68…

[136] – انظر مثلا ما اورده في الصفحة 152 : [ سلطنة الغوري] ليجعل كل الاحداث مرتبطة بها

[137] – اعلام، ص182

[138]  – مفاكهة، 1/ 212-213، 214، 217 والنماذج كثيرة جدا

[139]  المصدر السابق، 1/167

[140]  – نفسه، 1/160-167،175- 289، 352-368…

[141]  – مفاكهة، 1/ 151…

[142] – المكان نفسه

[143]  – انظر مثلا ص 168، 275، 183، 368…

[144]  – اعلام، ص121…

[145]  – انظر تصنيف المقريزي للمجتمع المملوكي في هذا الكتاب

مدخل الى دراسة التأريخ عند العرب قبل الاسلام

اسئلة كثيرة طرحت حول نظرة عرب الجاهلية الى المستقبل، من خلاحفظ المآثر. وهل ترك عرب الجاهلية آثارا مكتوبة لتربط ماضيهم بحاضرهم ومستقبلهم؟ وبالتالي هل ظهرت

كلمة تاريخ في الجاهلية؟

    عمليا، ثمة دراسات بل مؤلفات عديدة تناولت الموضوع وافاضت فيه، بعضها لمستشرقين وبعضها الآخر لمؤرخين عرب، ولعل ابرزها واحدثها كتاب الدكتور طريف الخالدي:« فكرة التاريخ عند العرب»[1]. والتاريخ كما بات معروفا هو نوع من التراث، والتراث يعني تراكم احداث مشتركة صارت ملكا لجميع الناس، وتسمّى من منظور ثقافي ثقافة المجتمع العامة. وهذا الطرح السؤال: ألم يكن لكل شعب من شعوب الارض ثقافة عامة؟ وكيف انتقلت الى الخلف، وهل اصبحت تاريخاً؟ وما هي معايير تقويمها؟

    من دون شك كان للعرب قبل الاسلام ثقافتهم العامة، فكيف صيغت، أشعراً ام نثرا ً؟ وهل دوِّنت ام جاءت شفوية ؟ وهل كان للعرب لغة موحدة بلهجات متعددة ؟

  يعتبر الدكتور طريف الخالدي ان الجزيرة العربية قد حققت وحدة اللغة منذ ما يقرب الثلاثة قرون قبل الاسلام، وهو انجاز مدهش تزامن مع بروز الثقل السياسي لشمالي الجزيرة التي تمكّنت من تطوير اللغة وبسطها على كامل ارضها[2]. مما يعني انه صار للعرب لغة واحدة احتضنت قريض شعرهم وصاغت نثرهم. فهل تكون وحدة اللغة كافية ليترك شعب ما تاريخا ؟

    عمليا ما يزال تصنيف ما تركه العرب من تراث ادبي ومآثر اجتماعية مدار جدال واجتهادات عند الباحثين، ومنهم من يعتبره ادبا تاريخيا، ومنهم من يصنّفه في خانة التاريخ. ونحن لن نخوض غمار هذه الاجتهادات والتصنيفات، بل  سنكتفي بآراء من لهم الباع الطولى في هذا الموضع، والا خرجنا عن المحور الاساسي والهدف الرئيسي الذي من اجله عمدنا الى وضع هذا الكتاب.  

     ان فرانز زونتال صاحب كتاب «علم التاريخ عند المسلمين» مستشرق شهير ومشهود لجهوده العلمية بالدقة والتثبت، وقد قام بابحاث معمّقة حول موقف العرب من التاريخ، وأكّد ان كلمة «تاريخ» لم تظهر في الشعر العربي الجاهلي ولا في ادب العرب في فترة ما قبل الاسلام[3]، ولم تظهر ايضا في القرآن الكريم ولا في الاحاديث النبوية الشريفة. فهل هذا يعني ان الجاهليين لم يحفظوا ماضيهم، ام انهم حفظوه بطريقتهم الخاصة[4]؟

    عمليا يمكن ان نسجل لعرب الجاهلية نمطين للدلالات التاريخية: ايام العرب ، والانساب.

اولا: ايام العرب:

   1 – تعريفها: يمكن تعريف ايام العرب بأنها المعارك او المناوشات التي جرت بين القبائل العربية بعضها ضد البعض الآخر، او تلك التي وقعت بين القبائل العربية وملوك اليمن، او بين العرب والفرس. وهي تتضمن المآثر العربية القبلية، وسير الامراء، او بعض الافراد ممن ادّوا اعمالا جليلة او نسبت اليهم تلك المآثر وصاروا رمزا وفخرا ليس للقبيلة التي ينتمون اليها فحسب، بل ايضا للمجتمع القبلي باسره، وتحوي ايضا اقوالاً مأثورة وامثالاً. وتتضمن اخبارا تتعلق بشوؤنهم الاجتماعية الصرفة، وما كانت تخلّفه المعارك من قبائح كهتك الاعراض… فضلاً عن علاقاتهم بآلهتهم.

    فمضمونها، كما نلاحظ، هو من صلب التاريخ لأنه مبني على الماضي بكل ابعاده ومحاوره. ولكن ما يهم المؤرخ والتأريخ هو كيف وصلت الينا تلك الاخبار؟ وبتعبير اوضح هل دوّنت ؟ وكيف ؟ وتاليا هل وصلت الينا كاملة، وبأي صورة ؟

2 – علاقة الشعر بايام العرب: في الجاهلية وحتى فترة طويلة من العصور الاسلامية كان الشاعر ناطقا بلسان قبيلته، يشكّل صحيفتها، واذاعتها…وفق التعابير والمصطلحات الحديثة، ويخلّد مآثرها. وكان شعراء القبائل الاخرى يخلدون مثالبها بهجائهم. اضف الى ذلك ان تجارب الشعراء انفسهم كانت من صلب التاريخ، وقد عبّر الخالدي عن ذلك بقوله: «كانت وظيفة التاريخ غالبا ما تقوم به سير الشعراء النموذجية: الامير التائه المتنقّل في طلب ملكه، الصعلوك المتمرد…الصديق الثابت…وحيث يمجّد الشاعر قبيلته لا نفسه فان ابيات فخره غالبا ما تكون تذكيرا صريحا او مقنّعا لأعدائه بما لقبيلته من المآثر التاريخية…وذلك لا في التفاصيل…بل بالايماء الى الانتصارات المفترض انها معلومة من الجميع…»[5]

    ان هذا الامر يفسّر اقتضاب الاحداث في الشعر وحتى في النثر كما سنبيّن لاحقاً، ممّا جعل الغموض يلف احداث العرب في الجاهلية، ليبدو بعضها وكأنه آتٍ من فراغ، او يلفّه الارباك.

3 – علاقة النثر بايام العرب: يبدو افتراض الجاهلي ان الحوادث باتت معروفة من الجميع دفعه الى اختصار معظمها والتركيز على الفخر والانجازات، ما يعني انه كان يروي ليومه، وارضاء لمناخ سياسي، وربما احيانا اجتماعي. ومن ناحية ثانية لم يصلنا كامل النثر الجاهلي اذ ضاع معظمه[6]، الامر الذي يزيد في ارباك موقفنا من علاقة العرب بالتاريخ. وقد خلدت الروايات القبلية تلك “الايام” لانها كانت تراثا قبليا مشتركا، وتروى في مجالس القبيلة المسائية لامتاع السامعين وشحنهم بالحماسة، ولكي يفخروا بتلك الانجازات. وجاء معظم  الروايات تراثا شفويا انتقل بالتواتر، وبعضها دون جزئيا، او بالحري اشير اليه بالادبيات تبعا لرغبة الشاعر. ويعزز هذا الرأي ما ذهب اليه طريف الخالدي:« ان الثقافة الجاهلية كانت شفوية في جوهرها. وكانت النصوص المكتوبة دينية او قانونية في معظمها».[7]

ويقول روزنتال فيها:« لم يكن الهدف من هذه القصص في الاصل ان تكوّن مادة تاريخية…والواقع ان قصص الايام ترجع في اصلها الى الادب اكثر مما ترجع الى التاريخ. فقد كانت تروى بالدرجة الاولى لإيناس السامعين ولمتعهم العاطفية. وكانت تحوي على عناصر تاريخية من حيث انها سجلت احداثا كبرى، ومن حيث انها اعتبرت مثل تلك الاحداث متصلة بنواح معنوية معينة، غير انها يعوزها الاستمرار تماما، فلم تدرس ضمن الاسباب والنتائج التاريخية، كما انها لا تأخذ الزمن بنظر الاعتبار قط. ولا توجد اشارة الى ان الشعور التاريخي قد تقدم قبل الاسلام الى الحد الذي يضْفي على هذه القصص شيئا من التعاقب التاريخي. وبذلك لم يكن بالامكان ان تتطور قصص الايام، او ان يكون لها دافع يوجهها نحو التطور لتصبح من الادب التاريخي، هذا بالرغم من ان فنونها واشكالها لعبت، فيما بعد، دورا هاما في علم التاريخ الاسلامي[8]

      ان في هذا النص لروزنتال عناصر اساسية تختصر مفهوم الايام وتحدد ميزاتها الى حد بعيد:

أ – غائية الايام : ترتبط غائيتها بمضمونها، فالايام تسجيل لاحداث جليلة اجمالا يفخر بها العربي، وطعٌمت بالشعر لأنه الشكل الادبي بامتياز لاسلوب الفخر، تبعا لدور الشاعر او الراوي بما كان يضيفه عليها من بنات شعره او من شعر منحول. ممّا يعني ان غايتها لم تهدف الى تسجيل وقائع تاريخية تخليدا للماضي وربطه بالحاضر لتغدو نبراسا او درسا للمستقبل، بل جاءت عملية فخرية صرفة، تشحذ حماس السامعين وتمتّع عواطفهم.

ب – عناصرها التأريخية: لقد تناولت من دون ادنى شك احداثا كبرى غير متعاقبة زمنيا، انما مرتبطة معنويا بنواح كثيرة. وافتقرت لعناصر تأريخية عديدة: فقد اعوزها الاستمرار، والعلاقات السببية بين الدوافع والنتائج، والارتباط بالزمن، وكأن حوادثها تسير بفراغ، وهو الشرط الاساسي للتأريخ.

 ج – تطورها: استمر نهجها رتيبا، لان غائيتها انحسرت بالفخر فقط، ممّا افقدها الرؤية المستقبلية احدى اهم ركائز التأريخ، ما جعلها تدور في حلقة مفرغة من الفخر والحماس والتطلع المستمر الى الماضي.

ه – اهميتها : لقد حوت عناصر تاريخية لانها تناولت حوادث ماضوية كالمعارك والحروب، ونواحي اجتماعية كالكرم والشجاعة ومآثر بدوية اخرى كالامثال والحكم. وجاء اسلوبها ادبيا شعبيا مبنيا على الحوار والخطابة والشعر، فشكّل فيما بعد الاسلوب الاولي للكتابة التاريخية العربية في دولة الخلافة.  

     وهكذا، تشكل الايام نمطا شعبيا من التعبير شبه التاريخي الشفوي، بل نمطا ادبيا شفويا يستند الى عناصر وحقائق تاريخية بما تحمله من اصداء ذكريات التاريخ القبلي. وعلى الرغم من الانطباعات الاسلامية عليها، لان تسجيلها تمٌ في العهد الاسلامي، فهي لا تدل على نمو الشعور التاريخي حتى عند ناقليها[9].

    ثانيا: الانساب: لقد عرّفها شاكر مصطفى بانها «سلاسل اسماء تدعو لها الحاجة الاجتماعية القبلية للتعارف والتمايز»[10].  وهي من منظور آخر: اشجار انساب تنسج حول بعض شخصياتها الاحداث التاريخية مّما حفظ تكوينها الذي اسّس لعلم الانساب الاسلامي. ولعلّ صياغتها النثرية شكلت محورا اساسيا في التراث الجاهلي. لأن القبيلة كانت بمثابة دويلة سياسية لها نظمها الاجتماعية والقانونية، والمكان الصالح لتحديد المكانة الفردية والجماعية، فباتت الانساب عملية ضرورية لتحديد ارتباط الدويلات-القبائل بعضها بالبعض الاخر لما كان بين القبائل وفروعها المتعددة من ارتباط نسبي ومعنوي، واحيانا سياسي.  

وهي كالايام خالية من الارتباط الزمني، واقل قيمة منها من حيث الشكل التعبيري التاريخي، ولكنها اكثر دلالة على وجود الحس التاريخي، بما تعكسه من انطباعات انتربولوجية[11]. ويعتقد: روزنتال انها جاءت مغايرة للتنظيم السياسي والاجتماعي عند عرب الجاهلية[12]، ويضيف:« نستبعد ان يكون علم النسب عندهم –العرب- دوّن ليتطور الى ادب تاريخي، كما ان التراث النسبي عند العرب وعند الساميين عموما لم يقتصر على العلاقات بين الافراد والاسر، بل اعان على تكوين مخططات نسبية ضمّت جماعات السكان كافة بصرف النظر عن اعدادهم» [13]. ان هذا النمط من التفكير، او الرواية الشفوية للانساب وان لم يكن يعكس باستمرار النمط السياسي السائد ويختار من التنظيم الاجتماعي ما يتوافق والشخصية المراد ابرازها، فانه، فيما لوكان تطور، لكان جاء تاريخا حقا.

   ويمكن القول على ضوء الايام والانساب معا، انه كان للعرب قبل الاسلام حقائق تاريخية، من دون ان يتطوّر عندهم الحس التاريخي، بل لم يجد دافعا ينمّيه ليتحول الى تأريخ.   

الفصل االثاني:التدوين خلال القرنين الاولين الهجريين.

اولا: نشوء التدوين التاريخي:

     ان سنة التطور مبنية على خلق تيارات جديدة تسير بتؤدة الى جانب الثقافة العامة لكل مجتمع، حتى اذا ما نضجت تهيمن تدريجا على المفاهيم السابقة والمنافسة لها من دون

ان تلغيها كليا. وقد ابقى الاسلام في دولته على بعض المفاهيم الاجتماعية والسياسية الجاهلية، لا بل غدا بعضها من مرتكزات الدولة الجديدة، بحيث كان عسيرا جدا على العرب ان يتخلوا عن تقاليد وعادات واعراف حياتهم في الجاهلية التي مارسوها على مدى اجيال عديدة، بعد ان كانوا قد تخلوا عن ديانتهم الوثنية ومبادئهم الاقتصادية. لان الترسبات الاجتماعية والسياسية لتلك الاجيال كانت من صلب ثقافتهم العامة، ومحور استمراريتهم.

   من هنا، كان من الصعب ان يرفض الرسول ومن بعده دولة الخلافة كل القيم الجاهلية لانها ستؤدي الى انفصام كامل بين تراث الماضي ومحتوى الحاضر الواعد بالمستقبل الزاهر، خصوصا ان عناصر الدولة الجديدة تألفت من مجموع القبائل العربية المتجذرة بالمفاهيم القبلية.

    وما يهمنا من الامور التي استمرت في الدولة الجديدة، على مدى نيف وقرن، هي الروايات الشفوية المتواترة المتصلة اصلا بالآراء السياسة والاجتماعية في المجتمع القبلي غير المتعارضة مع التعاليم الاسلامية، والتي كانت سائدة ضمن نطاق القبيلة الواحدة، وتعتبر ملكا مشتركا لكامل افرادها.

   واذا جارينا الدراسات التي تذهب الى القول ان عند وفاة الرسول وجدت فئة قليلة من المسلمين تحسن القراءة والكتابة، ندرك مدى اهمية استمرار الروايات الشفوية في الدولة الجديدة، على الاقل في حفظ تراثها، وفي درجة اولى في الحفاظ على السيرة النبوية. وما تجدر ملاحظته ان الاسلام حضّ على التعليم لاهميته في فهم الدين الجديد وفي تطوير المجتمع. وكانت لدى القبائل العربية لهجات متعددة ان في الجنوب او في الشمال، وكان لنزول القرآن  بلغة قريش، ان ثبّت هذه اللهجة كلغة رسمية في الدولة العربية والاسلامية، وطوّر ابجديتها، خصوصا الاحرف التي لم تكن معجمة اذ كانت «د » مثل  «ذ»، و «ر» مثل «ز»…

  كان لهذه التوصية، اضافة الى تأثير الفعاليات الجديدة على مستويات عديدة، كما الى عوامل دينية، وسياسية، واجتماعية، واقتصادية، اثرها الفعّال في نشؤ الكتابة التاريخية، والتشجيع عليها، وسنوجز تلك العوامل بثلاثة توجهات اساسية: دينية وسياسية واجتماعية.                              

أ : العوامل الدينية:    

1 – نظرة الاسلام الى الكون: لقد نظر القرآن الى الماضي نظرة مغايرة لما كان سائدا لدى العرب الوثنيين، فقد اعتبر احداث الكون عملية تراكمية منذ بداية الخلق وحتى انتهاء الزمان، وفيها محطات اساسية بل مفاصل رئيسة في تطوير المجتمعات شكّلها الانبياء الذين يقر بهم القرآن، وكان آخرهم الرسول محمد. والاسلام “دين تاريخي الروح … وتاريخيته عميقة الجذور” على حد تعبير شاكر مصطفى[14]. كما توضحه الآية التالية  < انها ملّة ابيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل >. وبالتالي فان الحياة ليست الا معبرا للحصول على الجنة، وللوصول اليها يجب اتباع التعاليم الاسلامية، والعمل بموجبها. والقرآن، الى جانب ذلك، مليء بالاشارات الى الانبياء الاوائل السابقين على الرسول، ويقصّ بعضا من سيرهم باعتبارها نماذج رائعة للايمان ويحثّ المسلمين على التمثّل بها. ويشير ايضا الى الشعوب الغابرة، ويروي بعض احداثها للإتعاظ منها. ولطالما نظر المسلمون  الى التاريخ على انه المعلم الاول لكثرة العبر الاخلاقية والسياسية الواردة فيه.       

    من هنا، بات من الضروري ليس التعرف فقط على حياة الرسول والصحابة وجيل التابعين والمحفاظة على سيرهم واتباع خطاها لكونها تنويرا للمسلمين، انما ايضا على حياة الشعوب الغابرة للغاية عينها. ولكن المنظور الديني التاريخي هذا، على اهميته،لم يكن ضمن اهتمامات جماعة المؤمنين الاوائل لأن البعد التاريخي لم يأخذ طريقه الى فكر الاخباريين واهل السلطة على حد سواء الا في اواخر القرن الاول الهجري. فقد كانت لهم اهتمامات اخرى أكثر اهمية تتعلّق بتسويغ الامتيازات الضخمة التي حصلوا عليها ضمن الجماعة – الامة، وتوضيح صورة المسلمين وعلاقة الامة الاسلامية بالامم الاخرى.

   وعلى الرغم مما ذكرنا: ان في القرآن خبرا واستخبارا، وتشديداً على المواعظ الخلقية الواردة فيها، ما حتّم التعرف عليها للعمل بهديها، فانه لم يتمّ استيعاب كل ذلك الا في فترة لاحقة، اي بعد استقرار الدولة وانتهاء عملية الفتوح والانصراف الى تفسير الفكر الديني. وليس ادلّ على ذلك من تأخر ظهور المذاهب السنية الى منتصف القرن الثاني الهجري، مما يفسّر تأخر عملية التدوين التاريخي حتى اواخر القرن الاول ومطلع الثاني الهجريين.

2 – اسباب النزول او احكام الناسخ والمنسوخ: من الواضح ان القرآن نزل على الرسول على دفعات، وهو وحي من عند الله، وقد نزلت آيات لاحقة لتعدل جزئيا او كليا ايات سابقة، {وما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها او مثلها[15]}. وبعد وفاة الرسول احتاج المسلمون، لضرورات تشريعية، للتعرف على الاحكام الملغاة، ودوافع إلغائها. فكان لا بد من عملية تقص وتدوين، كي لا يتكرر البحث كلما دعت الحاجة اليه. وما كان ممكنا الحفاظ على كل ذلك الا من خلال التدوين.      

3 – تدوين القرآن: اعتمد الرسول لتدوين الوحي على عدد ضئيل من الكتبة، وشابت كتابته الاولى اخطاء املائية، فضلا عن انها دوّنت على اضلاع عظمية، ورقع وسعف نخيل وألواح حجرية وغيرها. واستمر الامر كذلك الى عهد ابي بكر حيث تم التدوين الفعلي للقرآن. وامر الخليفة عثمان بن عفان، بجمع كل المصاحف واحراقها والابقاء على القرآن المعروف بمصحف عثمان، وكانت الحاجة شديدة للنهل من كتاب الله، واعتماد احكامه، فتم نسخ العديد من المصحف المذكور، ما جعل الحاجة ملحة للتدوين.

4- تدوين الحديث: تعتبر الاحاديث النبوية المصدر الثاني للشريعة الاسلامية الى جانب القرآن، وعندما توسعت الدولة على اثر الفتوحات طرحت فيها احكام جديدة، وبما ان القانون الوضعي ليس جائزا فيها اضحت الحاجة ملحة للاسترشاد بالاحاديث النبوية. وبما ان احدا لم يكن يحفظها كلها، وكان حافظو الاحاديث قد توزعوا في ارجاء الدولة عقب الفتوحات، وبدأ يتوفى الصحابة وهم اعلم الناس بها لانهم حفظوها غيبا بعد ان اوصى الرسول بعدم تدوين الاحاديث لكي لا تختلط خطأ بالوحي قائلاً:« لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي فليتبوأ مقعده في النار.»[16]. لذلك كله اباح الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز تدوين السنة. فبدأت عملية جمع الاحاديث وتدوينها، وتنقيتها مما شابها من دس واختلاق، وجاءت بواكير تدوينها في كتاب ” الموطأ ” للامام مالك بن انس. وشكل منهج تدوينها الخطوة الاولى والرئيسة لنشوء الكتابة التاريخية.

5 – التعرف الى الاجماع الاسلامي: ان الاجماع الاسلامي هو ما اجمع عليه الصحابة والتابعون ومن تلاهم للفصل  في مختلف الامور النزاعية، وصار الاجماع من مصادر الفقه والسياسة في الاسلام وعليه اعتمد الحكم الاموي.[17]لذلك تم تدوينه للعودة لأحكامه كلما دعت الحاجة.

6 – نظريتا القدر والجبر: ادت الفتنة الاولى في الاسلام او الحرب الاهلية الى انشقاق المسلمين بين معسكرين: طالبي واموي، وبالتالي الى نشؤ الفرق الدينية والسياسية في الاسلام. وبعد استتباب الحكم الاموي، على الرغم من معارضة الشيعة والخوارج وفرق دينية اخرى، عمدت هذه الفرق الى تسويغ مواقفها بالاستناد الى الآيات القرآنية، ووضعت نظريات مستقاة منها يدور معظمها حول الخلافة. فاعتمد الامويون، بعد ان تسمى الخليفة الاموي” خليفة الله”، على نظرية الجبر القاضية بقبول الامر الواقع لانه مقدر من عند الله، فهم تولوا السلطة بارادة الله ورضاه من اجل اعلاء شأن الاسلام ونشره في العالم، مسوّغين بذلك وجوبا دينيا لطاعتهم. وكان يتعذّر على المعارضة القول استخدام نظرية الجبر كونهم خارج السلطة، فكان على المعارضين مواجهة هذا الامر من المنطلق الديني عينه معتبرين ان الله القادر على كل شيء ما قدّر كل الاحداث والافعال بما في ذلك ذنوب الانسان واخطاؤه،  واعتمدوا مبدأ القدر أي قدرة الناس على اختيار افعالهم ومسؤوليتهم عنها تجاه الله. وجاء الترويج لهذه النظريات ليسهم بالكتابة التاريخية وبتطورها.

7 – السيرة النبوية: تعتبر السيرة النبوية نبراسا لكل مسلم، والتعرف عليها بكل ابعادها وتفاصيلها ضرورة ماسة، فهي تختزن حياة الرسول والصحابة وكفاحهم من اجل انتشار الاسلام، وتزخر ايضا بامجاد المسلمين الاوائل: معاركهم الاولى: بدر احد والغزوات الاخرى، والآيات التي نزلت من اجلها. وهي الى ذلك تضم العقيدة الاسلامية، والاسس الواجب على كل مسلم اتباعها، كما تختزن مصادر التشريع الضرورية جدا لدولة الخلافة. اضافة الى ذلك فقد اهتم حافظو السيرة بتمييز الرسول عن خلفيته الجاهلية، كما عن الوسطين المسيحي واليهودي لاعطاء الاسلام استقلالاً تاما عن المحيطين المذكورين. فكان لا بد من تدوين السيرة وحفظها، والافادة منها في العديد من النواحي السياسية والدينية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية.

ب – العوامل السياسية. قد تكون العوامل السياسية ساهمت بزخم في تطور الكتابة التاريخية لشدة النزاعات التي تلت مقتل الخليفة عثمان بن عفّان. فقد اهتز مفهوم الشورى والبيعة بفعل مستجدات متنوعة وعلى مختلف الصعد، حتى بات النظر الى مفهوم الخلافة والدولة متلونا بالصراعات السياسية. وقد اثّر كل ذلك على استيعاب الناس لفكرة الامة. وسنقتصر في كلامنا على اربعة عوامل رئيسة هي:

  1 – الخلافة: لقد طرحت في الدولة الجديدة مشاكل اساسية مثل قضية الخلافة من اجل قيادة المسلمين بعد وفاة الرسول. وكانت احداث سقيفة بني ساعدة وما تلاها من امر الخلافة جديرة باهتمامات المسلمين ولا سيما المجلس الانتخابي او الشورى الذي شكله عمر بن الخطاب، كذلك مقتل الخليفة عثمان وما تلاه من صراعات بين الامام علي ومعاوية، بل بين الامويين والشيعة عموما والآثار التي ترتبت عليها. ان ذلك الخط البياني من الاشكالات، وكيفية  او محاولة حلّها، وما نجم عنها من آثار شكٌل دروسا للمسلمين كان من الواجب تسجيله.

2– نشؤ الدولة: بعد ان استقر الحكم الاموي وظهرت معه الدولة السلالية على غرار الدول المستندة الى القانون الوضعي، وحرمت قبائل اخرى من هذا الحق، قامت فرق دينية تناصب الامويين العداء ولا تعترف بحقهم وحدهم بالدولة والحكم. وعمد الامويون ومناصروهم الى تشييع فكرة الدولة والدفاع عنها، في حين سارع الرافضون الى تدوين اخبارهم الاقليمية بمعزل عن اخبار الدولة ككل، ما ادى الى ردات فعل ساهمت بطريقة غير مباشرة الى بلورة فكرة الدولة.    

3– فكرة الامة: اعتمد الاسلام على الامة اساسا للتضامن عوضا عن العصبية القبلية، واذا كانت الامة تبناها الصحابة مهاجرون وانصار، فان استيعابها ظل مرتبكا عند مجموع القبائل التي لم تستطع الانفلات من سيطرة العصبية القبلية على الرغم من توسع الدولة عن طريق الفتوحات.

    لذلك، حاول المسلمون الاوائل ولا سيما القيمون على السلطة  التشديد على دور الرسول الزمني كقائد للأمة الاسلامية وعلى دوره الديني الملازم لها كونه الملهم الديني، وخصوصا سلوكه في المدينة( وقد يكون عهد الصحيفة دليل بارز على ما ذهبنا اليه). مشددين على تواصل الخلفاء مع حياة الرسول الزمنية، ولا سيما التركيز على ممارسة الشعائر الدينية والسلوك الاجتماعي والاخلاقي النابع من توجّهات الرسول وسلوكه، كما حاولوا التشديد على حسن سلوك الحكام قدر المستطاع، وعلى استيفاء الضرائب كي تصرف في صالح المسلمين (الامة) لكي تترسخ فكرة الامة عند جموع المسلمين وليس عند القيادات فقط. وجهد الامويون كي يظل العرب امة ممتازة تجاه المسلمين من غير العرب (الموالي) مما اضعف فكرة الامة الاسلامية، غير متقيدين بالنص القرآني وبتصرفات الرسول. ومع ذلك ظل العرب خاضعين في مواقف عديدة للعصبية القبلية التي عززتها المعسكرات الجديدة كالجابية والكوفة والبصرة والقيروان والفسطاط التي شيدت مراعية التوزيع القبلي متجاوزين مفهوم الامة. ولكن هذا الامر سيبدأ بالانحسار لصالح الامة الاسلامية مع قيام الدولة العباسية،  وسيتخطى التأريخ القبلية والاقليمية لصالح الامة.

4– الفتوحات: شكلت الفتوحات القسم الثاني البارز في حياة العرب المسلمين، وغدت احدى اهم المرتكزات الاساسية في تطور مسارهم التاريخي، ويمكن تصنيفها ايضا من ضمن الدوافع الدينية، لأنها جهاد في سبيل الدين من اجل السيطرة على الشعوب الاخرى ودفعها لإعتناق الاسلام. وكان المسلمون مقتنعين انهم ينفذون الإرادة الآهية التي ارادت للاسلام، الذي هو الدين عند الله، السيطرة، واسهمت معهم بنشره. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير انتشاره السريع واحتلال المسلمين مساحات شاسعة جدا، وقضاءهم على الامبراطورية الفارسية وانتصاراتهم السريعة على الامبراطورية البيزنطية. فكان التأكيد على هذه الانجازات والتغني بها، وابراز دور القبائل في الفتوح، والتأكيد على نصيبهم بالغنائم، وعلى صراع الاقاليم مع السلطة المركزية، يشكّل مواد مهمة جدا للإخباريين الاوائل. 

 ج – العوامل الاجتماعية والتنظيمية: يبدو احيانا عسيرا الفصل بين الاجتماعي والسياسي بسبب التداخل بينهما من حيث الهدف على الاقل؛ فدور الدواوين سياسي في الاساس ولكن بعض غائياته اجتماعية. وكانت مدلولات نشوء الانساب سياسية واجتماعية في آن. ولم يكن اعتماد التقويم الهجري الا لتثبيت الاطار الزمني للاسلام، وهو اطار يتمحور عليه السياسي والاجتماعي والديني والاقتصادي.

 وعلى ذلك، يمكن ايجاز هذه الدوافع بثلاثة:

1 – نشؤ الدواوين: في عهد عمر بن الخطاب برزت الحاجة الى تنظيم جديد في الدولة ولا سيما من اجل العطاء، فتم استحداث ديوان الجيش (العطاء) وسجلت فيه اسماء الذين يحق لهم بالرزق بدءا بمن ارتبطوا بالرسول بعلائق مباشرة، ومن ثم العرب طبقة بعد أخرى تبعا للاسبقية في الاسلام، وصولا الى المجاهدين. وافرزت هذه العملية الاهتمام بالكتابة، وببروز اهمية الانساب في الاسلام وفق التراتبية المستحدثة، وان كان الاسلام لا يقرّها. وفي عهد عبد الملك بن مروان تمّ تعريب الدواوين واضحت الحاجة ماسة الى الكتابة بالعربية فتعززت اللغة العربية على حساب اللغات الاخرى. كما ادى تسجيل الوثائق في الدواوين الى ابراز اهمية التدوين في حفظ تراث الامة.

2 – الانساب: ان العصبية القبلية، التي حاول الاسلام محوها واستبدالها بالمساواة، زادت بأهمية الانساب، اذ  بنيت  المعسكرات مثل الكوفة والبصرة والجابية…على اساسها، كما تمّ اسكان القبائل في الامصار تبعا للاسس عينها. وزادها زخما نشؤ ارستقراطية اسلامية تبوأت المراكز الرئيسة في الدولة شكلت قريش عمودها الفقري ما عزّز التراتب الآنف الذكر. كما ساهم بتغذيتها النزاع العرقي والثقافي بين الموالي والعرب عنيت به تيار الشعوبية. لقد حاول المسلمون من غير العرب خصوصا الفرس التباهي على العرب على المستوى الثقافي خلال القرنين الاولين للهجرة ردا على معاملة العرب لهم كمسلمين من الدرجة الثانية، كما يرى بعض المؤرخين، ولا سيما في العهد الاموي؛ فقد حرمهم الامويون من شغل المناصب الاساسية في الدولة، ومن المغانم الاقتصادية التي كانت توفرها الفتوحات. وجاء انتقاد الموالي الفرس للعرب قاسيا بل عنيفا: فاتهموهم بالجهل والتخلف الفكري مسقطين عنهم اية مأثرة فكرية ما خلا الاسلام، ونزعوا الى تشويه التاريخ العربي بالبحث عن مثالب العرب وابرازها، ولنا دليل واضح في كتابات الهيثم بن عدي ” كتاب المثالب الكبير” و«كتاب المثالب الصغير» وفي كتابات غيره. وعمدوا، فخرا، الى نقل بعض ماّثرهم الادبية الى العربية، مثل:كليلة ودمنة لابن المقفّع و« خداي ناماه» الذي عرّبه بعنوان «سير الملوك»[18]، وهو يروي قصة التاريخ القومي الفارسي. ونقلوا اليها ايضا العديد من المؤلفات مثل «الكاه ناماه» أي طبقات العظماء[19]. كما انبرى الموالي الفرس الى الانكباب على علوم الدين، وبرعوا فيها ليبرهنوا للعرب مقدرتهم في مختلف العلوم. فرد العرب على كل تلك الاعمال بالحسب والنسب والفخر بتدوين انسابهم، ما ادى الى خدمة علم النسب بطريقة غير مباشرة. ولعب بعض الخلفاء دورا بارزا بالاهتمام بعلم النسب؛ فقد امر يزيد الثاني ( يزيد بن الوليد) باعداد سجل شامل للانساب[20] من اجل تنظيم العطاء وتوزيع القبائل على الامصار.

   ان كل ذلك جعل من الانساب عنصرا اساسيا في المجتمع تفاعل مع المستجدات وغيرها من العوامل، بتسجيل اعمال الشخصيات البارزة، فاصبح فرعا من فروع التاريخ، لا بل شكل ركيزة مهمة فيه.

3 – التقويم الهجري: يعتبر مجيء الرسول نقطة تحول في تاريخ العرب، واعطت التعاليم الاسلامية للاسلام، بعد ان ثبّت حضوره، بعدا عالميا، وازدادت اهميته عقب الفتوحات بعد ان انتشر بين الشعوب المغلوبة. فكان لا بد من صيغة زمنية تحدد انطلاقته وتربط احداثه بدقة وتعطيه استقلالا عن سير الخطوط الزمنية التي سبقته. وعندما اعتمد عمر بن الخطاب سنة 622م. بداية التقويم الهجري نشأ تقويم ثابت عند المسلمين ارتبطت به كل احداثهم. 

     ان هذه العوامل والمؤثرات في بداية التدوين وفي تطوّره لم تظهر دفعة واحدة انما بالتدرج وتبعا لتقدم الفكر في دولة الخلافة، وتلبية لحاجات فرضها التطور. من هنا جاءت الكتابة التاريخية الاولى خلال القرن الاول الهجري خجولة ترافقها الروايات الشفوية المتواترة، وظل العرب اوفياء للذاكرة يعتمدون عليها كسجل للأحداث والمآثر. وما ان انتصف القرن الثاني الهجري حتى باتت الكتابة عملية ضرورية للدولة والمجتمع بكل نواحيهما. وسارت الكتابة الاولى باتجاهين متميزين: اهل الحديث، والاخبار التاريخية. فاتجاه اهل الحديث انحصرت مواضيعه في البدء بكتابة السيرة النبوية التي اقتضى تدوينها التفتيش عن الاحاديث النبوية وجمعها، والتحقق من صحتها وتدوينها. ثم تخطى الامر السيرة الى بعض حوادث العصر الراشدي، التي جاءت وكأنها نتائج لها. ولم يكن لهذه الكتابات توجها تأريخيا بقدر ما كانت غايتها دينية تهدف للحفاظ على سيرة الرسول. وقد ترعرع وتطوّر هذا النوع من التدوين في المدينة اولا التي شهدت تطور القوة الاسلامية منذ الهجرة وحتى وفاة الرسول.

  وكان الاتجاه الثاني كتابة الاخبار التاريخية التي تركزت على تدوين اخبار المعارك والفتوحات في الاسلام ودور القبائل فيها، فضلا عن المستجدات في دولة الخلافة بما في ذلك توزيع القبائل على الامصار، ومقدار العطاء للقبائل او الافراد، والصراع على الخلافة، كما الصراع في ما بين العرب انفسهم لاسباب متنوعة. وقد نشأ هذا النوع من التدوين التاريخي في العراق الاقليم المعارض للامويين، وتحديدا في البصرة والكوفة بغية تخليد اخبار رجالاته. وانتشر هذا النمط في حواضر الاقاليم العربية الاخرى من دون ان تنحصر موضوعاتها بالتاريخ الاسلامي وحده، بل تناولت اخبار الجاهلية وشعوبا اخرى. من هنا تعددت مواضيع الاخبار التاريخية: اخبار العرب في الجاهلية، غزواتهم، انسابهم، احوالهم الاجتماعية والسياسية، فضلا عن المواضيعالتي ذكرناها آنفاً. ونتج من خلال كل ذلك دراسة الشخصيات البارزة في الاسلام ليس على مستوى القبيلة فحسب، بل على مساحة دولة الخلافة بما حبلت باحداث ارتبط بعضها بالديني او بالسياسي او بالاثنين معا. ما سيؤدي لاحقا الى نشؤ علم الانساب في الاسلام، والى اعتماد مناهج جديدة في تدوينه مثل التراجم و السير والطبقات. ولنا عودة تفصيلية الى هذا الموضوع.

ثانيا: السيرة النبوية وتطوّر الكتابة التاريخية.

1 – علاقة السيرة النبوية بالاحاديث النبوية: نشأت مدرسة التاريخ في المدينة، ولم تكن مدرسة بالمعنى الحصري للكلمة انما تيارا فكريا ان جاز التعبير، لتدوين السيرة النبوية لتعريف المسلمين على حياة الرسول لأنها نبراس يحتذى مقوّم لكل اعوجاج، وغاية لحياتهم.

ويمكن تعريف السيرة بشكل عام: هي كل ما اثر عن الرسول من قول وفعل منذ نزول الوحي عليه وحتى وفاته، بما في ذلك حياته وزوجاته ورسالته (القرآن) وغزواته وسرايا صحابته، وانتشار الاسلام في حياته.

    وانطلاقا من ان معرفتها ضرورة موجبة لكل مسلم انكبّ عدد من علماء الحديث على تلقينها إلقاء في المساجد في بداية الامر، ومن ثم تدرجوا بتدوينها. وبما انها ترتبط عضويا بالاحاديث النبوية قام فريق من العلماء بجمع الاحاديث وتدوينها، وهي عملية شاقة استوجبت منهجا جديدا للتثبت من صحتها، خصوصا بعد ان كانت قد نشأت الصراعات في الاسلام حول الخلافة بين الطالبيين والامويين وآل الزبير، وما استتبعها من قيام فرق دينية كالمرجئة والمعتزلة والمذاهب الشيعية المتعددة، لكل منها خصائصها وتوجهاتها الفقهية. وقد استند العديد من هذه الجهات السياسية –الدينية والفرق الى احاديث نبوية، ويعتقد بعض علماء الحديث والمؤرخين ان كثير منها  وضع لتأكيد صحة التوجه الديني والزمني لهذه الاحزاب المتعارضة في بعض وجوهها، او اقله لبعضها.

     وتأسيسا على ذلك، جهد المحٌدثون لجمع الاحاديث النبوية وتنقيتها مما شاب بعضها من دس واختلاق وتحوير، ومن ثم دوّنوها. وعرف هذا العمل بعلم الحديث. وقد عرّفه النووي «هو معرفة متونها وصحيحها وحسنها وضعيفها ومفصّلها ومرسلها ومنقطعها معضِلها ومقلوبها ومشهورها وغريبها ومتواترها واحادها وشاذها ومنكرها ومختلفها«[21]

2 – منهج المحدّثين: اعتمد المحدّثون من اجل التثبت من صحة الاحاديث على الاسناد، وهو ارجاع الحديث الى راويه الاول بالتحقق من منزلة رجال الاسانيد – الذين نقلوا الحديث عنه – الدينية  وسلامة منزلتهم الاجتماعية، ودقّة ادراكهم، معتمدين ضوابط صارمة اصطلح على تسميتها « الجرح والتعديل» وسميت ايضا «النظر بالرواة» وايضا «علم الرجال». وهذا العلم «يبحث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم بالفاظ مخصوصة»[22]. ويبتغى من الجرح والتعديل البحث عن رجال الاسانيد في ما يشينهم او يزكّيهم.   والجرح هو دراسة وضع راوي الحديث من جميع جوانبه الحياتية والدينية والاجتماعية، فاذا وجد فيه ثغرة واحدة كالفسق والكذب والتدليس او شذوذ، ُردّ حديثه، بل أسقط. اما التعديل فهو ايضا دراسة الراوي بالطريقة عينها ليتأكد المحدث من ان الراوي ثقة ويتصف بالامانة والصدق والفهم والمقدرة على الحفظ، شأن حال شهود العدول الذين لا شك بأمانتهم وصدقهم وتعلو شهاداتهم في المحاكم على كل الشهادات، واشترطوا بالراوي ايضا، كما الشاهد العدل، العقل والبلوغ والحرية. فاذا اجتاز الراوي كل هذه الاختبارات يُقبل حديثه.

   ويمارس الجرح والتعديل على كل رجال الأسانيد في الحديث الواحد، مثلا :”حدٌثنا ابو بكر بن اسماعيل عن ابيه عن سعد بن ابي وقاص قال”. يطبق الجرح والتعديل على ابي بكر بن اسماعيل، وعلى ابيه فإن كانا عدْلين قُبل الحديث، وان جُرح باحدهما رُفض. امّا سعد بن ابي وقاص فهو صحابي يقبل حديثه الا اذا اتهم بحالة من حالات الجرح، ونادرا ما يحدث ذلك، لان الصحابة اجمالا عدول. ولكي يقبل الحديث يجب ان يرتبط سعد برسول الله كأن يقول سمعت رسول الله يقول، والا أسقط. لان علماء الحديث صرفوا جهدهم، للتمييز بين الاحاديث ( الضعيف، والموضوع ،او الصحيح) بنقد رجال الاسانيد اكثر من اهتمامهم بمتونها معتبرين ان نقد المتن غير جائز متى صحٌ الإسناد. ولم يوجبوا الترجيح بين حديث وآخر باستبعاد الاضعف من حيث المعنى، او التوفيق بينهما، لان ذلك يؤدٌي الى الطعن بصحة الاسناد. وبالتالي أُبقي على هذه الانواع من الاحاديث في كتب الصحاح والسنن معتبرة صحيحة في حين انها متعارضة من حيث المعنى.

 واذا روى الحديث اكثر من صحابي بأسانيد متعددة يطبّق على الرواة قاعدة الجرح والتعديل ويؤخذ بحديث من رجال اسانيدهم عدول. وتصنف الاحاديث تبعا لرجال اسانيدها الى: ثابت، او صحيح، او ضعيف او مقبول.

     ان هذه العملية النقدية التي مارسها المحدثون، كانت الفضلى، واسّست لمنهج علمي طبقت قواعده على علم التاريخ ” التأريخ ” خصوصا ان معظم الاخباريين في القرنين الاول والثاني الهجريين والمؤرخين في القرن الثالث الهجري كانوا من المحدثين او على الاقل من علماء الدين.

 3- تدوين السيرة النبوية: خلال القرن الاول للهجرة كانت الرواية الشفوية المتواترة تنافس الكتابة، وتكمن اهميتها في انها حفظت لنا مضمون السيرة ومصادرها. ففي بداية الامر كان علماء الدين يختارون مواضيع مختلفة من السيرة يحدثون بها طلابهم ومريديهم. ولم يدوّن رواة هذا القرن كامل السيرة انما اختاروا مواضيع محدّدة فيها كتبوها لدوافع معينةكالنزول عند رغبة الحكام شأن عروة بن الزبير مع الامويين. وقد يكون تدوينها الخطوة الاولى على طريق الكتابة التاريخية وان لم يكن يبتغى من كتابتها التأريخ. لأن المناهج التي اعتمدت بتدوينها اضحت، كما سنلاحظ فيما بعد، المرتكز الاساسي او العمود الفقري للتأريخ عند العرب والمسلمين.

  ويعتبر عروة بن الزبير (ت 94/712م) اول من خاض هذا المضمار من دون ان يكون له منهج واضح وثابت، فقد اهمل الاسناد الا في حالات نادرة. ولكن مطلع القرن الثاني الهجري سيشهد تطورا ملحوظا على مستوى تدوين السيرة، الذي سيضطرد على مساحة هذا القرن ليرسي مضمونها ومنهج تأريخها الذي سيغدو منهج التأريخ فيما بعد. ولعل سيرة محمد بن مسلم بن شهاب الزهري م 124/742م اول بواكير هذا النهج، وتلاه كثيرون نخصّ منهم بالذكر: محمد بن اسحق (ت 151/760م ؟) ، ومحمد بن عمر الواقدي (ت 207/823 ).

 أ- النظرة التاريخية في تدوين السيرة: ان النظرة التاريخية تبنى على المضمون، فتحدد مدى احاطة المؤرخ بالموضوع الذي يدرس؛ هل هو انتقائي كأن يختار جزءا من موضوع متكامل لغاية محددة ؟ ام انه احاط به احاطة تامة وشاملة، هل حصر تركيزه بناحية معينة منه وتطرق الى الاقسام الباقية سطحياً ؟ مدى ربطه بين الديني والاقتصادي والسياسي. هل الرؤية الغالبة تمحورت على الناحية الاقتصادية وعلى اساسها فسر التاريخ، ام انه اعتمد على التفسير السياسي والعسكري؟ ما الدور الذي اعطاه المؤرخ للعامل الاجتماعي في اطار هذا المعترك الفكري؟ هل كان موضوعيا في استقراء الاخبار، ام انه اتخذ موقفاً مسبقاً منها؟

   ان هذه النظرة بكل ابعادها وجزئياتها، تشكّل منهج المضمون، لأنها تحدد عمق البحث او سطحيته، وتلقي الضوء على الآلية المتبعة بجمع  الحقائق المفردة وترتيبها، ومقدار التوازن في ضبطها. انها باختصار تحدد مفهوم الرؤية العمودية والافقية للموضوع المدروس. واذا كنا لا نطلب كل ذلك من مدوٌني السيرة فاننا نحدد فقط مفهوم النظرة التاريخية بالمطلق.

   اما بالنسبة للسيرة فقد اختلفت نظرة الاخباريين الى اطارها الزمني؛ فمنهم من عاد بها الى بداية الخلق شأن ابن اسحق، ومنهم من حصرها في الغزوات كالواقدي، تبعا لرؤية كل منهما الى الديني، والى التلازم بين الديني والتاريخي. وقد لعب التطوّر الفكري والتقدم الزمني دوراً في الفصل بين الديني والتاريخي ضمن اطر محددة كان الفكر انذاك يسمح بها.

     وعلى هذا، جاءت نظرة الزهري متأرجحة غير محددة المعالم بدقة، ممّا يطرح تأثير زمانه عليه، وقلة خبرته في التأريخ، وربما ضآلة معلوماته عن الفترة السابقة لظهور الاسلام، لأن اهتمامه انصب على الديني. فقد عاد بها الى بداية الخلق ذاكرا بعض المحطات من تاريخ بعض الانبياء، فالوحي على الرسول، ومن ثم الغزوات وتفاصيل متعلقة بالرسول. ممّا يمكننا القول انه حاول الاحاطة بالسيرة من جميع اطرها، وتمكّن من تحديد  هيكليتها. وتعدتّ نظرته السيرة الى نتائجها القريبة اي العصر الراشدي اذ كتب محطات فيه، مرسيا نهجا سيسير عليه عدد وافر من المؤرخين الكبار خلال العصور الوسطى، فدونوا تاريخ المسلمين تراكميا بدء بالسيرة وانتهاء باحداث عصر كل منهم.

    اما نظرة ابن اسحق فقد جاءت اكثر دقة وشمولاً؛ اذ عاد بها الى بداية الخلق مرورا بتاريخ الانبياء وتاريخ العرب في الجاهلية، مركّزاً على تاريخ اليمن واجداد الرسول، فالوحي وصولا الى الغزوات. وتحدّث عن نتائجها القريبة على غرار الزهري.

    من هنا، يمثل ابن اسحق مرحلة متطورة في الوعي التاريخي، اذ أرّخ لتاريخ النبوة آخذا بالاعتبار نظرة القرآن الى الكوْن، فجعل النبوات كلا يكمل بعضها البعض الآخر؛ فاليهودية تمهد للمسيحية، التي بدورها تمهد لمجيء الرسول محمد، ويكون بذلك أرّخ لوحدة الفكر الديني. وبحديثه عن تاريخ العرب في الجاهلية يبدو وكأنه يحاول طرح معادلة جديدة تشرح تحول وضع العرب من الجاهلية الى الاسلام تحوّلا واضحا وملموسا نحو الافضل، لا بل نحو الهداية.

   اما الواقدي فحصر السيرة بالغزوات فقط، متأثرا، ربما بمنهجه التأريخي، بحيث أرّخ لكل الغزوات طارحا ابعادها الزمنية ما امكنه الى ذلك سبيلا. مميّزا بين الامر الآلهي والتنفيذ البشري، ممّا اعطى نظرته بعدا جديدا؛ فهي ليست دينية بالمطلق، بل دينية بإطار التاريخ. وهو تحوّل بالنظرة التاريخية عند العرب والمسلمين نحو ارتباط الزمني بالديني، ولعل افضل نماذجه دور الجهاد بالمحافظة على المسلمين وبتطور قوتهم ونشر الاسلام.

     وتأسيسا على ذلك، نلاحظ بوضوح تطور النظرة التاريخية في الكتابة التاريخية وان كانت منطلقاتها دينية. فهي تلاءمت مع عوامل التطور على المستويين الزمني والديني: تطور الفكر العربي عبر الاحتكاك بالحضارات القديمة، وتطور العلوم الدينية تلبية للحاجات التشريعية.   

ب – المصادر وطريقة المعالجة: ان المنهج هو الطريقة التي تساعد المؤرخ على اكتشاف الحقيقة التاريخية التي هي مطلقة في الاساس، وقد لا يعرفها تماما إلا من شارك بصنعها. وبالتالي هو موقف من المصادر والاحداث، يستخدم فيه المؤرخ كل الوسائل المتاحة مثل «العلوم المساعدة» المعروفة اليوم «بعلوم الانسان»  لاستقراء الماضي، من دون اتخاذ مواقف مسبقة منه. لأن الوثيقة او النص معين غني جدا بالمعلومات، وبقدر ما تُطرح عليه اسئلة ذكية بالمقدار عينه يجيب ممّا يعمق فهم الاحداث ومقاربة الحقيقة. والموقف من الماضي هو اعادة تصوّره او رسمه كما حدث، لا كما يفترض المؤرخ حدوثه تبعا لآرائه ومواقفه المسبقة. من هنا، يرتبط المنهج بالموقف من المصادر واخضاعها للجرح والتعديل، واستخدام المؤرخ لكفاءته بعد التبحّر بالمصادر بوضع الحدث باطاره التاريخي العام، وفي سياق الحوادث كلها، بما في ذلك اسبابه، حوادثه، نتائجه. لأن من دَوّن المصدر قد يكون، على رغم عدالته وتقواه، وقع مكرها بالخطأ. ويجدر بالمؤرخ الا يكتفي بعدد معين من المصادر، لأن وفرة الوثائق والمصادر على اختلاف انواعها، والتباين ببعض رؤاها، يمكّننا من الولوج الى الماضي والاقتراب قدر المستطاع من الحقيقة الماضوية: هدف المؤرخ. لأن تنوع المصادر وتباينها من الحدث التاريخي هو غنى وليس تعارضا مع الواقع، ويكشف للمؤرخ المدقق الخفايا المتنوعة، التي باستقرائها بتأنٍ يتمكن من اعادة تكوين الحدث بنسبة عالية من الصحة. فالمنهج اذاً هو الوسائل التي نستخدمها للولوج الى الحقيقة الماضوية والاقتراب منها قدر المستطاع، وهو يرتبط ارتباطا وثيقا بالنظرة التاريخية. بل هو النهج العلمي والوضعي الذي يحتضن النظرة التاريخية- المعروفة بمنهج المضمون- ويبلورها.  

    ان منهج السيرة لا يحتمل كل هذا الكم من الادراك التراكمي المعرفي الوضعي، بل هو تدوين احداث ضمن رؤى مقدسة على وجه العموم. وادّت مواقف الاخباريين منها الى تباين في مناهجهم، او بالحري الى اختلاف تبعا لدقة كل منهم. فأحداث السيرة كانت معروفة اجمالا ضمن اطرها الكلية، اما التفاصيل فكانت تحمل من المعرفة والدقة الشيء الكثير. وان محاولات مدوّيها الوقوف على هذه الدقائق والتفاصيل، رجّحت منهجا على آخر.

    وعليه، يرتبط منهج اخباريّي السيرة بموقفهم من المصادر من حيث الدقة والوفرة، واخضاعها لقواعد الجرح والتعديل، وبمقدرتهم على بلورة نظراتهم التاريخية بإبراز السيرة ليس من حيث حدث مضى، بل كحدث عالمي ديني تحتضن اسسا تشريعية رئيسة، ونبراسا سلوكيا اجتماعيا يحتذى، وقواعد دينية هادية، وكأحد مفاصل التاريخ الكبرى. وكلما تمكّن مدوّن السيرة من ابراز هذه الحقائق ومن ربطها بالواقع التاريخي كحدث عالمي ديني، بالاستناد الى مصادر منتقدة علميا، كلما جاء منهجه راقيا وخلاقا. وتزداد اهميته باتباع التسلسل الزمني، وبربط الحوادث زمنيا لتثبيت اطار السيرة التاريخي.

  كثر الذين دوّنوا السيرة، ومن العسير جدا ان نتناولهم جميعهم بالدراسة، بحيث يغدو الموضوع دراسة بمنهج السيرة النبوية وتطورها، اما غايتنا فهي اعطاء فكرة واضحة عن تطوّر منهجها، وتأثيره على مناهج مدارس الاخبار التاريخية، وتاليا على مناهج المؤرخين الكبار. ما يجعلنا نقتصر في دراسة المنهج على ثلاثة اخباريين من القرن الثاني الهجري هم: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري في مطلعه (ت 124/742)،  ومحمد بن اسحق المطلبي في وسطه (ت151/760)، ومحمد بن عمرالواقدي في اواخره (ت 207/   823).

4- نماذج عن مدوني السيرة

أ- محمد بن مسلم بن شهاب الزُهري: عاد الزهري بالسيرة الى بداية الخلق وجعل تاريخ بعض الانبياء الذين ذكرهم في فترة ما قبل الاسلام، مقدمة لبدايتها، محددا بذلك تاريخيتها ومفهومها الديني؛ فالسيرة، من وجهة نظره، لا تبدأ بميلاد الرسول بل دذورها قديمة جداً، لأن الاسلام دين ازلي، ولا تنتهي بوفاته بل تؤسس لتاريخ المسلمين منذ ان اظهر الرسول دينه للعالم. ممّا دفعه ليأخذ التوالي الزمني للحوادث بعين الاعتبار، من دون ان يعني ذلك تسلسلا زمنيا، ولا ربطا بين الاسباب والنتائج. بل ذكراً لمعظم الغزوات وفق تسلسلها، وتحديد تاريخ بعضها، وتاريخ هجرة الرسول الى المدينة. ذلك ان مفهوم الزمن لم يكن بعد قد استقرّت ابعاده في ذهنية المدوّين. ومع ذلك، فان ذكر بعض التواريخ اسهم في تثبيت اطار السيرة الزمني وان بشكل مشوش.

اعتمد الزهري على الاسناد في تحقيق رواياته والاحاديث النبوية واخضعها كلّها لمبدأ الجرح والتعديل، رغم انه استقاها من عائشة زوج الرسول، وآل الزبيْر ولا سيما استاذه عروة بن الزبير، ومن كل من يمكن ان يكون عنده حديث. ممّا يعني ان فكر الاخباريين كان بدأ الانطلاق نحو مصادر اوسع مما كانت عليه في القرن الاول الهجري.

    وكان ذكر الاسانيد يفتت السياق العام، فاوجد الزهري طريقة جديدة لشد الاخبار بعضها الى البعض الآخر تمنع تفتيتها قدر المستطاع عرفت بالاسناد الجمعي، وهي تقوم على ذكر سلاسل اسناد حول موضوع معين، تتقدم متن الرواية.

    وتسربت الى بعض أخباره قصص شعبية وإسرائيليات نتيجة اهتمامه بتاريخ الانبياء واعتماده على اخبار اليهود، كما حوى اسلوبه الشعر والحوار والخطابة تمشيا مع الاسلوب السائد.

بمحمد بن اسحق المطلبي: ولد ابن اسحق في المدينة عام 75 /695 او 85/ 705، وتثقّف على اعلامها ومحدثيها. ورغبة بالازدياد بالعلم والمعرفة قام بعدة رحلات بدأها بالاسكندرية، فالكوفة، والجزيرة والري والحيرة الى ان استقر به المطاف في بغداد حيث التقى الخليفة العباسي ابا جعفر المنصور وقدّم لها كتابه السيرة النبوية كهدية لإبنه المهدي.

    ويعتقد بعض الموؤرخين ان ابن اسحق وضع كتابه في السيرة قبل قدومه الى بغداد، وكان املاه على عدد من العلماء مثل زياد بن عبد الله البكائي، ويونس بن بكيّر الشيباني، ثم عدّله نزولا عند رغبة الرشيد ليتوافق مع هوى العباسيين؛ فحذف منه بعض المواقف المحرجة للعباسيين مثل: قتال العباس عم الرسول الى جانب المشركين في بدر، ووقوعه في الاسر[23]، وفريق آخر يعتبر ان ابن هشام من قام بهذا التعديل. توفي ابن اسحق عام 150/768 او 153/ 770، وبعد مرور نصف قرن على وفاته عدّل ابن هشام وهو احد الفقهاء والنحويين الكتاب وهذّبه وهو النسخة التي بين ايدينا اليوم.

    نظر ابن اسجق الى السيرة نظرة عميقة جدا فعاد بها الى بداية الخلق وقسّمها الى ثلاثة اقسام اساسية: المبدأ، والمبعث، والمغازي. فجعل المبدأ قسمين رئيسيين: الديانات السماوية السابقة على الاسلام، والتاريخ الجاهلي  وقد قسّمه ثلاثة اقسام هي: تاريخ اليمن في الجاهلية، تاريخ القبائل العربية واساليب عباداتها، وتاريخ مكة الذي يحوي على اخبار قريش قبيلة الرسول.

     حصر المبعث بمجيء الرسول ونزول الوحي عليه والصعوبات التي واجهته هو والصحابة في مكة، ثم هجرته الى المدينة. اما المغازي فتحدث فيها عن حياة الرسول في المدينة وانتشار الاسلام في عهده بما في ذلك عهد الصحيفة، وغزوات الرسول وسرايا صحابته حتى وفاته.

 ويمكننا من خلال هذا التقسيم اعتبار نظرة ابن اسحق عميقة جدا ربطت بين الديني والزمني؛ فقد تناول الديانات السماوية بحلقة تسلسلية وكأن الواحدة تمهّد الى الاخرى ليجعل من الاسلام الدين عند الله. محيطا بتاريخية وقدسية بالديانات السماوية كلها، وهي المحاولة الاولى في التاريخ لمثل هكذا اطروحة. وشكّل حديثه عن العرب في الجاهلية محاولة لتويضح احوال العرب الدينية والاجتماعية الساسية، ومآلهم بعد دخولهم في الاسلام نحو الافضل بل نحو الهداية والاستقلال السياسي والتطور الاجتماعي. وجعل الغزوات توضح هذه الرؤية وتبلورها، واستكملها بالحديث عن العصر الراشدي، الذي يمكن اعتباره نتيجة مباشرة للسيرة النبوية.

   اما مصادر ابن اسحق فقد تعددت وتنوعت: الكتاب المقدس، وروايات يهودية ومسيحية، وبعض الاساطير، ووهب بن منبه، ووروايات استقاها من الموالي، والقصص الشعبي، وشيوخ اهل عصره، والقرآن، والاحاديث النبوية. وهي الى ذلك غنية ومتعددة، حاول من خلالها الاحاطة بأكبر قدر من المصادر المتوفرة.

   لم يتبع منهجا واحدا في مدوناته لأنه عاد بالسيرة الى بداية الخلق، معتمداً على القصص المتداول عند اليهود والمسيحيين في حديثه عن الانبياء من دون اخضاعها الى للجرح والتعديل، مكتفياً بايراد ما وصل اليه عن طريق السماع، ما جعل اسلوبه قصصيا في هذا القسمً. وفي اخباره عن تاريخ العرب كان ينقل مباشرة عن الآخرين ولا سيما عن وهب بن منبه، فجاء ايضا هذا القسم قصصأ تاريخيا من دون اي نقد. اما سيرة الرسول منذ الوحي وحتى وفاته فقد اتبع فيها مبدأ الجرح والتعديل بتفاوت، فجاءت اسانيد المغازي قوية جدا ومبنية على الاسناد الجمعي.

 ان اهميته تتجلى بتقسيم السيرة الى ثلاثة اقسام: المبدأ، والمبعث، والمغازي، وبذكر معظم تواريخها ممّا تتثبتها زمنياً ضمن هيكلية متكاملة. وجاء تدوينه للعهد الراشدي في كتابه الضائع «تاريخ الخلفاء» ليربط السيرة بتاريخ المسلمين، واستطرادا فان تاريخ المسلمين يبدأ بالسيرة من بداية الخلق، وتستمر نتائجها حتى انتهاء الزمان. ما دفع من سيأتي بعده لاتباع هذه النظرة الجديدة بحيث ان مؤرخين مشهود لهم سينهجون طريقته وفق افق اوسع، مدوّنين تاريخا عالميا منذ بداية الخلق حتى عصرهم شأن الطبري وغيره.

    واذا كانت هناك مآخذ عليه من حيث نحله للشعر، وتضمين كتابه بعض الاساطير، وتعديله لتتوافق وهوى العباسيين، فان ذلك لا يبخس الكتاب قيمته خصوصا بعد ان عدّله ابن هشام، وهو يعتبر افضل واتم سيرة عن الرسول.

ج – محمد بن عمر الواقدي[24]: اما الواقدي، في كتابه «المغازي» فقد خطى بمنهجه خطوة مهمة على صعيد البحث التاريخي بذكر مصادره الاساسية الخامسة والعشرين في مقدمة كتابه، فجعلنا نحكم على جديتها ورصانتها قبل الشروع بقراءة الكتاب. اما ابرزها فهي: الزهري، وكل من كتب بالسيرة ممن سبق الواقدي، الاحاديث النبوية، القرآن، اولاد واحفاد من استشهدوا في الجهاد او شاركوا فيه، اضافة الى ابن اسحق الذي اخذ عنه من دون ان يذكره لأنه كان غير موثوق عند علماء المدينة. فجاءت مصادره قوية جداً غالباً ما تنتهي بمن شارك بالاحداث، او شاهدها، او من أخذ عن هؤلاء، وغنية متنوعة شاملة اخضعها جميعها للجرح والتعديل.

     وقد اقتصرت السيرة عنده، كما اسلفنا، على الغزوات، وهذا أمر غاية في الاهمية على المستوى التاريخي، اذ حاول الواقدي الفصل بين الديني والتاريخي، معطيا السيرة، اضافة الى جانبها المقدس، بعدا تاريخيا اساسيا من حيث تمييزه في الغزوات بين الأمر الإلهي الداعي اليها، والأمر الدنيوي المتمثل بتفاصيلها. وهي الى ذلك احداث تاريخية بحتة، وكأنه مهّد، من غير قصد، للفصل بين علمي الحديث والتاريخ. ويتضّح الأمر أكثر بذكر الواقدي ثبتا، في مستهل كتابه، بجميع الغزوات وتواريخها، لأن ربط الحوادث زمنيا يعتبر من اهم اسس التأريخ. وخطى الواقدي خطوة أخرى على مستوى التنظيم والمنطق باتباعه التسلسل التاريخي للأحداث، وان من دون ترابط سببي ونتائجي.

  ان انجازات الواقدي المنهجية اكسبت السيرة بعدا تاريخيا واضحا، فقد ربط مضمونها عضويا بمسألة الجهاد في الاسلام، الذي لم يقتصر على الغزوات والسرايا في عهد الرسول، بل بتأسيس دولة الخلافة ايضا، التي جعلت الجهاد اساساً لنشر الدين وتوسعها. وتأكيداً لهذه النظرة كتب الواقدي كتابه «فتوح الشام» كما الكتب الأخرى مثل : «فتح العراق»، و«التاريخ الكبير» الذي تناول فيه اخبار الدولة الاسلامية حتى عام 179/796[25].

     واعتمد على ابحاثه الشخصية للتثبت من تطابق الرواية مع الواقع  الجغرافي ما اكسب اخباره تفاصيل جغرافية، وهي خاصةتأريخية لم نعهدها قبله. واعتمد في تدوين اخباره منهج الاسناد الجمعي وطوره عمّا أثر عن سابقيه فجاءت الاخبار أكثر لحمة والاحداث أقل تفتيتأ.

    قد نكون اعطينا اخباريي السيرة بعداً تأريخيا متطوراً لم يقصدوه ضمن هذا التكامل، رغم ان افق اخباريي النصف الثاني من القرن الثاني الهجري كان، على ما ازعم، اوسع مما يبدو للقراءة المبسّطة، فقد كانوا جميعهم محدثين ومتفقهين بعلوم الدين من دون ان يرقى تفقههم الى مستوى مذهب. وكانت لهم رؤاهم ونحن حاولنا استقراءها بعمق. وخدمت مناهجهم علم التاريخ على مستويين على الاقل: فقد استعار منهم المنهج الصارم للتأكد من صحة المصادر باخضعها للجرح والتعديل فتنقت الروايات والاخبار من نسبة عالية من شوائبها. وصارت نظرتهم، التي ربطت السيرة بنتائجها، اساسا للتدوين التاريخي، ممّا جعل تاريخ المسلمين يتعاقب زمنياً.


[1]  الخالدي،(طريف)، فكرة التاريخ عند العرب من الكتاب الى المقدمة، ترجمة، حسني زينه، دار النهار، بيروت، 1997، لقد افدت منه كثيرا كما اقتبست بعض معلوماته.

[2]   الخالدي، فكرة، ص20-21

[3]  روزنتال ( فرانز)، علم التاريخ عند المسلمين ترجمة صالح احمد العلي، مكتبة المثنى، بغداد، 1963 ، ص23

[4] – لن اتوسع كثيرا بهذا الموضوع فقد ناقشه ودرسه عدد وافر من المستشرقين والمؤرخين العرب، لذا، ولمزيد من الاطلاع يمكن مراجعة روزنتال، علم التاريخ، وكذلك الخالدي(طريف)، فكرة التاريخ عند العرب، ترجمة حسني زينه، دار النهار، بيروت، 1977

[5]  فكرة التاريخ، ص23

[6]  الجاحظ،(عمرو بن بحر)، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، 1948-1950، ج1، ص287، لمزيد من التفاصيل انظر الخالدي، المرجع السابق، ص25

[7]   طريف الخالدي، ص27

[8]   روزنتال، علم التاريخ، ص 3 3

[9]  مصطفى ( شاكر )، التاريخ العربي والمؤرخون، دار العلم للملايين ، بيروت ، 1978 ، 4 اجزاء، ج1 ، ص54 – 55

[10]   مصطفى ، ص 55

[11]  المكان عينه

[12]  روزنتال، ص 34

[13]  المكان عينه

[14]  مصطفى، التاريخ العربي، ج1، ص57

[15]  القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 106

[16]   صحيح مسلم، ج8، ص229، نقلا عن صبحي(محمود)، في فلسفة التاريخ، مؤسسة الثقافة الجامعية، الاسكندرية، 1975، ص304

[17]  مصطفى، ج1 ، ص63

[18]  البيروني، الآثار الباقية، ص 99

[19]  ابن النديم، الفهرست، نشر فلوجل، ص305-316 ، ومصطفى، ج1، ص69

[20]  الفهرست، ص 91

[21]  فوزي (ابراهيم)، تدوين السنة، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، 1994،ص146

[22]  كوثراني ( وجيه)، التأريخ ومدارسه في الغرب وعند العرب، الاحوال والازمنة للطباعة والنشر، بيروت، 2001 ، ج1، ص82

[23]  ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وابراهيم الايباري وعبد الحفيظ شلبي، دار الكنوز الادبية، بيروت، دون تاريخ، ج1، ص10

[24]  انظر حياته في فصل الاخبار التاريخية

[25] –  ابن النديم، الفهرست، ص144

اليعقوبي (ت284 او 292ـ897 او905)

I- حياته ومؤلفاته:

1- حياته:هو أحمد بن اسحق بن واضح[1]، واشتهر بأكثر من لقب:الكاتب، واليعقوبي[2]. لا نعلم الشيء الكثير عن حياته اذ لم تذكره كتب التراجم ربما لأنه لم يشتهر بالعلوم الدينية، خصوصا انها كانت في عصره شبه حكر على العلماء والفقهاء والقضاة. وهو يتحدر من اسرة كانت تعمل في دواوين الخلافة فعرف بالكاتب. قد يكون ولد في بغداد على ما يعتقد مولر، ولكنه غادرها باكرا الى بلاد فارس[3]، التي كانت تحت سيطرة الطاهريين شبه المستقلين عن الخلافة العباسية. واشتهر بكثرة اسفاره، فعرف بالمؤرخ الرحالة، ونذكر من البلاد التي زارها: بلاد فارس، بلاد الشام، مصر، المغرب، الاندلس، والهند. ويعتقد انه كان شيعي الهوى على المذهب الاثني عشري، وقد بدا ذلك باسهابه بذكر الأئمة وخطبهم[4]. واتهمه بعض المؤرخين، ومنهم مرغوليوت، بأنه كان على مذهب المعتزلة[5]، وربما تأتٌى ذلك عن نعته المذهب المذكور بالتوحيد[6]. لم يتفق المؤرخون على تاريخ ثابت لوفاته: فياقوت الحموي حدده بسنة 284/897، وجعله آخرون عام292/905 لأنه ذكر هذا التاريخ في «مشاكلة الناس لزمانهم ».

2- مؤلفاته ومضمون كتابه التاريخ: ترك اليعقوبي كتابين، الاول في التاريخ وهوالمعروف باسم « تاريخ اليعقوبي»، والثاني « اسماء البلدان » المشهور ب«البلدان» وهو في الجغرافيا التاريخية، ورسالة معدودة الصفحات اسماها: « مشاكلة الناس لزمانهم »

  يتألف تاريخ اليعقوبي من قسمين متميزين: الاول يتناول تاريخ العالم، المعروف انذاك، منذ بداية الخلق وحتى الرسالة النبوية. وهو سجل عام ومختصر لتاريخ البشرية، استهلّه بقصة الخلق، على ما يبدو، لأن مقدمة هذا الجزء وبعض صفحاته الاولى مفقودة. ثم تابع تاريخ الانبياء[7]، متبحّراً بالكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ومتحدثاً عن الاناجيل الاربعة[8]. وبعد ان انتهى مما هو مقدس عند الشعوب أرّخ للشعوب القديمة بادئا بالرومان، فالشعوب التي حكمت بلاد ما بين النهرين كالاشورين والبابليين، ثم ملوك الهند، والتاريخ الاغريقي، من دون ان يغفل تاريخ الفرس، والبربر، والافارقة، وملوك الحبشة والسودان، مركزا على النواحي الحضارية. وافرد قسما من هذا الجزء لعرب الجاهلية: ممالكهم في الشمال والجنوب، ولا سيما اليمن، ودياناتهم وشعرائهم.

    واستهل الجزء الثاني بالسيرة النبوية، فالعصر الراشدي، واخبار الخلفاء الامويين والعباسيين حتى سنة 259/872 وهو تاريخ مختصر.

II- منهج اليعقوبي:

 1- نظرته التاريخية: نظر اليعقوبي الى التاريخ السابق على ظهور الاسلام نظرة عالمية شملت الشعوب والامم التي تمكن من التعرف على تاريخها، تماشيا مع نظرة القرآن الى الماضي  والكون.  واعتبر ان احداث العالم يكمل بعضها البعض الآخر، مشددا على العبر الدينية والخلقية فيها. فجاءت نظرة اليعقوبي منسجمة مع توجهه الديني وفي اطاره العام؛ لأن معرفة تاريخ الشعوب القديمة باتت ضرورية ولا سيما النواحي الحضارية، لأن الحضارة حلقات متتابعة متنوّعة المصادر، والحضارة العربية الاسلامية استمدت بعض مرتكزاتها من تراث الشعوب القديمة. وكان كلما اعوزته المعلومات السياسية والعسكرية أحلّ مكانها معلومات حضارية، بدليل ان التواريخ السياسية للرومان والهنود والصينيين شبه محذوف، وقد غطّى هذه الثغرات بالنواحي الحضارية الصرفة استكمالا لرؤيته لأبعاد التاريخ  المتلائمة مع توجهه. ولم يكن اليعقوبي رائد التاريخ العالمي الشامل، وان بزّ غيره من حيث الشمول والمعرفة. فابن اسحق حاول الاحاطة بوحدة الفكر الديني، ووحدة التاريخ العربي السابق على ظهور الاسلام، فجاءت مساهمته أولية بهذا الاطار، ثم تلاه اخباريون آخرون ولا سيما المدائني ببعض الكتب او الرسائل، كما بعض المؤرخين مثل ابن قتيبة في كتابه« المعارف »، وابي حنيفة الدينوري في « الاخبار الطوال » . لكن انجاز اليعقوبي يعتبر الاهم والخطوة الرئيسة لوضع ركائز التاريخ العالمي بمعناه العام والشامل بخاصة الحضاري منه. ولعلّه ادرك ان التأريخ لا يستقيم بمعناه الحقيقي الا اذا جاء عالمياً وتقاطعت فيه الاحداث السياسية والعسكرية مع النواحي الحضارية، مبيّنا دور تماذج الثقافات باعطاء التاريخ بعده الحقيقي. ولكن نظرته تلك لم  تستقم الا مقرونة باللمحات الجغرافية، على الرغم من انه افرد كتاب “البلدان”ً للجغرافيا. ففي تاريخه معلومات عن البحار، والجزر، والمواصلات البحرية[9]، وتفاصيل جغرافية من حيث التضاريس والمسافات بين المدن، وصف لطرق المواصلات البرية، وازعم انه رائد في هذه الانماط.

 وهكذا جاءت نظرته للتاريخ شاملة لابعاده السياسية والحضارية المتممة بالمعلومات الجغرافيا، وهي لعمري نظرة فريدة في عصره سبقت رؤية مؤررخين كثر جاءوا بعده. 

     اما نظرته للتاريخ العربي والاسلامي فأتت شاملة لكل احداث المسلمين بدءاً بالسيرة النبوية وصولا الى احداث سنة 259/872 من دون ان يهمل اية فترة فيه رغم اعتماده افضليات في بعض الحوادث من حيث التفصيل والايجاز. ويبدو انه كان على معرفة اوسع بالعهدين الراشدي والاموي كما بالعصر العباسي الاول أكثر من معرفته باحداث عصره التي اوجزها. وهذا أمر ملفت للإنتباه ويمكن ردّه الى ثلاثة امور على الاقل: 

اولها: رغبته الواضحة بالاختصار كما يعبر هو نفسه عن ذلك[10]، ولكي يسمح لأكبر عدد ممكن من محبي التاريخ الاطلاع على مكنونات الماضي، لأن المطولات الكبرى ما كان يطالعها الا اهل الاختصاص او المثقفون عامة، والنهمون الى المعرفة في كل الميادين.

وثانيها: جهلاً به، وهو أمر مستغرب! لأن مصادر اليعقوبي الواسعة والغنية تجعلنا نشك بذلك.

وثالثها: تجنبأً للتصنيف السياسي، الذي قلّما نجا منه مؤرخ. ولكنه هل نجا فعلاً من هذا التصنيف؟! خصوصا انه ساير العباسيين باهماله تفاصيل احداث عاصرها مثل: مقتل الامام موسى الكاظم مكتفياً بذكر البيان العباسي على حد تعبير الدوري[11]، ونكبة البرامكة على يد الرشيد، وثورة الزَنْج التي دامت 14 سنة، وقد مرّ عليها جميعها هامشيا لأنها مواقف محرجة للعباسيين. ويمكن تفسير هذا الموقف، إضافة الى انه مساير للسلطة، بأن اليعقوبي اعتبر مبدأ الاجماع اي الذي تقرّه السلطة يسود على ما عداه، بل هو الاقوى. ممّا يعني انه، في هذه المواقع، اتخذ موقفا مسبقاً من الاحداث مشايعاً سلطة الخلفاء واحكامهم من دون تعليل، وهذا مأخذ مهم عليه. وينعته الدوري بإمامي الهوى لاسهابه بذكر أقوال الأئمة الشيعة وخطبهم، وبكتابة ترجمة كاملة لكل منهم عند وفاته. ويصفه ايضا بالمساير للعباسيين او مجاملاً لهم بتسميته الدعوة العباسية « بالهاشمية »[12]. فهل هذا يعني ان نظرة اليعقوبي للتاريخ تلوّنت بالاهواء تبعا لمواقفه من السلطة عبر المراحل التاريخية منذ العهد الراشدي وحتى عام 159؟ حينا محابيا، وحينا آخر مدافعا عن مواقفه المتلائمة مع ميوله السياسية والمذهبية، ممّا جعل تأريخه غير متجرد؟

  من الصعب تأكيد هذا التساؤل، رغم اقتناعنا الكامل بان التجرد المطلق غير متوفر عند المؤرخين، ولكن اذا امعنا النظر بكيفية فهمه للدولة، ندرك انه كان محايدا الى حد لا بأس به. وتبدو الدولة عنده كلاً متكاملا: الخليفة، وزراؤه، ولاته، عماله، مشاهير القضاة، واصحاب شرطته وأمراء الحاج، لأنه يذكرهم جميعهم عندما يترجم للخليفة، تماشيا مع نظرته الحضارية للتاريخ، التي كان يتممها بذكر طوالع النجوم في مستهل عهد كل خليفة[13]  التي قد تنبئ عن مستقبل العهد المذكور، عاكساً بذلك تقاليد اجتماعية تنم عن اعتقاد الناس بالتنجيم. وتماشيا مع تطلّعه الحضاري كان يذكر التواريخ، الى جانب التاريخ الهجري، بالتقويمين الفارسي والرومي في مطلع عهد كل خليفة.

   وعلى هذا يمكن الاستدلال ان نظرته الى التاريخ الاسلامي جاءت شاملة وموجزة في آن واحد، لأنه لم يعر اي اهتمام للدويلات التي نشأت من رحم الدولة العباسية وشبه استقلت عنها بما فيها الدولة الطاهرية التي عاش ردحا من الزمن في كنفها، مشددا على مركزية الدولة، لأن كل من يعادي  سلطتها تختصر احداثه بشكل هامشي.

2– مصادره: ان جملة عناصر تضافرت وساهمت بفعالية بمنهج اليعقوبي ليس اقلها تحدره من اسرة كانت تعمل في دواوين الخلافة، ممّا سمح له الاطلاع على معلومات لم يكن بامكان اخرين الوصول اليها بيسر، فجاءت معلوماته هذه غنية وموثوقة المصادر. وان ترحاله شبه المستمر طلبا للمعرفة والاطلاع المباشر على بعض الاحداث، واخذ معلومات اخرى من رواة البلاد التي زارها، شكّل عنصرا فاعلا في ثقافته في التاريخ والجغرافيا، التي عزّزتها انه معرفته بكتب الشعوب السالفة خصوصا الكتب الدينية.

       وعلى هذا، جاءت مصادر الجزء الاول متنوّعة بني بعضها على الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ، واخذ اليعقوبي بالاعتبار، في هذا المجال، ترتيب الانبياء كما جاء ذكرهم في القرآن. وبعضها الآخر بني على رحلاته، والكتب المترجمة، واتصاله المباشر بقسم من الشعوب المعنية. فاستمد معلوماته عن الفرس من الكتب المترجمة، ومن اتصاله المباشر بهم عبر رحلاته الى مدنهم واقامته الطويلة في كنف الدولة الطاهرية. واستقى معلوماته عن اليونان من الكتب المترجمة ايضا. واستمد من السريان موارده عن دول بلاد ما النهرين، وأخذ اخبار الهند من كتب الهنود القديمة ولا سيما كتاب « السند هند» الذي اسماه « دهر الدهور»[14]. فجاءت مصادره غنية متنوعة تعكس ثقافته العميقة.

     تميز اليعقوبي بحسه النقدي فلم يقبل الروايات على علاّتها خصوصا ولا سيما المتعلقة بالتاريخين الفارسي والفرعوني. اذ رفض الاساطير الفارسية واعترف صراحة بان بعض مواد هذا التاريخ، السابقة للعصر الساساني، لا يمكن الركون اليها،[15]ومن ذلك قوله: “فارس تدعي لملوكها أموراً كثيرة مما لا يقبل مثلها…ومما لا حقيقة له.”[16] وقال عن الفراعنة: “ويقولون ان انبياءهم كانت تكلمها الكواكب…وانها تنبئهم بما يحدث”[17]. وبالتالي فهو يلفت الى عناصر الضعف والشك بموارد التاريخ القديم وينبّه الى عدم الاخذ به.

       اما مصادره في الجزء الثاني اي التاريخ العربي والاسلامي فقد استمدها من كتب الاخباريين، ومن مشاهداته الشخصية، واتصاله بالحكام، وهي الى ذلك غنية ايضا ومتنوعة. وقد اهمل الاسانيد لأنها كانت قد استقرت بعد ان اشبعت درسا وتمحيصا، فلم يجد موجباً الى اعادة تكرارها، ولأن الروايات العائدة لها كانت ايضا قد استقرت وباتت معروفة، محاولا بذلك، ومن دون سابق تصميم ربما، الفصل قدر المستطاع بين علم الحديث والتأريخ، مؤسسا لاستقلال التأريخ كعلم قائم بذاته. وهي لعمري خطوة جبارة تنم عن ادراك واسع وحس نقدي بارع. والى ذلك استهلّ الجزء الثاني من تاريخه بثبت  مصادره الاساسية[18]: فاستقى اخبار المدينة من ابّان بن عثمان وابن اسحق والواقدي، واخبار العراق من المدائني والهيثم بن عدي وسليمان بن علي الهاشمي، واخذا الانساب عن هشام بن محمد الكلبي والهيثم بن عدي، واخبار الفلك عن الخوارزمي وماشاء الله الحاسب[19]

3- طريقة المعالجة: جعل اليعقوبي، في القسم الاول من كتابه المواضيع اساسا للتأريخ، فكانت الدول تبعاً لتعاقبها اساسا للترتيب الزمني من دون ذكر التواريخ لصعوبة قياس الزمن السابق للاسلام عند العرب أنذاك. وجعل من الانبياء والملوك، تبعاً لتواليهم محورا اساسيا للمواضيع. وكانت المادة السياسية شبه مفقودة عنده، فاستعاض عنها بالنواحي الحضارية مركزاً على امتزاج الثقافات. واذا كان النقد لهذا التاريخ صعباً فان اليعقوبي كان ينبّه الى مواطن الضعف في بعض الروايات، واحيانا أخرى يوصي بعدم الاخذ بها على الرغم من انه ذكرها بفعل الامانة التاريخية.

   اما في القسم الثاني اي التاريخ الاسلامي فقد اهمل الاسناد في مادته، كما أسلفنا، ليعطي ربما التاريخ استقلالاً عن علم الحديث، وهو الى ذلك لا يذكر الاسانيد في سياق الحوادث الا نادرا، في حين ذكر مصادره الشفوية والاشخاص الذين زوٌدوه بالعلومات العائدة الى عصره.

    واعتمد في عرض الحوادث على نمطين على الاقل: التراجم والتأريخ الحولي؛ إذ تحدث عن عهد كل خليفة على حدة، مؤرخا الحوادث سنة بعد سنة، وإن اهمل احيانا بعض السنين ذاكرا احداثها بشكل متداخل[20]، او ليدوّن احداثا جانبية غير مرتبطة مباشرة بالخليفة، كالحديث عن موت الحسن بن علي بن ابي طالب في خلافة معاوية[21]، ما افقد تأريخه الصفة الحولية العامة، لأنه اعتمد عهد الخليفة محورا للاحداث وجعل السنوات تدور في فلكه. وذكر، في نهاية عهد كل خليفة، اسماء كبار رجال دولته الذين شاركوه ادارة البلاد، كما كان يستهل عهده بذكر التقويمين الفارسي والرومي. وهذا النمط من التراجم يطلق عليه ايضا « التأريخ على توالي عهود الحكام » وبالتالي يصبح عهد الخليفة المفصل التاريخي الذي ترتبط به كل الحوادث. وهو الى ذلك، جمع بين نمطي الحوليات والتأريخ على عهود الحكام.

      وعلى الرغم من انه صرّح أنه أوجز التاريخ وحذف منه الكثير من الشعر بقوله:« ألفٌنا كتابنا هذا وجعلناه كتابا مختصراً حذفنا منه الاشعار وتطويل الاخبار.»[22] فقد حفل كتابه بعدد كبير من الخطب، والرسائل[23]، ما اعطى تاريخه قيمة علمية تستند الى الوثائق المكتوبة، ولكنها من جهة ثانية، اضعفت سياق الحوادث ففتتها. ودفعه مبدأ الايجاز الى دمج الروايات فيما بينها ليصوغ رواية واحدة متكاملة من دون ان تكون على حساب الحقيقة التاريخية، مبرراً منهجه هذا قائلاً:« قد ذهبنا الى جمع المقالات والروايات لأننا وجدناهم- من سبقه من الإخباريين والمؤرخين- قد إختلفوا في احاديثهم واخبارهم، وفي السنين والاعمار وزاد بعضهم ونقص بعض، فأردنا ان نجمع ما انتهى الينا مما جاء به كل امرىء منهم.»[24]

تقويم عام: وعلى رغم ميوله العلوية الاثني عشرية ومحاباته احيانا للعباسيين فإن ذلك لا ينسحب على تأريخه كله. فقد كان دقيقاً بذكر اخباره، متزنا بتحري الحقيقة التاريخية وفي نظرته للاحداث. وقد تمحورت نظرته التاريخه حول فكرة مركزية مهمة: الاتعاظ من التاريخ بما يحويه من عبر اخلاقية ودروس سياسية، وهي سمة بارزة جدا في تاريخه. ولعل ذكره لنصائح الخليفة ابي جعفر المنصور لإبنه المهدي كاملة دليل قاطع على هذه العناية لأن الصراعات السياسية والعسكرية لا تشكل وحدها ذاكرة الشعوب بل يجب ان يواكبها الانتاج الحضاري والعبر الخلقية.  


[1] – الحموي(ياقوت)، معجم الادباء، ج5، ص 153

[2] – اليعقوبي، مشاكلة الناس لزمانهم، تحقيق وليم مولر، دار الكاتب الجديد، بيروت، 1962، ص5

[3] – المكان عينه

[4] – اليعقوبي(احمد بن واضح)، تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت، 1960،ج2 ،ص123-125، 135-136،

[5] – مرغوليوت، دراسات عن المؤرخين، ص 140

[6]  – اليعقوبي، ج2، ص 483

[7]  –  اليعقوبي ،ج1، حتى ص46

[8]  نفسه، 47، ج1-68

[9] – اليعقوبي ج1، ص 182

[10]  – اليعقوبي، ج2، ص12

[11] – الدوري، بحث، ص53

[12] – المكان نفسه

[13] –  واليك بعض النماذج:” ملك معاوية وبويع بالكوفة في ذي القعدة سنة 40، وكانت الشمس في الحمل درجتين، والقمر في الثور خمس عشرة درجة، وزحل في العقرب تسعا.” 2/216

[14] – المصدر عينه، ج1، ص68

[15] – اليعقوبي، ج1، ص188

[16]  – نفسه، ج1، ص158

[17]  –  المكان نفسه

[18] – اليعقوبي، ج2، ص3-4

[19]  انظر مقدمة الجزء الثاني حيث ذكر اليعقوبي مصادره مفصلة

[20] – اليعقوبي، ج2، ص139-140، 216-224

[21] – اليعقوبي، 2/225

[22]  – المصدر السابق، ج2، ص12

[23]  – اليعقوبي، ج2، ص 80-83، 89، 109، 112، 200، 207، 250 وغيرها

[24] – المصدر نفسه المقدمة

الاقطاع العثماني بين الحداثة والتقليد

       كانت الزراعة الدعامة الاقتصادية الاساسية في العصور القديمة والوسطى لان انتاجها  شكل الغذاء الرئيسي للغالبية العظمى من السكان.وهو عينه امن المواد الاولية للصناعة عموما وللعديد من السلع التجارية.وعلى هذا ، اعتنت معظم الدول ان لم نقل كلها بالزراعة واولتها اهتماما اساسيا ، ونظمتها بما يتلاءم مع توجهاتها العامة. وقد يكون الاقطاع احد ابرز سمات تلك الاهتمامات لانه ، بوجه عام ، ظاهرة حضارية تنظم العلاقات الزراعية بين فئات المجتمع باشراف الدولة ورعايتها0

    ومن الواضح ان الدولة العثمانية انبثقت من قبيلة تركية او تركمانية تبعا لاجتهادات المؤرخين.ولكن من الثابت انها تأسست في رحم دولة سلاجقة الروم التي نشأت على اثر معركة منزكرت عام 1071، وتاليا فان التأثير السلجوقي سيكون له دور في بعض نظمها ومفاهيمها على الاقل من حيث النظام الزراعي المرتبط اصلا بالنظام الاقطاعي.

      وبديهي القول ان السلاجقة قبائل غزية اعتنقت الاسلام وتمكنوا من تأسيس سلطنة مترامية الاطراف حكمت باسم الخلافة العباسية، وخلفت دولا ودويلات اسلامية في العراق وفي بلاد فارس متأثرة الى حد بالنظم التي كانت سائدة انذاك وطوعت بعضها بما يتلاءم مع تطلعاتهتا السياسية والادارية والاقطاعية.ولم تلك النظم التي ورثها السلاجقة وليدة من سبقهم مباشرة بل تراكما طويلا الامد تعود جذوره الى العهد الراشدي، وتأثر عبر الزمن التاريخي بتلون اشكال الحكم، على الرغم من انها كلها كانت اسلامية، ولكنها اصطبغت بميزات كل شعب من الشعوب التي تعاقبت على الحكم في ظل الخلافة العباسية.واذا كان البحث ينحصر بدراسة الاقطاع فبديهي القول ان العصر العباسي الثاني ( السيطرة التركية 232-334/ 847-945م) ترك بصمات اولية على نظام الاقطاع العسكري في الاسلام ام لم نقل انه شكل بداياته الخجولة.وسيجد هذا النظام مرتكزاته الاساسية في العهد البويهي (334-447/ 945-1055م) . اما العهد السلجوقي فقد اوجد النظام الاقطاعي العسكري الاداري.

    وعلى هذا، نطرح سؤالين اساسيين: – ما هي مرتكزات الاقطاع العثماني خلال القرن 16م، ومن اين استمدت، وهل ظلت جامدة ام تحولت لتواكب الظروف السياسية والعسكرية وحاجات الدولة العثمانية الاقتصادية؟ وهل كان الاقطاع عسكريا على غرار النظم الاقطاعية الاسلامية الاخرى التي نشات في المشرق العربي؟

  • الى اي مدى راعى العثمانيون السياسة الشرعية الاسلامية على مستوى الارض والزراعة وتاليا الاقطاع؟

    ومن المفيد التنويه ان الاقطاع العثماني تأثر ايضا بالاقطاع البيزنطي لان السلطنة العثمانية نشأت في بداياتها على ارض بيزنطية يعتاش من مردودها فلاحون بيزنطيون يخضعون لسياسة دولتهم الاقطاعية.كما ارتبط ببعض وجوهه بالاقطاع المغولي لاكثر من سبب: الصراع الحدودي بين المغول والعثمايين، واحتلال المغول الدولة العثمانية على عهد تيمورلنك[1]، والتحاق عدد من القبائل الغزية التي كانت خاضعة للمغول بالدولة العثمانية[2].ولكن الموضوعين لا يرتبطان بهذا البحث الذي سيقتصر على العلاقة بالانظمة الاقطاعية العثمانية.  

     1- مفهوم الاقطاع في الاسلام : ولم يغفل الاسلام عن ظاهرة  الاقطاع، بل عززها ونظمها وفق اصوله التشريعية0ويعتبر الرسول اول المشرعين[3] في هذا المجال تحدوه على ذلك عدة دوافع : التآلف على الدين ، والعون الاجتماعي ، والاستثمار المادي المتمثل باستصلاح الاراضي الموات0[4]ويمكن ادراج هذه العوامل في اطار الجهاد ، الذي لم ينحصر معناه في سبيل نشر الدين فحسب ، بل ايضا من اجل خير المسلمين على الصعد كافة : الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وان كان نصيب المجاهدين العسكريين اوفر من غيرهم

      وبما ان الدولة العثمانية والدول التي سبقتها في حكم الشرق العربي كانت اسلامية بوجه العموم ، وحكمت ايضا وباستمرار شعوبا غير اسلامية ، فلا بد ، والحال هذه ، من القاء الضؤ على السياسة الاقطاعية الاسلامية التي ارساها الرسول ومن بعده الخلفاء الراشدون وصولا لمعرفة مدى مراعاة العثمانيين لهذه المبادئ ، واين شذوا عليها ، ومدى الحداثة في تنظيماتهم الاقطاعية0

   حدد الرسول سياسته الاقطاعية بفرض الخراج او العشر على الاراضي الزراعية [5]، والمراعي [6]التي اعتبرها من المنافع العامة ، ومعادن الارض0

    واذا كان الشرع الاسلامي يعتبر عملية تراكمية لما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، فان ملكية الاراضي واقطاعها خضع ، بوجه العموم ، في الدول الاسلامية للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتأثرة اصلا بالتحولات الساسية ، وبارتباط فتاوى العلماء المسلمين او على الاقل بعضها بمناحي السلطة السياسية ، ما جعل عملية الاقطاع متحولة تخدم رجال السياسة او بالحري الحكام وفق متطلباتهم المالية0وتبعا لاصول الفقه فان الشرع الاسلامي لم يجز اقطاع الضرائب ولا مردود بيت المال منها0ويمكن ايجاز مفهوم الاقطاع في الاسلام بما حدده الماوردي ” الاقطاع ضربان : اقطاع استغلال ، واقطاع تمليك “[7] ، وبما شرحه القلقشندي في شروط الاقطاع[8]0وعلى هذا، ارسي مفهوم الاقطاع في الاسلام0 ويبقى السؤال الى أي مدى روعيت روحيته ، وما هي دواعي تجاوزه ؟

2 – خلفية الاقطاع العسكري : على الرغم من التقلبات السياسية والصراعات العسكرية والتحولات الاقتصادية في الدولة العربية والاسلامية ، فان الوضع الاقتصادي لم يتأثر بها سلبا بوضوح جلي الا اعتبارا من اواسط القرن الثالث هجري / التاسع الميلادي[9]0حين حدثت تحولات شبه جذرية في بنية المجتمع الاسلامي ، وفي هيكليته السياسية ، وبدأ الصراع الاثني الثنائي حينا ، والثلاثي حينا آخر : بين العرب والفرس والاتراك والبربر وغيرهم0فتفسخت الدولة العباسية ونشأ على اطرافها وفي قلبها دويلات عرقية [10]، واخرى مذهبية [11]0فاستبعد العرب اجمالا عن المسرحين السياسي والعسكري وحل مكانهم جماعات من الاتراك ممن لا حضارة مميزة لهم0وغدا الخليفة رهن ارادتهم ان شاءوا ابقوه ، وان ارادوا عزلوه او قتلوه[12]0وتزعزعت البنية الاقتصادية في دولة الخلافة ، فقل دخل بيت المال ، بفعل المصادرات وسيطرة الاغنياء من الحكام على الولايات[13]، وتشكلت ارستقراطية جديدة في دولة الخلافة قوامها الاغراب من اتراك فديالمة ( بويهيون ) ثم سلاجقة ، حتى فقدت السلطة السياسية المدنية قدرتها على ضبط الادارة المالية[14] وافلس بيت المال[15]0ونشأ مع اتراك العصر العباسي الثاني ( 232 – 334 / 847 – 945 ) نوع من الاقطاع شبه العسكري الاداري[16]0

          وبمجيء البويهيين الى السلطة حصل تجاوز لحد السلطة والشرع معا باقطاع حقوق بيت مال المسلمين وتضمينها للعسكر فقط [17]فنشأ الاقطاع العسكري بامتياز[18]0وأسس لمن جاؤ بعدهم من اغراب عن المنطقة العربية : سلاجقة ، ايوبيين ، ومماليك ، بما في ذلك عصر الانحطاط في العهد الفاطمي او ما يعرف بفترة حكم الوزراء ، الاقطاع العسكري الذي تركز في كل تلك العهود ليجد كل مقوماته في العصر المملوكي. ويبقى السؤال الابرز : هل كان الاقطاع العثماني مشابها لتلك الانماط ، ام ان تحديثا ادخل عليه ، ام انه جاء مزيجا من هذا وذاك ؟ 

       بعد ان بسيطر العثمانيون على البلاد العربية بعد انتصارهم على المماليك في مرج دابق 1516 ، والريدانية 1517 عم نموذج من الاقطاع ارتبط بالنظامين الاداري والعسكري العثمانيين المتجذرين بانماط بيزنطية واسلامية سابقة اكان في الدول الاسلامية او في الدول المغولية المتعاقبة ، مراعيا اصولا تشريعية اسلامية الى حد ومطوعا برؤية عثمانية ترعى المصالح الذاتية العثمانية العليا0وعلى الرغم من اعتماد الفتح العثماني للبلاد العربية بداية العصور الحديثة في الشرق ، يبقى سؤال مركزي هل كانت كذلك ؟ في حين ان النظم والقوانين الوضعية والعقلية كانت آخذة بالهيمنة على اوروبا الغربية لتحل مكان القوانين الكنسية ، لتتلائم ومتطلبات قيام المدن التي ولدت على حساب النظام ( الاقطاعي الاوروبي ) الفيودالي [19]ولا سيما ان عصر النهضة كان اخضع كل المسلمات القديمة لسلطان العقل[20]0

I – الاقطاع العثماني :

   1 – انواع الاراضي العثمانية : بما ان السلطنة العثمانية كانت دولة اسلامية ، وبما ان الاقطاع فيها جاء نتيجة عملية تراكمية ، كما اسلفنا ، لانظمة الاقطاع الاسلامية السابقة ، فان مفهوم الاراضي فيه لم يخرج على ما عهد في الدول الاسلامية السابقة أي : العشورية ، والخراجية ، والمشاع والمنافع العامة[21]0وكانت العشورية ملكا لاصحابها المسلمين ، ولهم حرية التصرف بها شرط ان يؤدوا عنها العشر الذي غالبا ما كانت تزداد قيمته عن العشر[22]0وكانت الخراجية في الاساس ملكا للذميين يدفعون عنها الخراج الذي تراوحت قيمته بين 10 و 50% [23]، والاراضي الميرية وهي ملك خالص للدولة كانت تقطع للعسكريين واحيانا للمدنين ويؤدي عنها مستغلوها او مستأجروها الخراج[24]0انما بمرور الزمن والتحايل على القانون وتجاوزه تحول بعضها الى ملكيات خاصة غير مقيدة.اما الاراضي التي ظلت خراجية فتحولت تسميتها الى اراضي ميري[25]0وكانت اراضي الوقف على ضربين : وقف غير مشروط خيري افادت منه المؤسسات الخيرية والاجتماعية على اختلاف انواعها ودور العبادة ، ووقف ذري[26]0وكان يفيد من اراضي المشاع جميع السكان كل ضمن نطاق قريته.

        لم تكن جميع انواع هذه الاراضي عثمانية في تسمياتها الاولى ، لاننا نجد اصول معظمها في الاراضي الاسلامية التي اختط سياستها وضرائبها الرسول وتبعه في هذا النهج الحكام المسلمون على اختلاف مستوياتهم ، انما العثمنة فيها تمثلت في صيرورة بعضها ، وفي نمط استغلالها0

    2 – الاقطاع الحربي  :

    أ –اقطاع السباهية: نشأت الدولة العثمانية قبيلة توسعت تدريجا لتضم جماعات تركية متنوعت الاصول انضوت تحت زعامة مؤسسيها بدأ بعثمان بن ارطغرل وابنه اورخان [27]0واعتمدت نظاما حربيا اقطاعيا ، قوامه تأمين مصدر ثابت لضخ جيوشهم بالجنود من دون ان تتجشم الدولة تنظيم جيش نظامي يقيم في الثكنات وتدفع رواتبه من خزينة الدولة ، بحيث اقطعت المحاربين مناطق زراعية يزرعها الفلاحون ويقدمون للعساكر اموالا نقدية او عينية [28] ويؤدون عنها الضريبة للجنود – ليست لدينا معلومات واضحة فيما اذا كانت الضريبة عشرية او خراجية –الذين يظلون ابدا على استعداد دائم للاشتراك بالحملات العسكرية ، كما كانوا معفيين من دفع الضرائب لخزينة الدولة لقاء تقديمهم عدد من الفرسان للحملات العسكرية العثمانية كل بحسب نسبة اقطاعه [29]

     كان الهدف من هذا النظام ، الى جانب اعفاء الخزينة من دفع رواتب الجند ، اعفاءها من مهام ادارية كجمع الضرائب ، وتوفير رواتب جباة الضريبة على خزينة الدولة[30]0وتطور هذا النظام عندما اتسعت رقعة الدولة عن طريق الفتوحات ، وقوي نفوذ الجند ، ما ادى بامرائهم الى ان يمارسوا مهاما امنية وادارية في مناطقهم الاقطاعية0وعرف هذا النظام عند العثمانيين بعدة اسماء ، انما الصفة الغالبة عليه كانت ” درلك ” وهي تعني المعاش او مورد الرزق ، واطلق على هؤلاء الفرسان اسم ” سباهي “[31]0اما الخاص فكان من نصيب الوزراء وغيرهم من الباشوات، فضلا عن حاشية السلطان[32].وتوزع السباهية على درجات هرمية شكل ” سباشي ” قاعدتها ، وتلاه ” علاي بك ” ثم ” سنجق بك ” واعلاها ” بيلربك “[33]0

 ب – علاقته بالاقطاع السلجوقي : لم يكن هذا النظام جديدا كليا عند العثمانيين ، فقد عرف في عهود الضعف العباسية؛ فالعهد البويهي عرف نوعا من الاقطاع العسكري غير المتكامل الصفات [34]، ولكن هذا النظام الاقطاعي العسكري سيجد الكثير من مقوماته في العهد السلجوقي ( 945 – 1055 ) حين نشأ مع السلاجقة الاقطاع العسكري الاداري المستند على نظام الاتابكة [35]0ويعتبر  نظام الملك الطوسي وزير السلطان ملكشاه ( 465 – 485 / 1072 – 1092 ) اول من تلقب بأتابك ،[36] وايضا اول من اقطع الاراضي للجنود عوضا عن الرواتب ، لانه اعتبر هذا الحل افضل لعمارة البلاد ، وبالتالي لزيادة دخل بيت المال [37]0

        وهكذا اقطع السلاطين السلاجقة القلاع والحصون والمدن والولايات لامراء جيشهم واهل بيتهم ، وبالتالي قسمت اراضي الدولة السلجوقية الى اتابكيات اقطاعية[38]، فكان على الاتابك اقطاع جنودهم الاقطاعات ، والمجيء بهم الى الحضرة السلطانية كلما دعت الحاجة الحربية ، وصار الاقطاع يقاس بعدد الجند الذي يقدمه الاتابك[39]الذي مارس سلطات امنية وادارية غير محدودة في اتابكيته0

     وتجدر الملاحظة الى التشابه بنسبة عالية بين النظامين الاقطاعيين السلجوقي والعثماني ان من حيث الوظيفة العسكرية والامنية والادارية ، او الرواتب العينية والضرائبية ، وتحديد نسبة الاقطاع بعدد الجنود الذي يقدمهم الاقطاعي عند الضرورة الحربية0وكما ان الاقطاع السلجوقي كن تراتبيا هرميا : الجندي تابع لقائده ، والقائد للاتابك ، والاتابك للسلطان [40] ، كذلك كان السباشي تابع لعلاي بك ، وهذا تابع لسنجق بك ، والسنجق بك لبيرل بك ، وهذا الاخير للسلطان0 ولم يرد للاتابك ان يورث اقطاعه سلاليا ، ولكن عندما ضعفت السلطنة السلجوقية تمكن الاتابكة من توريث اقطاعاتهم[41]0في حين حق للسباهية توريث اقطاعاتهم الا في حال عدم توفر وريث[42]عندها يقطع لمن تتوفر فيه الشروط القانونية[43]

    ج- انواع الاقطاعات السباهية  وقد تنوعت اقطاعات السباهية ، وكانت على ثلاث مستويات :قاعدتها التيمار، ومتوسطها الزعامت ، واعلاها الخاص[44]0وكان التيمار اقطاعا صغيرا يدر على صاحبه بين الفين الى 19999 اوقجة [45]، ويفترض بصاحب التيمار الذي يتقاضى الحد الادنى أي الفين الى ثلاثة آلاف آقجة ان يذهب بنفسه ولوحده الى الحرب مجهزا بفرسه وترسه ( جوشنه ) وخيمته0واذا زاد اقطاعه عن الحد الادنى توجب عليه ان يصحب معه فارسا اضافيا يسمى ” الجبه لي ” وكلما زاد مساحة تيماره وارتفع دخله كلما ارتفع عدد الجنود المتوجب عليه احضارهم الى الحرب بنسبة جندي عن كل ثلاثة آلاف آقجة من دون ان يجاوز عددهم الخمسة فرسان[46]0ويصل مردود الزعامت الى مئة الف اوقجة ، ولا يمنح الا لمن يظهر مقدرة قتالية عالية ، ويتوجب على الزعيم صاحب ( الزعامت ) ان يجهز الى الحرب حوالى عشرين فارسا [47].وبالتالي كان الاقطاع يتناسب مع عدد الفرسان المتوجب على المقطع اعدادهم كلما دعت الحاجة الحربية، ما يعني عدالته من حيث المبدأ.

       ويبدو جليا التشابه الكبير بين الاقطاعين السلجوقي والعثماني من حيث الصفة الحربية البحتة لصاحب الاقطاع عن طريق اعداد الجنود بما يتناسب مع مساحة الاقطاع ومع مردود ضرائبه، ومن ممارسته مهام ادارية ترعى شؤون الاقطاع.ولكننا نجهل ما اذا كان الاتابك حصل على قطعة ارض اضافية معفية من الضرائب على غرار السباهي.ذلك ان بعض اقطاعات السباهية كانت تتألف من قسمين : الارض الاساسية وتسمى ” قليج “، وما يضاف اليها ويسمى ” ترقي ” وكانت هذه الاضافة تمنح بغية توفير عشر الدخل الذي يدره القليج[48] ، وكانت الاقطاع الذي يجمع النوعين معا يعرف ب ” الحصت “[49]. وكانت الحكومة العثمانية تعتمد هذا الاجراء لتشجع السباهي كي يظل ابدا متأهبا للقتال ويرعى شؤون اقطاعه على اكمل وجه[50].

        اما الخاص فكان مميزا عن الاقطاعين السابقين : اولا بعدم خضوعه لتفتيش الدفتر دار ، وثانيا بانه كان من نصيب من يشغل منصبا حكوميا عاليا مثل الوالي[51]0وكان هناك نوع آخر من الخاص المعروف ب” الخاص همايون ” وكان ملكا خالصا للسلطان ، وهو اكبر الاقطاعات وافضل الاراضي جودة ، وهو لا يدخل ضمن بحثنا0

     وكانت نسبة توزيع الاقطاع في سنجق ما على النحو الآتي : 2/5 من فئة التيمار

1/10 من فئة الزعامت

1/5 خاص

1/10 اوجقلقات أي اقطاعات ملك لفئة عسكرية

1/5 وقف[52].

     وكانت الدولة تملك رقبة هذه الاقطاعات وتمنح حق استغلالها للقادة العسكريين ممن يقدمون خدمات حربية، وهؤلاء ينقلون حق الزراعة الى الفلاحين على قاعدة حق الحيازة Possessoire يجبون منهم العشر الخاص بالدولة لقاء الاقطاع فضلا عن ضرائب اخرى تشكل راتب السباهية.وكان يطلق على عائدات هذه الضرائب ” درليك” اي الاقطاع[53]      

     د – التشابه مع الاقطاع المملوكي : ونجدعند المماليك تنظيما اقطاعيا مشابها في بعض وجوهه ، فالاراضي الاقطاعية المملوكية توزعها السطان وامراؤه والاجناد جميعهم ، واعتمد على القيراط كوحدة للتوزيع الاقطاعي بحيث بلغت نسبة الاراضي 24 قيراطا0وقد وزعت في بداية الامر على الوجه التالي : السلطان مع اجناده اربعة قراريط ، تم تعديلها على عهد السلطان لاجين اثر الروك المعروف باسمه عام 1298 ، وصار نصيب السلطان وحده اربعة قراريط ، وحصة مماليكه ( المماليك السلطانية ) تسعة قراريط0[54]وجرى تعديل جديد على نصيب السلطان في الروك الناصري عام 1315 وصارت حصته تبلغ تسعة قراريط[55]0اما الامراء على اختلاف مستوياتهم واجناد الحلقة صارت حصتهم 11 قيراطا[56]0وفي عهد الناصر محمد ادخل تعديل جديد على انصبتهم في الروك الناصري بين 1313 و1315 فغدت 14 قيراطا[57]0

     وكان الامراء على عدة مستويات : امير مئة ومقدم ألف ، ويحق له ان يقتني من ماله الخاص مئة مملوك ،  وكان امراء المئة يشغلون المناصب الرئيسة في الدولة ومنهم ينتخب السلطان[58]، وكان امير المئة يقود في الحرب ألف جندي[59]

   امير اربعين او طبلخاناه ويحق له ان يقتني من ماله الخاص اربعين مملوكا ، ولامير عشرين عشرين مملوكا ، ولامير عشرة عشرة مماليك[60]0اما حصصهم الاقطاعية فتراوحت كما يلي :

امير مئة : من 80 الى مئتي ألف دينار جيشي[61]

امير اربعين : من 23 الى 30 ألف دينار جيشي

امير عشرة من سبعة الى تسعة آلاف دينار جيشي

 اعيان مقدمي الحلقة من 250 الى 1500 دينار جيشي[62]

وكانت رتبة امير الخمسة تلي رتبة امير العشرة ، وهي خصصت لامراء العربان وغيرهم من ابناء البلاد ممن اعتبروا من اجناد الحلقة ، وكان يبلغ نصيب امير خمسة ثلاثة آلاف دينار جيشي وما دون[63]0

        استند الاقطاع العثماني على الآقجة كوحدة اساسية لمردود الاقطاع وهو كان نقدا متداولا في حين استند المردود الاقطاعي المملوكي على الدينار الجيشي الذي فقد قيمته النقدية الثابة التي كانت له في بداية الدولة، ولكنه ظل نقدا رمزيا وبتعبير اوضح مقدارا سهميا لتوزيع الاقطاعات ولتحديد منزلة صاحب الاقطاعز  

مهام السباهية : لم تقتصر مهام السباهية ، لقاء الاقطاعات التي منحت لهم ، على الانخراط في الحملات الهسكرية ، بل انيطت بقادتهم مهام ادارية ، وانتظموا تحت قيادة قادتهم الذين توزعوا الى ثلاث مستويات :

الصنف الاول ويعرف ب الآلاي بيكي ( الآلاي ) تعني الآمر ، و( بيكي ) فوج العسكر ، أي آمر فوج العسكر ، وهو اعلى الرتب واسماها ، ويعين هؤلاء القادة من بين كبار الاقطاعيين في السناجق من اصحاب الزعامات التي تمنح لهم مدى الحياة ، والتي لا يقل دخلها عن مئتي ألف اوقجة. بحيث عندما يصبح احدهم آلاي بيكي يجب الا يقل دخله عن المليون اقجه ومنحه  النظام الاقطاعي حق توريث وظيفته[64]0 ويحصل القائد على علم خاص ، وتقرع الطبول على بابه مرتين في اليوم ، ويعتبر نائبا للسلطان في سنجقه[65]0وكان عليهم ايضا ان يجمعوا السباهية في السنجق الذي يديرون ، ويجهزوا الجنود والخيام وما الى ذلك مما تستدعيه حالة الحرب[66]0

     ويتألف الصنف الثاني من الجيري باشي او السوباشي وينتخبون من اصحاب الزعامت في الاقضية حيث يمارسون فيها ابان السلم مهام اصحاب الشرط[67]

     اما الفئة الاخيرة فتألفت من الجيري سروجي الذين انحصر عملهم في الحرب فقط بارشاد السباهية وبحراستهم[68]0

          ويبدو جليا ان الاقطاع العثماني في بداياته اعطي للوظيفة ، يمارس صاحبه مهام عسكرية وادارية ، ويعتاش من مردود اقطاعه من دون ان يحصل على راتب0وكان يمكن ايضا توريث هذا الاقطاع ، بمعنى ان الوظيفة بحد ذاتها كانت احيانا وراثية ، وبالتالي لا يسقط الاقطاع عن صاحبه بتقدمه بالعمر ، او بعجزه عن اداء مهماته مادام بامكان وريثه تولي مهامه0

      لذلك يبدو التشابه واضحا بين الاقطاعين السلجوقي والعثماني ، فالاول انتظم ، كما اسلفنا ، في عهد الوزير نظام الملك عندما نشأ نظام الاتابكيات التي اصبحت وراثية0وكان يساعد الاتابك اداريون آخرون منهم الشحنة وهي وظيفة ادارية وعسكرية في آن بحيث كان يقوم بمهام الوالي ، والمقدم من دون ان نعرف بالضبط مهام كل منها بالتفصيل[69]0

     مهام الامراء المماليك : اما في العهد المملوكي فنجد بعض التشابه اضافة الى بعض الاختلاف ، ان امراء المئة شكلوا النظام الاداري العسكري المملوكي لقاء اقطاعاتهم الوفيرة ، من دون ان يتوجب عليهم اعداد ممليك للحرب ، بل على الامير منهم قيادة ألف مملوك من اجناد الحلقة او المماليك السلطانية في الحملات العسكرية التي يقررها السلطان0اما الوظائف الاساسية التي تولاها امراء المئة فهي : اتابك العسكر أي قائد الجيش ، الامير الكبير وهو لقب اكبر الامراء واقربهم الى السلطان ونشأت ، تبعا للخالدي ، على عهد الدولة الجركسية ، ورأس نوبة النوب ، امير سلاح كبير ، امير مجلس ، امير آخور كبير ، الدوادار الكبير ، المشير ( نشأت ايضا على عهد دولة الجراكسة ) الوزير ، حاجب الحجاب ، الاستادار ، ونواب النيابات على حد سواء في مصر وبلاد الشام وكان اعظمهم نائب الشام [70]0وكان نواب السلطان في النيابات يحكمونها اداريا وامنيا وكأنهم سلاطين مصغرين ، وعليهم جمع الاجناد في نياباتهم ولا سيما اجناد الحلقة أكان من ابناء البلاد المحليين او التابعين لاجناد الحلقة الاساسيين النظاميين والخروج بهم الى الحرب بأمر السلطان0وهم بذلك يشابهون الى حد بعيد الآلاي بيكي ، ولكنهم يختلفون عنهم جذريا في انهم لا يمنحون الاقطاع عينه مدى الحياة ، اذ كان الاقطاع مرتبط بالوظيفة ، ولا يمكن توريثه بأية طريقة[71]0والتزم المقطعون بعمارة الجسور البلدية بالاشتراك مع الفلاحين[72]0

       اما امراء الطبلخاناه فكانت مهامهم ادارية ايضا وعسكرية ابان الحرب ، وقد تولوا وظائف مشابهة لامراء المئة ولكنها برتبة ادنى ، ولعل ابرزها نائب القلعة في النيابة ، وهو الى حد جاسوس على نائب السلطان في نيابته يجهد لاعلام السلطان بكل تصرفات نائبه خصوصا المتعلقة بالانقلاب عليه[73]

      وعلى هذا كانت الوظائف في الدولة المملوكية لخدمة السلطان اولا ، ولادارة البلاد ثانيا باشرافه ، وما المهام التي تولاها مماليك الامراء الا خدمة لهم ايضا على غرار السلاطين ، وبالتالي فان النظام العسكري المملوكي المرتبط ابدا بالنظام الاقطاعي كان ارستقراطيا بامتياز – ان جاز تعبير اليوم على العصور الماضية _ ذلك ان الاقطاعات الوفيرة التي حازها امراء المئة ، والطبلخاناه ، وصولا الى امير عشرة لم تمنح لهم الا ليعتاش منها الامير ويعيل اجناده [74]، علما ان هؤلاء الاجناد ما كانوا يشاركون بالحملات العسكرية ، التي انحصر القتال فيها بالمماليك السلطانية وباجناد الحلقة0[75]اذا كانت مهام امراء المماليك خصوصا الكبار ادارية بالدرجة الاولى، وعسكرية قيادية من جهة ثانية، وامنية من جهة ثالثة بحيث كان يتوجب عليهم استتباب الامن في اقطاعاتهم. من هنا يتمايز الاقطاع العثماني بوضوح عن نظيره المملوكي بحيث كان على القادة في الاول جمع الجنود السباهية والسير بهم الى الحرب ، في حين ان في الثاني كان يقود الامير فيه الجنود التي خولهم له النظام العسكري0

      اما التشابه الواضح بين النظامين فينحصر باجناد الحلقة الذين تألفوا من ابناء المماليك على اختلاف مستوياتهم[76]وهم معروفون باولاد الناس ، ومن ابناء البلاد خصوصا العربان ، وممن اسندت اليهم مهام جهادية كالتنوخيين والعسافيين وبني سيفا في لبنان وغيرهم ، ومن القرانصة ( مماليك السلاطين المتوفين ) بعد ان ينشئ السلطان مماليكه الاجلاب0[77]كان هؤلاء قلب الجيش المملوكي يأتمرون بالسلطان من دون ان يكونوا ملكا له[78]ويشكلون ثلث الجيش المملوكي[79] ، وبلغت حصصهم الاقطاعية في بداية العهد المملوكي 10/24 قيراطا وتراوح نصيب الجندي الواحد بين قرية ونصف قرية [80]0وفي الروك الحسامي 1298 بلغت حصتهم مع الامراء 11/24 قيراطا[81]، وفي الروك الناصري 1313 – 1315م اصبحت حصتهم مع الامراء ايضا 14/24 قيراطا وبلغ مقدار اقطاع جندي الحلقة بوجه عام 250 دينارا جيشيا[82]0وانتظموا بالحرب بقيادة مقدميهم الي كان يبلغ مقدار اقطاع المقدم الواحد ألف وخمس مئة دينار جيشي[83]0ولم تكن لهم ولا لمقدميهم مهام ابان السلم سوى الاهتمام باقطاعاتهم0

     وهكذا نلاحظ بدقة التشابه بينهم وبين السباهية من حيث الحصول على الاقطاعات ، من دون ان يكون للماليك حق توريث اقطاعاتهم ، ومن حيث المهام الحربية0

    لن ندخل في دراسة المماليك السلطانية لانهم يشابهون الى حد ” ال يني جيري ” او الانكشارية0

3 – الاقطاع المدني : سار الاقطاع العثماني المدني جنبا الى جنب مع الاقطاع العسكري اذ وزعت الاراضي في مطلع العهد العثماني غير ذات الصفة الحربية على امناء مدنيين تقاضوا رواتبهم من خزينة الدولة ، وجبوا الضرائب المفروضة على كل ناحية[84]0وسرعان ما تسابق الموظفون العسكريون على هذه الوظائف المربحة ، فغدا الامناء ومساعدوهم من العسكريين حتى بات الامناء شبيهين الى حد بعيد بالسباهية ، لا بل يصعب التمييز بينهم[85] ما اضر بالمصالح كلها : خزانة الدولة ، طاقة الفلاحين ، واستغلال الارض على السواء0وادركت الدولة فشل هؤلاء الامناء ، ورأبا للصدع وعدم تفاقم الامور ، ألغت عام 1524م نظام الامانة واحلت مكانه نظام الالتزام ومؤداه ان تعهد الدولة الى شخص نافذ او ثري جباية الضرائب المفروضة على الفلاحين في قرية او اكثر لمدة سنة واحدة فقط على ان يؤدي الى خزانة الدولة ، وقبل مباشرة مهامه ، مبلغا من المال يساوي قيمة ضريبة سنة كاملة على الالتزام[86]، على ان تعرض الاراضي بالمزاد العلني ، ويرسو الالتزام على من يدفع السعر الاعلى[87]

     ويمكننا اعتبار الالتزام نظاما قائما بذاته ، فهو يحدد من حيث المبدأ صلاحيات وواجبات الملتزم ومساعديه ، وحقوق وواجبات الفلاحين ، بحيث توجب على الملتزم الحصول على ثلاث مستندات : التمكين ، وفاميك  Vahmik وتقسيط الالتزام ، وحق للفلاحين بالحصول على ورقة الميرة التي تحدد لهم مقدار الميرة المتوجبة عليهم[88]0

     وما كان الملتزمون متجانسين من حيث عملهم العام ، فبعضهم من رجال الحامية العسكرية ، وبعضهم الآخر من الضباط العثمانيين المتقاعدين ، وفريق ثالث من رجال الدين ، وفريق رابع من مياسير التجار ، كما حصلت بعض السيدات على الالتزام ايضا[89]0

     لم يكن هذا النظام جديدا كليا عند العثمانيي فهو اثر في العهد الفاطمي بحيث كانت تحصل الضرائب اما مباشرة او عن طريق الضمان[90]، يتعهد بموجبه الضامن دفع كامل المبلغ المتفق عليه سنويا ، ويكون عادة اقل مما يحصله الضامن كي يبقى له ربح معين[91]، ويلزم الضامن بتسديد كامل المبلغ حتى وان جاء متحصل الضرائب اقل من المتفق عليه [92]0ويبدو من خلال المصادر الفاطمية ان هذا النوع من الضمان لم يشمل الاراضي فقط ، بل شمل ايضا الدكاكين ( الرباع ) ، والمساكن ، والحمامات ، والمساكن ، والقياسر[93] 0وكان الضامنون من الاثرياء ” الذين جمعوا ثرواتهم في حقول اخرى من النشاط الاقتصادي ولديهم القدرة على الوفاء بمثل هذه الالتزامات الكبيرة “[94]0وكانت الالتزامات تجرى بالمزاد العلني ، ويرسو الالتزام على من يدفع المبلغ الاعلى[95]، ولم يكن الملتزم بالضرورة من ابناء الناحية على جري العادة ، بل فتح المجال امام من يرغب شرط ان يكون قادرا على الايفاء بالشروط ، فتسابق موظفو الحكومة وقادة الجيش على هذا العمل المربح[96]0وبمرور الزمن صار بمقدور الملتزم توريث التزامه وتحولت بذلك الناحية الى اقطاع[97]0وندرك من خلال ذلك ان نظام الالتزام او المالكان العثماني متجذر في القدم ، وبالتالي لم تفرزه العقلية العثمانية ، على الرغم من قضائها على دولة المماليك ، وقد اعتبرت ان من ابرز اسباب حربها عليها سوء معاملة المماليك للفلاحين0خصوصا ان العثمانيين لم يتعظوا من المساوئ التي مني بها النظام الاقطاع المملوكي ، ومن قبله الايوبي وبخاصة الفاطمي الذي اعطي فيه الالتزام مدى حياة الملتزم وتوريثه0ذلك ان العثمانيين عادوا عام 1692 _ وان كان هذا التاريخ بعيدا نسبيا عن الفترة المدروسة في هذا البحث – فاصدروا قانون المالكان واعطي بموجبه الالتزام مدى حياة الملتزم ، واطلقت يده في نقل ملكيته عن طريق البيع شرط موافقة الدولة – طبعا كانت الموافقة مشروطة بالحلوان ( البرطيل ) – [98] ، وحق له توريثه ايضا لاولاده على ان يكونوا قادرين على الوفاء بالالتزام ، وبعد ان يقدموا طلبا الى ديوان الرزناماه للحصول على تمكين جديد ، ودفع مال المصالحة ( الحلوان )[99]0

    وغدا الملتزم بجهازه الاداري المكون من مساعديه في الالتزام ،[100]  والمؤلفين جميعهم من شيخ البلد ، والمباشر ، و المشد ، والشاهد ، والصراف ، والمساح[101]-وموظفيه في ارض الوسية كانوا جميعهم معهودين منذ العهد الفاطمي- غدا الحاكم المطلق ، فتسلط على مساعديه وموظفيه والفلاحين ، بل حل مكان الدولة من حيث مسؤولياتها الاجتماعية والاقتصادية والقضائية والامنية ، وبالتالي هذا دليل تخلف خصوصا ان الانظمة الاقطاعية في الغرب كانت اندثرت او في طريق الانحلال الكامل وكانت الدولة العثمانية على اتصال مباشر فيها0

    وكان يترك وصية تحدد حق من يفيد من المالكان بعد وفاته ، لان بلاد الاموات كانت تلزم مجددا بالمزاد العلني اذا لم تتوفر الوصية على ان تكون الافضلية لاولاده شرط ان يكونوا قادرين الوفاء بالشروط المالية ، ومنها دفع مال المصالحة للوالي وكان يساوي ثلاثة اضعاف قيمة الدخل السنوي للملتزم المتوفي ، كما عمد بعض الملتزمين الى توريثه الى من شاءوا[102]0

     وبعد هذا التحليل والمقارنات بين الانظمة الاقطاعية في العصور الوسطى والاقطاع العثماني في بعض مظاهره _ لاننا لا يمكننا الاحاطة بكل انماط الاقطاع العثماني لتباينها ، وبين الرومللي والبلاد الاسيوية ، بين منطقة واخرى التي تحكمت فيها خصوصيات المحلية – نجد هناك من يدعي ان الدولة العثمانية حكمت البلاد العربية وغيرها من منطلق الفكر الاسلامي ، وحدود الشريعة الاسلامية على الرغم من انها خنقت هذا الفكر ، ولم تدعه ينفلت من جمود التقليد الى الابداع0ورفضت الهيئة الاسلامية برئاسة مفتي اسطنبول او شيخ الاسلام كل نوع من مناهج الاصلاح ، ليس تمسكا بحدود الشرع الاسلامي ، الذي طالما خرقته ، وهو ايضا براء من كل تلك الادعاآت ، بل من اجل الحفاظ على مصالحها الذاتية والاقتصادية[103]0وقد يكون هذا الامر دفع بالمستشرقين جب وبوين الى اعتبار ان المجتمعات الاسلامية في العصر الحديث تميزت برعاية التقاليد الموروثة والحفاظ عليها ، واعطائها ابعادا دينية بما تسبغه عليها من قوانين شبه دينية0واعتبرا من جهة ثانية ان سمة هذه المجتمعات معادات كل انواع واشكال التغيير ما ادى الى خنق روح المبادرة الفردية الخلاقة ، والمبادرة الجماعية ، والى رفض أي نوع من انواع الابتكار[104]0طبعا نحن لا نقر هذا التعميم ، على الاقل لانه ساقط منهجا ، ولان المستشرق مهما بلغ اتقانه اللغة العربية او العثمانية لا يمكنه فهم روحية المجتمع ، ولا اراءه العامة الناتجة عن ترسبات متراكمة0وقد يكون نقده للحكومات مقبولا لو لم يعممه على كل المجتمعات الاسلامية0

    كما اننا نجد في قول المستشرقين ما يبرره ولكن ليس من منطلق ديني بحت ، لان الدولة العثمانية رسمت حدود علاقتها بالشعب في القرى بالملتزمين ، والسباهية على اختلاف درجاتهم ، وفي المدن – وان كان موضوع الادارة العثمانية ككل خارج عن اطار هذا البحث – بالولاة وجهازهم الاداري0وجسدت هذه العلاقة باستخلاص الضرائب من دون اعتماد الوسيلة الانجع للدولة والشعب معا0ناهيك عن انها فرضت على الشعب الولاء المطلق من دون السماح باي احتجاج ، لان الشكوى كانت تمر باستمرا بالوالي0من هنا كان أي احتجاج مهم او أي تذمر شديد اللهجة مصيره القمع والسحق0فقد حكمت بذهنية العصور الوسطى ، ودليلنا على ذلك ما اوضحناه في الصفحات السابقة0وقد تتوضح هذه الذهنية بدراسة مقارنة لاوضاع الفلاحين في ظل النظامين الاقطاعيين المملوكي في العصور الوسطى امتدادا الى اواخرها والعثماني في العصور الحديثة، واننا نخلص من ذلك الى الملحوظات التالية :

     كثرة المغارم على الفلاح في العهد المملوكي ، والتزاماته تجاه اولي الامر من العساكر على اختلاف مستوياتهم ، بحيث فرض على اهل القرية نظام المسؤولية المشتركة بما يترتب عليهم من اموال[105]، وقيام الفلاح باعمال السخرة من دون وجه حق[106]، وعسف المقطعين بجباية الضرائب0[107]وهكذا تحول الفلاح الى قن من حيث الزم بفلاحة الارض قسرا ، ومنع عليه مغادرتها تحت طائلة مسؤولية رده ومعاقتبه[108]، والزامه تقديم الهدايا الى اصحاب الاقطاعات الى جانب دفعه الخراج0

   اما وضع الفلاح في العهد العثماني فلربما كان اشد سوءا0ويرى جب وبوين ان غالبية سكان القرى كانوا من المالكين الفعليين للارض ، ولهم حرية التصرف بها كيف شاءوا0وعلى الرغم من ذلك ارتبط الفلاح بالملتزم بصورة غير مباشرة ، وتوجب عليه اداء ضريبة له كون الارض غدت بموجب قانون الالتزام هبة من السلطان للملتزم ، وتوجب على الاخير ابقاء الارض بيد الفلاح ما دام يؤدي الضرائب المفروضة عليها ، واذا عجز حق للملتزم نقل ملكلية هذه الارض الى فلاح آخر[109]0لقد ارتبط الفلاحون بالارض بموجب قانون ناماه الذي شرع على عهد السلطان سلميان القانوني ( 1520 – 1566 ) وهو اعتبر ان بوار الاراضي ناتج عن خطأ الفلاحين الذين هجروها ، وفرض على حكام المقاطعات ومساعديهم اعادتهم قسرا اليها ومعاقبتهم والزامهم بزراعتها ، وظل هذا القانون نافذا حتى عهد الاصلاحات العثمانية في القرن التاسع عشر[110]0ومن الواضح ان القانون المذكور يتنافى والشريعة الاسلامية الذي تنص ، كما اسلفنا في مطلع هذا البحث ، اذا بارت الارض ثلاث سنوات تنقل ملكيتها ، ما يدفعنا للاعتقاد ان المصلحة الذاتية العثمانية كانت تسمو على أي عرف او قانون لا بل على كل الشرائع0

     وتميزت العلاقة المادية بين الملتزم والفلاح بالقساوة والتسلط ، فعلى الرغم من ان الضريبة كانت محددة بالميرة فان الملتزم لم يعدم وسيلة لزيادتها من دون مبرر قانوني ، اذ كان يتهم الفلاح احيانا بنقص المحصول ، او بسرقته[111]0هذا ناهيك عن ان الملتزم كان يرسل مساعديه الى الارياف لينهبوا محاصيل الفلاحين وماشيتهم ، ويقتحمون بيوتهم للسطو على ما ادخروا من مال على قلته0واذا ما اضفنا الى كل ذلك تعرض الفلاحين للاوبئة ، ندرك الاسباب التي دفعت الفلاحين لهجرة اراضيهم والالتجاء الى المدن[112]0وتوجت هذه العلائق المهينة باساءتين : اعمال السخرة التي لا مندوحة من تنفيذها ولا سيما بارض الوسية او الوصية ، وفوائد المرابين الذين كانوا يكفلون الفلاحين عن طريق رهن محاصيلهم وعسفهم بالحصول على اموالهم[113]0وقد يعبر رأي المؤرخ التركي خليل اينالجيق اصدق تعبير عن معاناة الفلاحين وسؤ تصرف الدولة العثمانية بقوله :” اصبح الفلاح في ظل اصحاب الاراضي الجدد اسوأ حالا مما كان في أي وقت مضى ، فلم يعد عليه في نظام المقاطعة ( الالتزام ) ان يدفع الضرائب العادية المستحقة للدولة فحسب ، بل كان عليه ان يدفع لصاحب الارض فرائض قررها العرف ، واذا ادخلنا في اعتبارنا ضعف الحكومة المركزية امكننا ان نتصور دون مشقة ذلك الموقف الجائر الذي كان يتخذه اولئك الملاك الجدد “[114]0

       ونخلص الى ان المعاملة التي قاساها الفلاح في العهد العثماني ضاهت بسوئها مثيلتها في العصور الوسطى وربما فاقتها ،  من حيث اعتبر معينا ماليا لا ينضب ، وخادما امينا لا يعرف معنى الثورة ، واذا تجرأ وفعل سحق ، وما ادرك يوما ان هناك سلطة تفوق تسلط سيده الاقطاعي ( الملتزم ) ، او ان حكومة قائمة ترعى شؤونه ومصالحه في حدها الادنى ، وتشعر باناته ومعاناته0ولا الدولة ادركت ان لها رعايا يفترض بها رعايتهم ليظلوا منتجين0

      النتائج العامة : لقد نشأ النظام الاقطاع العسكري في الاسلام في العهد العباسي الثاني ( النفوذ التركي ) ما يعكس نمط تفكير الاتراك على دفع رواتب الجيش متأثرين بانماط اقطاعية بدائية في بلادهم ، وتوسع مع البويهيين الديالمة في الذهنية عينها0ونشأ النظام الاقطاعي العسكري الاداري في عصر نفوذ السلاجقة ، وقد قامت الدولة العثمانية في كنفهم ولا سيما دولة سلاجقة الروم ، وبالتالي قد يكون انتقل اليهم النمط الاقطاعي السلجوقي0 فكان نظام السباهية الذي اعتمد الاوقجة كوحدة نقدية اساسية لتوزيع الاقطاعات ، وهو ، على هذا الصعيد ، يشابه النظام الاقطاعي العسكري المملوكي ، الذي اتخذ من الدينار الجيشي مقياسا للاقطاعات0كما يتشابه مع النظام عينه التراتب العسكري والاداري المملوكيين0

     وهكذا تكون الدولة العثمانية خرجت منذ قيامها على مفهوم الاقطاع في الاسلام ، وبدلا من ان تطوره عادت فيه القهقرة ما ادى الى تظلم الفلاحين ، الذين باتوا ، في ظله ، اشبه بالاقنان ، ما يتنافى كليا مع نظرة الاسلام الى الارض والانسان0

     لقد تمكنت الدولة العثمانية منذ اواسط القرن الخامس عشر من تهديد الدول الاوروبية ، التي كانت تشهد انحلالا في الانظمة الاقطاعية لصالح الكومونات ، وتطور المدن والعناية بالانظمة الزراعية المبنية على الملكية الفردية المتفلتة الى حد من سيطرة الاقطاعيين0ولكنها لم تتأثر بموجة التحديث تلك ، وتركت الملتزمين يحكمون باسمها ، ويمارسون مختلف انواع الاساليب الملتوية لزيادة ارباحهم ، من دون النظر الى وضع الفلاحين الآخذ بالتفاقم0

        لقد حكمت الدولة العثمانية الولايات العربية ، في ظل نظامي الالتزام والولاية ، بذهنية العصور الوسطى0ولم تحاول اختراق جدار التطور ، بل ظلت انماطها الاقطاعية ، التي اجري عليها تعديلات مختلفة ، ملتزمة الى حد اطر النظم الاقطاعية في العصور الوسطى0فتعطلت عجلة الانتاج نسبيا ، ولم تتطور وسائله التي استمرت تكرار لما كانت عليه في العصور الغابرة0


[1] – ابن تغري بردي، ( جمال الدين ابو المحاسن)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، طبعة دار الكتب المصرية، القاهرة 1930-1956 ، ج12، ص 217 وما  بعد

[2] – ضومط( انطوان)، المماليك والعثمانيون، مكتبة حبيب، الزوق لبنان، 1995، ص 72

[3] لم تكن نسبة الخراج واحدة ، لمزيد من الاطلاع انظر : ابو يوسف ( يعقوب بن ابراهيم ) كتاب الخراج ، دار المعرفة ، بيروت ، 1979 ، ص 41 ، 68 ، 69

– والبلاذري  (احمد بن يحي ) ، فتوح البلدان ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1978 ، ص 31-33 ، 36 ، 42-44 ، 47-48 ، 89-90 ،

  • ابن سلام ، ( ابو عبيد القاسم ) ، الاموال ، مؤسسة ناصر الثقافية ، بيروت ، 1981 ، ص 7 ، 8 ، 56 ،
  • ابن هشام ، السيرة النبوية ، دار الكنوز الادبية ، بيروت ، دون تاريخ ، ج2 ، ص 49

[4] اجتهد بعض الفقهاء في شروط استصلاح الاراضي ومدة بقائها بيد اصحابها ، ابو يوسف ، الخراج ، ص 24

– وابن تغري بردي ، ( جمال الدين ابو المحاسن ) ، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، القاهرة ، طبعة دار الكتب ، 1930 – 1956 ، ج2 ، ص 233 –244

[6] -منع الرسول اقطاع المراعي ، بوجه عام ، وما سمح به كان مشروطا :” لا يأكلون علافها ويرعون فيها ، وقال ايضا :”المسلمون شركاء في ثلاث : الماء والكلاء والنار ، انظر الماوردي ( علي بن محمد بن حبيب ) ، الاحكام السلطانية ، القاهرة ، 1966 ، ط2 ، ص 176- 178

[7] – ويقسم اقطاع التمليك الى موات وعامر ، والثاني هو ضربان : احدهما ما يتعين مالكه ولا نظر للسلطان فيه الا بتلك الارض في حق لبيت المال اذا كانت في دار الاسلام ، الماوردي ، الاحكام السلطانية ، ص 188

[8] – ” يمكن اقطاع ارض موات لم يثبت صاحبها ، وان كانت الارض جاهلية جاز اقطاعها وتمليكها، وان كانت اسلامية وبارت لا تملك عرف صاحبها ام لم يعرف0اما الارض العامرة فلا يمكن تمليكهاسواء أكانت لذمي ام مسلم في حال عرف مالكها0وان لم يعرف تصبح ملكا لبيت مال المسلمين ووقفا مؤبدا ويحق للخليفة او السلطان اقطاعها لاي كان0اما اقطاع الاستغلال فهو جزية او اجر ، فالجزية لا يجوز اقطاع الارض لاكثر من سنة فصاحبها قد يسلم فتسقط الجزية عنه0وان كان اجرا جاز اقطاع الارض لسنين عديدة ” القلقشندي ( احمد بن علي )، صبح الاعشى في صناعة الانشاء ، مطبعة دار الكتب ، القاهرة ، 1913 ، ج13 ، ص 110 ، 113-114 ، 116 ، 117        

[9] – في هذه الفترة عمت المصادرات ، وظهر الاقطاع شبه الاداري 0انظر مسكويه ( احمد بن محمد ) ، تجارب الامم ، مطبعة التمدن ، القاهرة ، 1914 ، ج1 ، ص 43 ، 217

 وابن الاثير ( عز الدين ) ، الكامل في التاريخ ، دار صادر ، بيروت ، 1979 ، ج8 ، ص 110 وغيرها كثير0

[10] – نذكر من هذه الدويلات : الطاهرية ( 265- 292 / 820 – 872 ) ، الصفارية ( 254 – 290 / 867 – 903 ) ، الطولونية ( 254 – 292 / 868 – 905 ) الاخشيدية ( 323 – 358 / 935 – 969 )0

[11] – الحمدانية ( 929 – 1001 ) ودولة القرامطة ، والزيادية في اليمن ودويلات اخرى متعددة في شمالي افريقيا : الادارسة ، الرستمية ، المدرارية ، وبنو الاغلب …

[12] – ابن طباطبا ( محمد بن علي ) ، الفخري في الآداب السلطانية والدول الاسلامية ، مصر ، 1939 ، ص 220

[13] – مسكويه ، تجارب ، ج1 ، ص 43 ، 217

  • وابن الاثير ، الكامل ، ج8 ، ص 110
  •  ولمزيد من الاطلاع ، راجع : سعد ( فهمي عبد الرزاق ) ، العامة في بغداد ، الاهلية للنشر والتوزيع ، بيروت ، 1983 ، ص 33 ، 34 ، 37

[14] – مسكويه ، تجارب ، ج1 ، ص 8 ، 200 ، 201

  • و الصابئ ( الهلال بن محسن ) ، الوزراء ، دار احياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1958 ، ص 13 – 14
  •  وسعد ،  العامة ، 33 ، 34 ، 37 

[15] – سعد ، المرحع السابق ، ص 36 -37

[16] – لمزيد من الاطلاع ، انظر : ضومط ( انطوان ) ، ملامح من الاقطاع العسكري في العصور الوسطى ، مجلة المسرة ، المطبعة البولسية ، جونيه ، 1985 ، العددان ، 719 –720 ، ص 724 – 725

[17] – مسكويه ، ج2 ، ص 173 –175 ، وسعد ، العامة ، ص 39 -40

[18] – لمزيد من الاطلاع ، انظر : ضومط ، ملامح ، ص 725 – 728

[19] – لمزيد من الاطلاع ، انظر هف ( توبي ) ، فجر العلم الحديث ، الاسلامالصين – الغرب ، ترجمة محمد عصفور ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، 2000 ، رقم 260 ، ص 144 وما بعد

[20]– Grawitz , M, Mèthodes des sciences sociales , Dalloz , 10 eme èdition , Paris , 1996 , pp 28-30

[21] – لمزيد من التفاصيل انظر: هرشلاغ ، مدخل الى التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الاوسط ، نقله الى العربية مصطفى الحسيني ، مكتبة العالم الثالث ، دار الحقيقة ، بيروت ، 1973 ، ص 54 – 55

[22] – Afetinan, Aperçu général sur l’histoire économique de l’empire Turc-Ottoman,Publications de la société d’histoire Turque,sérieVIII-No.6a, Ankara, 1916, p.24.

[23]  -ibid p 24

[24] – ibid p24

[25] – هرشلاغ ، المرجع السابق ، ص 54 –55

[26] – لمزيد من الاطلاع على الاوقاف وانواعها راجع : كرد علي ( محمد ) ، خطط الشام ، دار العلم للملايين ، بيروت ، 1983 ، ج5 ، ص 112 – 115

[27] – ضومط ( انطوان ) ، المماليك والعثمانيون وعهد السلطان سليم الاول ، مكتبة حبيب ، زوق مصبح ، لبنان ، 1995 ، ص 69 – 71

[28] – جب وبوين ، المجتمع الاسلامي ، ص 92

[29] – هرشلاغ ، مدخل الى التاريخ الاقتصادي ، ص 18

[30] – المرجع السابق ، ص 93

  • هرشلاغ ، المرجع السابق ، ص 18
  •  الشناوي ( عبد العزيز محمد ) ، الدولة العثمانية دولة اسلامية مفترى عليها ، مكتبة الانكلو المصرية ، القاهرة ، 1980 ، ج1 ، ص 130 – 131

[31] – جب وبوين ، المجتمع ، ص 94

[32] – Afetinan, op.cit. p 45

[33] – هرشلاغ ، مدخل الى التاريخ الاقتصادي ، ص 18

[34] – مسكويه ، تجارب ، ج2 ، ص 97 –98

[35] – لمزيد من الاطلاع على نظام الاتابكبة ، انظر : ابن الاثير ، الكامل ، ج10 ، ص 29 –30

  • والاصفهاني ، ( الفتح بن علي البنداري ، دولة آل سلجوق ، مصر ، 1318 هجري ، ص 55 –57
  •  القلقشندي ، صبح ، ج4 ، ص 18

[36] – ابن الاثير ، الكامل ، ج4 ، ص 29 – 30 ابو شامة ( شهاب الدين عبد الرحمن الدمشقي ) ، كتاب الروضتين في اخبار الدولتين النورية والصلاحية ، القاهرة ، 1278 هجرية ، ج1 ، ص 26

[37] – الاصفهاني ، دولة آل سلجوق ، ص 55 ،

[38] – الامثلة كثيرة على توزيع الاقطاعات على الاتابكة ، انظر : ابو شامة ، الروضتين ، ج1 ، ص 25 ، 35 ، 125

[39] – الاصفهاني ، آل سلجوق ، ص 55 – 57

[40] – ضومط ، ملامح ، ص 730

[41] – المكان عينه

[42] – هرشلاغ ، مدخل ، ص 19

[43] –  Afetinan , op. cit. p 45

[44] – BIBB , H , and BOWEN , H , Islamic society and the west , a study of the impact of western civilization on moslem culture in the near east, Oxford University press , 1962, vol I , p 247

– الشناوي ، ج1 ، ص 132

[45] – Gibb and Bowen , op. cit . V I , part I ,  p. 49

– ويعتبران ان الاوقجة نقد فضي عثماني لم تكن له قيمة ثابتة ، في حين يرى الفريق اول محمد شوكت انها كانت تساوي ثلث درهم من الفضة ، ومن ثم بعد ان دخل الغش الى النقود العثمانية قلت قيمتها ولم تعد ثابتة ، انظر : شوكت ( محمد ) ، التشكيلات والازياء العثمانية ، ترجمه عن التركية يوسف نعيسة ومحمود عامر ، دار طلاس ، دمشق ، 1988 ، ص 64

[46] – جب وبوين ، ج1 ، ص 95 ، 97

[47] – جب وبوين ، المجتمع الاسلامي ، ج1 ، ص97 ، وهما يريان ان عدد الجنود المفروضة على الزعيم هي فقط 18 جنديا ، في يرى الشناوي ان العدد هو عشرين ، الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص132

[48] – الشناوي ، ج1 ، ص 133

[49] – Bibb , and Bowen , v I , part I , p 49

[50] – الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص 134

[51] – الشناوي ، المرجع السابق ، ج1 ، ص 134

-Afetinan, op. cit p 45

[52] – الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص 135 – 136

[53] – Afetinan , op. cit. p 45

[54] – المقريزي ( نقي الدين احمد ) ، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ، دار صادر ، بيروت ، دون تاريخ ، ج1 ، ص 87

– ابن اياس ( محمد بن احمد ) ، بدائع الزهور في وقائع الدهور ، بولاق ، 1311 ه ،  -ج1 ، ص 137

[55] – العمري ( شهاب الدين احمد بن فضل الله ) ، مسالك الابصار في ممالك الامصار ، تحقيق دوروتيا كرافولسكي ، المركز الاسلامي المركزالاسلامي للبحوث ، ط1 ، بيروت ، 1986 ، ص 94 ،

  • القلقشندي ، صبح ، ج3 ، ص 458
  •  المقريزي خطط ، ج1 ، ص 90

[56] – المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 87

– بولتاك ، ( أ. ن . ) ، الاقطاعية في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان ، نقله الى العربية ، عاطف كرم ، منشورات وزارة التربية الوطنية والفنون الجميلة ، مطابع نصار ، بيروت ، 1949 ، ص 74 – 75

[57] – خطط ، ج1 ، ص 90

– بولياك ، الاقطاعية ، ص 75 – 76

[58] – القلقشندي ، صبح ، ج4 ، ص 14

– الظاهري ، زبدة ، ص 113

[59] – القلقشندي ، صبح ، ج4 ، ص 14

  • خطط ، ج1 ، ص 215
  •  الظاهري ، زبدة ، ص 113

[60] – الاماكن عينها

[61] – لم يكن الدينار الجيشي نقدا متداولا بل مقياسا اقطاعيا ، كما لم تكن له قيمة ثابتة ، فتراوحت قيمته عام 1315 بين سبعة وعشرة دراهم ، ثم ارتفعت الى 13 درهما عام 1377 ، وفيما بعد فقد قيمته وصار مقياسا حسابيا لمدخول الاقطاعات بالتخمين انظر : العمري ، مسالك ، 61

– ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 112 –113

[62] – العمري ، مسالك ، ص 94

  • القلقشندي ، ج4 ، ص 50

– خطط ، ج2 ، ص 215 – 216

[63] – القلقشندي ، صبح ، ج3 ، ص68

[64] – جب وبوين ، ج1 ، ص 188 –189

[65] – جب وبوين ، ج1 ، ص 98 ، 189

[66] – المرجع السابق ، ج1 ، ص 188

[67] – جب وبوين ، المجتمع ، ج! ، ص 98

[68] – المكان عينه

[69] – ابو شامة ، ( عبد الرحمن بن اسماعيل الدمشقي ) ، مختصر كتاب الروضتين في اخبار الدولتين النورية والصلاحية ، دار الاندلس الخضراء ، جدة ، المملكة العربية السعودية ، 1997 ، ص 84 ، 88

[70] – العمري ، مسالك ، ص 65 ، 96 ،

  • القلقشندي ، ج4 ، 16 – 18
  •  المقريزي  ،  خطط ،  ص 222 ، 225
  • الظاهري ، زبدة ، 114

– الخالدي ( عبد الله بن عبد الله بن لطف الله ) ، المقصد الرفيع المنشا الهادي الى صناعة الانشا ، اطروحة دكتوراه غير منشورة اعدها خليل شحادة جامعة القديس يوسف ، بيروت ، 1988 ، ص 241 – 245

[71] – القلقشندي ، ج3 ، ص 488

– الطرخان ( ابراهيم علي ) ، النظم الاقطاعية في الشرق الاوسط في العصور الوسطى ، دار الكتاب العربي ، القاهرة ، 1968 ، ص 198 – 199

  • Ayalon David, “Studies on the structure of the Mamlouk Army”, Bulletin of the School of Oriental and African Studies, 15/2&16/1 (London 1953-1954) pp.203-228, 448-476, 57-90 , T 15/2 , p 459 – 460
  • Demombyne , M. G , La Syrie a l’epoque des mamlouques d’apres les auteurs arabes , Paris , 1923 , p 139

[72]–  الطرخان ، النظم ،  ص 86

[73] – القلقشندي ، ج4 ، ص 184

 –  الخالدي ، المصدر السابق ، ص 245 – 246

[74] – Ayalon , op. cit. P 459

  • Demombine , op. cit, p 139
  • –           ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 118

[75] – القلقشندي ، ج3 ، 15

[76] – العمري ، مسالك ، ص 61

[77] – ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 57

[78] – بولياك ، الاقطاعية ، ص 17

[79] – العمري ، مسالك ، ص 61

– المقريزي ، خطط ، ج2 ، ص 219

[80] – القلقشندي ، ج4 ، ص 50

  • ابن تغري بردي ، نجوم ، ج8 ، ص 52
  •  المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 87 – 90

[81] – الامكنة عينها

[82] – القلقشندي ، ج4 ، ص 50

– المقريزي ، خطط ، ج2 ، ص 215

[83] – العمري ، مسالك ، ص 66

– القلقشندي ، ج4 ، ص 50

[84] – الدوري ( عبد العزيز ) ، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي ، دار الطليعة ، بيروت ، 1978 ، ص 114

[85] – جب وبوين ، ج1 ، ص 294

[86] – الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص 147

[87] – Shaw Stanford , Landholding , op. cit. 95

[88] – كان يذكر في تقسيط الالتزام مال الميرة المتوجب دفعه ، واسم القرية او القرى الملزمة ، وعدد قراريطها ، ومساحة هذه القراريط ، لان القيراط كانت وحدة سهمية مبنية على التخمين ، ويحدد في التمكين مال الميرة ، اما الفاميك ، فهو عبارة عن مستند من الدولة الى الفلاحين يعلمهم انهم صاروا في عهدة الملتزم الجديد0انظر : الشناوي ، ج1 ، 147 

[89] – Shaw Stanford , J ,Landholding &land-tax revenues in ottoman Egypt . in “ Political & Social Changes in Modern Egypt.Historical Studies the Ottoman Conquest to the Unitd Arabs Republics : edited by P. M.Holt , London 1969 , p 96

[90] – Cahen, Cl , EI2 , article , Bayt al-Mal , tI , p 1178

[91] – السيد ( ايمن فؤاد ) ، الدولة الفاطمية في مصر ، الدار المصرية اللبنانية ، القاهرة ، ط2 ، 2000 ، ص 514

[92] – ابن ميسر ( محمد بن علي بن يوسف ) ، اخبار مصر – المنتقى من ، تحقيق ايمن فؤاد السيد ، المعهد العلمي الفرنسي ، القاهرة ، 1981 ، ص 129

– المقريزي ، اتعاظ الحنفا باخبار الائمة الفاطميين الحنفا ، تحقيق محمد حلمي احمد ، القاهرة ، 1996 ، ج3 ، ص 164

[93]  المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 83

– اتعاظ ، ج3 ، ص 81

[94] – السيد ، مصر ، ص 516

[95] – المقريزي ، خطط ، ج2 ، ص ص 5 –6

[96] – عينه ، ج1 ، 85

[97] – شعبان ( محمد عبد الحي ) ، الدولة العباسية – الفاطميون ، الاهلية للنشر والتوزيع ، بيروت ، 1981 ، ص 238

[98] – جب وبوين ، ج1 ، ص 295

[99] – الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص 166

[100] – تقع ارض الوسية في دائرة الالتزام ، وتساوي عشره 1/10 ، ويفيد الملتزم وحده منها ، وقد عين لها موظفين يتقاضون رواتبهم من ماله الخاص مثل الوكيل والخولي والكلاف وغيرهم ، الشناوي ، ج1 ، ص 159 – 160

[101] – Shaw Stanford , J. The financial & administrative organization & development of Ottoman Egypt ( 1517 – 1798 ) , Princeton Univercity Press , Princeton N. J, 1962 , pp. 22 – 25

[102] – جب وبوين ، المجتمع ، ج1 ، ص 295 – 297

[103] – كانت الهيئة الاسلامية ترعى الاوقاف التي راحت تتزايد تدريجا حتى بلغت في القرن 19م حوالى نصف اراضي الدولة العثمانية

[104] – جب وبوين ، ج1 ، ص 32 –34

[105] – عاشور ( سعيد عبد الفتاح ) ، بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى ، دار الاحدب البحيري ، بيروت ، 1977 ، ص 149

[106] – ابن تغري بردي ، نجوم ، ج9 ، ص 51

[107] – المقريزي ( تقي الدين احمد ) ، اغاثة الامة بكشف الغمة ، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال ، القاهرة ، 1940 ، ص 45 – 47 

[108] – المكان عينه ، وخطط ، ج1 ، ص 138

[109]  – Shaw Stanford , Financial , op. cit. Pp. 20 –21

 – جب وبوين ، ج1 ، ص 294

[110] الدوري ، مقدمة ، ص 122

[111] – Shaw Stanford , Landholding , op. cit. P 100

[112] – ibid

[113] – الشناوي ، ج1 ، ص 157 – 158

[114] – اينالجيق ( خليل ) ، التقافة الاسلامية والحياة المعاصرة ، بحوث ودراسات اسلامية ، جمع محمد خلف الله ، القاهرة ، 1955 ، ص 451

التجديد في منهج تقي الدين احمد المقريزي (766-845/1364-14429)

اولا– البيئة السياسية والدينية والثقافية للتأريخ في القرن التاسع/الخامس عشر.

في العهد المملوكي شغلمعظم المؤرخين وظائف ديوانية مثل كتابة السر، والحسبة والتوقيع بديوان الانشاء… مما سمح لهم بالاطلاع على دقائق سجلات هذه الوظائف، وعلى ركائز النظامين العسكري والاقطاعي المملوكيين فازدهرت كتب الادارة مثل مسالك الابصار للعمري، ونهاية الارب للنويري، وصبح الاعشى للقلقشندي، والمواعظ والاعتبار للمقريزي، وزبدة كشف الممالك للظاهري… اضافة الى التواريخ العامة، التي لم يقتصر حضورها على السياسي والعسكري بل تعداهما الى النشاطات الاجتماعية والاقتصادية والادارية. فاكتملت بذلك صورة التاريخ بابهى حلله، واروع روآه، وصارت المؤلفات تنبض بالحياة وتتحدث عن الخاصة والعامة معا بعد ان كانت حكرا على الاولى.

تجاه هذا الازدهار المنقطع النظير للمؤلفات في ميدان التاريخ على تنوع مواضيعه، نلاحظ انحطاطا مخيفا ومربكا في بقية العلوم على مدى العصر المملوكي. وقد يكون مرد ذلك الى وعي المؤرخين للديني المرتبط بالسياسي الناتج عن احتضان المماليك للشرعية الدينية السنية الوحيدة، فصارت بنظرهم دولة المماليك وحدها الدولة الشرعية في العالم الاسلامي، وتحوّلت الدول الاخرى غير الخاضعة للخلافة العباسية الى دولٍ عاقّة، مما جعل التاريخ المحلي او الاقليمي يزدهر بامتياز، بحيث قلّما تجاوزت مضامين مؤلفات المؤرخين المشرقيين حدود الدولة التي يعيشون في كنفها اللهم الا ابتهاجا بفتح اسلامي، او نجاة المسلمين من هجوم الفرنجة.

وبذلك، غابت عن الساح التأريخية مؤلفات التاريخ العام الشامل، وان اطلقنا على بعضها هذه الصفة لان حضورها اقتصر على التاريخ الاقليمي الخاضع اصلا لنفوذ سياسي محدد، مما عكس الانقسام السياسي على الفكر الديني وعلى الوضعين الاجتماعي والاقتصادي. ولم يعد العالم الاسلامي كله مسرحا لأقلام المؤرخين المسلمين، بل تقوقع التوجه، خلال الحقبات التي نضجت فيهاالمناهج التأرخية عموما، ليحدّد السمات العامة للمراحل الاخيرة من العصور الوسطى. وقد حرمنا هذا المنظور السياسي الديني الضيّق من كنوز كثيرة لأنه لو توفّر للمقريزي وبعض زملائه المبدعين، بما تمتعوا به من نفاذ البصيرة والحس الاجتماعي، الاطلاع على اخبار الدول الاسلامية الاخرى ودوّنوا اخبارها لربما كانت المكتبة العربية قد اغتنت بمادة علمية تاريخية قلّ نظيرها، ولكن مع الاسف الشديد اقتصر حضورهم التأريخي على دولة المماليك خصوصا ان بعض المؤرخين شغل وظائف ديوانية، ممّا جعلهم قريبين من القرار السياسي، ومطلعين على معلومات كان متعذرا على غيرهم الوصول اليها، ومدركين بدقة بنية المؤسسات المملوكية بسلبياتها وايجابياتها.                      

ثانيا حياة المقريزي ومؤلفاته:

1-حياته: هو تقي الدين احمد بن علي العبيدي المقريزي[2]، وهذه الشهرة الاخيرة تعود الى احدى حارات بعلبك التي عاشت في كنفها اسرته قبل انتقال جده لأبيه من بعلبك الى دمشق[3]. ولد المقريزي في القاهرة في حارة برجوان عام 766/1364 في اسرة اشتهرت بتحصيل العلوم؛ فجده لأبيه نشأ في بعلبك وتثقف على عدد وافر من العلماء والفقهاء[4] ثم انتقل الى دمشق حيث ولد ابنه علي والد المقريزي. بعد دمشق ارتحل الى القاهرة واستقر فيها حيث تقلب في عدة وظائف ديوانية[5].

 وقد يكون جده لأمه، الذي احتضن المقريزي، اكثر ثقافة من جده لأبيه[6]. درس مؤرخنا في الازهر على الكثير من العلماء والفقهاء بلغ عددهم ستمائة[7] من ابرزهم: شمس الدين بن الصائغ جده لأمه، وابي اسحق التنوخي، وسراج الدين البلقيني، والعماد الحنبلي، وابن خطيب الناصرية المؤرخ المعروف، وابن خلدون بعد ان استقر في القاهرة منذ عام 784/1364 وقد تأثر به كثيرا ولا سيما بمقدمته المشهورة. كما اجازه عدد من اعلام عصره نذكر منهم: العماد ابن كثير (ت 774/1373، وابا البلقاء السبكي (ت 777/1375) وابا الفضل النويري (ت 786/1384)[8].

كان المقريزي على اتصال وثيق بالسلطان برقوق، وبابنه السلطان فرج، وبالامير يشبك الدوادار، مما سمح له اشتغال عدة وظائف حكومية. وكان مقربا جدا من الناصر فرج الذي تمنى عليه ان يكون رسوله الى تيمورلنك ولكنه اعتذر.[9]

ثم ما لبث ان اعتزل الوظيفة العامة لينصرف الى تدوين مؤلفاته جاعلا من بيته موئلاً لاهل العلم من تلاميذه واصدقائه. ولربما يكون قد وجد في هذا السلوك السلوى والسلوان عمّا آلت اليه اوضاع البلاد من انحطاط اقتصادي وفساد اداري ورعب عسكري، وعمّا فقده من وظائف، وعزاء ذاتيا لفقدانه ابنته فاطمة التي توفيت بالطاعون عام 826/1423 وذهب هو نفسه ضحية الوباء عينه عام 845/1441 مخلفا ثروة علمية ضخمة، ومدرسة تأريخية خاصة.

2مؤلفاته: ترك المقريزي عددا كبيرا من المؤلفات في مختلف ميادين العلوم الانسانية اربت على المائتين على ما ذكر السخاوي[10]، ويبدو ان معظمها قد ضاع، وما بقي طبع معظمه، وسنكتفي بذكر بعضها:

– اتعاظ الحنفاء باخبار الائمة الفاطميين الخلفاء.

– اغاثة الامة بكشف الغمّة، هو كتيب اقتصادي اجتماعي يعتبر من اجلّ الدراسات الاجتماعية والاقتصادية خلال العصور الوسطى.

– الاوزان والاكيال الشرعية، وهو يتمم الكتاب السابق، وباعتقادي ان المقريزي وضعه بعد تجربته المريرة في وظيفة الحسبة.

– التاريخ الكبير المقفى في تاريخ اهل مصر والواردين عليها،  وهو تراجم لأكابر المصريين ومن دخل الى مصر من العلماء والمشاهير، مرتب على حروف المعجم. صدر منه حتى الان ستة عشر مجلداً، ويبدو ان المقريزي اراد له ان يكون في حوالى ثمانين مجلدا على حد تعبير السخاوي وابن تغري بردي[11].

– درر العقود الفريدة في تراجم الاعيان المفيدة[12].

-شذور العقود في ذكر النقود، منشور.

-المنتقى من اخبار مصر لابن ميسّر، منشور

– المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار

– كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، وهو موضوع هذا البحث.

وهناك العديد من المؤلفات ذكرها السخاوي، وابن تغري بردي، واعطى الدكتور محمد كمال الدين عز الدين علي معلومات عنها وتوسع بمضمون بعضها خصوصا المخطوط منها الذي تمكن من الاطلاع عليه.[13]

ثالثا: التجديد في منهجه في كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك

ان التجديد هو ابداع يتجسّد في الخروج عن المألوف جزئيا او كليا، وبالتالي اعتماد نمط جديد قد يغدو لاحقا نموذجا يحتذى. ويتمظهر التجديد في التأريخ في المنهج على مستويين: الشكل، والمضمون. ونعني بمنهج المضمون موقف المؤرخ من الحدث الذي يؤرخ له، اي كيفية استقراء جزئياته ومن ثم اعادة تركيبها بما يوضح مدى عمق رؤيته العمودية. ويُظهر الجهدَ الذي بذله للوصول الى اكبر قدر ممكن من الحقيقة التاريخية التي هي مطلقة في الاساس. ويمكن اطلاق مصطلح: «النظرة التاريخية» على مجمل هذه الجهود.

ويرتبط اسلوب التجديد في العصور الوسطى بمقدار خروج المؤرخ على الصورة التقليدية للخبر التاريخي، لأن الخبر استمر بوجه عام مستقلا بذاته ولذاته عند معظم مؤرخي العصور الوسطى الاسلامية، وقلما اسس لخبر جديد، او استند الى خبر آخر سابق لينفذ الى اعماق الحدث الكلي. فبراعة المؤرخ تتجلى بمقدار اخراجه الاحداث التي تتداخل بعض وجوهها او تتقاطع في سياق شامل ومترابط تتجلى فيه كلية الحدث المقصود.

وعلى هذا سندرس نظرة المقريزي التاريخية على كل المستويات التي أرّخ لها، كما سنبيّن مدى خروجه على الصورة التقليدية للخبر او وفائه لها.

 

I-نظرته التاريخية في السلوك: المقريزي اول المؤرخين الذين نظروا الى الاجتماع الانساني نظرة عامة شاملة غير تنظيرية في المطلق، بل حكمتها ركائز من ذاتيته غدت قوانين خاصة به، وعامة لمؤرخين آخرين مثل ما طرحه ابن خلدون في مقدمة كتاب «العبر وديوان المبتدأ والخبر». فجاءت نظرة معرفية نابعة من خبرة التعاطي في الشأن العام، ومراقبة الاحداث وتطورها، ومن رؤيته الانسانية العامة المتأثرة من دون شك بنظريات استاذه ابن خلدون ومحاولته تطبيقها في التأريخ. وهي نظرة هادفة، غايتها تبديل سلوك الحكام نحو الافضل علّ الخلف يتعظ من السلف.

وتكمن اهمية نظرته بمعالجتها نواحي متعددة من النشاطات الانسانية في المجتمع المملوكي: سياسية، وعسكرية، وادارية، واقتصادية، وعمرانية، واجتماعية بمختلف ابعادها شأن الاوبئة والامراض، والجرائم، والحرائق… وتأثيراتها المتبادلة.

نظرته الى الوضع العسكري: شكل الصراع بين فئات المماليك على اختلاف مستوياتهم وتنوع انتماءاتهم محورا رئيسيا في حياة المماليك منذ تأسيس دولتهم وحتى عام 844/1441 الذي تتوقف عنده اخبار « السلوك ». وتستوقفنا في هذا المدى محطات صراعية بارزة، اخص منها ما حدث في سلطنتي الناصر محمد بن قلاوون الاولى والثانية. ولكن المشهد يبدو أكثر اضطرابا في عهود ابناء الناصر محمد بن قلاوون واحفاده بحيث صوّر المقريزي المجتمع المملوكي مجتمعا دمويا غادرا تلفه المؤامرات والفتن.[14]ويستمر المشهد عينه على امتداد معظم العهد الجركسي وفق محطات او مفاصل قد يكون من نماذجه النافرة ما حصل في بداياته بين برقوق ومنافسيه، ثم في معظم عهد الناصر فرج بن برقوق[15]: كالصراعات بين منطاش وشيخ المحمودي ونوروز الحافظي، وبين جقمق واينال[16]

لم يحصر المقريزي آثار ما كان يحصل بالمماليك فقط بل تناول تداعياته المدمرة على كل فئات المجتمع بقوله:«وحل بالقاهرة ومصر خوف شديد بسبب اختفاء الاشرفية – نسبة الى السلطان الاشرف برسباي- وتطلبهم، فاذا دخل المماليك جهة من الجهات للبحث عنهم حلّ بسكانها انواع البلاء ما لا يوصف من النهب والهدم والعقوبة والغرامة وجد فيها اشرفية ام لم يوجد. وكان يتبعهم بهجومهم غوغاء العامة فحلّ بالنساء بلاء لا يوصف، فهدمت بعض المدارس ونهب بعضها الآخر… »[17]

ولكي تتبلور الصورة العسكرية، وهي من معالم التجديد في نظرته التاريخية، وصف الفنون القتالية وطرقها، والخطط الحربية، وانواع الاسلحة المستخدمة. فتناول في حصار آمد عام 837/1434 المدفع النحاسي المستخدم فيه الذي بلغت زنته مائة وعشرين قنطارا مصريا، وزنة قذيفته 570 رطلا مصريا[18]. ووصف في هذا الاطار انواع السفن الافرنجية، والسفن المملوكية وسبل استخدامها[19].

وفي المسار عينه أرّخ المقريزي لعلاقة العربان العدائية بالسلطة المملوكية الناتجة اصلا عن ظلم الحكام [20]. ويتقاطع هذا الموضوع مع نواحي اخرى متعددة تتكامل جميعها معا، لتجعل المشهد العسكري تاما بأحداثه وتفاعلاته بما يفرز من نتائج او تداعيات حددت ابرز محطاط التجديد في نظرته.

ب -موقفه من الاقتصاد: يحتل الاقتصاد منزلة تأريخية مهمة جدا في «السلوك»، فهو المحرك الاساسي لكل نشاطات الدولة والمجتمع، ولكل الصراعات الداخلية. وانطلاقا من هذه الحركية كان الحكام المماليك يتوسّلون ظلم الشعب. ولعل هذا ما جعل المقريزي يدرس مجمل الركائز الاقتصادية افقيا وعموديا مستخلصا منها العبر.

1 -النقود: يعتبر النقد العصب الاساسي في كل عملية اقتصادية، والوضع النقدي يعتبر مقياسا لتطور الحالة الاقتصادية او لركودها. لذلك ركّز المقريزي على قيمة النقود من حيث جودتها وغشها، مظهرا دور الغش في افقار الناس[21]. مما دفعه الى دراسة تطور النقود منذ العهد الايوبي وحتى ايامه ذاكرا اسباب غشها وتداعياته على الاسعار والحياة الاجتماعية، دارسا بطريقة تركيبية نظرية متكاملة للتضخم النقدي[22]، وهي لعمري خطوة سبقت عصره بل نظرية الاقتصاديين العالميين. وهي تزداد وضوحا كلما اقترب بالتأريخ من عصره بسبب وفرة المعلومات؛ فقد درس تطور الرواتب، وازدياد ارباح التجار وانعكاس هذين الامرين على النظام الزراعي عموما، محملا المماليك المسؤولية:« وكل ذلك من سوء نظرة ولاة الامور »[23]. وتكتمل نظرية التضخم النقدي بدراسته أسبابه؛ اذ يرجعه الى كثرة ما كان يتوجب على الدولة من جوامك (رواتب شهرية) للمماليك السلطانية، محدداً مقاديرها النقدية والعينية من لحم وكسوة وعليق للدواب[24]. مبرزا سوء تصرف المماليك السلطانية من اجل الحصول عليها وعلى علاوات جاعلا منه ابرز اسباب افساد ادارات الدولة، “والى خراب اقليم مصر وزوال نعم اهله”[25].

ولفهم عملية غش النقود واثرها على التضخم النقدي قارن بين النقود الذهبية المملوكية ومثيلاتها الاوروبية المستخدمة في الديار المملوكية محدداً مستواها واقبال الناس عليها: الاول هو الهرجة وقد قلّ بأيدي الناس، والثاني يقال له الافرنتي والافلوري اي «الفلوران الهولندي» والبندقي او الدوكة، وقد وصفها جميعها. والثالث الدينار الذهبي الناصري. كما تحدث عن جميع انواع الفلوس[26]. وبذلك، يكون المقريزي اول مؤرخي العصور الوسطى الذين احاطوا باحوال النقود الايجابية والسلبية، وتناولوا تداعياتها على مجمل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية.

2 -الرسوم والضرائب: واستكمالا لنظرته الاقتصادية تحدث عن عمليات الطرح والتحكير، والاحتكارات، والرشوة، والمصادرات، والرسوم، وهي جميعها ضرائب استثنائية باتت بنظره عادية لكثرة ما فرضت. وتناول ايضا الغلاء ومسبباته، وتطور الاسعار. فقد تحدث عن الرسوم من حيث اصنافها، وكيفية فرضها، وتأثيرها على الناس[27]. وقد شرح بعض المصطلحات كالطرح وهو ان يشتري الوزير او الاستادار سلعا بأسعار بخسة او يصادر سلعا تحت عناوين جائرة متنوعة، ثم يعيد بيعها من التجار باسعار مرتفعة جدا. وازداد هذا النهج سوءا في العهد الجركسي حتى بات احدى سماته النافرة[28]. جعل من المصادرات عنوانا سيئا في سجل المماليك المثقل بالمظالم فابان مساوءها وتداعياتها على التجار وارباب الحرف وكبار الاداريين، وعلى تطور الحياة السياسية والعسكرية والادارية المملوكية[29]. كانت الرسوم والضرائب تثقل كاهل الناس حتى بلغ بعضهم مستوى الفقر والبعض الآخر ما دونه. وكان غشّ النقود يسبب غلاء بالاسعار وحال من الفوضى الاقتصادية، وللغلاء عند المقريزي اسباب اخرى؛ مثل قلة فيضان النيل او شدته، وان جاء الامران شديدي الوطأة كان الجوع والمرض يعمان حتى:«أكل الناس من شدة الجوع الميتات والقطط والكلاب والحمير، وأكل بعضهم لحم بعض»[30]، بالاضافة الى الجراد الذي كان يأتي على المزروعات[31]، والمطر المتساقط قبل الاوان الذي تعقبه فترة من الحر الشديد كان يخرج دودا كثيرا يتلف المزروعات[32].

3  – نتائج السياسة الاقتصادية: لم تكن نظرته مركّزة على الوضع الاقتصادي المتردي فحسب وان كان الاكثر تعبيرا عن سوء احوال الناس الذين يقنعون بالفتات[33]، ولم تكن تنظيرية نابعة من فراغ، بل امدنا باستمرار، وكلما توفرت له المعلومات، باسعار السلع ارتفاعا او هبوطا مقارنا احيانا بما كانت عليه اسعارها وكيف صارت.[34]ودرس غلاء الاسعار احيانا بشكل بياني من دون ان يجد سببا موضوعيا لإرتفاعها سوى فساد الادارة المملوكية[35]. ولعل من ابرزها دراساته لتطور سعر اردب القمح: فانه كان ينقص نصف سدسه بسبب كلفة سفره واجرة السمسرة، وحمولته، وغربلته، وطحنه[36].

 واعتبر الاحتكار احد ابرز اسباب الغلاء ولا سيما في عهد برسباي الذي فرض على التجار شراء السكر من المتجر السلطاني فقط، كما حظّر على المزارعين زراعة السكر لتبقى احتكارا سلطانيا[37]. وتعدى الامر السكر، الذي هو انتاج محلي، الى احتكار الفلفل المستورد اذ: «أوقعت الحوطة سنة 835/1432 على فلفل التجار بالقاهرة ومصر والاسكندرية…  ورسم بان يكون الفلفل مختصا بمتجر السلطان.»[38] وفي هذا الاطار درس احيانا موازنة الدولة كما في عهدي اسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون[39]، وبرقوق[40]. وهي لعمري دراسة مالية متقدمة جدا، تنمّ عن وعي تام للوضع الاقتصادي والفساد الاداري.

ان استنزاف المماليك للطاقات الاقتصادية من جراء فرض الرسوم والضرائب الجائرة، وطرح السلع على التجار، ومصادرة ممتلكات ارباب الاقتصاد والادارة واموالهم جعل ارباب المعرفة بالاقتصاد، يأنفون من تولي المناصب الادارية الاقتصادية كالوزارة وديواني الخاص والمفرد، والاستادارية[41]. والمقريزي، الى ذلك، درس بجلاء بنية الاقتصاد المملوكي المتردي محذّرا من ان استمراره سيؤدي الى اضعاف الدولة وسقوطها.

ج – موقفه من الادارة: لقد خبر المقريزي الادارة المملوكية عن كثب، اذ تولى الحسبة والقضاء، وادرك مدى اهتراء اهل الرأي في الادارة، ومدى ترددهم باتخاذ القرارات المسؤولة، ومن ثم التراجع عنها اكراما لهذا الامير او ذاك، او تقرب السلطان من مسببي القلق السياسي في دولته، علّه بهذا الاكرام يتّقي شرهم.

وما عاد معظم اصحاب الوظائف الديوانية او المتعممين على اختلاف مراتبهم بمن فيهم قضاة القضاة، والقضاة يمارسون وظائفهم بنزاهة، بل صاروا في خدمة السلطان وكبار امرائه، لأن وظائفهم صارت تشرى بمال حتى باتت الرشوة عنوان العهد الجركسي[42].  وساهمت معرفة بعض السلاطين الجركسة المتواضعة بالعلوم الدينية في افساد النظام القضائي كما حصل في المجلس الذي عقده المؤيد شيخ لقضاة القضاة الاربعة ومشايخ العلم، وقد تنّدر به المقريزي قائلا: « فكان مجلسا بغاية القبح، من اهانة الهروي وبهدلته. »[43] وهو يسوق مثالا على هذه الاوضاع الشاذة اسناد الحسبة عام 808/1406 الى احد باعة السكر، معلّقا على ذلك:« فكان هذا من اشنع القبائح وأقبح الشناعات ».[44] ويروي ان أقبغا الجمالي « سعى في الاستدارية على ان يحمل عشرة آلاف دينار »[45]. وأضاف السلطان عام 835/1432 الى كاتب السر الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ الوزارة ويعلّق على هذه الحادثة متحسرا:« ولم يقع مثل ذلك في الدولة التركية… وباشر مع بعده عن صناعة الانشاء وقلة دربته بقراءة القصص والمطالعات الواردة من الاعمال. غير ان الكفاءة غير معتبرة في زماننا، بحيث ان بعض السوقة ممن نعرف ولّي كتابة السر بحماه على مال قام به.»[46]

د -المجتمع:

1 -المجتمع القلق: لربما يكون مؤرخنا قد ركز على هذا المجتمع غير المطمئن لشدة الصراعات الدامية بين طوائف المماليك وامرائهم مما كان يؤدي الى غلاء في الاسعار، واغلاق للاسواق ونهبها، وخطف الناس من الطرقات، والتعدي على الرجال والنساء في الحمامات[47]. وكثيرا ما كان سبب الفتنة تافها كاشاعة كاذبة، او خلاف مؤقت بين اميرين لا يلبثان ان يتصالحا[48]. ولم يكن لذلك المجتمع القلق هوية فكانت احداثه ومظاهره متشابهة في كل مكان: في القاهرة اوحلب او دمشق، على الرغم من تغيّر الظروف في كل منها. وكان المقريزي شديد الحساسية تجاه هذه التصرفات الخارجة على الاطر الدينية والاخلاقية، التي كانت تهدد حياة الناس ومصالحهم في كل وقت وتقض مضاجعهم، من دون ان يعمل المماليك على حلها جذريا، لأنهم كانوا مسببيها.

وشكلت الحرائق احدى عوامل القلق الاجتماعي والامني لما كانت تسببه من اضرار بالغة من دون ان يُعرف اجمالا مسببوها[49]. وكذلك كانت حال المناسر التي تشتد احيانا[50]. وعرض مؤرخنا للاوبئة والامراض ومسبباتها ونتائجها، ذاكراً بعض اسماء النباتات والفواكه المستخدمة كأدوية في معالجتها، محددا اسعارها، متحسّرا بسبب عجز عدد وافر من الناس عن شرائها[51]. وكان الطاعون الاشد فتكا بين الاوبئة. وصوّر حالة الناس وارباب الدولة عندما كان الوباء يشتد فيعجز الاطباء عن الحد من انتشاره وعن شفاء المرضى، فكانوا امام هذا العجز يلوذون بالصلاة والصيام مدة ثلاثة ايام، او يخرجون للصلاة  في الصحراء [52].

2- الملابس: واستكمالا للنظرة الكلية الى لمجتمع لم يغفل عن وصف الملابس، محددا مستوى ملابس كل فئة من فئات المجتمع المملوكي وانواعها، ذاكرا اسباب منع ارتداء بعض الازياء واستبدالها بأخرى فتصبح (موضة)[53]. ويمكن للباس ان يشكّل بطاقة هوّية لبعض الموظفين. فاذا كانت للمماليك على اختلاف مراتبهم ألبسة محددة لكل فئة ومنزلة، فانه كان لكل درجة من المتعممين لباسها المميز:«خلع على شمس الدين محمد الهروي واستقر قاضي للقضاة… فغيّر زيّه، وهذه المرة الرابعة في تغيير زيّه، فانه كان اولا يتزيّ بزيّ العجم، فلبس عمامة عوجاء بعذبة عن يساره. فلما ولّي القضاء لبس الحبة، وجعل العمامة كبيرة، وأرخى العذبة بين كتفيه، فلما ولّي كتابة السر تزيّ بزيّ الكتاب وترك زيّ القضاة وضيّق اكمامه، وجعل عمامته صغيرة مدورة ذات اضلاع، وترك العذبة، وصار على عنقه طوق ولبس الذهب والحرير»[54]

3 -اللهو والاحتفالات: تناول «السلوك» انواع اللهو[55]، والاحتفالات الدينية والدنيوية التي كان يعبق بعضها بالفسق والفساد[56]، من دون ان يهمل  المغنين ونشاطاتهم[57]. ومدنا بنماذج عن مهر الزواج[58]. واعتبر ان الخمرة من المساوئ الاجتماعية متحدثا عن اسباب ابطال الخمّارات واهراق الخمور[59].

ه  – موقفه من الذمييّن: لم يقتصر مجتمع المقريزي على حياة المسلمين فقط انما أرّخ ايضا لعلاقة اهل الذمة بالمسلمين عموما واركان الحكم خصوصا. وكان ينحاز الى جانبهم عندما يظلمون، ويهاجمهم عندما كانوا يخطئون، مبديا ملاحظات قيمة حول علاقاتهم الاجتماعية. فذكر ان الشروط العمرية طبّقت عليهم مرات عديدة[60]، ومنعوا مرات كثيرة من شغل الوظائف الحكومية او التي طردوا منها، متطرقا الى الاسباب الموجبة، وهي برأيه غير مطلقة بسبب تضارب مواقف الفقهاء منها بين مؤيد ومعارض[61]. ويأسف لهدم عدد كبير من الكنائس لأنه كان يتم مرارا، من دون مبرر ديني او مسوّغ قانوني[62]. وتحدث عن بعض المسيحيين ممن تحوّل الى الاسلام قسرا، وبعض الذين ارتدوا مجددا الى المسيحية تكفيرا عن ذنوبهم غير آبهين بالمصير المحتوم الذي ينتظرهم[63].

وهكذا نلاحظ ان نظرة المقريزي الى التاريخ تناولت معظم جوانب الحياة السياسية والعسكرية، والادارية، والاقتصادية، والاجتماعية؛ قبيحها وجيّدها. فيتبدّى لك  مجتمع المماليك في ” السلوك” مجتمعا متحركا نابضا بالحياة. وقد يكون لرصيد ثقافة المقريزي الدينية، وحسّه الاجتماعي المرهف، واخلاقه الحميدة ما جنّبه الانجرار في مسار الفساد الجارف الذي ساد عصره، لا بل غدا ابرز سماته السيئة. ولست أغالي اذا اعتبرت ان هذا الرصيد برز في موقفه من ثقافة المماليك العامة في مختلف الميادين، ومن نقده اللاذع لممارساتهم غير المبررة دينيا وانسانيا. واعتقد انه تناول كل ذلك من اجل تقويم المفاسد والمساوئ، لأن في التاريخ عبراً.

د -موقفه من المماليك: لعل محور نظرته تركّز على موقفه من المماليك سلطانا وأمراء وأجنادا، فقد انصفهم عندما كانوا يستحقون الانصاف، وهاجمهم في غالب الاحيان لانه اعتبرهم مصدر المساوئ الادارية والاجتماعية والاقتصادية بسبب سوء تصرفاتهم، وشرههم للمال، وتصارعهم على المناصب الرفيعة، واهمالهم الرعية. وتعبيرا عن موقفه هذا، وسمهم بشتى انواع النعوت غير الحميدة، وسأكتفي بالاشارة الى بعضها: فقد ذكر في حوادث سنة 648/1251:” كثر ضرر المماليك البحرية بمصر، ومالوا على الناس وقتلوا ونهبوا الاموال، وسبوا الحريم، وبالغوا بالفساد، حتى لو ملك الفرنج ما فعلوا فعلهم”[64]. وتعليقاته على سوء تصرف المماليك كثيرة جدا، وقد اعتبرها غضبا من عند الله ليتم امره فيهم، كقوله بالامير يلبغا الجوباتي ابان صراعه مع الامير برقوق العثماني (السلطان لاحقا):” وكان الامير يلبغا لأمر يريده الله قد شحّت نفسه، وساءت اخلاقه… “[65].

وتحوّلت كثرة الفتن ومحاولة اخمادها وبالا على سكان المحلة او المنطقة التي كانت مسرحا لها: اذ كانت تنهب القرى نهبا قبيحا، ويسطى على المواشي، ويتم التعدي على النساء، وتعذيب من يظفر به المماليك حتى يطلعهم على ما عنده من علف وغيره[66].

ويغتنم المقريزي كل فرصة سانحة ليعبّر عن سوء تصرف اي سلطان او امير فيوجّه اليه اشد النقد قساوة، شأن تعليقه على موت السلطان الناصر فرج بن برقوق الذي طرح على مزبلة، عاريا الا من سروال يستر عورته:«وغوغاء العامة تعبث بلحيته ويديه ورجليه طوال نهار السبت، نكالا من الله، فإنه كان مستخفّا بعظمة الله سبحانه، فاراه الله قدرته فيه»[67]. واضاف مقوّما عهده السئء قائلا:« وكان الناصر هذا أشأم ملوك الاسلام، فانه خرّب بسوء تدبيره جميع اراضي مصر والشام… وَطرق ديار مصر الغلاء من سنة ست وثمان مائة، فبذل امراء دولته ومدبروها جهدهم في ارتفاع الاسعار… وأفسدوا مع ذلك النقود بإبطال السكة الاسلامية من الذهب… ورفعوا سعر الذهب حتى بلغ الى مئتين واربعين كل مثقال بعدما كان بعشرين درهما… وأخذت على نواحي مصر مغارم تجبى من الفلاحين في كل سنة، واهمل عمل جسور اراضي مصر… وأكثر وزرائه من رمى البضائع على التجار…  بأغلى الاثمان…  هذا مع تواتر الفتن واستمرارها بمصر والشام… »[68]. واعتقد ان رأيه هذا يحدد بكل دقة نظرته الى المماليك.

وعليه، جاءت نظرته افقية من جهة لأنها تناولت معظم النشاطات الانسانية في المجتمع المملوكي من دون ان تتعامى عن المساوئ، وعمودية تحليلية من جهة ثانية لأنه  درس حالات متعددة للموضوع الواحد قبل اصدار حكمه او رأيه به. ممّا اعطاه فرادة بين مؤرخي العصور الوسطى ليكون رائد مدرسة جديدة في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي المرتبط عضويا بالتاريخ السياسي والعسكري.

II- اسلوبه التأريخي:

أ–   التأريخ الحولي وموقف المقريزي من الخبر:

1 -وفاؤه لصورة الخبر التقليدية: جريا على منهج التأريخ ظل المقريزي غالبا وفيا  للمفهوم التقليدي للخبر، فحصره ضمن اجزائه السنوية الموزعة على ايام او اسابيع وربما شهور تبعا لمقتضى المدة الزمنية للحادثة-الخبر. واذا لم يكن تاما ضمن مدد وجيزة قطّعه الى اجزاء خصوصا اذا تجاوز السنة الواحدة،  رابطا بين هذه الاجزاء بالمصطلاحات التقليدية: « وفيها حدث كذا » او « ورد الخبر من عكا »[69]، او « في اليوم كذا من شهر كذا فوّض القضاء الى »[70] … لاتمام الخبر عينه من دون ان يربطه سببيا بما كان قد حدث الا في حالات يعود اليه وحده امر تقديرها، اما لأنها ترتبط بحدث مهم جدا، او تتعلق ببعض الامور الاقتصادية، كما سيتضح لاحقا.

2 -عطف الخبر على ما سبقه: فعلى الرغم من وفاء المقريزي بوجه عام للصورة التقليدية للخبر فانه عطفه على خبر سابق او اكثر، ذاكرا احيانا اسبابه البعيدة، كما في ذكر دوافع هجوم السلطان قلاوون على عكا: خرق الصليبيون المعاهدة التي كانوا قد وقعوها مع السلطان بيبرس، وقتلوا التجار المسلمين وصادروا بضائعهم [71].

ويزداد هذا المنهج وضوحا باقتراب المقريزي من التأريخ لعصره، لأن الصورة، على ما أعتقد، باتت أكثر جلاء في ذهنه والاحداث في متناول يده يتابعها عن كثب، اما بالاطلاع الشخصي المباشر، او باخذها من شهود عيان موثوقين.

3 –: ونجد في «السلوك» نمطا آخر من التدوين كالخبر كالمستقل بذاته والهادف الى رؤية أحادية متكاملة لموضوع محدد باسبابه البعيدة ونتائجه المباشرة، كما في تعداده الاسباب التي دفعت السلطان الناصر محمد بن قلاوون الى عزل الامير تنكز نائب الشام وما ترتب عليها من مصادرة امواله[72]. او تلك التي ادت الى خلع السلطان احمد بن محمد بن قلاوون: ومنها ان صَحْبُه ورسله كلهم كانوا من اوباش الكرك، جاءوا معه الى القاهرة، وأكثروا من اخذ البرطيل، وتسلطوا على الوزير، وحجبوا السلطان عن الامراء. ومنها ايضاجمعه الأغنام من الصيد بطريقة مريبة وتلك التي كانت لوالده ولبعض الامراء؛ واستيلاؤه على الحيوانات النادرة من الحوش السلطاني، واستيلاؤه ايضا على ذهب وفضة من شعائر السلطنة ومن اللجم… وسلبه ما كان لجواري والده من ذهب ومصاغ؛ ومصادرة نساء الامراء الذين أمر بقتلهم[73]. وهناك امثلة كثيرة على هذا النمط من التأريخ منتشرة على صفحات «السلوك» مثل اسباب مقتل غرلو شاد الدواوين[74]

4تعليل الحوادث: على الرغم من تفتيته الخبر على الطريقة التقليدية اذا تجاوز اليوم الواحد، فانه حلل بعض الحوادث وعللها، كما في تأريخه لضَيَاع المماليك السلطانية بعد عودة الناصر محمد الى العرش للمرة الثانية: قويت البرجية بقيادة بيبرس الجاشنكير الاستادار، وكانت تقابلها الاشرفية والمنصورية بقيادة نائب السلطنة الامير سلار، وشاركهما الامير برلغى الذي إلتفت الاشرفية حوله، فاصبح للمماليك السلطانية ثلاثة معسكرات متناقضة مما سمح للناصر محمد بالعودة الى الحكم[75]. والامثلة عديدة على هذا النمط كما في تعليله للتضخم النقدي.

 ويتكرر هذا المنهج التحليلي الاستنتاجي بوضوح عند المفاصل التاريخية المهمة كما في التحليل الرائع لشخصية الامير برقوق العثماني واسلوبه بالتمهيد لاعتلاء العرش[76].  وانظر في السياق عينه تحليله الرائع لتصرفات الناصر فرج بن برقوق السيئة، وموقفه منها[77]. واعتمد هذا النمط لابراز نتائج الاحداث المهمة، من دون ان يذكر انها نتائج، فأتت مكملة للحدث بل جزءا منه، وهي نتائج اقتصادية، وعسكرية، وادارية وسياسية، واجتماعية، كما في كلامه على تطور معركة وادي الخازندار[78].

ويحتل التحليل والتعليل منزلة مهمة في الحوادث التي عاصرها المقريزي، خصوصا تلك التي كان يستاء منها، وتؤذي الناس، من اجل توضيح الصورة السيئة للعهد الجركسي لأن الايجابيات المملوكية قليلة في « السلوك»؛ مما جعل منهجه فذا على هذا المستوى.

5 – التركيز على وحدة الموضوع: نجد في السلوك نمطا آخر من التأريخ الحولي، المبني على وحدة الموضوع حيث تضطرد الاحداث بشكل متلاحم وتتلاقى فيها الاسباب بالنتائج؛ فتجاوز المقريزي هكذا المنهج الحولي التقليدي الذي يمزق الخبر بالاستطرادات المتكررة الناجمة عن ذكر الحوادث اليومية[79]. ومن ابرز نماذجه اخبار الناصر محمد بن قلاوون منذ خروجه من مصر وتنازله عن العرش، وحلول بيبرس الجاشنكير مكانه، وحتى عودته الى العرش، ونتائج هذه العودة. ويبيّن هذا النمط مهارة المقريزي التأريخية[80]. ويشكل تأريخه للفيداوية، من حيث علاقتهم بالسلطان الناصر محمد بن قلاوون ونوابه، نموذجا صارخا لتماسك المعلومات وتمحورها حول موضوع واحد متماسك من دون ان يتوزّع على الايام والشهور[81].

6 – تقويم الحالة العامة في البلاد: وبدءا بالعام 755 صار المقريزي يستهل اخبار السنة الجديدة بذكر السلطان القائم وأكابر رجال دولته، ليعود الى متابعة الاحداث التي كان قد بدأها في السنة المنصرمة خلافا لما كان قد درج عليه باتمام الخبر عينه في السنة الجديدة، من دون ان يستهلها بذكر السلطان القائم وكبار رجال دولته.

ومن معالم التجديد البارزة عند المقريزي تقويمه الحالة العامة في الدولة في مستهل بعض السنوات، وهي ميزة رائعة لا نجدها عند سواه. وتنمّ في الوقت عينه عن تمرّد نفسي على الحكام المماليك وتقريظ لهم لشدة ظلمهم وسوء تدبيرهم، كما استهلّ اخبار سنة 828/ 1425:« واسواق القاهرة ومصر ودمشق في كساد، وظلم ولاة الامر من الكشاف والولاة فاشٍ، ونواب القضاة قد شنعت قالة العامة فيهم من تهافتهم. وارض مصر أكثرها بغير زراعة، لقصور مد النيل في أوانه، وقلة العناية بعمل الجسور، فان كشّافها انما دأبهم اذا خرجوا لعملها ان يجمعوا مال النواحي لأنفسهم واعوانهم. والطرقات بمصر والشام مخوفة من كثرة عبث العربان والعشير. والناس على اختلاف طبقاتهم قد غلب عليهم الفقر. واستولى عليهم الشح والطمع، فلا تكاد تجد الا شاكيا مهتما لدنياه. واصبح الدين غريبا لا ناصر له. »[82]. وكان يستهل بعض الاشهر بتقويم الوضع العام ولا سيما الاسعار التي كانت تشكّل بنظره معيارا لسلبيات الحكم او ايجابياته مظهرا تداعياتها على الفقراء[83]

ويشكل اختتام المقريزي لبعض السنوات بتقويم عام ميزة جديدة بل فرادة اختص بها، كما ختم عام 833/ 1430:« كانت ذات مكاره عديدة من اوبئة شنعة، وحروب وفتن، فكان بأرض مصر وبالقاهرة… وباء… وغرق ببحر القلزم… وغرق بالنيل… وكان ببلاد المشرق بلاء عظيم وهو ان شاه رخ بن تيمور… وكان ببلاد السراي والدشت وصحارى القبجاق… قحط شديد… وكان ببلاد الحبشة بلاء لا يمكن وصفه… اما بلاد المغرب… »[84].

ب – التراجم: كان يتوسع بترجمة السلاطين الذي احسنوا ادارة الدولة من امثال الناصر محمد بن قلاوون، حتى باتت ترجمته تختصر عهده الزاهي[85]. وترجم للسلطان برقوق متحدثا عن حسناته، واشاد به لأنه ألغى الكثير الكثير من المكوس، ولتقديره الفقهاء ورجال الدين عموما، ولإكثاره من المنشآت العمرانية. ولشدة اعجابه به تناول موازنة الدولة في عهده، وقيّم موجوداته[86]. ولم تمنعه تلك  الاشادة من ذكر سيئاته وتداعياتها كشدة نهمه للمال حتى حذا كبار أمرائه حذوه وصار البرطيل عرفا، بل عنوان عهده؛ وابرزانتشار لواط الغلمان الذي اصبح عادة في عهده حتى تشبهت بهم  البغايا[87].

والملفت للانتباه انه لم يفرد لبعض السلاطين ترجمة خاصة بهم في نهاية عهد كل منهم، بل ذكرها باقتضاب بين تراجم وفيات العام الذي توفي فيه كل واحد منهم، وقد تكون ترجمة السلطان برسباي ابرز هذا النمط الجديد. ولعل مرد ذلك الى الصفات السيئة التي اتصف بها بسبب احتكاراته وبخله:« كان له في الشح والبخل والطمع، مع الجبن والجور وسوء الظن ومقت الرعية… وسرعة التقلب بالامور وقلة الثبات اخبار لم نسمع بمثلها. وشمل مصر وبلاد الشام في ايامه الخراب، وقلت الاموال بها، وافتقر الناس، وساءت سيرة الحكام والولاة…  »[88]. ويعكس مجموع هذه التراجم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية في عصر المماليك، وتشكل تاريخا مختصرا للحقبة التي تناولها «السلوك».

ان منهج تقي الدين احمد المقريزي من أكثر مناهج المؤرخين المسلمين تنوعا من حيث الشكل، فقد تمتّع بخصائص طبعت «السلوك» وميزته من غيره من مؤلفات العصر المملوكي. وتتلاءمت اجمالا مع نظرته التاريخية التي شكلت لبّ منهجه، وقد تفوّق بها عموما على ما عداه من مؤرخي العصور الوسطى، ممّا أعطاه فرادة بينهم تنمّ عن عمق في التفكير قلما نجد له نظيرا، وشغفٍ بالنواحي الاقتصادية بمحاولات دؤوبة صوّرت واقع الحياة الاجتماعية. وقد قال فيه تلميذه ابن تغري بردي:«هو اعظم من رأيناه وادركناه في علم التاريخ ودروبه، مع معرفتي لمن عاصره من علماء المؤرخين، والفرق بينهم ظاهر، وليس في التعصّب فائدة» [89].


[1]

[2]– ابن تغري بردي (جمال الدين يوسف)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تحقيق ابراهيم علي الطرخان، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ج15، ص 490 و السخاوي، الضوء اللامع لاهل القرن التاسع، ج2، ص22

[3]– كثيرون ترجمو لجدي المقريزي لأمه ولأبيه، ومنهم المقريزي نفسه، السلوك لمعرفة دول الملوك، ، ج2، ق1، ص 365 .وابن حجر العسقلاني (احمد بن علي)، الدرر الكامنة في اعيان المائة الثامنة، دار الجيل، بيروت، دون تاريخ، ج2، ص 391 

[4]– لمزيد من الاطلاع انظر: عز الدين علي (محمد)، اربعة مؤرخين واربعة مؤلفات، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، 1992، ص 161-163 حيث اسهب في ذكر تراجم الاشخاص الذين تثقف عليهم

[5]-المقريزي، سلوك، ج2، ق1، ص 365

[6]– وقد توسع عز الدين علي بالترجمة لمن اخذ عنهم العلم، المرجع السابق، ص 164- 168

[7]– انظر حول ترجمة المقريزي: السخاوي، الضوء اللامع، ج2، ص 21-24، ابن تغري بردي، المنهل الصافي، ج1، 394-399،

[8]– عز الدين علي، اربعةمؤرخين، ص172

[9]– انظر حول وظائف المقريزي الحاشية رقم 7 ولا سيما السخاوي، الضوء اللامع، 2/22

[10]– السخاوي، الضوء اللامع، 2/22

[11]– السخاوي، الضوء اللامع، 2/22، المنهل الصافي، 1/397

[12]– انظر الحاشية السابقة

[13]– انظر ترجمة المقريزي في الضوء اللامع، والمنهل الصافي، واربعة مؤرخين واربعة مؤلفات، ص 127- 218

[14]– المقريزي، سلوك، 2 ق3/567-580

[15]– المصدر السابق، 3، ق3/960 وما بعد ولا سيما 1136 وما يليها

[16]– المقريزي، السلوك،  4، ق3 /1072- 1081

[17]– المقريزي سلوك، 4، ق3 / 1127

[18]– المقريزي، سلوك، 4، ق2/906

[19]– شيني اي سفن كبيرة، قرقورة وهي سفن كبيرة تستخدم بتموين الاسطول، الغراب لأن رأس السفينة يشبه الغراب وهو يحمل المقاتلين ويسير بالقلع، وطريدة وهي مركب خفيف وسريع، وشختورة وهي سفينة ضخمة.المقريزي سلوك، 3، ق1/149

[20]– انظر نماذج عنها في: السلوك، 1 ق3/920-922 و 2، ق3/804، 917، و4، ق1/319، 396 …

[21]– المقريزي، سلوك، 2، ق1/205،  2، ق3 /669 وغيرها كثير جدا

[22]– المقريزي، سلوك،3، ق3/1131- 1132

[23]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/27-29

[24]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/27-29

[25]– المكان عينه

[26]– المقريزي، سلوك 4، ق1/305-306 . ويعلّق على غش النقود وعلى عدم التداول بها بان الادارة لم تكن تثبت على أمر فحينا تمنع امرا ما ثم لا تلبث ان تتغاضى عن المنع ضاربا مثلا على النقود الاشرفية :” فلما نودي بالمنع منها عاد الامر كما كان، فخسر الناس عدة خسارات، وأخذت الباعة وغيرها بجمعها – اي الاشرفية – لتتربص بها مدة، ثم تخرجها شيئا فشيئا، لعلمهم ان الدولة لا تثبت على حال وان أوامرها لا تمضى .” سلوك، 4، ق2/ 852

[27]– ان ابرز الرسوم التي ذكرها هي: ساحل الغلة، نصف السمسرة، مقرر الحوائص والبغال، مقرر السجون، طرح الفراريج، مقرر الفرسان، مقرر الاقصاب والمعاصر، رسوم الافراح، حماية المراكب، حقوق القينات، وشد الزعماء، حقوق النوبة والسودان، متوفر الجراريف، مقرر المشاعلية، ثمن العبى التي كانت تستأدى من البلاد، مقرر الاقبان، زكاة الرجالة. سلوك، 2، ق1/150-152

[28]– المقريزي، سلوك، 2،ق2/439، 444، و3، ق2/55، و 4، ق2/801، 4، ق3/1127 وغيرها

[29]– المقريزي، سلوك، 2، ق2/358، 361، 370، 384، 431. وقد طالت هذه المصادرات مباشري المعاصر والدواليب بحجة زغل السكر والعسل 2،ق2/419 واموال الايتام وتمت معاقبة القضاة الذين كانوا يدافعون عن اموال الايتامسلوك،2، ق2/432، كما كانت المغنيات تصادر بذرائع متنوعةسلوك، 2، ق2/836، وكان كبار الامراء يصادرون بدورهم بسبب تآمرهم او غير ذلك كما كانوا سيغرمون اموالا وهذا الامر يعتبر مصادرة، سلوك، 3، ق3/1141

[30]– المقريزي، سلوك،1، ق3/810، 814

[31]– المقريزي، سلوك،2، ق3/702

[32]– المصدر السابق، 4، ق3/1098

[33]-المقريزي، سلوك، 1، ق1/130-134، 200

[34]–  المصدر السابق،1، ق2/446 وق3/717-718

[35]– المعلومات وفيرة حول هذه الناحية واليك بعض الصفحات:سلوك، 3،ق3/982، و1100، 1133-1135

[36]– المقريزي، سلوك، 3، ق3/1132-1135

[37]-المقريزي، سلوك، 4، ق2/647،654، 766

[38]– المقريزي، سلوك، 4، ق2/869

[39]–  المقريزي، سلوك، 2، ق3/665، 671

[40]– فذكر فيها مقدار الذي تركه حين وفاته، وقيمة ومقدار المخزون عنده من مختلف الاصناف، وعدد الخيول والجمال في اصطبلاته، ومقدار جوامك مماليكه الشهرية، وعليق خيولهم، سلوك، 3، ق2/938

[41] – المقريزي، سلوك،2، ق3/918-919

[42]– المصدر السابق، 1، ق2/538 – 540، 542، و2، ق2/439-443

[43]– وقد حضر هذا المجلس ابن مغلي قاضي قضاة الحنابلة الذي سأل قاضي قضاة الشافعي عن اربع مسائل وهو يجيبه فيقول له اخطأت، وتدخل قاضي قضاة الحنفية لصالح الاول وراح يشتم الهروي قاضي قضاة الشافعية ثم قال: ” يا مولانا السلطان اشهدك على اني حجرت عليه الاّ يفتي.” سلوك، 4، ق1/479- 485

[44]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/11

[45]– المقريزي، سلوك،4، ق2/ 866-867

[46]– المقريزي، سلوك، 4، ق2/ 870-871

[47]– المصدر السابق، 1، ق2/38

[48]–  نفسه،3، ق3/1018 والنماذج كثيرة

[49]– 3، ق1/27-28، 4، ق2/892

[50]– تخوف الناس من منسر انعقد بالقاهرة، وكان اعضاؤه يكتبون اوراقا يطلبون فيها اموالا من الاغنياء :« ومتى لم تبعث لنا ذلك كنا ضيوفك » سلوك، 2،  ق3/644، 901_902

[51]سلوك، 3، ق3/1124-1126

[52]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/487

[53]– المصدر السابق، 2، ق3/810-811

[54]– نفسه،4، ق2/670-671

[55]– بحديثه عن لهو السلطان شعبان يتناول حضير الحمام (تربيتها وكشها)، والصراع، والتثاقف، والشباك، وجري السعاة، والنطاح بالكباش، ومناقرة الديوك والقماري.سلوك، 2، ق3/739

[56]– ويتحدث المقريزي عن احد الشيوخ الذي عمل المولد عام 790وقد حدث فيه انواع الفساد :« وفي هذه الليلة عمل الشيخ…المولد على عادته في زاويته …فكان فيه من الفساد ما لا يوصف، الا انه وجد من الغد في المزارع مائة وخمسون جرة فارغة من جرار الخمر التي شربت تلك الليلة، سوى ما حكي عن الزنا واللياطة.” 3، ق2/576 .ويذكر ان المراكب منعت من عبور خليج الحاكمي لكثرة ما كان يحصل هناك من فساد والتظاهر بالمنكر، وتبرج النساء وجلوسهن مع الرجال مكشوفات الوجوه…وشربهن الخمر 2،ق1/29، وتتبع محتسب القاهرة اماكن الفساد بنفسه فمنع النساء من النياح على الاموات، ومنع ايضا التظاهر بالحشيش، وكفّ البغايا عن الوقوف لطلب الفاحشة في الاسواق ومواضع الريب» سلوك، 4،ق1/790

[57]– المقريزي، سلوك، 3، ق2/576 ابرز المقريزي الشهرة التي كان يحظى بها احد المغنين، وبالتالي يمكننا من خلال السلوك التعرف على مشاهير المغنين والموسيقيين2، ق3/715

[58]– المقريزي، سلوك، 2،ق2/333

[59]– المصدر السابق،،ق1/53-54، 211، 4،ق1/486 وغيرها

[60]– المقريزي، سلوك،1، ق3/909-913، 2، ق3/921-927، وذكر ان الشروط العمرية طبقت على اهل الذمة من دون ذكر السبب، سلوك، 3، ق3/1040

[61]– المقريزي،سلوك، 1، ق3/909-913، 2،ق1/226-228

[62]– افتى الفقيه نجم الدين بن رفعة بنهب الكنائس وبوجوب هدمها فعارضه فقيه آخر، وكان تم هدم بعض الكنائس والبيوت في الاسكندرية وبقيت الكنائس في مصر مغلقة مدة سنة كاملة، ولم يتم فتحها الا بشفاعة ملك أرغونة 1،ق3/950، كما ذكر الاعمال الاحتيالية من قبل بعض المتعصبين لهدم الكنائس ما أدى الى هدم عدد كبير منها وكأنه، على حد تعبيره، أمر سلطاني 2،ق1/216-218 .وأمر السلطان برقوق بهدم كنيسة بوالنمرس لأن نواقيسها ازعجت احد المسلمين على حد تعبير المقريزي وحولها الى مسجد. سلوك، 3،ق1/340-341

[63]– بضغط من العامة وتعصبهم تحول عدد من المسيحيين الى الاسلام خوفا على انفسهم على حد تعبيره، سلوك، 2،ق1/226-228، وروى ان بعض المسلمين كان يشتكي للسلطان من ان المسيحيين استجدوا بعض الكنائس فيأمر بهدمها، فيستغل هؤلاء الموضوع لنهب الكنائس= = والاديار وهدم بعضها الاخر وان كان غير مستجد،  ووجه المقريزي لوما للسلطان وغيره من ارباب الدولة على هذا التصرف الاخرق. وكانت هذه الاعمال تؤدي الى تحويل بعض المسيحيين الى الاسلام قسرا.سلوك، 2،ق3/921-927 . وروي ايضا عن قدوم جماعات من المسيحيين ممن كانوا تحولوا قسرا الى الاسلام يشهرون ارتدادهم الى المسيحية تكفيرا عن ذنوبهم لأنهم كانوا قد ارتدوا عنها، فعرض عليهم الاسلام  ولما رفضوه  قتلوا مع النساء المرافقات لهم.سلوك، 3،ق1/372-373

[64]– المقريزي، سلوك، 1، ق2/38

[65]– المصدر نفسه، 3، ق1/130

[66]– المقريزي، سلوك، 4، ق1 /105

[67]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/ 224

[68]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/ 225-226

[69]– المقريزي، سلوك، 1، ق2/447

[70]– المصدر نفسه، 1، ق2/448

[71]– المصدر نفسه، 1، ق3/753-754

[72]– المقريزي، سلوك، 2، ق2/509

[73]– المقريزي، سلوك، 2، ق3/618-619

[74]– المصدر نفسه، 2، ق3/735-737

[75]– المقريزي، سلوك، 1، ق3/875-876

«وخلا الجو للأمير الكبير، ورأى انه قد أمن، فانه لما أخذ الامرة في ايام أينبك كان معه في ضيق، لأن نفسه تريد منه ما لا يؤهل له. فلما زالت دولة اينبك… وصار هو والامير بركة يتنازعان الامور، ولا يقدر على عمل شيء الا بمراجعة بركة حتى كان من امره ما ذكر، فصارت المماليك الاسياد يريدون التوثب عليه وهو يداريهم جهده، حتى وثب بهم، وأخذهم، فلم يبق له معاند، وصار له من المماليك الجراكسة عدد كبير… فرقاهم الى ما لم يخطر لهم ببال، وانعم على جماعة بامريات المقريزي، سلوك، 3، ق2/474

[77]– المقريزي، سلوك، 3، ق3/1176-1178

[78]– المقريزي، سلوك، 1، ق3/897-904

[79]– انظر مثلا مقتل الاشرف خليل وتتابع الاحداث حتى اعلان سلطنة الناصر محمد بن قلاوون، سلوك،1،ق3/788-798، وانظر ايضا في السياق عينه سلطنة لاجين فهروبه حتى اعتلاء كتبغا العرش، نفسه، 1، ق3/820-827

[80]–  المقريزي، سلوك، 2، ق1/53وما بعد

[81]–  المصدر نفسه،2، ق3/554-558

[82]– المقريزي، سلوك، 4، ق2 /678، وانظر نمازجا اخرى: نفسه، 4، ق2/ 705، 734 …

[83]– المصدر السابق، 4، ق2/804 وغيرها كثير

[84]– نفسه، 4، ق2/ 836-841

[85]– المقريزي، سلوك، ج2، ق2، ص524-548

[86]– المقريزي، سلوك، 3، ق2 /937-947

[87]– المقريز،سلوك، 3، ق2/ 626 – 618

[88]–  المقريزي، سلوك، 4، ق3/ 1066

[89]– ابن تغري بردي، نجوم، 15/491

نقولا زيادة وعربيات

منصات كثيرة اعتليت من دون ان اخشى موقف المناسبة ولا موضوعها، فقد كنت اخوض غمارها برباطة جأش وثقة كبيرة بالنفس. اما اليوم فالامر مختلف فانت يا استاذي الكبير في حضرة الله وانا امام هذا الحفل الكريم من احبائك واصدقائك وغيرهم من اعلام الثقافة والفكر. ومن على هذه المنصة المخصصة لك بل لدراسة فكرك واعمالك ومنهجك وثقافتك العابرة للحضارات. انها منصة امتحاني للفكر الذي زرعته فيّ المنهج الذي ارسيت اسسه في ابحاثي ودرّبتني عليه. لهذا كله اخشى الاّ افيك حقّك في العبور الى اغوار بعض مؤلفاتك التي تناولت العربية لغة وحضارة وثقافة افتش بين طيات صفحاتها على الوسائل التي اعتمدتها والاهداف التي ابتغيتها لا لتترك بصماتك واضحة في مضمار الحضارة العربية فحسب بل لتبرز خاصات جديدة كان اغفلها مفكرون آخرون. ومن ذلك قولك: ” في التاريخ العربي قاعات قل داخلوها، وسبل قل طارقوها، وزوايا قل والجوها، وفي هذه القاعات والسبل والزوايا خير كثير، لو انصفها الناس “[1].

تماهيا مع هذا القول وقف استاذي عمره المديد على الولوج الى صناديق النسيان يوقظ منها وثائق كثيرة كانت قد ارتاحت فيها بسبات عميق، يتبحّر بمضامينها ويستقرؤها باسئلة ذكية ويدوّن اجوبتها كتبا ملأت رفوف المكتبات العربية والعالمية. ولعل من ابرزها والتي ساتناولها في هذه العجالة هي:عربيات ،قمم من الفكر الاسلامي ،صور من التاريخ العربي، الجغرافيا والرحلات عند العرب، وافريقيات.

 تدفعنا هذه المؤلفات، كما ساوضح لاحقا، الى الاقرار اننا امام مؤرخ واسع المعرفة، عميق الاطلاع، ينفرد بمنهج متمايز، وبنظرة تاريخية خاصة، شغوف بالرحلات والجغرافيين العرب وبمن شابههم، تسلبه لبه دراسة الحضارة، وتستهلك معظم وقته.

 ان الخير الذي ذكره في قوله المأثور لا تمثّله الصراعات العسكرية‏، ولا الفذلكات السياسية، لان معظمها قد استهلك، وما برح المؤرخون متخاصمين فكريا حولها. وهو يرى ان معرفتها ضرورية كونها تخدم التطور الحضاري الذي يستند برأيه الى عدة ركائز: اهمية البلاد من حيث الموقع والتضاريس والموانيء والعواصم والمدن والاسواق والتجارة، وكل ما له علاقة بالاقتصاد وميادين العلوم كافة. وبتعبير اوضح كل ما يتصل بالعمران، عمران ابن خلدون، والحضارة العربية في القرن الثالث الهجري، عمران المدن والمدارس والثقافة والاسواق والطرق التجارية، والمجتمعات العربية كلها، والمجتمعات الصينية والبيزنطية وغيرها. عمران العلاقات الانسانية بين مختلف المجموعات البشرية.

كتاب عربيات:

يتناول كتاب عربيات الحضارة العربية والاسلامية التي انطلقت من رحم التاريخ السياسي، الذي هو، وفق الدكتور زيادة، في اساس كل تطور. و اعني انا بمصطلح عربيات كل انتاج حضاري تركه لنا العرب خلال العصور الوسطى وحفظه لنا المؤرخون العرب والمسلمون. اما مصطلح عربيات التي قصدها الدكتور زيادة فيدل على منطقة الشرق الادنى التي انتشرت فيها اللغة العربية وسادت منذ القدم. والكتاب كناية عن مجموعة ابحاث تركز على المميزات الرئيسية للعهود السياسية الوسيطة من دون الدخول في تفصيلاتها. وتتضمّن معلومات قيمة عن شبه الجزيرة العربية في فترة ما قبل الاسلام بقسميها الجنوبي والشمالي: تضاريس وسكانا وحيوانا ودولا بما في ذلك انظمة الحكم، وبعض العلاقات السياسية ان في ما بين هذه الدول او من حيث ارتباطها بالامبراطوريتين البيزنطية والساسانية، اضافة الى لمحات اقتصادية مركزا على التجارة لينفذ منها الى دور مكة التجاري في ظل تنظيم قريش.

    وبما ان نشؤ الاسلام وانتشاره والتغيير الذي اصاب الناس بفضله اصبح من المعارف العامة لا يجد الباحث ضرورة لاعادة تكراره، مكتفيا بالتركيز على الخاصات الاقتصادية الحجازية. ويعتبر ان موارد الحجاز الاقتصادية بل ثروته كانت تقوم على ثلاث ركائز: الضرائب التي كانت تحمل اليه في عهدي الرسول والخلفاء الراشدين، والحج، والتجارة. وهو يسقط من تأريخه الامرين الاوليين لأنهما معروفان، معتنيا بالناحية التجارية معولا على مصادر الجغرافيين والرحالة العرب متبحرا فيها للخلوص بنتائج اقتصادية واجتماعية.

  ويكتفي بكلامه على انتقال الحكم الى العباسيين يتسليط الضوء بايجاز رائع على نقاط ضعف السياسة الاموية. ويصرح بانه لا ينوي التأريخ للخلافة العباسية لا كلا ولا جزءا، بل يريد رسم اطارها السياسي العام الذي تمت بداخله تبدلات وتطورات وتغييرات شملت المجتمع من حيث الادارة والتنظيم والتمزق السياسي[2]، مختصرا، بفن المؤرخ الفذ، استعادة ماض والوقوف على اهم منجزاته وهناته.[3]

تشكل الاسواق ،برأيه، ركنا بارزا في المجتمع لانها صورة للحياة العقلية والاجتماعية، وهي كلما تعددت وازدهرت تعكس بالمقدار عينه النشاط في حياة الجماعة، وما ركودها الا نتيجة اضطراب شؤون المعاش والاحوال.[4]ولهذا تحتل الاسواق الحجازية منزلة مهمة في كتاب عربيات لأنها جعلت المجتمع دائم الحيوية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي لشدة تنوعها واستمرارها طيلة ايام السنة. فكان بعضها موسميا كالحج، وهبوب الرياح الموسمية في الشرق الاقصى، والبعض الآخر اسبوعيا، ونوع ثالث شهريا، ناهيك بالثابت منها. وكان لكل سوق دور بارز في انتظام الحركتين التجارية والاقتصادية. والدكتور زيادة يعتبر ان التجارة كانت احد اهم اركان المجتمع ليس من بعدها التجاري فحسب بل لدور التجار في نقل الافكار والمعارف والتقاليد والعادات من اقليم الى آخر بل من بلد الى نظيره. من هذا المنطلق حوى عربيات عدة ابحاث اخرى تتحدث عن التجارة : اثنين عن بلاد الشام؛ يبحث الاول في تطور التجارة الداخلية، والثاني في التجارة الخارجية او العالمية، وبحث ثالث يعالج تطور التجارة في العهد الصليبي.

      يعتبر الدكتور زيادة ان ديار الشام كانت اغنى الجهات بالاسواق ومواقع الخانات ونقاط الاراحة،[5] لأنها عريقة بالقدم تعود الى العصور التاريخية. ومرد هذه العراقة الى لمرور في بلاد الشام الطرق التجارية الواصلة الى بلاد الرافدين، ولحاجة هذه البلاد الى البخور ليحرق في الاحتفالات الدينية، ولمشتقات اخرى من الطيوب. فالبخور الاصلي (اللبان) كان مصدره جضرموت، وكانت اليمن مستودع طيوب متعددة مصدرها جنوب شبه الجزيرة العربية والقرن الافريقي. ويعدد مؤرخنا الخاصات المهمة لتلك الطرق ويؤكد انها هي التي دفعت الامبراطوريتين البيزنطية والفارسية للعمل هلى احتوائها عبر محاولات متكررة باءت  في نهاية الامر بالفشل .[6]وتمكنت مكة في ظل تنظيم قريش من  تولي زعامة هذه الطرق، او على الاقل السيطرة على الطريق الرئيسي .

   وبقيام الاسلام وتوسع الفتوحات زالت معظم العقبات امام التاجر العربي، وانفتحت امامه كل الطرق التجارية من حدود الصين وحوض السند الى ايبيريا . وتتركز التجارة كما هو معروف على العرض و الطلب. والطلب متوقف الى درجة كبيرة على المستوى الحضاري الذي بلغته الجماعة التي تطلب السلع بما في ذلك ما تقتضيه التقاليد والعادات الاجتماعية والدينية. واما العرض فمتوقف بدوره على مقدرة المنتج[7]. وساهمت الصناعة بديار الشام بتطور الحركة التجارية بعد ان اصبحت دمشق عاصمة الخلافة، ونشأت ارستقراطية عربية قادرة على الاستهلاك نعمت بوفرة الغنائم والتوظيفات[8].

     وهو يرى ان نمو التجارة الخارجية الشامية ولاسيما في العهد العباسي يعود الى عدة عوامل اساسية هي:

1- النمو السريع للسكان وتجمعهم في المدن[9].

  • حمل الرقيق بجنسيه الاسود والابيض الى الدولة العباسية [10].
  •  بلوغ السكان مستوى عال من الحضارة واقبالهم على استهلاك السلع المتنوعة كالطيوب والتوابل والاقمشة الفاخرة[11].
  • ازدياد عدد الجند وجنوحهم الى السلطة ما افرز عددا من الدويلات شبه المستقلة في ظل الخلافة العباسية.[12]
  • عناية الدولة العباسية بالطرق والبريد والخانات والمحطات التجارية على تنوعها.
  • تطور علم الطب واشتداد الطلب على السلع الطبية.[13]
  • الحاجة الماسة الى الورق.[14]
  • نزويد الجيوش بحاجتها من الثياب والسلاح.[15]
  • اعتياد اهل الصين على استهلاك منتوجات آسيا الغربية عبر القرون السابقة لقيام الدولة العربية.[16]

     وتتضمن هذه الابحاث معلومات قيمة عن انواع السلع ومصادرها، ودورها في الحياتين الاجتماعية والسياسية، وتحدد مستواهما العام بما في ذلك مقدار استهلاك الحكام والسكان للذهب والفضة. وتتطرّق هذه الابحاث ايضا الى اسباب التضخم المالي وانعكاساته على الوضعين الاجتماعي والسياسي، والى دراسة الطرق التجارية وتطور المحطات عليها .

     والدكتور زيادة لا يترك فراغا في الحقبات التاريخية، فيتحفنا ببحث عن العلاقات التجارية في العهد الصليبي يكمل الصورة الاقتصادية العامة للابحاث السابقة. ويطرح فيه تساؤلا اساسيا، يختل عبرا بل امثولات عن دور الصراعات العسكرية وانعكاساتها على الاجتماع الانساني بقوله:”هل من درس تمليه علينا هذه الاحداث البعيدة؟ هل من رؤية يمكن ان تعكسها تلك الحوادث بانكساراتها وانتصاراتها بآمالها وآلامها بحيث بدل ان نتلفت الى الخلف تحملنا الى التطلع الى الامام؟[17]

   قمم من الفكر العربي الاسلامي، الاهلية للنشر والتوزيع ،بيروت،1987 .

      يدرس الدكتور زيادة في هذا الكتاب سبعا وعشرين شخصية بين مؤرخ ومحدث وفقيه ورحالة واداري وكاتب تراجم وطبيب وفيلسوف وعالم اجتماع بدءا بابن اسحق صاحب اتم وافضل سيرة نبوية شريفة، وانتهاء بالمقريزي. يمهد لكل واحد منهم بدراسة مهنته في عصره تبيانا لمنزلته من جهة، ولتمكين الباحث او القارئ العادي من تتبع التطور الذي اصاب هذه المهنة منذ منتصف القرن الثاني/الثامن وحتى اواخر القرن التاسع/ الخامس عشر م. ويضمّن سيرة حياته: مكان وتاريخ مولده، رحلاته في طلب العلم، الاماكن التي درس فيها، استيطاناته الجديدة، ومؤلفاته، ثم يعين مكانته في تاريخ الفكر العربي والاسلامي. وتدليلاً على اهميته يختار نماذج من كتاباته التي توضح تطوّر الحضارة العربية والاسلامية. ويقر استاذنا انه لا يفي اولئك الاعلام حقهم لان الغاية الاساسية من دراستهم تتمثّل بتوضيح مساهمتهم بالحضارة العربية والاسلامية، مدللاً على ذلك بقوله: “لسنا نحسب ان العالم عرف في تاريخه الطويل، ما عرفه ابان قيام الدولة العربية الاسلامية ونشؤ المحتمع العربي الاسلامي وتطور الحضارة المرتبطة بالامرين، وذلك من حيث الاختلاط والامتزاج والتفاعل والتجاذب بين شعوب مختلفة وحضارات متباينة حية او بائدة وثقافات روحية ومادية.”[18]

    الرحالة العرب ، دار الهلال ،1956 .

      يستهل الكتاب بالتعريف باهمية الرحلات، ودورها في تطوّر الحضارة وتوسيع المعرفة. ويعزو الدكتور زيادة بعض عوامل تطوّر الحضارة العربية والاسلامية الى المعارف التي قدّمها الرحالة عبر رحلاتهم خصوصا بالتعريف بالاقاليم والمدن والقصبات، وتحديد المسافات التي تفصل بينها. وبالكيانات السياسية غير العربية وعادات وتقاليد شعوبها المتنوعة الاعراق. وبرسم الرحالة بذلك الطرق التجارية والمحطات المتنوعة عليها، يعرّفون بانواع السلع وبمصادرها، وكيفية استهلاك الغريب منها. والى ذلك يشكّل الرحالة العرب والمسلمون فرادة في تاريخ العصور الوسطى.

 والكتاب لا يختلف منهجا عن سابقه (قمم…) الا من حيث الفترة الزمنية، وتجانس الشخصيات. فهو يتناول ابرز الرحالة العرب والمسلمين وفق تواليهم الزمني خلال القرن الواحد بدءا بالقرن 6 / 12م. وانتهاءا بالقرن 9/ 15م.، ويفرد فيه فصلا طويلا لابن بطوطة لانه كان يعتبره رحالة محترفا امضى 28 سنة في الحل والترحال منقبا عن كل ما يتعلق بالحضارة الانسانية في معظم مجتمعات العالم القديم[19]. ويقول فيه:”لقد طبع ابن بطوطة الرحلة في القرن 14م. بشخصيته القوية النابضة بالحياة، المتطلعة الى كل ما حولها بشوق دائم…وقُدّرت المسافة التي قطعها بنحو مائة وعشرين الف كلم. وقد جرّب الا يقطع الطريق مرتين ونجح في ذلك الا في ما ندر. ولا يعرف تاريخ الرحلات من اجتاز مثل هذه المسافة قبل العصور الحديثة”[20].

    وان شغف الدكتور زيادة بالحضارة دفعه لانتقاء نماذج من مؤلفات الرحالة تتناسب مع النواحي الاجتماعية الدالة على تطور الحضاري؛ فاختار من الجزيرة العربية انواع الابنية وطرق بنائها، والشوارع، وا لمياه، والثمار، والتجارة، والحج. ومن العراق وصف المدن ولاسيما بغداد، والاسواق، والقيساريات، والخانات، وبيوت العامة وبيوت الجند[21]. ومن بلاد الشام المدن والابنية كالجوامع والكنائس والمدارس والاسواق والاسوار.[22]

   ان تعلّقه بالرحلات له ما يبرره فهو نفسه كان رحالة بامتياز، ويتبدا  ذلك في مقدمة كتابه افريقيات التي يحدثنا فيها عن تطوافه في انحاء المغرب العربي كلها، وفي صور من التاريخ العربي الاسلامي، وفي لبنانيات، وشاميات، واكثر ما يظهر ذلك في جزئي كتابه “ايامي“.

       افريقيات ،رياض الريس ،بيروت-لندن ،1991 .

    يتناول الكتاب مواضيع متعددة من التاريخخين الوسيط الحديث تمثّل الحضارة قاسمها المشترك. يتصدرها بحث “المدينة في الاسلام وظيفتها وخصائصها”[23]. يعتقد مؤرخنا انه كان لكل مدينة اسلامية وظيفة محددة داعما رأيه بالبينات. فهي كانت اما مركزا للجيش مثل القيروان والبصرة والكوفة، او مركزا للملك والادارة، او مركز لادارة محلية كتونس وقرطبة وفي الغالب تكون هي العاصمة. والى جانب هذه الوظائف الاساسية الاصيلة تمتعت بعض المدن بخاصات اخرى وبدور ميزها من غيرها مثل دمشق التي كان لها الفضل في التنظيم البيروقراطي الاداري في الدولة العربية الناشئة[24]. وبغداد العربية المنشأ والتي تميّزت بنقل التراث الهندي والفارسي والسرياني واليوناني الى اللغة العربية، ثم انها بنفسها خلقت الحضارة العربية والاسلامية[25]. وكانت لمراكش وظائف خاصة من حيث انها اولا كانت معقل الاسلام في الرقعة الجنوبية الغربية للمغرب العربي، ونقطة انطلاقه لتوضيحه وتفسيره بشكل صحيح. وثانيا لحماية العرب والمسلمين في الاندلس؛ فمنها انطلق المرابطون والموحدون لتقديم الحماية اللازمة[26]. وكانت قرطبة نقطة اجتماع لعناصر مختلفة من الشعوب والثقافات، ولم يكن فيها غليان فكري وتصارع حضاري على غرار مدن الثقافة المشرقية، انما كان فيها قبول لما ينتج في الشرق وامتصاص لعادات اجتماعية كانت هناك[27]. وشكّلت مع غيرها من مدن الاندلس معبرا رئيسا للحضارة العربية والاسلامية الى اوروبا بما فيها الفلسفة والفكر العلوم على اختلاف انواعها.[28]

      واختصت القاهرة باكثر من وظيفة: فهي انشاء فاطمي، وتحوّلت الى دار علم ونشر لفلسفة ودعوة جديدة عبر الازهر الشريف[29]. واصبحت في العهد المملوكي عاصمة سلطنة عظيمة فغدت وظيفتها اخراج الصليبيين من الشرق وصد الهجمات المغولية[30].  وتعهدت فاس في عهد بني مرين في القرانين 7/ 14 و 8/ 15م. اختزان العلم واحتضانه، وصارت ضمير الاسلام المتعلم في المغرب الاسلامي[31]. ويخلص استاذنا في بحثه هذا الى انه صار في طرفي العلم العربي مستودعان للمعرفة الاسلامية بواسطة وظائف المدن.

   ويتضمّن الكتاب ايضا بحثالمدرسة الاسلامية في المغرب العربي”: سأستهله بقول للبروفسور زيادة “في تاريخ الاسلام صفحات مشرقة وخالدة كثيرة، ولعل من اكثرها اشراقا تلك التي سجلها الاسلام في تاريخ التعليم”[32]. لقد عرف العالم الاسلامي مؤسسات تعليمية متنوعة مثل الكتّاب وهو اول مؤسسة تربوية اختصت بتعليم الاطفال، والرباط وكان في الاساس ثكنة عسكرية اقيمت لمراقبة السواحل وكانت المدرسة من بين المهمات التي اطلع بها[33]. ولكنه نحا تدريجا للاهتمام بالناحية العسكرية الصرفة لتقوم الزاوية بمهمة التعليم مكانه. و بكلامه عن الزوايا يفند االدكتور زيادة انواعها الثلاث. واذا كانت المدرسة تمثّل المرحلة الثانوية،[34]فان المدارس الموحدية ايام عبد المؤمن اختصت كل واحدة منها بوظيفة محددة كاعداد الموظفين الاداريين، وتعليم الامراء الموحدين، وتخريج الملاحين[35].

    اما المدرسة المشرقية فقد تميّزت عن مثيلاتها المغربية بحيث كان يتم اختيار طلابها اما لذكائهم، او منزلتهم الاجتماعية، ويتوقف نجاحها على الشيخ الذي كان يعنى بها[36]. وهي ضمّت الى الفقهاء والمحدثين، الاطباء والمهندسين والفلكيين واصحاب المعارف بالرياضيات والزراعة عيرهم. وشكّلت الجوامع الكبرى ما يشبه الجامعات اليوم[37]، لان التعليم فيها كان اعمق وألصق بالجذور[38]. وثمة فرق بين المؤسستين :”ان المدرسة كانت للدولة ومع الدولة، ولكن الجامع مع علمه ومع نفسه “[39].

وتحتل هذه المواضيع مركز الصدارة في مؤلفاته وابحاثه، وتَسْقطُ منها المواضيع التي باتت معروفة.   هذا غيض من فيض مميزات مؤلفات راحلنا الجليل في التاريخ العربي والاسلامي في العصور الوسطى، فكتبه تألفت من مجموعة ابحاث متجانسة من حيث الموضوع يكمل بعضها البعض الآخر اكتمالا لنظرته التاريخية. وقد دوّنها بطريقة فذة اخّاذة بمنهج توخّى فيه الاّ يخوض في الجزئيات لان الكليات هي الاهم. وما الكليات الا تصميم مفصل يستند الى المزايا والخاصات الرئيسة بطريقة سهلة واضحة خالية من التعقيدات المنهجية الجافة لأنه ابتغى بمنهجه هذا امتاع القارىء وتثقيفه عن طريق ابراز ركائز الحضارة التي ارسى اجدادهم اسسها ورفعوا مستواها الى ارقى درجات المعرفة في العصور الوسطى، فكانوا بحق رواد الحضارة العالمية. وما اقتصاره على الكليات الا لان الدخول في الجزئيات يوجب فهم جدلية المعادلات المتعارضة، واثبات مقولات، والدخول في المنهج الجدلي ما يقتضي من القارئ ثقافة عالية جدا خصوصا في المناهج والمدارس التاريخية المتعددة. وهذا لايعني مطلقا ان استاذي لم يؤرخ للمثقفين والباحثين، بل هم الذين خصّهم بها بالدرجة الاولى فاسحا لهم في المجال لتوسيع الافكار بل الخطوط الكبرى التي رسمها والعمل انطلاقا من الخاصات التي ابرزها، بحيث ان كل مقال من ابحاثه المنتشرة على صفحات مؤلفاته الوفيرة جدا يصلح موضوعا لاطروحة دكتوراه.

 وتأسيسا على مؤلفاته الوفيرة وانطلاقاً من العلاقة التي جمعت بين الطالب والاستاذ والصداقة التي ربطت بيننا على مدى ثلاثة وثلاثين عاما اقول بكل ثقة: ان نقولا زيادة كان عربيا بامتياز عابرا لحدود الكيانات السياسية الوسيطة والحديثة والمعاصرة، بعيدا عن العصبيات الاقليمية؛ فكان في آن واحد فلسطينيا ولبنانيا وشاميا وحجازيا ومصريا ومغربيا، نذر حياته لنبش كنوز الحضارة العربية والاسلامية من بين حنايا وجنبات المصادر ليسطرها ابحاثا ومؤلفات خالدة جديرة ان تتصدّر المكتبات العامة والخاصة .

      اننا باستذكاره اليوم نكرم انسانية الانسان المبدع، والمؤرخ العربي الفذ، ونكرم المعرفة بمعناها الاوسع والاعم. وما إلتزامنا معه بالحضارة العربية الا عنوان انتمائنا للفضاء العربي الحضاري الرحب.

فاليك مني، وانت في حضرة الله يا استاذي ويا صديقي الغالي تحية اكبار واجلال وتقدير.

الدكتور انطوان خليل ضومط


[1] -الاهداء ،زيادة نقولا،كتاب، صور من التاريخ العربي .

[2] – زيادة (نقولا)،عربيات ،رياض الريس ،بيروت-لندن ، 1994، ص 100

[3] – نفسه ،ص 106-116

[4] – نفسه ،ص 117.

[5] – نفسه ،ص 131.

[6] -عربيات ، ص134.

[7] – نفسه ،ص 131-132 .

[8] – نفسه ، ص139-140 .

[9] – عربيات ، ص 150 .

[10] – نفسه ،ص 151 و 159 .

[11] – عربيات ، ص 150 .

[12] – نفسه ،ص 152 .

[13] – عربيات ،ص 160 .

[14] – نفسه نص 160 .

[15] – نفسه ،ص 181 .

[16] -المكان نفسه .

[17] – عربيات ، ص 171 .

[18] – زيادة (نقولا)،قمم من الفكر العربي الاسلامي ،الاهلية للنشر والتوزيع ،بيروت ،1987 ، ص 44

[19] – زيادة (نقولا) ،الرحالة العرب ،دار الهلال ،1956 ، ص 122 .

[20] – المكان نفسه .

[21] -المرجع السابق ،ص 72-73 .

[22] – نفسه ،ص 72-75 .

[23] – زيادة ( نقولا )،افريقيات ،رياض الريس ،بيروت – لندن، 1991 ،ص 99 .

[24] – نفسه ، ص 99 .

[25] – افريقيات ، ص 100 .

[26] – المكان نفسه .

[27] – المكان نفسه .

[28] – افريقيات ، ص 101

[29] – المكان نفسه .

[30] – المكان نفسه .

[31] – افريقيات ، ص 101 .

[32] – المرجع نفسه ،ص 197 .

[33] – نفسه ،ص 198 .

[34] – افريقيات ، ص 199 .

[35] – المكان نفسه .

[36] – افريقيات ، ص 199 – 200 .

[37] – نفسه ، ص 200 .

[38] – افريقيات ، ص 201

[39] – المكان نفسه .

التجارة والصيرفة في مؤلفات نقولا زيادة

قد تكون التجارة، منذ استقرار البشر في مجتمعات وان بشكل بدائي، احدى اولى السمات الانسانية الناظمة للعلاقات الاقتصادية بين الاقوام، وصارت تتقدم بمقدار ارتقاء المجتمعات وتأسيس الدول وتطور العلوم ولا سيما الجغرافيا والفلك. حتى بات التبادل التجاري يأخذ حيّزا مهما في علاقات الحرب والسلام ويشكل  احد روافد الحضارة.

ولعل هذه المقولة هي احدى العوامل العديدة التي دفعت الدكتور نقولا زيادة كي يتناول موضوعي التجارة والصيرفة في مقالات كثيرة تنوّعت مراحلها التاريخية؛ فبعضها يرقى الى بدايات العصور القديمة، وبعضها الآخر الى العصور الوسطى.ويبدو انه من هذا المنطلق محض الرحالة والجغرافيين ولا سيما العرب منهم ثقة كبيرة وافسح لهم مساحة مهمة في مؤلفاته العديدة[1]، ونال بعضهم وخصوصا ابن بطوطة منزلة عالية واحتراما بيّنا ودراسة موسّعة[2]، لأنهم شكلوا رسل حضارة بين ارجاء العالم الاسلامي من جهة، وبلاد الشعوب الاخرى من ناحية ثانية. ولأنهم ايضا رسموا بمؤلفاتهم الطرق الواصلة بين مختلف الدول المعروفة انذاك، وبين مدن الدولة الواحدة، وبالتالي حددوا مسالك الطرق التجارية العالمية بين المشرق العربي والشرق الاقصى من جهة، وبينه والبلاد الافريقية من جهة اخرى، وبعض البلاد الاوروبية من ناحية ثالثة. واشاروا الى الطرق الداخلية المشرقية والمحطات التجارية ونقاط الاراحة عليها.

وهكذا بدا هؤلاء الرحالة تجارا حقيقيين من دون ان يمارسوا مهنة التجارة، وجغرافيين بالوصف الدقيق لتضاريس البلاد التي وطأتها اقدامهم وللثغور البحرية التي حلوا فيها. فتحدثوا عن انواع السلع التي ترد اليها من بلاد اجنبية او التي تنتج فيها او التي ترد اليها من اريافها ومدنها غير المرفئية. واستهوتهم عادات وحضارات شعوب معينة بما فيها اساليب معاشهم فنالت فسحة في مؤلفاتهم.

ان مؤرخنا درس التجارة والصيرفة منذ العصور القديمة وصولا الى اواخر العصور الوسطى في مقالات قيلت في مناسبات مختلفة من حيث المكان والزمن ومن ثمّ فرزها وزّعها تبعا لمواضيعها على بعض مؤلفاته التي من ابررزها: ” مشرقيات في صلات التجارة والفكر ” و”عربيات حضارة ولغة” و”متوسطيات تجارة وحياة فكرية” هذا اضافة الى مقالات في ارشيفه لم تنشر بعد او ان بعضها على طريق النشر، وهي التالية:” من جنوب الجزيرة العربية الى شمالها” و”اقدم خط بحري في العالم القديم” و”طرق التجارة العالمية ومراكزها” و” التجارة والصيرفة من اواسط القرن الرابع الى اواسط القرن السادس للهجرة[3]“.

وسأحاول في هذا البحث تناول التجارة عبر تواليها الزمني من خلال ابحاث الدكتور نقولا زيادة بعين واعية ورؤية المؤرخ الناقد من دون محاباة. وسأجهد لدراسة تطور الطرق التجارية منذ العصور التاريخية القديمة وحتى نهاية العصور الوسطى محاولا قدر المستطاع اكمال نقاط لم يُعن بها كثيرا مؤرخنا الكبير بالاعتماد على المصادر والمراجع المتخصصة العربية والاجنبية.

وسأتبع في هذا البحث الخطة التالية:

اولا: التجارة في العصور القديمة لأنها تعتبر مقدمة لبقية الابحاث .

ثانيا: التجارة في العصور الاسلامية ومن ضمنها التجارة في العهد الصليبي في المشرق العربي.

ثالثا:الصيرفة.

رابعا: منهج الدكتور زيادة.

اولا: التجارة خلال العصور القديمة.

كان الدكتور نقولا زيادة عربيا بامتياز، بهرته الحضارة العربية فاحب اظهارها للملأ اقتناعا منه بانها كانت من ارقى حضارات العالم ان لم تكن افضلها. لذلك جهد، في مؤلفاته الوفيرة جدا يبرز دور العرب الحضاري على مختلف المستويات بما فيها التجارة التي تشكل برأيه عاملا اساسيا في تطور المجتمعات الانسانية. ويعتبر بحثه ” دليل البحر الارثري[4]” نموذجا واضحا في هذا الاطار.

 يتحدث فيه عن دور العرب في تجارة الهند معتبرا انه بعد انحسار النفوذ الفينيقي عن البحر الاحمر استأثر العرب بتجارة هذا البحر ولا سيما خلال قيام الامبراطوريات البرية مثل الآشورية والبابلية والفارسية التي اعتنت بتجارة القوافل او ما يعرف بالتجارة البرية.[5]وقد سيطر العرب لمدة طويلة على اسرار الطريق البحري بين جنوب الجزيرة العربية والشرق الاقصى. ويعتقد ان اهمية الطريق البحري بين الهند والبحر الاحمر المسيطر عليه من قبل العرب، حيث كانت تنقل عبر موانئ الخليج العربي وحتى سنة 1500 ق.م. سلع بلاد السند الى بلاد الرافدين ومنها الاخشاب والقطن والعاج والعقيق الاحمر واللازورد، دفعت الملك الفارسي داريوس حوالى سنة 510 الى ارسال بحار يوناني اسمه سكيلاكس لكي يكتشف الطريق المذكور ويرفع تقريرا عن نتائج بعثته. وللغاية عينها ارسل الاسكندر الكبير بعثة رأسها امير البحر نيخاريوس الذي دامت رحلته 146 يوما وقد حفظها لنا كاملة أريان مؤرخ الاسكندر[6] من دون ان تنجح البعثتان باكتشاف اسرار الطريق البحري. مؤشرا بالامرين معا على اهمية التجارة في البحر الاحمر خصوصا اذا علمنا ان المر واللبان، وهما سلعتان ثمينتان كانا ينتجان في جنوب الجزيرة العربية في منطقة حضرموت-ظفار، وفي الصومال ايضا وينقلان الى مصر عبر البحر المذكور[7].

وفي تقويمه لدليل البحر الارثري يستمر الدكتور زيادة في ترجمة الكتاب ويضيئ على بعض ما جاء فيه بتعليقات سياسية واقتصادية، ثم ينهيه بتقويم عام للتجارة في هذا البحر مركزا على الجزيرة العربية كنقطة محورية[8] فيقول: انه كانت هناك اربع مناطق ذات موارد طبيعية او فيها نتاج صناعي صالح للتبادل التجاري وهي: الهند ويقابلها في الطرف الثاني البعيد الامبراطورية الرومانية تتوسطهما منطقان هما الجزيرة العربية وشرق افريقيا. وقد جعل من هذه المعادلة محورا لدراسة التجارة اذ نجدها تتكرر وفق صيغ أخرى مشابهة لها في العديد من مؤلفاته وابحاثه [9].

ويتحدث عن انواع السلع التجارية في كل منطقة والطرق التي تنقل عليها[10]، من دون ان يهمل الكلام على الموانئ الاساسية كهرموس = ابو سُمَر، الذي يليه شرقا ميناء محصّن يدعى القرية البيضاء او لوكي كومي=الحوراء، ويمتد منه طريق الى البتراء. وكان التجار بل البحّارة يحاذرون سلوك شواطئ البحر الاحمر بسبب الامواج العاتية وقلة الموانئ الصالحة لرسو السفن[11].

ويستكمل الدكتور زيادة مفهومه للتجارة في العصور القديمة ببحث آخر هو “تجارة البحار الشرقية في العصور القديمة”[12]: ويستهله بالقول:” ان تطور التجارة في البحار الشرقية في العصور القديمة يدرس في مناطق ثلاث هي:الجزء الغربي من المحيط الهندي والبحار والخلجان المتصلة به، والمنطقة الهندية الاندونسية، وبحر الصين الجنوبي.”[13]

ان العلاقات التجارية بين منطقة البحر المتوسط من جهة وبلاد الصين من ناحية ثانية قديمة جدا ترقى الى بدايات العصور القديمة. وفي الغالب كانت تتم برا بواسطة القوافل التي تجتاز مسافة احد عشر ألف كلم. عبر الصحارى والجبال الوعرة.[14] وهذا الطريق استمر سلوكه مدى العصور الوسطى على الاقل. والدكتور زيادة لا يحدد في هذا البحث مسالكه ومساربه المتعددة انما يفصلها في بحث آخر هو ” التجارة الاسلامية من القرن الثاني الى القرن السابع الهجري”[15] . وبالاستناد اليها يمكننا رسم طريق الحرير كما يلي: ينطلق من وسط آسيا والهند عبر جبالها وممراتها الى بخارى، ومنها يتجه الى حلب فموانئ البحر المتوسط، او الى بغداد وديار بكر[16]، من دون ان يشير الى تفرعاته نحو آسيا الصغرى فاوروبا.[17]

وفي هذه الفترة التاريخية ما بين 205ق.م. الى 226م. كانت الطرق آمنة اجمالا لأنها كانت تخضع لسيطرة اربع دول كبرى هي : الامبراطورية الرومانية في اقصى الغرب، والصينية في عهد اسرة هان (206-220ق.م.) في اقصى الشرق، وكوشان الهندية ( حوالى40-220م.) التي كانت تسيطر على شمال الهند وافغانستان، ودولة الفرثيين في بلاد فارس وجوارها (حوالى 250ق.م.-226م.).[18] ويبدو ان موقف تلك الدول كان مشجعا للمبادلات التجارية لما فيها مصلحة للجميع. وفي هذه الحقبة التاريخية نشأت وانتظمت الطرق المعروفة بطريق الحرير. وكان اي خلل في العلاقات بين هذه الدول او بروز الضعف في واحدة منها يهدد بقطع تلك الطرق بحيث تصبح عرضة لقطاع الطرق المتعددي الانتماءات. وهذا ما حصل في اواسط القرن الثاني الميلادي حين اختل الوضع الامني في اواسط آسيا ما جعل التجار لا يجازفون بكثرة في ارتياد طريق الحرير. ولم تكن العلاقات السياسية دائما جيدة بين الامبراطورية الفرثية (البارثية) التي كانت تشغل الرقعة الجغرافية الممتدة من حدود افغانستان اليوم الى نهر الفرات وتسيطر على الجزء الشمالي الشرقي من الخليج العربي، والامبراطورية الرومانية. وكلما اختلت كانت تقع الحرب وبالتالي ينقطع الطريق البري. وقل الامر عينه عن علاقتها مع دولة كاشان في شمالي الهند.[19] وكانت الحوادث الامنية تتكرر على الطريق المذكور في أكثر من مناسبة؛ ومنها هجوم قبائل الهون على لويانغ وتدميرها سنة 311م.، واحتلال قبائل الهياطلة التركية الجزء الشمالي من الصين.[20]وازداد طريق الحرير صعوبة بسبب الجبال المرتفعة وثلوجها، والصحارى الواسعة وجفافها، وبتربص اللصوص بالتجار…”[21]

لم تكن حاله افضل خلال العصور الوسطى خصوصا بعد الضعف الذي اصاب الخلافة العباسية وسبب باتشار الدويلات العرقية والمذهبية على اطرافها الشرقية وفي مصر وبلاد الشام.[22] اذ صار الامان عليه يخضع لمزاج حكام الدول او الدويلات المسيطرة عليها، ولتعديات القبائل المتنوعة الاعراق التي كانت تضرب رحالها في سهوب تلك البقاع. وقد استمر هذا الامر على هذا النحو حتى اواخر العصور الوسطى ومطلع العصور الحديثة[23].

وفي المقابل كانت هناك طرق بحرية تضاهي الطرق البرية مسافة انما اقل خطورة رغم المصاعب التي كانت تنجم عن العوامل الطبيعية وعمليات القرصنة، مما جعلها الاكثر ارتيادا. ولعل من ابرزها الطريق الذي” يصل موانئ البحر الاحمر وجزيرة العرب الجنوبية، مثل عدن وقنا (عش الغراب) ورأس فاتك، ورأس غودفروا في القرن الافريقي وموانئ الخليج العربي في الجهة الغربية من المحيط الهندي بالموانئ الهندية الواقعة في الساحل الغربي لبلاد الهند…وبموانئ سيلان.”[24] ذلك ان عمليات التبادل التجاري بين شواطئ الهند الغربية، وسواحل بلاد فارس، وشطآن الخليج العربي وجنوب الجزيرة العربية، والبحر الاحمر ومصر والقرن الافريقي كانت نشطة[25]. والتجارة البحرية كانت أكثر تنوعا وغنى لكثرة انتشار المحطات التجارية البحرية التي كانت تتغذى بالسلع من المناطق الداخلية[26].

ويشرح الدكتور زيادة علميا اهتمام الحكام القدامى مثل داريوس (دارا) والاسكندر بالطرق البحرية وتحديدا الطريق بين مصب نهر السند وبلاد العرب.[27] ويعتبر ان النقل البحري بين جنوب الجزيرة العربية وافريقيا من جهة وبلاد الهند من ناحية ثانية تبدل في العقد السابع من القرن الاول الميلادي نحو الافضل بسبب اكتشاف هيباليوس مسيرة هبوب الرياح الموسمية[28]. ناهيك ان اسبابا اخرى ادت الى ازدهار الطرق البحرية على حساب مثيلاتها البرية، وكان اولها: اضطراب الامن في اواسط آسيا ما جعل الطريق محفوفا بالخطر، وثانيها ان عرب جنوب الجزيرة احتفظوا بسر المهنة البحرية[29] وتعرفوا الى المسالك المائية الاكثر امانا وقاموا بدور الوسيط التجاري الى ان اكتشف هيباليوس مواعيد هبوب الرياح الموسمية. اما السبب الاخير فهو ان السلع الهندية بما فيها التوابل والاحجار الكريمة والاخشاب النفيسة كان التجار العرب يدفعون ثمنها ذهبا[30]. ونلاحظ بوضوح تركيز الدكتور زيادة على محورية العرب في ازدهار التجارة العالمية في تلك الفترة.

واعتقد ان المحطات التجارية المتنوعة على الطرق البحرية شكلت عوامل مساعدة لتطور التجارة عليها، فضلا عن دوافع سياسية واقتصادية تمت على مراحل وسنذكرها تباعا وفقا لجدول مؤرخنا: شكّل قيام الدولة الساسانية عام 226م حدثا تاريخيا مهما لأنها بدأت تتوسع شرقا فاستولت على دولة كوشان الهندية، وشبه سيطرت على قسم كبير من الطريق البري الممتد من شمال الهند الى بلاد فارس. ما مكّنها من السيطرة على طريق التركستان الصيني وتفرعاته، واهمها الطريق الذي يصل الى حوض السند[31].

وعمل الساسانيون على اصلاح موانئ على الخليج العربي، والافادة من تجّار موانئ كوشان في شمال غرب الهند. ولعل الوهن الذي اصاب الامبراطورية الرومانية اضعف دور مصر التجاري مما سمح للساسانيين انتزاع هذا الدور. واكتملت سيطرتهم على التجارة البحرية عندما استولوا على اليمن عام 575 م. وبسطوا سلطانهم على مدخل المحيط الهندي الغربي.[32]

ويعزو الدكتور زيادة ايضا انتعاش الطريق البحري لاسباب ساسانية محضة؛ ان سيطرة الساسانيين على معظم الطريق البري دفعهم لاحتكار تجارة الحرير الصيني بالكامل، فحرصوا على منع التجار من عبور الطريق المذكور. ومن ناحية ثانية ادركوا ازدياد طلب الصين الجنوبية على السلع الغربية فقاموا بدور الوسيط التجاري عبر سيلان (سريلانكا)[33] وبالتالي صارت سيطرتهم على التجارة مع الشرق الاقصى شبه تامة.[34] 

من خلال هذين البحثين تمكّن مؤرخنا من اعطاء صورة الى حد بعيد واضحة عن التجارة المثلثة المحاور في العصور القديمة. ويمكننا اعتبار ما اورده من مقالات في كتابه “مشرقيات” مقدمة لتطور التجارة في القرون الوسطى التي سيتناولها في كتابيه:” متوسطيات تجارة وحياة فكرية، وعربيات لغة وحضارة”، اضافة الى ما وجدته في ارشفيه وعلى الاخص ” التجارة والصيرفة في الفترة من اواسط القرن الرابع الى اواسط القرن السادس/ العاشر- الثاني عشر م.”

ويمكن تقويم مفهوم الدكتور زيادة للتجارة في العصور القديمةبالميزات التالية:

1 – محورية الجزيرة العربية فيها واستئثار العرب بتجارة المحيط الهندي لمدة طويلة.

2 – ابراز اهمية طريق الحرير ودوره في التجارة العالمية، وتأثيره على العلاقات السياسية والعسكرية بين الدول المتصلة به. وعندما كان يختل الامان عليه، او عندما ايضا حاول الساسنيون احتكار تجارة الحرير انتعشت الطرق البحرية الموازية له.

3 – ادى اكتشاف هيباليوس لمواقيت هبوب الرياح الموسمية الى اطراد التجارة البحرية. 

ثانيا: تجارة العالم الاسلامي في العصور الوسطى: في هذا المدى التاريخي الطويل سأحاول دراسة التجارة في المشرق العربي فقط وعلاقته باوروبا من جهة والشرق الاقصى من جهة ثانية. لأننا اذا اردنا دراسة استنتاجية التجارة في شمال افريقيا والاندلس والصين لتطلب ذلك كتابا بحد ذاته. وساراعي في هذه الدراسة الاستنتاجية التوالي الزمني قدر المستطاع مستفيدا من كل ما تركه عنها مؤرخنا الكبير.

الوضع العام في العالم الاسلامي: لعل من ابرز الابحاث التي كتبها الدكتور زيادة هو” التجارة الاسلامية منذ القرن الثاني الى السابع الهجري”[35] وهو يتماثل الى حد بعيد مع ما وجدته في ارشيفه ” التجارة والصيرفة…” يدرس فيهما التجارة العالمية بشكل عام مركزا على علاقات المشرق العربي مع الشرق الاقصى من جهة، ومع بعض الغرب الاوروبي من جهة ثانية، هذا اضافة الى عدد آخر من الابحاث التي تصب في خانة البحثين المذكورين وتتمهما خصوصا ما كتبه عن الاسواق العربية، والادارة في العهد الاموي، وتكتمل الحلقة التجارية ببحث التجارة في العهد الصليبي. ولكي نفهم تصوّره للعلاقات التجارية خلال العصور الوسطى سأعمد دراسة استنتاجية مبنية على التداخل بين ابحاثه الموزعة على عدد من مؤلفاته لأن بعضها يتمم البعض الآخر ويضيء عليه.

يمهد لموضوع التجارة في المشرق العربي خلال العصور الوسطى بمقدمة واسعة جدا يتناول فيها تطور الاوضاع السياسية في العالم الاسلامي منذ قيام الدولة العباسية عام 132/750 وحتى مجيئ المماليك الى السلطة سنة 648/1250 تضع القارئ في صورة جليّة لتطور الاحداث السياسية واثرها على العلاقات الاقتصادية خصوصا بعد التجزئة التي مزقت الخلافة العباسية الى دويلات. وبرأيه لم يكن التفتت السياسي يؤثّر سلبا على الاوضاع التجارية، لأنه ادى بطرق عديدة الى تطوّرها، موائما بين الانعكاس السلبيني لاحتلال الصليبيين للسواحل الشامية على المستوين السياسي والعسكري، وبين التطور الايجابي للحركة التجارية العالمية التي ازدادت زخما باشتراك الايطاليين فيها[36].

وبعد ان يعلل دور طريق الحرير في الحركة التجارية يعتبر ان سلبياته ادت الى تطور خطوط الملاحة البحرية بين الخليج العربي والبحر الاحمر من جهة، والشرق الاقصى من جهة ثانية، لا سيما بعد ان احتكر الساسانيون تجارة الحرير، الامر الذي ادى الى نشاط تجاري كبير في المحيط الهندي، بحيث برزت سيلان (سريلانكا) كمركز تجاري مهم بل وسيط تجاري يعمل لصالح الساسانيين[37]. ما يعني ان مؤرخنا يؤسس للمسار التجاري في العصور الوسطى بما كان عليه الوضع خلال العصور القديمة القديمة معتبرا ان تطوّر الاحداث السياسية يؤدي الى تحولات جزئية فيه. وتوكيدا لهذه الرؤية يعمد قبل ان يشرع بدراسة التجارة الى تحديد اهم العوامل التي اثرت في تطوّرها منذ القرن الثاني/الثامن الى القرن السابع/ الثالث عشر م. :

 اولا: النمو السكاني الناتج اساسا عن انتشار الامن والسلام في ربوع العالم الاسلامي، وعن الهجرات السكانية الداخلية والخارجية المتكررة عبر القرون الاربعة المعنية. فقد ساهمت هجرات القبائل المتنوعة الاتنيات ولا سيما تلك التي دخلت في جيوش الخلافات (جمع خلافة) الاسلامية مثل بربر شمال افريقيا في جيوش الفاطميين، والاتراك والاكراد والفرس الديالمة في جيوش العباسيين والفاطميين على حد سواء… فضلا عن الرقيق الذي حمل الى اكثر من دولة او دويلة على اثر تفكك الخلافة العباسية الى دويلات، ناهيك ان هذه اسست حواضر او عواصم لها وصارت بحاجة الى الاساليب الحضارية المتنوعة[38]، ما ادى الى اغناء الارياف والمدن اقتصاديا على حد سواء.[39] ويُذكَر في هذا الاطار امران: تجمع السكان في المدن الكبيرة التي اعتادت بعد الفتوح وبناء المعسكرات، التي تحولت بدورها الى مدن كبرى، على حياة الترف والتمتع بالسلع المتنوعة. ويساق الامر عينه على المدن التي استحدثت لضرورات سياسية وغيرها كبغداد وسر من رأى وواسط، والقاهرة الفاطمية. وشمل النمو السكاني ايضا معظم مدن الساحل من شمال افريقيا الى انطاكيا. ومن الواضح ان سكان المدن هم احوج الى السلع الصناعية من سكان الارياف. ومعلوم ان الحضارة التي تمتع بها السكان في العالم الاسلامي “كانت عالية جدا فقد عرفوا السلع الاستهلاكية من طيوب وعطور وتوابل واقمشة حريرية وقطنية…وازدات حاجات الناس.”[40] واقتضى كل ذلك انتعاش الارياف لسد متطلبات المدن والحواضر.

وتطلبت الجيوش التابعة للدويلات مواد غذائية أكثر وصارت بحاجة الى الطراز بشكل أكبر ومستمر، والى خيول واسلحة، تطلبت صناعة تلك السلع مواد اولية كالحديد والجلود للتروس ومعظمها كان يستورد من الخارج.[41]

وكانت العناية بالطرق من العوامل المساعدة  بنمو التجارة خصوصا تأمين طرق الحج من مختلف المناطق،[42] الذي انصب الاهتمام عليه منذ العهد الاموي؛ فالخليفة الوليد بن عبد الملك بنى عليه المستشفيات والخانات وحفر الآبار لتأمين المياه[43]

ويمكن ان نضيف اليها المشاكل الاقتصادية التي سببتها جيوش الدويلات التي نشأت في رحم الخلافة العباسية من حيث اعتمادها على انظمة الاقطاع العسكرية، وسوء استغلالها للارض ما اضعف الزراعة والصناعة[44].  ويشار في الاطار عينه الى ازدهار معظم المدن المرفئية على ساحل بلاد الشام التي قامت فيها حكومات محلية في ظل الضعف الذي اصاب الخلافتين العباسية والفاطمية على حد سواء، جراء خضوع الخلفاء في بغداد لسيطرة الحكام الاتراك والفرس الديالمة ثم السلاجقة، وفي القاهرة لسلطة الوزراء الفاطميين.[45] .

الطرق التجارية: هي مدخل اساسي لدراسة التجارة فعبرها يتم نقل السلع وانتقال التجار. ان الطرق التجارية البرية والبحرية بين الشرق الاقصى والغرب الاوروبي عبر الجسر البري المتمثل بقسم كبير منه بمصر وبلاد الشام قديمة جدا، واستمرت هي عينها منذ ما قبل الميلاد وحتى اواخر العصور الوسطى على الاقل مع بعض التبديل المؤقت، الذي كان يطرأ على قسم من مسار بعضها لاسباب متنوّعة لعل من ابرزها الصراعات العسكرية للقوى السياسية المنتشرة عليها، وما ان كانت تنتهي اسبابها حتى تعود حال الطرق الى مجراها الطبيعي[46]. وقد اشار الدكتور زيادة الى هذا الموضوع مركّزا على طريق الحرير بشكل اساسي. اما الطرق الاخرى فقد تناول بعضها بشيئ من التوسيع ومرّ على البعض الآخر بصورة سريعة ومتقطعة.

ويبدو انه لم يكن يهتم بتتبع مسار كل طريق على حدة بدءا من احد الموانئ او المحطات التجارية الرئيسة وصولا الى ميناء آخر او محطة تجارية اخرى ذاكرا كل محطاته الاساسية والتفرعات الاساسية المنطلقة منه. بل يذكر مراحل من طريق محدد شأن كلامه على الطريق بين ساحل ملبار وبعض الموانئ على البحر الاحمر، ليعود في مكان آخر ومناسبة مختلفة الى الكلام على القسم المكمل له والذي يربطه بمحطة تجارية كما في حديثه على الطريق الذي يربط موانئ البحر الاحمر بدمشق مثلا[47]. ويعطي اهمية للطرق المنطلقة من مرافئ بلاد الشام بحيث ان لكل منها ممر طبيعي يصله بالداخل:”فالسويدية لها منفذ الى انطاكيا وحلب، واللاذقية يطل عليها ممر لسهل الغاب وحماه…”[48]  اما الطرق في بلاد الشام الشمالية فان اكثرها :” كان يتصل بآمد (ديار بكر) ومن هذه تخرج طرق تتصل بمعظم الثغور التي بازاء بلاد الروم.”.[49] ورسم بتفصيل طريقا رئيسيا يصل بغداد بدمشق وهذه بالقاهرة: يخرج الاول:” من بغداد الى الموصل ومدينة بلد بحذاء دجلة…فالى سنجار ونصّيبين ورأس العين والرقة ومنبج وحلب وحماه وحمص وبعلبك ودمشق. ومن هذه الى طبرية والرملة بالقاهرة.”[50] لم يتناول كل طرق القوافل او البرية بالتفصيل، فقد ذكر بعضها من خلال نصوص حرفية استقاها من الرحالة والجغرافيين العرب.[51] او مستفيدا من نصوصهم كما في رسم الطرق التالية المستوحات من ابن خرداذبه:- قنسرين-حماه-حمص-جوسية –دمشق

– طريق الحج من دمشق- ذات المنازل- عمان- تبوك- مدائن صالح (الحجر)- وادي القرى- الرحيبة- ذي خشب- المديتة المنورة – مكة المكرمة.

– طريق الحج المصري: كان يلتقي بطريق الحج الشامي في وادي القرى.[52]

ومن الجدير ذكره ان القوافل كانت تسلك طرقا شبه ثابتة تربط بين مختلف محطات وموانئ مصر وبلاد الشام والعراق وصولا الى بلاد فارس عبر الهضبة الايرانية، ومنها الى آسيا الصغرى.[53] وقد انتشرت عليها الخانات من اجل اراحة التجار ودوابهم، وكانت تتم فيها ايضا مبادلات تجارية بين تجار من جنسيات متنوّعة[54]. وقد ذكر الرحالة والجغرافيون العرب معظم طرق القوافل بشكل مفصل، استفاد من مؤلفاتهم بعض المستشرقين الاوروبيين والاميركيين ليرسموا الخطوط التجارية الداخلية. وقد ركز بعضهم على الخطوط المؤدية الى المرافئ اللبنانية والفلسطينية بسبب اهتمامهم بالتجارة في العهد الصليبي من جهة، وبالتجارة مع الغرب الاوروبي من جهة ثانية في مختلف العصور.[55] ولم يفصّل الدكتور زيادة مسالك كل الطرق التجارية اعتقادا منه انها كانت مطروقة منذ القدم وقد باتت معروفة[56]. واهتم بالناحية الامنية عليها فاوضح انها كانت محمية من قبل السلطة السياسية كونها عصب الادارة وسبل الاتجار التي تدر على بيت مال المسلمين اموالا طائلة بفعل التمكيس[57]، ومن جهة ثانية كان كثير منها يشكل طريق الحج الذي يعتبر الامان عليه واجبا دينيا لتأمين وصول الحجيج سالمين الى بيت الله الحرام. وكانت العناية به قديمة جدا تعود الى بدايات الدولة الاموية خصوصا في عهدي الوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، حيث تم فيهما حفر الآبار وبناء الخانات والبيمارستانات على الطريق المذكور [58]. اضافة الى ذلك اتسمت الطرق التي تصل بلاد الشام بالحجاز بميزات محددة: فالمنطقة كانت مأهولة بالسكان منذ العهد الروماني واستمرت كذلك مدى العصور الاسلامية. وقد اقيمت القصور الاموية على الطرق التجارية او على ملتقاها.[59] ان كل ذلك عزز الامان برأيه على طريق الحج.

الموانئ والمحطات التجارية: تعتبر الموانئ والمحطات العصب الثاني للتجارة، وقد تحدث مؤرخنا الكبير عن معظم الموانئ التي كان لها ارتباط تجاري بمنطقة الشرق العربي وتناول ادوارها التجارية عبر مختلف العصور بدأ بفترة ما قبل الميلاد وحتى اواخر العصور الوسطى. ووجد انها تتمحور حول ثلاثة مراكز رئيسة هي: موانئ الخليج العربي وجنوب شبه الجزيرة العربية والبحر الاحمر، والموانئ المتوسطية، واخيرا موانئ الشرق الاقصى التي كانت لها علاقة مع مثيلاتها في الخليج العربي بخاصة تلك المنتشرة على ساحل ملبار الهندي. ولم يكتف بابراز اهميتها الجغرافية بل تحدث عن انواع السلع التي كانت متوفرة فيها أكانت منتجة محليا او مرسلة اليها من مناطقها الداخلية. وتكلم احيانا على بعض الموانئ الافريقية التي كانت تزود مرافئ جنوب شبه الجزيرة العربية بسلع افريقية بما في ذلك تلك المنتشرة على البحر الاحمر.لم يصف الحركة التجارية فيها الا فيما ندر مستعينا بالرحالة العرب.

موانئ الخليج العربي والبحر الاحمر: تعددت هذه الموانئ وتراوحت منزلتها من حيث الاهمية تبعا للقرون والعوامل السياسية. فكان بعضها يزدهر لفترة قد تطاول القرنين من الزمن ثم تخبو اهميتها لصالح موانئ اخرى شأن كلامه على: سيراف (خلال القرنين الثالث/التاسع والرابع/العاشر م، وقيس او كيش التي عملت خلال القرون: الخامس والسادس والسابع/الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر م. وهرمز التي صار لها مركز الصدارة منذ القرن السابع/الثالث عشر[60]. اما الموانئ جنوب الجزيرة العربية فكانت: عدن وجدة والجار وقنا وصُحار ومسقط وظفار وقلهات[61].

موانئ البحر الاحمر: كان ابرزها عدن وعيذاب وسواكن وكانت على اتصال دائم بمثيلاتها في المحيط الهندي.

موانئ البحر المتوسط: وقبل ان يتحدث عنها رسم اطارا سياسيا عسكريا بحريا للعرب والبيزنطيين؛ مظهرا ان قوة العرب البحرية خلال القرن العاشر بدأت تتأرجح وتميل نحو الضعف، وفي الوقت عينه قويت نسبيا القوى البحرية البيزنطية بحيث بلغ تعداد سفن الاسطول البيزنطي ألفي سفينة حربية و1360 سفينة تموين. وتمكنت هذه العمارة البحرية الضخمة من احتلال جزيرة كريت سنة 350/961 . وعلى رغم انتصار هذا الاسطول على الاساطيل الاقليمية سنة 379/989 فان بعض الوهن داخله[62]. وتوضيحا للصورة العامة في المتوسط يشير الدكتور زيادة الى ان مقابل والوهن الذي لحق بالاساطيل الاسلامية والبيزنطية ارتفع شأن اساطيل الجمهوريات الايطالية ولا سيما البندقية وجنوا وبيزا  مما سيكون له تأثير مهم على الوضع التجاري في المشرق العربي والاسلامي[63].

كانت بيروت وصور وعكا من ابرز الموانئ المتوسطية وقد استقى المعلومات عنها من ثلاثة رحالة اثنين اروبيين اضافة الى ابن جبير[64]. ومن الموانئ المتوسطية المهمة الاسكندرية ودمياط. وكانت جميعها لها علاقات تجارية مهمة مع معظم مدن ودول الغرب الاوروبي[65]. وهو لا يتحدث بالتفصيل عن الموانئ المشرقية في البحر المتوسط او يتناول كل ميناء على حدة بل تحدث عنها بشكل عام عندما درس التجارة الصليبية في المشرق العربي، وفي كلامه على اهمية طبيعة بلاد الشام اذ يقول:” فالموانئ التي تقع على ساحل المتوسط والتي تستقبل السفن واحمالها، تنتهي كل منها عند ممر يصلها بالداخل”[66]. ويربط انتعاش الموانئ المتوسطية باسباب ازدهار التجارة الايطالية الناجم عن تطوّر الصناعة في اوروبا بحيث صار بامكان التجار الايطاليين مبادلة السلع الاوروبية بسلع مشرقية خصوصا بعد ان قل وجود الذهب والفضة.[67]وهوينقل عن بيغولوتي من دون ان يذكر كتابه ان 183 صنفا من السلع كان يتم تبادلها في منطقة البحر المتوسط[68].

موانئ الشرق الاقصى: كان من ابرزها: كلا الواقعة في الجهة الشرقية من بحر كندهار (خليج البنغال)، وهي النقطة الابعد التي استطاع العرب والفرس بلوغها لتسليم سلعهم الى السفن الهندية او الصينية. ويبدو انه كان فيها جالية تجارية عربية.[69]والى جانبها كانت هناك مرافئ اخرى مهمة مثل: كجرات وديو والديبل وقليقوت (كلكوتا) وكولام وسرنديب = سيلان[70].

واذا اخذنا بالاعتبار الطرق التجارية الواصلة بين هذه الموانئ وبين المحطات التجارية الداخلية ولا سيما المدن الكبرى العريقة مثل دمشق وحلب وبغداد والقاهرة والفسطاط وتلك المنتشرة على طريق الحرير مثل بخارى وطشقند…نلاحظ انها كلها كانت تتذود بمختلف انواع السلع ومن مصادر متعددة، وبالتالي لعبت بعض المحطات والموانئ دور الوسيط التجاري، حتى يمكن القول ان محور التجارة العالمية تمركز في المشرق العربي. وهذا يدفعنا للكلام على السلع التجارية.

السلع التجارية: شكّلت السلع لب العملية التجارية، واستفاض الدكتور زيادة بالكلام عليها. فنحن نجد معلوات وفيرة عنها في كل ابحاثه. ان السلع في اساس التجارة وفي تطوّر الموانئ والثغور، ومرتبطة الى حد بعيد بالانتاجين الزراعي والصناعي. ومن العسير جدا الكلام في هذه العجالة على الزراعة والصناعة وتطوّرهما آنذاك. وساحاول رسم صورة موجزة للتفاصيل التي زوّدنا بها الدكتور زيادة عن السلع، محاولا قدر المستطاع الاضاءة على سلع كل منطقة على حدة جاعلا منها مقدمة للكلام على الحركة التجارية.

السلع الاوروبية: كانت السفن الاوروبية وفي مقدمتها الايطالية تحمل الى موانئ الشرق العربي السلاح والزجاج والخمور والحديد والاخشاب والاقمشة التي تطوّرت صناعتها في اوروبا بشكل جيد خصوصا الفرنسية والفلمنكية[71]. والمعادن المتنوعة ومنها النحاس والقصدير والزئبق والزنك وسبائك الفضة، والكتب المختلفة خصوصا الدينية، والجلود والفرو[72].

سلع مشرقية الى اوروبا: كانت السفن الاوروبية تحمل في طريق عودتها اصنافا كثيرة بعضها من انتاج مشرقي والبعض الآخر مستورد من الشرق الاقصى، ومن ابرز ما كانت تحمله:” القماش الكتاني الطراز والتوابل…والسكر والعسل وزيت الزيتون، والمصنوعات النحاسية واخصّها الادوات المنزلية او الزخرفية من صنع دمشق، والادوات القاطعة من صنع تنّيس في مصر، وحجر الشب من المشرق العربي.” والاقمشة الحريرية ولاسيما تلك التي كانت تصنع بيروت وصيدا وصور وكانت تسمى النيما، والقطنية، والكتانية المصنوعة في جبيل وبيروت وصور واللاذقية، والمصاغ الذهبي والفضي، والفلفل والزنجبيل، وجوزة الطيب ومثيلاتها من الافاويه، والطيوب مثل المسك والعنبر، واللبان والمر ومواد الدباغة والصموغ والمواد الطبية والاقمشة الدمقسية والموصلينية والحلبية، فضلا عن العلب والبراويز والصناديق والمرايا والطاولات المزخرفة جميعها بالعاج[73].

سلع مشرقية الى الشرق الاقصى: كانت اصناف كثيرة مما تستورده منطقة الشرق الاقصى يأتيها من شرق افريقيا عبر الموانئ على البحر الاحمر عموما وقسم اخر من المشرق العربي، وقسم ثالث من اوروبا. ومن ابرز ما كان يصدر الى الشرق الاقصى: زيت الزيتون والاقمشة المصرية والشامية والاقمشة القطنية والصوفية والكتانية، ومصنوعات دمشق النحاسية والبلورية[74]. والذِّبْل والحبوب والذهب واللؤلؤ والعاج الافريقي والتمور[75]

سلع الشرق الاقصى الى المشرق العربي: كانت منطقة الشرق الاقصى تنتج اصنافا كثيرة مطلوبة في المشرق العربي وفي اوروبا ويمكن اجمالها بما يلي: “خشب التيك والحديد الخام والفولاذ، والفضة والاحجار الكريمة ومنها اللؤلؤ السوباري والعاج الهندي والطيوب والتوابل والعطور، والفلفل…ومواد الصباغة والدباغة…والعنبر…واقمشة قطنية وصوفية وصنادل.” والحرير والبورسلين بنوعيه البسيط والمطلي، والشاي، والفولاذ الهندي وخشب الصندل والارز والدهون الهندية. والكهرمان، والذِّبْل (غلاف السلاحف) والمرجان والخمور والارز والدهون الهندية والسكر والعقيق والياقوت الازرق والكحل والقطن. والكافور ومواد طبية والسيوف الهندية ودم الاخوين[76]

لا يمكن فهم الحركة التجارية الا في اطارها العام، المثلث المحاور الشرق الاقصى واوروبا الجسر الذي يصل بينهما ويعني به استاذنا بلاد الشام ومصر.

الاسواق: من المسلم به انه كانت لجميع المدن والمرافئ اسواق شبه دائمة كان بعضها ينشط بوصول السفن او القوافل التجارية اليها. وهي تشكل حسب الدكتور زيادة ركنا بارزا في المجتمع لانها صورة للحياة العقلية والاجتماعية، وكلما تعددت وازدهرت تعكس بالمقدار عينه النشاط في حياة الجماعة، وما ركودها الا نتيجة اضطراب شؤون المعاش والاحوال.[77] والاسواق العربية جعلت المجتمع دائم الحيوية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي لشدة تنوعها واستمرارها طيلة ايام السنة. فكان بعضها موسميا كسوق المربد في البصرة، واسواق بزاغة الى الشرق من حلب، وسوق ابن ادهم في جبلة[78] واسواق الحج، وتلك المتعلقة بهبوب الرياح الموسمية في الشرق الاقصى. وكان البعض الآخر اسبوعيا، ونوع ثالث شهريا، ناهيك بالثابت منها[79]. وكان لكل سوق دور بارز في انتظام الحركتين التجارية والاقتصادية. وكان في بعضها مراكز صناعية او على الاقل مشاغل صناعية شأن اسواق الجوهريين والدباغين والصيادلة والغزالين… وكذلك اسواق عكا وحلب ودمشق [80] ولهذا كانت مسقوفة اجمالا[81]. وهي لعبت دورا بارزا في تأمين تبادل السلع التجارية بين مختلف مناطق العالم القديم.

عوامل التجارة الصليبية: لا يستقيم الكلام على هذا الموضوع بمعزل عمّا كان عليه الوضع السياسي في العالم الاسلامي انذاك؛ كانت الخلافة العباسية قد تمزقت الى دويلات ودول في مصر وبلاد الشام وفي اطرافها الشرقية. ونجح الشيعة الاسماعيليون باحتلال مصر عام 358/969 بعد ان كانوا انشاءوا خلافة لهم في المغرب سنة 297/909 . وتمكّن السلاجقة بعد سيطرتهم على العراق من ارجاع الهيبة والقوة للعباسيين، ولكنهم لم يلبثوا ان ضعفوا ونشأت في كنف سلطنتهم اتابكيات تنتمي اسميا الى السلطنة السلجوقية وكانت في الوقت عينه تتصارع فيما بينها.[82] وعلى الرغم من هذا الوضع المهتز في العالم الاسلامي فان التجارة فيه ومنه واليه بلغت مرحلة مزدهرة جدا في القرنين العاشر والحادي عشر قبل اندلاع الحروب التي سميت فيما بعد (صليبية).

وكان للتجار الغربيين وبخاصة الايطاليين، قبل اندلاعها، تجارة مهمة في المشرق العربي لا سيما في الاسكندرية وبيروت وطرابلس وصور، وينوبوا عنهم اثناء غيابهم وكلاء تجاريون،[83] كانت لهم في الوقت عينه علاقات تجارية مهمة مع القسطنطينية وغيرها من موانئ البحر الاسود ولا ادل على ذلك من المعاهدات التجارية التي عقدت بين الطرفين.[84]

لن ندخل في اسباب الحروب الصليبية وفي جدليتها المتعددة الوجوه والاهداف، انما سنتوقف قليلا عند العوامل الاقتصادية التي دفعت الاوروبيين للمجيء الى المشرق العربي لأنها كانت، على ما اعتقد،  في اساس الهجمة الصليبية، ومكتفيا بنقلها كما رآها الدكتور زيادة.

كانت قوة الاساطيل الايطالية تتطوّر بشكل ملحوظ في مقابل الضعف الذي كان ينال من الاسطولين الاسلامي والبزنطي على السواء، حتى كادت تكون سيطرة الايطاليين شبه تامة في البحر المتوسط. ذلك انه لم يكن لبعض المدن الايطالية كالبندقية مورد رزق سوى التجارة مما جعلها تعتمد بشكل شبه تام على البحر.

وشهدت اوروبا حركة ازدهار اقتصادية ملموسة على اكثر من مستوى، ولعل من ابرز مؤشراتها تطور الزراعة في فرنسا نوعا وكما فازدادت ثروة الفرنج وصار بمقدورهم دفع ثمن السلع المستوردة عينا من انتاجهم الزراعي. وتقدمت صناعة الاقمشة في البلاد الفلمنكية وفي فرنسا وصارت تنقل الى الموانئ الايطالية لتحل مكان السلع المستوردة من المشرق العربي. وجهد المسؤولون في اروربا للاهتمام بالطرق من اجل حسن سير التجارة، ولتأمين انتقال الحجاج الى زيارة اماكن بعض القديسين التي تحولت مراكزهم اسواقا موسمية لتبادل السلع المصنوعة محليا وتلك القادمة من الشرق. وسهّل سك النقود تبادل السلع نقدا عوضا عن المقايضة العينية فتحسّنت العمليات التجارية[85].

 ان هذا التطور الاقتصادي الاوروبي ادى  الى رفاه في المجتمعات الاوروبية التي صار بمقدورها شراء السلع المرتفعة الثمن. وادى نمو المدن في غرب اوروبا ثم في وسطها وكذلك تركيز الصناعة في اسواقها الى ازدياد في زخم التطوّر الاقتصادي الاوروبي بحيث صار سهلا اتقال التجار من مدينة الى اخرى والتمركز فيها حاملين معهم سلعهم[86].

فاذا كانت هذه الاسباب قد شكّلت دوافع لنمو التجارة في اوروبا فان عوامل اخرى فاقتها اهمية واوصلت الحركة التجارية الصليبية الى اوج ازدهارها. واعني بها الامتيازات التجارية، التي حصلت عليها بعض المدن الاوروبية خصوصا الايطالية او”الجمهوريات الايطالية” مثل البندقية وجنوا وبيزا وآملفي… في المدن الساحلية المشرقية بدءا من انطاكيا وحتى حدود مصر لقاء خدمات الايطاليين العسكرية التي لولاها لما اقدم الفرنجة على المجيء الى المشرق العربي ولا تمكنوا من احتلاله.[87]

 كانت جنوا اول المدن الايطالية التي شاركت بالحملة الاولى على المشرق سنة 1097-1098 ثم تلتها بيزا، ولكن الثقل العسري المهم شكلته البندقية فيما بعد[88]. ونالت جنوا مقابل خدماتها كنيسة وسوقا وثلاثين حيا في انطاكيا، وحازت بيزا وآمالفي مثل ذلك في اماكن اخرى. اما البندقية فقد استخدمت قوة كبيرة من السفن والمحاربين وعلى فترات متلاحقة ما جعل حصّتها في المملكة (اللاتينية) حيا بالقدس وربع ميناء عكا وثلث مدينتي صور وعسقلان. ومنح تجار البندقية حرية التجارة في ارجاء المملكة واعفوا من ضرائب في الموانئ والاسواق. هذه الامتيازات جعلت احياء الايطاليين مناطق خاصة وشبه مستقلة ضمن المدن يدير شؤونها قناصل ايطاليين.[89]

الحركة التجارية او الميزان التجاري: ان المعلومات الرقمية حول هذا الموضوع تستدعي العودة الى ارشيف المدن الايطالية، وبما الامر صعب جدا[90] استعاض الدكتور زيادة عنه بالاعتماد على حركة تبادل السلع بالمراجع الاجنبية التي اعتمد بعضها جزئيا على الارشيف المذكور. فقد رأى ان التجارة في الخليج العربي والمحيط الهندي ازدادت زخما بما كان يصلها من سلع الشرق الاقصى المطلوبة في المشرق العربي وفي اوروبا، وبالسلع الاوروبية الموجّهة الى الشرق الاقصى بفعل نشاط الاساطيل التجارية الايطالية، حتى بلغ به الموقف الى القول: ان تجارة بلاد الشام الساحلية اصبحت موجهة نحو الحاجات الاوروبية[91]. وفي الوقت عينه اخذت اوروبا تعنى بتصدير ما تصنعه الى الشرق عن طريق الموانئ الصليبية في المشرق العربي وعبر الاسكندرية ودمياط. ومن ناحية ثانية كانت تلبي حاجات الفرنج من بلادهم ولا سيما الثياب للمناسبات الرسمية، وتعود محملة بانواع السلع المشرقية المطلوبة في اوروبا[92]. ويعتقد مؤرخنا بالاستناد الى مجموع الوثائق التجارية ان تجارة اوروبا مع موانئ شرق المتوسط الشامية في النصف الاول من القرن السادس/الثاني عشر جاوزت مجموع التجارة بين اوروبا وبيزنطة ومصر مجتمعتين.[93]

هذا باختصار كل ما زوّدنا به الدكتور نقولا زيادة حول التجارة المثلثة الاتجاهات: الشرق الاقصى، العالم الاسلامي المشرقي، واوروبا. وهويعتقد ان حجم التجارة اي القيمة المالية التي كان يتم تبادلها بلغت اقصى اتساعها في فترة الحروب الصليبية، علما ان التجارة العالمية قبل ذلك كانت مزدهرة. وبالتالي فان الحروب بين الصليبيين والمسلمين لم تُفْقد التجارة زخمها بل عمل الفريقان على اطرادها[94]، خصوصا ان السفن صارت اكبر واسرع بفعل تطوّر صناعتها، ما جعل الاعتماد  على النقل البحري اكثر جدوى من النقل البري، الامر الذي ادى الى تطوّر الملاحة والطرق البحرية والى تحديد مواعيد ثابتة لرحلات السفن من حيث قدومها الى المشرق العربي وعودتها الى اوروبا، وقد اطلق بعض المؤرخين الاوروبيين على هذه العملية اسم “سفن المدة”[95].

واستطرادا نقول انه لا يمكن فهم الحركة التجارية الا في اطارها العام من حيث وضع البلاد الجغرافي وما حصل فيها من تطوّر او تقهقر في الموانئ والطرق التجارية والسلامة عليها، والاخذ بالاعتبار الوضع السياسي والعسكري تأزيما او مهادنة، ولايفهم ايضا الا في اطار المعاهدات التجارية التي كانت تتم بين التجار والحكام في المشرق العربي، وهذا امر اشار اليه الدكتور زيادة بشكل سريع جدا ومن دون تفصيل. فالعالم آنذاك كما تصوّره مؤرخنا :” هو وريث عالم اقدم تدور حياته الاقتصادية والسياسية وحتى الثقافيةحول منطقتين:… غربية وهي دائرة حوض المتوسط، والثانية شرقية…هي الصين والهند وهذه المنطقة فيها المحيط الهندي وذراعاه الخليج العربي والبحر الاحمر وامتدادته.”[96] ويضيف ان هناك جسرا كان يربط بين المنطقتين تمثّل ببلاد الشام[97]، وكأنه ضمنا يبرز دور الموانئ الشامية في التجارة العالمية، معتمدا نظرية جيوسياسية تقارن بين مرحلتي التاريخ القديم والتاريخ الوسيط؛ ففي الاولى لم يلحظ وجودا لبلاد الشام لأنها كانت جزءا من الامبراطورية الرومانية، واعطاها في الثانية دورا محوريا لأنها كانت في صلب العالم الاسلامي. واكتمالا لصورة الحركة التجارية يضيف:” كان لعالم البحر المتوسط امتداداته…في البحر الاسود…”[98]

الصيرفة

لا تقتصر الحركة التجارية على عملية بيع وشراء السلع او مقايضتها، وعلى الاسواق من حيث توفّر السلع…بل ايضا على مقدار الضرائب المجباة، وكمية النقود المتداولة وانواعها، وعلى حركة الصيرفة، وخضوع كل ذلك الى تشريعات ترعى تطبيقها. ويمكن البحث في الامور المالية واساليبها على ركيزتين: المعاملات الرسمية، والمعاملات الخاصة. ومن العسير فهم الحركة التجارية وموضوع الصيرفة بمعزل عنهما.

 وتجدر الاشارة الى انه حتى القرن الرابع/العاشر كان النقد “في شرق عالمنا فضيا وكان ذهبيا في غربه” ثم صار بعد ذلك ذهبيا في كل التبادل التجاري العالمي.[99]وكان المشرق العربي غنيا ماليا اجمالا وزاد في غناه المالي تدفق الجاليات الايطالية اليه واستقرار بعضهم في المدن الخاضعة للسيطرة الصليبية، وبذلك التقت فيه النقود البيزنطية مع الدينار العربي والنقود التي سكّها الصليبيون مثل الدينار الاسلامي.[100]ان هذا الكم من النقود المتنوعة المصادر والنشاط التجاري المتزايد اوجبا ايجاد مراكز مصرفية، وفي الوقت عينه مؤسسات مالية رسمية. وكانت الجمهوريات الايطالية تملك مصارف ضخمة توزّعت فروعها في انحاء عديدة من العالم بما فيها المدن الصليبية في المشرق ما اسهم قي تسهيل عملية التبادل التجاري.[101]وقابل هذا العمل المالي مراكز مصرفية مشرقية مهمة جدا كانت السبّاقة في هذا الميدان كما سنلاحظ ذلك في الصفحات اللاحقة.

المعاملات الرسمية: عرّفها الدكتور زيادة بما يلي:” تشمل هذه جمع الضرائب من المناطق المختلفة وتحويلها الى العاصمة والقيام باقراض اهل الحكم، والحفاظ على اموالهم الخاصة.”[102]وكان يقوم بمهامها عدد من الموظفين من ابرزهم:

الجهبذ: هي وظيفة قديمة جدا تعود الى ايام الساسانيين، وعُمل بها منذ بدايات الدولة العربية الاسلامية، وافرد لها العباسيون ديوان خاصا. وكان من مهامه استلام الوارد من الخراج وغيره من الضرائب، وتحضير حسابات شهرية وسنوية بالمداخيل.[103]

ادارة الاموال: كانت الاموال خلال العصور الوسطى وفيرة جدا في ايدي التجار وكبار موظفي الدولة. ويعمد هؤلاء ولا سيما التجار الى اخفاء ثرواتهم خوفا من مصادرة ارباب الدولة لها اما بدفنها في الارض او يعهدون بها الى الصيارفة، لأن الجهابذة والصيارفة يقومون بنقل الاموال الخاصة والرسمية ويدينون الاموال للمؤسسات الرسمية وللاشخاص.[104]

كان الصيارفة وغيرهم من الموظفين الماليين ممن يديرون اموال ارباب الدولة يحصلون على عمولة عليها، وينالون ارباحا اخرى تنتج عن اختلاف اسعار النقد، ومن الفوائد على الديون. هذا ناهيك ان هؤلاء كانوا يقومون بجميع انواع التجارة أكان في النقد او في السلع.[105] ويقول مؤرخنا ان :” المعاملات المالية والتجارة والصيرفة كانت مترابطة فيما بينها في ذلك الزمن، ومن التنظيمات التي تمت ايامها انشاء اول مصرف رسمي سنة 301/913″ [106]  . وقد اقتضت الامور والمؤسسات المالية قيام شركات تجارية او مصرفية.

الشراكة: ان كثرة الاموال ووفرتها في القرون الوسطى ادت الى انشاء الشركات التجارية من اجل تسهيل التجارة والحصول على اكبر قدر ممكن من الارباح. واذا كانت الشراكة قديمة العهد عند العرب وترقى الى ما قبل الاسلام، فانها انتظمت في التشريع الاسلامي وقوننتها كتب الفقه.

 ويمكن اعتبار تجارة المفاوضة النوع الرئيس في الاتجار وقد تكون بين شريكين او اكثر، وكل ما يتجر به بيعا وشراء خاص بالشركة، والشركاء مسؤولون بالتساوي، والشريك هنا كفيل.[107]

وتعتبر “تجارة العنان” الوسيلة الثانية للاتجار، واساسها هو كل ما لا تقبله شركة المفاوضة. وقد يشترك في تأسيسها وادارتها طرفان او اكثر، وقد تتخصص بنوع واحد من الثياب، وفي هذه الحال لا يكون الشريك كفيلا.

وكانت الشركات لا تحبّذ نقل الاموال بين الاماكن المتباعدة او من بلد الى آخر بسبب الاخطار المتعددة التي قد تصادف ناقل الاموال على الطرقات، لذلك اعتمد على “الصك” وسيلة بديلة عن الاموال النقدية وهو يماثل الشك في ايامنا. هذا اضافة الى ان التجار قد يحتاجون احيانا الى الاموال فكانوا يلجؤن الى الصيارفة يستلفونها منهم بالطريقة عينها. استخدم الصك في كامل البلاد الاسلامية في الشؤون الكبيرة والصغيرة. كانت الارباح على الصكوك كبيرة جدا لان الصيارفة كانوا يتقاضون درهما واحدا عن كل دينار في صك، وازدادت ارباحهم كثيرا عندما تعاملوا مع الحكومات .[108]

واستخدمت “السُفْتَجة” (مشابهة للصك) كوسيلة اخرى لنقل الاموال وكان معظم التعامل يتم بها بين الجهابذة. والى جانب السفتجة والصك، الذين اعتمدا في نقل الاموال، استخدمت الحوالة في جميع اصناف المبادلات المالية والتجارية اي التعامل بالسلع على انواعها.[109]

كان هناك صنف آخر من التجارة عرف بتجارة الصداقة او الصحبة وهي تقوم بين تجار يعيشون في اماكن متباعدة. وقوامها ان يرسل تاجر بضاعةً الى آخر لا يعرفه شخصيا انما يتمتع بسمعة طيبة، فيبيعها له هذا ويحاول الحصول على اكبر قدر ممكن من الارباح من دون ان يتقاضى عمولة لقاء هذه الخدمة، ومن ثم يرسل ما حصل عليه الى تاجر قريب منه كان المرسل اعتمده وكيلا عنه. وكان هناك صنف آخر من الشراكة عرف بشراكة الاسرة قوامها الآباء والاخوة والاعمام.[110]

وكيل التجار: وقد وجدت فئة من التجار لم تعثر على تجار مراسلين تتعامل معهم فنشأ عنها منصب “وكيل التجار” ويقول فيه مؤرخنا:” قد يكون مجرد رجل عادي يتعامل في تجارات صغيرة، او تاجرا كبيرا يتعامل مع كبار التجار لقاء مبلغ معيّن من نسبة الارباح. وفي هذه الحال يكون هو نفسه تاجرا ثريا معروفا، وتكون له “دار وكالة”…وهو يعتبر نقلا عن Goitein ان منصب القنصل في الجاليات الايطالية نشأ عن المنصب المذكور.[111]ويضيف غويتن ان المدن التجارية الكبرى مثل الفسطاط وصور وحلب… حفلت بالكثير من الوكلاء التجاريين حتى ان بعض البلدات العادية كان فيها وكيل تجاري[112].

توابع تجارة: واقتضت التجارة على اختلاف انواعها تأمين “توابع تجارة” ومنها : استئجار اشخاص لحراسة للسلع ونقلها، او لايداع السلع عند اشخاص آخرين تمهيدا لبيعها او تخزينها لحين الحاجة اليها. وفي مثل هذه الوضعية قد يتطلب الامر تمديد المهلة الزمنية للاعتماد المالي.[113] واقتضت التجارة ومستلزماتها المالية والادارية تشريعات فقهية افتى بها المذهب الحنفي ولا سيما في ما يقتضيه ” تحصيل الربح” من العمل التجاري.[114]

منهج نقولا زيادة في دراسة التجارة والصيرفة:لا يمكن فهم شغف نقولا زيادة بالرحالة اذا لم نكن قد عايشناه واستمعنا الى رؤيته للاحداث والى تعليقاته عليها، او ان نقرأ بامعان مؤلفاته وندخل الى اعماق تفكيره، فهو نفسه كان رحالة بامتياز. ولست اغالي ان قلت، كونني كنت تلميذه وصديقه على مدى اربع وثلاثين سنة، انه زار معظم البلاد والمدن بل الاماكن التي تحدث عنها في مؤلفاته.

ولنستوعب منهجه يجب ان ندرك انه كان شغوفا بعادات الشعوب واساليب معاشها؛ استهوته الاسواق ولا سيما الاسواق العربية ما جعله يولي دراستها عناية خاصة في مؤلفاته، فوصفها بكثير من الدقة من دون ان يهمل الكلام على الانجازات البنائية على اختلاف انواعها وهندساتها المعمارية للبلاد او المدن التي تناولها.

ولعل ما يحدونا لفهم اهتمامه بالتجارة، هو اعتباره لها شكلا حضاريا متطوّرا يتوافق مع نظرته التاريخية المبنية على الولع بدراسة الانجازات الحضارية. فهو قلّما أرخ لمواضيع عسكرية صرفة، وما كان تناوُلُه لبعضها بشكل سريع الا للإضاة على نواح حضارية تخدم موضوعه. لم تكن تهمه التفاصيل العسكرية الا للمعارك التي انتصر فيها من لم يكن يُنتظر انتصاره. كان يركّز على ابداعاته العسكرية الفذة، انطلاقا من اهتمامه بنتائج المعارك الايجابية اوتداعياتها بعد ان يكون تحدث بعمق عن اسبابها.

واذا تفحصنا مؤلفات الدكتور زيادة من حيث التركيب البنيوي نلاحظ: ان معظمها قُسّم الى فصول او نقاط او اقسام رئيسة، يضم كل واحد منها مجموعة ابحاث متجانسة الى حد او متقاطعة مع المحور الرئيس.  من هذا المنطلق لم يدرس  التجارة كموضوع مستقل وفي كتاب تام، بل تطرق اليها من خلال ابحاث كان انجزها منذ فترات بعيدة قدّم بعضها في ندوات او مؤتمرات علمية، والبعض الآخر نشره في دوريات متخصصة، ثم جمعها وفق تجانس مواضيعها ومراحلها الزمنية ووزعها على عدد من مؤلفاته مثل:” مشرقيات في صلات التجارة والفكر ” و”عربيات حضارة ولغة” و”متوسطيات تجارة وحياة فكرية” هذا اضافة الى مقالات موجودة في ارشيفه لم تنشر بعد او ان بعضها على طريق النشر، وهي التالية:” من جنوب الجزيرة العربية الى شمالها” و”اقدم خط بحري في العالم القديم” و”طرق التجارة العالمية ومراكزها” و” التجارة والصيرفة من اواسط القرن الرابع الى اواسط القرن السادس للهجرة”.

لذلك، لا يمكننا دراسة التجارة عند نقولا زيادة على انها كل متكامل وفي كتاب واحد، لأن بعض المواضيع تكررت فيها معلومات ذكرت في ابحاث سابقة او اخرى لاحقة تبعا لتوالي صدورها الزمني. وللاضاءة على دراسة التجارة في التاريخ القديم علينا اعتبار بحث” دليل البحر الارثري” الصادر في سبعينيات القرن الماضي[115] مقدمة لما سيليه من ابحاث تتعلق بالتجارة في تلك الفترة، او انا على الاقل اعتقد ذلك. وقد حاول المؤلف ان يجمع هذه الابحاث بل يصنّفها ضمن الكتاب الواحد الذي تتآلف فيه. ويؤكّد هذه النظرة البحوثُ التي تليه في (مشرقيات) مثل: “تجارة البحار الشرقية في العصور الوسطى”، و:” تطوّر الطرق التجارية بين البحر الاحمر والمحيط الهندي”. ما يعطي دليلا دامغا على ان المؤلف لم يرد دراسة التجارة بشكل متكامل ومطرد بل جزّءها تبعا للعصور وتواؤم ابحاثه معها. وقد تداخلت معلومات الابحاث فيما بينها ما يعني ان مؤرخنا كتبها بالتدرج مستعينا لبعضها الاكثر حداثة بمعلومات استقاها من سابقاتها، مطوّرا الجديدة بمعلومات اضافية اكثر حداثة.

جاءت التجارة في العصور الوسطى كناية عن ابحاث يتطرق كل واحد منها الى موضوع محدد يتناسب مع العناوين المتجانسة في فصل محدد من احد كتبه التي ذكرت، قد يكون عن تجارة منطقة جغرافية او دولة معينة في فترة التاريخ القديم يرقى الى ما قبل الميلاد ويتجاوزه الى ما بعده[116].ولا بد من الاشارة هنا الى ان المقالات في كتبه وارشيفه متداخلة، بل ان بعضها يزاوج بعضا آخر حتى ان مقاطع حرفية او شبه حرفيا استخدمت في اكثر من بحث. ما يجعل كتاباته في موضوع التجارة  ككل تفتقر الى خط محوري واضح يشد اجزائها بعضها الى البعض الآخر ويؤسس الى مركزية الموضوع. فالمحور غير مقسّم الى نقاط رئيسة تستند الواحدة على الاخرى او تمهّد لما سيليها، وتمنع التكرار. وبالتالي فان هذه الابحاث تتحدد بارتباطها بموضوعي التجارة والصيرفة، وبالانتماء العام الى الحضارة التي تشكل عمودها الفقري، وهذا لا يبخسها قيمتها العلمية الراقية ولا فهم مؤرخنا لابعاد التجارة عبر العصور من حيث الطرق التي تبّدل بعضها بفعل عوامل سياسية او ادارية، ومن حيث الموانئ ايضا التي ضعف بعضها وتطوّر بعضها الآخر. وخصوصا انه يتابع مصادر السلع وانواعها واهمية كل منها في التجارة العالمية، ليعطينا معلومات عن اهمية بعض السلع وتطوّر تصديرها منذ ما قبل الميلاد وحتى اواخر العصور الوسطى شأن البخور والمر واللبان والحرير والتوابل والافاويه والاقمشة… ومن الملاحظات المهمة في ابحاث الدكتور زيادة ان كل واحد منها يرسم مصورا جغرافي للبلاد التي يتناولها، فتدرك انك امام جغرافي بارع يهدف الى ايصال المعلومات التي يريد باكبر قدر ممكن من ايضاح الصورة وبايجاز ملفت للانتباه. فمؤرخنا لم يحاول اعادة صوغ ابحاثه في كتاب واحد مبني على معطيات ابحاثه بل اكتفى منهجيا بما ذكرت. ربما ليعرف القارئ بتطوّر تفكيره ومنهجه منذ بدايات حياته البحثية والاكديمية.

يعرفنا الدكتور زيادة باسماء المناطق والمدن التي كانت تشتهر بها عبر التاريخ القديم والوسيط وباسمائها الجديدة مثلا: قنا = بير علي، واورغانا = هرموز، وجزيرة اوركتا = قشم، ونهر أناميس = ميناب، وموزا = مخا، لوكي كومي = الحوراء. [117]وهي ميزة مهمة جدا في البحث الاكديمي تضع القارئ على الخط الجغرافي الصحيح.

ويقتبس احيانا في اسلوبه نهج الرحالة العرب والمسلمين خلال العصور الوسطى، بمنهج جديد يعتمد على وحدة الموضوع والتدرج التاريخي. ويعزز هذا الرأي ايراده في مؤلفاته لمقاطع طويلة جدا مأخوذة بحذافيرها عن الرحالة العرب. اما لغته عربية فهي ممتازة تركيبا واعرابا ووضوحا في الافكار، سلسة خالية من الابهام والتورية والوصف الشاعري، كتبت باسلوب علمي سهل خال من الجفاف.

اعتمد مؤرخنا الكبير في كتاباته حول التجارة على المصادر العربية خصوصا مؤلفات الرحالة والجغرافيين العرب، الذين بوّأهم منزلة عالية للصبر المنقطع النظير على المشقات والمخاوف التي كابدوها في رحلاتهم، ولوصفهم الدقيق للاماكن التي زاروها ودوّنوا مشاهداتهم عنها، ولا سيما ان الدكتور زيادة زار معظم الاماكن التي وردت في مؤلفاتهم. ونبع تقديره لهم ايضا من المعلومات الحضارية التي زوّدونا بها عن الطرق والموانئ التجارية وكل ما له العلاقة بموضوع التجارة.

 ويؤخذ عليه اعتماده بشكل رئيسي على المراجع التي كان يثق بها ولا سيما الاجنبية منها اكثر من استخدامه المصادر. فمثلا استقى معظم معلوماته عن الصيرفة من مرجعين اثنين اجنبيين هما Goitein و Fischel الذين بدورهما استقيا معلوماتهما، على ما اعتقد، من المصادر الفقهية كمؤلفات الطوسي صاحب “النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى”، والسرخسي صاحب ” المبسوط”، والكاساني في ” بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع”[118]وغيرهم.

كان نقولا زيادة يخزّن في ذاكرته الكثير من المعلومات التي استقاها من المصادر والمراجع او من المشاهدات العينية، لذلك قد نقرأ له فقرات بل صفحات احيانا من دون ان نجد فيها هامشا واحدا، بل بحثا تاما من دون هوامش. اذ كان يكتفي باحالتنا على المصادر والمراجع التي تطال البحث المذكور والتي كان قد تبحّر فيها. كان شديد الثقة بمعلوماته، معتمدا على ذاكرة قل نظيرها في تخزين المعلومات لازمته حتى آخر يوم من حياته، كانت قادرة على حفظ الحدث وتخزينه لمدة طويلة بشكله شبه التام. ومما زاد في ثقة معلوماته انه كان يقرأ بطريقة الباحث الواعي فما كان يفسح في المجال لمرور بعض الافكار من دون ان يستوعبها. ومن يطالع كتبه الشخصية التي قرأها ( كان لي شرف الاطلاع على بعضها) يجد انه دوّن ملاحظات على هوامشها اوتعليقات على مؤلفيها خصوصا اؤلئك الذين كانوا يقعون باخطاء على مستوى الحدث التاريخي او الموقع الجغرافي. ولطالما حدثني عن اساليب مؤرخين وكتاب مشهورين كان يأنف من قراءة مؤلفاتهم بسبب صياغتها المتكلّفة، او لان افكارا مبهمة ترد فيها احيانا، واسلوبها غير مباشر ومفرط في التوريات…

رحم الله استاذي الكبير الدكتور نقولا زيادة، الذي اكن له تقديرا واحتراما منقطعي النظير،  وآمل من روحه الطاهرة ومن القراء الكرام ان يغفروا لي هفوات قد اكون ارتكبتها عفوا، او لانني لم افه حقه وقدره العلمي.

انطوان ضومط  


[1] – زيادة(نقولا)، رواد الشرق العربي في العصور الوسطى، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ط2، 1986 سنرمز اليه (رواد)

[2] –  المرجع السابق، ص  92- 94

[3] –  لا ادري اذا كان هذا البحث قد نشر  حتى تاريخه، لأن الدكتور زيادة يشير في اعلى الصفحة الثانية منه  انه اعد للموسوعة العربية المعنونة ” الكتاب المرجع لتاريخ الامة العربية” في المجلد الثالث: الاوج والازدهار، وسأرمز اليه ب تجارة وصيرفة. وقد شاركت انا شخصيا في بحث عن الاقتصاد والمجتمع في عهد المماليك في الموسوعة عينها ولا ادري حتى تاريخه اذا كان تم نشره.

[4] –  زيادة(نقولا)، مشرقيات في صلاة التجارة والفكر، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 2002، ص 87-104 وسنرمز اليه ب مشرقيات

[5] –  مشرقيات ، ص88

[6] –  المرجع السابق ص 88

[7] – مشرقيات، ص87

[8]  – زيادة،(نقولا) مشرقيات ، ص 102.

[9]  –  ” كان العالم…تدور حياته الاقتصادية والسياسية وحتى الثقافية حول منطقتين: المنطقة الواحدة هي الغربية وهي دائرة حوض البحر المتوسط والثانية شرقية وتشمل مساحة اوسع ورقعة اكبر وهي الصين والهند؛ =

=وهذه المنطقة قيها المحيط الهندي وذراعاه الخليج العربي والبحر الاحمر…وكان ثمة جسر بري يوصل بين اجزائهما.”زيادة، مشرقيات، ص 133-134

[10]  –  مشرقيات ص 102 – 104

[11] –  مشرقيات، ص 92

[12] –  زيادة، مشرقيات، ص 105- 115 . لا يشير المؤلف متى اصدر هذا البحث وفي اية مجلة

[13] –  زيادة، مشرقيات، ص 105

[14]  –  المكان نفسه، عربيات، ص 184

[15]  –  زيادة(نقولا)، متوسطيات تجارة وحياة فكرية، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 2002 ، ص 68، وهناك تفاصيل اضافية توضح مسالك هذا الطريق في ” التجارة والصيرفة ” ، يذكر ما حرفيته:” يبدأ من شانغ-آن مرورا ب تشو وآن-هزي…ويتجه الى ميران…وكَشغر ثم الى طشقند وسمرقند وبخارى ومنها الى بغداد.” ص8 ، ولنا وقفة طويلة مع البحثين معا بدراسة طويلة.

[16] – فهمي،( نعيم زكي)، طرق التجارة الدولية ومحطاتها بين الشرق والغرب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1973، ص 154. وسنرمز  اليه ب طرق التجارة

[17] –  المكان نفسه

[18] –  زيادة، مشرقيات، ص 106

[19]  – المرجع السابق، ص122

[20] –  زيادة مشرقيات، ص107

[21] – تجارة وصيرفة، ص 9

[22] –  ضومط، (انطوان) وآخرون، الشرق العربي في القرون الوسطى، الدار اللبنانية للنشر الجامعي، بيروت، 1996، ص135-137،171-172، 182-184 . سنرمز اليه ب الشرق العربي

[23] – Gayet, Le Cours, Histoire du commerce, T II, Paris, 1923, p 315 سنرمز اليه ب Gayet

ضومط،( انطوان)، الدولة المملوكية، التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، دار الحداثة بيروت، ط1، 1980، ص 183 سنرمز اليه ب الدولة المملوكية

[24]  –  زيادة (نقولا)، عربيات حضارة ولغة، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 2002 ، ص 184  سارمز اليه ب عربيات

[25] – زيادة، مشرقيات، ص105

[26]– هناك العديد من المؤلفات التي تناولت هذا الموضوه نذكر منها: – Depping. G. B, Histoire du commerce entre le levant et l’Europe depuis les Croisades jusqu’à la fondation des colonies d’Ameriques.T I et II, T I. pp.33.36, 38,39 ….

المسعودي، (علي بن الحسن)، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق شارل بّلا، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1966 . سنرمز اليه ب مروج

Heyd, W. Histoire du commerce du Levant au moyen age ,T I et II    في اماكن عديدة

[27] – زيادة، مشرقيات، ص 105

[28] – زيادة مشرقيات، ص106

– عربيات ، ص 78

[29] – J. Oliver Thomson, History of ancient geography, New York, 1965, p. 134   Oliverسنرمز اليه

خصوصا ان العرب احتكروا تجارة البخور بنوعيه اللبان والمر، والطيوب والافاويه، والحجارة الكريمة.

[30] –  زيادة مشرقيات، ص 106-107

[31] –  زيادة، مشرقيات، ص 107

[32] –  زيادة، مشرقيات، ص 107

[33] –  المرجع السابق، ص108

[34]  –  يتوسع الدكتور زيادة بالحديث عن التجارة داخل الصين ونحن لن نتعرّض لهذا الموضوع لأن ما يهمنا هو التجارة في المشرق العربي الاسلامي منذ العصور القديمة وخلال العصور الوسطى التي هي موضوع اختصاصنا.

[35] –  زيادة ،متوسطيات، ص 59-118

[36] –  متوسطيات، ص 60-68، 73-74

– تجارة وصيرفة، ص 1-2

[37]  –  زيادة، متوسطيات، ص 68 ، عربيات، ص 168

[38] – متوسطيات، ص 69 ، تجارة وصيرفة، ص 3

[39] –  متوسطيات، ص 69، تجارة وصيرفة، ص 3

[40] – متوسطيات، ص 70

[41] – متوسطيات، ص 70، تجارة وصيرفة، ص4

[42] – متوسطيات، 70،

[43] – متوسطيات، ص 104

[44] –  لمزيد من الاطلاع انظر : ضومط (انطوان)، “ملامح من الاقطاع العسكري في العصور الوسطى”، مجلة المسرة، المطبعة البولسية، بيروت، 1985، العددان 719-720، ص 723-742 وسنرمز اليه ب ملامح

[45] – الشرق العربي، ص 112-114، 135-138،171-174،182-184،235-238

[46] – لمزيد من الاطلاع على الطرق بين الشرق والغرب انظر: طرق التجارة، ص 118، 124، 154، 161 ، وضومط، الدولة المملوكية، ص 182_184

[47] – انظر على سبيل المثال الطريق الذي يربط البحر الاحمر بالفسطاط، متوسطيات، ص 139، وكذلك الطريق بين الخليج العربي والشام، متوسطيات، ص 103

[48]  –  عربيات، ص، 91، 165

[49] –  المرجع السابق، ص 191

[50] – نفسه، ص 190-191

[51] –  عربيات، ص 49-52

[52] –  عربيات، ص 178

[53] –  ضوط، الدولة المملوكية، ص 183

[54] –  ضومط، الدولة المملوكية، ص 184-188، وانظر ايضا: ضومط (انطوان)، ” التجارة الصليبية في المدن اللبنانية” مجلة تاريخ العرب والعالم، العدد  195 كانون الثاني يناير- شباط/ فبراير  2002  والعدد 196 آذار /مارس 2002 وسأرمز اليه ب التجارة الصليبية

[55] –  لقد رسمت انا عددا من هذه الطرق ولا سيما الطريق الذي يصل بين حلب وطرابلس وكذلك الطريق الذي كان يربط بني دمشق وبيروت او صور  معتمدا على ابن خرداذبه و ناصر خسرو والادريسي وابن جبير وابن بطوطة، فضلا عن مراجع اجنبية، انظر: التجارة الصليبية، العدد 196 ص 40-41

[56] – تجارة وصيرفة، ص 5

[57] – المكان عينه، متوسطيات، ص 105، 108، تجارة وصيرفة، ص 5

[58] – متوسطيات، ص 104، عربيات، ص  175، 191

[59] – المرجع السابق، ص 104-105 ، هربيات، ص  179

[60]– متوسطيات، ص 72

[61]  –  متوسطيات، ص 72 ،  عربيات، ص 49-50، تجارة وصيرفة، ص 6

[62]  –  عربيات، ص 131، تجارة وصيرفة، 3

[63] – متوسطيا ت، ص 73، 131- 132، تجارة وصيرفة، 13  

[64] –  متوسطيات، ص 143

[65]  – تجارة وصيرفة، ص  11

[66] – متوسطيات، ص 91 انظر تفصيل ذلك اعلاه.

[67] –  المرجع السابق، 73-74

[68] – متوسطيات، ص 74

[69]  –  متوسطيات، ص 72

[70]  – المكان عينه، تجارة وصيرفة، ص 5

[71] – متوسطيات، ص 132، عربيات، ص 174

[72] –  متوسطيات، ص 75،  تجارة وصيرفة، ص 16

[73] – متوسطيات، ص 100، 102، 133، 153، 148

[74]  –  متوسطيات، ص 137

[75] – عربيات، ص 168

[76]  عربيات، ص 168، 183-184، تجارة وصيرفة 6-7

[77] –  عربيات، ص 147

[78] –  المرجع السابق، ص 148

[79] – عربيات، ص 148، متوسطيات، ص 100، 139

[80] –  عربيات، ص 149

[81] –  المكان عينه، متوسطيات، ص 100-101

[82] – عربيات، ص 209-211 ، متوسطيات، ص  120، 125-128

[83] –  عربيات، ص  212-213 متوسطيات، ص 132 ولمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع انظر: Byrne, E.H Genosese Shipping in the twelfth and thirteenth Centuries Cambridge, 1930, pp.5-6

  • Cahen, C., “Le commerce d’Amalfi avant pendant et après la croisade”, Comtes-rendus de l’Académie des Inscriptions et Belles Lettres, Paris, 1977, pp.29-310, pp.295-296
  • ضومط، التجارة الصليبية، ص 7، 9_10. وهناك الكثير من المؤلفات التي تناولت هذا الموضوع.

[84] – متوسطيات، ص  132

[85]  – تجارة وصيرفة، ص 14

[86] – متوسطيات، ص 132-133،  تجارة وصيرفة، ص 14،

[87] – ذكر الدكتور زيادة بعض تلك الامتيازات بايجاز واضح، انما كانت هناك امتيازات اكبر واوسع ذكرتها مصادر متنوّعة بالتفصيل، انظرها في : ضومط، التجارة الصليبية، وساذكر بعضها في الهامش رقم 89  

[88]  –  زيادة (نقولا)، عالم الحروب الصليبية، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 2002، ص، 247-251  متوسطيات، ص 146، تجارة وصيرفة،  22-23

[89]  –  متوسطيات، ص 146-147 ، تجارة وصيرفة، ص 22-23 . تجدر الاشارة الى ان  الايطاليين حصلوا على امتيازات في صيدا وبيروت وطرابلس وغيرها. وحاول الفرنجة في اوقات عديدة الانقلاب او التملص منها ما ادى الى صراع بينهم وبين الفرنجة، ومن جهة ثانية سببت حروبا في ما بين الجمهوريات الايطالية نفسها. لمزيد من الاطلاع انظر: هايد،(ف) تاريخ التجارة في الشرق الادنى في العصور الوسطى، تعريب احمد محمد رضا، القاهرة، الهيئة المصرية العامة، 1985 4 اجزاء، ج1، 326، 329، سنرمز اليه (تاريخ التجارة). بالار (ميشال)، “الجمهوريات البحرية الايطالية والتجارة في الشام-فلسطين، من القرن الحادي عشر الى القرن الثالث عشر” ضمن كتاب الصراع الاسلامي-الفرنجي على فلسطين في القرون الوسطى، تحرير هادية الدجاني شكيل وبرهان الدجاني، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1994، ص 191، 194. ضومط، التجارة الصليبية، ص 16-20  

[90]  – لضخامة الارشيف ولأن  الوثائق كتبت بالايطالية القديمة

[91] – تجارة وصيرفة، ص 24

[92] –  متوسطيات، ص 149، تجارة وصيرفة، ص 24-25،  وانظر حول التبادل التجاري فصل السلع التجارية

[93] – تجارة وصيرفة، ص 24

[94]  –  متوسطيات، ص 107، 147،

[95] –  متوسطيات، ص 144-145 لمزيد من الاطلاع على موضوع مواعيد السفن او سفن المدة وتطور صناعة السفن انظر: ضومط: التجارة الصليبية، ص 44-45، و الدولة المملوكية، ص 211-212

[96] –  متوسطيات، ص 133-134

[97] – متوسطيات، ص 134

[98] – متوسطيات، ص 134

[99]  –  تجارة وصيرفة، ص، 35

[100] –  ضومط، التجارة الصليبية، ص 43

[101] – التجارة الصليبية، ص  44 ، تجدر الاشارة الى ان الدكتور زيادة لم يذكر هذا الموضوع ولكنني وجدت ان البحث يستدعي التطرق اليه ولو جزئيا.

[102]  –  تجارة وصيرفة، ص 35

[103] – تجارة وصيرفة، ص 37

[104] –  المرجع السابق، ص 38، ولمزيد من الاطلاع انظر المرجعين الذين استخدمهما الدكتور زيادة: الدوري ( عبد العزيز)، تاريخ العرب الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، دار المشرق، بيروت، 1986 ص 168

Fischel, Walter, Jews in the Economic and Political Lief of Medieval Islam, K T A V, Publishing House, New York, 1969, pp. 14-21

[105] –  تجارة وصيرفة، ص 39 ، وتجدر الاشارة الى ان كلمة “الشك” اصلها عربي اشتق من كلمة “الصك” انتقلت الى جميع اللغات العالمية

[106]  – تجارة وصيرفة، ص 39  

[107] –  تجارة وصيرفة، ص 40

[108] – المرحع السابق ص 40

[109] – تجارة وصيرفة، ص  42-43

[110]  –  المرجع السابق، ص 44، كان هناك شركات تجارية اخرى لم يذكرها الدكتور زيادة مثل: شركة الوجوه، وشركة التقبيل، وشركة الابدان لمزيد من الاطلاع انظر: الكاساني (ابو بكر)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، القاهرة، 1910، ج6، ص 57-58 ، والسمرقندي (محمد بن احمد)، تحفة الفقهاء، دمشق، 1964،ج 3، ص1

[111] – تجارة وصيرفة، ص  46 ، لمزيد من الاطلاع حول الصيرفة انظر: المرجع التالي الذي استخمه مؤرخنا بكثرة

Goitein, D. S.” Changes in the Middle East 950-1150 as illustrated by the documets  of the Cairo Geniza” in Islamic Civilization, ed. D.S. Richards. Oxford Cassieres, 1973

[112] –  تجارة وصيرفة، ص 46

[113] –  تجارة وصيرفة، ص 47 

[114] –  المكان عينه

[115]  – زيادة( نقولا)، ” تطور الطرق البحرية التجارية بين البحر الاحمر والخليج العربي والمحيط الهندي، دراسات الخليج والجزيرة العربية، العدد 4، السنة غير مذكورة كاملة(197)

[116] – انظر مثلا فهرس الموضوعات في “مشرقيات” و”عربيات” و متوسطيات”…

[117]  – عربيات، ص  71، 76، 78-79 ، مشرقيات، ص 92 وغيرها في كتبه الاخرى

[118] –  ان هذه المؤلفات وغيرها تبحّرت شخصيا بها، وهي غنية بكل ما له علاقة بالتجارة والصناعة والاحكام الفقهية حولها.

الاقطاع والارض في الاسلام.

لقد اوجد الاسلام مفاهيم جديدة لملكية الارض واقطاعها، وهي خضعت ، بوجه العموم ، لاهواء الحكام، على الرغم من محاولة الفقهاء الحد من تجاوزهم لمفاهيم الشرع وما تجدر ملاحظته ان ملكية الارض واقطاعها خضعت اجمالا للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتأثرة اصلا بالتحولات السياسية في دار الاسلام، لأن الارض شكلت المصدر الرئيسي للدخل لبيت المال بما كان يفرض عليها من ضرائب، وللسكان بما كانت تنتجه،  خصوصا بعد ان استقرت الدولة وتوقفت الفتوحات ونضب معين المغانم ونزع الحكام والارستقراطية الى حياة البذخ والترف.

1 – سياسة الرسول : اختطها ابان غزواته ونشر دعوته، ويمكن اجمالها بما يلي :

أ -مصادرة الاراضي التي اخذت عنوة لصالح بيت المال.

ب – تقسيم الاراضي او انتاجها بين المسلمين والذين خضعوا لهم.

ج – اقرار الذميين على اراضيهم بموجب عقود الصلح ، وتحديد الضرائب عليها.

أ – مصادرة الاراضي التي اخذت عنوة : كثيرون رفضوا الدعوة الاسلامية فاوجب الرسول قتالهم من دون ان يتخذ موقفا موحدا منهم : فاجلى بني النضير واحرق نخلهم ووهب اراضيهم للمهاجرين[1]، وجعل اموالهم حبسا لنوائبه[2]. وتقاسم مع يهود خيبر اراضيهم لتظل عامرة، ومن المرجح انه اقتسم الغلال معهم[3]. اما بنو قريظة فقد قتل رجالهم وسبى نساءهم وذراريهم وقسم اراضيهم على الاسهم بين المسلمين[4].

ب – صلح بلا قتال : وهي اراضي من قاتل المسلمين او من طلب الصلح منهم وقد عومل اصحابها ، في كلتي الحالتين، ما خلا بعض الاستثناءات، معاملة واحدة بحيث قسمت مناصفة بين المسلمين واصحابها، مثل يهود فدك[5]، ويهود وادي القرى والتيماء[6]، واراضي المسيحيين واليهود والمجوس في البحرين[7].

ج – اقرار ملكية الاراضي لاصحابها : وفي هذه الحال تظل الاراضي بيد اصحابها على ان يدفعوا عنها الخراج او العشر.

2 – سياسة الراشدين: سار بعضهم على خطى الرسول والبعض الآخر اجتهد مستعينا برأيه او بالصحابة، ويمكن توزيع سياستهم في نمطين :

أ – في جزيرة العرب : استند بعض الراشدين الى اقوال للرسول او ما نسب اليه ”  ( راجع سياستهم في ” الامة في الاسلام ” ).  فابو بكر استند الى قول للرسول ” انما هي طعمة اطعمنيها الله حياتي فاذا مت فهي بين المسلمين “[8] ، وتاليا قسم حصة الرسول، التي اعتبرت فيئا خالصا له، بين المسلمين.

   اما عمر فقد طبق مفاهيمه الدينية التي عهدناها في ” الامة في الاسلام ” على الذميين مستندا بدوره الى ما نسب للرسول :” لايجتمع دينان في جزيرة العرب ” فاجلاهم عن جزيرة العرب ” وقسم اراضيهم حصصا بين المسلمين بما فيها اراضي مسيحيي نجران وهم اصحاب عهد من الرسول نفسه. ولم يعدم وسيلة لتبرير سياسته، فهي حينا بسبب تفشي وباء بينهم، و من جهة ثانية اتهمهم بالنكث بالعهد، وثالثة بناء على توصية من الرسول ” اخرجوا المشركين من جزيرة العرب “[9] ، ورابعة لعدم الحاجة اليهم لتوفر الايدي العاملة الاسلامية على ما يزعم بعضهم، وبالتالي لم يعد من موجب لبقائهم بين ظهراني المسلمين[10].

    اما سياسة الراشدين خارج الجزيرة فقد خضعت ايضا لاجتهادات الصحابة ، وتركت الاراضي بيد اصحابها أكانت أخذت صلحا او عنوة على ان يؤدوا عنها الجزية، او الخراج ان تحوتوا الى الاسلام ، ما عدا بعض الاراضي التي استأثر بها الفاتحون بسبب مغادرة اصحابها البلاد.

     وهكذا فان الاراضي في المفهوم العام الاسلامي هي ملك بيت مال المسلمين، وللخليفة فقط او من ينتدبه الحق في توزيعها على المسلمين على ان يدفع عنها الخراج، ولا يحق له استرجاعها من شاغليها الا بناء على جرم او قلة العناية بها، كما يجوز لمن استصلح ارضا موات واستغلها ثلث سنوات من دون ان يعترض عليه احد امتلاكها او استغلالها تبعا لرأي الخليفة.

   وتبعا لذلك فان الاقطاع في الاسلام نوعان: تمليك واستغلال. وللتمليك شروط اذ يمكن اقطاع ارض موات لم يثبت صاحبها، واذا كانت الارض جاهلية جاز اقطاعها وتمليكها. اما اذا كانت اسلامية وبارت فلا تملك أعرف صاحبها ام لم يعرف[11]. اما الاراضي العامرة فلا يمكن تمليكها سواء كانت لذمي او مسلم في حال عرف مالكها، وان لم يعرف تصبح ملكا لبيت المال ووقفا مؤبدا، ويحق للخليفة او من يمثله اقطاعها لاي كان.

     اما اقطاع الاستغلال فهو جزية او اجر. وارض الجزية لا يجوز اقطاعها اكثر من سنة لأن صاحبها قد يسلم فتسقط عنه الجزية. وان كانت اجرا جاز اقطاعها لسنين عديدة[12]. ولاقطاع الاستغلال ثلاثة احوال: ان يقطع لسنين محدودة ومعلومة ويعين فيها رزق المقطع والخراج. ان توفي المقطع يعود الاقطاع حكما الى بيت المال. لا يجوز اقطاع الارض مدى حياة المقطع اذ يحق للخليفة استرجاعها بعد مرور سنة كاملة على تاريخ اقطاعها.

                        الاقطاع الاموي

 ارست سياسة الراشدين حق الخليفة وحده باقطاع الاراضي. وما ان استقر الحكم لمعاوية بن ابي سفيان حتى توسع في منح الاراضي لسببين: من اجل استصلاحها، وتوطيد دعائم حكمه. فقد اقطع بعض القبائل في الشام اراضي غير مملوكة في اماكن بعيدة عن المدن والقرى، وصارت بعد ان استصلحوها ملكا لهم. واختار من الاراضي التي كانت لملوك فارس  قسما لنفسه ووهب القسم الآخر لاقاربه. وحذا بعض خلفائه نهجه :فاصطفى عبد الملك بن مروان اراضي في السواد ( جنوب العراق ) اثر قضائه على ثورة مصعب بن الزبير ثم اقطعها لمناصريه. وفي عهد الوليد بن عبد الملك غمرت المياه مساحات واسعة في السواد قدرت قيمة استصلاحها بثلاثة ملايين درهم فاستكثر الخليفة الكلفة، لذلك منحها لاخيه مسلمة الذي عرض ان يدفع تكاليفها. وامتلك خالد القسري مساحات شاسعة في السواد بعد ان استصلحها، وقد قدرت اراداتها السنوية بملايين الدراهم ، حتى بات بمقدوره التأثير على اسعار السوق لكثرة محاصيلها. واكثر ايضا هشام بن عبد الملك من امتلاك الاراضي.

   وعلى الرغم من الدور الاجتماعي الايجابي لهذه الاقطاعات اذ ادت الى استقرار بعض القبائل الرحل ممن عملوا فيها، والى تحويل زعمائها الى ارستقراطية مدنية مالكة او مستغلة، فانها حددت معالم الاقطاع الاموي الذي يمكن اعتباره عشوائيا، غير خاضع اجمالا لقواعد الفقه، او أي تقليد سابق. كما كان لها من جهة ثانية دور سلبي اذ اوجدت ملكيات شاسعة اثرت بالضرورة على الملكيات الصغيرة. اذ بعد ان توقفت الفتوحات ، وصرف الناس مدخراتهم واموالهم التي نالوها من الغنائم من جهة ، ونتيجة للثورات والصراعات من جهة ثانية، انتشر اللصوص وقطاع الطرق وصاروا يغيرون على الملكيات الصغيرة ويعيثون فيها فسادا ونهبا. في حين ان اصحاب الملكيات الكبيرة انشأوا حرسا خاصا بهم ( ميليشيات ) لردع الناهبين ما حدا بالملاكين الصغار الى إلجاء ملكياتهم للملاكين الكبار ( طلب الحماية ) أكان اميرا ( ينتمي الى البيت الحاكم ) او قائدا عسكريا، او له سند قوي من الحكومة المركزية، لقاء مبالغ مالية. وبتعبير اوضح تحولت الملكيات الصغيرة ملكا للمالكين الكبار ويستردها المالكون الصغار عن طريق الاقطاع لقاء مقاسمة يحددها الطرفان لقاء حماية النافذ لاقطاعات المالكين الصغار من المغيرين، ويحد من جهة ثانية من تسلط الجباة عليهم. ولنا مثال صارخ على ذلك يتمثل بإلجاء جيران مسلمة بن عبد الملك اراضيهم له بعد ان وهبه اخوه الوليد مساحات شاسعة في السواد.

مساوئ الاقطاع الاموي : ادى التوسع في منح الاراضي وعملية الإلجاء الى مساوئ اجتماعية واقتصادية اذ شبه اختفت الملكيات الصغيرة، وخضع الفلاحون لتسلط اقطاعي قوي ونافذ، وقد يكون بيت المال اكثر الخاسرين خصوصا عندما صار بمقدور اصحاب الملكيات الكبيرة التهرب من دفع الضريبة او على الاقل التلاعب بقيمتها. واذا كانت هذه الخسائر المالية لم تظهر مباشرة بسبب وفرة الغنائم في البداية فانها برزت بحدة بعد توقف الفتوحات، ما ادى الى وقف عملية وهب الاراضي والاقطاع من دون مبرر كما فعل عمر بن عبد العزيز، والى رفع قيمة الخراج والجزية لسد العجز في موازنة الدولة. وذهب الذمّيون ضحية رفع قيمة الضرائب لان العشر غير قابل للتبديل، اما الخراج فكانت تتراوح نسبته بين 4/1 و2/1 المحصول. وقد تباينت نسبة جباية الجزية والخراج بين اقليم وآخر : ففي السواد تراوحت قيمة الجزية تبعا للمدخول بين 48 و 24 و12 درهما في السنة، ويمكن ان نطلق عليها في اصطلاح عصرنا الحاضر ” ضريبة تصاعدية ” واعتمد الجريب اساسا للخراج، وهو مكيال مساحي، فكان يدفع عن كل جريب حنطة ” قفيز ” ودرهم ، وفي جهات اخرى 4 دراهم عوضا عن الدرهم الواحد. وعن الشعير قفيز ودرهم او درهمين تبعا لجودة الاراضي، و10 دراهم على جريب الكروم ، و8 دراهم على النخيل، و6 على قصب السكر، وعلى الزيتون 12 درهما ، وعلى الخضار 3 دراهم.

   اما في الجزيرة الفراتية فكان مقدار الجزية ديناراً على الرأس ومدّي قمح، وقسطي زيت وخل، وتساوت الجزية فيها على كل الناس. وفي الشام حددت الجزية بدينار على الشخص في المدن، والخراج مقدار ضريبة الجريب على وحدة من الارض مقياسها ما يستطيع الرجل زرعه على حد تعبير عبد العزيز الدوري فضلا عن خل وزيت لقوات المسلمين، وبلغت قيمة الجزية  في مصر دينارين على كل شخص[13].

      الاقطاع لإاداري : بدأ دخول الاتراك في الجيش منذ بدايات العصر العباسي الاول، ويبدو ان المأمون زاد من اعدادهم وسجلهم في ديوان الجيش. واكثر المعتصم من الاتراك في الجيش حتى بلغت اعدادهم آلاف وسجلهم في الديوان وابعد العرب منه. وتعاظم شأن الاتراك حتى باتوا الحكام الفعليين في الدولة، وعمد المتوكل الى اتخاذ تدابير جديدة لتقوية السلطة المركزية وتوحيد البلاد.فعزل الوزير ابن الزيات وزملاءه التجار الاثرياء من مناصبهم الادارية لجمعهم بين وظائفهم واعمالهم التجارية بحيث استغلوا مناصبهم لزيادة ارباحهم على حساب بيت المال مسخّرين القوانين في هذا الاتجاه، واستعاض عنهم بخبراء في الادارة. وعمد الى رأب الصدع الداخلي في الدولة نتيجة تبنيها منذ عهد المأمون مذهب المعتزلة وممارسة الشدّة على الناس ليعتنقوه. فجعل المذاهب السنية الاربعة دين الدولة الرسمي، ومارس تدابير انتقامية تجاه الشيعة الرافضين لهذه السياسة الدينية الجديدة. وتبريرا لتصرفاته تلك انتقم من الذميين باحيائه الشروط العمرية، ففرض عليهم ضريبة على منازلهم ما كانت معهودة قبله، ما اثار ردات فعل، لا سيما انه طبق  تدابيره قسرا. وحاول تبديل بنية الجيش ليصبح موحدا لا يرتبط بقادته من دونه، بل لينصاع لأوامره وحده من دون وساطت القواد الكبار كالأفشين وغيره.كما قرر إلغاء سلطة آل طاهر في العراق وبلاد فارس او على الاقل تحجيمها، لأنهم شكلوا حكومة داخل الحكومة المركزية في بغداد بسيطرتهم على جباية الضرائب وتوليهم شرطة بغداد. ثم عمد الى حل الجيش التركي في سامراء وجزأه ثلاثة اقسام اناط كل قسم بأحد اولاده بعد ان قسم الدولة بينهم ثلاثة اقاليم اساسية.  وبما انهم كانوا قاصرين عين لكل واحد منهم مساعداً قادراً يرتبط بالخليفة مباشرة واناط به مهمات ادارية وضرائبية، وبالتالي نشأ اول اقطاع اداري في الاسلام. ومن اجل تنفيذ خطته عمد المتوكل الى انشاء جديد ” الشاكرية ” يكون ولاءه له وحده مستبعدا منه الاتراك. كما قرر دمج جيش سامراء ( الجيش التركي ) بالشاكرية منعاً للانقسام داخل الدولة، واضعافا لنفوذ الاتراك. ثم شرع يسترجع الاقطاعات الكبيرة من القادة الاتراك، وخاض معهم صراعا مكشوفاً ما ادى الى اغتياله.             

  ادت سياسة المتوكل الى ابعاد اجتماعية واقطاعية مهمة : 1 – قامت ثورات مسيحية في سوريا ولا سيما في حمص، وفي مصر ، وتمكن المسلمون من توسيع املاكهم في الارياف على حساب المسيحيين. وتفسخت البنية الاجتماعية في بغداد نتيجة سيطرة القادة الاتراك، بعد مقتل المتوكل، والصراع بين جيشي سامراء والشاكرية ما شجع نشوء الحركات الانفصالية.


[1] – الاموال ، ص 7 –8 ، ابو يوسف ، الخراج ، ص 68 – 69 ، البلاذري فتوح ، ص 31 – 32

[2] – البلاذري ، فتوح ، ص 33

[3] – سيرة ابن هشام ، ج2 ، ص 49 ، البلاذري ، فتوح ، ص 36 ، 41 ، الاموال ، ص 56 ، والوثائق السياسية ، ص 92 ، 95

[4] – الامكنة عينها

[5] – فتوح ، ص 42-43

[6] – المصدر عينه ، ص 47 -48

[7] – المصدر السابق ، ص 89-90

[8] – فتوح ، ص 45

[9] – الخراج ، ص 73-74 ، فتوح ، ص 36 ، 77 ، والاموال ، ص 99 ،198

[10] – نصرالله ، محمد علي ، نظام تطور ملكية الاراضي ، ص 60

[11] – القلقشندي ، صبح الاعشى في صناعة الانشاء ، ج13 ، ص113-114

[12] – المكان عينه

[13] – لمزيد من المعلومات حول الضرائب ، انظر : المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 77 ، والدوري ، مقدمة في التاريخ الاقتصادي ، ص30

المجتمع والاقتصاد في عهد المماليك

    استتب الوضع للماليك بعد انتصارهم على المغول في عين جالوت 1260، وقضائهم على بقايا البيت الايوبي، احياء السلطان بيبرس الخلافة العباسية في القاهرة عام 1261، وغدت دولتهم الفتية محور الاحداث الكبرى في المشرق العربي، وزاد باهميتها اخراجهم الفرنجة نهائيا من الشرق عام 1291، واستمر الوضع على هذا النحو حتى سقوطها نهائيا في الريدانية عام 1517. ولم يتوقف استقدام المماليك الاغراب الى مصر وبلاد الشام مدى العصر المملوكي كله، وعلى رغم اعتناقهم الاسلام استمرّوا متقوقعين في بيئتهم الخاصة ممارسين عادات وتقاليد ذات اصول تركية ومغولية. وشبه احتكروا موارد البلاد الاصلية، وحكموا وكأنهم اغراب عن البيئة المشرقية وان اكتسبوا بعضا من عاداتها، ما جعلهم منفصمين عن المجتمع المشرقي وفارضين مناخا اجتماعيا، وانماطا اقتصادية تركت بصمات خاصة على الحياة في مصر وبلاد الشام حددت سلوك الرعية الاجتماعي، وأثّرت على تطور الاوضاع الاقتصادية.

                      القسم الاول: المجتمع المملوكي 

اولا: المرتكزات المادية للتكوين الاجتماعي في العهد المملوكي:

    من العسير جدا دراسة المجتمع في العصور الوسطى بقسميه المديني والريفي نظرا لندرة المعطيات عن الوضع الريفي، ودراسة المجتمع المديني مرهونة بدورها بنسبة المعلومات التي توفّرها المصادر، لأنها اقتصرت اجمالاً على وصف العلاقات، بل المظاهر الخارجية للحدث من دون الخوض في شبكة العلاقات البنيوية المعقدة الرابطة للعلاقات بين الفئات (الطبقات) الاجتماعية، ما يعني ان الحركية الاجتماعية لا توفرها المصادر.

   وعلى هذا سندرس دور المدينة الاسلامية في ظل المماليك في التفريع الاجتماعي المرتبط اصلا بالوضع الاقتصادي، وبالتالي شبكة العلاقات بين الفئات المكونة للمجتمع بما فيها العسكري الاداري، والمدني ، والعلاقات الاقتصادية المتنوعة، ودور رجال الدين في كل ذلك. وباختصار حركية المجتمع المملوكي والعوامل التي أثّرت في تقلّباتها.

   درج المؤرخون بل المستشرقون على اعتبار المدينة المشرقية الاسلامية تعتمد نموزجا واحدا من الخطط يحدد وظائفها، وقد يكون من ابرز معالم هذه الخطط:

ا – السور: هو احد المعالم البارزة في المدينة الاسلامية، يحدد حجمها من حيث ازدهارها ونموّها، بل تطورها الديمغرافي، ويؤسس لخططها عبر الابواب التي تمركزت فيه. ويؤمّن الحماية للمدينة وسكانها في الحرب والسلم معا، وبالتالي قام بدورين اجتماعي واقتصادي، الى جانب دوره الامني عند تعرّض المدينة لأي هجوم، كما سيتبيّن ادناه.

2 –  شوارع المدينة وطرقها: اسست الابواب الكبرى للشوارع الرئيسة او المحورية، التي منها تفرعت شوارع ثانوية وطرقات فأزقّة. وعليها تمرّكز النشاط الاقتصادي، ومنها تفرّعت الاحياء والمحلاّت والحارات. فقد تمركزت احياء دمشق على شارع رئيسي مستقيم في وسطها يربط بين بابين: شرقي شرقا، والجابية غربا، ومنه تفرعت شوارع اخرى رئيسية مستقيمة  ينتهي كل واحد منها بباب[1]. ويمتد الشارع الرئيسي في القاهرة من باب زويلة الى بين القصرين حيث يتفرع منه طريقان احدهما يتجه شمالا والاخر يمينا، وتتفرّع منهما طرق وصولا الى الحارات والازقة.[2] كان للقاهرة عندما بنيت اربعة ابواب من الجهات الاربعة[3]، ما يعني انه كان لها شارع رئيسي آخر اقل اهمية من الاول الذي شيّدت فيه قصور الخلفاء، والمسجد الجامع، ومباني الادارة الرسمية، والبيمارستان،[4] وبالتالي فان التفرعات عليه تشبه تماما مثيلاتها على الشارع الرئيسي. ويبدو ان ابواب المدن كانت لها ابواب فرعية يصل عدد بعضها احيانا الى ثلاثة مثل الابواب المكمّلة لبابيْ الجابية والشرقي في دمشق.[5] وكذلك في القاهرة.[6] وكانت مهمة هذه الابواب الثانوية الفصل بين الاحياء،[7] ومن جهة ثانية انطلقت منها الأسواق الاخرى في المدينة. واذا كان هناك من استنتاج اولي لكثرة الابواب فانها دلالة على التطور العمراني المتلازم مع النموّ الديموغرافي، ما يؤشّر على حيوية ملحوظة.

3 – الاسواق: شكّلت الاسواق المنطلقات الرئيسة لخطط اية مدينة مملوكية ودليلنا على ذلك طريقة المقريزي بذكر خطط القاهرة اذ يستهل كلامه عنها قائلا:” وقبل ان نذكر خطط القاهرة فلنبتدئ بذكر شوارعها ومسالكها المسلوك منها الى الازقّة والحارات لتعرف بها الحارات والخطط والازقة والدروب وغير ذلك.”[8] وقد شُيّدت الاسواق على اطراف الشوارع الرئيسة ومتفرعاتها المتنوعة؛ ففي دمشق انتشرت على طرفي الشارع الرئيسي الاسواق المركزية ، والمساجد الكبرى، والحمامات العامة الرئيسية[9]. في حين توزعت على اطراف الشوارع الرئيسية المنطلقة من الشارع المركزي الانشطة التجارية والحرفية لكل حي، اضافة الى حماماته ومساجده[10]. وتوزعت من هذه الشوارع، وهي بوجه عام ضيقة نسبيا لانها رافقت المدينة منذ نشأتها ولم تطور، شوارع اخرى اقل اتساعا فجاءت احياء متلاصقة انتشرت فيها المحلات المكوّنة من  حارات شعبية مكتظة بالسكان[11]. وانتشرت في كل حارة ازقة شيدت عليها ابنية شعبية تفتقر الى ابسط الشروط الصحية. وقد انطلقت جميعها من شارع الحارة الرئيسي المعروف بالسويقة الذي يحوي الحمام العام، والفرن، والمسجد، والحوانيت التجارية والحرفية[12]. واسواق القاهرة تشابه من حيث البنى الاساسية والتركيب مثيلاتها الدمشقية.[13] فهناك السوق المركزي القائم على الشارع الاساسي او ما يسميه المقريزي” الشارع الاعظم او قصبة القاهرة”[14]. والشارع الرئيسي يشكّل نقطة الثقل الاقتصادي للمدينة وريفها، ففيه تجمّعت تجارة الجملة والمفرّق، والمؤسسات المصرفية ، والمحترفات.[15] ومن هذا السوق الاعظم تفرعت شوارع اقل اهمية، فاخرى ادنى منها قيمة واتساعا وصولا الى الدروب والازقة المتنوعة ومنها غير النافذ[16]. ويماثله شارع آخر:” هنا ابتداء خط بين القصرين.”[17] ويكمل المقريزي رسم خطط اسواق القاهرة بكل تفرعاتها كما في هذا النموذج:” فاذا السالك بدخول بين القصرين من جهة خان مسرور فانه يجد على يسرته درب السلسلة، ثم يسلك امامه فيلج على يمينه الزقاق المسلوك فيه الى سوق الامشاطيين المقابل لمدرسة الصالحية التي للحنفية والحنابلة، والى الزقاق الملاصق لسور المدرسة المذكورة…”[18]

   ويتبدى لنا من خلال كل ذلك ان اسواق المدن المملوكية متشابهة عموما من حيث البنية الاساسية، ووظائفها الاقتصادية والاجتماعية أكان في القاهرة، او في طرابلس[19]، او في دمشق، او غيرها. وكانت جميع الاسواق مسقوفة اما بقماش متين وسميك، او بالحجارة او الخشب حماية لشاغليها وزبائنها من الامطار وحر الشمس[20]، وتتيح فسحة محددة من الضوء كافية لإنارة السوق، وبإكتظاظ المحلات بالحارات غدا النور خافتا وغير كاف.[21]

   ويمكننا من خلال المصادر المملوكية التعرف الى انواع الاسواق في المدن المملوكية. فكان في دمشق ما يربو على العشرين سوقا متخصصا[22]، وفي طرابلس اسواق عديدة، وعدد المقريزي عددا وافرا من الاسواق في القاهرة[23]. ان اهمية هذه الاسواق تكمن في اختصاصاتها، فهي تدل اولا على تفرع طبقي ان جاز التعبير تبعا لاختصاص كل من الباعة، وعلى التجانس في ما بين باعة كل سوق. ما يدفعنا للاعتقاد ان ثمة ظاهرة اجتماعية بمعناها العلمي كانوا جميعهم يخضعون لها، وبالتالي يؤلفون فئة اجتماعية لها عاداتها وتقاليدها الخاصة. وتدل ثانيا، على رغم تمايز كل فئة، خضوعهم جميعهم الى عرف عام اوتقليد يحكمهم جميعهم بانتمائهم الى الباعة. ويدل ثالثا على مستوى تعامل كل فريق، تبعا لاختصاصه، مع نوع من الزبائن، وبالتالي على تمايز اجتماعي من حيث لا يدرون. ويدل رابعا على مستوى الدخل الذي ينعكس على مستوى الحياة الاجتماعية، على الاقل من حيث السكن، خصوصا ان بعض هذه الاسواق اقيم على حدود الحارت، وسنلاحظ لاحقا ان الحارات ، بوجه العموم كانت مقفلة بوجه الاغراب.

    ان المدن الاسلامية متشابهة عموما من حيث خططها ووظائفها الاساسية لأنه لغاية اليوم لم تبرز دراسات تناقض هذه الفرضية[24]. وكانت المدينة عبارة عن وحدات مدنية قائمة بذاتها لأهداف ادارية من جهة، ولمقتضيات اجتماعية من ناحية ثانية. وتتفرع الواحدة منها الى عدد من الاحياء تشكل وحدات اساسية للنواحي الاجتماعية والادارية والاقتصادية معا. ما جعل المدينة متداخلة فيما بين اجزائها كوحدة تامة، ومنقسمة على ذاتها من خلال الابواب والحارات الداخلية، بل كان كل حي والحارة الواحدة مكتفيا ذاتيا ويستمد روابطه الاجتماعية والاقتصادية والادارية من داخله من جهة، ذلك انه اُنشئت فيه ورشات من مختلف النشاطات الاقتصادية، ومن الظاهرة الاجتماعية العامة التي كانت تسود المدينة ضمن الاحياء المتجانسة من حيث الدخل والتركيب الداخلي من جهة ثانية. ولم يكن الحي ينغلق على ذاته الا ابّان الاضطرابات الامنية، وكانت كثيرة جدا خصوصا في العهد الجركسي، من اجل الحماية. ذلك ان الحي في دمشق وحلب، كما يعتبر لابيدوس، كان مساوياً لحجم القرى الصغيرة، ويضيف انه كان في دمشق وحدها خلال القرن الخامس عشر ما يقارب السبعين حياً، يبلغ متوسط عدد سكانه خمسمائة الى ستمائة نسمة[25]. ووجد في حلب في القرن عينه ما يقارب الخمسين حياً، بلغ معدل سكان الحي الواحد ألف الى ألف ومائتي نسمة، في حين ان مدينة القاهرة كانت تضم سبعا وثلاثين حارة على رغم ان مساحتها كانت أكبر بكثير من دمشق ومن حلب.[26] وازعم ان الحي كان في اساس التنظيم الاجتماعي لأن بعض الاحياء تميّزت بخصوصية اتنية، اودينية، واحيانا اقليمية؛ وقد ذكر القطار انه كان في طرابلس اقليات انضوت في احياء خاصة؛ كالتركمان والأكراد، والمغاربة، والمصريين، والنصارى (محلة عديمي النصارى) واليهود.[27] وكانت لهم ايضا محلتهم الخاصة بدمشق بالقرب من باب توما[28]. وخصصت حارات او احياء بالقاهرة للجاليات، وعلى سبيل المثال كان للشاميين حارتهم الخاصة في القاهرة،[29] شأن الروم [30] واليهود والمسيحيين،[31]        وغيرهم.

   بدت الحارة في دمشق مثلا وكأنها قرية صغيرة مستقلة بمساجدها، وحماماتها، وسقاية الماء فيها،[32] والفرن، والمدرسة، والمسجد والسويقة[33]. وجاءت ابنيتها متلاصقة، تمد افقيا، وتنعدم فيها النوافذ والشرفات تماشيا مع نظرية الحلال والحرام في الاسلام. وتألف حيّها من عدة بيوت ُشيّد لها باب خارجي مشترك يقفل في المساء وايام الاضطرابات، ويتوسطه باب خوخة ( صغير) يعبر منه سكان الحي كلٌ الى داره.[34] وترجع اسباب تلاصق الابنية الى رغبة رئيس الاسرة باسكان ابنائه واحفاده في المنزل عينه، وكلما ضاق المكان بهم اضافوا اليه غرفا حتى بات المسكن داخلا في بيوت الجيران. واذا اضفنا الى ذلك النمو الديمغرافي ادركنا بوضوح تحول تلك البيوت الى اكواخ[35]، خصوصا اذا علمنا ان الزقاق غير النافذ ما كان يضم سوى عدد قليل من البيوت او الاكواخ ربما[36].

   وكان الحي من حيث بناؤه عبارة عن تشكيل من الابنية غير المتوازية وغير المتوازنة  ايضا من حيث  التصميم الهندسي، بعضها ترتفع جدرانه الى اكثر من طبقة والبعض الآخر يشبه الاكواخ ان لم يكن عبارة عن مجموعة من الاكواخ مظلمة يتسرب اليها الهواء عبر الازقة وممرات منخفضة معتمة[37]. وضمّ الزقاق الواحد عائلة واحدة اجمالا تماشيا مع التجانس السكاني بل التركيب العائلي في المجتمعات العربية عبر العصور. علما :” ان العلاقة بين المجتمع والسكن لم تكن صورة متكررة عبر الزمن، بل كان خاضعا لمقتضيات الظروف المعيشية والاقتصادية والاجتماعية “.[38] ما جعل المسكن انعكاسا للحالة الاقتصادية، يتسع ويضيق تماشيا مع مردود الجماعة. وشكّلت التدابير الامنية، بل تصرّفات السلطة الحاكمة عاملا مؤثّرا آخر في شكل المساكن. هذا ناهيك ان العلاقات بين الجماعات عبر التجانس العائلي او الطائفي وحتى المذهبي كانت تفرز تضامنا داخليا دفاعا ضد اي اعتداء خارجي مهما كان نوعه حتى وان بدر عن السلطة. ولنا في مؤلفات ابن طولون العديدة، ولا سيما “مفاكهة الخلاّن” نماذج متكررة تشرح هذه الظاهرة بوضوح كلي.

   اما على الصعيد الاداري فقد ترأس الحي شيخ يعينه نائب السلطان من اجل حسن سير الاعمال المنوطة بالحي: حفظ النظام ،تمثيله في المناسبات العامة التي تقتضيها الدواعي السياسية والاجتماعية، مساعدة الشرطة في تنفيذ مهامها، او تولي هذه المهام بنفسه، كجمع الضرائب القانونية وغير القانونية مثل الرمي او الطرح[39]. لان الاحياء قد انتظمت في مناطق منعزلة ومنطوية على ذاتها لا يتمكن الغرباء من الدخول اليها.

ثانيا: البنى الاجتماعية:

 1 – التوزيع السكاني في المدن: ان التاريخ الاجتماعي يأخذ بالاعتبار المجموعة الكلية للتكوين الاجتماعي، ومن الصعب تحديد اطره ومعناه التام الا بدراسة جميع الاطر المعنوية المتعلقة بمختلف المجموعات، اضافة الى دراسة علاقة الفرد بالجماعة. وبما انه يتعذر علينا دراسة علاقة الفرد بالجماعة، بسبب قلة الوثائق، سأدرس هرمية المجتمع المملوكي المديني لأن معلوماتنا عن الارياف شبه معدومة، بادئا ببنية كل فئة من الفئات الاجتماعية، ثم حركيتها الذاتية من جهة، والخارجية من جهة ثانية اي علاقاتها بالفئات الاجتماعية الاخرى. وتبقى عمودية الدراسة مرهونة بما توفره المصادر من معلومات.

    تقتضي دراسة التاريخ الاجتماعي الحصول على المبدأ المنظّم للمجتمع الذي يفرّع السكان الى فئات (طبقات وفق المصطلح الحديث)، ويميّز بينها ويحدد بناها، ومن جهة ثانية يسمح بدراسة الحركية الداخلية والخارجية لكل منها. وقد اتخذت من الوظيفة مبدءا منظما للمجتمع المملوكي، وهي غير محصورة بالمناصب الحكومية فقط، بل تشمل كل المهن ايا يكن نوعها ومستواها، كما البطالة عند الارذال او الزعر او الحرافيش. وقد قسّم المقريزي المجتمع المملوكي الى سبع فئات هي ارباب الدولة، ومياسير الناس من التجار والفقهاء والمتعممين، ومتوسطي الحال من التجار والباعة واصحاب المعاش والسوقة، والفلاحون من اهل الزراعة، وسكان الارياف والقرى، وارباب الصناعات والحرف البسيطة، والمعدمون.[40]

 ان هذا التوزيع العام يشمل كل المجتمع المملوكي، اما في المدن فيمكن اعتماد تفريع آخر ينبثق منه ويأخذ بالاعتبار خصوصية المدينة والتجانس الاجتماعي الاكثر شمولا، وهو باعتقادي على الشكل التالي: الطبقة العسكرية الحاكمة، الاعيان الذين يضمون كبار رجال الدين والتجار وارباب الصناعة، او ما يطلق عليه بياض العامة، ثم سواد العامة، واخيرا الزعر والارذال والاوباش.

    لم يكن سكان المدن من عرق او جنس واحد، لأسباب مختلفة تراكمت عبر العصور.فكان سكان دمشق يتألفون من غالبية عربية كبرى، اضافة الى اقلية تنوّعت اجناسها، ووفدت اليها عبر تاريخها مثل بربر شمال افريقيا خلال العهد الفاطمي، والتركمان في العهد السلجوقي والاتابكي، والاكراد في العهد الايوبي[41]. هذا اضافة الى الشعوب المغلوبة من المناطق المجاورة خصوصا من تلك التي تعرضت للغزو المغولي ولا سيما العراق، كما لجأ اليها طائفة دينية كبيرة العدد من المغاربة لاسباب دينية[42].

   اما القاهرة فكانت عبارة عن سندس اثني بدءا من الاقباط، فالعرب، ثم موجات الاغراب العديدة والمتكررة التي حطت رحالها فيها منذ العصر العباسي الثاني. وتلا ذلك دخول المغاربة الفاطميين واستمر قدومهم اجمالا مدى العهد الفاطمي، ودخلها ايضا عدد وافر من الاتراك والاكراد في العهد نفسه كما السودان من النوبة والسودان. وتزايد عدد المشارقة من ديالمة واتراك واكراد في العهد الايوبي[43]، واكتمل السندس الاثني في العهد المملوكي الذي بني على استقدام الارقاء من مختلف الاعراق والجنسيات. هذا اضافة الى الجاليات التجارية المتعددة المشارب بين مشرقية واروبية. وكان لكل من هذه الجاليات عاداتها وتقاليدها  الذاتية، وتقيم في احيائها الخاصة تمارس ميزات خاصة بها، وفي الوقت عينه كانت تتشارك جميع هذه الاتنيات والفئات عادات منطلقة من التشريع الاسلامي واخرى متراكمة عبر العصور. وخضعت جميعها الى منطق القوة، المتمثل بقيادة المماليك المشكلين( طبقة) فئة ممتازة حاكمة.

    2 – الطبقة العسكرية الحاكمة: تألفت من المماليك، انقسمت من حيث وظائفها وتركيبها العسكري والاداري والاجتماعي الى ثلاث مستويات: السلطان، والامراء على اختلاف مراتبهم، والاجناد.

   كان السلطان هو رأس الجهاز العسكري والاداري المملوكي، ووظائف الامراء شكّلت بيوت خدمة له رغم ان الابعاد الاساسية لوظائفهم كانت مهامها حكومية بحتة. وليس ادل على ذلك من الاسماء او الالقاب التي اطلقت على بيوت الخدمة السلطانية مثل: امير مجلس، دوادار كبير، استاذ دار، امير آخور…[44]. هذا اضافة الى وظائفهم في النيابات المتعددة حيث كانوا يقومون مقام السلطان فيها ويلقب واحدهم بنائب السلطان. وكانت للامراء ايضا، بيوت خدمة على غرار السلطان ولكنها كانت ادنى منزلة ولا تتمتع باية صفة حكومية.[45]وتتدرّج بالدونية حتى ادنى رتب الامراء. اما الاجناد فكانوا عدة فئات: المماليك السلطانية، واجناد الحلقة، ومماليك الامراء[46]   

       لم يقل الشأن الوظائفي المملوكي في النيابات عمّ كان عليه في القاهرة؛ فقد عاش في دمشق مثلا عدد كبير من ارباب السيوف كان نائب السلطان اعلاهم رتبة، ويخصص بألقاب ونعوت لم يسمح بها لغيره[47]. وكانت تزين كل احياء المدينة وحاراتها لدخوله اليها، ومن عادته التطواف حول قلعتها سبع مرات، والصلاة ركعتين عند باب السر، ومن ثم يتوجه الى مقره في دار السعادة[48]. مركز اقامته فيخلع الخلع على قضاة القضاة الاربعة في دار العدل[49] تعبيرا عن اقراره بدورهم في الحياتين الدينية والاجتماعية.

    تمتع نائب دمشق بصلاحيات واسعة جدا ان من حيث التوظيف والعزل، او منح الاقطاعات[50]. كما توجب عليه اداء مهام ادارية وامنية وسياسية واجتماعية ودينية[51]. وعاش في دمشق الى جانبه ثمانية امراء مئة مقدمو ألوف، وواحد وعشرون امير اربعين او طبلخاناه، واثنان وعشرون امير عشرين، وواحد وخمسون امير عشرات، وثلاثة وعشرون امير خمسة[52]، عدا عن مقدمي الحلقة واجنادها وهم عدد كبير، اضافة الى عدد آخر من الموظفين لا يسعنا ذكرهم جميعهم بحيث يغدو الموضوع دراسة في الادارة المملوكية،[53] ونائب القلعة الذي لم يكن لنائب دمشق سلطة عليه[54]، واتابك العسكر ( قائد الجيش ) وبالتالي نشأ نظام عسكري بيروقراطي لتلبية متطلبات السلطان من جهة، ولتلبية حاجات النائب الذي كان شبه مستقل.

        اذا علمنا ان الجيش المملوكي النظامي اقتصر على الارقاء المشتروات، ناهيك بان كل امير حُق له بشراء عدد من المماليك لخدمته الخاصة تتناسب مع رتبته لأدركنا العدد الهائل للمماليك الاغراب في الحاضرة او في مراكز النيابات ما جعلهم يشكلون بالتأكيد طبقة قائمة بذاتها ولكنها ذات مستويات مختلفة داخليا تبعا للرتب والدخل. وقد تمايزت اجتماعيا بشكل لافت عن ابناء البلاد، وتدرجت نسبتها الاجتماعية والاقتصادية تبعا للمناصب من اعلى الى اسفل بدءا من السطان فأمراء المائة في الحاضرة، ثم النواب في النيابات وعلى رأسهم نائب دمشق، فامراء المئة فيها وفي غيرها من النيابات التي اقام فيها مقدمو ألوف، نزولا هرميا حتى الاجناد.

    يمكن اعتبار هذا التفرع اسرويا الى حد، بحيث شكل كل سلطان وامير نوعا من اسرة قائمة بذاتها بانتماء مماليكه اليه وحده بثلاث روابط على الاقل: الرق، والعتق، والوظيفة التي شغلوها لخدمته، وتبعهم بهذا الانتماء اسرهم، كما العاملون بخدمتهم في الاقطاعات المتنوعة. وعلى الرغم من انتماء افراد الطبقة العسكرية الحاكمة الى رجال السيف، فانهم لم يكونو متجانسين من حيث وظائفهم وانتماآتهم، فبعضهم ارتبط بالسلطان مباشرة والبعض الاخر بالنائب في النيابة، ما ادى الى تمايز وظيفي في القاهرة وفي النيابات، حتى ان بعض الموظفين في النيابات استغل ارتباطه بالسلطان وتجاوز كل الحدود[55].ان كل ذلك جعل الفئة العسكرية الحاكمة أكان في القاهرة او النيابات وحدات شبه مستقلة، ومرتبطة في آن بغيرها من حيث الوظيفة ونمط الحياة العام مع الاخذ بالاعتبار التمايز الاداري والوظيفي. وعلى رغم المميزات العسكرية والادارية والمالية[56] التي حازها المماليك على اختلاف رتبهم وفئاتهم ومستوياتهم فانهم لم يكتفوا بها بل تصارعوا فيما بينهم حتى باتت المدن المملوكية مسرحا لصراعات دامية غير منتهية كان لها تأثير كبير على تدهور الحياتين الاقتصادية والاجتماعية. على الرغم الثراء الفاحش الذي تمتع به السلاطين والامراء الكبار الذي بلغ مستويات اسطورية تذكرنا باخبار ألف ليلة وليلة[57]. مثلا وزّع الامير قوصون، الذي عين نائبا على الشام نفقة واموالا اخافت السلطان[58]. وقد احصي ما تركه ” تنكز ” نائب الشام فبلغ مليونين وسبع مئة ألف دينار، وسبع مائة وثلاثين ألف درهم فضي فضلا عن المجوهرات[59].

   وهكذا فقد شكل السلطان وامراؤه واجناده طبقة عسكرية حاكمة مغلقة عن الشعب. وحدد الانتماء اليها بشروط لم تتوفر بالسكان الاصليين: كالعرق، اي ان يكون مولودا خارج الاراضي المملوكية في الشرق العربي والاسلامي وبالتحديد في السهوب الآسيوية الاوروبية الممتدة من آسيا الوسطى حتى البلقان والبحر الادرياتيكي[60]. والرق[61]، واجادة اللغة التركية لان المماليك كانو يتحدثون بها في اجتماعاتهم ومجتمعاتهم[62]، وقليلون منهم من اتقنوا العربية، لا بل ان بعضهم لم يفقه منها شيئا[63]. و التربية في الطباق ( الثكنة العسكرية )، والعتق، والتدرج بالامرة[64]. وانحصر تزاوج امراء المماليك اما من نساء تركيات جيء بهن خصيصا لهذه الغاية، او من بنات امراء المماليك، وقليلون منهم من تزوجوا من بنات مياسير التجار او بنات المتعممين[65]. وكانت جميع اسماء الامراء تركية، ولم يجرؤ احدهم الخروج على هذه القاعدة مخافة القتل او العزل، فالسلطان جقمق ( 1438 – 1453م. ) اراد ان يتسمى محمدا تيمنا بالرسول (ًصلعم ) ولكنه خاف العزل فتسمى جقمق محمد[66]. انما حق لهم بالالقاب الدينية مثل ركن الدين او عز الدين… وانفردوا بلبس ثياب مميزة مطرزة الكمين تمييزا لهم من افراد الشعب. وارتدوا قباء طويلا ينتهي بأكمام ضيقة، واعتمروا كلوتة صفراء من دون عمامة، وشدوا على خصورهم احزمة من القطن البعلبكي، وتميزت ايضا ثياب الامراء من ثياب الجند[67]. وتميّزوا باقتناء الرقيق وركوب الخيل الذي لم يجز ركوبها لغيرهم [68]، وعلى رغم اسلامهم فلم يقض كبار الامراء في ما بينهم بالشرع الاسلامي بل ب ” الياسة او اليسق ” وهي مجموعة القوانين المغولية التي اصدرها جانكيز خان ( 1206 – 1227م.)[69]. وحاز المماليك وحدهم، سلطانا وامراء واجنادا، الاقطاعات الزراعية وشاركهم بقسم ضئيل نسبيا بعض المتعممين ممن اشرفوا على المؤسسات الدينية والتربوية والاجتماعية، وبعض العربان ممن اعتبروا من اجناد الحلقة [70]. كما توزعوا في ما بينهم المرافق الاقتصادية العامة الاخرى ولا سيما الجمارك التي حازوا عليها عن طريق الاقطاع.

   هكذا انفصل اجتماعيا رجال السيف عن ابناء البلاد بنظمهم وعاداتهم واخلاقهم وممارساتهم التي جاءت غالبا مجحفة بحق الرعية، وشكلوا فئة اجتماعية سياسية عسكرية مغلقة عن الدمشقيين، ولكن آليتها الداخلية كانت متحركة باتجاهين صعودا نحو القمّة، او انحدارا نحو القاعدة وصولا الى البطالة والعزل. وفي الحالين معا خضعت تلك الفئة لظاهرة اجتماعية واحدة لها خاصاتها وميزاتها في انها فئة ممتازة ومتميزة عن ابناء البلاد الاصليين، بل عن السكان كل السكان. وجاء تحول تلك الظاهرة بطيئا جدا بما اجازه القانون تدريجا لافرادها من الاختلاط بسكان المدن ضمن حدود ضيقة، دفعت ببعض السكان ان يحذوا حذوها وان جاء ذلك مخالفا للقانون، كما سنلاحظ بالحديث عن الزعر، كما تأثر السكان ايضا ببعض العادات المملوكية.

3 – اعيان المدنيين:

أ – رجال الدين المسلمين: كان الاعيان أكثر من فئة؛ رجال الدين، كبار التجار، وكبار الحرفيين او الصناعيين ان جاز التعبير. شكل رجال الدين المسلمين، بوجه عام ، صمام امان في المجتمع الاسلامي لانهم احتلوا المنزلة المدنية الارفع فيه، وظل الناس ينظرون اليهم باكبار حتى في فترات الانحطاط، لممارستهم شؤونا مدنية اجتماعية مثلت من حيث المبدأ دور الرقابة على اعمال الجهاز العسكري الحاكم، وان اختل هذا التوازن لصالح المماليك في العهد الجركسي عموما . حتى ان رجال الدين الذين تسرّب اليهم الفساد، وجروا وراء مصالحهم الذاتية، بخضوعهم لرغبات الطبقة العسكرية وتنفيذ مآربها على حساب الشعب، ظلوا جميعهم يحتلون منزلة مهمة عند الشعب، ليس على الصعيد الشخصي، انما على مستوى الوظيفة الجليلة التي شغلوها.

     اما ابرز الوظائف الدينية  في القاهرة وفي النيابات فكانت: قضاة القضاة وكان عددهم اجمالا اربعة، وقاضيي عسكر شافعي وحنفي، ومفتيي دار العدل شافعي وحنفي ايضا، والمحتسب، ووكيل بيت المال[71]. ويعتبر قاضي القضاة رئيس الادارة القضائية من حيث المبدأ، إليه يرجع تعيين القضاة وعزلهم، وتعيين نواب له، والفصل بين الخصوم، وتنفيذ الاوامر الشرعية[72]. والقضاء المملوكي استمر سليما معافى ما دام السلاطين كانوا يقظين ويهتمون بامور الرعية، فكانوا يعزلون من تسؤ سيرت[73]. وكان من المفترض ان يختار اهل كل مذهب قاضي قضاتهم بعد موافقة السلطان، ولكن ذلك سقط بعد ان عمّ الفساد الادارة المملوكية عموما، خصوصا ان العلوم الدينية لبعض السلاطين كانت متواضعة[74]، وخفّت اهتماماتهم بامور الرعية، وحرصوا على الحصول على المال بشتى السبل حتى صارت المناصب ومنها الدينية تشرى بالرشوة[75]. وتمكن بعض القضاة من جمع اموال طائلة بطرق مشبوهة، من دون ان يخجلوا، بل ان بعضهم راح يتباهى بسطوته ونفوذه غير آبه بتهكم الناس، وغير مكترث بأحكام الشريعة، فاحتقره زملاؤه والناس كلهم[76]. خصوصا ان بعض هؤلاء كان جاهلا اصول القضاء واحكام الشريعة، والعلوم الدينية الاخرى التي هي في اساس التربية في الاسلام ومنارة السلوك الاجتماعي[77]. ولم تكن حال حميع القضاة على هذا النحو اذ أُثر عن بعضهم الصلاح واعمال الخير والاجتهاد بتلاوة كتاب الله والاكثار من الصلاة والتفقه بالاحاديث النبوية[78]. ومارس قضاة القضاة والقضاة ضغوطا على الطبقة العسكرية الحاكمة لاطلاق من اعتقل ظلما وعدوانا، اوللشفاعة بمن اعتقل اثناء الصراع بين الاجناد المماليك والسكان، وما شابه هذه الحالات[79]   

الوظائف الدينية الاخرى: تنوعت مهام رجال الدين وشملت مختلف الحقول الاجتماعية لإرتباطها بالشرع الاسلامي، ولأن وظيفة رجال الدين تتصدر الحياة الاجتماعية. ونذكر منهم مفتيي دار العدل، وكلاء بيوت المال، وهم مؤتمنون على اموال  الدولة[80]. والمحتسب الذي يراقب الاسعار و المكاييل و الموازين والاخلاق العامة[81] ودوره اجتماعي بامتياز لأن من مهامه الاشراف على المرافق العامة، والاقتصاص من المخالفين للأنظمة العامة والاخلاق، وبالتالي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن الحسبة صارت منذ العهد الجركسي عموما تشرى بمال، وفسد اصحابها ، حتى انها اسندت مرة الى احد باعة السكر، فقرّظ المقريزي السلطة قائلاً:” فكان هذا من اشنع القبائح، وواقبح الشناعات.”[82]

 ومارس رجال الدين دورا اجتماعيا مهما جدا وهو التدريس بالمدارس، وادارة اوقافها واوقاف المؤسسات الدينية المتنوعة كالمساجد والجوامع والخوانق والربط وما الى ذلك، وبالتالي ارتبط بهم السكان بشكل اساسي بحياتهم اليومية والعادية، لأن الثقافة الدينية كانت محورا اساسيا في حياة الناس، ولم يكن من الضروري ان يتقن الفرد القراءة والكتابة لكي يحظى بثقافة دينية، بل كان يتم له ذلك عن طريق السماع والوعظ والارشاد. ما جعل المدرسة محورا اساسيا في التآلف الاجتماعي لاستنادها الى مذهب شرعي محدد، ولوجودها في مكان محدد من المحلات او الاحياء، وبما انها كانت تقوم اساسا على التوعية الدينية وتعليم اصول الدين من فقه واحاديث، وخصوصا تلقين القرآن، لان الدين الى جانب كونه عقيدة غالبية السكان فانه كان ايضا نظام حياة، وبالتالي اصبحت المدرسة النقطة المركزية في التوحيد الشامل لابناء المذهب المنتسبة اليه. ولم تكن غايتها التعليمية تخريج رجال دين على مختلف المستويات فقط، بل ايضا تثقيف المجتمع، فكان ينتسب اليها ابناء الفئات المتوسطة والغنية تقربا من الله وللتفقه باصول الدين للاكتفاء الذاتي على هذا الصعيد. حتى اذا تخرج الواحد منهم واشتغل بمهنة حرة ادرك اصول المعاملات الشرعية.[83] والجدير ذكره ان سلاطين وامراء المماليك أكثروا من تشييد وترميم المدارس، واوقفوا عليها الاقطاعات لدفع نفقات المدرسين والطلاب والقيام باكلافها، كمدرسة الظاهر برقوق التي شيدها عام 787/1386[84]، او مدرسة الاشرف قايتباي في مكة[85].

   لقد تفاوت عدد الجوامع في دمشق في العهد المملوكي بين مؤرخ وآخر[86]، وكذلك الامر بالنسب للقاهرة[87]، وبلغ عددها في حلب عشرون داخل الاسوار[88]. واهمية هذه الجوامع، الى جانب كونها اماكن عبادة وصلاة، قيامها بمهام المدارس، كما شكلت في آن مأوى للفقراء، وآوت الصوفية من جهة ثانية[89]. وكانت جميعها بادارة رجال الدين الذين شكلوا فئة اجتماعية خاصة، متميزة بثقافاتها ورتبها تبعا لوظائفهم. وجاءت ثيابهم متشابهة مع بعض الاختلاف[90]، ونالوا رواتب نقدية او اقطاعات، ما جعل احوالهم الاقتصادية جيدة الى مريحة. وقد شكلوا مع اتباعهم ومساعديهم نسبة لا بأس بها من عدد السكان، ما جعلهم فئة متميزة تماما بكل مقوماتها.

ب – رجال الدين المسيحيين: قادوا ابناء طوائفهم ومثّلوهم امام السلطان ونوابه لأنهم كانوا المسؤولين عنهم، وليست لدينا معلومات وافية عن احوالهم سوى الناحية الادارية التي ذكرها القلقشندي، وشأنها معروف حتى اليوم.[91] ومن المرجح، ان المسيحيين كانوا يعيشون في احيائهم الخاصة، ويتمتعون بنظمهم الخاصة ايضا، ما جعلهم فئة اجتماعية متميزة ببعض وجوهها من الفئات الاجتماعية الاسلامية بخاصات محددة نابعة من تقاليدها الدينية، علما ان الصفة العامة للمجتمع الاسلامي بما هي ظاهرة اجتماعية عامة شملتهم بدورهم، لانهم تشاركوا مع بقية السكان الاعمال عينها، واحتفلوا معهم بكل الاحتفالات والاعياد ، كما شاركهم المسلمون احتفالاتهم.

ج – رجال الدين اليهود: كان رئيس اليهود المسؤول، بوجه عام عن طائفتي اليهود القرائيين و الربانيين معا[92]، وكان وضعهم الاجتماعي مشابها الى حد بعيد لوضع المسيحيين.

   والجدير ذكره ان بعض السلاطين مارس على المسيحيين واليهود احكام اهل الذمة لدواعي داخلية احيانا، واخرى خارجية، مع اختلاف في مشروعية هذه التدابير بين الفقهاء احيانا، اذ كان يؤيدها بعضهم، ولا يجيزها البعض الاخر[93]، وتنوّعت الاسباب الداخلية كاشتغالهم وظائف ديوانية ما كان يسيئ بعض رجال الدين فيحرّضون السلاطين لعزلهم وتطبيق الشروط العمرية عليهم، او اتهام بعضهم بممارسات مخالفة للقوانين حقا او زورا[94]. وتأتت الاسباب الخارجية عن مهاجمة الاوروبيين احد الموانئ او المواقع المملوكية شأن ما حصل للاسكندرية عام 1366على عهد السلطان شعبان[95]. وتكررت هذه الحوادث في العهد الجركسي. 

د – اعيان التجار والصناعيين: لتحديد التفريع الاجتماعي ضمن فئة الاعيان لا بد من اعتماد المبدأ المنظم المبني في هذه الحالة على المستويين الاقتصادي والمنزلة الوظيفية. ان خلو مصادرنا العربية من الارقام تدفع بالباحث لاعتماد الصفة فقط بالنسبة للحالة الاقتصادية التي تعتمدها هذه المصادر كأن تقول فلانا من مياسير التجار او من كبارهم، كتجار الخانات والقيساريات، وارباب القوافل وتجار الجملة والسماسرة او الوسطاء التجاريين. وقد ضاهى هؤلاء كبار الامراء من حيث الاهمية وشاركوا بحضور الاحتفالات الرسمية، ونالوا احتراما مميزا من السلطات والشعب على حد سواء[96]، لان التجارة تحتل مركزا مرموقا في الاسلام[97]. ويدرج ضمن هذه الفئة اصحاب الصناعات المهمة وهم غير الحرفيين الصغار. ويصعب علينا اعطاء فكرة واضحة عن هؤلاء لان مصادرنا تحجم، غالبا، عن مدنا بالارقام عن غنى بعض التجار وغيرهم من الميسورين سوى بعض الحالات النادرة[98]. وشكل الاعيان طبقة برجوازية بالاصطلاح الحاضر لان الابناء توارثوا عمل الآباء خلافا للطبقة العسكرية الحاكمة، وجنى بعضهم ثروات مهمة جعلتهم عرضة اما للمصادرات او للطرح.[99] ما دفع ببعضهم لاخفاء ثرواتهم، فتقهقرت نسبيا الحركة الاقتصادية. ونحن نجهل نسبتهم الى عدد السكان، وبالتالي لا نعرف ان تمكّنوا من تشكيل فئة اجتماعية كبيرة لها مميزاتها الخاصة، ولكن من دون ادنى شك تمتع هؤلاء الاعيان بمنزلة مهمة عند السلاطين ونوابهم، وشاركوهم احتفالاتهم.

4-  العامة: ان تعبير العامة او اصطلاحه قديم جدا في المجتمع الاسلامي، تناوله الادباء والفقهاء والمؤرخون للدور البالغ الاهمية الذي مارسته العامة في المجتمع على الصعيدين الاجتماعي والسياسي: فهم عند الدينوري :”اصحاب الاهانات، وابناء الانذال…ومنهم الرعاع والهمج والغوغاء، واهل السفه.”[100] وهم عند الطبري: النطاف وباعة الطريق في محتقرات البيوع، وبائعو البطيخ والزجاج، والقصابون، والبقالون، والكناسون[101]. وهم عند”الصفدي” خلاف الخاصة”[102]. وبالتالي يمكن تعريف العامة المملوكية بأنها الفئات الشعبية التي لم تتلق تعليما، ولا حققت ثروة، ولم تشْغل منصبا حكوميا، بل هي جماعات دفعت الضرائب من دون ان تفيد منها اجمالا، وسميت العامة او عامة الناس لاضفاء عليها صبغة من الاحترام وتمييزا لها من الزعر والارذال. وهي  تألفت من اصحاب الحوانيت، والباعة المتجولين، وباعة المفرق، والعمال كالنجارين، والبنائين، والحرفيين[103]، واصحاب الصفقات التجارية المشبوهة، والمخادعين ،والسماسرة، والصيارفة.[104] ، واضاف اليهم المقريزي تجار النخاسة، وبائعي الخمور، والمغنين والنادبين، القصابين، واصحاب بيوت الدعارة، وضامني الافراح والمآتم، والمشاعلية[105]، ويضاف الى هؤلاء عمال الدباغة، وضاربي الرمل لكشف الغيب، وسائقي البغال والحمير وغيرهم[106]. وشمل هذا التصنيف مختلف الطوائف والمذاهب الاسلامية والمسيحية واليهودية.

     لقد تجانس جميع العامة من حيث طبيعة العمل، فمثلا: لم يكن ممنوعا على الذميين ممارسة اي مهنة يمارسها المسلمون. وتحجم مصادرنا عن مدنا بمعلومات لدراسة وضع العامة الاجتماعي بشكل صحيح، ولكنهم شكلوا معظم السكان، وكانت لهم عاداتهم وتقاليدهم المشتركة مع امتياز كل فئة منهم بمفردات خاصة واسلوب عمل تبعا لطبيعة مهنته. وقد عاش كل اصحاب حرفة او مهنة منهم في حيّهم الخاص، ومارسوا اعمالهم اجمالاً في سويقة الحي، واحيانا ضمن السوق المخصص لها. وبالتالي كانت لكل منهم عاداته وتقاليده وزبائنه الخاصين، ما جعل كل فئة منهم تخضع لظاهرة اجتماعية محددة، ويخضعون جميعهم للظواهر الاجتماعية العامة في مجتمعهم الكبير. وهناك ثمة ملاحظة اخرى هي ان المهن كان يتم توارثها سلاليا. وتأس كل حرفة نقيب ان جاز التعبير يعرف بشيخ المهنة يدافع عنها وعن المنضويين فيها بخاصة تجاه تعسف السلطة.

5 – الزعر: ان نشوء المعدمين في مختلف المجتمعات الانسانية نتج من الصراع على الثروة او على السلطة، او على الاثنين معا لتلازمهما في غائية جنوح الانسان الى العظمة. وفي خضم يأس المعدمين انبرت جماعات تدعي الدفاع عن مصالحهم، ونصّبت نفسها قادة عليهم باسم الانسانية. وتكونت هذه القيادات، في الغالب، من افرازات اوضاعهم البائسة المنبثقة من رفض الواقع المظلم والمرير، ومن جنوحها بدورها للاستغلال، ولشراسة في اخلاقها وطبائعها. فتكونت اذ ذاك احزاب عفوية اخذت على عاتقها تغيير الواقع المشكو منه، وفق اساليبها الخاصة، واقنعت المعدمين بأن ما تصبو وتسعى اليه، وفق وسائلها الخاصة، يمثل انجع السبل لتطوير احوالهم البائسة، وبالتالي نشأت منظمات الزعر لتقف بوجه ممارسات المماليك الظالمة. وأنشأوا حارات خاصة بهم في عدد من احياء المدن، وكانت عبارة عن احزمة بؤس في طفرات المدن الحالية[107] ،ساهمت بزيادة التدهور الاجتماعي والاقتصادي، لأن الزعر ومن شابههم عزفوا، عموما،عن القيام بأعمال شريفة. وكوّنوا خلايا خاصة بهم تمركزت كل خلية في احدى الحارات يتزعمها قائد عرف بكبير زعر محلته، وتزيّوا بلباس خاص تمييزا لهم من بقية الناس، فلبسوا “فرعاني” يلفونه على رؤوسهم، وثياب يقلبونها على أكتافهم، ومنها الابشات بأكمامها الطويلة والعريضة لتخفي سلاح الواحد منهم[108].

   اعتاش الزعر من موارد متعددة: فقد امتلك بعضهم الحوانيت، وفي هذه الحال فرضوا سطوتهم على الحوانيت المجاورة واحيانا على معظم حوانيت السوق او المحلة، بأن اقاموا في بعضها من يبيع لحسابهم باسعار مرتفع نسبيا لكي ينصرف المشترون الى محلاتهم. او انهم فرضوا الاتاوة “الخوة” على بعض الحوانيت، وذا رفض اصحابها الانصياع تعرضت حوانيتهم اما للسرقة او لاعتداءات اخرى. وكان تواجد حوانيتهم في محلة ما يشكل كارثة على اصحاب الحوانيت الاخرى، ليس بسبب ما ذكرت فقط، بل لان المحلة اذا تعرضت للرمي او الطرح فرضوا، بقوة السلاح او السطوة، المال المتوجب لتلك الضرائب على الحوانيت الاخرى،[109]. واذا ارادوا الاحتفال- وكانت احتفالاتهم باذخة – بسبب اقامة الهدنة العسكرية بين منظماتهم حمعوا الاموال من “المستورين او المحتاجين على وجه الحياء والقهر”[110].

   من المفارقات الغريبة، ان السلطة الحاكمة كانت تشجّع الزعر على التمادي بغيهم، لاسيماعندما كانت تحتاج الى خدماتهم: فأحيانا كان نائب دمشق وبعض كبار الموظفين العسكريين يحضرون عروضهم العسكرية، ومن ثم يخلع الخلع على اكابرهم[111]. وهذا يعني اعترافا ضمنيا بسلطتهم.  ومن المؤسف ايضا ان بعض الفقهاء اجازوا لهم قتل اعوان الظلم والمجرمين من البلاصين واللصوص وغيرهم من دون ان يدروا او ربما ادركوا انهم حاولوا استئصال الجريمة بجريمة اخرى قد تكون ابشع، لأن الزعر تسلّحوا بهذه الفتاوى[112]صاروا يخرجون باسلحتهم، ويسطون على اموال  الناس ومن امتنع عليهم قتلوه باسم الدفاع عن مساوىء المجتمع[113]  ولم يقف الامر عند هذا الحد بل صار الناس يدفعون لهم الاموال  لقاء القضاء على اعدائهم. واذا تجرأ احد وشكا امرهم للسلطات دفع حياته ثمنا بحيث انتشرت كمائنهم وكثرت الاغتيالات[114]. ولعل الظاهرة البارزة والنافرة هي مساهمة السلطة بدفع العامة الى ممارسة اعمال النهب والسرقة لسببين على الاقل: تعويضا لها عن وضعها البائس عموما، وثانيا انتقاما من السلطان او الامير المهزوم في معركة سياسية – عسكرية، بحيث كانت العامة تشارك المنتصر الذي كان يكافئها بالسماح لها بنهب بيوت واموال المهزوم، وما كانوا يكتفون بذلك بل كانوا ينقسمون على انفسهم احزابا تتقاتل فيما بينها ما كان يؤدي الى تعطيل الاسواق[115].

    وهكذا جاء تفرّع المجتمع المملوكي، وكأن فئاته متخاصمة، تعيش الواحدة منعزلة عن الاخرى ما عدا ما كان يقوم به رجال الدين من محاولات لحل المشاكل بين الفئات المتخاصمة، ولاسيما بين العامة والزعر او الشطار والحكّام. ولكن ثمة ظواهر اجتماعية مشتركة خضع لها الجميع وهي الدخول الى الحمامات العامة، لأنها شكّلت احدى ركائز حياتهم الاجتماعية، فهي كانت الى جانب عامل النظافة نوع من الترويح عن النفس تقام فيها احتفالات اجتماعية متنوعة. وتشارك الجميع ايضا الاحتفالات المتعددة مثل التي كانت تنظمها السلطة كمواكب السلاطين[116] او نوابهم في النيابات حيث كانت تزيّن المدن على نفقة السكان اجمالاً، والحوانيت التي ما كانت تشارك بالزينة كانت تختم.[117]  تزيّنت المدن ايضا لإسباب اخرى كمجيء قاصد من دولة اجنبية    [118]. وتشارك الناس الاحتفالات الدينية التي كثيرا ما خرج الناس فيها عن الهدف الاساسي ومارسوا الفسق على انواعه[119]. ولم تكن تقتصر على طائفة او مذهب معيّن بل شارك فيها كل الناس[120]. ويسجّل للماليك سلاطين وامراء ما كانوا يصرفونه من نفقات اجتماعية على الفقهاء، والفقراء، ونفقات شهر رمضان والاعياد الدينية، والترب والمشاهد، والمقامات، والمزارات.[121] وكانت تتزايد هذه الظاهرة الخيرية كلما مرض سلطان وخصوصا عندما يشتد عليه المرض[122]

   ولعل انتشار الاوبئة والامراض من السمات الاجتماعية البارزة التي طبعت العصور الوسطى باكملها، وربما جاء تأثيرها شديد النفور في العهد المملوكي من شدة وطأتها، ولأنها ضربت المجتمع مرات متوالية وبشكل مريع، حتى ان السلطان والامراء والناس جميعهم كانوا يتقربون من الله اما بالخروج الى الصحراء بالدعاء، او بالصيام والصلاة مدة ثلاثة ايام متوالية[123].

    ان هذا التراتب الاجتماعي حمل تمايزا بيّنا في طياته بين الفئات المكوّنة للمجتمع، وجعل الفواصل بينها واضحة، وجهد المماليك بما هم عليه من قدرة عسكرية وقيادة ادارية استغلال الفئات الاخرى لصالحهم بكل الوسائل المتاحة. ما جعل الناس في ظل قيادة بعض رجال الدين المسلمين الصالحين يتمرّدون على هذه الممارسات، ويعترضون عليها، بل يرفضون تطبيق بعضها بل تمرّدوا على الواقع المرير، وادركوا انهم مغلوبون على امرهم، وان اصلاح الحكام اصلاحا جذريا غير ممكن، فحاولو جاهدين تغيير المعادلات باللجوء الى الوسائل الدينية في معظم الاحيان، وعبّروا عن مواقفهم بما اوتوا من امكانات محدودة، وهرعوا الى رجال الدين، الذين كانوا ينطقون باسمهم بل ممثليهم، على اعتبار ان لهم منزلة مهمة قد يقدّرها الحكام، وقد نجحوا احيانا في رفع الحيف عن بعض المظلومين. وفي حال فشلت الوساطة اعتمدوا بدائل اخرى كالاحتجاج السلمي وهو المعروف بالتكبير- النزول الى الاسواق هاتفين الله اكبر- وهو تدليل على ان الله ينصر المظلومين وبالتالي دعوة الى اهل الظلم الى الثواب. وتم التكبير في الشوارع، باعترض مواكب السلاطين او نوابهم او مساعديهم، وفي الجوامع. وكان القضاة والعلماء يتقدمون المتظاهرين تأكيدا على استرجاع حق سليب ولاضفاء الصفة الشرعية على التظاهرة علّ الحكام يرعوون. وكانت تلك التظاهرات تخيف المماليك ،بوجه عام، بما تخلق من حالات عدم الاستقرار التي قد ينفذ من خلالها المصطادون بالماء العكر للاخلال بالامن او للتعدي على من يجدون من المماليك منفردين.[124]

      وكان لفشل تلك المساعي السلمية والحضارية آثار سيئة على الوضع العام في المدن ،ادى الى يأس العديد من متوسطي الحال، لان التعديات المتكررة حولتهم الى ما دون متوسطي الحال بل فقراء، وعجزوا بالتالي عن تأمين اود الحياة فسلكوا دروب الجريمة المتنوعة، فازدهرت اعمال اللصوصية والحرامية، وكثرت الجرائم، ومناسر الليل، والسرقات واعمال النهب[125]. وانخرط بعضهم في منظمات الزعر ما زاد في الطين بلة، وساءت، بوجه عام، احوال الناس. كما حفل المجتمع بانواع المفاسد الاخلاقية نتيجة ممارسات الحكام الجائرة وبسسب الفقر واليأس، ولعل ابرز تلك المفاسد الدعارة على انواعها،[126] والتحشيش[127] وما الى ذلك.

                       القسم الثاني: الاقتصاد المملوكي

  من الواضح ان دراسسة المجتمع تتأثر بنيويا بالاقتصاد بسبب التداخل بينهما، وتأثير الاقتصاد  على مستوى الاجتماعي، ولأن المستوى الاقتصادي يشكل احد مرتكزات التفرع الطبقي. وكما ان المماليك شكلوا فئة اجتماعية متميزة عن السكان بكل تدرّجات مستوياتها، فانهم احتكروا معظم مصادر الدخل بدأ بالقطاع الزراعي، وتدرّجوا بالسيطرة على القطاعات الاخرى.

شكّلت الزراعة والاقطاع، والصناعة، والتجارة المقومات الاقتصادية المملوكية الاساسية. وتأثرت بوضوح بعوامل اخرى مثل: الصراعات بين فئات المماليك، وغش النقود، والاحتكارات، والضرائب المتنوعة، فضلا عن نفقات الدولة الكثيرة ومحاولة موازنة الواردات معها.

أ – الاقطاع والزراعة: ارتبط النظام الاقطاعي عضويا بالنظام العسكري المملوكي، لأن السلطان  والامراء والاجناد توزّعوا الاراضي الزراعية كلها سوى ما افرد للمؤسسات الدينية والاجتماعية[128]. ويدخل ضمن النظام الاقطاعي كل موارد الدولة من الضرائب والمكوس المتنوعة بما فيها الاموال الخراجية، والهلالية[129]. والمال الهلالي هو ما كان يدفع شهريا، “وكان على عدة انواع كلها احدثها ولاة السوء شيئا فشيئا ” على حد تعبير المقريزي، مثل ضمان القراريط والبغاء، واجور الاملاك المسقفة من الآدر والحوانيت، والحمامات، والافران، والطواحين، وريع البساتين، ومصائد السمك، ومعاصر الشيرج والزيت، والزكاة، والجوالي، والمواريث الحشرية، والثغور، والمتجر، والشب والنطرون، والحبس الجيشي، ودار الضرب، ودار العيار، والجاموس، والمركب، ومقرر الجسور. وتعددت المكوس التي اقطعت وشملت احيانا معظم الضرائب في الدولة، اما اشهرها فكانت: ساحل الغلّلة، ومقررات: السجون والحوائص والفراريج والمشاعلية (تنظيف الاقنية)، ونصف السمسرة، ورسوم الولاية، وضمان المزر[130] والافراح والمغاني لأن المغنيات والنادبات اعتبرن موظفات ُسجلت اساؤهن عند ضامن هذا المكس لأنه توجب على المغنية والنادبة دفع مبلغ معيّن عن كل حفلة تؤديها[131]. وضرائب المراعي وصدقات الماشية[132]، وما يتحصّل على النقود من دار الضرب. ما يعني ان الطبقة العسكرية شبه احتكرت هذا القطاع؛ اذ وزّعت الاراضي وما تبعها من ضرائب على اربع وعشرين قيراطا، واستقرّت حصة السلطان منها في الروك الناصري عام1313- 1315 على عشرة قراريط، ونصيب الامراء والاجناد جميعهم اربعة عشر قيراطا [133]. واعتبر بعض العربان في مصر وبلاد الشام من ضمن اجناد الحلقة اي انهم حصلوا على اقطاعات لقاء بعض المهام الامنية والادارية[134].

     عمليا اعترضت الزارعة المملوكية عقبات متعددة تأتت عن سوء تطبيق النظام الاقطاعي، ولعل هذا السوء نتج عن الفساد الذي بدأ ينخر ادارات الدولة بعيد وفاة السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ثم استشرى في العهد الجركسي. ويمكن تحديد ابرز المصاعب  التي واجهته ب :

1 – سوء سلوك المقطعين: كان الاقطاع مخصصا للوظيفة، وبالتالي لم يكن وراثيا، وبما ان الوظيفة ما كان مضمون استمرارها بيد شاغلها، عمد  المقطع الى استنزاف المال من اقطاعه من دون التبصر بالوسيلة الناجعة. وكان لعدم سكنه في اقطاعه مساوئ كثيرة تأتت عن ممارسات مندوبيه في رعاية شؤون املاكه المؤقتة، اذ كانوا يتوسلون شتى انواع الظلم لإستخراج ما افترضوه حقا لسادتهم، اضافة الى عائدات اختصوا هم بها[135].

2 – قلة روْك الاراضي: ان روك الاراضي يعني استردادها من شاغليها واعادة توزيعها مجددا، بنسبة ملحوظة من العدالة. ولم ترك الاراضي المملوكية سوى مرتين عام 1298، وسنة 1313-1315. وكان الروك في بعض وجوهه يؤدي الى استصلاح الاراضي، واصلاح منشآت الري، كما الى عرض الجيش لمعرفة الصالح للخدمة وتسريح اصحاب العاهات والعاجزين[136]. وفي بداية عهد كل سلطان كانت تتم عملية الاسترداد الجزئي مكافأة للانصار واقتصاصا من الخصوم. وقد جعلت كثرة الانقلابات عهود السلاطين تتوالى بسرعة، وبالتالي تزايدت المناقلات الاقطاعية الامر الذي كان يجعل الفلاح يخضع لأكثر من سيد اقطاعي في السنة الواحد احيانا، ويؤدي ما عليه من إلتزامات اكثر من مرة في السنة الواحدة.[137]  وادت قلة الروك الى ازدياد في بوار اراضي، والى تهدم منشآت الري التي صارت، بسبب الفساد وقلة الرقابة، على عاتق الفلاحين، ما كان يزيد في بؤسهم وفي هجرتهم القرى والانخراط باعمال الشطار والزعر في المدن، وبالتالي انخفاضا في الانتاج الزراعي.

3 – المقايضات الاقطاعية: ساهم ضعف السلاطين واشتداد شكيمة المماليك السلطانية ولا سيما الجلبان منهم، اضافة الى الكوارث الطبيعية التي نجم بعضها عن عملية الفيضان زيادة او نقصانا ما كان يؤدي الى انتتشار الاوبئة والامراض التي كانت تفتك بالفلاحين كما حصل في عهد السلطان شعبان عام748/ 1348حتى اضطر الاجناد للخروج بغلمانهم لجمع محاصيلهم. ولم يكن الموسم جيدا انذاك فعدل بعض الامراء عن جني المحاصيل، وحذا الجند حذوهم فبارت الاراضي.[138] هذه الامور ادت الى ظهور المقايضات الاقطاعية، بل التنازل عنها وبيعها[139]. واستحدث المسؤولون ديوانا للبدل، وشجعوا التنازل عن الاقطاعات لقاء عمولة[140]، واضحى هذا الفساد قانونا عندما اقرّ الامير شيخو رأس نوبة النوب عام753/ 1353 ضريبة البدل في الديوان[141].

4 – تفتيت الاقطاعات ونشوء نظام الإلجاء: اعتبارا من عام715/ 1315عمل السلاطين على بعثرة اراضي المقطع بين عدة اماكن، ما جعل المقطع الصغير عاجزا عن الاشراف على كامل اقطاعه، فاضطر الى إلجاء بعضها لمن يحميها له من الغاصبين لقاء اتاوة، وهذا الحامي فرض على الفلاح ضريبة جديدة عرفت بضريبة الحماية.[142]

5 – وضع الفلاح: ولعل الوضع البائس الذي عاشه الفلاح شكّل السبب الرئيسي في انحطاط النظام الاقطاعي وتاليا الزراعة. واذا كانت الطبيعة ترحمه حينا وتقسو عليه حينا آخر تبعا لدور الفيضان، فان الادارة الاقطاعية والمقطعين على حد سواء لم يرحموه ابدا. فالادارة الاقطاعية نشأت اساسا لتضبط تصرف المُقطَعين والمقطِِعين، فبعد توزيعها الاراضي على اصحابها كانت تعمد الى فحص الاراضي ليس من اجل استصلاحها بل لتقدير الخراج الصحيح عليها،[143] وكان مباشر الخراج يصدر بيانات تحدد مبدئيا العلاقة بين الفلاح والمقطع[144]. ولكن الوضع على الارض كان مختلفا؛ فالفلاح كان ضعيفا في حينا كان صاحب الاقطاع قويا بشخصه؛ فقد كان يجمع من الفلاحين مقرر الجسور لتعمير الجسور وصيانتها، ولكن ذلك ما كان يحترم في غالب الاحيان، بل كان يصرف المال على النافذين ويُلْزم الفلاحون ببناء الجسور ومنشآت الري عسفا وعلى نفقتهم الخاصة[145].

   وقد فرض المسؤولون على اهل القرية الواحدة نظام المسؤولية المشتركة فيما كان يترتب على الفلاحين من اموال؛ فكانوا يتقاسمون مصاريف اقامة الشاد في قريتهم، وان هرب احد الفلاحين كانوا يلزمون جميعهم بدفع ما يتوجب عليه.[146] وغالبا ما كان يستغل موفدو اولي الامر الظروف للإيقاع بالفلاحين، كأن يضرب البلاد غلاء او يعمّ فيها وباء، لتغريمهم ايجارا مضاعفا[147]. ولم يحاول المقطعون تقديم العون لهم بالعمل على تحسين وتطوير وسائل الانتاج واستصلاح الاراضي، انما انحصر همّهم بزيادة الضرائب والمغارم، ما ادى الى نتائج عكسية بحيث عمد الفلاحون الى هجرة الارض وتفضيل تربية الماشية عليها[148]. وزادت ببؤسهم، الى جانب ما ذكرنا، الضرائب المتعددة ومنها ضريبة المراعي، التي كانت تقطع للأمراء بحيث كان يدفع شيئا معلوما عن كل رأس تبعا لتقدير الموظفين المختصين والشهود[149]. ناهيك بالامراض والاوبئة التي كانت تفتك بهم حتى صار يتناقص عددهم باستمرار[150].

   ان كل ذلك اضافة الى الفوضى العسكرية الداخلية التي عصفت بالبلاد بعيد وفاة الناصر محمد بن قلاوون والتي استمرت حتى نهاية العهد المملوكي، ناهيك بالصراعات الخارجية وما تطلبه كل ذلك من اموال فرضت من دون وجه حق على المكلفين جعلت الانتاج الزراعي يتراجع تدريجا، بل يضعف، ما ادى الى انعكاسات خطيرة على القطاعات الاخرى.

ب – الصناعة: ان الصناعة كبقية القطاعات الاقتصادية تتأثر بالمناخ السياسي العام، وبرعاية الدولة، وبالحركية الاجتماعية. ما يعني ان رعاية القطاعات الاقتصادية تتطلب ادراكا وحكمة، وترفّعا عن الانانية الشخصية للصالح العام. ولكن هل فعلا عمل المماليك على رعاية الشؤون الاقتصادية من هذا المنظور، ام ان افتقارهم لمبدأ الوراثة والانخراط الاجتماعي مع الشعب عسّر هذا التوجه وحوّل القطاعات الاقتصادية مصادر دخل للطبقة العسكرية من دون معرفة الوسيلة الناجعة لإستمرار تدفق الاموال؟

   بديهي التذكير ان عهد المماليك مرّ بعدد من الازمات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية المتداخلة فيما بينها والمتلاحقة، بدأ من عهود ابناء الناصر محمد بن قلاوون وصولا الى قيام الدولة المملوكية الثانية وما شهدته من صراعات غير منتهية في سلطنتي برقوق الاولى والثانية، وفي عهد ابنه فرج الشديد التعثّر[151]، واستمر الامر على هذا النحو عموما حتى سقوط الدولة. هذا اضافة الى الطواعين التي ضربت البلاد مرات متوالية. وكان لإنحطاط النظام الاقطاعي التأثير المباشر والفعال على تقهقر الصناعة، وأثر القطاعان سلبا بدورهما على تطور التجارة. والجدير ذكره ان المؤرخين العرب لم يتركوا لنا الكثير من المعلومات حول الصناعة، بل نتفا متفرقة بين دفات المجلدات الكثيرة، وهي تتناول احيانا المصادرات اوالضرائب المفروضة على بعض السلع، او في كلامهم عن الاسواق والمتاجر والمحارف.

    يمكن اعتبار الصناعة المملوكية حصيلة تطور تمّ في العهدين الفاطمي والايوبي على حد تعبير المقريزي الذي يستهل كلامه على اسواق القاهرة بالحسرة والاسى لكثرة ما لحقها من خراب شاهده بام عينه وقد ادركها عامرة؛ فالاسواق التي انحطت بين اراضي اللوق وباب البحر بالمقس بلغ عددها اثنان وخمسون سوقا، كان بعضها يضم ستين حانوتا تنوعت انتاجيتها، وقس على ذلك الجهات الثلاث الباقية.[152] ويقدر عدد حوانيت اسواق القاهرة باثني عشر ألف حانوت، وقسم منها كان حانوتا ومصنعا في آن، وتنوّعت سلعها: الاقمشة، السكر، الورق، المصنوعات الجلدية والخشبية والمعدنية، الشمع، الحصر، البسط والسجاد، الزيوت، والصابون[153]

   اما اشهر الصناعات فكانت:

 1 – النسيج: كانت احدى ابرز الصناعات المملوكية، وتعددت مراكزها: في القاهرة، والاسكندرية، دمياط، دبيق، تنّيس، اسيوط، الفيوم، الدلتا، دمشق، حلب، طرابلس، صور، القدس. وقد نسجت اقمشة متنوعة ومتعددة ذات جودة عالية جدا تباهى بلبسها الملوك والامراء في اروربا والشرق الاقصى[154]. اما اشهرها فكان الكتان المطرز والمخرّم، والاقمشة الحريرية المذهبة[155]، والثياب الصوفية الجيدة[156]، والخام الملّون، والاصناف القطنية[157]، واقمشة الدمقس التي انتجتها مدن بلاد الشام.

2 – صناعة السكر: كانت من الصناعات المهمة جدا وقد درّت اموالا طائلة في بداية الامر، وظل المماليك قادرين على تصدير السكر حتى نهاية القرن الرابع عشر.[158] ومن الادلة على ازدهاره حتى ذلك التاريخ وفرة مصانع السكر وكثرة المساحات المزروعة بقصب السكر،[159] وانتشار مصانع السكر في مناطق عديدة: كالاسكندرية، وجزيرة الذهب، ودمياط، والفسطاط، والقاهرة[160]، وهناك دليل آخر هو مصادرة خمسا وعشرين معصرة سكر من احد الوزراء[161]. ومن المؤسف حقا تخريب هذه الصناعات حتى بات المماليك يستوردون السكر الاوروبي.[162]

3 – صناعة الزيوت: انتشرت اشجار الزيتون في مختلف ارجاء بلاد الشام، وكذلك معاصر الزيتون، وكثرت في مصر النباتات الزيتية كالسمسم، والكتان، واللفت، وكذلك معاصر الزيوت[163]

4 – صناعة السفن: لم تكن صناعة مزدهرة لعدة اسباب: افتقار مصر للاخشاب، والتحريمات البابوية التي فرضت على التجار الاوروبيين لمنع تزويد المماليك بالمواد الاولية لصناعة السفن[164]، ولإعتماد المماليك على الفرسان. وقد اشتهرت عدة مدن بهذه الصناعة مثل: عكا، الاسكندرية، قوص، دمياط، جزيرة المقس…[165]. ويبدو ان السفن النيلية عرفت ازدهارا ملحوظا[166]. وتأثرت هذه الصناعة بغارات الاوروربيين على المدن الساحلية حيث كانوا يتلفون السفن الجاهزة كما المواد الاولية.[167]

5- صناعة لوازم الدواب: كثرت اماكنه في القاهرة[168]، كما في المدن الشامية[169] وصنعت بعض المهاميز من الذهب او الفضة الخالصة، او من الحديد المطلي بالذهب، وكذلك صنعت حوائص مذهبة ومرصعة بالجواهر[170].

6- صناعات مختلفة: كانت صناعة الورق آخذة بالانحطاط منذ جلاء الصليبيين عن الشرق، وزاد بمشاكلها كثرة الضرائب، ومصادرة السلاطين لأصحاب مصانعها. وكانت الصناعات المعدنية مزدهرة؛ كصنع الاقلام المذهبة والمطعمة بالجواهر، والسلاسل والخواتم والقلادات الذهبية والفضية، واساور وخلاخيل النساء، وقد سيطر اليهود على معظمها[171]. وراجت ايضا صناعة الكفت، وهي عبارة عن تطعيم الاواني النحاسية بالذهب او الفضة، او نقش آيات قرآنية عليها.[172] وعرفت مصر نوعا فريدا من الصناعة هو المشربيات وكانت عبارة عن محفورات خشبية يقوم بعض ذوي المهارات بحفرها باصابع اقدامهم فتجيئ آية بالروعة والدقة والتناسق[173]، وظلت مزدهرة الى ان اغتصب قسما من اسواقها الامير جمال الدين يوسف الاستادار.[174] وكانت هناك صناعات غير معدة للتصدير كالفراء، والاقفال الخشبية، والاخفاف، والسلاح، والشمع الذي قل استعماله على اثر الازمات الاقتصادية واستعيض عنه بالسرج.[175]

   وانتظم اصحاب الحرف في نظام خاص اذ ترأس كل حرفة عريف اوشيخ[176] لمنع الغش، وشكّل في آن وسيطا بين ابناء حرفته والمسؤولين الحكوميين. وكان القضاة يعينون هؤلاء العرفاء او الشيوخ، او ينتخبهم ابناء الحرفة، وقد لعبوا دورا باستقرار الاسعار[177]، وخضعوا هم واصحاب الحرف لرقابة المحتسب.

   لكن هذه الصناعات انحطت تدريجا لأسباب متنوعة، ولعل من ابرزها: اخطاء المماليك، والعوامل الطبيعية، والنهضة الاوروبية.

   كانت اخطاء المماليك اكثر من ان تحصى، فقد بلغ جهل واهمال بعض السلاطين والامراء حدا خطيرا من عدم التحسس بالمسؤولية، فقد ضحّى بعضهم بالصالح العام لمآربه الشخصية: فتملقوا الجلبان[178] الذين حوّلوا القاهرة والمدن التي حلّوا فيها الى ساحات صراع شبه دائم بسبب خلافاتهم المستمرة مع السلطان والمسؤولين الاخرين، وكذلك بسبب خلافاتهم الشخصية غير المنتهية النابعة من انتماآتهم اذ كان كل فريق منهم وحسب الاقدمية ينتمي الى احد السلاطين، فضلا عن قتالهم للحصول على اكبر قدر من المال والنفوذ،[179] ولشراسة باخلاقهم. وزاد بالامر سوءا تراخي المسؤولين تجاههم حتى قيل فيهم:” ليس لهم صنعة الا نهب البضاعة، يتقوون على الضعيف، ويشرهون بالرغيف، وجهادهم الاخراق بالرئيس.”[180]

كان لشره السلاطين بالمال دور رئيسي في تدهور الاقتصاد، ففرضوا ضرائب استثنائية، بل صارت دائمة. وولّوا المناصب المالية لغير مستحقيها، بل للجهلة من اجل مصادرة اموالهم[181]، ومارس بعضهم احتكار بعض السلع بدءا ببرسباي الذي تجاوز احتكار الشب والنطرون الى السكر فالبهارات، وتعسّف بتنفيذها[182]. وغشّوا النقود من اجل تأمين جوامك (رواتب) المماليك، فكان ذلك من ابرز اسباب التدهور الاقتصادي، لأن النقود عصب كل عملية اقتصادية. وذا عدنا الى مؤلفات المقريزي لوجدنا نظرية كاملة للتضخم النقدي، تظهر دور غش النقود وتداعياته على الحياة الاجتماعية والاقتصادية؛ كافقار الناس، واقفال المؤسسات الحرفية والتجارية.[183]ودفعت هذه النظرية المقريزي الى ان يقيم دراسة مقارنة وتطورية بين العملات المشرقية والاوروبية المستخدمة في الشرق مظهرا الفروق لصالح الاخيرة[184]. وزادت الضرائب الاستثنائية كالطرح، والتحكير، والرمي، اضافة الى المصادرات في الضعف الاقتصادي فتدنت القدرة الشرائية للنقود، وارتفعت الاسعار بشكل فاحش[185]. وادت المصادرات الى اقفال معظم المؤسسات الاقتصادية حتى ان بعض اصحابها دفن امواله بالارض خوفا من مصادرتها[186]. وابتدع المماليك ضرائب جديدة كالمجامعة (اسبوعية) والمشاهرة فرضت على ارباب الاقتصاد[187]، ناهيك بالطرح والرمي[188].

العوامل الطبيعية: كان من ابرزها والجفاف في بلاد الشام، والفيضانات في مصر، فضلا عن الجراد والَبَرْد ما كان يؤدي الى انتشار الاوبئة، وتعطيل المواسم، وهجرة الفلاحين، والى تحول المصانع او المحترفات الى اماكن سكنية او مخازن للغلال، بعد ان يكون تهدم معظم البيوت.[189]

   هذه الاسباب العامة طالت كل المرافق والقطاعات الاقتصادية، لأنها متداخلة فيما بينها، ووجدت عوامل اخرى خاصة بكل قطاع ساهمت بانحطاطه شأن ما سذكره عن الصناعة:

  ان السلاطين الجراكسة عموما زاحموا القطاع الخاص وتفوّقوا عليه لحصولهم على المواد الاولية من مردود اقطاعاتهم، ومن الضرائب العينية التي كان يؤديها لهم المقطعون، في حين كان اصحاب الحرف يشترونها بالسعر الرائج اي الذي يحدده عملاء السلاطين، وكان دائما لصالحهم. وما كان السلاطين يوظفون ارباحهم الصناعية بتأسيس محترفات جديدة او تطوير القديمة، او ان يعيدوا فتح تلك التي كان يفلس اصحابها اما لحسابهم الخاص او بتسليف المفلسين ما يحتاجون اليه بل كانوا يصرفونها على امرائهم واجنادهم وملذاتهم.[190] ونملك ادلة قاطعة على تدهور صناعة النسيج، مثل: نتاقص عدد الانوال في الاسكندرية بين عامي798/ 1395 و 838/1434 من اربعة عشر ألف الى ثمان مائة نول[191].وقد انخفض مستوى التصدير و تم الاعتماد على الاستيراد ،[192] هذا فضلا عن تداعيات هجوم تيمورلنك على بلاد الشام. وعانت صناعة السكر انحطاطا مأسويا، بسبب مصادرة المصانع وانتقال بعضها الى كبار الامراء.[193]ويذكر بولياك: ان من اصل ثمانية وخمسين مصنعا للسكر ظلّ تسعة عشر منها تنتج في القرن الخامس عشر، وخمسة تحوّلت الى انتاج غير السكر، سبعة عشراستعملت كمساكن، وخمسة اغلقت ابوابها نهائيا، والاثنا عشر الباقية ظلّت مجهولة المصير.[194] وما كان يسمح من جهة ثانية باستحداث معصرة للسكر الا بعد ان يدفع مؤسسها مائة ألف دينار ضريبة وسمسرة، وهو مبلغ تعجيزي، ما جعل الراغبين يتحوّلون الى عملاء للمتاجر السلطانية[195]. ومن جهة ثانية فرض المماليك مكسا خاصا على الاراضي التي تزرع قصبا، وضريبة على المعاصر اسموها “زكاة الدولبة” [196]، واقاموا في كل معصرة شاد ومباشر لاستيفائها[197]. ومن الادلة على خراب معاصر، اضافة الى ما ذكرنا، السكراعتماد المماليك على تصدير الانتاج الخام الى اوروبا، واستعاض الناس عن السكر ب”النيد”[198]. وهكذا انحطت الصناعة  في العهد المملوكي بعد ان كانت لها شهرة عالمية، وانخفض الانتاج بعد ان كان يصدّر قسم منه، واستعيض عن النقص من اجل الاستهلاك المحلي  بالاستيراد.

ج – التجارة:

1 – عوامل ازدهار التجارة: تمتعت دولة المماليك بموقع استراتيجي مهم جدا؛ فكانت معظم الطرق التجارية العالمية بين الشرق والغرب تمر باراضيها، او تنتهي باحد موانئها الشديدة الاهمية[199]، نذكر منها على المتوسط: الاسكندرية، دمياط، عكا، طرابلس، بيروت، وعلى البحر الاحمر:عدن، الطور، فضلا عن موانئ متعددة على النيل[200]. وكانت شبكة طرق الداخلية او القوافل شديدة الانتظام والحماية، وتنتشر عليها المحطاط التجارية المتنوعة[201]. ومع ذلك واجهتهم مصاعب في مطلع عهدهم اثّرت على الوضع التجاري؛ كتركيز دولتهم، وابعاد الخطرين المغولي والفرنجي. ومنها ايضا اهتمام المغول بالتجارة خصوصا في عهد غازان(694-703/ 1295-1304) فأمّنوا طرقها، وقطعوا دابر قطاعها، وخففوا الضرائب على السلع[202]. وحذت دولة ارمينيا الصغرى حذوهم حتى بات “اياس” ميناؤها على المتوسط، يزخر بحركة تجارية واسعة.[203] وتلا جلاء الفرنجة عن الشرق تطبيق التحريمات البابوية بحق كل من يتجر من الاوروبيين مع المماليك[204]. لم تشكل تلك العقبات الا مرحلة آنية لأن الصراعات بين دول إلخانات فارس ادت الى انقطاع الطريق البري الآتي من وسط آسيا. وزادت غارات المماليك على مملكة ارمينيا فاضعفتها لدرجة صارت كليكيا نيابة مملوكية[205]. هذه العوامل مجتمعة، اضافة الى مساهمات المماليك حوّلت التجارة لصالحهم، ولعل ابرز ما قدّمه المماليك:

11 – التسهيلات التجارية: عمد المماليك الى تشجيع انشاء الوكالات التجارية، فاكثروا من بناء الفنادق ووزعوها على التجار الاوروبيين[206]، واهتموا بالقيساريات والخانات التي افاد منها التجار العرب والمشارقة[207]. وُسمح للاوروبيين اقامة الصلاة في فنادقهم، بل تشييد كنائس فيها[208].

12 – غنى الاسواق وتنوّعها: ساهم تنوّع الاسواق بازدهار التجارة المملوكية اذ كان هناك ثلاثة انواع من الاسواق: الموسمية، والسنوية، والمحلية. ارتبطت الاسواق الموسمية بهبوب الرياح الموسمية وهي الفترة التي كانت ترد فيها التوابل من الشرق الاقصى، وفي الوقت عينه سفن المدة الاوروبية الى الموانئ المملوكية المتوسطية[209]. وكانت الاسواق السنوية تعقد في مواسم الاعياد الدينية، ولأن الاعياد الاسلامية غير ثابتة التوقيت، صارت تعقد هذه الاسواق في اوقات شبه محددة[210]. اما لااسواق المحلية فكانت دائمة خصوصا في القاهرة ودمشق والموانئ المتوسطية.

13– ازدهار التجارة الكارمية: تعود نشأة تجار الكارم او الكارمية الى العهد الفاطمي، ومنهم من يرجعها الى العهد الايوبي، وهم تجار التوابل وغيرها من سلع الشرق الاقصى بين محيط الهندي ومصر عبر البحر الاحمر[211]. وكانت محطاتهم الكبرى في عدن، وتعز، وزبيد، ومخازنهم التجارية في قوص، ومن هذه كلها كانوا يتجهون الى القاهرة والاسكندرية ودمياط[212]. وقد رعى المماليك تجار الكارم وحموهم من تعديات حكام اليمن[213]. وازداد نفزذ الكارم  بما يتناسب مع اضطراد تجارتهم، وجنوا ثروات ضخمة تنم عن مدى ازدهار تجارتهم،[214]. ومع اسهامهم الساسي بتنشيط تجارة المماليك فان بعض السلاطين اساء اليهم او اعتبرهم كالتجار الاجانب[215].

   ان كل ذلك جعل دولة المماليك مقصد التجار من مختلف انحاء العالم، واستغل المماليك التجارة الى ابعد حدود، فازدهرت ازدهارا شديدا، ولكنهم اساءوا اليها فيما بعد، شأنهم مع القطاعات الاقتصادية الاخرى، حتى اصابها الانحطاط تدريجا.

2- اشهر الدول التي تاجرت مع المماليك: كانت الجمهوريات الايطالية البندقية، وجنوا وبيزا قد باشرت الاتجار مع المماليك منذ قيام دولتهم انما بخفر وحذر. ولكن بعد حملة بطرس الاول ملك قبرص على الاسكندرية عام768/ 1366 بمشاركة من البندقية وجنوا، هاج الشعب واحرق عددا من فنادق التجار الاجانب[216]، ما ادى الى ضعف في الحركة التجارية مع كل الجاليات الاوروبية. ثم سرعان ما ادرك المعتدون خطأهم واسترضوا السلطان، وتم عقد اتفاقيات تجارية بين الاجانب والسلطان، وخَفّضت البابوية ضغط التحريمات بضغط من الجمهوريات الايطالية خصوصا البندقية[217]. فنشطت الحركة التجارية العالمية بين اوروبا والشرق الاقصى عبر المماليك الذين احتكروا التجارة العالمية ان جاز التعبير عبر سيطرتهم على تجارة العبور(الترانزيت). وشرعت الدول تعقد الاتفاقيات التجارية مع السلاطين للحصول على ضرائب مخفّضة والاعفاء من بعضها، وحق الحصول على فنادق او خانات، واقامة جالية ثابتة، حتى بلغت استثمارات البندقية وحدها حوالى نصف مليون دينار سنويا.[218]ولم تهتم جنوا كثيرا بتجارة البهارات والافاويه لأن ذلك كان يعني مزاحمة البندقية وبالتالي الصراع بينهما، فاعتمدت على الحرير والقطن المتوفران بكثرة في موانئ الساحل اللبناني، وبلغ عدد السفن الجنوية التي وردت الى بيروت بين 1399و1408 مايتين واربع وستين سفينة[219]. وعلى رغم عداء المماليك لقطالونيا فان تجارتها في الشرق كانت مزدهرة اذ بلغ عدد سفنها التي دخلت بيروت بين 1399و1408 مايتين واربعا وعشرين سفينة[220]. واذا كانت تجارة مرسيليا لا تقارن بتجارة الجمهوريات الايطالية فانها بدأت تزدهر بعد ان خلفت بيزا في موانئ البحر الاسود وفي الديار المملوكية، فقد استجاب السلطان برسباي لطلب سفارتها واعتبر الافرنتي نقدا رسميا، ومنحها فندقا[221]. وكانت تجارة كل من مرسيليا، وبرشلونة، ونابولي محدودة لأنها كانت تنقصها اسواق التصريف في اوروبا  ومع ذلك فقد كان للفرنسيين ثلاثة فنادق في الاسكندرية[222]

   وقد  تأثرت التجارة بالاوضاع السياسية والعسكرية وبغش النقد. وتواجهنا مشكلة اساسية في دراسة تطور التجارية تتمثل بافتقارنا للجداول التي تبيّن الحركة التجارية، والمؤسف ان مصادرنا العربية تحجم عن اعطاء جداول وارقام. في حين ان المراجع الاجنبية، التي اعتمدت على الارشيفات الايطالية لا تعطي الكثير من الارقام، التي تزخر بها الارشيفات الايطالية، وهي مدونة باللغة الايطالية القديمة ما يجعل دراسة البيانات عملية عسيرة

3- انحطاط التجارة: بدأت التجارة بالازدهار منذ اواسط القرن الرابع عشر وبلغت اعلى مستوياتها في اواخره ومطلع القرن الخامس عشر. ثم بدأت بالتراجع من دون ان تتقهقر لاسباب كثيرة من ابرزها الاسباب الرئيسة العامة التي ادت الى تدهور الاقتصاد المملوكي مضافا اليها عوامل اخرى لا تقل عنها اهمية، ولعل من اهمها:

 القرصنة الاوروبية: مارس بعض الاوروبيين القرصنة على السفن التجارية التابعة اما الى لدولة المماليك مباشرة، او السفن الاسلامية التي كانت تنقل سلعا الى الموانئ المملوكية. كما مارس بعض تجار الدول الاوروبية القرصنة بعضهم على البعض الآخر[223].

الاحتكارات السلطانية: منذ منتصف القرن8/15 تحوّلت التجارة الى شبه احتكار سلطاني، وشبه انعدمت المنافسة الحرة بين التجار الذين ارهقوا بالضرائب الاستثنائية والمصادرات المتعددة. اذ صارت مراكز الجمارك المتعددة في عيذاب، والقصير، والطور، والسويس بل في كل مركز جمركي اونقطة عبور تستوفى الضريبة عينها على السلعة نفسها قبل وصولها الى الاسكندرية او دمياط، او بيروت، او طرابلس. ودُفعت الضرائب ايضا في بدر، وحنين والطائف، وبويب، والقصبة، الخاضعة للسيطرة المملوكية. هذا عدا عن الضرائب المستحدثة التي كانت يدفعها التجار بوصول السلع الى الموانئ وتحديدا في اماكن التصدير. فارتفعت الضرائب بشكل مخيف، فعوضا عن العشر صار يدفع الخمس،[224] ما جعل سعر السلعة القادمة من الهند لصالح التاجر العادي، اي الذي غير العامل لدى المتجر السلطاني، يرتفع الى ثلاثة او اربعة اضعاف ثمنها الاصلي. ويفّصل هايد كل ذلك محددا قيمة الضريبة في جدة بعشرة بالمائة، عدا عن جور وعسف عمال السلطان ما كان يرفع نسبتها الى 15%، ثم تدفع عنها القيمة عينها في الطور، وفي القاهرة[225]. وما كان يحق للتجار الاوروبيين شراء سلع الشرق الاقصى الا من الاسكندرية او دمياط في مصر، لذلك كانوا يدفعون جميع تلك الضرائب البالغة خمسة وسبعين بالمائة، عدا عن عشرة بالمائة عند مغادرة التجار الميناء، ناهيك بضريبة السمسرة والشحن. لذلك اعتبر كل من هايد وصبحي لبيب ان المماليك كانوا يجنون حمولة سفينة كاملة من الضرائب المفروضة على كل اربعة سفن[226]. ويذهب هايد ابعد من ذلك اذ يعتبر ان التاجر الشرقي كان يرسل بضائع من الهند بقيمة عشرة آلاف دينار، وبعد مرورها في الموانئ ومراكز الجمارك المملوكية في البحر او البر وصولا الى الاسكندري تصبح قيمتها ثلاثين ألف دينار.[227] وضبطا لعملية الضرائب استخدم المماليك جوازات المرور بحيث كان يتم تسجيل اسماء جميع المسافرين ومعرفة تاريخ دخولهم وخروجهم. فجنى السلاطين ارباحا طائلة من تجارة العبور، ولكن اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح، ووصولهم بحرا الى الهند حيث دمّروا المراكز التجارية المملوكية، بل مراكز التجار المشارقة، ومن ثم سدوا مداخل البحر الاحمر باساطيلهم بعد ان قضوا على الاسطول المملوكي[228]. هذا اضافة الى احتكارالمماليك مع التجار البنادقة التجارة العالمية ادى بالنهاية ليسس الى انحطاط تجارتهم فحسب، بل الى سقوط دولتهم.

     ان المماليك الذين استمر جلبهم الى مصر مدى العصر المملوكي لم يستطعوا فهم عقلية المجتمعات الشرقية، ولا تركيب بناها الاجتماعية، ولا حاولوا هم الاندماج في هذا المجتمع بل عاشوا ابدا طبقة مميزة بعيدة عن مآسي الشعب، ومن دون ان يدركوا، او ربما ادركوا ولم يبالوا، وطأة المظالم التي كانوا ينزلونها به، فصار المجتمع مجتمعات متجانسة داخليا، ومتناقضة خارجيا. سادتها انواع المظالم الاقتصادية والسياسية والادارية، وافتقرت الى الامن. حتى ان المماليك حاولوا تطويع رجال الدين واستخدامهم لتحقيق مآربهم، وان نجحوا نسبيا من خلال الرشوة في المناصب خصوصا الرفيعة الشأن، فانهم فشلوا في حمل كل رجال الدين على مجاراتهم، حتى بات بعضهم الرقيب الفعلي على تصرفات الطبقة العسكرية الحاكمة. وانعكس سوء ادارة المماليك على المستويات السياسية والامنية والادارية اضافة الى النوازل الطبيعية تدهورا في الاحوال الاقتصادية؛ فبدأت الزراعة بالانحطاط متأثرة بالمساوئ التي نخرت النظام الاقطاعي العسكري المملوكي. اذ عمد المماليك سلاطين وامراء واجنادا الى استنزاف طاقات الفلاحين الاقتصادية من دون التبصّر بواقع الاحوال، ما ادى الى هجرة قسم من الفلاحين الى المدن حيث انخرطوا بمنظمات السوء المتنوعة. وتأثرت الصناعة بنيويا باحوال الزراعة، وبتطور الحركة الصناعية في اوروبا وبجمودها في الشرق عموما وفي دولة المماليك خصوصا. وانعكس وضع القطاعين المذكورين على التجارة التي تحول قسم كبير منها الى احتكارات حكومية. كما تحوّلت التجارة العالمية الى احتكار مملوكي بندقي ارهق الاسواق العالمية واضعف حركتها التجارية بسبب الارتفاع المخيف لأسعار السلع ارضاء لطمع المماليك وشركائهم البنادقة. الامر الذي ادى الى سقوط دولة المماليك. وليس ادل على جهلهم للبعد الاجتماعي والانخراط في المجتمع والدفاع عنه تجاه الاخطار الخارجية سوى مواقفهم المتخاذلة في مرج دابق 1516، وخصوصا في الريدانية عام 1517، وموقف الشعب الذي كان مؤيدا العثمانيين وكاراه المماليك.

                                                              الدكتور انطوان خليل ضومط

                                   مصادر البحث ومراجعه

اولا المصادر العربية:

*ابن ابي اصيبعة،احمد بن القاسم،عيون الانباء في طبقات الاطباء، تحقيق اوغست مللر ،القاهرة ،1822

*ابن اياس، ابو البركات محمد بن احمد، بدائع الزهور في وقائع الدهور،بولاق ،1311ه، ج1 والاجزاء الا ربعة الاخرى تحقيق، محمد مصطفى زيادة، القاهرة، 1960

* ابن بطوطة، محمد بن عبد الله، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار، جزءان، المطبعة الاهلية، باريس،1874-1879.

* ابن تغري بردي،جمال الدين يوسف ابو المحاسن، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الاجزاء5-12 طبعة دار الكتب ،القاهرة،1930-1956، ج14 تحقيق جمال محرز وفهيم شلتون، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972، ج16 تحقيق جمال الدين الشيال وفهيم شلتون، الهيئة المصرية العامة، 1972 

*ابن جبير، ابو الحسين محمد  بن احمد، رحلة ابن جبير، دار صادر بيروت،1961.

*ابن جماعة،بدر الدين محمد، تذكرة السامع والمتكلم في آداب العلم والمتعلم، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر اباد الدكن،1353ه.

*ابن الشحنة، محمد كمال الدين، الدر المنخب في تاريخ مملكة حلب، دار الكاتب العربي، سوريا، 1986

*ابن الصيرفي، علي بن داوود، نزهة النفوس والابدان في تواريخ الزمان، 3 اجزاء، تحقيق حسن حبشي، القاهرة، 1974

*ابن طولون، شمس الدين محمد،-  مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، نشر محمد مصطفى زيادة،القاهرة، 1962-1964، ج1

-اعلام الورى بمن ولي من الاتراك بدمشق الشام الكبرى،تحقيق محمد احمد دهمان،دار الفكر ،دمشق،1984.

– نقد الطالب لزغل المناصب، حققه محمد احمد دهمان وخالد محمد دهمان، دار الفكر المعاصر بيروت،1992.

الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء  الشام، تحقيق صلاح الدين المنجد، دمشق، 1956.

11 القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، تحقيق محمد احمد دهمان، دمشق ،198.

*ابن كثير،عماد الدين اسماعيل، البداية والنهاية في التاريخ، مكتبة المعارف، بيروت،1966

*ابن كنان،محمد بن عيسى، – المواكب الاسلامية في الممالك والمحاسن الشامية، جزءان، تحقيق حكمت اسماعيل، وزارة الثقافة، دمشق، 1993

حدائق الياسمين في ذكر قوانين الخلفاء والسلاطين، تحقيق عباس صباغ، دار النفائس، بيروت، 1991

*ابن الفرات، محمد بن عبد الرحيم، تاريخ الدول والملوك، تحقيق قسطنطين زريق ونجلاء عز الدين، المطبعة الاميركية، بيروت، 1936-1938، ج9

*ابن قاضي شهبة، ابو بكر بن احمد، تاريخ ابن قاضي شهبة، تحقيق عدنان درويش، المعهد الفرنسي، دمشق، 1977،ج2

*ابن المبرّد، يوسف بن عبد الهادي، ” نزهة الآفاق في حالة الاسواق “، نشره حبيب الزيات، مجلة المشرق، بيروت، 1939

*ابو الفدا، اسماعيل بن علي، تقويم البلدان، باريس، 1840 

*البدري، ابو البقاء عبد الله، نزهة الانام في محاسن الشام، القاهرة،1341ه.

*البصروي، علاء الدين علي بن يوسف الدمشقي، تاريخ البصروي، تحقيق اكرم العلبي ، دار المأمون للتراث، دمشق ، 1988.

* الخالدي، مجهول الاسم الاول، المقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا، مخطوط حققه خليل شحادة، اطروحة دكتوراه غير منشورة باشراف الاب الدكتور جان فييه ،جامعة القديس يوسف، بيروت، 1988.

* الدينوري، نصر بن يعقوب، التعبير في الرؤية، مخطوط في متحف بغداد،رقم 598.

*السبكي،تاج الدين علي، معيد النعم مبيد النقم، دار الحداثة، بيروت،1983.

*الصفدي، صلاح الدين خليل بن ايبك، تحفة ذوي الالباب، وزارة الثقافة، دمشق، 1991.

* الصولي،محمد بن يحي، اخبار الراضي بالله والمتقي بالله، مطبعة الصاوي، مصر،دون تاريخ.

* الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1960-1969. الجزء الثامن

*الظاهري،خليل بن شاهين،زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، اعتنى بتصحيحه بولس راويس، المطبعة الجمهورية، باريس، 1891.

*لبيب، صبحي، ” التجارة الكارمية وتجارة مصر في العصور الوسطى” المجلة التاريخية المصرية للدراسات التاريخية، مايو 1952، العدد الثاني، المجاد الرابع

*العصامي، عبد الملك بن حسين، سمط النجوم العوالي في انباء الاوائل والتوالي، ج4، المطبعة السلفية، القاهرة، 1380ه.

*العمري،ابن فضل الله،- مسالك الابصار في ممالك الامصار، تحقيق دوروتيا كراوفولسكي ،المركز الاسلامي للبحوث، بيروت، 1986.

– التعريف بالمصطلح الشريف، مطبعة العاصمة، بمصر، 1894

القلقشندي، ابو العباس احمد، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، 14جزءا، القاهرة 1913 *المقريزي، تقي الدين احمد بن علي- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار،بولاق،1270ه جزءان

– السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد مصطفى زيادة، دار الكتب، القاهرة ،1934-1936، 4 1جزاء

– اغاثة الامة بكشف الغمّة ، تحقيق محمد مصطفى زيادة، وجمال الدين الشيّال، القاهرة،1940

*النعيمي، محي الدين عبد القادر محمد، الدارس في تاريخ المدارس، مطبعة الترقي، دمشق،1948.

*النويري، شهاب الدين احمد، نهاية الارب في فنون الادب، دار الكاتب المصري، القاهرة، 1929، ج8

     المراجع العربية

*بولياك، أ. ن.، الاقطاعية في مصر وسوريا ولبنان، ترجة عاطف كرم، منشورات وزارة التربية والفنون الجميلة، بيروت، 1949

*البيومي، اسماعيل، النظم المالية في مصر والشام زمن سلاطين المماليك، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998.

*حطيط، احمد، قضايا من تاريخ المماليك السياسي، الفرات للنشر والتوزيع، بيروت،2003

*الدوري، عبد العزيز، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، دار الطليعة، بيروت، 1978

*الربيع، محمد سليمان، النفقات المالية في دولة المماليك الجراكسة، رسالة دبلوم غير منشورة، باشراف الدكتور احمد حطيط، الجامعة اللبنانية، بيروت، 2001

*عاشور، سعيد عبد الفتاح، بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى، دار الاحدب البحيري، بيروت، 1977

*العلبي،اكرم، دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق،1986

*سوفاجيه، جان، دمشق، نقله الى العربية فؤاد افرام البستاني، حققه اكرم العلبي،دار الوارف، دمشق، 1989.

*زيادة، نقولا، دمشق في عصر المماليك، مؤسسة فرانكلن للطباعة والنشر، بيروت-نيويورك،1966.

*سعد، فهمي، العامة في بغداد في القرنين 3و4 الهجريين، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت

1983

*ضومط،(انطوان)، – الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، دار الحداثة، ط1، بيروت،1981

-” دمشق الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية”، ضمن كتاب المؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام، دمشق 10-12 تشرين الثاني-نوفمبر 2001

*ضومط، انطوان، وآخرون، الشرق العربي في القرون الوسطى، الجامعية للنشر، بيروت، 1996

*الطرخان، ابراهيم علي، – النظم الاقطاعية في الشرق الاوسط في العصور الوسطى، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1968

  • مصر في عصر دولة المماليك الجراكسة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1960

*فهمي، نعيم زكي، طرق التجارة الدولية ومحطاطها بين الشرق والغرب، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، 1973

*فييت، غاستون، القاهرة مدينة الفن والتجارة، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، بيروت-نيويورك، 1968

*القطار، الياس، نيابة طرابلس في عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1998

*كرد علي،(محمد)، خطط الشام، مطبعة الترقي دمشق، 1927.

*كيال،( منير)، الحمامات الدمشقية، مطابع ابن خلدون، دمشق، 1986

*غاوبه، هانس، “المدينة الشرقية-الاسلامية وسكانها”، في كتاب الآثار السورية، باشراف عفيف البهنسي، ترجمة نايف بللوز، فيّنا، 1985

*اليوزبكي، توفيق سلطان، تاريخ تجارة مصر في العصر المملوكي، جامعة الموصل، دار الطباعة والنشر، 1975

*لابيدوس،(ايرا مارفين)، مدن الشام في عصر المماليك، نقله الى العربية سهيل زكار، دار حسان، دمشق، 1985.

*نصار،(اندريه)، العامة بدمشق المملوكية،رسالة دبلوم دراسات عليا غير منشورة باشراف الدكتور انطوان ضومط، الجامعة اللبنانية، كلية الآداب، الفرع الثاني -الفنار، 1997

                                      Bibliographies

*Abdel-Nour , A, Introduction à l’histoire urbaine de la Syrie ottomane, publication Université Libanaise, Beyrout, 1982

*Ashtor,E., – Histoires des Prix et des Salaires dans l,Orient Medieval , Ecole pratique des Hautes Etudes, Paris , 1959

– “Venitian supremacy in the Levantine trade or procolonisation”, Journal of European Economic History, III ,(Rome 1974), pp.5-53

*Ayalon,D,” The Muslim City ahd the Mamluk aristocacy”,Proceeding of the  Israel Academy of Sciences and Humanities,2(Jerusalem 1968),pp. 311-329

*Clerget,M, Le Caire étude de géographie urbaine et d’histoire économique, le Caire, 1930

Depping, G,B, Histoire du commerce entre le Levant et l’Europ depuis les Croisades jusqu’à la fondation des colonies d’Amérique, tI et II, Paris, 1865

*Divers historiens et archeologues, Precis d’Histoire d’Egypte ,Institut francais d’archéologie orientale du Caire, , 1932.

*Demombine,M.G.,La Syrie à l’époque des Mamlouk d’après les auteurs arabes, Paris,1923

*Goiten, – “The main industries of the mediterraean area as reflected in the rectds of the Cairo Geneza”, JESHO  ,IV, part II, 1961

  • A Mediterranean society, Economic fondation, press Berkeley and Los Angelos, California, 1967

Heers,J, Gêne au XV siècle, Paris, 1961

*Heyd,W, histoire du Commerce du Levant au Moyen-Age,2 tomes,Leipzig, 1885-1886

*Lapidus,  I ,” Muslim cities and islamic societies “in Middle Eastern cities, Harvard,1967

*Poliak, A,N, “les révoltes populaires en Egypte à l’époque Mamlouk et, le leurs causes éconpmiques” R.E.I., 8,(1934),pp.251-273

*Wiet,G, L’Egypte arabe de la conquète arabe à conquète  la conquète musulmane Le Caire, 1937


[1]  – هذه الابواب هي بالتسلسل من الجنوب الى الشرق فالشمال فالغرب:الباب الصغير، باب كيسان، الشرقي، توما، السلامة، الفراديس ، الفرج، الحديد، الجناز، والجابية، انظر:ابن طولون ( محمد بن علي )، الشمعة المضية في اخبار القلعة الدمشقية ، مطبعة الترقي ، دمشق ، ص 17 ؛ ابن بطوطة ( محمد بن ابراهيم ) ، رحلة ابن بطوطة ،دار صادر ، بيروت ، 1960 ، ص 97؛

البدري ( ابو البقاء عبد الله )، نزهة الانام في محاسن الشام ، القاهرة ، 1341 ه.، ص 25-28 ؛  العلبي ( اكرم حسن )، دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين ، الشركة المتحدة للتوزيع ، دمشق ،ص 49-50

[2] – المقريزي،(تقي الدين احمد)، المواعظ والاعتباربذكر الخطط والآثار، دار صادر، بيروت، دون تاريخ، ج1، ص 373

[3] – المقريزي، خطط، ج1، ص361

[4] – المقريز، خطط، ج1، ص362

[5] – ابن كنان( محمد بن عيسى)، المواكب الاسلامية في الممالك والمحاسن الشامية، تحقيق حكمت اسماعيل، وزارة الثقافة ، دمشق، 1993، ج1، ص211-212

[6] – المقريزي، خطط، ج1، ص380-382

[7] – القطار، نيابة طرابلس في عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1998، ص 546

[8]  – المقريزي، خطط، ج1، ص373

[9]  – القطار(الياس)، نيابة طرابلس، ص 546

– نصار ( اندريه طانيوس ) ، العامة بدمشق المملوكية ، رسالة دبلوم دراسات عليا غير منشورة ،الجامعة اللبنانية ،كلية الاداب ،الفرع الثاني – الفنار- ،ص 22 .

[10] – مفردها محلة وهي حي ينفتح على ازقة ضيقة تعرف بالحارات

[11] – لابيدوس ( ايرا مارفين )، مدن الشام في عصر المماليك ، نقله الى العربية سهيل زكار، دار حسان، دمثق، 1985 ، ص 81 .

[12] – لابيدوس ، المرجع السابق ، ص 142

[13]  – المقريزي، خطط، ج1، ص 373-377

[14] – المقريزي، خطط، ج1، ص373

[15] – غاوبة(هانس) المدينة الشرقية-الاسلامية وسكانها، في كتاب الاثار السورية، باشراف عفيف البهنسي، ترجمة نايف بللوز، فينا، 1985، ص 307

[16] – المقريزي، خطط، ج1، ص373-376

[17] –  المصدر السابق ، ج1، ص374

[18] – المكان نفسه

[19] – القطار، نيابة، ص546

[20] – المكان نفسه

[21]  ضومط( انطوان)،” دمشق-الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية “، ضمن كتاب المؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام، 10-12تشرين الثاني-نوفمبر 2001، جامعة دمشق، ،2001 ص390

[22] – ابن المبرّد، (يوسف بن عبد الهادي)، نزهة الآفاق عن حالة الاسواق، نشره حبيب الزيات،مجلة المشرق، بيروت، 1939، ص18 وما بعد                                                                                                                                                                      

[23] –  المقريزي، خطط، ج1، ص373-377، وج2، ص106-107

[24]  – انظر على سبيل المثال:

Abdel-Nour , A, Introduction à l’histoire urbaine de la Syrie ottomane, publication de l’Université Libanaise, Beyrouth. 1982; Lapidus, I,” Muslim cities and islamic societies “ in Middle Eastern cities, Harvard, 1967

[25] – لابيدوس، مدن، ص142

[26] – لابيدوس، مدن، ص142-143

[27] –  القطار،نيابة طرابلس، ص548

[28] –  النعيمي ( محمد بن عبد القادر)، الدارس في تاريخ المدارس، دار الكتب العلمية بيروت، 1990، ج2، ص244، ومفاكهة، ج1، ص124

[29]  – المقريزي، خطط، ج2، ص16والامثلة على ذلك كثيرة.

[30] – المقريزي، خطط، ج1، ص373

[31] – لابيدوس، مدن، ص 143

[32] – كيّال (منير)، الحمامات الدمشقية، وزارة الارشاد القومي، دمشق، 1966، ص212

[33] – غاوبه، المدينة، ص307

[34] – الكيال، حمامات، ص 212 ، وغاوبه، المدينة، ص307

[35] – الكيال، حمامات، 212

[36] – غاوبه، المدينة، ص 307

[37] – نصّار، العامة، ص22

[38]  – القطار، نيابة، ص557

[39] – الرمي هو ان ترمى على حارة ما مبالغ من المال لصالح السلطان او نائبه في النيابة، او لإقتراف احد ابناء المحلة جريمة، او اتهامها بالجريمة، وهي فتاوى انتزعها المماليك من بعض رجال الدين، انظر ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص 227، 249، 309، 363، 366…

[40] – المقريزي،(تقي الدين احمد)، اغاثة الامة بكشف الغمّة، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال، القاهرة، 1940، ص72-73

[41] – زيادة، دمشق، ص131

[42] – ابن جبير،( محمد بن احمد)، الرحلة، دار صادر، بيروت، 1980، ص 257؛ – ابن بطوطة، تحفة النظار، ج1، ص63

[43] – ضومط(انطوان) وآخرون، الشرق العربي في القرون الوسطى، الدار الجامعية للنشر، بيروت، 1996، ص135، 137-138، 182-183220-221، 279-284…

[44] – العمري، ابن فضل الله، مسالك الابصار في مسالك الامصار، تحقيق دوروتيا كرافولسكي، المركز الاسلامي للبحوث، بيروت، 1986 ص 117-119 ؛ القلقشندي، ابو العباس احمد، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، القاهرة، 1919-1922، ج4، ص19- 20؛ المقريزي،خطط، ج2، ص219،222

[45] – العمري مسالك، ص 117-119؛ القلقشندي، صبح، ج4، ص19-20 ؛ المقريزي، خطط، ج2، ص 219، 222 ؛ ضومط، الدولة المملوكية، ص67-73

[46] – انظر حول تركيب الجيش المملوكي ولا سيما الاجناد:القلقشندي، صبح، ج3، ص15-16، 347–348، 435، وج4، ص472؛ المقريزي، سلوك، ج3، ق3، ص982، وخطط، ج2، ص 215-216؛ الظاهري،(خليل بن شاهين)،زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، اعتنى بتصحيحه بولس راويس، باريس، المطبعة الجمهورية، 1891، ص115-116،

[47] – العمري،(ابن فضل الله)، التعريف بالمصطلح الشريف، مطبعة العاصمة بمصر، 1894، ص84 ؛ القلقشندي، صبح، ج4، ص184؛ الخالدي،(مجهول الاسم الاول، المقصد الرفيع المنشأ الهادي لديوان الانشاء، مخطوط حققه خليل شحادة، اطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة القديس يوسف، بيروت، 1988، ص272

[48] –  ابن طولون، اعلام الورى، ص82، 186

[49] -الخالدي، المقصد، ص273 ؛ ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص224

[50] – لن ادخل بتفاصيل صلاحيات نائب السلطان كلها، ولمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع انظر: العمري، مسالك، ص115

– القلقشندي، ج9، ص253، 259

[51] – لمزيد من الاطلاع ،انظر: السبكي،تاج الدين عبد الوهاب، معيد النعم مبيد النقم، دار الحداثة، بيروت، 1983، ص23؛ القلقشندي، صبح، ج13، ص124، 194، 197؛ ابن طولون، اعلام، ص59، 61، 70، 83، 115….؛ المقريزي، سلوك، ج4، ق1، ص136-137

[52] – الظاهري، زبدة، ص113 ؛ القلقشندي، صبح، ج4، ص13-14؛ الخالدي، 272

 [53]  – نخص منهم:امير حاجب وهو مقدم ألف، ويلي نائب دمشق رتبة وينوب عنه اثناء غيابه، واستادار، ونقيب الجيش، والمهمندار، وشاد المهمات، ووالي الشرطة، انظر: الظاهري، زبدة، ص113 ؛ القلقشندي، صبح، ج4، ص185 ؛ الخالدي، ص272 ؛ ابن كنان، المواكب، ج2، ص12

[54] – القلقشندي، صبح، ج9، ص253 ؛ المقريزي السلوك، ج4، ق1، ص422، 452

[55] –  ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص50، 155ن 157، 164…

[56] – انظر ادناه الحياة الاقتصادية

[57] –  توفي الامير سلار تاركا كنوزا مذهلة خمسة وعشرين رطلا احجار كريمة من زمرد وياقوت، وثلاث مائة قطعة ألماس، ومائة وخمسين حبة لؤلؤ كبيرة زنة الواحدة منها مثقالا، ومائتي ألف دينار ذهب عين، واربع مائة ألف دينار من الفضة، واربعة قناطير من المصاغ الذهبي، عدا عن الخيل و غيرها من الماشية؛ ويزعم ابن اياس ان دخله اليومي بلغ من اقطاعاته وحماياته مائة ألف دينار[57]. وبلغت قيمة اموال نائب الشام التي صادرها السلطان الناصر محمد بن قلاوون ( 1309 _  1340م.) حوالى المليون ونصف المليون من الدنانير الذهبية ؛ ابن تغري بردي، جمال الدين يوسف، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، دار الكتب، القاهرة، 1930-1956 ج9، ص153 ؛ ابن اياس، محمد بن احمد، بدائع الزهور في وقائع الدهور، القاهرة، 1961 ج1، ص156

[58]. ووزع الامير قوصون، الذي عين نائبا على الشام ، النفقة على الامراء على غرار السلاطين منها ثمانين جارية، واثني عشر ألف اردب غلة، وكثيرا من الذهب و الجواهر، ولكثرة عطاءاته توجس السلطان منه خيفة فاوقع به، وصادر له العامة اربع مائة ألف دينار ذهب عين، وعددا كبيرا من الكلفتاه المزركش والاواني الفضية والذهبية، فضلا عن ثلاثة اكياس اطلس كبيرة مليئة بالجواهر قدرت بمائة ألف دينار[58].وقد احصي ما تركه ” تنكز ” نائب الشام فبلغ مليونين وسبع مئة ألف دينار، وسبع مائة وثلاثين ألف درهم فضي فضلا عن المجوهرات – ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص6-8، 44

[59] – العلبي، دمشق، ص145

[60] – القلقشندي،  صبح الاعشى ، ج4، ص472

[61] – خرق هذا الشرط احيانا قليلة عندما كان ينعم بعض السلاطين على اولادهم وابناء الامراء بالأمرة، انظر: ابن تغري بردي، نجوم ج9، ص99-100، وابن اياس، ، بدائع ، ج1، ص225، وج2، ص5

[62] – Ayalon, D,” the Muslim City and the Mumluk Military Aristicracy”, proceeding of the Academy of Sciences and Humanities, 2 ,Jerusalem, 1968, p323

[63] – ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص51-52

[64] – ضومط،(انطوان)، الدولة المملوكية، التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، ط1، دار الحداثة، بيروت، 1980، ص86

[65] – Ayalon, Muslim city, p323

[66] – Ayalon, Muslim city, p323

[67] – القلقشندي، صبح، ج4، ص40-41 ؛  المقريزي، خطط، ج2، ص98

[68] – ضومط، الدولة المملوكية، ص88

[69] – القلقشندي، صبح، ج4، ص310-312 ؛ – المقريزي،خطط، ج1، ص357-358

[70] – القلقشندي، صبح، ج4، ص50-51، وج3، 458، وج6، ص158، انظر فصل الوضع الاقتصادي ؛ المقريزي، خطط، ج1، ص87، 90 ؛ ابن تغري بردي، نجوم، ج8، ص52؛ ابن اياس، بدائع، ج1، ص90

[71] – القلقشندي، صبح، ج4، ص234

[72] – القلقشندي، صبح ج4، ص34-36

[73] – المقريزي، سلوك، ج2، ق2، ص439-443

[74][74] – يروي المقريزي ان السلطان المؤيد الشيخ عقد مجلسا لقضاة القضاة الاربعة في مصر ومشليخ العلوم، وسأل فيه قاضي قضاة الحنابلة قاضي قضاة الشافعية عن اربع مسائل وهو يجيبه، فيقول له الاول اخطأت من دون ان يكون مخطئا، وتدخل قاضي قضاة الحنفية لصالح الحنبلي وراح يشتم الهروي قاضي قضاة الشافعية ثم قال:” يا مولانا السلطان اشهدك على اني حجرت عليه الا يفتي.” ويعلّق  المفريزي على ذلك قائلاً:” فكان مجلسا بغاية القبح، من اهانة الهروي وبهدلته.”  سلوك، ج4، ق1، ص479-485

[75] – المقريزي، سلوك، جج3، ق3، ص1073، 1168، ابن طولون (شمس الدين محمد)، الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء الشام، تحقيق صلاح الدين المنجد، دمشق، 1956، ص130، 165، 219، 255؛ ابن طولون، (شمس الدين محمد)، نقد الطالب لزغل المناصب، تحقيق محمد احمد دهمان، وخالد دهمان، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1992، ص45

[76] – ابن طولون، الثغر البسام، ص128، 130

[77] – ابن طولون، الثغر البسام، ص155 ولمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع، انظر: نصار، العامة، ص354-355

[78] – البصروي،(علي بن يوسف)، تاريخ البصروي، تحقيق اكرم العلبي، دار المأمون للتراث، دمشق، 1988، ص41، 43، 85، 86

– ابن طولون، الثغر، ص124-125، 160، 164، 180…

[79] – الامثلة كثيرة على هذا الموضوع سنذكرها في مكانها المناسب اي بالعلاقة بين العامة والسلطة المملوكية، وانظر على سبيل المثال فقط: ابن طولون، مفاكهة، ج1، 158، 160، 162…

[80] –  القلقشندي، صبح، ج4، ص193

[81] – القلقشندي، صبح، ج4، ص193، الخالدي، المقصد، ص273

[82] – المقريزي، سلوك، ج4، ق1، ص11

[83] – ضومط،(انطوان)،” دمشق الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية”، ضمن كتاب المؤتمر الدولي السادس لتاريخ بلاد الشام، 10-12 تشرين الثاني- نوفمبر،( ص384-434) ص404-405

[84] – المقريزي، سلوك، ج3، ق2ن ص949، ابن تغري بردي،  نجوم، ج12، 86

[85] – العصامي،( عبد الملك بن حسين)، سمط النجوم العوالي في انباء الاوائل والتوالي، 4اجزاء، المطبعة السلفية، القاهرة، 1380ه، ج4، ص 44 . وانظر حول رواتب الطلبة: سلوك، ج4، ق1، 78، وبدائع الزهور، ج1، ق2، ص791، وج3، ص329

[86] – انظر هذ التفاوت عند:ابن شداد،(عز الدين محمد)، الاعلاق الخطيرة في ذكر امراء الشام والجزيرة، دمشق، 1956، ص92، 121، وابن عبد الهادي(يوسف بن المبرد)، ثمار المقاصد في ذكر المساجد، تحقيق اسعد طلس، بيروت، 1943، ص59-143، والنعيمي (عبد القادر محمد)، الدارس في تاريخ المدارس، تحقيق جعفر الحسني، مكتب الثقافة الديني، لا ذكر لمكان النشر، 1988، ج2، ص304-305

[87] – قال الظاهري:” ان بمصر والقاهرة…ألف خطبة ونيف.” زبدة، ص 131، والمساجد التي تقام فيها الخطبة بلغت عند المقريزي مائة وواحد وثلاثون، المقريزي، خطط، ج2، ص409-413

[88] – ابن الشحنة(محمد كمال الدين)، الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب، دار الكتاب العربي، سورية، 1986، ص71

[89] – الربيع(محمد سليمان)، النفقات المالية في دولة المماليك الجراكسة، رسالة دبلوم غير منشورة، الجامعة اللبنانية، بيروت، 2001،ص163

[90] – العمري، مسالك، ص112-113

[91] – القلقشندي، صبح، ج0، ص 473 ، والخالدي، المقصد، ص 275

[92] – القلقشندي، صبح، ج4، ص194؛ الخالدي، المقصد، ص275

[93] – المقريزي، سلوك، ج1،ق3، ص950و ج2، ق1، ص216-218

[94] – سلوك، ج1، ق3، ص913، وج2، ق1، ص226-228،وج2ن ق3، ص921-927، وج3، ق1، ص372-372؛ ابن تغري بردي، نجوم،ج 4، ص 34-54، ج14، ص81-83

[95] – المقريزي، سلوك، ج3، ق1، ص106-107

[96]– لابيدوس، مدن الشام، ص136

[97] – سعد (فهمي)، العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع الهجريين، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1983، ص121

[98] – يذكر الظاهري ان احد تجار الكارم استطاع بناء مدرسة من مدخول يوم واحد، انظر، زبدة كشف الممالك، ص41، ويذكر القلقشندي ان بعض التجار ديّن السلطان مائة ألف درهم فضة، صبح، ج4، ص32، ويكرر الحادثة ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص279، سيتوضح جزئيا دورالتجار في كلامنا على الحياة الاقتصادية

[99] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص41،44، 45، 91، 119، 164، 231…واعلام، ص194، 203، 22…

[100] – الدينوري،(نصر بن يعقوب)، التعبير في الرؤية او القادر في التعبير، مخطوط، متحف بغداد، رقم 598، نقلا عن فهمي سعد (العامة في بغداد)، ص66

[101] – الطبري،(محمد بن جرير)، تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، القاهرة، 1960-1969، ج8، ص448 وما بعد

[102] – الصفدي،(خليل بن ايبك)، نكت الهيمان في نكت العميان،  ص10، نقلا عن العامة في بغداد، ص66

[103] – المقريزي، خطط،ج1، ص89

[104] – السبكي، معيد النعم، ص9-10

[105] –  المقريزي،خطط، ج1، ص89

[106] – لابيدوس، مدن، ص138

[107] – ان دلالات تطور حركة الزعر وصراعهم فيما بينهم ومع السلطة حفظتها مؤلفات المؤرخين الدمشقيين خصوصا ابن طولون وابن عبد الهادي، انظر حول الحارات: ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص275، 289، 316، 342…واعلام، ص171، 178، 205، 22، 208…والامر الملفت للانتباه ان المقريزي وهو مؤرخ اجتماعي بامتياز لا يحدثنا عن حارات الزعر، ولا عن علاقاتهم فيما بينهم.

[108] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص268، اعلام، ص174، 195…

[109] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص292، 293، واعلام، 195

[110] –  ابن طولون،مفاكهة، ج1، 180

[111] – المصدر السابق، ج1، 185

[112] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص160

[113] – ابن طولون،اعلام الورى، ص118، 119، 127، ومفاكهة، ج1، ص177ن 204، 213…

[114] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص204

[115] – النماذج كثيرة جدا، سنكتفي بهذ ه الوقائع: المقريزي، سلوك، ج3، ق2، ص608

[116] – ان خطط المقريزي، ومواكب ابن كنان مليئة بهذه الشواهد

[117] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص9، 139، 167

[118] –  ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص138

[119] – المقريزي، سلوك، ج2، ق1، ص29، وج3، ق2، ص576

[120] –  المقريزي،خطط، ج1، ص68، 264، 490، 492، 493، 494

[121] – ابن الفرات،(محمد بن عبد الرحيم)، تاريخ الدول والملوك، تحقيق قسطنطين زريق ونجلاء عز الدين، بيروت، المطبعة الاميركانية، 1936-1938، ج9، ق1، ص8، 443 بدائع الزهور، ج1، ق2، ص 336، وغيرها كثير

[122] –  ابن قاضي شهبة،( ابو بكر بن احمد)، تاريخ ابن قاضي شهبة، تحقيق عدنان درويش، المعهد الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، 1977، ج2، ص666، ابن حجر العسقلاني(شهاب الدين احمد)، انباء الغمر بابناء العمر، دار الكتب العلمية، بيروت، 1986،ج3، ص395، وابن الصيرفي(علي بن داوود)، نزهة النفوس والابدان في تواريخ اهل الزمان، تحقيق حسن حبشي، دار الكتب، مصر، 1970، ج1، 474، 491، 493 ؛ المقريزي، سلوك، ج3،ق2، ص 937 ، 945، ؛ابن تغري بردي،نجوم، ج12، ص 74،83 هذه بعض النماذج

[123] –  المقريزي، سلوك، ج3، ق3، ص1124-1126، وج4، ق2، ص821-828، ج2، ق3، 774-796…

– ابن تغري بردي، نجوم، ج8، ص68، وج10، ص195-209، وج11، ص275، وج14، 337-344، وج16، 146-147

[124] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص41، 65، 79، 125، 178، 215، 227…واعلام الورى، 79،96،97، 119

[125] – البصروي، تاريخ، ص183، 207، 219، 239؛ و ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص92، 164، 177، 204، 225، …

[126] – المقريزي، سلوط، ج4، ق3ن ص1066-1067؛ السبكي، معيد النعم، ص35-36،؛ ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص93-94، 142-143،204

[127] – البصروي، تاريخ، ص101-102؛ وابن طولون، مفاكهة، ج1، ص7، 9، 65

[128] – العمري، مسالك الابصار، ص94-95 ، ؛ المقريزي، خطط، ج1، ص97، القلقشندي، صبح، ج3، ص455

[129] – المقريزي، خطط، ج1، ص103-106

[130] – انظر حول هذه الضرائب ما كتبه المقريزي في الخطط: ج1، ص89

 [131]  – المقريزي،خطط، ج1، ص 89؛ابن تغري بردي،نجوم، ج8، 150، 166، وج9، ص45-46 ابن اياس، بدائع ، ج1، ص230

[132] – المقريزي،  سلوك ، ج3، ق2، ص345، والقلقشندي، صبح، ج3، ص529

[133] – المقريزي، خطط، ج1، ص87-88، والقلقشندي، صبح، ج4، ص50، وابن تغري بردي، نجوم، ج8، 52 وابن اياس، بدائع، ج1، ص137، وعرف العهد المملوكي روكين هما: الحسامي 1298، والناصري، والروك يعني استرداد كل الاقطاعات واعادة توزيعها مجددا. 

[134] – الطرخان،(ابراهيم علي)، النظم الاقطاعية في الشرق اوسط في العصور الوسطى، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1968، ص144

[135] – ضومط، الدولة المملوكية، ص133-134

[136] – ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص52

[137] – Demombine, M,G, La Syrie àl’époque des Mamlouks d’après les auteurs arabes, Paris, 1923, p50

[138] – القلقشندي، صبح، ج4، ص16

[139] – المقريزي، خطط، ج2، ص219

[140] – المكان نفسه، و الظاهري، زبدة، ص109

[141] – ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص324

[142] – بولياك،( أ.ن،) ، الاقطاعية في مصر وسوريا ولبنان، نقله عن الانكليزية عاطف كرم، منشورات وزراة التربية الوطنية والفنون الجميلة، مطابع نصار، بيروت، 1949، ص77 

[143] – النويري،(شهاب الدين احمد)، نهاية الارب في فنون الادب، دار الكتاب المصري، القاهرة، 1929، ج8، 246-247

[144] – النويري، نهاية،ج8، ص248 ، والقلقشندي، صبح، ج3، ص458

[145] –  المقريزي،خطط، ج1، ص162-163، وابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص190-192

[146] – عاشور(سعيد عبد الفتاح)، بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى، دار الاحدب البحيري، بيروت، 1977، ص149

[147] – المقريزي( تقي الدين احمد)، اغاثة الامة بكشف الغمّة، ص45-47

[148] – ASHTOR. E. ,Histoire des prix et des salaires dans l’Orient médiéval, Raris, 1959, p267-268

[149] – النويري، نهاية الارب، نشر وزارة الثقافة، القاهرة، دنتز، ج8، ص262، والقلقشندي، صبح ج3، ص529

[150] –  المقريزي،سلوك، ج3، ق3، ص 644، 901-902، ج4، ق1، ص42-43..ابن تغري بردي،.نجوم، ج10، ص195-209

[151] – لمزيد من التفاصيل الدقيقة حول هذا الموضوع، انظر: ضومط، الدولة المملوكية، ص264 وما بعد

[152] –  المقريزي،خطط، ج2، ص95-97

[153] – نفسه، ج2، ص94-95

[154] – الظاهري، زبدة، ص39  

-Depping, G. B, Histoire du commerce entre le Levant et l’Europe depuis les Croisades jusqu’à la fondation des colonies d’Amerique, Paris, 1865, T I, p 71

[155] – Wiet, G, L’Egypte arabe de la conquète arabe à la conquète musulmane, le Caire, 1937 p.498

Goiten,” The main industries of the Mediterranean area as reflected in the recotds of the Cairo Geneza,”,JESHO, IV, part II, 1961,p177. – Goiten, Amediterranean Society, Economic foundation, Press Berkeley and Los Angelos, California, 1967, p 103 

[156] – ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار، القاهرة، 1933، ج1، ص39

[157] – المقريزي، خطط، ج2، 101

[158] – Ashtor,E, “ Venitian supremacy in the Levantinet trade or precolonialism “ Journal of European Economic History “ III, (Rome 1974), pp 5-53, p25

[159] – كان شيخ مدينة ملدي من اعمال الصعيد يزرع خمسمائة فدان من القصب، وصودر منه اربعة عشر ألف قنطار من السكر، انظر، ابن اياس، بدائع الزهور،  طبعة بولاق، ج1، 169

[160] –  Depping, I, p 66; Heyd,W, Histoire du commerce du Levant au Moyen Age,Leipzig,1885-1886,I,p427; Poliak, A. N, “les révoltes populaires en Egypte à l’époque des Mamlouk et leurs causes économiques” R.E.I. ,8(1934), ( pp251-273 ), p 254 

المقريزي، خطط، ج2، ص100، وابن دقماق، الانتصار، ج4، ص41، 108زيادة(محمد مصطفى)، دراسات عن المقريزي، الهيئة المصرية العامة، وزارة الثقافة، 1971، 103؛ الظاهري، زبدة، ص35

[161] – ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص279

[162] – Heyd, I, p427

[163] – Heyd, I, p 441; Ashtor, prix , p 268                                               دراسات، ص 103 زيادة،   محمد مصطفى  

[164] – Heid, II, p500

[165] – المقريزي، خطط، ج2، ص189-196

[166] – فييت،(غاستون)، القاهرة مدينة الفن والتجارة، مؤسسة فرانكلين، بيروت-نيويورك، 1968، ص103-104

[167] –  اتلف الجنويون السفن وموادها الاولية على طول الساحل اللبناني و السوري ، انظر، المقريزي، سلوك، ج3، ق3، ص1114

[168] –  المقريزي،خطط، ج2، ص95

[169] – العمري، مسالك، ص181؛ ونصار، العامة، ص11

[170] – المقريزي، خطط، ج2، 97-98، 99؛  ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص44

[171] Goetein. Main industries, pp. 183-187 ;المقريزي،  خطط، ج2، ص105؛ الوقاد(محاسن )، اليهود في مصر المملوكية، الهيئة  المصرية العامة، 1999، ص172-173

[172] – المقريزي، خطط، ج2، ص105

[173] – فييت، القاهرة، ص161

[174] – المقريزي، خطط، ج2، ص103

[175] – المقريزي، خطط، ج2، ص96

[176] – المقريزي، اغاثة، ص81

[177] – الدوري(عبد العزيز)، مقدمة في تاريخ الاقتصاد العربي، دار الطليعة، بيروت، 1978، ص43

[178] – الجلبان ويسمون ايضا الاجلاب وهم فرقة من المماليك السلطانية استقدموا كبارا في السن ولم يخضعو للتدريب والتربية في الطباق

[179] – انظر حول هذه المواضيع: المقريزي،سلوك ج2، ق3، ص567-580، ج3، ق3، ص960وما بعد خصوصا 1136، ج4، ق3، ص1090-1094، 1127 وغيرها كثير؛ ابن تغري بردي، نجوم، ج7، ص327-329، ج10، ص140، ج15، ص50-54، 410-413، ج16، ص114، 130، 143…

[180] – ابن تغري بردي، نجوم، ج7، ص 329، ويقول فيهم ايضا:”في هذه السنة 962هجري قد انحل امر حكام الديار المصرية وارباب الشرع الشريف والسياسة لعظم شوكة المماليك الاجلاب، وصار من له حق من الناس قصد مملوكا من المماليك الاجلاب في تخليص حقّه…فيرسل خلف ذلك الرجل المطلوب ويأمره باعطاء حق ذلك المدعي حقا كان ام باطلا بعد ان يهدده بالضرب والنكال، فان اجاب والا ضرب في الحال ونكّل به، فصار كل واحد يستعين بهم…وترك الناس الحكام…وتلاشى امرهم الى الغاية.”ج16، ص53-54

[181] – المقريزي، سلوك، ج4، ق2، ص866-867، 870-871 ؛ ابن تغري بردي، نجوم،ج14، ص42، ج16، ص340-341

[182] –  المقريزي،سلوك، ج4،ق2، ص647، 654، 766، 869؛ ابن تغري بردي، نجوم، ج16، 340-341

[183] – المقريزي، سلوك، ج2، ق1، ص205وق3، ص669، وج3، ق3، ص1131-1132، ج4، ق1، ص27-29؛ابن تغري بردي، نجوم، ج16، ص115-116

[184] –  المقريزي، سلوك، ج4،ق1، ص305-306، وج4، 2، ص852

[185] – المقريزي، سلوك، ج2، ق1، ص150-151، ج2،ق2، ص439، 444، ج3،ق2،ص55، ج4، ق2، ص801، ج4، ق3، 1127؛ ابن طولون، مفاكهة،ج1ص78، 91، 108، 146، 180-181، 191، 209

[186] – Poliak, Revoltes populaires, p252قدشملت المصادرات اموال الايتام، والمغنين، والنادبين وغيره، المقريزي،سلوك، ج2، ق2،ص56، ج2، ق2، ص419 

[187] – ابن طولون ،مفاكهة، ج1، ص287، 374، اعلام، ص187

[188] – ان المصادر المملوكية مليئة بالحديث عن هذه الضرائب خصوصا في العهد الجركسي، لمزيد من المعلومات انظر:،المقريزي، سلوك، ج2، ق1، ص150-152، وق2، ص439، 444، ج3، ق2، ص55، ج4، ق2، ص801، … ضومط، دمشق –الشام، ص416-419

[189] Ashtor, Prix et salaires, p 270 ;                                                                                      الظاهري، زبدة، ص39

[190]  – Poliak, revoltes populaires, p 253 ;                                                                     المقريزي، خطط، ج2، ص94

[191] سلوك، ج4، ق2، ص909؛ ابن حجر، انباء الغمر، ج3، ص516، نجوم، ج16، ص714

[192] – Heyd, II, p441 Depping, I, p 68; prix et salaires, p.p. 270,385;ابن بطوطة، ج1، ص195؛ فييت، القاهرة، ص167

[193] – Poliak. Revoltes, p 254                     فقد تحوّل في مطلع القرن الخامس عشر 23 معصرة للسكر الى ايدي كبار الامراء

[194] – Poliak, révolte, p 253

[195] – Depping, I , p66

[196] – البيومي، اسماعيل، النظم المالية في مصر والشام زمن سلاطين المماليك، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، ص202

[197] – ابن دقماق، الانتصار، ج4، ص41-46

[198] – Heyd, I, p427 ; ابن بطوطة،  تحفة النظار، ج1، ص37                                                                                                           

[199] – الطريق الاول بحري ينطلق من الصين الى الهند فالخليج العربي حيث تبدأ فروعه، والثاني، بحري ايضا ينطلق من الشرق الاقصى الى المحيط الهندي فالبحر الاحمر حيث تبدأ فروعه عبر الاراضي المملوكية، والثالث بري من وسط آسيا عبر الهند حيث تبدأ فروعه الى اوروبا، او جنوبا الى  العراق وبلاد الشام.  لمزيد من الاطلاع، انظر: ضومط، الدولة المملوكية، ص180-184

[200] – لمزيد من الاطلاع، انظر فهمي(نعيم زكي)، طرق التجارة الدولية ومحطاطها بين الشرق والغرب، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، 1973، ص132 وما بعد

[201] – ضومط، الدولة ، ص184 وما بعد

[202] – ضومط، الدولة المملوكية، ص202-203

[203] – Heyd, II, p86; عاشور، بحوث ودراسات، ص 247                                                                                        

[204] – Wiet, nation egtptienne, p490

[205] – ابن تغري بردي،  نجوم، ج11، ص66،  388؛ عاشور، بحوث، ص253، 274-275

[206] – Depping, II, pp48-50 ; Heyd, II, pp433-434

[207] – Heyd, II, pp. 430-431, 433-434; Depping, II, p50 ;         خطط، ج1، ص91-92                          المقريزي،

    اليوزبكي(توفيق سلطان)،تاريخ تجارة مصر في العصر المملوكي، جامعة الموصل، دار الكتب للطباعة والنشر، 1975، ص 64-65

[208] –  Heyd, II, pp.462-463                        فقد كان للبنادقة كنيسة في الاسكندرية، وكنائس في دمشق للجنويين وغيرهم، انظر

[209] – Depping, I, p60; Heyd, 453; Clerget,M, Le Caire étude de géographie urbaine et d’histoire  économique, Le Caire, 1934, p309 ; وسفن المدة عبارة عن اسطول تجاري بندقي يترك البندقية في رحلته الاولى في كانون الثاني باتجاه الموانئ المملوكية المتوسطية، ويعود في حزيران، والرحلة الثانية في السنة عينها تبدا في ايلو ويعود الاسطول في كانون الاول.

[210] – فهمي، طرق التجارة، ص284

[211] – لمزيد من الاطلاع انظر: ضومط، الدولة المملوكية، ص212-214؛ حطيط( احمد)، قضايا من تاريخ المماليك السياسي، الفرات للنشر والتوزيع، بيروت، 2003، ص190-194

[212] – ابو الفدا( اسماعيل بن علي)، تقويم البلدان، باريس، 1840، ص92-93 ؛ لبيب(صبحي)، “التجارة الكارمية وتجارة مصر في العصور الوسطى”، المجلة التاريخية المصرية للدراسات التاريخية، مايو 1952، العدد الثاني، المجلد الرابع، ص19

[213] – المقريزي،سلوك، ج2، ق1، ص7، 32-33؛ ابن تغري بردي، نجوم، ج8 ص226.

[214] – فقد سلّفوا السلاطين اموالا احيانا، لمزيد من الاطلاع، انظر: ضومط، الدولة، ص217-218؛ حطيط، قضايا، ص201 وما بعد

[215] – Wiet, nation, p489;                                                                                                   حطيط، قضايا، 206-207

[216] – Heyd, II, p51 ;                               المقريزي، سلوك، ج3، ق1، ص105-106؛ ابن تغري بردي، نجوم، ج11، ص29-30

[217] – Wiet, nation, p508; Heyd,II,p50;                                                          المقريزي،سلوك، ج3، ق1، ص122-123

[218] – Heyd.I, pp. 453-454,467,II, p49; Ashtor,levantine, p582;                                 ضومط، الدولة، ص228-239

[219] – Heers,J, Gênes au XV siècle, Paris, 1961 p373 ; Ashtor, “Venitian supremacy in the levantane trade or precolonisation” Journal of European Economic History’, IV, Rome, 1975. pp.5-53,p8

[220] – Ashtor, Monopoly, p 7

[221] – Heyd, II, pp. 125-126

[222] –  Depping, Histoire du commerce, II, pp. 49-50

[223] – Wiet, nation, p 490;Heyd, Histoire du commerce, I,pp470; المقريزي، سلوك، ج3،ق2، ص581، وق3، ص1114

[224] Depping, I, pp. 77-78 ;                                                                               القلقشندي ، صبح، ج3، ص463-468

[225] –  لبيب، التجارة الكارمية، ص35-38؛ ضومط، الدولة المملوكية، ص247-249

[226] – Heyd, II, p 448; لبيب، التجارة الكارمية، ص35-36                                                                                         

[227] – Heyd, II, p. 448

[228] – الطرخان(ابراهيم علي)، مصر في عصر دولة المماليك الجراكسة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1960، ص291-292، 296