الاقطاع والارض في الاسلام.

لقد اوجد الاسلام مفاهيم جديدة لملكية الارض واقطاعها، وهي خضعت ، بوجه العموم ، لاهواء الحكام، على الرغم من محاولة الفقهاء الحد من تجاوزهم لمفاهيم الشرع وما تجدر ملاحظته ان ملكية الارض واقطاعها خضعت اجمالا للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتأثرة اصلا بالتحولات السياسية في دار الاسلام، لأن الارض شكلت المصدر الرئيسي للدخل لبيت المال بما كان يفرض عليها من ضرائب، وللسكان بما كانت تنتجه،  خصوصا بعد ان استقرت الدولة وتوقفت الفتوحات ونضب معين المغانم ونزع الحكام والارستقراطية الى حياة البذخ والترف.

1 – سياسة الرسول : اختطها ابان غزواته ونشر دعوته، ويمكن اجمالها بما يلي :

أ -مصادرة الاراضي التي اخذت عنوة لصالح بيت المال.

ب – تقسيم الاراضي او انتاجها بين المسلمين والذين خضعوا لهم.

ج – اقرار الذميين على اراضيهم بموجب عقود الصلح ، وتحديد الضرائب عليها.

أ – مصادرة الاراضي التي اخذت عنوة : كثيرون رفضوا الدعوة الاسلامية فاوجب الرسول قتالهم من دون ان يتخذ موقفا موحدا منهم : فاجلى بني النضير واحرق نخلهم ووهب اراضيهم للمهاجرين[1]، وجعل اموالهم حبسا لنوائبه[2]. وتقاسم مع يهود خيبر اراضيهم لتظل عامرة، ومن المرجح انه اقتسم الغلال معهم[3]. اما بنو قريظة فقد قتل رجالهم وسبى نساءهم وذراريهم وقسم اراضيهم على الاسهم بين المسلمين[4].

ب – صلح بلا قتال : وهي اراضي من قاتل المسلمين او من طلب الصلح منهم وقد عومل اصحابها ، في كلتي الحالتين، ما خلا بعض الاستثناءات، معاملة واحدة بحيث قسمت مناصفة بين المسلمين واصحابها، مثل يهود فدك[5]، ويهود وادي القرى والتيماء[6]، واراضي المسيحيين واليهود والمجوس في البحرين[7].

ج – اقرار ملكية الاراضي لاصحابها : وفي هذه الحال تظل الاراضي بيد اصحابها على ان يدفعوا عنها الخراج او العشر.

2 – سياسة الراشدين: سار بعضهم على خطى الرسول والبعض الآخر اجتهد مستعينا برأيه او بالصحابة، ويمكن توزيع سياستهم في نمطين :

أ – في جزيرة العرب : استند بعض الراشدين الى اقوال للرسول او ما نسب اليه ”  ( راجع سياستهم في ” الامة في الاسلام ” ).  فابو بكر استند الى قول للرسول ” انما هي طعمة اطعمنيها الله حياتي فاذا مت فهي بين المسلمين “[8] ، وتاليا قسم حصة الرسول، التي اعتبرت فيئا خالصا له، بين المسلمين.

   اما عمر فقد طبق مفاهيمه الدينية التي عهدناها في ” الامة في الاسلام ” على الذميين مستندا بدوره الى ما نسب للرسول :” لايجتمع دينان في جزيرة العرب ” فاجلاهم عن جزيرة العرب ” وقسم اراضيهم حصصا بين المسلمين بما فيها اراضي مسيحيي نجران وهم اصحاب عهد من الرسول نفسه. ولم يعدم وسيلة لتبرير سياسته، فهي حينا بسبب تفشي وباء بينهم، و من جهة ثانية اتهمهم بالنكث بالعهد، وثالثة بناء على توصية من الرسول ” اخرجوا المشركين من جزيرة العرب “[9] ، ورابعة لعدم الحاجة اليهم لتوفر الايدي العاملة الاسلامية على ما يزعم بعضهم، وبالتالي لم يعد من موجب لبقائهم بين ظهراني المسلمين[10].

    اما سياسة الراشدين خارج الجزيرة فقد خضعت ايضا لاجتهادات الصحابة ، وتركت الاراضي بيد اصحابها أكانت أخذت صلحا او عنوة على ان يؤدوا عنها الجزية، او الخراج ان تحوتوا الى الاسلام ، ما عدا بعض الاراضي التي استأثر بها الفاتحون بسبب مغادرة اصحابها البلاد.

     وهكذا فان الاراضي في المفهوم العام الاسلامي هي ملك بيت مال المسلمين، وللخليفة فقط او من ينتدبه الحق في توزيعها على المسلمين على ان يدفع عنها الخراج، ولا يحق له استرجاعها من شاغليها الا بناء على جرم او قلة العناية بها، كما يجوز لمن استصلح ارضا موات واستغلها ثلث سنوات من دون ان يعترض عليه احد امتلاكها او استغلالها تبعا لرأي الخليفة.

   وتبعا لذلك فان الاقطاع في الاسلام نوعان: تمليك واستغلال. وللتمليك شروط اذ يمكن اقطاع ارض موات لم يثبت صاحبها، واذا كانت الارض جاهلية جاز اقطاعها وتمليكها. اما اذا كانت اسلامية وبارت فلا تملك أعرف صاحبها ام لم يعرف[11]. اما الاراضي العامرة فلا يمكن تمليكها سواء كانت لذمي او مسلم في حال عرف مالكها، وان لم يعرف تصبح ملكا لبيت المال ووقفا مؤبدا، ويحق للخليفة او من يمثله اقطاعها لاي كان.

     اما اقطاع الاستغلال فهو جزية او اجر. وارض الجزية لا يجوز اقطاعها اكثر من سنة لأن صاحبها قد يسلم فتسقط عنه الجزية. وان كانت اجرا جاز اقطاعها لسنين عديدة[12]. ولاقطاع الاستغلال ثلاثة احوال: ان يقطع لسنين محدودة ومعلومة ويعين فيها رزق المقطع والخراج. ان توفي المقطع يعود الاقطاع حكما الى بيت المال. لا يجوز اقطاع الارض مدى حياة المقطع اذ يحق للخليفة استرجاعها بعد مرور سنة كاملة على تاريخ اقطاعها.

                        الاقطاع الاموي

 ارست سياسة الراشدين حق الخليفة وحده باقطاع الاراضي. وما ان استقر الحكم لمعاوية بن ابي سفيان حتى توسع في منح الاراضي لسببين: من اجل استصلاحها، وتوطيد دعائم حكمه. فقد اقطع بعض القبائل في الشام اراضي غير مملوكة في اماكن بعيدة عن المدن والقرى، وصارت بعد ان استصلحوها ملكا لهم. واختار من الاراضي التي كانت لملوك فارس  قسما لنفسه ووهب القسم الآخر لاقاربه. وحذا بعض خلفائه نهجه :فاصطفى عبد الملك بن مروان اراضي في السواد ( جنوب العراق ) اثر قضائه على ثورة مصعب بن الزبير ثم اقطعها لمناصريه. وفي عهد الوليد بن عبد الملك غمرت المياه مساحات واسعة في السواد قدرت قيمة استصلاحها بثلاثة ملايين درهم فاستكثر الخليفة الكلفة، لذلك منحها لاخيه مسلمة الذي عرض ان يدفع تكاليفها. وامتلك خالد القسري مساحات شاسعة في السواد بعد ان استصلحها، وقد قدرت اراداتها السنوية بملايين الدراهم ، حتى بات بمقدوره التأثير على اسعار السوق لكثرة محاصيلها. واكثر ايضا هشام بن عبد الملك من امتلاك الاراضي.

   وعلى الرغم من الدور الاجتماعي الايجابي لهذه الاقطاعات اذ ادت الى استقرار بعض القبائل الرحل ممن عملوا فيها، والى تحويل زعمائها الى ارستقراطية مدنية مالكة او مستغلة، فانها حددت معالم الاقطاع الاموي الذي يمكن اعتباره عشوائيا، غير خاضع اجمالا لقواعد الفقه، او أي تقليد سابق. كما كان لها من جهة ثانية دور سلبي اذ اوجدت ملكيات شاسعة اثرت بالضرورة على الملكيات الصغيرة. اذ بعد ان توقفت الفتوحات ، وصرف الناس مدخراتهم واموالهم التي نالوها من الغنائم من جهة ، ونتيجة للثورات والصراعات من جهة ثانية، انتشر اللصوص وقطاع الطرق وصاروا يغيرون على الملكيات الصغيرة ويعيثون فيها فسادا ونهبا. في حين ان اصحاب الملكيات الكبيرة انشأوا حرسا خاصا بهم ( ميليشيات ) لردع الناهبين ما حدا بالملاكين الصغار الى إلجاء ملكياتهم للملاكين الكبار ( طلب الحماية ) أكان اميرا ( ينتمي الى البيت الحاكم ) او قائدا عسكريا، او له سند قوي من الحكومة المركزية، لقاء مبالغ مالية. وبتعبير اوضح تحولت الملكيات الصغيرة ملكا للمالكين الكبار ويستردها المالكون الصغار عن طريق الاقطاع لقاء مقاسمة يحددها الطرفان لقاء حماية النافذ لاقطاعات المالكين الصغار من المغيرين، ويحد من جهة ثانية من تسلط الجباة عليهم. ولنا مثال صارخ على ذلك يتمثل بإلجاء جيران مسلمة بن عبد الملك اراضيهم له بعد ان وهبه اخوه الوليد مساحات شاسعة في السواد.

مساوئ الاقطاع الاموي : ادى التوسع في منح الاراضي وعملية الإلجاء الى مساوئ اجتماعية واقتصادية اذ شبه اختفت الملكيات الصغيرة، وخضع الفلاحون لتسلط اقطاعي قوي ونافذ، وقد يكون بيت المال اكثر الخاسرين خصوصا عندما صار بمقدور اصحاب الملكيات الكبيرة التهرب من دفع الضريبة او على الاقل التلاعب بقيمتها. واذا كانت هذه الخسائر المالية لم تظهر مباشرة بسبب وفرة الغنائم في البداية فانها برزت بحدة بعد توقف الفتوحات، ما ادى الى وقف عملية وهب الاراضي والاقطاع من دون مبرر كما فعل عمر بن عبد العزيز، والى رفع قيمة الخراج والجزية لسد العجز في موازنة الدولة. وذهب الذمّيون ضحية رفع قيمة الضرائب لان العشر غير قابل للتبديل، اما الخراج فكانت تتراوح نسبته بين 4/1 و2/1 المحصول. وقد تباينت نسبة جباية الجزية والخراج بين اقليم وآخر : ففي السواد تراوحت قيمة الجزية تبعا للمدخول بين 48 و 24 و12 درهما في السنة، ويمكن ان نطلق عليها في اصطلاح عصرنا الحاضر ” ضريبة تصاعدية ” واعتمد الجريب اساسا للخراج، وهو مكيال مساحي، فكان يدفع عن كل جريب حنطة ” قفيز ” ودرهم ، وفي جهات اخرى 4 دراهم عوضا عن الدرهم الواحد. وعن الشعير قفيز ودرهم او درهمين تبعا لجودة الاراضي، و10 دراهم على جريب الكروم ، و8 دراهم على النخيل، و6 على قصب السكر، وعلى الزيتون 12 درهما ، وعلى الخضار 3 دراهم.

   اما في الجزيرة الفراتية فكان مقدار الجزية ديناراً على الرأس ومدّي قمح، وقسطي زيت وخل، وتساوت الجزية فيها على كل الناس. وفي الشام حددت الجزية بدينار على الشخص في المدن، والخراج مقدار ضريبة الجريب على وحدة من الارض مقياسها ما يستطيع الرجل زرعه على حد تعبير عبد العزيز الدوري فضلا عن خل وزيت لقوات المسلمين، وبلغت قيمة الجزية  في مصر دينارين على كل شخص[13].

      الاقطاع لإاداري : بدأ دخول الاتراك في الجيش منذ بدايات العصر العباسي الاول، ويبدو ان المأمون زاد من اعدادهم وسجلهم في ديوان الجيش. واكثر المعتصم من الاتراك في الجيش حتى بلغت اعدادهم آلاف وسجلهم في الديوان وابعد العرب منه. وتعاظم شأن الاتراك حتى باتوا الحكام الفعليين في الدولة، وعمد المتوكل الى اتخاذ تدابير جديدة لتقوية السلطة المركزية وتوحيد البلاد.فعزل الوزير ابن الزيات وزملاءه التجار الاثرياء من مناصبهم الادارية لجمعهم بين وظائفهم واعمالهم التجارية بحيث استغلوا مناصبهم لزيادة ارباحهم على حساب بيت المال مسخّرين القوانين في هذا الاتجاه، واستعاض عنهم بخبراء في الادارة. وعمد الى رأب الصدع الداخلي في الدولة نتيجة تبنيها منذ عهد المأمون مذهب المعتزلة وممارسة الشدّة على الناس ليعتنقوه. فجعل المذاهب السنية الاربعة دين الدولة الرسمي، ومارس تدابير انتقامية تجاه الشيعة الرافضين لهذه السياسة الدينية الجديدة. وتبريرا لتصرفاته تلك انتقم من الذميين باحيائه الشروط العمرية، ففرض عليهم ضريبة على منازلهم ما كانت معهودة قبله، ما اثار ردات فعل، لا سيما انه طبق  تدابيره قسرا. وحاول تبديل بنية الجيش ليصبح موحدا لا يرتبط بقادته من دونه، بل لينصاع لأوامره وحده من دون وساطت القواد الكبار كالأفشين وغيره.كما قرر إلغاء سلطة آل طاهر في العراق وبلاد فارس او على الاقل تحجيمها، لأنهم شكلوا حكومة داخل الحكومة المركزية في بغداد بسيطرتهم على جباية الضرائب وتوليهم شرطة بغداد. ثم عمد الى حل الجيش التركي في سامراء وجزأه ثلاثة اقسام اناط كل قسم بأحد اولاده بعد ان قسم الدولة بينهم ثلاثة اقاليم اساسية.  وبما انهم كانوا قاصرين عين لكل واحد منهم مساعداً قادراً يرتبط بالخليفة مباشرة واناط به مهمات ادارية وضرائبية، وبالتالي نشأ اول اقطاع اداري في الاسلام. ومن اجل تنفيذ خطته عمد المتوكل الى انشاء جديد ” الشاكرية ” يكون ولاءه له وحده مستبعدا منه الاتراك. كما قرر دمج جيش سامراء ( الجيش التركي ) بالشاكرية منعاً للانقسام داخل الدولة، واضعافا لنفوذ الاتراك. ثم شرع يسترجع الاقطاعات الكبيرة من القادة الاتراك، وخاض معهم صراعا مكشوفاً ما ادى الى اغتياله.             

  ادت سياسة المتوكل الى ابعاد اجتماعية واقطاعية مهمة : 1 – قامت ثورات مسيحية في سوريا ولا سيما في حمص، وفي مصر ، وتمكن المسلمون من توسيع املاكهم في الارياف على حساب المسيحيين. وتفسخت البنية الاجتماعية في بغداد نتيجة سيطرة القادة الاتراك، بعد مقتل المتوكل، والصراع بين جيشي سامراء والشاكرية ما شجع نشوء الحركات الانفصالية.


[1] – الاموال ، ص 7 –8 ، ابو يوسف ، الخراج ، ص 68 – 69 ، البلاذري فتوح ، ص 31 – 32

[2] – البلاذري ، فتوح ، ص 33

[3] – سيرة ابن هشام ، ج2 ، ص 49 ، البلاذري ، فتوح ، ص 36 ، 41 ، الاموال ، ص 56 ، والوثائق السياسية ، ص 92 ، 95

[4] – الامكنة عينها

[5] – فتوح ، ص 42-43

[6] – المصدر عينه ، ص 47 -48

[7] – المصدر السابق ، ص 89-90

[8] – فتوح ، ص 45

[9] – الخراج ، ص 73-74 ، فتوح ، ص 36 ، 77 ، والاموال ، ص 99 ،198

[10] – نصرالله ، محمد علي ، نظام تطور ملكية الاراضي ، ص 60

[11] – القلقشندي ، صبح الاعشى في صناعة الانشاء ، ج13 ، ص113-114

[12] – المكان عينه

[13] – لمزيد من المعلومات حول الضرائب ، انظر : المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 77 ، والدوري ، مقدمة في التاريخ الاقتصادي ، ص30

المجتمع والاقتصاد في عهد المماليك

                          

    استتب الوضع للماليك بعد انتصارهم على المغول في عين جالوت 1260، وقضائهم على بقايا البيت الايوبي، واحياء السلطان بيبرس الخلافة العباسية في القاهرة عام 1261، وغدت دولتهم الفتية محور الاحداث الكبرى في المشرق العربي. وزاد باهميتها اخراجهم الفرنجة نهائيا من الشرق عام 1291، واستمر الوضع على هذا النحو حتى سقوطها نهائيا في الريدانية عام 1517. ولم يتوقف استقدام المماليك الاغراب الى مصر وبلاد الشام مدى العصر المملوكي كله، وعلى رغم اعتناقهم الاسلام استمرّوا متقوقعين في بيئتهم الخاصة ممارسين عادات وتقاليد ذات اصول تركية ومغولية. وشبه احتكروا موارد البلاد الاصلية، وحكموا وكأنهم اغراب عن البيئة المشرقية وان اكتسبوا بعضا من عاداتها، ما جعلهم منفصمين عن المجتمع المشرقي وفارضين مناخا اجتماعيا، وانماطا اقتصادية تركت بصمات خاصة على الحياة في مصر وبلاد الشام حددت سلوك الرعية الاجتماعي، وأثّرت على تطور الاوضاع الاقتصادية.

                      القسم الاول: المجتمع المملوكي 

اولا: المرتكزات المادية للتكوين الاجتماعي في العهد المملوكي:

    من العسير جدا دراسة المجتمع في العصور الوسطى بقسميه المديني والريفي نظرا لندرة المعطيات عن الوضع الريفي، ودراسة المجتمع المديني مرهونة بدورها بنسبة المعلومات التي توفّرها المصادر، لأنها اقتصرت اجمالاً على وصف العلاقات، بل المظاهر الخارجية للحدث من دون الخوض في شبكة العلاقات البنيوية المعقدة الرابطة للعلاقات بين الفئات (الطبقات) الاجتماعية، ما يعني ان الحركية الاجتماعية لا توفرها المصادر.

   وعلى هذا سندرس دور المدينة الاسلامية في ظل المماليك في التفريع الاجتماعي المرتبط اصلا بالوضع الاقتصادي، وبالتالي شبكة العلاقات بين الفئات المكونة للمجتمع بما فيها العسكري الاداري، والمدني، والعلاقات الاقتصادية المتنوعة،  ودور رجال الدين في كل ذلك. وباختصار حركية المجتمع المملوكي والعوامل التي أثّرت في تقلّباتها.

   درج المؤرخون بل المستشرقون على اعتبار المدينة المشرقية الاسلامية تعتمد نموزجا واحدا من الخطط يحدد وظائفها، وقد يكون من ابرز معالم هذه الخطط:

ا – السور: هو احد المعالم البارزة في المدينة الاسلامية، يحدد حجمها من حيث ازدهارها ونموّها، بل تطورها الديمغرافي، ويؤسس لخططها عبر الابواب التي تمركزت فيه. ويؤمّن الحماية للمدينة وسكانها في الحرب والسلم معا، وبالتالي قام بدورين اجتماعي واقتصادي، الى جانب دوره الامني عند تعرّض المدينة لأي هجوم، كما سيتبيّن ادناه.

2 –  شوارع المدينة وطرقها: اسست الابواب الكبرى للشوارع الرئيسة او المحورية، التي منها تفرعت شوارع ثانوية وطرقات فأزقّة. وعليها تمرّكز النشاط الاقتصادي، ومنها تفرّعت الاحياء والمحلاّت والحارات. فقد تمركزت احياء دمشق على شارع رئيسي مستقيم في وسطها يربط بين بابين: شرقي شرقا، والجابية غربا، ومنه تفرعت شوارع اخرى رئيسية مستقيمة  ينتهي كل واحد منها بباب[1]. ويمتد الشارع الرئيسي في القاهرة من باب زويلة الى بين القصرين حيث يتفرع منه طريقان احدهما يتجه شمالا والاخر يمينا، وتتفرّع منهما طرق وصولا الى الحارات والازقة.[2] كان للقاهرة عندما بنيت اربعة ابواب من الجهات الاربعة[3]، ما يعني انه كان لها شارع رئيسي آخر اقل اهمية من الاول الذي شيّدت فيه قصور الخلفاء، والمسجد الجامع، ومباني الادارة الرسمية، والبيمارستان،[4] وبالتالي فان التفرعات عليه تشبه تماما مثيلاتها على الشارع الرئيسي. ويبدو ان ابواب المدن كانت لها ابواب فرعية يصل عدد بعضها احيانا الى ثلاثة مثل الابواب المكمّلة لبابيْ الجابية والشرقي في دمشق.[5] وكذلك في القاهرة.[6] وكانت مهمة هذه الابواب الثانوية الفصل بين الاحياء،[7] ومن جهة ثانية انطلقت منها الأسواق الاخرى في المدينة. واذا كان هناك من استنتاج اولي لكثرة الابواب فانها دلالة على التطور العمراني المتلازم مع النموّ الديموغرافي، ما يؤشّر على حيوية ملحوظة.

3 – الاسواق: شكّلت الاسواق المنطلقات الرئيسة لخطط اية مدينة مملوكية ودليلنا على ذلك طريقة المقريزي بذكر خطط القاهرة اذ يستهل كلامه عنها قائلا:” وقبل ان نذكر خطط القاهرة فلنبتدئ بذكر شوارعها ومسالكها المسلوك منها الى الازقّة والحارات لتعرف بها الحارات والخطط والازقة والدروب وغير ذلك.”[8] وقد شُيّدت الاسواق على اطراف الشوارع الرئيسة ومتفرعاتها المتنوعة؛ ففي دمشق انتشرت على طرفي الشارع الرئيسي الاسواق المركزية، والمساجد الكبرى، والحمامات العامة الرئيسية[9]. في حين توزعت على اطراف الشوارع الرئيسية المنطلقة من الشارع المركزي الانشطة التجارية والحرفية لكل حي، اضافة الى حماماته ومساجده[10]. وتوزعت من هذه الشوارع، وهي بوجه عام ضيقة نسبيا لانها رافقت المدينة منذ نشأتها ولم تطور، شوارع اخرى اقل اتساعا فجاءت احياء متلاصقة انتشرت فيها المحلات المكوّنة من  حارات شعبية مكتظة بالسكان[11]. وانتشرت في كل حارة ازقة شيدت عليها ابنية شعبية تفتقر الى ابسط الشروط الصحية. وقد انطلقت جميعها من شارع الحارة الرئيسي المعروف بالسويقة الذي يحوي الحمام العام، والفرن، والمسجد، والحوانيت التجارية والحرفية[12].  

واسواق القاهرة تشابه من حيث البنى الاساسية والتركيب مثيلاتها الدمشقية.[13] فهناك السوق المركزي القائم على الشارع الاساسي او ما يسميه المقريزي” الشارع الاعظم او قصبة القاهرة”[14]. والشارع الرئيسي يشكّل نقطة الثقل الاقتصادي للمدينة وريفها، ففيه تجمّعت تجارة الجملة والمفرّق، والمؤسسات المصرفية ، والمحترفات.[15] ومن هذا السوق الاعظم تفرعت شوارع اقل اهمية، فاخرى ادنى منها قيمة واتساعا وصولا الى الدروب والازقة المتنوعة ومنها غير النافذ[16]. ويماثله شارع آخر:” هنا ابتداء خط بين القصرين.”[17] ويكمل المقريزي رسم خطط اسواق القاهرة بكل تفرعاتها كما في هذا النموذج:” فاذا السالك بدخول بين القصرين من جهة خان مسرور فانه يجد على يسرته درب السلسلة، ثم يسلك امامه فيلج على يمينه الزقاق المسلوك فيه الى سوق الامشاطيين المقابل لمدرسة الصالحية التي للحنفية والحنابلة، والى الزقاق الملاصق لسور المدرسة المذكورة…”[18]

   ويتبدى لنا من خلال كل ذلك ان اسواق المدن المملوكية متشابهة عموما من حيث البنية الاساسية، ووظائفها الاقتصادية والاجتماعية أكان في القاهرة، او في طرابلس[19]، او في دمشق، او غيرها. وكانت جميع الاسواق مسقوفة اما بقماش متين وسميك، او بالحجارة او الخشب حماية لشاغليها وزبائنها من الامطار وحر الشمس[20]، وتتيح فسحة محددة من الضوء كافية لإنارة السوق. وبإكتظاظ المحلات بالحارات غدا النور خافتا وغير كاف.[21]

   ويمكننا من خلال المصادر المملوكية التعرف الى انواع الاسواق في المدن المملوكية. فكان في دمشق ما يربو على العشرين سوقا متخصصا[22]، وفي طرابلس اسواق عديدة، وعدد المقريزي عددا وافرا من الاسواق في القاهرة[23]. ان اهمية هذه الاسواق تكمن في اختصاصاتها، فهي تدل اولا على تفرع طبقي ان جاز التعبير تبعا لاختصاص كل من الباعة، وعلى التجانس في ما بين باعة كل سوق. ما يدفعنا للاعتقاد ان ثمة ظاهرة اجتماعية بمعناها العلمي كانوا جميعهم يخضعون لها، وبالتالي يؤلفون فئة اجتماعية لها عاداتها وتقاليدها الخاصة. وتدل ثانيا، على رغم تمايز كل فئة، خضوعهم جميعهم الى عرف عام اوتقليد يحكمهم جميعهم بانتمائهم الى الباعة. ويدل ثالثا على مستوى تعامل كل فريق، تبعا لاختصاصه، مع نوع من الزبائن، وبالتالي على تمايز اجتماعي من حيث لا يدرون. ويدل رابعا على مستوى الدخل الذي ينعكس على مستوى الحياة الاجتماعية، على الاقل من حيث السكن، خصوصا ان بعض هذه الاسواق اقيم على حدود الحارت، وسنلاحظ لاحقا ان الحارات ، بوجه العموم كانت مقفلة بوجه الاغراب.

    ان المدن الاسلامية متشابهة عموما من حيث خططها ووظائفها الاساسية لأنه لغاية اليوم لم تبرز دراسات تناقض هذه الفرضية[24]. وكانت المدينة عبارة عن وحدات مدنية قائمة بذاتها لأهداف ادارية من جهة، ولمقتضيات اجتماعية من ناحية ثانية. وتتفرع الواحدة منها الى عدد من الاحياء تشكل وحدات اساسية للنواحي الاجتماعية والادارية والاقتصادية معا. ما جعل المدينة متداخلة فيما بين اجزائها كوحدة تامة، ومنقسمة على ذاتها من خلال الابواب والحارات الداخلية، بل كان كل حي والحارة الواحدة مكتفيا ذاتيا ويستمد روابطه الاجتماعية والاقتصادية والادارية من داخله من جهة، ذلك انه اُنشئت فيه ورشات من مختلف النشاطات الاقتصادية، ومن الظاهرة الاجتماعية العامة التي

تسود المدينة ضمن الاحياء المتجانسة من حيث الدخل والتركيب الداخلي من جهة ثانية.

ولم يكن الحي ينغلق على ذاته الا ابّان الاضطرابات الامنية، وكانت كثيرة جدا خصوصا في العهد الجركسي، من اجل الحماية. ذلك ان الحي في دمشق وحلب، كما يعتبر لابيدوس، كان مساوياً لحجم القرى الصغيرة، ويضيف انه كان في دمشق وحدها خلال القرن الخامس عشر ما يقارب السبعين حياً، يبلغ متوسط عدد سكانه خمسمائة الى ستمائة نسمة[25]. ووجد في حلب في القرن عينه ما يقارب الخمسين حياً، بلغ معدل سكان الحي الواحد ألف الى ألف ومائتي نسمة، في حين ان مدينة القاهرة كانت تضم سبعا وثلاثين حارة على رغم ان مساحتها كانت أكبر بكثير من دمشق ومن حلب.[26] وازعم ان الحي كان في اساس التنظيم الاجتماعي لأن بعض الاحياء تميّزت بخصوصية اتنية، اودينية، واحيانا اقليمية؛ وقد ذكر القطار انه كان في طرابلس اقليات انضوت في احياء خاصة؛ كالتركمان والأكراد، والمغاربة، والمصريين، والنصارى (محلة عديمي النصارى) واليهود.[27] وكانت لهم ايضا محلتهم الخاصة بدمشق بالقرب من باب توما[28]. وخصصت حارات او احياء بالقاهرة للجاليات، وعلى سبيل المثال كان للشاميين حارتهم الخاصة في القاهرة،[29] شأن الروم [30] واليهود والمسيحيين،[31] وغيرهم.

   بدت الحارة في دمشق مثلا وكأنها قرية صغيرة مستقلة بمساجدها، وحماماتها، وسقاية الماء فيها،[32] والفرن، والمدرسة، والمسجد والسويقة[33]. وجاءت ابنيتها متلاصقة، تمد افقيا، وتنعدم فيها النوافذ والشرفات تماشيا مع نظرية الحلال والحرام في الاسلام. وتألف حيّها من عدة بيوت ُشيّد لها باب خارجي مشترك يقفل في المساء وايام الاضطرابات، ويتوسطه باب خوخة ( صغير) يعبر منه سكان الحي كلٌ الى داره.[34] وترجع اسباب تلاصق الابنية الى رغبة رئيس الاسرة باسكان ابنائه واحفاده في المنزل عينه، وكلما ضاق المكان بهم اضافوا اليه غرفا حتى بات المسكن داخلا في بيوت الجيران. واذا اضفنا الى ذلك النمو الديمغرافي ادركنا بوضوح تحول تلك البيوت الى اكواخ[35]، خصوصا اذا علمنا ان الزقاق غير النافذ ما كان يضم سوى عدد قليل من البيوت او الاكواخ ربما[36].

   وكان الحي من حيث بناؤه عبارة عن تشكيل من الابنية غير المتوازية وغير المتوازنة  ايضا من حيث  التصميم الهندسي، بعضها ترتفع جدرانه الى اكثر من طبقة والبعض الآخر يشبه الاكواخ ان لم يكن عبارة عن مجموعة من الاكواخ مظلمة يتسرب اليها الهواء عبر الازقة وممرات منخفضة معتمة[37]. وضمّ الزقاق الواحد عائلة واحدة اجمالا تماشيا مع التجانس السكاني بل التركيب العائلي في المجتمعات العربية عبر العصور. علما :” ان العلاقة بين المجتمع والسكن لم تكن صورة متكررة عبر الزمن، بل كان خاضعا لمقتضيات الظروف المعيشية والاقتصادية والاجتماعية “.[38] ما جعل المسكن انعكاسا للحالة الاقتصادية، يتسع ويضيق تماشيا مع مردود الجماعة.

وشكّلت التدابير الامنية، بل تصرّفات السلطة الحاكمة عاملا مؤثّرا آخر في شكل المساكن. هذا ناهيك ان العلاقات بين الجماعات عبر التجانس العائلي او الطائفي وحتى المذهبي كانت تفرز تضامنا داخليا دفاعا ضد اي اعتداء خارجي مهما كان نوعه حتى وان بدر عن السلطة. ولنا في مؤلفات ابن طولون العديدة، ولا سيما “مفاكهة الخلاّن” نماذج متكررة تشرح هذه الظاهرة بوضوح كلي.

   اما على الصعيد الاداري فقد ترأس الحي شيخ يعينه نائب السلطان من اجل حسن سير الاعمال المنوطة بالحي: حفظ النظام ،تمثيله في المناسبات العامة التي تقتضيها الدواعي السياسية والاجتماعية، مساعدة الشرطة في تنفيذ مهامها، او تولي هذه المهام بنفسه، كجمع الضرائب القانونية وغير القانونية مثل الرمي او الطرح[39]. لان الاحياء قد انتظمت في مناطق منعزلة ومنطوية على ذاتها لا يتمكن الغرباء من الدخول اليها.

ثانيا: البنى الاجتماعية:

 1 – التوزيع السكاني في المدن: ان التاريخ الاجتماعي يأخذ بالاعتبار المجموعة الكلية للتكوين الاجتماعي، ومن الصعب تحديد اطره ومعناه التام الا بدراسة جميع الاطر المعنوية المتعلقة بمختلف المجموعات، اضافة الى دراسة علاقة الفرد بالجماعة. وبما انه يتعذر علينا دراسة علاقة الفرد بالجماعة، بسبب قلة الوثائق، سأدرس هرمية المجتمع المملوكي المديني لأن معلوماتنا عن الارياف شبه معدومة، بادئا ببنية كل فئة من الفئات الاجتماعية، ثم حركيتها الذاتية من جهة، والخارجية من جهة ثانية اي علاقاتها بالفئات الاجتماعية الاخرى. وتبقى عمودية الدراسة مرهونة بما توفره المصادر من معلومات.

    تقتضي دراسة التاريخ الاجتماعي الحصول على المبدأ المنظّم للمجتمع الذي يفرّع السكان الى فئات (طبقات وفق المصطلح الحديث)، ويميّز بينها ويحدد بناها، ومن جهة ثانية يسمح بدراسة الحركية الداخلية والخارجية لكل منها. وقد اتخذت من الوظيفة مبدءا منظما للمجتمع المملوكي، وهي غير محصورة بالمناصب الحكومية فقط، بل تشمل كل المهن ايا يكن نوعها ومستواها، كما البطالة عند الارذال او الزعر او الحرافيش.

 وقد قسّم المقريزي المجتمع المملوكي الى سبع فئات هي ارباب الدولة، ومياسير الناس من التجار والفقهاء والمتعممين، ومتوسطي الحال من التجار والباعة واصحاب المعاش والسوقة، والفلاحون من اهل الزراعة، وسكان الارياف والقرى، وارباب الصناعات والحرف البسيطة، والمعدمون.[40]

 ان هذا التوزيع العام يشمل كل المجتمع المملوكي، اما في المدن فيمكن اعتماد تفريع آخر ينبثق منه ويأخذ بالاعتبار خصوصية المدينة والتجانس الاجتماعي الاكثر شمولا، وهو باعتقادي على الشكل التالي: الطبقة العسكرية الحاكمة، الاعيان الذين يضمون كبار رجال الدين والتجار وارباب الصناعة، او ما يطلق عليه بياض العامة، ثم سواد العامة، واخيرا الزعر والارذال والاوباش.

    لم يكن سكان المدن من عرق او جنس واحد، لأسباب مختلفة تراكمت عبر العصور. فكان سكان دمشق يتألفون من غالبية عربية كبرى، اضافة الى اقلية تنوّعت اجناسها، ووفدت اليها عبر تاريخها مثل بربر شمال افريقيا خلال العهد الفاطمي، والتركمان في العهد السلجوقي والاتابكي، والاكراد في العهد الايوبي[41]. هذا اضافة الى الشعوب المغلوبة من المناطق المجاورة خصوصا من تلك التي تعرضت للغزو المغولي ولا سيما العراق، كما لجأ اليها طائفة دينية كبيرة العدد من المغاربة لاسباب دينية[42].

   اما القاهرة فكانت عبارة عن سندس اثني بدءا من الاقباط، فالعرب، ثم موجات الاغراب العديدة والمتكررة التي حطت رحالها فيها منذ العصر العباسي الثاني. وتلا ذلك دخول المغاربة مع الفاطميين واستمر قدومهم اجمالا مدى العهد الفاطمي. ودخلها ايضا عدد وافر من الاتراك والاكراد في العهد نفسه كما السودان من النوبة والسودان. وتزايد عدد المشارقة من ديالمة واتراك واكراد في العهد الايوبي[43]، واكتمل السندس الاثني في العهد المملوكي الذي بني على استقدام الارقاء من مختلف الاعراق والجنسيات لا سيما الاوروبية والاورازية. هذا اضافة الى الجاليات التجارية المتعددة المشارب بين مشرقية واروبية. وكان لكل من هذه الجاليات عاداتها وتقاليدها الذاتية، وتقيم في احيائها الخاصة وتمارس ميزات خاصة بها، وفي الوقت عينه كانت تتشارك جميع هذه الاتنيات والفئات عادات منطلقة من التشريع الاسلامي واخرى متراكمة عبر العصور. وخضعت جميعها الى منطق القوة، المتمثل بقيادة المماليك المشكلين( طبقة) فئة ممتازة حاكمة.

    2 – الطبقة العسكرية الحاكمة: تألفت من المماليك، انقسمت من حيث وظائفها وتركيبها العسكري والاداري والاجتماعي الى ثلاث مستويات: السلطان، والامراء على اختلاف مراتبهم، والاجناد.

   كان السلطان هو رأس الجهاز العسكري والاداري المملوكي، ووظائف الامراء شكّلت بيوت خدمة له رغم ان الابعاد الاساسية لوظائفهم كانت مهامها حكومية بحتة. وليس ادل على ذلك من الاسماء او الالقاب التي اطلقت على بيوت الخدمة السلطانية مثل: امير مجلس، دوادار كبير، استاذ دار، امير آخور…[44]. هذا اضافة الى وظائفهم في النيابات المتعددة حيث كانوا يقومون مقام السلطان فيها ويلقب واحدهم بنائب السلطان. وكانت للامراء ايضا، بيوت خدمة على غرار السلطان ولكنها كانت ادنى منزلة ولا تتمتع باية صفة حكومية.[45]وتتدرّج رتب الامراء بالدونية حتى ادنى رتب. اما الاجناد فكانوا عدة فئات: المماليك السلطانية، واجناد الحلقة، ومماليك الامراء[46]   

       لم يقل الشأن الوظائفي المملوكي في النيابات عمّ كان عليه في القاهرة؛ فقد عاش في دمشق مثلا عدد كبير من ارباب السيوف كان نائب السلطان اعلاهم رتبة، ويخصص بألقاب ونعوت لم يسمح بها لغيره[47]. وكانت تزين كل احياء المدينة وحاراتها لدخوله اليها، ومن عادته التطواف حول قلعتها سبع مرات، والصلاة ركعتين عند باب السر، ومن ثم يتوجه الى مقره في دار السعادة[48] مركز اقامته فيخلع الخلع على قضاة القضاة الاربعة في دار العدل[49] تعبيرا عن اقراره بدورهم في الحياتين الدينية والاجتماعية.

    تمتع نائب دمشق بصلاحيات واسعة جدا ان من حيث التوظيف والعزل، او منح الاقطاعات[50]. كما توجب عليه اداء مهام ادارية وامنية وسياسية واجتماعية ودينية[51]. وعاش في دمشق الى جانبه ثمانية امراء مئة مقدمو ألوف، وواحد وعشرون امير اربعين او طبلخاناه، واثنان وعشرون امير عشرين، وواحد وخمسون امير عشرات، وثلاثة وعشرون امير خمسة[52]، عدا عن مقدمي الحلقة واجنادها وهم عدد كبير، اضافة الى عدد آخر من الموظفين لا يسعنا ذكرهم جميعهم بحيث يغدو الموضوع دراسة في الادارة المملوكية،[53] ونائب القلعة الذي لم يكن لنائب دمشق سلطة عليه[54]، واتابك العسكر ( قائد الجيش ) وبالتالي نشأ نظام عسكري بيروقراطي لتلبية متطلبات السلطان من جهة، ولتلبية حاجات النائب الذي كان شبه مستقل.

        اذا علمنا ان الجيش المملوكي النظامي اقتصر على الارقاء المشتروات، ناهيك بان كل امير حُق له بشراء عدد من المماليك لخدمته الخاصة تتناسب مع رتبته، لأدركنا العدد الهائل للمماليك الاغراب في الحاضرة او في مراكز النيابات ما جعلهم يشكلون بالتأكيد طبقة قائمة بذاتها ولكنها ذات مستويات مختلفة داخليا تبعا للرتب والدخل. وقد تمايزت اجتماعيا بشكل لافت عن ابناء البلاد، وتدرجت نسبتها الاجتماعية والاقتصادية تبعا للمناصب من اعلى الى اسفل بدءا من السطان فأمراء المائة في الحاضرة، ثم النواب في النيابات وعلى رأسهم نائب دمشق، فامراء المائة فيها وفي غيرها من النيابات التي اقام فيها مقدمو ألوف، نزولا هرميا حتى الاجناد.

    يمكن اعتبار هذا التفرع اسرويا الى حد، بحيث شكل كل سلطان وامير نوعا من اسرة قائمة بذاتها بانتماء مماليكه اليه وحده بثلاث روابط على الاقل: الرق، والعتق، والوظيفة التي شغلوها لخدمته، وتبعهم بهذا الانتماء اسرهم، كما العاملون بخدمتهم في الاقطاعات المتنوعة.

وعلى الرغم من انتماء افراد الطبقة العسكرية الحاكمة الى رجال السيف، فانهم لم يكونو متجانسين من حيث وظائفهم وانتماآتهم، فبعضهم ارتبط بالسلطان مباشرة والبعض الاخر بالنائب في النيابة، ما ادى الى تمايز وظيفي في القاهرة وفي النيابات، حتى ان بعض الموظفين في النيابات استغل ارتباطه بالسلطان وتجاوز كل الحدود[55].ان كل ذلك جعل الفئة العسكرية الحاكمة أكان في القاهرة او في النيابات وحدات شبه مستقلة، ومرتبطة في آن بغيرها من حيث الوظيفة ونمط الحياة العام مع الاخذ بالاعتبار التمايز الاداري والوظيفي. وعلى رغم المميزات العسكرية والادارية والمالية[56] التي حازها المماليك على اختلاف رتبهم وفئاتهم ومستوياتهم فانهم لم يكتفوا بها بل تصارعوا فيما بينهم حتى باتت المدن المملوكية مسرحا لصراعات دامية غير منتهية كان لها تأثير كبير على تدهور الحياتين الاقتصادية والاجتماعية.

 على الرغم الثراء الفاحش الذي تمتع به السلاطين والامراء الكبار الذي بلغ مستويات اسطورية تذكرنا باخبار ألف ليلة وليلة[57]. مثلا وزّع الامير قوصون، الذي عين نائبا على الشام نفقة واموالا على بعض الامراء والاجناد اخافت السلطان[58]. وقد بلغ ما تركه ” تنكز ” نائب الشام مليونين وسبع مئة ألف دينار، وسبع مائة وثلاثين ألف درهم فضي فضلا عن المجوهرات[59].

   وهكذا فقد شكل السلطان وامراؤه واجناده طبقة عسكرية حاكمة مغلقة عن الشعب. وحدد الانتماء اليها بشروط لم تتوفر بالسكان الاصليين: كالعرق، اي ان يكون مولودا خارج الاراضي المملوكية في الشرق العربي والاسلامي وبالتحديد في السهوب الآسيوية الاوروبية الممتدة من آسيا الوسطى حتى البلقان والبحر الادرياتيكي[60]. والرق[61]، واجادة اللغة التركية التي كان المماليك يتحدثون بها في اجتماعاتهم ومجتمعاتهم[62]، وقليلون منهم من اتقنوا العربية، لا بل ان بعضهم لم يفقه منها شيئا[63]. و التربية في الطباق ( الثكنة العسكرية )، والعتق، والتدرج بالامرة[64]. وانحصر تزاوج امراء المماليك اما من نساء تركيات جيء بهن خصيصا لهذه الغاية، او من بنات امراء المماليك. وقليلون منهم من تزوجوا من بنات مياسير التجار او بنات المتعممين[65]. وكانت جميع اسماء الامراء تركية، ولم يجرؤ احدهم الخروج على هذه القاعدة مخافة القتل او العزل، فالسلطان جقمق ( 1438 – 1453م. ) اراد ان يتسمى محمدا تيمنا بالرسول (ًصلعم ) ولكنه خاف العزل فتسمى جقمق محمد[66]. انما حق لهم بالالقاب الدينية مثل ركن الدين او عز الدين… وانفردوا بارتداء ثياب مميزة مطرزة الكمين تمييزا لهم من افراد الشعب. وارتدوا قباء طويلا ينتهي بأكمام ضيقة، واعتمروا كلوتة صفراء من دون عمامة، وشدوا على خصورهم احزمة من القطن البعلبكي. وتميزت ايضا ثياب الامراء من ثياب الجند[67]. وم مميزاتهم اقتناء الرقيق وركوب الخيل الذي لم يجز ركوبها لغيرهم [68]. وعلى رغم اسلامهم فلم يقض كبار الامراء في ما بينهم بالشرع الاسلامي بل ب ” الياسة او اليسق ” وهي مجموعة القوانين المغولية التي اصدرها جانكيز خان ( 1206 – 1227م.)[69]. وحاز المماليك وحدهم، سلطانا وامراء واجنادا، الاقطاعات الزراعية وشاركهم بقسم ضئيل نسبيا بعض المتعممين ممن اشرفوا على المؤسسات الدينية والتربوية والاجتماعية، وبعض العربان ممن اعتبروا من اجناد الحلقة [70]. كما توزعوا في ما بينهم المرافق الاقتصادية العامة الاخرى ولا سيما الجمارك التي حازوا عليها عن طريق الاقطاع.

   هكذا انفصل، اجتماعيا، رجال السيف عن ابناء البلاد بنظمهم وعاداتهم واخلاقهم وممارساتهم التي جاءت غالبا مجحفة بحق الرعية، وشكلوا فئة اجتماعية سياسية عسكرية مغلقة عن ابناء المدن، ولكن آليتها الداخلية كانت متحركة باتجاهين صعودا نحو القمّة، او انحدارا نحو القاعدة وصولا الى البطالة والعزل. وفي الحالين معا خضعت تلك الفئة لظاهرة اجتماعية واحدة لها خاصاتها وميزاتها في انها فئة ممتازة ومتميزة عن ابناء البلاد الاصليين، بل عن السكان كل السكان. وجاء تحول تلك الظاهرة بطيئا جدا بما اجازه القانون تدريجا لافرادها من الاختلاط بسكان المدن ضمن حدود ضيقة، دفعت ببعض السكان ان يحذوا حذوها، وان جاء ذلك مخالفا للقانون، كما سنلاحظ بالحديث عن الزعر. كما تأثر السكان ايضا ببعض العادات المملوكية.

3 – اعيان المدنيين:

أ – رجال الدين المسلمين: كان الاعيان أكثر من فئة؛ رجال الدين، كبار التجار، وكبار الحرفيين او الصناعيين ان جاز التعبير. شكل رجال الدين المسلمين، بوجه عام ، صمام امان في المجتمع الاسلامي لانهم احتلوا المنزلة المدنية الارفع فيه، وظل الناس ينظرون اليهم باكبار حتى في فترات الانحطاط، نظرا لممارستهم شؤونا مدنية اجتماعية مثلت من حيث المبدأ دور الرقابة على اعمال الجهاز العسكري الحاكم، وان اختل هذا التوازن لصالح المماليك باستمرار لا سيما في العهد الجركسي. حتى ان رجال الدين الذين تسرّب اليهم الفساد، وجروا وراء مصالحهم الذاتية، بخضوعهم لرغبات الطبقة العسكرية وتنفيذ مآربها على حساب الشعب، ظلوا جميعهم يحتلون منزلة مهمة عند الشعب، ليس على الصعيد الشخصي، انما على مستوى الوظيفة الجليلة التي كانوا يشغلونها.

     اما ابرز الوظائف الدينية في القاهرة وفي النيابات فكانت: قضاة القضاة وكان عددهم اجمالا اربعة، وقاضيي عسكر شافعي وحنفي، ومفتيي دار العدل شافعي وحنفي ايضا، والمحتسب، ووكيل بيت المال[71]. ويعتبر قاضي القضاة رئيس الادارة القضائية من حيث المبدأ، إليه يرجع تعيين القضاة وعزلهم، وتعيين نواب له، والفصل بين الخصوم، وتنفيذ الاوامر الشرعية[72]. والقضاء المملوكي استمر سليما معافى ما دام السلاطين كانوا يقظين ويهتمون بامور الرعية، فكانوا يعزلون من تسؤ سيرته[73]. وكان من المفترض ان يختار اهل كل مذهب قاضي قضاتهم بعد موافقة السلطان، ولكن ذلك سقط بعد ان عمّ الفساد الادارة المملوكية عموما، خصوصا ان العلوم الدينية لبعض السلاطين كانت متواضعة[74]. وخفّت اهتماماتهم بامور الرعية، وحرصوا على الحصول على المال بشتى السبل حتى صارت المناصب ومنها الدينية تشرى بالرشوة[75]. وتمكن بعض القضاة من جمع اموال طائلة بطرق مشبوهة، من دون ان يخجلوا، بل ان بعضهم راح يتباهى بسطوته ونفوذه غير آبه بتهكم الناس، وغير مكترث بأحكام الشريعة، فاحتقره زملاؤه والناس كلهم[76]. خصوصا ان بعض هؤلاء كان جاهلا اصول القضاء واحكام الشريعة، والعلوم الدينية الاخرى التي هي في اساس التربية في الاسلام ومنارة السلوك الاجتماعي[77]. ولم تكن حال حميع القضاة على هذا النحو اذ أُثر عن بعضهم الصلاح واعمال الخير والاجتهاد بتلاوة القرآن والاكثار من الصلاة والتفقه بالاحاديث النبوية[78]. ومارس قضاة القضاة والقضاة احيانا ضغوطا على الطبقة العسكرية الحاكمة لاطلاق من اعتقل ظلما وعدوانا، اوللشفاعة بمن اعتقل اثناء الصراع بين الاجناد المماليك والسكان، وما شابه هذه الحالات[79]   

الوظائف الدينية الاخرى: تنوعت مهام رجال الدين وشملت مختلف الحقول الاجتماعية لإرتباطها بالشرع الاسلامي، لأن الوظيفة الدينة كانت تتصدر الحياة الاجتماعية. ونذكر منهم مفتيي دار العدل، وكلاء بيوت المال، وهم مؤتمنون على اموال  الدولة[80]. والمحتسب الذي يراقب الاسعار و المكاييل و الموازين والاخلاق العامة[81] ودوره اجتماعي بامتياز لأن من مهامه الاشراف على المرافق العامة، والاقتصاص من المخالفين للأنظمة العامة والاخلاق، وبالتالي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن الحسبة صارت منذ العهد الجركسي عموما تشرى بمال، وفسد اصحابها، حتى انها اسندت مرة الى احد باعة السكر، فقرّظ المقريزي السلطة قائلاً:” فكان هذا من اشنع القبائح، وواقبح الشناعات.”[82]

 ومارس رجال الدين دورا اجتماعيا مهما جدا وهو التدريس بالمدارس، وادارة اوقافها واوقاف المؤسسات الدينية المتنوعة كالمساجد والجوامع والخوانق والربط وما الى ذلك، وبالتالي ارتبط بهم السكان بشكل اساسي بحياتهم اليومية والعادية، لأن الثقافة الدينية كانت محورا اساسيا في حياة الناس. ولم يكن من الضروري ان يتقن الفرد القراءة والكتابة لكي يحظى بثقافة دينية، بل كان يتم له ذلك عن طريق السماع والوعظ والارشاد. ما جعل المدرسة محورا اساسيا في التآلف الاجتماعي لاستنادها الى مذهب شرعي محدد، ولوجودها في مكان محدد من المحلات او الاحياء، وبما انها كانت تقوم اساسا على التوعية الدينية وتعليم اصول الدين من فقه واحاديث، وخصوصا تلقين القرآن، لان الدين الى جانب كونه عقيدة غالبية السكان فانه كان ايضا نظام حياة، وبالتالي اصبحت المدرسة النقطة المركزية في التوحيد الشامل لابناء المذهب المنتسبة اليه. ولم تكن غايتها التعليمية تخريج رجال دين على مختلف المستويات فقط، بل ايضا تثقيف المجتمع، فكان ينتسب اليها ابناء الفئات المتوسطة والغنية تقربا من الله وللتفقه باصول الدين للاكتفاء الذاتي على هذا الصعيد. حتى اذا تخرج الواحد منهم واشتغل بمهنة حرة ادرك اصول المعاملات الشرعية.[83] والجدير ذكره ان سلاطين وامراء المماليك أكثروا من تشييد وترميم المدارس، واوقفوا عليها الاقطاعات لدفع نفقات المدرسين والطلاب والقيام باكلافها، كمدرسة الظاهر برقوق التي شيدها عام 787/1386[84]، او مدرسة الاشرف قايتباي في مكة[85].

   لقد تفاوت عدد الجوامع في دمشق في العهد المملوكي بين مؤرخ وآخر[86]، وكذلك الامر بالنسب للقاهرة[87]، وبلغ عددها في حلب عشرون داخل الاسوار[88]. واهمية هذه الجوامع، الى جانب كونها اماكن عبادة وصلاة، قيامها بمهام المدارس، كما شكلت في آن مأوى للفقراء، والصوفية من جهة[89]. وكانت جميعها بادارة رجال الدين الذين شكلوا فئة اجتماعية خاصة، متميزة بثقافاتها ورتبها تبعا لوظائفهم. وجاءت ثيابهم متشابهة مع بعض الاختلاف[90]، ونالوا رواتب نقدية او اقطاعات، ما جعل احوالهم الاقتصادية جيدة الى مريحة. وقد شكلوا مع اتباعهم ومساعديهم نسبة لا بأس بها من عدد السكان، ما جعلهم فئة متميزة تماما لها مقوماتها الذاتية.

ب – رجال الدين المسيحيين: قادوا ابناء طوائفهم ومثّلوهم امام السلطان ونوابه لأنهم كانوا المسؤولين عنهم، وليست لدينا معلومات وافية عن احوالهم سوى الناحية الادارية التي ذكرها القلقشندي، وشأنها معروف حتى اليوم.[91] ومن المرجح، ان المسيحيين كانوا يعيشون في احياء خاصة بهم، ويتمتعون بنظمهم الخاصة، ما جعلهم فئة اجتماعية متميزة ببعض وجوهها من الفئات الاجتماعية الاسلامية بخاصات محددة نابعة من تقاليدها الدينية، علما ان الصفة العامة للمجتمع الاسلامي بما هي ظاهرة اجتماعية عامة شملتهم بدورهم، لانهم تشاركوا مع بقية السكان الاعمال عينها، واحتفلوا معهم بكل الاحتفالات والاعياد، كما شاركهم المسلمون احتفالاتهم.

ج – رجال الدين اليهود: كان رئيس اليهود المسؤول، بوجه عام عن طائفتي اليهود القرائيين و الربانيين معا[92]، وكان وضعهم الاجتماعي مشابها الى حد بعيد لوضع المسيحيين.

   والجدير ذكره ان بعض السلاطين مارس على المسيحيين واليهود احكام اهل الذمة لدواعي داخلية احيانا، واخرى خارجية، مع اختلاف في مشروعية هذه التدابير بين الفقهاء احيانا، اذ كان يؤيدها بعضهم، ولا يجيزها البعض الاخر[93]. وتنوّعت الاسباب الداخلية التي اجازت لهم اشتغال وظائف ديوانية ما كان يسيئ بعض رجال الدين المسلمين ممن كانوا يحرّضون السلاطين لعزلهم وتطبيق الشروط العمرية عليهم، او اتهام بعضهم بممارسات مخالفة للقوانين حقا او زورا[94]. وتنوعت التعديات وكان بعضها رهيبا ومحيفا ولا مبرر له[95]. وتأتت الاسباب الخارجية عن مهاجمة الاوروبيين احد الموانئ او المواقع المملوكية شأن ما حصل للاسكندرية عام 1366على عهد السلطان شعبان[96]. وتكررت هذه الحوادث في العهد الجركسي. 

د – اعيان التجار والصناعيين: لتحديد التفريع الاجتماعي ضمن فئة الاعيان لا بد من اعتماد المبدأ المنظم المبني في هذه الحالة على المستويين الاقتصادي والمنزلة الوظيفية. ان خلو مصادرنا العربية من الارقام تدفع بالباحث لاعتماد الصفة فقط بالنسبة للحالة الاقتصادية التي تعتمدها هذه المصادر كأن تقول فلانا من مياسير التجار او من كبارهم، كتجار الخانات والقيساريات، وارباب القوافل وتجار الجملة والسماسرة او الوسطاء التجاريين. وقد ضاهى هؤلاء كبار الامراء من حيث الاهمية وشاركوا بحضور الاحتفالات الرسمية، ونالوا احتراما مميزا من السلطات والشعب على حد سواء[97]، لان التجارة تحتل مركزا مرموقا في الاسلام[98]. ويدرج ضمن هذه الفئة اصحاب الصناعات المهمة وهم غير الحرفيين الصغار. ويصعب علينا اعطاء فكرة واضحة عن هؤلاء لان مصادرنا تحجم، غالبا، عن مدنا بالارقام عن غنى بعض التجار وغيرهم من الميسورين سوى بعض الحالات النادرة[99]. وشكل الاعيان طبقة برجوازية بالاصطلاح الحاضر لان الابناء توارثوا عمل الآباء خلافا للطبقة العسكرية الحاكمة. وجنى بعضهم ثروات مهمة جعلتهم عرضة اما للمصادرات او للطرح.[100] ما دفع ببعضهم لاخفاء ثرواتهم، الامر الذي ادى لتقهقر نسبي في الحركة الاقتصادية عامة. ونحن نجهل نسبتهم الى عدد السكان، وبالتالي لا نعرف ان تمكّنوا من تشكيل فئة اجتماعية كبيرة لها مميزاتها الخاصة، ولكن من دون ادنى شك تمتع هؤلاء الاعيان بمنزلة مهمة عند السلاطين ونوابهم، وشاركوهم احتفالاتهم.

4-  العامة: ان تعبير العامة او اصطلاحه قديم جدا في المجتمع الاسلامي، تناوله الادباء والفقهاء والمؤرخون للدور البالغ الاهمية الذي مارسته العامة في المجتمع على الصعيدين الاجتماعي والسياسي: فهم عند الدينوري :”اصحاب الاهانات، وابناء الانذال…ومنهم الرعاع والهمج والغوغاء، واهل السفه.”[101] وهم عند الطبري: النطاف وباعة الطريق في محتقرات البيوع، وبائعو البطيخ والزجاج، والقصابون، والبقالون، والكناسون[102]. وهم عند”الصفدي” خلاف الخاصة”[103]. وبالتالي يمكن تعريف العامة المملوكية بأنها الفئات الشعبية التي لم تتلق تعليما، ولا حققت ثروة، ولم تشْغل منصبا حكوميا، بل هي جماعات دفعت الضرائب من دون ان تفيد منها اجمالا، وسميت العامة او عامة الناس لاضفاء عليها صبغة من الاحترام وتمييزا لها من الزعر والارذال. وهي  تألفت من اصحاب الحوانيت، والباعة المتجولين، وباعة المفرق، والعمال كالنجارين، والبنائين، والحرفيين[104]، واصحاب الصفقات التجارية المشبوهة، والمخادعين ،والسماسرة، والصيارفة.[105] ، واضاف اليهم المقريزي تجار النخاسة، وبائعي الخمور، والمغنين والنادبين، القصابين، واصحاب بيوت الدعارة، وضامني الافراح والمآتم، والمشاعلية[106]، ويضاف الى هؤلاء عمال الدباغة، وضاربي الرمل لكشف الغيب، وسائقي البغال والحمير وغيرهم[107]. وشمل هذا التصنيف مختلف الطوائف والمذاهب الاسلامية والمسيحية واليهودية.

     لقد تجانس جميع العامة من حيث طبيعة العمل، فمثلا: لم يكن ممنوعا على الذميين ممارسة اي مهنة يمارسها المسلمون. وتحجم مصادرنا عن مدنا بمعلومات لدراسة وضع العامة الاجتماعي بشكل صحيح، ولكنهم شكلوا معظم السكان، وكانت لهم عاداتهم وتقاليدهم المشتركة مع امتياز كل فئة منهم بمفردات خاصة واسلوب عمل تبعا لطبيعة مهنته. وقد عاش كل اصحاب حرفة او مهنة منهم في حيّهم الخاص، ومارسوا اعمالهم اجمالاً في سويقة الحي، واحيانا ضمن السوق المخصص لها. وبالتالي كانت لكل منهم عاداته وتقاليده وزبائنه الخاصين، ما جعل كل فئة منهم تخضع لظاهرة اجتماعية محددة، ويخضعون جميعهم للظواهر الاجتماعية العامة في مجتمعهم الكبير. وهناك ثمة ملاحظة اخرى هي ان المهن كان يتم توارثها سلاليا. وترأس كل حرفة نقيب ان جاز التعبير يعرف بشيخ المهنة يدافع عنها وعن المنضويين فيها بخاصة تجاه تعسف السلطة.

5 – الزعر: ان نشوء المعدمين في مختلف المجتمعات الانسانية نتج من الصراع على الثروة او على السلطة، او على الاثنين معا لتلازمهما في غائية جنوح الانسان الى العظمة. وفي خضم يأس المعدمين انبرت جماعات تدعي الدفاع عن مصالحهم، ونصّبت نفسها قادة عليهم باسم الانسانية. وتكونت هذه القيادات، في الغالب، من افرازات اوضاعهم البائسة المنبثقة من رفض الواقع المظلم والمرير، ومن جنوحها بدورها للاستغلال، ولشراسة في اخلاقها وطبائعها. فتكونت اذ ذاك احزاب عفوية اخذت على عاتقها تغيير الواقع المشكو منه، وفق اساليبها الخاصة، واقنعت المعدمين بأن ما تصبو وتسعى اليه، وفق وسائلها الخاصة، يمثل انجع السبل لتطوير احوالهم البائسة، وبالتالي نشأت منظمات الزعر لتقف بوجه ممارسات المماليك الظالمة. وأنشأوا حارات خاصة بهم في عدد من احياء المدن، وكانت عبارة عن احزمة بؤس في طفرات المدن الحالية[108] ،ساهمت بزيادة التدهور الاجتماعي والاقتصادي، لأن الزعر ومن شابههم عزفوا، عموما،عن القيام بأعمال شريفة. وكوّنوا خلايا خاصة بهم تمركزت كل خلية في احدى الحارات يتزعمها قائد عرف بكبير زعر محلته، وتزيّوا بلباس خاص تمييزا لهم من بقية الناس، فلبسوا “فرعاني” يلفونه على رؤوسهم، وثيابا يقلبونها على أكتافهم، ومنها الابشات بأكمامها الطويلة والعريضة لتخفي سلاح الواحد منهم[109].

   اعتاش الزعر من موارد متعددة: فقد امتلك بعضهم حوانيت، وفي هذه الحال فرضوا سطوتهم على الحوانيت المجاورة واحيانا على معظم حوانيت السوق او المحلة، بأن اقاموا في بعضها من يبيع لحسابهم باسعار مرتفع نسبيا لكي ينصرف المشترون الى محلاتهم. او انهم فرضوا الاتاوة “الخوة” على بعض الحوانيت، وذا رفض اصحابها الانصياع تعرضت حوانيتهم اما للسرقة او لاعتداءات اخرى. وكان تواجد حوانيتهم في محلة ما يشكل كارثة على اصحاب الحوانيت الاخرى، ليس بسبب ما ذكرت فقط، بل لان المحلة اذا تعرضت للرمي او الطرح فرضوا، بقوة السلاح او السطوة، المال المتوجب لتلك الضرائب على الحوانيت الاخرى،[110]. واذا ارادوا الاحتفال- وكانت احتفالاتهم باذخة – بسبب اقامة الهدنة العسكرية بين منظماتهم حمعوا الاموال من “المستورين او المحتاجين على وجه الحياء والقهر”[111].

   من المفارقات الغريبة، ان السلطة الحاكمة كانت تشجّع الزعر على التمادي بغيهم، لاسيما عندما كانت تحتاج الى خدماتهم: فأحيانا كان نائب دمشق وبعض كبار الموظفين العسكريين يحضرون عروضهم العسكرية، ومن ثم يخلع الخلع على اكابرهم[112]. وهذا يعني اعترافا ضمنيا بسلطتهم. ومن المؤسف ايضا ان بعض الفقهاء اجازوا لهم قتل اعوان الظلم والمجرمين من البلاصين واللصوص وغيرهم من دون ان يدروا او ربما ادركوا انهم حاولوا استئصال الجريمة بجريمة اخرى قد تكون ابشع، لأن الزعر تسلّحوا بهذه الفتاوى [113]وصاروا يخرجون باسلحتهم، ويسطون على اموال  الناس ومن امتنع عليهم قتلوه باسم الدفاع عن مساوىء المجتمع[114] . ولم يقف الامر عند هذا الحد بل صار الناس يدفعون لهم الاموال  لقاء القضاء على اعدائهم. واذا تجرأ احد وشكا امرهم للسلطات دفع حياته ثمنا بحيث انتشرت كمائنهم وكثرت الاغتيالات[115]. ولعل الظاهرة البارزة والنافرة هي مساهمة السلطة بدفع العامة الى ممارسة اعمال النهب والسرقة لسببين على الاقل: تعويضا لها عن وضعها البائس عموما، وثانيا انتقاما من السلطان او الامير المهزوم في معركة سياسية – عسكرية، بحيث كانت العامة والزعر يشاركون المنتصر الذي كان يكافئهم بالسماح لهم بنهب بيوت واموال المهزوم، وما كانوا يكتفون بذلك بل كانوا ينقسمون على انفسهم احزابا تتقاتل فيما بينها للتفرد بالسلب والنهب او للحصول على اكبر قدر منه، ما كان يؤدي الى تعطيل الاسواق[116].

    وهكذا جاء تفرّع المجتمع المملوكي، وكأن فئاته متخاصمة، تعيش الواحدة منعزلة عن الاخرى ما عدا ما كان يقوم به رجال الدين من محاولات لحل المشاكل بين الفئات المتخاصمة، ولاسيما بين العامة والزعر او الشطار، وبين كل فريق منهم والحكّام.

كانت هناك ثمة ظواهر اجتماعية مشتركة خضع لها الجميع وهي الدخول الى الحمامات العامة، لأنها شكّلت احدى ركائز حياتهم الاجتماعية، فهي كانت الى جانب عامل النظافة نوع من الترويح عن النفس تقام فيها احتفالات اجتماعية متنوعة. وتشارك الجميع ايضا الاحتفالات المتعددة مثل التي كانت تنظمها السلطة كمواكب السلاطين[117] او نوابهم في النيابات حيث كانت تزيّن المدن على نفقة السكان اجمالاً، اما الحوانيت التي ما كانت تشارك بالزينة فكانت تختم.[118]  وكانت تزيّن المدن ايضا لإسباب اخرى كمجيء قاصد من دولة اجنبية [119]. وتشارك الناس في الاحتفالات الدينية التي كثيرا ما كانوا خرجون فيها عن الهدف الاساسي ويمارسون الفسق على انواعه[120]. ولم تكن تقتصر على طائفة او مذهب معيّن بل شارك فيها كل الناس[121]. ويسجّل للماليك سلاطين وامراء ما كانوا يصرفونه من نفقات اجتماعية على الفقهاء، والفقراء، ونفقات شهر رمضان والاعياد الدينية، والترب والمشاهد، والمقامات، والمزارات.[122] وكانت تتزايد هذه الظاهرة الخيرية كلما كان يمرض سلطان وخصوصا عندما يشتد عليه المرض[123].

   ولعل انتشار الاوبئة والامراض من السمات الاجتماعية البارزة التي طبعت العصور الوسطى باكملها، وربما جاء تأثيرها شديد النفور في العهد المملوكي من شدة وطأتها، ولأنها ضربت المجتمع مرات متوالية وبشكل مريع، حتى ان السلطان والامراء والناس جميعهم كانوا يتقربون من الله اما بالخروج الى الصحراء بالدعاء، او بالصيام والصلاة مدة ثلاثة ايام متوالية[124].

    ان هذا التراتب الاجتماعي حمل تمايزا بيّنا في طياته بين الفئات المكوّنة للمجتمع، وجعل الفواصل بينها واضحة. وجهد المماليك بما هم عليه من قدرة عسكرية وقيادة ادارية لاستغلال الفئات الاخرى لصالحهم بكل الوسائل المتاحة. ما جعل الناس في ظل قيادة بعض رجال الدين المسلمين الصالحين يتمرّدون على هذه الممارسات، ويعترضون عليها، بل يرفضون تطبيق بعضها. بل تمرّدوا على واقع مرير، وادركوا انهم مغلوبون على امرهم، وان اصلاح الحكام اصلاحا جذريا غير ممكن، فحاولو جاهدين تغيير المعادلات باللجوء الى الوسائل الدينية في معظم الاحيان، وعبّروا عن مواقفهم بما اوتوا من امكانات محدودة، وهرعوا الى رجال الدين، الذين كانوا ينطقون باسمهم بل كانوا ممثلين لهم، على اعتبار ان منزلتهم كانت مهمة قد يقدّرها الحكام، وقد نجحوا احيانا في رفع الحيف عن بعض المظلومين. وفي حال فشلت الوساطة اعتمدوا بدائل اخرى كالاحتجاج السلمي وهو المعروف بالتكبير- النزول الى الاسواق هاتفين الله اكبر- وهو تدليل على ان الله ينصر المظلومين وبالتالي دعوة الى اهل الظلم الى الثواب. وكان التكبير يحصل في الشوارع، باعترض مواكب السلاطين او نوابهم او مساعديهم، وفي الجوامع. وكان القضاة والعلماء يتقدمون المتظاهرين تأكيدا على استرجاع حق سليب ولاضفاء الصفة الشرعية على التظاهرة علّ الحكام يرعوون. وكانت تلك التظاهرات تخيف المماليك ،بوجه عام، بما تخلق من حالات عدم الاستقرار التي قد ينفذ من خلالها المصطادون بالماء العكر للاخلال بالامن او للتعدي على من يجدون من المماليك منفردين.[125]

      وكان لفشل تلك المساعي السلمية والحضارية آثار سيئة على الوضع العام في المدن ،ادى الى يأس العديد من متوسطي الحال، لان التعديات المتكررة حولتهم الى ما دون متوسطي الحال بل فقراء، وعجزوا بالتالي عن تأمين اود الحياة فسلكوا دروب الجريمة المتنوعة، فازدهرت اعمال اللصوصية والحرامية، وكثرت الجرائم، ومناسر الليل، والسرقات واعمال النهب[126]. وانخرط بعضهم في منظمات الزعر ما زاد في الطين بلة، وساءت، بوجه عام، احوال الناس. كما حفل المجتمع بانواع المفاسد الاخلاقية نتيجة ممارسات الحكام الجائرة وبسسب الفقر واليأس، ولعل ابرز تلك المفاسد الدعارة على انواعها،[127] والتحشيش[128] وما الى ذلك.

                       القسم الثاني: الاقتصاد المملوكي

  من الواضح ان دراسسة المجتمع تتأثر بنيويا بالاقتصاد بسبب التداخل بينهما، وتأثير الاقتصاد على مستوى الاجتماعي، ولأن المستوى الاقتصادي يشكل احد مرتكزات التفرع الطبقي. وكما ان المماليك شكلوا فئة اجتماعية متميزة عن السكان بكل تدرّجات مستوياتها، فانهم احتكروا معظم مصادر الدخل بدءا بالقطاع الزراعي، وتدرّجوا بالسيطرة على القطاعات الاخرى المربحة.

شكّلت الزراعة والاقطاع، والصناعة، والتجارة المقومات الاقتصادية المملوكية الاساسية. وتأثرت بوضوح بعوامل اخرى مثل: الصراعات بين فئات المماليك، وغش النقود، والاحتكارات، والضرائب المتنوعة، فضلا عن نفقات الدولة الكثيرة ومحاولة موازنة الواردات معها.

أ – الاقطاع والزراعة: ارتبط النظام الاقطاعي عضويا بالنظام العسكري المملوكي، لأن السلطان  والامراء والاجناد توزّعوا الاراضي الزراعية كلها سوى ما افرد للمؤسسات الدينية والاجتماعية[129]. ويدخل ضمن النظام الاقطاعي كل موارد الدولة من الضرائب والمكوس المتنوعة بما فيها الاموال الخراجية، والهلالية[130]. والمال الهلالي هو ما كان يدفع شهريا، “وكان على عدة انواع كلها احدثها ولاة السوء شيئا فشيئا ” على حد تعبير المقريزي، مثل ضمان القراريط والبغاء، واجور الاملاك المسقفة من الآدر والحوانيت، والحمامات، والافران، والطواحين، وريع البساتين، ومصائد السمك، ومعاصر الشيرج والزيت، والزكاة، والجوالي، والمواريث الحشرية، والثغور، والمتجر، والشب والنطرون، والحبس الجيشي، ودار الضرب، ودار العيار، والجاموس، والمركب، ومقرر الجسور. وتعددت المكوس التي اقطعت وشملت احيانا معظم الضرائب في الدولة، اما اشهرها فكانت: ساحل الغلّلة، ومقررات: السجون والحوائص والفراريج والمشاعلية (تنظيف الاقنية)، ونصف السمسرة، ورسوم الولاية، وضمان المزر[131] والافراح والمغاني لأن المغنيات والنادبات اعتبرن موظفات سجلت اسماؤهن عند ضامن هذا المكس اذ توجب على المغنية والنادبة دفع مبلغ معيّن عن كل حفلة تؤديها[132]. وضرائب المراعي وصدقات الماشية[133]، وما يتحصّل على النقود من دار الضرب. ما يعني ان الطبقة العسكرية شبه احتكرت هذا القطاع؛ اذ وزّعت الاراضي وما تبعها من ضرائب على اربع وعشرين قيراطا، واستقرّت حصة السلطان منها في الروك الناصري عام1313- 1315 على عشرة قراريط، ونصيب الامراء والاجناد جميعهم اربعة عشر قيراطا [134]. واعتبر بعض العربان والقبائل والعشائر في مصر وبلاد الشام من ضمن اجناد الحلقة اي انهم حصلوا على اقطاعات لقاء مهام امنية وعسكرية وادارية[135].

     عمليا اعترضت الزارعة المملوكية عقبات متعددة تأتت عن سوء تطبيق النظام الاقطاعي، ولعل هذا السوء نتج عن الفساد الذي بدأ ينخر ادارات الدولة بعيد وفاة السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ثم استشرى في العهد الجركسي. ويمكن تحديد ابرز المصاعب  التي واجهته ب :

1 – سوء سلوك المقطعين: كان الاقطاع مخصصا للوظيفة، وبالتالي لم يكن وراثيا، وبما ان الوظيفة ما كان مضمون استمرارها بيد شاغلها، عمد  المقطع الى استنزاف المال من اقطاعه من دون التبصر بالوسيلة الناجعة. وكان لعدم سكنه في اقطاعه مساوئ كثيرة تأتت عن ممارسات مندوبيه في رعاية شؤون املاكه المؤقتة، اذ كانوا يتوسلون شتى انواع الظلم لإستخراج ما افترضوه حقا لسادتهم، اضافة الى عائدات اختصوا هم بها[136].

2 – قلة روْك الاراضي: ان روك الاراضي يعني استردادها من شاغليها واعادة توزيعها مجددا، بنسبة ملحوظة من العدالة. ولم ترك الاراضي المملوكية سوى مرتين عام 1298، وسنة 1313-1315. وكان الروك في بعض وجوهه يؤدي الى استصلاح الاراضي، واصلاح منشآت الري، كما الى عرض الجيش لمعرفة الصالح للخدمة وتسريح اصحاب العاهات والعاجزين[137]. وفي بداية عهد كل سلطان كانت تتم عملية الاسترداد الجزئي مكافأة للانصار واقتصاصا من الخصوم. وقد جعلت كثرة الانقلابات عهود السلاطين تتوالى بسرعة، وبالتالي تزايدت المناقلات الاقطاعية الامر الذي كان يجعل الفلاح يخضع لأكثر من سيد اقطاعي في السنة الواحد احيانا، ويؤدي ما عليه من إلتزامات اكثر من مرة في السنة الواحدة.[138]  وادت قلة الروك الى ازدياد في بوار اراضي، والى تهدم منشآت الري التي صارت، بسبب الفساد وقلة الرقابة، على عاتق الفلاحين، ما كان يزيد في بؤسهم وفي هجرتهم القرى والانخراط باعمال الشطار والزعر في المدن، وبالتالي انخفاضا في الانتاج الزراعي.

3 – المقايضات الاقطاعية: ساهم ضعف السلاطين واشتداد شكيمة المماليك السلطانية ولا سيما الجلبان منهم، اضافة الى الكوارث الطبيعية التي نجم بعضها عن عملية الفيضان زيادة او نقصانا ما كان يؤدي الى انتتشار الاوبئة والامراض التي كانت تفتك بالفلاحين كما حصل في عهد السلطان شعبان عام748/ 1348حتى اضطر الاجناد للخروج بغلمانهم لجمع محاصيلهم. ولم يكن الموسم جيدا انذاك فعدل بعض الامراء عن جني المحاصيل، وحذا الجند حذوهم فبارت الاراضي.[139] هذه الامور ادت الى ظهور المقايضات الاقطاعية، بل التنازل عنها وبيعها[140]. واستحدث المسؤولون ديوانا للبدل، وشجعوا التنازل عن الاقطاعات لقاء عمولة[141]، واضحى هذا الفساد قانونا عندما اقرّ الامير شيخو رأس نوبة النوب عام753/ 1353 ضريبة البدل في الديوان[142].

4 – تفتيت الاقطاعات ونشوء نظام الإلجاء: اعتبارا من عام715/ 1315عمل السلاطين على بعثرة اراضي المقطع بين عدة اماكن، ما جعل المقطع الصغير عاجزا عن الاشراف على كامل اقطاعه، فاضطر الى إلجاء بعضها لمن يحميها له من الغاصبين لقاء اتاوة، وهذا الحامي فرض على الفلاح ضريبة جديدة عرفت بضريبة الحماية.[143]

5 – وضع الفلاح: ولعل الوضع البائس الذي عاشه الفلاح شكّل السبب الرئيسي في انحطاط النظام الاقطاعي وتاليا الزراعة. واذا كانت الطبيعة ترحمه حينا وتقسو عليه حينا آخر تبعا لدور الفيضان، فان الادارة الاقطاعية والمقطعين على حد سواء لم يرحموه ابدا. فالادارة الاقطاعية نشأت اساسا لتضبط تصرف المُقطَعين والمقطِِعين، فبعد توزيعها الاراضي على اصحابها كانت تعمد الى فحص الاراضي ليس من اجل استصلاحها بل لتقدير الخراج الصحيح عليها،[144] وكان مباشر الخراج يصدر بيانات تحدد مبدئيا العلاقة بين الفلاح والمقطع[145]. ولكن الوضع على الارض كان مختلفا؛ فالفلاح كان ضعيفا في حينا كان صاحب الاقطاع قويا بشخصه؛ فقد كان يجمع من الفلاحين مقرر الجسور لتعمير الجسور وصيانتها، ولكن ذلك ما كان يحترم في غالب الاحيان، بل كان يصرف المال على النافذين ويُلْزم الفلاحون ببناء الجسور ومنشآت الري عسفا وعلى نفقتهم الخاصة[146].

   وقد فرض المسؤولون على اهل القرية الواحدة نظام المسؤولية المشتركة فيما كان يترتب على الفلاحين من اموال؛ فكانوا يتقاسمون مصاريف اقامة الشاد في قريتهم، وان هرب احد الفلاحين كانوا يلزمون جميعهم بدفع ما يتوجب عليه.[147] وغالبا ما كان يستغل موفدو اولي الامر الظروف للإيقاع بالفلاحين، كأن يضرب البلاد غلاء او يعمّ فيها وباء، لتغريمهم ايجارا مضاعفا[148]. ولم يحاول المقطعون تقديم العون لهم بالعمل على تحسين وتطوير وسائل الانتاج واستصلاح الاراضي، انما انحصر همّهم بزيادة الضرائب والمغارم، ما ادى الى نتائج عكسية بحيث عمد الفلاحون الى هجرة الارض وتفضيل تربية الماشية عليها[149]. وزادت ببؤسهم، الى جانب ما ذكرنا، الضرائب المتعددة ومنها ضريبة المراعي، التي كانت تقطع للأمراء بحيث كان يدفع شيئا معلوما عن كل رأس تبعا لتقدير الموظفين المختصين والشهود[150]. ناهيك بالامراض والاوبئة التي كانت تفتك بهم حتى صار يتناقص عددهم باستمرار[151].

   ان كل ذلك اضافة الى الفوضى العسكرية الداخلية التي عصفت بالبلاد بعيد وفاة الناصر محمد بن قلاوون والتي استمرت حتى نهاية العهد المملوكي، ناهيك بالصراعات الخارجية وما تطلبه كل ذلك من اموال فرضت من دون وجه حق على المكلفين جعلت الانتاج الزراعي يتراجع تدريجا، بل يضعف، ما ادى الى انعكاسات خطيرة على القطاعات الاخرى.

ب – الصناعة: ان الصناعة كبقية القطاعات الاقتصادية تتأثر بالمناخ السياسي العام، وبرعاية الدولة، وبالحركية الاجتماعية. ما يعني ان رعاية القطاعات الاقتصادية تتطلب ادراكا وحكمة، وترفّعا عن الانانية الشخصية للصالح العام. ولكن هل فعلا عمل المماليك على رعاية الشؤون الاقتصادية من هذا المنظور، ام ان افتقارهم لمبدأ الوراثة والانخراط الاجتماعي مع الشعب عسّر هذا التوجه وحوّل القطاعات الاقتصادية مصادر دخل للطبقة العسكرية من دون معرفة الوسيلة الناجعة لإستمرار تدفق الاموال؟

   بديهي التذكير ان عهد المماليك مرّ بعدد من الازمات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية المتداخلة فيما بينها والمتلاحقة، بدأ من عهود ابناء الناصر محمد بن قلاوون وصولا الى قيام الدولة المملوكية الثانية وما شهدته من صراعات غير منتهية في سلطنتي برقوق الاولى والثانية، وفي عهد ابنه فرج الشديد التعثّر[152]، واستمر الامر على هذا النحو عموما حتى سقوط الدولة. هذا اضافة الى الطواعين التي ضربت البلاد مرات متوالية. وكان لإنحطاط النظام الاقطاعي التأثير المباشر والفعال على تقهقر الصناعة، وأثر القطاعان سلبا بدورهما على تطور التجارة. والجدير ذكره ان المؤرخين العرب لم يتركوا لنا الكثير من المعلومات حول الصناعة، بل نتفا متفرقة بين دفات المجلدات الكثيرة، وهي تتناول احيانا المصادرات اوالضرائب المفروضة على بعض السلع، او في كلامهم عن الاسواق والمتاجر والمحارف.

    يمكن اعتبار الصناعة المملوكية حصيلة تطور تمّ في العهدين الفاطمي والايوبي على حد تعبير المقريزي الذي يستهل كلامه على اسواق القاهرة بالحسرة والاسى لكثرة ما لحقها من خراب شاهده بام عينه وقد ادركها عامرة؛ فالاسواق التي انحطت بين اراضي اللوق وباب البحر بالمقس بلغ عددها اثنان وخمسون سوقا، كان بعضها يضم ستين حانوتا تنوعت انتاجيتها، وقس على ذلك الجهات الثلاث الباقية.[153] ويقدر عدد حوانيت اسواق القاهرة باثني عشر ألف حانوت، وقسم منها كان حانوتا ومصنعا في آن، وتنوّعت سلعها: الاقمشة، السكر، الورق، المصنوعات الجلدية والخشبية والمعدنية، الشمع، الحصر، البسط والسجاد، الزيوت، والصابون[154]

   اما اشهر الصناعات فكانت:

 1 – النسيج: كانت احدى ابرز الصناعات المملوكية، وتعددت مراكزها: في القاهرة، والاسكندرية، دمياط، دبيق، تنّيس، اسيوط، الفيوم، الدلتا، دمشق، حلب، طرابلس، صور، القدس. وقد نسجت اقمشة متنوعة ومتعددة ذات جودة عالية جدا تباهى بلبسها الملوك والامراء في اروربا والشرق الاقصى[155]. اما اشهرها فكان الكتان المطرز والمخرّم، والاقمشة الحريرية المذهبة[156]، والثياب الصوفية الجيدة[157]، والخام الملّون، والاصناف القطنية[158]، واقمشة الدمقس التي انتجتها مدن بلاد الشام.

2 – صناعة السكر: كانت من الصناعات المهمة جدا وقد درّت اموالا طائلة في بداية الامر، وظل المماليك قادرين على تصدير السكر حتى نهاية القرن الرابع عشر.[159] ومن الادلة على ازدهاره حتى ذلك التاريخ وفرة مصانع السكر وكثرة المساحات المزروعة بقصب السكر،[160] وانتشار مصانع السكر في مناطق عديدة: كالاسكندرية، وجزيرة الذهب، ودمياط، والفسطاط، والقاهرة[161]، وهناك دليل آخر هو مصادرة خمسا وعشرين معصرة سكر من احد الوزراء[162]. ومن المؤسف حقا تخريب هذه الصناعات حتى بات المماليك يستوردون السكر الاوروبي.[163]

3 – صناعة الزيوت: انتشرت اشجار الزيتون في مختلف ارجاء بلاد الشام، وكذلك معاصر الزيتون، وكثرت في مصر النباتات الزيتية كالسمسم، والكتان، واللفت، وكذلك معاصر الزيوت[164]

4 – صناعة السفن: لم تكن صناعة مزدهرة لعدة اسباب: افتقار مصر للاخشاب، والتحريمات البابوية التي فرضت على التجار الاوروبيين لمنع تزويد المماليك بالمواد الاولية لصناعة السفن[165]، ولإعتماد المماليك على الفرسان. وقد اشتهرت عدة مدن بهذه الصناعة مثل: عكا، الاسكندرية، قوص، دمياط، جزيرة المقس…[166]. ويبدو ان السفن النيلية عرفت ازدهارا ملحوظا[167]. وتأثرت هذه الصناعة بغارات الاوروربيين على المدن الساحلية حيث كانوا يتلفون السفن الجاهزة كما المواد الاولية.[168]

5- صناعة لوازم الدواب: كثرت اماكنه في القاهرة[169]، كما في المدن الشامية[170] وصنعت بعض المهاميز من الذهب او الفضة الخالصة، او من الحديد المطلي بالذهب، وكذلك صنعت حوائص مذهبة ومرصعة بالجواهر[171].

6- صناعات مختلفة: كانت صناعة الورق آخذة بالانحطاط منذ جلاء الصليبيين عن الشرق، وزاد بمشاكلها كثرة الضرائب، ومصادرة السلاطين لأصحاب مصانعها. وكانت الصناعات المعدنية مزدهرة؛ كصنع الاقلام المذهبة والمطعمة بالجواهر، والسلاسل والخواتم والقلادات الذهبية والفضية، واساور وخلاخيل النساء، وقد سيطر اليهود على معظمها[172]. وراجت ايضا صناعة الكفت، وهي عبارة عن تطعيم الاواني النحاسية بالذهب او الفضة، او نقش آيات قرآنية عليها.[173] وعرفت مصر نوعا فريدا من الصناعة هو المشربيات وكانت عبارة عن محفورات خشبية يقوم بعض ذوي المهارات بحفرها باصابع اقدامهم فتجيئ آية بالروعة والدقة والتناسق[174]، وظلت مزدهرة الى ان اغتصب قسما من اسواقها الامير جمال الدين يوسف الاستادار.[175] وكانت هناك صناعات غير معدة للتصدير كالفراء، والاقفال الخشبية، والاخفاف، والسلاح، والشمع الذي قل استعماله على اثر الازمات الاقتصادية واستعيض عنه بالسرج.[176]

   وانتظم اصحاب الحرف في نظام خاص اذ ترأس كل حرفة عريف اوشيخ[177] لمنع الغش، وشكّل في آن وسيطا بين ابناء حرفته والمسؤولين الحكوميين. وكان القضاة يعينون هؤلاء العرفاء او الشيوخ، او ينتخبهم ابناء الحرفة، وقد لعبوا دورا باستقرار الاسعار[178]، وخضعوا هم واصحاب الحرف لرقابة المحتسب.

   لكن هذه الصناعات انحطت تدريجا لأسباب متنوعة، ولعل من ابرزها: اخطاء المماليك، والعوامل الطبيعية، والنهضة الاوروبية.

   كانت اخطاء المماليك اكثر من ان تحصى، فقد بلغ جهل واهمال بعض السلاطين والامراء حدا خطيرا من عدم التحسس بالمسؤولية، فقد ضحّى بعضهم بالصالح العام لمآربه الشخصية: فتملقوا الجلبان[179] الذين حوّلوا القاهرة والمدن التي حلّوا فيها الى ساحات صراع شبه دائم بسبب خلافاتهم المستمرة مع السلطان والمسؤولين الاخرين، وكذلك بسبب خلافاتهم الشخصية غير المنتهية النابعة من انتماآتهم اذ كان كل فريق منهم وحسب الاقدمية ينتمي الى احد السلاطين، فضلا عن قتالهم للحصول على اكبر قدر من المال والنفوذ،[180] ولشراسة باخلاقهم. وزاد بالامر سوءا تراخي المسؤولين تجاههم حتى قيل فيهم:” ليس لهم صنعة الا نهب البضاعة، يتقوون على الضعيف، ويشرهون بالرغيف، وجهادهم الاخراق بالرئيس.”[181]

كان لشره السلاطين بالمال دور رئيسي في تدهور الاقتصاد، ففرضوا ضرائب استثنائية، بل صارت دائمة. وولّوا المناصب المالية لغير مستحقيها، بل للجهلة من اجل مصادرة اموالهم[182]، ومارس بعضهم احتكار بعض السلع بدءا ببرسباي الذي تجاوز احتكار الشب والنطرون الى السكر فالبهارات، وتعسّف بتنفيذها[183]. وغشّوا النقود من اجل تأمين جوامك (رواتب) المماليك، فكان ذلك من ابرز اسباب التدهور الاقتصادي، لأن النقود عصب كل عملية اقتصادية. وذا عدنا الى مؤلفات المقريزي لوجدنا نظرية كاملة للتضخم النقدي، تظهر دور غش النقود وتداعياته على الحياة الاجتماعية والاقتصادية؛ كافقار الناس، واقفال المؤسسات الحرفية والتجارية.[184]ودفعت هذه النظرية المقريزي الى ان يقيم دراسة مقارنة وتطورية بين العملات المشرقية والاوروبية المستخدمة في الشرق مظهرا الفروق لصالح الاخيرة[185]. وزادت الضرائب الاستثنائية كالطرح، والتحكير، والرمي اضافة الى المصادرات، في الضعف الاقتصادي فتدنت القدرة الشرائية للنقود، وارتفعت الاسعار بشكل فاحش[186]. وادت المصادرات الى اقفال معظم المؤسسات الاقتصادية حتى ان بعض اصحابها دفن امواله بالارض خوفا من مصادرتها[187]. وابتدع المماليك ضرائب جديدة كالمجامعة (اسبوعية) والمشاهرة فرضت على ارباب الاقتصاد[188]، ناهيك بالطرح والرمي[189].

العوامل الطبيعية: كان من ابرزها والجفاف في بلاد الشام، والفيضانات في مصر، فضلا عن الجراد والَبَرْد ما كان يؤدي الى انتشار الاوبئة، وتعطيل المواسم، وهجرة الفلاحين، والى تحول المصانع او المحترفات الى اماكن سكنية او مخازن للغلال، بعد ان يكون تهدم معظم البيوت.[190]

   هذه الاسباب العامة طالت كل المرافق والقطاعات الاقتصادية، لأنها متداخلة فيما بينها، ووجدت عوامل اخرى خاصة بكل قطاع ساهمت بانحطاطه شأن ما سذكره عن الصناعة:

  ان السلاطين الجراكسة عموما زاحموا القطاع الخاص وتفوّقوا عليه لحصولهم على المواد الاولية من مردود اقطاعاتهم، ومن الضرائب العينية التي كان يؤديها لهم المقطعون، في حين كان اصحاب الحرف يشترونها بالسعر الرائج اي الذي يحدده عملاء السلاطين، وكان دائما لصالحهم. وما كان السلاطين يوظفون ارباحهم الصناعية بتأسيس محترفات جديدة او تطوير القديمة، او ان يعيدوا فتح تلك التي كان يفلس اصحابها اما لحسابهم الخاص او بتسليف المفلسين ما يحتاجون اليه بل كانوا يصرفونها على امرائهم واجنادهم وملذاتهم.[191] ونملك ادلة قاطعة على تدهور صناعة النسيج، مثل: نتاقص عدد الانوال في الاسكندرية بين عامي798/ 1395 و 838/1434 من اربعة عشر ألف الى ثمان مائة نول[192].وقد انخفض مستوى التصدير و تم الاعتماد على الاستيراد ،[193] هذا فضلا عن تداعيات هجوم تيمورلنك على بلاد الشام. وعانت صناعة السكر انحطاطا مأسويا، بسبب مصادرة المصانع وانتقال بعضها الى كبار الامراء.[194]ويذكر بولياك: ان من اصل ثمانية وخمسين مصنعا للسكر ظلّ تسعة عشر منها تنتج في القرن الخامس عشر، وخمسة تحوّلت الى انتاج غير السكر، سبعة عشراستعملت كمساكن، وخمسة اغلقت ابوابها نهائيا، والاثنا عشر الباقية ظلّت مجهولة المصير.[195] وما كان يسمح من جهة ثانية باستحداث معصرة للسكر الا بعد ان يدفع مؤسسها مائة ألف دينار ضريبة وسمسرة، وهو مبلغ تعجيزي، ما جعل الراغبين يتحوّلون الى عملاء للمتاجر السلطانية[196]. ومن جهة ثانية فرض المماليك مكسا خاصا على الاراضي التي تزرع قصبا، وضريبة على المعاصر اسموها “زكاة الدولبة” [197]، واقاموا في كل معصرة شاد ومباشر لاستيفائها[198]. ومن الادلة على خراب معاصر، اضافة الى ما ذكرنا، السكراعتماد المماليك على تصدير الانتاج الخام الى اوروبا، واستعاض الناس عن السكر ب”النيد”[199]. وهكذا انحطت الصناعة  في العهد المملوكي بعد ان كانت لها شهرة عالمية، وانخفض الانتاج بعد ان كان يصدّر قسم منه، واستعيض عن النقص من اجل الاستهلاك المحلي  بالاستيراد.

ج – التجارة:

1 – عوامل ازدهار التجارة: تمتعت دولة المماليك بموقع استراتيجي مهم جدا؛ فكانت معظم الطرق التجارية العالمية بين الشرق والغرب تمر باراضيها، او تنتهي باحد موانئها الشديدة الاهمية[200]، نذكر منها على المتوسط: الاسكندرية، دمياط، عكا، طرابلس، بيروت، وعلى البحر الاحمر:عدن، الطور، فضلا عن موانئ متعددة على النيل[201]. وكانت شبكة طرق الداخلية او القوافل شديدة الانتظام والحماية، وتنتشر عليها المحطاط التجارية المتنوعة[202]. ومع ذلك واجهتهم مصاعب في مطلع عهدهم اثّرت على الوضع التجاري؛ كتركيز دولتهم، وابعاد الخطرين المغولي والفرنجي. ومنها ايضا اهتمام المغول بالتجارة خصوصا في عهد غازان(694-703/ 1295-1304) فأمّنوا طرقها، وقطعوا دابر قطاعها، وخففوا الضرائب على السلع[203]. وحذت دولة ارمينيا الصغرى حذوهم حتى بات “اياس” ميناؤها على المتوسط، يزخر بحركة تجارية واسعة.[204] وتلا جلاء الفرنجة عن الشرق تطبيق التحريمات البابوية بحق كل من يتجر من الاوروبيين مع المماليك[205]. لم تشكل تلك العقبات الا مرحلة آنية لأن الصراعات بين دول إلخانات فارس ادت الى انقطاع الطريق البري الآتي من وسط آسيا. وزادت غارات المماليك على مملكة ارمينيا فاضعفتها لدرجة صارت كليكيا نيابة مملوكية[206]. هذه العوامل مجتمعة، اضافة الى مساهمات المماليك حوّلت التجارة لصالحهم، ولعل ابرز ما قدّمه المماليك:

11 – التسهيلات التجارية: عمد المماليك الى تشجيع انشاء الوكالات التجارية، فاكثروا من بناء الفنادق ووزعوها على التجار الاوروبيين[207]، واهتموا بالقيساريات والخانات التي افاد منها التجار العرب والمشارقة[208]. وُسمح للاوروبيين اقامة الصلاة في فنادقهم، بل تشييد كنائس فيها[209].

12 – غنى الاسواق وتنوّعها: ساهم تنوّع الاسواق بازدهار التجارة المملوكية اذ كان هناك ثلاثة انواع من الاسواق: الموسمية، والسنوية، والمحلية. ارتبطت الاسواق الموسمية بهبوب الرياح الموسمية وهي الفترة التي كانت ترد فيها التوابل من الشرق الاقصى، وفي الوقت عينه سفن المدة الاوروبية الى الموانئ المملوكية المتوسطية[210]. وكانت الاسواق السنوية تعقد في مواسم الاعياد الدينية، ولأن الاعياد الاسلامية غير ثابتة التوقيت، صارت تعقد هذه الاسواق في اوقات شبه محددة[211]. اما لااسواق المحلية فكانت دائمة خصوصا في القاهرة ودمشق والموانئ المتوسطية.

13– ازدهار التجارة الكارمية: تعود نشأة تجار الكارم او الكارمية الى العهد الفاطمي، ومنهم من يرجعها الى العهد الايوبي، وهم تجار التوابل وغيرها من سلع الشرق الاقصى بين محيط الهندي ومصر عبر البحر الاحمر[212]. وكانت محطاتهم الكبرى في عدن، وتعز، وزبيد، ومخازنهم التجارية في قوص، ومن هذه كلها كانوا يتجهون الى القاهرة والاسكندرية ودمياط[213]. وقد رعى المماليك تجار الكارم وحموهم من تعديات حكام اليمن[214]. وازداد نفزذ الكارم  بما يتناسب مع اضطراد تجارتهم، وجنوا ثروات ضخمة تنم عن مدى ازدهار تجارتهم،[215]. ومع اسهامهم الساسي بتنشيط تجارة المماليك فان بعض السلاطين اساء اليهم او اعتبرهم كالتجار الاجانب[216].

   ان كل ذلك جعل دولة المماليك مقصد التجار من مختلف انحاء العالم، واستغل المماليك التجارة الى ابعد حدود، فازدهرت ازدهارا شديدا، ولكنهم اساءوا اليها فيما بعد، شأنهم مع القطاعات الاقتصادية الاخرى، حتى اصابها الانحطاط تدريجا.

2- اشهر الدول التي تاجرت مع المماليك: كانت الجمهوريات الايطالية البندقية، وجنوا وبيزا قد باشرت الاتجار مع المماليك منذ قيام دولتهم انما بخفر وحذر. ولكن بعد حملة بطرس الاول ملك قبرص على الاسكندرية عام768/ 1366 بمشاركة من البندقية وجنوا، هاج الشعب واحرق عددا من فنادق التجار الاجانب[217]، ما ادى الى ضعف في الحركة التجارية مع كل الجاليات الاوروبية. ثم سرعان ما ادرك المعتدون خطأهم واسترضوا السلطان، وتم عقد اتفاقيات تجارية بين الاجانب والسلطان، وخَفّضت البابوية ضغط التحريمات بضغط من الجمهوريات الايطالية خصوصا البندقية[218]. فنشطت الحركة التجارية العالمية بين اوروبا والشرق الاقصى عبر المماليك الذين احتكروا التجارة العالمية ان جاز التعبير عبر سيطرتهم على تجارة العبور(الترانزيت). وشرعت الدول تعقد الاتفاقيات التجارية مع السلاطين للحصول على ضرائب مخفّضة والاعفاء من بعضها، وحق الحصول على فنادق او خانات، واقامة جالية ثابتة، حتى بلغت استثمارات البندقية وحدها حوالى نصف مليون دينار سنويا.[219]ولم تهتم جنوا كثيرا بتجارة البهارات والافاويه لأن ذلك كان يعني مزاحمة البندقية وبالتالي الصراع بينهما، فاعتمدت على الحرير والقطن المتوفران بكثرة في موانئ الساحل اللبناني، وبلغ عدد السفن الجنوية التي وردت الى بيروت بين 1399و1408 مايتين واربع وستين سفينة[220]. وعلى رغم عداء المماليك لقطالونيا فان تجارتها في الشرق كانت مزدهرة اذ بلغ عدد سفنها التي دخلت بيروت بين 1399و1408 مايتين واربعا وعشرين سفينة[221]. واذا كانت تجارة مرسيليا لا تقارن بتجارة الجمهوريات الايطالية فانها بدأت تزدهر بعد ان خلفت بيزا في موانئ البحر الاسود وفي الديار المملوكية، فقد استجاب السلطان برسباي لطلب سفارتها واعتبر الافرنتي نقدا رسميا، ومنحها فندقا[222]. وكانت تجارة كل من مرسيليا، وبرشلونة، ونابولي محدودة لأنها كانت تنقصها اسواق التصريف في اوروبا  ومع ذلك فقد كان للفرنسيين ثلاثة فنادق في الاسكندرية[223]

   وقد  تأثرت التجارة بالاوضاع السياسية والعسكرية وبغش النقد. وتواجهنا مشكلة اساسية في دراسة تطور التجارية تتمثل بافتقارنا للجداول التي تبيّن الحركة التجارية، والمؤسف ان مصادرنا العربية تحجم عن اعطاء جداول وارقام. في حين ان المراجع الاجنبية، التي اعتمدت على الارشيفات الايطالية لا تعطي الكثير من الارقام، التي تزخر بها الارشيفات الايطالية، وهي مدونة باللغة الايطالية القديمة ما يجعل دراسة البيانات عملية عسيرة

3- انحطاط التجارة: بدأت التجارة بالازدهار منذ اواسط القرن الرابع عشر وبلغت اعلى مستوياتها في اواخره ومطلع القرن الخامس عشر. ثم بدأت بالتراجع من دون ان تتقهقر لاسباب كثيرة من ابرزها الاسباب الرئيسة العامة التي ادت الى تدهور الاقتصاد المملوكي مضافا اليها عوامل اخرى لا تقل عنها اهمية، ولعل من اهمها:

 القرصنة الاوروبية: مارس بعض الاوروبيين القرصنة على السفن التجارية التابعة اما الى لدولة المماليك مباشرة، او السفن الاسلامية التي كانت تنقل سلعا الى الموانئ المملوكية. كما مارس بعض تجار الدول الاوروبية القرصنة بعضهم على البعض الآخر[224].

الاحتكارات السلطانية: منذ منتصف القرن8/15 تحوّلت التجارة الى شبه احتكار سلطاني، وشبه انعدمت المنافسة الحرة بين التجار الذين ارهقوا بالضرائب الاستثنائية والمصادرات المتعددة. اذ صارت مراكز الجمارك المتعددة في عيذاب، والقصير، والطور، والسويس بل في كل مركز جمركي اونقطة عبور تستوفى الضريبة عينها على السلعة نفسها قبل وصولها الى الاسكندرية او دمياط، او بيروت، او طرابلس. ودُفعت الضرائب ايضا في بدر، وحنين والطائف، وبويب، والقصبة، الخاضعة للسيطرة المملوكية. هذا عدا عن الضرائب المستحدثة التي كانت يدفعها التجار بوصول السلع الى الموانئ وتحديدا في اماكن التصدير. فارتفعت الضرائب بشكل مخيف، فعوضا عن العشر صار يدفع الخمس،[225] ما جعل سعر السلعة القادمة من الهند لصالح التاجر العادي، اي الذي غير العامل لدى المتجر السلطاني، يرتفع الى ثلاثة او اربعة اضعاف ثمنها الاصلي. ويفّصل هايد كل ذلك محددا قيمة الضريبة في جدة بعشرة بالمائة، عدا عن جور وعسف عمال السلطان ما كان يرفع نسبتها الى 15%، ثم تدفع عنها القيمة عينها في الطور، وفي القاهرة[226]. وما كان يحق للتجار الاوروبيين شراء سلع الشرق الاقصى الا من الاسكندرية او دمياط في مصر، لذلك كانوا يدفعون جميع تلك الضرائب البالغة خمسة وسبعين بالمائة، عدا عن عشرة بالمائة عند مغادرة التجار الميناء، ناهيك بضريبة السمسرة والشحن. لذلك اعتبر كل من هايد وصبحي لبيب ان المماليك كانوا يجنون حمولة سفينة كاملة من الضرائب المفروضة على كل اربعة سفن[227]. ويذهب هايد ابعد من ذلك اذ يعتبر ان التاجر الشرقي كان يرسل بضائع من الهند بقيمة عشرة آلاف دينار، وبعد مرورها في الموانئ ومراكز الجمارك المملوكية في البحر او البر وصولا الى الاسكندري تصبح قيمتها ثلاثين ألف دينار.[228] وضبطا لعملية الضرائب استخدم المماليك جوازات المرور بحيث كان يتم تسجيل اسماء جميع المسافرين ومعرفة تاريخ دخولهم وخروجهم. فجنى السلاطين ارباحا طائلة من تجارة العبور، ولكن اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح، ووصولهم بحرا الى الهند حيث دمّروا المراكز التجارية المملوكية، بل مراكز التجار المشارقة، ومن ثم سدوا مداخل البحر الاحمر باساطيلهم بعد ان قضوا على الاسطول المملوكي[229]. هذا اضافة الى احتكارالمماليك مع التجار البنادقة التجارة العالمية ادى بالنهاية ليسس الى انحطاط تجارتهم فحسب، بل الى سقوط دولتهم.

     ان المماليك الذين استمر جلبهم الى مصر مدى العصر المملوكي لم يستطعوا فهم عقلية المجتمعات الشرقية، ولا تركيب بناها الاجتماعية، ولا حاولوا هم الاندماج في هذا المجتمع بل عاشوا ابدا طبقة مميزة بعيدة عن مآسي الشعب، ومن دون ان يدركوا، او ربما ادركوا ولم يبالوا، وطأة المظالم التي كانوا ينزلونها به، فصار المجتمع مجتمعات متجانسة داخليا، ومتناقضة خارجيا. سادتها انواع المظالم الاقتصادية والسياسية والادارية، وافتقرت الى الامن. حتى ان المماليك حاولوا تطويع رجال الدين واستخدامهم لتحقيق مآربهم، وان نجحوا نسبيا من خلال الرشوة في المناصب خصوصا الرفيعة الشأن، فانهم فشلوا في حمل كل رجال الدين على مجاراتهم، حتى بات بعضهم الرقيب الفعلي على تصرفات الطبقة العسكرية الحاكمة. وانعكس سوء ادارة المماليك على المستويات السياسية والامنية والادارية اضافة الى النوازل الطبيعية تدهورا في الاحوال الاقتصادية؛ فبدأت الزراعة بالانحطاط متأثرة بالمساوئ التي نخرت النظام الاقطاعي العسكري المملوكي. اذ عمد المماليك سلاطين وامراء واجنادا الى استنزاف طاقات الفلاحين الاقتصادية من دون التبصّر بواقع الاحوال، ما ادى الى هجرة قسم من الفلاحين الى المدن حيث انخرطوا بمنظمات السوء المتنوعة. وتأثرت الصناعة بنيويا باحوال الزراعة، وبتطور الحركة الصناعية في اوروبا وبجمودها في الشرق عموما وفي دولة المماليك خصوصا. وانعكس وضع القطاعين المذكورين على التجارة التي تحول قسم كبير منها الى احتكارات حكومية. كما تحوّلت التجارة العالمية الى احتكار مملوكي بندقي ارهق الاسواق العالمية واضعف حركتها التجارية بسبب الارتفاع المخيف لأسعار السلع ارضاء لطمع المماليك وشركائهم البنادقة. الامر الذي ادى الى سقوط دولة المماليك. وليس ادل على جهلهم للبعد الاجتماعي والانخراط في المجتمع والدفاع عنه تجاه الاخطار الخارجية سوى مواقفهم المتخاذلة في مرج دابق 1516، وخصوصا في الريدانية عام 1517، وموقف الشعب الذي كان مؤيدا العثمانيين وكاراه المماليك.

                                                              الدكتور انطوان خليل ضومط

                                   مصادر البحث ومراجعه

اولا المصادر العربية:

*ابن ابي اصيبعة،احمد بن القاسم،عيون الانباء في طبقات الاطباء، تحقيق اوغست مللر ،القاهرة ،1822

*ابن اياس، ابو البركات محمد بن احمد، بدائع الزهور في وقائع الدهور،بولاق ،1311ه، ج1 والاجزاء الا ربعة الاخرى تحقيق، محمد مصطفى زيادة، القاهرة، 1960

* ابن بطوطة، محمد بن عبد الله، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار، جزءان، المطبعة الاهلية، باريس،1874-1879.

* ابن تغري بردي،جمال الدين يوسف ابو المحاسن، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الاجزاء5-12 طبعة دار الكتب ،القاهرة،1930-1956، ج14 تحقيق جمال محرز وفهيم شلتون، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972، ج16 تحقيق جمال الدين الشيال وفهيم شلتون، الهيئة المصرية العامة، 1972 

*ابن جبير، ابو الحسين محمد  بن احمد، رحلة ابن جبير، دار صادر بيروت،1961.

*ابن جماعة،بدر الدين محمد، تذكرة السامع والمتكلم في آداب العلم والمتعلم، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر اباد الدكن،1353ه.

*ابن الشحنة، محمد كمال الدين، الدر المنخب في تاريخ مملكة حلب، دار الكاتب العربي، سوريا، 1986

*ابن الصيرفي، علي بن داوود، نزهة النفوس والابدان في تواريخ الزمان، 3 اجزاء، تحقيق حسن حبشي، القاهرة، 1974

*ابن طولون، شمس الدين محمد،-  مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، نشر محمد مصطفى زيادة،القاهرة، 1962-1964، ج1

-اعلام الورى بمن ولي من الاتراك بدمشق الشام الكبرى،تحقيق محمد احمد دهمان،دار الفكر ،دمشق،1984.

– نقد الطالب لزغل المناصب، حققه محمد احمد دهمان وخالد محمد دهمان، دار الفكر المعاصر بيروت،1992.

الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء  الشام، تحقيق صلاح الدين المنجد، دمشق، 1956.

11 القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، تحقيق محمد احمد دهمان، دمشق ،198.

*ابن كثير،عماد الدين اسماعيل، البداية والنهاية في التاريخ، مكتبة المعارف، بيروت،1966

*ابن كنان،محمد بن عيسى، – المواكب الاسلامية في الممالك والمحاسن الشامية، جزءان، تحقيق حكمت اسماعيل، وزارة الثقافة، دمشق، 1993

حدائق الياسمين في ذكر قوانين الخلفاء والسلاطين، تحقيق عباس صباغ، دار النفائس، بيروت، 1991

*ابن الفرات، محمد بن عبد الرحيم، تاريخ الدول والملوك، تحقيق قسطنطين زريق ونجلاء عز الدين، المطبعة الاميركية، بيروت، 1936-1938، ج9

*ابن قاضي شهبة، ابو بكر بن احمد، تاريخ ابن قاضي شهبة، تحقيق عدنان درويش، المعهد الفرنسي، دمشق، 1977،ج2

*ابن المبرّد، يوسف بن عبد الهادي، ” نزهة الآفاق في حالة الاسواق “، نشره حبيب الزيات، مجلة المشرق، بيروت، 1939

*ابو الفدا، اسماعيل بن علي، تقويم البلدان، باريس، 1840 

*البدري، ابو البقاء عبد الله، نزهة الانام في محاسن الشام، القاهرة،1341ه.

*البصروي، علاء الدين علي بن يوسف الدمشقي، تاريخ البصروي، تحقيق اكرم العلبي ، دار المأمون للتراث، دمشق ، 1988.

* الخالدي، مجهول الاسم الاول، المقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا، مخطوط حققه خليل شحادة، اطروحة دكتوراه غير منشورة باشراف الاب الدكتور جان فييه ،جامعة القديس يوسف، بيروت، 1988.

* الدينوري، نصر بن يعقوب، التعبير في الرؤية، مخطوط في متحف بغداد،رقم 598.

*السبكي،تاج الدين علي، معيد النعم مبيد النقم، دار الحداثة، بيروت،1983.

*الصفدي، صلاح الدين خليل بن ايبك، تحفة ذوي الالباب، وزارة الثقافة، دمشق، 1991.

* الصولي،محمد بن يحي، اخبار الراضي بالله والمتقي بالله، مطبعة الصاوي، مصر،دون تاريخ.

* الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1960-1969. الجزء الثامن

*الظاهري،خليل بن شاهين،زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، اعتنى بتصحيحه بولس راويس، المطبعة الجمهورية، باريس، 1891.

*لبيب، صبحي، ” التجارة الكارمية وتجارة مصر في العصور الوسطى” المجلة التاريخية المصرية للدراسات التاريخية، مايو 1952، العدد الثاني، المجاد الرابع

*العصامي، عبد الملك بن حسين، سمط النجوم العوالي في انباء الاوائل والتوالي، ج4، المطبعة السلفية، القاهرة، 1380ه.

*العمري،ابن فضل الله،- مسالك الابصار في ممالك الامصار، تحقيق دوروتيا كراوفولسكي ،المركز الاسلامي للبحوث، بيروت، 1986.

– التعريف بالمصطلح الشريف، مطبعة العاصمة، بمصر، 1894

القلقشندي، ابو العباس احمد، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، 14جزءا، القاهرة 1913 *المقريزي، تقي الدين احمد بن علي- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار،بولاق،1270ه جزءان

– السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد مصطفى زيادة، دار الكتب، القاهرة ،1934-1936، 4 1جزاء

– اغاثة الامة بكشف الغمّة ، تحقيق محمد مصطفى زيادة، وجمال الدين الشيّال، القاهرة،1940

*النعيمي، محي الدين عبد القادر محمد، الدارس في تاريخ المدارس، مطبعة الترقي، دمشق،1948.

*النويري، شهاب الدين احمد، نهاية الارب في فنون الادب، دار الكاتب المصري، القاهرة، 1929، ج8

     المراجع العربية

*بولياك، أ. ن.، الاقطاعية في مصر وسوريا ولبنان، ترجة عاطف كرم، منشورات وزارة التربية والفنون الجميلة، بيروت، 1949

*البيومي، اسماعيل، النظم المالية في مصر والشام زمن سلاطين المماليك، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998.

*حطيط، احمد، قضايا من تاريخ المماليك السياسي، الفرات للنشر والتوزيع، بيروت،2003

*الدوري، عبد العزيز، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، دار الطليعة، بيروت، 1978

*الربيع، محمد سليمان، النفقات المالية في دولة المماليك الجراكسة، رسالة دبلوم غير منشورة، باشراف الدكتور احمد حطيط، الجامعة اللبنانية، بيروت، 2001

*عاشور، سعيد عبد الفتاح، بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى، دار الاحدب البحيري، بيروت، 1977

*العلبي،اكرم، دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق،1986

*سوفاجيه، جان، دمشق، نقله الى العربية فؤاد افرام البستاني، حققه اكرم العلبي،دار الوارف، دمشق، 1989.

*زيادة، نقولا، دمشق في عصر المماليك، مؤسسة فرانكلن للطباعة والنشر، بيروت-نيويورك،1966.

*سعد، فهمي، العامة في بغداد في القرنين 3و4 الهجريين، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت

1983

*ضومط،(انطوان)، – الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، دار الحداثة، ط1، بيروت،1981

-” دمشق الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية”، ضمن كتاب المؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام، دمشق 10-12 تشرين الثاني-نوفمبر 2001

*ضومط، انطوان، وآخرون، الشرق العربي في القرون الوسطى، الجامعية للنشر، بيروت، 1996

*الطرخان، ابراهيم علي، – النظم الاقطاعية في الشرق الاوسط في العصور الوسطى، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1968

  • مصر في عصر دولة المماليك الجراكسة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1960

*فهمي، نعيم زكي، طرق التجارة الدولية ومحطاطها بين الشرق والغرب، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، 1973

*فييت، غاستون، القاهرة مدينة الفن والتجارة، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، بيروت-نيويورك، 1968

*القطار، الياس، نيابة طرابلس في عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1998

*كرد علي،(محمد)، خطط الشام، مطبعة الترقي دمشق، 1927.

*كيال،( منير)، الحمامات الدمشقية، مطابع ابن خلدون، دمشق، 1986

*غاوبه، هانس، “المدينة الشرقية-الاسلامية وسكانها”، في كتاب الآثار السورية، باشراف عفيف البهنسي، ترجمة نايف بللوز، فيّنا، 1985

*اليوزبكي، توفيق سلطان، تاريخ تجارة مصر في العصر المملوكي، جامعة الموصل، دار الطباعة والنشر، 1975

*لابيدوس،(ايرا مارفين)، مدن الشام في عصر المماليك، نقله الى العربية سهيل زكار، دار حسان، دمشق، 1985.

*نصار،(اندريه)، العامة بدمشق المملوكية،رسالة دبلوم دراسات عليا غير منشورة باشراف الدكتور انطوان ضومط، الجامعة اللبنانية، كلية الآداب، الفرع الثاني -الفنار، 1997

                                      Bibliographies

*Abdel-Nour , A, Introduction à l’histoire urbaine de la Syrie ottomane, publication Université Libanaise, Beyrout, 1982

*Ashtor,E., – Histoires des Prix et des Salaires dans l,Orient Medieval , Ecole pratique des Hautes Etudes, Paris , 1959

– “Venitian supremacy in the Levantine trade or procolonisation”, Journal of European Economic History, III ,(Rome 1974), pp.5-53

*Ayalon,D,” The Muslim City ahd the Mamluk aristocacy”,Proceeding of the  Israel Academy of Sciences and Humanities,2(Jerusalem 1968),pp. 311-329

*Clerget,M, Le Caire étude de géographie urbaine et d’histoire économique, le Caire, 1930

Depping, G,B, Histoire du commerce entre le Levant et l’Europ depuis les Croisades jusqu’à la fondation des colonies d’Amérique, tI et II, Paris, 1865

*Divers historiens et archeologues, Precis d’Histoire d’Egypte ,Institut francais d’archéologie orientale du Caire, , 1932.

*Demombine,M.G.,La Syrie à l’époque des Mamlouk d’après les auteurs arabes, Paris,1923

*Goiten, – “The main industries of the mediterraean area as reflected in the rectds of the Cairo Geneza”, JESHO  ,IV, part II, 1961

  • A Mediterranean society, Economic fondation, press Berkeley and Los Angelos, California, 1967

Heers,J, Gêne au XV siècle, Paris, 1961

*Heyd,W, histoire du Commerce du Levant au Moyen-Age,2 tomes,Leipzig, 1885-1886

*Lapidus,  I ,” Muslim cities and islamic societies “in Middle Eastern cities, Harvard,1967

*Poliak, A,N, “les révoltes populaires en Egypte à l’époque Mamlouk et, le leurs causes éconpmiques” R.E.I., 8,(1934),pp.251-273

*Wiet,G, L’Egypte arabe de la conquète arabe à conquète  la conquète musulmane Le Caire, 1937


[1]  – هذه الابواب هي بالتسلسل من الجنوب الى الشرق فالشمال فالغرب:الباب الصغير، باب كيسان، الشرقي، توما، السلامة، الفراديس ، الفرج، الحديد، الجناز، والجابية، انظر:ابن طولون ( محمد بن علي )، الشمعة المضية في اخبار القلعة الدمشقية ، مطبعة الترقي ، دمشق ، ص 17 ؛ ابن بطوطة ( محمد بن ابراهيم ) ، رحلة ابن بطوطة ،دار صادر ، بيروت ، 1960 ، ص 97؛

البدري ( ابو البقاء عبد الله )، نزهة الانام في محاسن الشام ، القاهرة ، 1341 ه.، ص 25-28 ؛  العلبي ( اكرم حسن )، دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين ، الشركة المتحدة للتوزيع ، دمشق ،ص 49-50

[2] – المقريزي،(تقي الدين احمد)، المواعظ والاعتباربذكر الخطط والآثار، دار صادر، بيروت، دون تاريخ، ج1، ص 373

[3] – المقريزي، خطط، ج1، ص361

[4] – المقريز، خطط، ج1، ص362

[5] – ابن كنان( محمد بن عيسى)، المواكب الاسلامية في الممالك والمحاسن الشامية، تحقيق حكمت اسماعيل، وزارة الثقافة ، دمشق، 1993، ج1، ص211-212

[6] – المقريزي، خطط، ج1، ص380-382

[7] – القطار، نيابة طرابلس في عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1998، ص 546

[8]  – المقريزي، خطط، ج1، ص373

[9]  – القطار(الياس)، نيابة طرابلس، ص 546

– نصار ( اندريه طانيوس ) ، العامة بدمشق المملوكية ، رسالة دبلوم دراسات عليا غير منشورة ،الجامعة اللبنانية ،كلية الاداب ،الفرع الثاني – الفنار- ،ص 22 .

[10] – مفردها محلة وهي حي ينفتح على ازقة ضيقة تعرف بالحارات

[11] – لابيدوس ( ايرا مارفين )، مدن الشام في عصر المماليك ، نقله الى العربية سهيل زكار، دار حسان، دمثق، 1985 ، ص 81 .

[12] – لابيدوس ، المرجع السابق ، ص 142

[13]  – المقريزي، خطط، ج1، ص 373-377

[14] – المقريزي، خطط، ج1، ص373

[15] – غاوبة(هانس) المدينة الشرقية-الاسلامية وسكانها، في كتاب الاثار السورية، باشراف عفيف البهنسي، ترجمة نايف بللوز، فينا، 1985، ص 307

[16] – المقريزي، خطط، ج1، ص373-376

[17] –  المصدر السابق ، ج1، ص374

[18] – المكان نفسه

[19] – القطار، نيابة، ص546

[20] – المكان نفسه

[21]  ضومط( انطوان)،” دمشق-الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية “، ضمن كتاب المؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام، 10-12تشرين الثاني-نوفمبر 2001، جامعة دمشق، ،2001 ص390

[22] – ابن المبرّد، (يوسف بن عبد الهادي)، نزهة الآفاق عن حالة الاسواق، نشره حبيب الزيات،مجلة المشرق، بيروت، 1939، ص18 وما بعد                                                                                                                                                                      

[23] –  المقريزي، خطط، ج1، ص373-377، وج2، ص106-107

[24]  – انظر على سبيل المثال:

Abdel-Nour , A, Introduction à l’histoire urbaine de la Syrie ottomane, publication de l’Université Libanaise, Beyrouth. 1982; Lapidus, I,” Muslim cities and islamic societies “ in Middle Eastern cities, Harvard, 1967

[25] – لابيدوس، مدن، ص142

[26] – لابيدوس، مدن، ص142-143

[27] –  القطار،نيابة طرابلس، ص548

[28] –  النعيمي ( محمد بن عبد القادر)، الدارس في تاريخ المدارس، دار الكتب العلمية بيروت، 1990، ج2، ص244، ومفاكهة، ج1، ص124

[29]  – المقريزي، خطط، ج2، ص16والامثلة على ذلك كثيرة.

[30] – المقريزي، خطط، ج1، ص373

[31] – لابيدوس، مدن، ص 143

[32] – كيّال (منير)، الحمامات الدمشقية، وزارة الارشاد القومي، دمشق، 1966، ص212

[33] – غاوبه، المدينة، ص307

[34] – الكيال، حمامات، ص 212 ، وغاوبه، المدينة، ص307

[35] – الكيال، حمامات، 212

[36] – غاوبه، المدينة، ص 307

[37] – نصّار، العامة، ص22

[38]  – القطار، نيابة، ص557

[39] – الرمي هو ان ترمى على حارة ما مبالغ من المال لصالح السلطان او نائبه في النيابة، او لإقتراف احد ابناء المحلة جريمة، او اتهامها بالجريمة، وهي فتاوى انتزعها المماليك من بعض رجال الدين، انظر ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص 227، 249، 309، 363، 366…

[40] – المقريزي،(تقي الدين احمد)، اغاثة الامة بكشف الغمّة، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال، القاهرة، 1940، ص72-73

[41] – زيادة، دمشق، ص131

[42] – ابن جبير،( محمد بن احمد)، الرحلة، دار صادر، بيروت، 1980، ص 257؛ – ابن بطوطة، تحفة النظار، ج1، ص63

[43] – ضومط(انطوان) وآخرون، الشرق العربي في القرون الوسطى، الدار الجامعية للنشر، بيروت، 1996، ص135، 137-138، 182-183220-221، 279-284…

[44] – العمري، ابن فضل الله، مسالك الابصار في مسالك الامصار، تحقيق دوروتيا كرافولسكي، المركز الاسلامي للبحوث، بيروت، 1986 ص 117-119 ؛ القلقشندي، ابو العباس احمد، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، القاهرة، 1919-1922، ج4، ص19- 20؛ المقريزي،خطط، ج2، ص219،222

[45] – العمري مسالك، ص 117-119؛ القلقشندي، صبح، ج4، ص19-20 ؛ المقريزي، خطط، ج2، ص 219، 222 ؛ ضومط، الدولة المملوكية، ص67-73

[46] – انظر حول تركيب الجيش المملوكي ولا سيما الاجناد:القلقشندي، صبح، ج3، ص15-16، 347–348، 435، وج4، ص472؛ المقريزي، سلوك، ج3، ق3، ص982، وخطط، ج2، ص 215-216؛ الظاهري،(خليل بن شاهين)،زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، اعتنى بتصحيحه بولس راويس، باريس، المطبعة الجمهورية، 1891، ص115-116،

[47] – العمري،(ابن فضل الله)، التعريف بالمصطلح الشريف، مطبعة العاصمة بمصر، 1894، ص84 ؛ القلقشندي، صبح، ج4، ص184؛ الخالدي،(مجهول الاسم الاول، المقصد الرفيع المنشأ الهادي لديوان الانشاء، مخطوط حققه خليل شحادة، اطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة القديس يوسف، بيروت، 1988، ص272

[48] –  ابن طولون، اعلام الورى، ص82، 186

[49] -الخالدي، المقصد، ص273 ؛ ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص224

[50] – لن ادخل بتفاصيل صلاحيات نائب السلطان كلها، ولمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع انظر: العمري، مسالك، ص115

– القلقشندي، ج9، ص253، 259

[51] – لمزيد من الاطلاع ،انظر: السبكي،تاج الدين عبد الوهاب، معيد النعم مبيد النقم، دار الحداثة، بيروت، 1983، ص23؛ القلقشندي، صبح، ج13، ص124، 194، 197؛ ابن طولون، اعلام، ص59، 61، 70، 83، 115….؛ المقريزي، سلوك، ج4، ق1، ص136-137

[52] – الظاهري، زبدة، ص113 ؛ القلقشندي، صبح، ج4، ص13-14؛ الخالدي، 272

 [53]  – نخص منهم:امير حاجب وهو مقدم ألف، ويلي نائب دمشق رتبة وينوب عنه اثناء غيابه، واستادار، ونقيب الجيش، والمهمندار، وشاد المهمات، ووالي الشرطة، انظر: الظاهري، زبدة، ص113 ؛ القلقشندي، صبح، ج4، ص185 ؛ الخالدي، ص272 ؛ ابن كنان، المواكب، ج2، ص12

[54] – القلقشندي، صبح، ج9، ص253 ؛ المقريزي السلوك، ج4، ق1، ص422، 452

[55] –  ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص50، 155ن 157، 164…

[56] – انظر ادناه الحياة الاقتصادية

[57] –  توفي الامير سلار تاركا كنوزا مذهلة خمسة وعشرين رطلا احجار كريمة من زمرد وياقوت، وثلاث مائة قطعة ألماس، ومائة وخمسين حبة لؤلؤ كبيرة زنة الواحدة منها مثقالا، ومائتي ألف دينار ذهب عين، واربع مائة ألف دينار من الفضة، واربعة قناطير من المصاغ الذهبي، عدا عن الخيل و غيرها من الماشية؛ ويزعم ابن اياس ان دخله اليومي بلغ من اقطاعاته وحماياته مائة ألف دينار[57]. وبلغت قيمة اموال نائب الشام التي صادرها السلطان الناصر محمد بن قلاوون ( 1309 _  1340م.) حوالى المليون ونصف المليون من الدنانير الذهبية ؛ ابن تغري بردي، جمال الدين يوسف، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، دار الكتب، القاهرة، 1930-1956 ج9، ص153 ؛ ابن اياس، محمد بن احمد، بدائع الزهور في وقائع الدهور، القاهرة، 1961 ج1، ص156

[58]. ووزع الامير قوصون، الذي عين نائبا على الشام ، النفقة على الامراء على غرار السلاطين منها ثمانين جارية، واثني عشر ألف اردب غلة، وكثيرا من الذهب و الجواهر، ولكثرة عطاءاته توجس السلطان منه خيفة فاوقع به، وصادر له العامة اربع مائة ألف دينار ذهب عين، وعددا كبيرا من الكلفتاه المزركش والاواني الفضية والذهبية، فضلا عن ثلاثة اكياس اطلس كبيرة مليئة بالجواهر قدرت بمائة ألف دينار[58].وقد احصي ما تركه ” تنكز ” نائب الشام فبلغ مليونين وسبع مئة ألف دينار، وسبع مائة وثلاثين ألف درهم فضي فضلا عن المجوهرات – ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص6-8، 44

[59] – العلبي، دمشق، ص145

[60] – القلقشندي،  صبح الاعشى ، ج4، ص472

[61] – خرق هذا الشرط احيانا قليلة عندما كان ينعم بعض السلاطين على اولادهم وابناء الامراء بالأمرة، انظر: ابن تغري بردي، نجوم ج9، ص99-100، وابن اياس، ، بدائع ، ج1، ص225، وج2، ص5

[62] – Ayalon, D,” the Muslim City and the Mumluk Military Aristicracy”, proceeding of the Academy of Sciences and Humanities, 2 ,Jerusalem, 1968, p323

[63] – ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص51-52

[64] – ضومط،(انطوان)، الدولة المملوكية، التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، ط1، دار الحداثة، بيروت، 1980، ص86

[65] – Ayalon, Muslim city, p323

[66] – Ayalon, Muslim city, p323

[67] – القلقشندي، صبح، ج4، ص40-41 ؛  المقريزي، خطط، ج2، ص98

[68] – ضومط، الدولة المملوكية، ص88

[69] – القلقشندي، صبح، ج4، ص310-312 ؛ – المقريزي،خطط، ج1، ص357-358

[70] – القلقشندي، صبح، ج4، ص50-51، وج3، 458، وج6، ص158، انظر فصل الوضع الاقتصادي ؛ المقريزي، خطط، ج1، ص87، 90 ؛ ابن تغري بردي، نجوم، ج8، ص52؛ ابن اياس، بدائع، ج1، ص90

[71] – القلقشندي، صبح، ج4، ص234

[72] – القلقشندي، صبح ج4، ص34-36

[73] – المقريزي، سلوك، ج2، ق2، ص439-443

[74][74] – يروي المقريزي ان السلطان المؤيد الشيخ عقد مجلسا لقضاة القضاة الاربعة في مصر ومشليخ العلوم، وسأل فيه قاضي قضاة الحنابلة قاضي قضاة الشافعية عن اربع مسائل وهو يجيبه، فيقول له الاول اخطأت من دون ان يكون مخطئا، وتدخل قاضي قضاة الحنفية لصالح الحنبلي وراح يشتم الهروي قاضي قضاة الشافعية ثم قال:” يا مولانا السلطان اشهدك على اني حجرت عليه الا يفتي.” ويعلّق  المفريزي على ذلك قائلاً:” فكان مجلسا بغاية القبح، من اهانة الهروي وبهدلته.”  سلوك، ج4، ق1، ص479-485

[75] – المقريزي، سلوك، جج3، ق3، ص1073، 1168، ابن طولون (شمس الدين محمد)، الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء الشام، تحقيق صلاح الدين المنجد، دمشق، 1956، ص130، 165، 219، 255؛ ابن طولون، (شمس الدين محمد)، نقد الطالب لزغل المناصب، تحقيق محمد احمد دهمان، وخالد دهمان، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1992، ص45

[76] – ابن طولون، الثغر البسام، ص128، 130

[77] – ابن طولون، الثغر البسام، ص155 ولمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع، انظر: نصار، العامة، ص354-355

[78] – البصروي،(علي بن يوسف)، تاريخ البصروي، تحقيق اكرم العلبي، دار المأمون للتراث، دمشق، 1988، ص41، 43، 85، 86

– ابن طولون، الثغر، ص124-125، 160، 164، 180…

[79] – الامثلة كثيرة على هذا الموضوع سنذكرها في مكانها المناسب اي بالعلاقة بين العامة والسلطة المملوكية، وانظر على سبيل المثال فقط: ابن طولون، مفاكهة، ج1، 158، 160، 162…

[80] –  القلقشندي، صبح، ج4، ص193

[81] – القلقشندي، صبح، ج4، ص193، الخالدي، المقصد، ص273

[82] – المقريزي، سلوك، ج4، ق1، ص11

[83] – ضومط،(انطوان)،” دمشق الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية”، ضمن كتاب المؤتمر الدولي السادس لتاريخ بلاد الشام، 10-12 تشرين الثاني- نوفمبر،( ص384-434) ص404-405

[84] – المقريزي، سلوك، ج3، ق2ن ص949، ابن تغري بردي،  نجوم، ج12، 86

[85] – العصامي،( عبد الملك بن حسين)، سمط النجوم العوالي في انباء الاوائل والتوالي، 4اجزاء، المطبعة السلفية، القاهرة، 1380ه، ج4، ص 44 . وانظر حول رواتب الطلبة: سلوك، ج4، ق1، 78، وبدائع الزهور، ج1، ق2، ص791، وج3، ص329

[86] – انظر هذ التفاوت عند:ابن شداد،(عز الدين محمد)، الاعلاق الخطيرة في ذكر امراء الشام والجزيرة، دمشق، 1956، ص92، 121، وابن عبد الهادي(يوسف بن المبرد)، ثمار المقاصد في ذكر المساجد، تحقيق اسعد طلس، بيروت، 1943، ص59-143، والنعيمي (عبد القادر محمد)، الدارس في تاريخ المدارس، تحقيق جعفر الحسني، مكتب الثقافة الديني، لا ذكر لمكان النشر، 1988، ج2، ص304-305

[87] – قال الظاهري:” ان بمصر والقاهرة…ألف خطبة ونيف.” زبدة، ص 131، والمساجد التي تقام فيها الخطبة بلغت عند المقريزي مائة وواحد وثلاثون، المقريزي، خطط، ج2، ص409-413

[88] – ابن الشحنة(محمد كمال الدين)، الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب، دار الكتاب العربي، سورية، 1986، ص71

[89] – الربيع(محمد سليمان)، النفقات المالية في دولة المماليك الجراكسة، رسالة دبلوم غير منشورة، الجامعة اللبنانية، بيروت، 2001،ص163

[90] – العمري، مسالك، ص112-113

[91] – القلقشندي، صبح، ج0، ص 473 ، والخالدي، المقصد، ص 275

[92] – القلقشندي، صبح، ج4، ص194؛ الخالدي، المقصد، ص275

[93] – ابن شداد، سيرة  الظاهر بيبرس، تحقيق احمد حطيط، عالم الكتب ، 1976، ص 59،351، 357-358، 373-374، الذهبي، دول الاسلام ، الهيئة المصرية العامة، مصر، 1974، ج2 ،ص 246، ابن حبيب، الحسن بن عمر، تذكرة النبيه في ايم المنصور وبنيه،   ، مطبعة دار الكتب ، مصر، 1976، ج2، ص 311، المقريزي،سلوك، ج1،ق3، ص950و ج2، ق1، ص216-218

[94] – سلوك، ج1، ق3، ص913، وج2، ق1، ص226-228،وج2ن ق3، ص921-927، وج3، ق1، ص372-372؛ ابن تغري بردي، نجوم،ج 4، ص 34-54، ج14، ص81-83

[95]  – ابن شداد، 357-358، 373-374، تذكرة النبيه، ج2، ص 311 …

[96] – المقريزي، سلوك، ج3، ق1، ص106-107

[97]– لابيدوس، مدن الشام، ص136

[98] – سعد (فهمي)، العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع الهجريين، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1983، ص121

[99] – يذكر الظاهري ان احد تجار الكارم استطاع بناء مدرسة من مدخول يوم واحد، انظر، زبدة كشف الممالك، ص41، ويذكر القلقشندي ان بعض التجار ديّن السلطان مائة ألف درهم فضة، صبح، ج4، ص32، ويكرر الحادثة ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص279، سيتوضح جزئيا دورالتجار في كلامنا على الحياة الاقتصادية

[100] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص41،44، 45، 91، 119، 164، 231…واعلام، ص194، 203، 22…

[101] – الدينوري،(نصر بن يعقوب)، التعبير في الرؤية او القادر في التعبير، مخطوط، متحف بغداد، رقم 598، نقلا عن فهمي سعد (العامة في بغداد)، ص66

[102] – الطبري،(محمد بن جرير)، تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، القاهرة، 1960-1969، ج8، ص448 وما بعد

[103] – الصفدي،(خليل بن ايبك)، نكت الهيمان في نكت العميان،  ص10، نقلا عن العامة في بغداد، ص66

[104] – المقريزي، خطط،ج1، ص89

[105] – السبكي، معيد النعم، ص9-10

[106] –  المقريزي،خطط، ج1، ص89

[107] – لابيدوس، مدن، ص138

[108] – ان دلالات تطور حركة الزعر وصراعهم فيما بينهم ومع السلطة حفظتها مؤلفات المؤرخين الدمشقيين خصوصا ابن طولون وابن عبد الهادي، انظر حول الحارات: ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص275، 289، 316، 342…واعلام، ص171، 178، 205، 22، 208…والامر الملفت للانتباه ان المقريزي وهو مؤرخ اجتماعي بامتياز لا يحدثنا عن حارات الزعر، ولا عن علاقاتهم فيما بينهم.

[109] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص268، اعلام، ص174، 195…

[110] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص292، 293، واعلام، 195

[111] –  ابن طولون،مفاكهة، ج1، 180

[112] – المصدر السابق، ج1، 185

[113] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص160

[114] – ابن طولون،اعلام الورى، ص118، 119، 127، ومفاكهة، ج1، ص177ن 204، 213…

[115] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص204

[116] – النماذج كثيرة جدا، سنكتفي بهذ ه الوقائع: المقريزي، سلوك، ج3، ق2، ص608

[117] – ان خطط المقريزي، ومواكب ابن كنان مليئة بهذه الشواهد

[118] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص9، 139، 167

[119] –  ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص138

[120] – المقريزي، سلوك، ج2، ق1، ص29، وج3، ق2، ص576

[121] –  المقريزي،خطط، ج1، ص68، 264، 490، 492، 493، 494

[122] – ابن الفرات،(محمد بن عبد الرحيم)، تاريخ الدول والملوك، تحقيق قسطنطين زريق ونجلاء عز الدين، بيروت، المطبعة الاميركانية، 1936-1938، ج9، ق1، ص8، 443 بدائع الزهور، ج1، ق2، ص 336، وغيرها كثير

[123] –  ابن قاضي شهبة،( ابو بكر بن احمد)، تاريخ ابن قاضي شهبة، تحقيق عدنان درويش، المعهد الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، 1977، ج2، ص666، ابن حجر العسقلاني(شهاب الدين احمد)، انباء الغمر بابناء العمر، دار الكتب العلمية، بيروت، 1986،ج3، ص395، وابن الصيرفي(علي بن داوود)، نزهة النفوس والابدان في تواريخ اهل الزمان، تحقيق حسن حبشي، دار الكتب، مصر، 1970، ج1، 474، 491، 493 ؛ المقريزي، سلوك، ج3،ق2، ص 937 ، 945، ؛ابن تغري بردي،نجوم، ج12، ص 74،83 هذه بعض النماذج

[124] –  المقريزي، سلوك، ج3، ق3، ص1124-1126، وج4، ق2، ص821-828، ج2، ق3، 774-796…

– ابن تغري بردي، نجوم، ج8، ص68، وج10، ص195-209، وج11، ص275، وج14، 337-344، وج16، 146-147

[125] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص41، 65، 79، 125، 178، 215، 227…واعلام الورى، 79،96،97، 119

[126] – البصروي، تاريخ، ص183، 207، 219، 239؛ و ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص92، 164، 177، 204، 225، …

[127] – المقريزي، سلوط، ج4، ق3ن ص1066-1067؛ السبكي، معيد النعم، ص35-36،؛ ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص93-94، 142-143،204

[128] – البصروي، تاريخ، ص101-102؛ وابن طولون، مفاكهة، ج1، ص7، 9، 65

[129] – العمري، مسالك الابصار، ص94-95 ، ؛ المقريزي، خطط، ج1، ص97، القلقشندي، صبح، ج3، ص455

[130] – المقريزي، خطط، ج1، ص103-106

[131] – انظر حول هذه الضرائب ما كتبه المقريزي في الخطط: ج1، ص89

 [132]  – المقريزي،خطط، ج1، ص 89؛ابن تغري بردي،نجوم، ج8، 150، 166، وج9، ص45-46 ابن اياس، بدائع ، ج1، ص230

[133] – المقريزي،  سلوك ، ج3، ق2، ص345، والقلقشندي، صبح، ج3، ص529

[134] – المقريزي، خطط، ج1، ص87-88، والقلقشندي، صبح، ج4، ص50، وابن تغري بردي، نجوم، ج8، 52 وابن اياس، بدائع، ج1، ص137، وعرف العهد المملوكي روكين هما: الحسامي 1298، والناصري، والروك يعني استرداد كل الاقطاعات واعادة توزيعها مجددا. 

[135] – الطرخان،(ابراهيم علي)، النظم الاقطاعية في الشرق اوسط في العصور الوسطى، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1968، ص144

[136] – ضومط، الدولة المملوكية، ص133-134

[137] – ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص52

[138] – Demombine, M,G, La Syrie àl’époque des Mamlouks d’après les auteurs arabes, Paris, 1923, p50

[139] – القلقشندي، صبح، ج4، ص16

[140] – المقريزي، خطط، ج2، ص219

[141] – المكان نفسه، و الظاهري، زبدة، ص109

[142] – ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص324

[143] – بولياك،( أ.ن،) ، الاقطاعية في مصر وسوريا ولبنان، نقله عن الانكليزية عاطف كرم، منشورات وزراة التربية الوطنية والفنون الجميلة، مطابع نصار، بيروت، 1949، ص77 

[144] – النويري،(شهاب الدين احمد)، نهاية الارب في فنون الادب، دار الكتاب المصري، القاهرة، 1929، ج8، 246-247

[145] – النويري، نهاية،ج8، ص248 ، والقلقشندي، صبح، ج3، ص458

[146] –  المقريزي،خطط، ج1، ص162-163، وابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص190-192

[147] – عاشور(سعيد عبد الفتاح)، بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى، دار الاحدب البحيري، بيروت، 1977، ص149

[148] – المقريزي( تقي الدين احمد)، اغاثة الامة بكشف الغمّة، ص45-47

[149] – ASHTOR. E. ,Histoire des prix et des salaires dans l’Orient médiéval, Raris, 1959, p267-268

[150] – النويري، نهاية الارب، نشر وزارة الثقافة، القاهرة، دنتز، ج8، ص262، والقلقشندي، صبح ج3، ص529

[151] –  المقريزي،سلوك، ج3، ق3، ص 644، 901-902، ج4، ق1، ص42-43..ابن تغري بردي،.نجوم، ج10، ص195-209

[152] – لمزيد من التفاصيل الدقيقة حول هذا الموضوع، انظر: ضومط، الدولة المملوكية، ص264 وما بعد

[153] –  المقريزي،خطط، ج2، ص95-97

[154] – نفسه، ج2، ص94-95

[155] – الظاهري، زبدة، ص39  

-Depping, G. B, Histoire du commerce entre le Levant et l’Europe depuis les Croisades jusqu’à la fondation des colonies d’Amerique, Paris, 1865, T I, p 71

[156] – Wiet, G, L’Egypte arabe de la conquète arabe à la conquète musulmane, le Caire, 1937 p.498

Goiten,” The main industries of the Mediterranean area as reflected in the recotds of the Cairo Geneza,”,JESHO, IV, part II, 1961,p177. – Goiten, Amediterranean Society, Economic foundation, Press Berkeley and Los Angelos, California, 1967, p 103 

[157] – ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار، القاهرة، 1933، ج1، ص39

[158] – المقريزي، خطط، ج2، 101

[159] – Ashtor,E, “ Venitian supremacy in the Levantinet trade or precolonialism “ Journal of European Economic History “ III, (Rome 1974), pp 5-53, p25

[160] – كان شيخ مدينة ملدي من اعمال الصعيد يزرع خمسمائة فدان من القصب، وصودر منه اربعة عشر ألف قنطار من السكر، انظر، ابن اياس، بدائع الزهور،  طبعة بولاق، ج1، 169

[161] –  Depping, I, p 66; Heyd,W, Histoire du commerce du Levant au Moyen Age,Leipzig,1885-1886,I,p427; Poliak, A. N, “les révoltes populaires en Egypte à l’époque des Mamlouk et leurs causes économiques” R.E.I. ,8(1934), ( pp251-273 ), p 254 

المقريزي، خطط، ج2، ص100، وابن دقماق، الانتصار، ج4، ص41، 108زيادة(محمد مصطفى)، دراسات عن المقريزي، الهيئة المصرية العامة، وزارة الثقافة، 1971، 103؛ الظاهري، زبدة، ص35

[162] – ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص279

[163] – Heyd, I, p427

[164] – Heyd, I, p 441; Ashtor, prix , p 268                                               دراسات، ص 103 زيادة،   محمد مصطفى  

[165] – Heid, II, p500

[166] – المقريزي، خطط، ج2، ص189-196

[167] – فييت،(غاستون)، القاهرة مدينة الفن والتجارة، مؤسسة فرانكلين، بيروت-نيويورك، 1968، ص103-104

[168] –  اتلف الجنويون السفن وموادها الاولية على طول الساحل اللبناني و السوري ، انظر، المقريزي، سلوك، ج3، ق3، ص1114

[169] –  المقريزي،خطط، ج2، ص95

[170] – العمري، مسالك، ص181؛ ونصار، العامة، ص11

[171] – المقريزي، خطط، ج2، 97-98، 99؛  ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص44

[172] Goetein. Main industries, pp. 183-187 ;المقريزي،  خطط، ج2، ص105؛ الوقاد(محاسن )، اليهود في مصر المملوكية، الهيئة  المصرية العامة، 1999، ص172-173

[173] – المقريزي، خطط، ج2، ص105

[174] – فييت، القاهرة، ص161

[175] – المقريزي، خطط، ج2، ص103

[176] – المقريزي، خطط، ج2، ص96

[177] – المقريزي، اغاثة، ص81

[178] – الدوري(عبد العزيز)، مقدمة في تاريخ الاقتصاد العربي، دار الطليعة، بيروت، 1978، ص43

[179] – الجلبان ويسمون ايضا الاجلاب وهم فرقة من المماليك السلطانية استقدموا كبارا في السن ولم يخضعو للتدريب والتربية في الطباق

[180] – انظر حول هذه المواضيع: المقريزي،سلوك ج2، ق3، ص567-580، ج3، ق3، ص960وما بعد خصوصا 1136، ج4، ق3، ص1090-1094، 1127 وغيرها كثير؛ ابن تغري بردي، نجوم، ج7، ص327-329، ج10، ص140، ج15، ص50-54، 410-413، ج16، ص114، 130، 143…

[181] – ابن تغري بردي، نجوم، ج7، ص 329، ويقول فيهم ايضا:”في هذه السنة 962هجري قد انحل امر حكام الديار المصرية وارباب الشرع الشريف والسياسة لعظم شوكة المماليك الاجلاب، وصار من له حق من الناس قصد مملوكا من المماليك الاجلاب في تخليص حقّه…فيرسل خلف ذلك الرجل المطلوب ويأمره باعطاء حق ذلك المدعي حقا كان ام باطلا بعد ان يهدده بالضرب والنكال، فان اجاب والا ضرب في الحال ونكّل به، فصار كل واحد يستعين بهم…وترك الناس الحكام…وتلاشى امرهم الى الغاية.”ج16، ص53-54

[182] – المقريزي، سلوك، ج4، ق2، ص866-867، 870-871 ؛ ابن تغري بردي، نجوم،ج14، ص42، ج16، ص340-341

[183] –  المقريزي،سلوك، ج4،ق2، ص647، 654، 766، 869؛ ابن تغري بردي، نجوم، ج16، 340-341

[184] – المقريزي، سلوك، ج2، ق1، ص205وق3، ص669، وج3، ق3، ص1131-1132، ج4، ق1، ص27-29؛ابن تغري بردي، نجوم، ج16، ص115-116

[185] –  المقريزي، سلوك، ج4،ق1، ص305-306، وج4، 2، ص852

[186] – المقريزي، سلوك، ج2، ق1، ص150-151، ج2،ق2، ص439، 444، ج3،ق2،ص55، ج4، ق2، ص801، ج4، ق3، 1127؛ ابن طولون، مفاكهة،ج1ص78، 91، 108، 146، 180-181، 191، 209

[187] – Poliak, Revoltes populaires, p252قدشملت المصادرات اموال الايتام، والمغنين، والنادبين وغيره، المقريزي،سلوك، ج2، ق2،ص56، ج2، ق2، ص419 

[188] – ابن طولون ،مفاكهة، ج1، ص287، 374، اعلام، ص187

[189] – ان المصادر المملوكية مليئة بالحديث عن هذه الضرائب خصوصا في العهد الجركسي، لمزيد من المعلومات انظر:،المقريزي، سلوك، ج2، ق1، ص150-152، وق2، ص439، 444، ج3، ق2، ص55، ج4، ق2، ص801، … ضومط، دمشق –الشام، ص416-419

[190] Ashtor, Prix et salaires, p 270 ;                                                                                      الظاهري، زبدة، ص39

[191]  – Poliak, revoltes populaires, p 253 ;                                                                     المقريزي، خطط، ج2، ص94

[192] سلوك، ج4، ق2، ص909؛ ابن حجر، انباء الغمر، ج3، ص516، نجوم، ج16، ص714

[193] – Heyd, II, p441 Depping, I, p 68; prix et salaires, p.p. 270,385;ابن بطوطة، ج1، ص195؛ فييت، القاهرة، ص167

[194] – Poliak. Revoltes, p 254                     فقد تحوّل في مطلع القرن الخامس عشر 23 معصرة للسكر الى ايدي كبار الامراء

[195] – Poliak, révolte, p 253

[196] – Depping, I , p66

[197] – البيومي، اسماعيل، النظم المالية في مصر والشام زمن سلاطين المماليك، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، ص202

[198] – ابن دقماق، الانتصار، ج4، ص41-46

[199] – Heyd, I, p427 ; ابن بطوطة،  تحفة النظار، ج1، ص37                                                                                                           

[200] – الطريق الاول بحري ينطلق من الصين الى الهند فالخليج العربي حيث تبدأ فروعه، والثاني، بحري ايضا ينطلق من الشرق الاقصى الى المحيط الهندي فالبحر الاحمر حيث تبدأ فروعه عبر الاراضي المملوكية، والثالث بري من وسط آسيا عبر الهند حيث تبدأ فروعه الى اوروبا، او جنوبا الى  العراق وبلاد الشام.  لمزيد من الاطلاع، انظر: ضومط، الدولة المملوكية، ص180-184

[201] – لمزيد من الاطلاع، انظر فهمي(نعيم زكي)، طرق التجارة الدولية ومحطاطها بين الشرق والغرب، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، 1973، ص132 وما بعد

[202] – ضومط، الدولة ، ص184 وما بعد

[203] – ضومط، الدولة المملوكية، ص202-203

[204] – Heyd, II, p86; عاشور، بحوث ودراسات، ص 247                                                                                        

[205] – Wiet, nation egtptienne, p490

[206] – ابن تغري بردي،  نجوم، ج11، ص66،  388؛ عاشور، بحوث، ص253، 274-275

[207] – Depping, II, pp48-50 ; Heyd, II, pp433-434

[208] – Heyd, II, pp. 430-431, 433-434; Depping, II, p50 ;         خطط، ج1، ص91-92                          المقريزي،

    اليوزبكي(توفيق سلطان)،تاريخ تجارة مصر في العصر المملوكي، جامعة الموصل، دار الكتب للطباعة والنشر، 1975، ص 64-65

[209] –  Heyd, II, pp.462-463                        فقد كان للبنادقة كنيسة في الاسكندرية، وكنائس في دمشق للجنويين وغيرهم، انظر

[210] – Depping, I, p60; Heyd, 453; Clerget,M, Le Caire étude de géographie urbaine et d’histoire  économique, Le Caire, 1934, p309 ; وسفن المدة عبارة عن اسطول تجاري بندقي يترك البندقية في رحلته الاولى في كانون الثاني باتجاه الموانئ المملوكية المتوسطية، ويعود في حزيران، والرحلة الثانية في السنة عينها تبدا في ايلو ويعود الاسطول في كانون الاول.

[211] – فهمي، طرق التجارة، ص284

[212] – لمزيد من الاطلاع انظر: ضومط، الدولة المملوكية، ص212-214؛ حطيط( احمد)، قضايا من تاريخ المماليك السياسي، الفرات للنشر والتوزيع، بيروت، 2003، ص190-194

[213] – ابو الفدا( اسماعيل بن علي)، تقويم البلدان، باريس، 1840، ص92-93 ؛ لبيب(صبحي)، “التجارة الكارمية وتجارة مصر في العصور الوسطى”، المجلة التاريخية المصرية للدراسات التاريخية، مايو 1952، العدد الثاني، المجلد الرابع، ص19

[214] – المقريزي،سلوك، ج2، ق1، ص7، 32-33؛ ابن تغري بردي، نجوم، ج8 ص226.

[215] – فقد سلّفوا السلاطين اموالا احيانا، لمزيد من الاطلاع، انظر: ضومط، الدولة، ص217-218؛ حطيط، قضايا، ص201 وما بعد

[216] – Wiet, nation, p489;                                                                                                   حطيط، قضايا، 206-207

[217] – Heyd, II, p51 ;                               المقريزي، سلوك، ج3، ق1، ص105-106؛ ابن تغري بردي، نجوم، ج11، ص29-30

[218] – Wiet, nation, p508; Heyd,II,p50;                                                          المقريزي،سلوك، ج3، ق1، ص122-123

[219] – Heyd.I, pp. 453-454,467,II, p49; Ashtor,levantine, p582;                                 ضومط، الدولة، ص228-239

[220] – Heers,J, Gênes au XV siècle, Paris, 1961 p373 ; Ashtor, “Venitian supremacy in the levantane trade or precolonisation” Journal of European Economic History’, IV, Rome, 1975. pp.5-53,p8

[221] – Ashtor, Monopoly, p 7

[222] – Heyd, II, pp. 125-126

[223] –  Depping, Histoire du commerce, II, pp. 49-50

[224] – Wiet, nation, p 490;Heyd, Histoire du commerce, I,pp470; المقريزي، سلوك، ج3،ق2، ص581، وق3، ص1114

[225] Depping, I, pp. 77-78 ;                                                                               القلقشندي ، صبح، ج3، ص463-468

[226] –  لبيب، التجارة الكارمية، ص35-38؛ ضومط، الدولة المملوكية، ص247-249

[227] – Heyd, II, p 448; لبيب، التجارة الكارمية، ص35-36                                                                                         

[228] – Heyd, II, p. 448

[229] – الطرخان(ابراهيم علي)، مصر في عصر دولة المماليك الجراكسة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1960، ص291-292، 296

ابن تغري بردي ( 812-874/1409-1469)

اولاً: حياته ومؤلفاته

حياته: هو يوسف بن تغري بردي، ولقبه جمال الدين، وكنيته ابو المحاسن، ابصر النور في القاهرة المملوكية في اواخر عام 812/1409[1]، في حي الامراء المجاور لقلعة الجبل، فكان اصغر اخوته ذكورا واناثا. وكان والده تغري بردي احد امراء المائة في مصر، تقلب في عدد من وظائف ارباب السيوف الكبرى حتى بلغ اعلاها: اتابك العسكر اي قائد الجيش[2]. لذلك عرف ابن تغري بردي ب «الاتابكي». وشغل ايضا نيابة الشام وهو مركز يلي السلطان من حيث المقام والاهمية خصوصا بعد إلغاء منصب النائب الكافل على عهد الناصر محمد بن قلاوون. هذه الرتب العالية التي شغلها تغري بردي جعلت علية القوم يرومون مصاهرته، فتزوج السلطان الناصر فرج بن برقوق من احدى بناته، وتزوج الثانية قاضي القضاة الحنفي ناصر الدين بن العديم. ما يعني ان يوسف ولد في عائلة محترمة غنية قادرة على ان تؤمن له سبل التعليم. ولكن والده توفي عام 815/1412 وهو لم يكن قد تجاوز الثلاث سنوات فتولى تربيته صهره قاضي القضاة الحنفي الى ان مات. فتزوجت اخته ثانية من قاضي القضاة جلال البلقيني الشافعي الذي أكمل تربية يوسف. لم يكن ابن تغري بردي بحاجة الى المال لأنه كان من اجناد الحلقة، وتحديدا من اولاد الناس وهي رتبة عسكرية تعطى لأبناء السلاطين والامراء، ويحصل صاحبها على اقطاع لأنه يعتبر حكما من اجناد الحلقة، وبالتالي لم يتأثر بمصادرة السلطان الناصر فرج لثروة ابيه بعد وفاته؛ اولا لأنه عاش في كنف صهريه على التوالي، وثانيا لأن وظيفته أمنت له دخلا لا بأس به من اقطاع مشترك مع اخيه (قاسم) ثم صار له وحده بعد وفاة قاسم[3]. وامنت له رتبته العسكرية عددا من الغلمان يعملون في خدمته، فعاش حياة رغد ورفاه، ووضعا معيشيا مستقرا. ولم يتأثر بخلافات المماليك وصراعاتهم غير المنتهية، ان صلاته ومعرفته بالسلاطين والامراء[4] كانت تؤمن له ما يريد من مال او جاه[5].

   لقد جمع ابن تغري بردي بين ثقافات متعددة: دينية، وتاريخية وادبية؛ فعندما تعهده صهراه وهما قاضيان حفظ القرآن. وتفقه بالحديث بعد حضوره بعض حلقات علماء الحديث[6]، ودرس ايضا بعض اصول الفقه والتفسير[7]. وتثقف على عدد غير قليل من مشاهير عصره في مختلف العلوم اللغوية والتاريخية نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: بدر الدين العيني، وابن حجر العسقلاني، والمقريزي، وابن عرب شاه. كما اجازه عدد من المؤرخين مثل المقريزي، وابن حجر العسقلاني والعيني…[8] وقد مدح المقريزي كثيرا واعتبره احد اعظم المؤرخين وافتخر بتتلمذه عليه[9].

   اشتهر بالعديد من الصفاة الحسنة: رجاحة العقل، العفة والتواضع، ولطف المعشر، وجمال الهيئة، وشدة الحياء والهدؤ. حتى ان السخاوي، المعروف بسلاطة لسانه الذي انتقد كل مؤرخي عصره قال فيه « كان حسن العشرة، تام العقل… والسكون، لطيف المذاكرة …»[10]،  وهو بنظر ابن العماد الحنبلي احد ابرز مؤرخي عصره:« اجتهد في ذلك – اي في التأريخ- الى الغاية وساعدته جودة ذهنه وحسن تصوره وصحة فهمه… وانتهت اليه رئاسة هذا الشأن في عصره.»[11] وهو بحسب تلميذه احمد بن الحسين التركماني الشهير بالمرجي كان بارعا بالفروسية على اختلاف فنونها، عفيف النفس، يأنف التردد الى اعيان الدولة، ويضيف:” يضرب به المثل في الحياء والسكون، ما سمعته شتم احدا من غلمانه، ولا من حاشيته، ولا تكبّر على احد من جلسائه قط، كبيرا كان ام صغيرا، جليلا كان ام حقيرا.”[12]

   ان كل ذلك يدفعنا للاعتقاد ان ابن تغري بردي وان برع بالفروسية، التي هي عمله الرسمي كونه من اجناد الحلقة، فانه تميّز بكثرة المطالعة، ومجالسة كبار علماء عصره في مختلف العلوم، وكان موسيقياً بارعا « في النغم والضرب والايقاع، بل كان من اشهر الفنانين في عصره » على حد تعبير العنان[13]. وقد تكون معاصرته لعدد وافر من السلاطين اربى على العشرة؛ بدءا بعهد الناصر فرج وانتهاء بعصر قايتباي، اضافة الى مشاهدته للعديد من الثورات المتنوعة ولا سيما ثورات امراء المائة ومقدمي الالوف، ناهيك بمعايشته للأوبئة التي ضربت مصر تكرارا، وقد اصيب هو نفسه باحدها. قد يكون كل ذلك أثّر في فهمه للحوادث واعطاها ابعادا انسانية عميقة الغور اظهرها ابو المحاسن في قوالب تأريخية متناولا مواضيع متنوعة ضمّنها مؤلفاته العديدة. واستمر شغفه بالتاريخ والتأريخ ومجالسة مشاهير العلماء، حتى وفاته يوم الثلاثاء الموافق الخامس من ذي الحجة 884 الموافق 5 حزيران1470 بعد ان قاوم مرض القولنج مدة سنة تقريبا[14].

2- مؤلفاته: ترك عدة مؤلفات جاء بعضها تتمة لعمل المقريزي، والبعض الآخر تراجم، وقسم ثالث كتيبات موجزة يمكن اذا جمعت ان تغطي تاريخ مصر السياسي والعسكري اضافة الى بعض النواحي الحضارية منذ الرسالة النبوية وحتى نهاية عهد قايتباي. وقد وقفها كلها على تربته الهائلة التي كان قد ابتناها بالقرب من تربة السلطان الاشرف اينال. وسنذكرها فيما يلي:

1 – مورد اللطافة فيمن ولي السلطنة والخلافة: كتاب تحدث فيه عن الخلفاء والسلاطين فقط، بدأه بالرسول فالعصر الراشدي وصولا الى الخليفة العباسي القائم، ثم تحدث عن الخلفاء الفاطميين.

2 – منشأ اللطافة في ذكر من ولي الخلافة: يمكن اعتباره تاريخا مختصرا لمصر منذ اقدم العصور وحتى سنة 719 هجري

3 – حوادث الدهور في مدى الايام والشهور: وهو يشبه كتاب السخاوي التبر المسبوك في ذيل السلوك،  والكتابان ذيّلا على السلوك للمقريزي. ويبدأ كتاب حوادث الدهور بسنة 845/1441 وينتهي في 12محرم 874/ 16 تموز 1469 وقد أرخه حوليا متناولا عصر السلطان الظاهر جقمق. وقد يكون وضعه تيمنا باستاذه المقريزي وعرفانا بجميله عليه لأنه اسماه في مقدمة الكتاب:« شيخنا الامام الاستاذ، العلامة ، المتفنن، رأس المحدثين، وعمدة المؤرخين.»

4 – الامثال السائرة[15].

الانتصار للسان التتار، ويبدو انه شرح لمعاني اللغة التركية تبعا لابن الصيرفي[16]

5 – البشارة في تكملة الاشارة[17].

6 –  حلية الصفاة في الاسماء والصناعات[18].

7 – الدليل الشافي على المنهل الصافي، ويبدو انه مختصر لكتابه المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي. وهو منشور.

8 – نزهة الرائي في التاريخ[19]

9 – نزهة الالباب في اختلاف الاسماء والالقاب[20]

10 – كتاب الوزراء[21]

11 – وقديكون ابرزها النجوم الزاهرة موضوع هذه الدراسة.

   من الواضح تماما ان عناوين مؤلفاته تعطينا فكرة عن سعة افقه، وعن المادة التاريخية التي بذل عمره بجمعها وتدوينها، وهو مجهود بلا شك كبير جدا، دوّن وفق أكثر من منهج، ابرزها: التأريخ الحولي والتراجم، وسندرس منهجه انطلاقاً من محورين اساسيين: النظرة التاريخية، وطريقة المعالجة.

ثانيا: منهجه.

I- نظرته التاريخية في النجوم الزاهرة:

1 مفهومها العام: من الواضح تماما ان النظرة التاريخية تبنى على المواضيع وتشكل هدفية المؤرخ. وقد عبّر ابو المحاسن عن هذا الهدف بمقدمة النجوم الزاهرة قائلاً:« وهذا لعمري من اعظم الاحسان واسبغ النعم، لنعاين ممن تقدم آثارهم، ونشاهد منازلهم وديارهم…فنخبر بذلك من تأخر عصره من الاقوام…ليقتدي كل ملك يأتي بعدهم بجميل الخصال، ويتجنّب ما صدر منهم من اقتراح المظالم وقبيح الفعال؛ ولم اقل كمقالة الغير انني مستدعى الى ذلك من امير او سلطان، ولا مطالب به من الاصدقاء والاخوان؛ بل ألّفته لنفسي واينعته بباسقات غرسي…ثم اذكر ايضا في كل ترجمة ما احدث صاحبها في ايام ولايته من الامور، وما جدده من القواعد والوظائف…بل استطرد الى ذكر ما بني فيها من المباني الزاهرة[22]

   ان نظرته تحدد ان  في التاريخ عبرا لأنه جهد من خلال التاريخ لتحديد مسار الانسانية بحفظ مآثر الحكام الماضين وسيئاتهم، ممّا يعني تدوين كل احداث الماضي بجميع تفرعاتها السياسية والعسكرية والادارية والاقتصادية والحضارية. ونطرح سؤالا مركزيا هل فعلا تناول ابو المحاسن كل تلك الامور، ام انه آثر بعضها على البعض الآخر؟

   ان اقامة التوازن بين النواحي المدروسة عملية شاقة، وينتج ايثار المؤرخ لموضوع على آخر بتأثير من تربيته ومن محيطه الاجتماعي العام. ونعتقد ان مهنته العسكرية ساهمت في توجيه رؤيته الى التاريخ، فغلب عليها الطابعان العسكري والسياسي أكثر من النواحي الحضارية، التي قد لا نجد ذكرا لبعضها في النجوم الزاهرة. ونسأل: هل ذلك تأتى من تربيته العسكرية وبيئته المملوكية فقط، ام من ندرة المعلومات المتعلقة بالاهتمامات الاخرى وعلى رأسها النواحي الاقتصادية والعمرانية التي لم تتعد، غالبا، التسميات، او انه لم يجهد نفسه بالبحث عنها، ام انه وجد في تحديد مكامن الضعف في السياسة، ولا سيما التي مارسها سلاطين عصره، مدخلا للإصلاح العام في قابل الايام ؟

   قد نجد تبريرا لذلك بان الاصلاح السياسي، الذي ركّز عليه كثيرا، سيؤدي بنظره حتما الى الاصلاح الاقتصادي، من دون ان يقنعنا، لان اهماله دراسة الاوضاع الاقتصادية يشكل ثغرة مهمة في نظرته التاريخية كما سيتبدى في دراستنا النقدية لها من خلال ما تناولته من عناوين رئيسة، وما تضمنته هذه العناوين من حيث السعة والايجاز، ومقدار الاحاطة بالموضوع وتقاطعه مع المواضيع الاخرى. ولكن ابا المحاسن كان واضحا بتغليب السياسي والعسكري على ما عداه بقوله:« ليقتدي كل ملك…» ممّا يعني ان تأريخه مخصص بالدرجة الاولى للحكام ولاسيما السلاطين ليتعظوا من الماضي ولتصبح سياساتهم دروسا للخلف. وهذا ما سنلاحظه بتركيزه على انجازات السلاطين الاقوياء ومدحهم، وبتوجيه اللوم للسلاطين الضعفاء، وبانتقاده بعض الامراء لسؤ تصرفهم، والاشادة بالبعض الآخر لمقدرتهم السياسية والعسكرية. وهو يبزّ غيره من المؤرخين برسم خطط المعارك العسكرية لدرجة تكاد تشعر وكأنه مشارك فيها. ويضاف الى ذلك دراسته للجيش المملوكي واشادته به احيانا قليلة قياسا بمواقفه السلبية من سؤ تصرفات بعض فرقه ولا سيما الجلبان. هذا اضافة الى بعض النواحي الحضارية التي لم تنل حيزا مهما في تأريخه. وسنحاول دراسة نظرته التاريخية تبعا للمراحل التاريخية من جهة، وانطلاقا من المواضيع من جهة ثانية، لأن المواضيع شكلت نقاط محورية في تاريخه.

 2مصر في عصر الدويلات: في هذه المرحلة ركّز في تاريخه على مصر من دون غيرها، وكانت تتبدل نظرته اليها والى الحوادث تبعا لتعاقبت العهود السياسية، مع يقيننا انه اضاف اليها من ذاتية عصره لأنها كانت محور العالم الاسلامي، وطبّق هذا المفهوم على الفترات السابقة للعهد المملوكي حيث كانت مصر شبه مستقلة كما في العهدين الطولوني والاخشيدي، ممّا ادى الى خلل في التوازن التاريخي العام على مستوى المشرق العربي. والى استقلالها التام في العهدين الفاطمي والايوبي مع فارق في الرؤية الدينية اليها لصالح الايوبين.

   استهل مؤلفه بالكلام على مصر منذ الفتح العربي، مبرزا اهميتها من خلال ما ورد عنها في القرآن[23]، ثم تناول خراجها، وتسميتها، ومن دَخَلها من الصحابة[24]، فعهد عمرو بن العاص وصولا الى قيس بن عبادة، وولاية عمرو بن العاص الثانية[25]. ثم تحدث عن تاريخ مصر في العهدين الاموي والعباسي باختصار شديد بتراجم موجزة جدا للخلفاء ولا سيما العباسيين، ممّا لا يتيح لنا الوقوف على نظرته التاريخية خلال هذه الحقب. وازدادت نظرته وضوحا في العهدين الطولوني والاخشيدي حيث تتبدى لنا مصر وكأنها دولة مستقلة ويدور في فلكها مناطق اخرى في بلاد الشام وغيرها. ودليلنا على ايلائه مصر شأنا مختلفا، عّما كان سائدا في عهود الولاة، الترجمات المطولة التي خصّصها للطولونيين: احمد بن طولون[26]، ولا سيما ترجمة خمارويه الطويلة جدا التي ضمّنها نواحي حضارية وفنيّة وعسكرية[27]. والترجمتان فاقتا اضعاف اضعاف ما كتبه عن الخلفاء العباسيين الذين عاش الطولونيون في ظلّهم، وهو امر ملفت للانتباه. وان ما دوّنه عن بقية المناطق ليس الا استكمالا لأحداث مصرية او مقدمة لها. وتتضح عصبيته المصرية بمهاجمته لمحمد بن سليمان الكاتب بسبب سوء تصرّفه؛ اذ ترك العرب الخراسانية تقوم باعمال قبيحة لا يستأهلها الكفرة، وباستئصاله شأفة الطولونيين:« لم يدع من آل طولون احدا…ثم اخرج قوادهم الى بغداد على اقبح وجه…وحلّ بهم –الطولونيين- وقوادهم الذل بعد العز…وزالت الدولة الطولونية وكانت من غرر الدول، وايامهم من محاسن الايام.»[28]

3– موقفه من الفاطميين: لقد اختصر اخبار الفاطميين كثيرا، فاقتصرت معظم اخبار بعض السنوات على الوفيات مع ضمور لافت بترجمات الخلفاء[29]. ولم يعطِ الامامة الفاطمية مفهومها الحقيقي، حتى انه لم يعرّف بها، مكتفياً بالقول: ان الامامة انقطعت عند الآمر:” وانقطع النسل عند الامر واولاده. وهذا مذهب من شيعة المصريين فان الامامة عندهم من المستنصر الى نزار.” لأن اهلها قالوا:« لا يموت احد من اهل هذا البيت الا ويخلّف ولدا ذكرا، منصوصة عليه الامامة.»[30]. ومع هذا فقد افاض في بعض نواحي التاريخ الفاطمي: اصلهم، بلاط الخلفاء، ورسومهم، « واورد عن مقتل الحاكم بامر الله شذورا طويلة صيغت في شكل قصّة، وفيها يصف نفسية الحاكم ليلة مقتله…وكيف دبرت اخته ست الملك مقتله بمهارة.»[31] وبعد قضاء صلاح الدين على الفاطميين تبنى ابن تغري بردي كلام القاضي عبد الرحيم البيساني حول الخلافة والدين ودور المسلمين:« توالت الفتوح غربا ويمنا وشاما…واضحى الدين واحدا بعد ما كان اديانا، والخلافة اذا ذكّر بها اهل الخلاف لم يخرّوا عليها صمّاً وعمياناً، والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع الضلال شائعة…»[32] 

 وتزداد نظرته وضوحا كلما اقترب من العهد المملوكي، الذي سنوليه، ولا سيما في المرحلة التي عاصرها، اهتماماً أكثر من غيره، من دون ان  نهمل الفترات السابقة، بل سنتناولها من ضمن رؤيته للاطار العام للتاريخ الذي بناه على افضليات في مراحله.

4موقفه من السلاطين: قد يكون هذا الموقف احد المرتكزات الاساسية لتأليف النجوم الزاهرة، وقد نبع من عدة امور رئيسة: الجهاد ضد اعداء المسلمين، وحسن تدبير أمور الدولة من حيث العناية بالرعية، واحترام رجال الدين. فكان ابن تغري بردي مأخوذا ببعض السلاطين ممن توافرت فيهم هذه المعايير؛ ويحتل صلاح الدين الايوبي مركزا مرموقا على هذا المستوى، واذ لم يجد جديدا يضيفه على سيرته عمد الى تدوينها مصطفيا مآثره وابدع الصفات الحميدة التي قالها فيه مؤرخون مشهود لهم، من دون ان يبالي بقطع سياق الخبر؛ فاختار مقاطع، مما كتبه فيه سبط ابن الجوزي، والعماد الكاتب، وابن شداد، بليغة التعبير وعميقة الايضاح[33]. وكان شديد الاعجاب بالسلطان قلاوون لتأسيسه جيشا قوامه اثني عشر ألف جندي شديدي الانضباط، جاهد بهم الفرنج[34]. ووازن في عهد برقوق بين ثلاثة امور على الاقل: اولها الفساد الاداري والرشوة:« …كان محبا لجمع المال وحدث في ايامه تجاهر الناس بالبرطيل، فكان لا يكاد يولّى احدُ ولا عملُ الا بمال، وفسد بذلك كثير من الاحوال، وكان مولعا بتقديم الاسافل وحط ذوي البيوتات.»[35] وثانيها محبته وتقديره البالغ لأهل العلم وخصوصا رجال الدين:« اذا اتاه احدهم قام اليه، ولم يعرف احد قبله من الملوك الترك يقوم لفقيه.»[36] وثالثها مقدرته السياسية، اذ اعتبره مثالا يحتذى في هذا المضمار:« كان ملكا جليلا حازما شهما شجاعا مقداما صارما فطنا عارفا بالامور والوقائع والحروب…كان سيوسا عاقلا ثبتا، وعنده شهامة عظيمة ورأي جيد، وحدس صائب، وكان يتروّى في الشيئ المدة الطويلة حتى يفعله…»[37] وترتفع منزلة المؤيد شيخ عنده، على الرغم مساوئه العديدة بنظره، لتدخله لاعادة الاسعار الى مستواها الطبيعي:« ولعل الله سبحانه وتعالى ان يغفر للمؤيد ذنوبه بهذه الفعلة، فان ذلك هو المطلوب من الملوك، حسن النظر في احوال الرعية.»[38]

   ونعت السلطان برسباي بالجهل والقبح لسؤ تصرفه، وشرهه بجمع المال، وصبّ عليه جام غضبه لأنه ولّى احد الجهلة كتابة السر قائلا:« وعد ولاية هذا الجاهل لمثل هذه الوظيفة العظيمة من غلطات الاشرف وقبح جهله، فانه لو كان عند الملك الاشرف معرفة وفضيلة…»[39] ولا يختلف السلطان خشقدم عن برقوق وبرسباي من حيث الشره بالمال ممّا ادى، بنظره، الى انحطاط في الوظائف الادارية ولاسيما المالية منها. فسلّط لسانه على خشقدم  باسلوب ساخر جدا، لأنه ولّى شمس الدين البباوي نظر بيت المال ثم الوزارة طمعا بمصادرة امواله فقط:« وسمع الملك الظاهر خشقدم بسعة ماله- وكان من الخسة والطمع في محل كبير- فأحتال على اخذ ماله بان ولاّه نظر الدولة…ولبس البباوي العمامة والفرجيّة والخف والمهماز، وتزيّا بزي الكتاب، وترك زيّ المعاملين، فشقّ على الناس قاطبة، وعدّوا ذلك من قبائح الملك الظاهر خشقدم…لأن البباوي هذا مع انحطاط قدره وجهله ووضاعته وسفالة اصله…فانه كان اميّا لا ينطق بحرف من حروف الهجاء…وولاه الوزر…فلم نعلم باقبح حادثة وقعت في الديار المصرية قديما وحديثا من ولاية البباوي.»[40]

   ولعل نظرته هذه الى تصرف السلاطين المذكورين تنمّ ايضا عن تمييز اجتماعي، وقد يكون مرده الى تحدره من ” الطبقة ” العسكرية الحاكمة، التي ميّزت نفسها باستمرار عن ابناء البلاد، واستعلت عليهم، ولم تقرّب منها احد منهم الا من كانت تحتاجه لخدمتها ولا سيما المتعممين. ويعكس هذا الموقف الرؤية الاجتماعية التي كانت سائدة انذاك، ويؤيّد ما ذهبنا اليه رأي ابن تغري بردي في السلاطين:« كانت عادة ملوك السلف ان يقيموا من حطّه الدهر، وينتشلوا ذوي البيوتات من الرؤساء وارباب الكمالات. وقد ذهب ذلك كله وصار لا يترقى في الدول الا من يبذل المال، ولو كان من اوباش السوقة لشره الملوك في جمع الاموال.»[41]

   كان يأمل مؤرخنا توفّر الخصال الحميدة في السلاطين كالاخلاق الرفيعة والمقدرة السسياسية، وانتقد بشدة الذن كانوا يخالفون القواعد الخلقية وحط من قدرهم، ومن الامثلة على ذلك: السلطان شعبان الذي جمع بزواجه بين اختين، وعدد بسخرية اربعة سلاطين تعاقبوا على الزواج من المرأة نفسها كل بعد وفاة الآخر. وكنّ للسلطان شعبان احتقارا شديدا ليس فقط لتزويجه احدى سراريه من أحد الطواشية ونثره بيده الذهب عليها ابان جليها[42]، بل لأنه ايضا:« كان من اشر الملوك ظلما وعسفا وفسقا، وفي ايامه مع قصر مدته، خربت بلاد كثيرة لشغفه باللهو، وعكوفه على معاقرة الخمور، وسمْع الاغاني، وبيع الاقطاعات بالبذل…وكان سفّاكا للدماء…سيئ التدبير يمكّن النساء والطواشية من التصرف بالمملكة.»[43] ولم يتوان عن تقريظ السلطان يلباي:« ومع هذه المدة اليسيرة -من حكمه- كانت ايامه اشر الايام واقبحها، وفي ايامه زادت الاجلاب في الفساد، وضيقت السبل وعظم قطع الطرقات على المسافرين مصرا وشاما، وما برحت الفتنة في ايامه قائمة في الارياف قبليّها وبحريّها وتوقفت احوال الناس لاسيما الواردين من الاقطار، وزادت الاسعار في جميع المأكولات، وضاعت الحقوق، وظلم الناس بعضهم بعضا، وصار في ايامه كل مفعول جائز، وما ذاك الا لعدم معرفته، وسؤ سيرته، وضعفه عن تدبير الامور… وقلة عقله.»[44]

   وعلى هذا، تصبح السلطة بنظره مزيجا من الحكمة والدراية والاخلاق الحميدة، كما بحسن السهر على الرعية،  وبتقدير واحترام رجال العلم والدين. لأن السلطان رأس القمة الادارية ويقتدي الناس به، وستبقى سيرته خالدة، ودرسا لمن سيخلفه مدى الزمن. ولا تكتمل هذه الصورة الا بضبط الجيش، الذي من واجبه السهر على المواطنين، وليس بالتعرض لحقوقهم واغتصابها، وبالتعدي على الاعراض والممتلكات، وبالتالي فان وظيفة الجيش طمأنة الاهلين وليس اخافتهم.

5– موقفه من الجيش المملوكي: صبّ جام غضبه على الجيش المملوكي وتحديدا على فئة الجلبان الذين استقدموا كباراً في السن، ولم يتهذبوا في الطباق دينيا واخلاقيا واداريا، ولم يتدرّبوا فيه على الفنون القتالية، فصاروا عبئا على السلاطين والناس معا.

   كان تقديره ملحوظا للسلطان قلاوون الذي اقتنى ما يزيد على اثني عشر ألف من المماليك السلطانية وسهر على تربيتهم، حتى بات الواحد منهم لا يجرؤ على نهر غلامه او خادمه، او الاقدام على فاحشة خوفا منه، او الزواج الا باذنه، ليس هذا فحسب، انما كان يختار لهم السلطان زوجاتهم من جواريه[45]. وقارن بين ما كان عليه وضع مماليك قلاوون بما آل اليه وضع الجلبان في عصره قائلا:« لو لم يكن من محاسنه الا تربية مماليكه وكف شرهم عن الناس لكفاه ذلك عند الله تعالى، فانه كان بهم منفعة للمسلمين، ومضرة للمشركين، وقيامهم بالغزوات معروف، وشرهم مكفوف؛ بخلاف زماننا هذا، فانه مع قلّتهم وضعف بنيتهم وعدم شجاعتهم، شرهم في الرعية معروف، ونفعهم في الناس مكفوف؛ هذا مع عدم التجاريد والتقاء الخوارج وقلة الغزوات، فانه لم يقع في هذا القرن، وهو القرن التاسع، لقاء خارجي غير وقعة تيمور، وافتضحوا منه غاية الفضيحة…وان تكلم – واحدهم- تكلم بنَفَس؛ ليس لهم صنعة الا نهب البضاعة، يتقوون على الضعيف، ويشرهون في الرغيف، جهادهم الاخراق بالرئيس…»[46]

   وهاجم الجيش المملوكي بعنف خصوصا المماليك السلطانية المعروفين بالجلبان لأن القحة بلغت بهم نهب البيوت بما فيها بيوت الوزير ونظّار الجيش والاستادار. وكانوا ايضا يهاجمون البيوت ويتعدون على النساء في الطرقات والحمامات، ولم يتورعوا عن احراق بيوت غرمائهم[47]. ولم يعمد السلاطين الى الاقتصاص منهم بل ساندوهم اتقاء لشرهم. وزاد في الطين بلّة املاؤهم الشروط على السلاطين، وتعدياتهم المتكررة على الامراء طمعا بان يشفعوا بهم عند السلاطين لتحقيق مطالب غير محقّة او احراجا لهم. وكانوا يستمرون بممارساتهم الشنيعة الى ان تستجاب طلباتهم. وكان كل ذلك متأتيا، على حد تعبير ابي المحاسن من ايثار السلاطين لهم:«وحبك للمرء يعمي ويصم.»[48] وازداد خطر الجلبان وما عاد ممكنا الحد من تسلطهم وعسفهم، وحلوا مكان القضاة احيانا، ولعل تعبير ابن تغري بردي ابلغ دليل على السؤ الذي حاق بالبلاد جراءهم:« في هذه السنة 862 قد انحل امر حكام الديار المصرية ارباب الشرع الشريف والسياسة ايضا لعظم شوكة المماليك الاجلاب، وصار من له حق من الناس قصد مملوكا من المماليك الاجلاب في تخليص حقه…فيرسل خلف ذلك الرجل المطلوب ويأمره باعطاء حق ذلك المدعي حقا كان ام باطلا بعد ان يهدده بالضرب والنكال، فان اجاب والا ضرب في الحال ونكل به…فصار كل احد يستعين بهم في قضاء حوائجه وترك الناس الحكام…وتلاشى امرهم الى الغاية.»[49] ودفعهم تراخي السلطة الى مزيد من التعديات فصاروا ينهبون الناس في وضح النهار، ويفرضون الخوات على اصحاب الدكاكين، ويلزمون الضعفاء من اجناد الحلقة واولاد الناس بالتنازل عن اقطاعاتهم.[50]

   واحجم الناس عن تولي الوزارة لأن السلاطين كانوا يعمدون الى مصادرة الوزراء، حتى صارت هذه الوظيفة تفرض فرضا على الاشخاص فيشغلونها رغما عنهم. وصار الوزير يخشى ثلاثة امور: القتل، والتعرض للمصادرة، والخوف من الجلبان لأن الوزراء صاروا هدفا لهم، ومن كان يمتنع عن تولي الوزرة كان السلطان يأمر بضربه حتى ينصاع[51]

6– موقفه من الضرائب: لم يتوسع كثيرا في مشكلة الضرائب، بل اطلّ عليها احيانا بخفر ولا سيما في اواخر ايامه، وهي لم تتعد عموما الضرائب التي فرضت استثنائيا على الفلاحين لاسباب متنوعة خصوصا من اجل اعداد الحملات العسكرية، على عكس المقريزي الذي لم يغفل عن معظم الضرائب وتطرّق الى مساوئها كلما وجد الى ذلك سبيلاً[52]. ولم يأت ابن تغري بردي على ذكرها قبل عهد الناصر محمد بن قلاوون حيث تحدّث عن ابطال هذا السلطان العديد منها في روكه المعروف بالناصري عام 715/1315 واعتبر تصرفه هذا :« دليل على حسن اعتقاده، وعزيز عقله، وجودة تدبيره وتصرفه، حيث ابطل هذه الجهات القبيحة…وعوّضها من جهات لا يظلم فيها الرجل الواحد…»[53]

   ومن العسير التعرف الى معظم انواع الضرائب المملوكية في النجوم الزاهرة لأن ابا المحاسن لم يذكرها مفّصلة على طريقة المقريزي، بل تناول بعضها في مناسبات محددة: تقرّب السلاطين من الشعب كما فعل برقوق سنة 784/1383 حين ثار عليه الاميران يلبغا ومنطاش:« ثم أخذ السلطان بعد خروج العسكر في استجلاب خواطر الناس، وابطل الرمايات والسلف على البرسيم والشعير، وابطل قياس القصب والقلقاس.»[54] او من اجل اعداد الحملات العسكرية شأن الاستعداد لمحاربة تيمور كما في هذا النص الرائع الذي قد لا نجد مثيلا له في المصادر الاخرى من حيث تفصيل الضرائب على الزراعة وقيمة متحصلها عن كل صنف، ومقارنة قيمة كل ضريبة بالمعدل العام:« فرض على سائر اراضي مصر فرائض من اقطاعات الامراء، وبلاد السلطان، واخباز الاجناد، وبلاد الاوقاف عن عبرة كل ألف دينار خمسمائة درهم وفرس …ومن املاك القاهرة ومصر اجرة شهر حتى انه كان يقوّم على الانسان داره التي يسكنها، ويؤخذ منه اجرتها، واخذ من الرزق…وهي الاراضي التي يأخذ مغلّها قوم على سبيل البر والصدقة عن كل فدّان عشرة دراهم، وكان يوم ذاك اجرة الفدّان من ثلاثين درهما الى ما دونها…ومن الفدّان القصب او القلقاس او النيلة من القنطار مائة درهم، وهي نحو اربعة دنانير، وجبى من البساتين عن كل فدّان مائة درهم. ثم استدعى امناء الحكم والتجار وطلب منهم المال على سبيل القرض، وصار يكبس الفنادق والحواصل في الليل فمن وجده حاضراً فتح مخزنه واخذ نصف ما يجده فيه من النقد، وهي الذهب والفضة والفلوس، وأخذ جميع ما وجد من حواصل الاوقاف…»[55] وكأني به في اواخر حياته بدأ يتنبه الى دور العامل الاقتصادي في منعة الدولة وبانحلالها، وان لا بديل من الاهتمام بالزراعة من اجل الرخاء الاقتصادي في الدولة، لأننا لانجد في النجوم الزاهرة سوى لمحات عنه في حديثه عن الدولة التركية، وبعض التركيز الجزئي الذي جاءت دلالاته شديدة الوقع في الفترة التي عاصرها ابو المحاسن. فقد اورد نصا عبّر فيه عن التدمير الاجتماعي والاقتصادي الذي حاق بالقرى المصرية حين فرض السلطان برسباي ضرائب استثنائية على الفلاحين، مقارنا بين وضعها في ايامه وما كانت عليه في العهد الفاطمي مستعينا باخبار المسبحي:« فكان يؤخذ من كل قرية خمسة آلاف درهم فلوسا عن ثمن الفرس المقرر عليها، ويؤخذ من بعض النواحي عشرة آلاف عن ثمن فرسين…فنزل بسبب ذلك على فلاحي القرى بلاء الله المنزل، واحصى كتاب ديوان الجيش قرى ارض مصر العامرة…فكانت ألفين ومائة وسبعين قرية، وقد ذكر المسبحي في تاريخه: انها كانت في القرن الرابع: عشرة آلاف قرية عامرة…»[56]وعزا ذلك الى فداحة الضرائب غير المشروعة التي فرضت على الفلاحين تلبية لمصاريف الجيش عموما والجلبان خصوصا، كما الى تداعيات كثرة الفتن، وتهاون السلاطين باخمادها تقربا من الجلبان، ولحاجتهم الدائمة الى المال.

   ولا يكتمل هذا الموضوع الا بالحديث عن المصادرات لأنها طريقة تعسفية لاستخلاص الضرائب غير الشرعية من الناس، كما بالتطرق الى موضوع الغلاء. ولم يتوسّع ابو المحاسن بالامرين، بل تطرق اليهما لماما لابراز فظاعة حدث ما، ممّا يعني ان نظرته الى التاريخ تمحورت بشكل اساسي على العاملين السياسي والعسكري، واتمها احيانا بمواضيع اخرى لا ندري ان كان قد خطط للتطرق اليها، او ان الاوضاع المتردية التي عاصرها فرضتها عليه. اذ نلاحظ ان اخباره عن المصادرات والغلاء لم تكن متوازنة: فاحيانا نادرة اعطي بعض التفاصيل واحجم عنها في معظم الاحيان، او انه مرّ عليهاهامشياً. وقد اشار الى ان استقى غالبية  معلوماته الاقتصادية من المقريزي الذي اعتنى بالوضع الاقتصادي وربط انحطاطه بما آل اليه الوضعان العسكري والسياسي. ففي كلام ابن تغري بردي عن المصادرات قال: انه في عام 649/1252 تمت مصادرة اموال الاوقاف والايتام على نية القرض من دون اي تفصيل[57]. وحصلت بعض المصادرات بمبادرة من بعض امراء المائة كما فعل الامير صرغتمش عام 752/ 1352 حين صادر اموال الوزير ابن الزنبور بعد ان قبض عليه وسجنه في موضع مظلم، كما قبض على كتابه ومماليكه وصادر كل ما وجد عنده من مال وثياب وتحف، بعد ان تمّ تعذيب نسائه واولاده، واقرّ السلطان تلك الاعمال الشاذ.[58]

    ويندرج في هذا الاطار المصادرات للصالح العام ان جاز التعبير، باغتصاب حقوق الناس واموالهم تحت ستار الجهاد مثلاً؛ فقد نزل بالناس مصائب كبيرة كان بطلها الامير سنقر الزردكاش تحت عنوان بناء مراكب من اجل جهاد الفرنجة:« من قطع اشجار الناس عسفاً… وزاد ظلمه حتى جاوز الحد…واخذ المال من الناس مع الذل والهوان والصَغار…»[59]

    اما المعلومات الاخرى عن المصادرات فهي لا تعدو الذكر كما حصل في عهد السلطان اينال:« صودر ناظر الجيش واخذ منه جمَلُ من المال بعد استحقاق.»[60] لأنه لم يحاول الحصول عليها من منابعها ربما لقلة اهتمامه بالموضوع، بل اعتمد في اكثرها على مقتطفات اخذها حرفيا عن المقريزي.[61]

   واستكمالا للرؤية الاقتصادية تناول موضوع الغلاء، ولا ندري لماذا كان يحجم عن ذكر اسبابه، فقد تحدث عنه وكأنه من المعارف العامة، وهذه ثغرة مهمة في رؤيته للتاريخ. فذكر مثلاً في سنة 622/ 1226 كان غلاء بمصر فقط[62]، وحدث غلاء سنة 694/1295 من دون تحديد الاسباب، علما انه قارن بين اسعار بعض السلع عمّا كانت عليه وكيف اضححت[63]. وفي مكان آخر قال: ان السلطان برقوق رسم بنقل المماليك من الخليل الى غزّة لغلاء بالاسعار من دون تحديد السبب او ذكر سعر اي سلعة[64]. وتحدث احيانا عن الغلاء الناتج عن انتشار الطاعون[65].

    على الرغم من ان دولة المماليك اتسمت بغش النقود فلم يهتم ابو المحاسن بهذا الموضوع، وقلّما تطرّق اليه. ولا نعرف لماذا اورد بعض التفاصيل عنه في حوادث 861/1457 حيث قال: نودي بالقاهرة بالا يتعامل احد بالنقود الفضية ( الدراهم ) المضروبة بدمشق، ما انزل خسائر كبرى بالناس لكثرة ما كانوا قد تعاملوا بها، وصاروا يتندرون بالسلطان « السلطان من عكسه ابطل نفسه »[66] واستمر الامر على هذا النحو حتى السنة التالية حين اصلح السلطان امر الفلوس بعد ان خسر الناس ثلث اموالهم[67].

    ويبدو جليا ان تعاطي ابو المحاسن مع الموضوع الاقتصادي جاء متفاوتا، بل انتقائياً، مميّزاً بين مقوماته ومرجّحا بعضها على البعض الآخر، ممّا جعل رؤيته للاقتصاد المملوكي غير متوازنة ومرتبكة، ولا تتلاءم مع سعة اطلاعه ووعيه الكبير للشأنين السياسي والعسكري.

7– المجتمع في النجوم الزاهرة:

أالعامة: اذا استثنينا المقريزي قلّما نجد مؤرخا في العصور الوسطى اعطى المجتمع اهمية تذكر لأن المؤرخين استمروا يولون الخاصة شأنا كبيرا على حساب العامة. فعلى الرغم من الضجيج الكبير الذي احدثه الزعر في مجتمع دولة المماك الجراكسة، وتأسيسهم مجتمعا خاصا بهم تمتّع بكامل المقومات، فان مؤرخنا، الذي عاصر قسما من هذه المرحلة، ذكرهم بحادثة يتيمة على عهد الناصر فرج لا تجاوز الاسطر القليلة بيّن فيها استغلالهم الفتن والمعارك حتى ينهبوا ليس فقط بيوت المهزومين انما ايضا المدارس والجوامع، ويكسروا السجون ويخرجوا من فيها من المساجين[68]. ولا نستطيع من خلال النجوم الزاهرة التمييز بين العامة والزعر الا بصعوبة، لأن ممارسات الفريقين بدت متشابهة على رغم الفوارق بينهما بالعادات واسلوب الحياة، والعلاقة بالسلطة، ناهيك بالتراتب الاجتماعي الذي حل الزعر في اسفله[69]، ولا يمكننا اعتبار اهماله هذا الموضوع جهلاً به لان استاذه المقريزي تناول هرمية المجتمع المملوكي وتحدث عن الزعر.

   ان كتاباته عن العامة لا تنمّ عن تدوين تاريخ اجتماعي، انما هي استكمالا للحوادث العسكرية التي كانت تنتهي بهزيمة احد الاطراف، فيبيح المنتصر للعامة نهب بيوت المهزوم او المهزومين. وكانت تتعدى اعمالهم نهب ما سُمح به لتطال اماكن العبادة، والمنازل خصوصا الواقعة خارج القاهرة، فكانوا يفرغونها من محتوياتها ويسرقون ابوابها واخشابها ويسلبون الرجال والنساء ثيابهم [70].

   ان العامة بتركيبها الاجتماعي ووظائفها لا وجود لها في النجوم الزاهرة، فلم ترد الا في بعض الاخبار المرتبطة باركان السلطة، نسيشف منها انها كانت تؤيّد من ترى ممارساته شرعية ومنصفة: فقد قاتل العامة سنة 802/1400 نائب الغيبة بطرابلس لرفضه قبول الملطفات القادمة مع الامراء من مصر لأهل طرابلس وانتصروا عليه. وبعد فراره الى دمشق عاد بعسكر كثيف وانتصر على اهل طرابلس، وصادر اموالهم، وفعل بهم ما لا يفعله الكفرة على حد تعبير ابي المحاسن، وقتل نحوا من عشرين رجلا من اعيان المدينة، ونحو ألف من العامة، وسبى الناس والحريم[71]. واضح ان العامة لم  تتصدر الخبر في هذه الحادثة المذكورة، بل جاء الكلام عليها من ضمن الصراع بين نائب الغيبة واعيان المدينة اظهاراً لظلم الحكام وفظاعة الحدث، حتى اننا لا ندري، من خلال الحادثة، لماذا ارسلت الملطفات، وما كانت تحوي ؟

    وتناولها ابو المحاسن في موقع آخر من المنظار السابق عينه مع تبديل بالشخصيات والمواقف، اذ هاجمت العامة مع بعض المماليك السلطانية عام 853/1450 محتسب القاهرة ولاحقوه من بيت الى آخر، واينما حلّ صار البيت هدفا للنهب، حتى عروه من ثيابه وعمامته. والادهى من ذلك ان مؤرخنا لم يذكر سبب الحادثة سوى قوله :« وهم معذورون …لأنه بالامس كان في الهموت من الفقر والذل والافلاس، وصار اليوم في الاوج من الرئاسة والمال…وصار عنده شمم وتكّبر »[72] غني عن البيان ان المحتسب هو المقصود بهذه الحادثة لأنه لم يكن اهلا لهذه الوظيفة. وكان لابن تغري بردي موقفه من منزلة الموظفين، فيجب ان يكونوا كريمي المحتد، مثقفين، في حين ان المحتسب المذكور كان جاهلا نال جزاءه لأنه تولى وظيفة لم يكن اهلا لها. وبالتالي جاءت اخبار العامة من ضمن الصراع بين المحتسب والمماليك السلطانية استكمالا للمشهد الصراعي حول مشروعية تولّي منصب.

بالقضاء: ان القضاة ركيزة مهمة في المجتمع الاسلامي، ومنزلتهم رفيعة جدا، ودورهم شديد الاهمية، ومع ذلك لا يحتلون سوى حيّز هامشي جدا في النجوم الزاهرة كقول ابي المحاسن: في سنة 658/1260 عيّن الظاهر بيبرس لكل مذهب قاضيا مستقلا، فصار قضاة القضاة اربعة[73]. كما وضع ثبتا بقضاة كل مذهب من المذاهب السنية الاربعة منذ سنة 658 وحتى تاريخ اعداد النجوم الزاهرة.[74]، ويضيف ان بيبرس رتّب في دمشق اربعة قضاة قضاة ايضا[75]. ثم تغيب اخبار القضاة الى ان يذكرهم مرة يتيمة بعد ذلك حين تمّ عزل القضاة الاربعة بمصر لأنهم، على حد تعبيره، اساءوا الحكم فحلّ مكانهم نوابهم معلقاً علىالحادثة:« هذا والناس في غاية السرور بما حصل، من منع القضاة من الحكم بين الناس »[76]

جالحرائق: على رغم كثرة الحرائق التي انتشرت في العهد المملوكي، التي اشار الى العديد منها المقريزي وغيره، فان ابا المحاسن اهملها اهمالاً شبه تام؛ فلم يذكر الا الكارثي منها كحريق القاهرة عام 710/1312 حيث جهد السلطان والامراء لاطفائه، مصوّراً  بعض العادات الاجتماعية المتبعة باطفاء الحرائق والاستبسال لا بل الاستماتة في سبيله، كما باجتماع الناس في الجوامع يصلّون ويتضرعون لكي يساعدهم الله بالسيطرة عليها.[77] وتغيب الحرائق الكارثية عن القاهرة حتى 862/1458تاريخ حريق بولاق او ان مؤرخنا غيّبها، وجاءت اخبار هذا الحريق الكارثي، «الذي لم يسمع بمثله في سالف العصور» الذي اتى على غالب املاك بولاق، وعجز الامراء والحكام عن اخماده، اظهارا لفظاعته ومهاجمة للسلطة «المتخاذلة » لعجزها عن حماية مواطنيها، والتعويض عليهم:« وقد افتقر من هذا الحريق خلايق كثيرة، وعلى الله العوض.» وليضعه ايضا ضمنا على ذمة المماليك الجلبان اذ اتهمهم بافتعال كل الحرائق، التي كانت تحصل في القاهرة بعد ذلك التاريخ، ابتغاء لنهب بيوت الناس.[78]

دالاوبئة: يُرجع بعضَ اسبابها الى مستوى فيضان النيل، مغتنماً الفرصة ليتحدث عن كيفية قياس مياه الفيضان: والمقياس ليس الا عمود من الرخام مثمّن الاضلاع في موقع ينحصر فيه الماء عند انسيابه اليه، ومفصّل على اثنين وعشرين ذراعا، كل ذراع مقسّماً الى اربعة وعشرين قسما متساويا تعرف بالاصابع، ما عدا الاثني عشر اصبعا الاولى فانها مفصّلة على ثمانية وعشرين اصبعا لكل ذراع[79]. فقد مات عام 794/1392 عدد كبير من الناس « لان النيل بلغ ست عشرة ذراعا ثم هبط من ليلته فشرّقت البلاد واعقبه غلاء عظيم حتى أكل الناس الميتة.»[80] وتحدّث عن الطاعون الاسود الذي ضرب العالم سنة748/1348 فافنى عددا كبيار من الناس معظمهم فلاحون، ووصف طرق معالجته.[81] ويتكرر كلامه على الطواعين؛ فاوجز طاعون 784/1383 قائلا: « هذا والموت بالطاعون عمّال بالديار المصرية في كل يوم يموت عدة كبيرة[82].» من دون ان يضيف اي تفاصيل اخرى. وتوسع بالحديث عن الطواعين الاخرى ولا سيما وباء 833/1430 حيث نودي بالقاهرة الصيام ثلاثة ايام تقرّبا الى الله، وفصّل اضطراده، وازدياد الوفيات حتى ان بيوتا كثيرة خلت من سكانها، وتعطلت الاسواق، وازداد طلب الناس على الاكفان. ويماثله طاعون 864/ 1460 حيث كان يموت جرّاءه ستون شخصا يوميا في القاهرة[83]هالعمران: اشار الى انجازات بنائية من دون اي تفصيل: شرع السلطان بيبرس ببناء المدرسة الظاهرية[84]، وبنى برقوق مدرسته بين القصرين[85]، مسقطا الفنون البنائية تماما. وفصّل فقط بناء القاهرة وخططها[86] الذي قد يكون اخذه اما عن الاوحدي، اوعن المقريزي.

 و- موقفه من غير المسلمين: يتراءى لنا من خلال النجوم الزاهرة لن ابن تغري بردي اتخذ مواقف متشددة من المسيحيين، لأنهم برأيه اهل كفر، ويجب الا يستخدموا في الدواوين الرسمية، ولا عند الامراء. فقد اعتبر أن منزلة اي مسيحي مهما علت يجب الاّ تضاهي مستوى اي مسلم، متخذا من الانتماء الديني وحده معياراً للكفاءة. فاذا شغل مسيحي مركزا في احد الدواوين، ودائما حسب رأيه، صار شأنه ارفع من منزلة المسلمين الذين يترددون عليه من اجل اتمام معاملاتهم، وقد يرجونه ويتوددون اليه، وهذا سلوك مرفوض عنده لأنه يحقّر المسلمين ويحط من قدرهم، وقد عبّر عن ذلك بالمواقف التالية:« دعا –السلطان- البطريرك واوقف على قدميه ووبّخ وقرّع، وانكر عليه السلطان ما بالمسلمين من الذل بلاد الحبشة تحت حكم الحطّى متملكها …ثم طلب السلطان الاكرم فضائل النصراني كاتب الوزير فضربه بالمقارع، وشهّره بالقاهرة عريانا بين يدي المحتسب وهو ينادي عليه: هذا جزاء من يباشر من النصارى في ديوان السلطان…قلت ولعل الله ان يسامح الملك المؤيد بهذه الفعلة عن جميع ذنوبه، فانها من اعظم الامور في نصرة الاسلام…يكون المؤيد على هذا الحكم فتح مصر فتحا ثانيا، واعلى كلمة الاسلام، واخذل كلمة الكفر، ولا شيئ عند الله افضل من ذلك.»[87]

   وتتكرر مواقف ابن تغري بردي المعادية للمسيحيين ليس فقط بسبب استخدامهم في الدواوين الرسمية كما في قوله في حوادث 868/1464:« نودي بشوارع القاهرة ان احدا من الاعيان لا يستخدم ذميا في ديوانه…قلت ما احسن هذا لو دام واستمر، فمنعت هذه المناداة اهل الذمة قاطبة من التصرف والمباشرة بقلم الديونة بوجه من الوجوه باعمال مصر، وكتب بذلك الى سائر الاقطار.»[88] انما ايضا لكي يعاملوا بطريقة تميّزهم من المسلمين حطّاً من قدرهم، ويزداد كلامه وضوحا بما اورده في حوادث 868 قائلا:« ثم عقد السلطان بالصالحية عقد مجلسٍ بالقضاة الاربعة…قرئت العقود المكتتبة قديما على اهل الذمة فوجدوا في بعضها ان احدا…لا يلف على رأسه اكثر من عشرة اذرع، وان نساءهم يتميّزن من نساء المسلمين بالازرق والاصفر على رؤوسهنّ في مشيهن في الاسواق، وكذلك بشيئ في الحمامات فحكم القاضي…بإلزام اهل الذمة بذلك جميعه، ما عدا الصرف والطب بشروطه، وصمم السلطان على هذا الامر، وفرح المسلمون قاطبة، فأسلم بسبب ذلك جماعة من اهل الذمة من المباشرين، ودام ذلك نحو سنة، وعاد كل شيئ على حاله الاول، وبلغ السلطان ذلك فلم يتكلم بكلمة واحدة. لا حول ولا قوة الا بالله العظيم، واين هذا من همّة السلطان المظفّر بيبرس الجاشنكير لمّا قام ببطلان عيد شبرا، ولبس النصارى الازرق، واليهود الاصفر، لله درّه ما كان اعلى همّته، واعزّ دينه…»[89]

   يتكرر مدحه واشادته بالسلطان بيبرس الجاشنكير كلما تحدث عن اهل الذمة لانه تأثر بآراء الوزير المغربي وطبّفها: فمنع المسيحيين من العمل في دواوين الدولة وعند الامراء، وامرهم بتغيير لباسهم، وابدى رأيه بهذا الامر قائلاً:« رفع الاسلام بهذه الفعلة وخفض اهل الملتين بعد ان وعد باموال جمّة فلم يفعل.»[90]

    قد يكون الصراع بين الاديان احد سمات العصور الوسطى، التي عرفت، ربما بسببه اضافة الى عوامل اخرى، بعصور الظلام، وعصور الايمان. واكتسب الامر حدة زائدة نتيجة الحملات الصليبية، وحروب العثمانيين في اوروبا. ومع ذلك فلم يكتسب موقف السلاطين المماليك من مسيحيي الشرق الحدة عينها التي صوّرها ابن تغري بردي، فكان من حين الى آخر يُعاد العمل بالشروط العمرية لفترة ثم تعود الحياة الى مجرها العام. ويبدو انه كان شديد التعصب حتى بالنسبة الى مسيحيي مصر، مأخوذا بحمية دينية غير مبرّرة بلغت به حد تكفيرهم، ورفض قبولهم في المجتمع، على عكس المقريزي الذي صوّر الحالات التي كان يتم فيها التعدي عليهم ويحمّل المسؤولية للحكام وبعض الموتورين[91]. وتتبدى مواقفه المتطرفة جلية عندما صوّر غزوة المماليك لقبرص صراعاً بين المسيحية والاسلام كديانتين، وليس صراعا بين القبارصة والمنظمات المسيحية فيها، والمماليك على المصالح الاقتصادية في المتوسط، مكفّراً بكلامه المسيحيين قاطبة، ومحقراً معتقداتهم، اذ بعد ان كسر المماليك الصليب في قبرص، الذي كان يعتقد القبارصة انهم اذا اقسموا به كذبا عوقبوا مباشرة، زعم بلسان احد المماليك:« انتم اطعتم الشيطان فصار يغويكم ويستخف بعقولكم، ونحن هدانا الله الاسلام وانزل علينا القرآن فلا سبيل له علينا.»[92] وموقه هذا لا ينبع من رأيه الشخصي فقط وان كان متميّزاً به، بل يصوّر سمات من عصره كمنع السلطان برسباي التعامل بالنقود الافرنتية لأن عليها علامة كفرهم_الصليب_ فجمع الدنانير الافرنتية كلها واعاد ضربها دنانير اشرفية[93].

     وعليه،لم يقصد ابن تغري بردي التطرّق الى المجتمع من اجل دراسته بحد ذاته، ممّا جعل نظرته الى التاريخ الاجتماعي تتأرجح بين التفصيل والايجاز، فطرق بعض المواضيع بابعادها الاجتماعية الصرفة، وأطلّ على بعضها الآخر استكمالا لرؤاه الاخرى، وتوضيحاً لأحداث تتعلق بالسلطة السياسية والاوضاع العسكرية تبيّانا لعجز سلاطين دولة المماليك خصوصا الجراكسة منهم عن ضبط الاوضاع العامة خوفا من ثورات المماليك الجلبان، وليأتي كلامه، في هذا الصدد، دروسا مستقبلية. ومع ذلك فقد افادنا اجتماعياً بمعلومات قد لا نجدها بمصدر آخر.

 II- طريقة المعالجة: لم يتبع مؤرخنا خطة واحدة في تأريخيه من حيث المصادر وانماط التأريخ كما سيتضح فيا يلي.

1 – المصادر : ان مصادره شديدة الوضوح خصوصا في المراحل التاريخية السابقة على عصره، فقد كان يذكر اسم المؤرخ او المؤلف مع اسم كتابه حينا، او اسم الكتاب المستخدم فقط حينا آخر باعتبار ان صاحبه غني عن التعريف، او اسم المؤرخ من دون كتابه لأنه بدوره مشهور، ونادرا ما اورد خبرا من دون ان يسنده الى مصدر. وسنقتصر على ذكر بعض النماذج من مصادره والا طال الامر كثيرا: 

أذكر المؤلف وكتابه: قال المظفّر بن قزا أوغلي في « مرآة الزمان»[94]، او ابن الاثير في « الكامل»[95]، او القاضي محي الدين بن عبد الظاهر في كتابه« الروضة البهية الزاهرة في الخطط المعزية القاهرة»[96]، قال ابن ابي المنصور في تاريخه من دون ذكر اسم الكتاب[97]، قال الحافظ الذهبي في تاريخ الاسلام[98]

بذكر اسم المؤرخ فقط: قال العبيد بن سلام[99]، او الكواكبي[100]،او القضاعي[101]، قال ابن خلّكان[102]، او المسبحي[103]، ابو يعلى القلانسي[104]، ابن الاثير[105]، ابن واصل[106]، ابو شامة[107]، ابن شداد[108]، الصفدي[109]، المقريزي[110]، العيني[111]. والجدير ذكره ان معظم الوفيات التي ذكرها أخذها عن الذهبي.

جالاعتماد على مقاطع بحذافيرها: كان يستل مقاطع، او خبرا تاما بحذافيره من احد المؤرخين تأكيدا لرأيه، او تبيانا لفداحة الخبر، كما في اخبار الامير يلبغا الناصري حيث استل مقطعا من العيني، وبعد ان انتهى الخبر قال:«انتهى كلام البدر العيني»[112]، ويتكرر الامر عينه كثيرا بشهادات أخذها عن المقريزي[113].

دالمصادر الشفوية: وتعود بمعظمها لحوادث عاصرها واستقاها من الذين شاركوا بالاحداث او ارتبطوا بها مباشرة بطرق متنوّعة كالامراء والاجناد المماليك، وقد ساعده في ذلك اتقانه التركية التي كانت لغة مجتمع المماليك، ورتبته العسكرية، ومنزلته العلمية.  

 فقد استخدم كلمة حدثني دلالة على المصادر الشفوية كما في:« حدثني الامير ازيغا اليونسي»[114]، او القاضي كمال الدين بن البارزي[115]، او بعض اعيان المؤيد شيخ[116]، «او بعض مماليك الوالد ممن باشر الوقعة- غزوة قبرص- من اولها الى آخرها، وجماعة كبيرة من الاصحاب والثقاة»[117]جاءت مصادره شديدة الوضوح، غنية جدا، وكثيرة التنوع.

2- مفهوم الخبرفي النجوم الزاهرة:

أ- في الفترة السابقة على عصره: لم يتبع الخبر عنده خطة سير واحدة، بل تقلّب مفهومه بين عصر وآخر، فبدا في الفترة السابقة على عصره  تقليديا متقطعا وتاما لذاته؛ كما في التأريخ لمصر منذ سقوط الدولة الطولونية وحتى قيام الدولة الاخشيدية. فهي اخبار متقطعة يدور معظمها حول العراق لأن مؤرخنا، على ما ازعم، اعوزته المعلومات الكافية عن مصر، او أنه اعتبر العراق، في ذلك العصر، مركز القرار السياسي ومصر مجرّد ولاية تابعة لسلطة الخليفة، فلم يخصّها بتاريخ مميّز .

   وقد أرخ لهذه المرحلة تبعا لعهود الولاة بدءا بمحمد بن سليمان الكاتب وانتهاء بولاية محمد بن كيْلغ الثانية[118]، متخذاً من الوالي شخصية محورية ارتبطت بها كل الاحداث، مؤسسا لمنهجه العام الذي سينفرد به في النجوم الزاهرة، بحيث سيغدو حاكم مصر المستقل بدءا باحمد بن طولون مرورا بالخلفاء الفاطميين وصولا الى السلاطين الايوبيين والمماليك مركز الاحداث، لا بل محورها الرئيسي. وما التأريخ الحولي الذي اعقب هذه التراجم الا استكمالا جزئيا جدا لبعض الحوادث، ومكانا مناسبا لذكر وفيات الشخصيات البارزة.

   و سيتطور منهجه نحو الافضل كلما اقترب من عصره وتوفّرت المعلومات الكافية عن سِيَر الشخصيات الرئيسة، ممّا حوّل الخبر الى شبه تام باحداثه ومدلولاته النتائجية والسببية، حتى بات يشبه نظيره عند ابن الاثير، لأنه تعدّى التاريخ الحولي والحدث الواحد الى اخبار متعددة يكمل بعضها البعض الآخر بطريقة قد نقول عنها تعاقبية. فبعض الاخبار شكل سببا لما سيليه ونتيجة لما سبقه، وهذه طريقة فذّة تنم عن استيعاب تام للأحداث. ومن نماذجه: صراع الاخشيد مع ابن رائق، فالصلح بينهما، وادى مقتل ابن رائق الى هجوم الاخشيد على  بلاد الشام، ممّا ادخله بصراع مع سيف الدولة…[119] ونجد نموذجا واضحا جدا على هذا النسق التأريخي في ترجمة الخليفة الفاطمي المستنصر لأنها عبارة عن مجموعة احداث كل واحد تام بذاته، ومرتبط بالخليفة بطريقة ما، والحدث الاول يمهد لما سيليه، وكأن حدوثه شكّل نهاية لمرحلة قائمة، ونهايته تأسيسا لأخرى جديدة، وهكذا دواليك من دون غياب الشخصية المحورية عن الاحداث كلها، وان طغت عليها احيانا  وضمن فترة محدودة شخصيات ثانوية لعبت دورا مركزيا، بل محوريا كما في علاقة ابن حمدان بالمستنصر اذ صار محور الاحداث كلها الى ان قتله إلدكز. هذا النمط جعل الاخبار شديدة التماسك والوضوح: فقد اتخذ من ضعف المستنصر، ومن الصراعات بين فرق الجيش، ودور ابن حمدان، وإلدكز، وانقطاع الفيضان، اسبابا كافية للأزمة الاقتصادية التي عاشتها مصر. ويماثله دورا بدر الجمالي وابنه امير الجيوش المحوريين وارتباط الخليفة المستنصر بهما. ولا يقطع سياق هذه الاخبار المضطردة سوى ذكر اكثر من رواية للخبر الواحد احيانا، لأن هاجس الحقيقة كان ملازما لابن تغري بردي. ويخلص من هذا المنهج بطريقة غير مباشرة الى تحديد موقفه من الشخصيات معللاً ضعفها او قوتها؛ فهو، على سبيل المثال، يعتبر المستنصر خليفة ضعيفا غير جدير بالحكم[120]، وفي الوقت عينه اطلق عبره في ردّه على إلدكز حكمة سياسية، مبرهنا ان في التاريخ عبرا:« امّا ابن حمدان فما كان عدوّي، وانما كانت الشحنة بينك وبينه يا إلدكز، فهلكت الدنيا بينكما، واني ما اخترت ما فعلت من قتله، ولا رضيته، وستعلم غبّ الغدر، ونقض العهد.»[121]

    وعليه، تصبح الترجمة منهجا شديد التماسك تتقاطع فيه الاحداث احيانا سببيا، انما موقفه المؤيد لبعض الشخصيات كصلاح الدين الايوبي جعله ينهج خطة مغايرة في بعض وجوهها ابرازا للشخصية المذكورة والاشادة بها، حتى انه لا يبدي فيها رأيا شخصيا واضحا بل ضمنيا باحالة القارئ على اقوال مؤرخين آخرين كقوله:« ومن هنا نذكر اقوال المؤرخين في احوال صلاح الدين هذا وغزواته واموره، كل مؤرخ على حدته.»[122]

   ان تعدد الروايات احيانا للخبر الواحد يلفت الانتباه في منهج ابي المحاسن، واذا كنا نجد له عذرا فيما اورده عن صلاح الدين من آراء للاشادة به، وكذا الامر بالنسبة للسطان الظاهر بيبرس[123]، فاننا لا نبرر ادراجه عددا من الروايات هو مقتنع بانها مختلفة في ما بينها في بعض وجوهها من دون ان يجهد نفسه ليدمجها برواية متكاملة خالية من الشوائب، ممّا يذكرنا بمنهج الطبري وغيره من مؤرخي القرن الثالث وما قبل. انظر مثلاً موقف صلاح الدين من الفرنجة عام 567/ 1172:« وهذه الواقعة التي ذكرناها في اول هذه الترجمة، غير اننا نذكرها ايضا من قول ابن خلّكان لزيادات تأتي فيها[124].» وتكرر هذا الموقف اكثر من مرة: « قال ابن القادسي خلاف ما نقل ابو المظفّر وابن خلّكان وغيرهما قال:» ويورد الرواية من دون اي تعليق[125]، ومرة جديدة بتأريخه للعادل اخي صلاح الدين بشهادات حرفية لمؤرخين مشهود لهم كالذهبي، وابن خلّكان والموفق عبد اللطيف المعروف بان اللباد، فسبط ابن الجوزي[126].كما نجد المنهج عينه في ترجمة السلطان الكامل بن العادل[127].

ب- الخبر في العصر المملوكي: في العهد المملوكي تغيّر هذا النمط فصار ابو المحاسن يتابع الحدث منذ بداياته وحتى نهايته من دون تقطيع اوصاله باخبارٍ اعتراضية او رواياتٍ مكررة، بل صار يرويه بكلّيته ليكون تاماً لذاته من جهة، وسببا او نتيجة لخبر آخر من جهة ثانية. ممّا يجعلنا نعتقد ان المعلومات باتت متوفرة، وبالتالي الرؤية العامة الى الاحداث، على الاقل افقياً، باتت بدورها حاضرة في ذهنه. وصارت الاحداث طيعة بيده يوظفها بالاتجاه الذي يخدم رؤيته الى التاريخ وتطور الاحداث، شأن الصراع بين البحرية، الذين فروا من مصر على اثر مقتل زعيمهم اقطاي، مع السلطان علي بن ايبك وانهزامهم في مصر، وقتالهم للناصر يوسف الايوبي. وينبّه ابن تغري بردي القارئ الى انه سيقطع هذا الخبر ليتحدث عن اخذ التتار لبغداد لأهمية هذا الحدث قائلا:« نذكر اخذ هولاكو لبغداد ثم نعود الى امر المصريين.»[128] وتفسيرنا لهذا القطع للاحداث ان سقوط بغداد حدث جلل وغير مألوف من جهة، ومراعاة من ابي المحاسن لتعاقب الاحداث من جهة ثانية، لا بل تداخلها في الزمن الواحد عينه.

ويعتبر استيلاء التتار على بغداد نموذجا واضحا عن رؤيته لتكامل الخبر: فقد رسم صورة الوضع في العراق ودور الوزير ابن العلقمي « الرفضي » على حد تعبيره، فقد سهّل دخول التتار بسيطرته على الخليفة، وحجب المراسلات عنه، ومكاتبته التتار وحثّهم لأخذ العراق ليكون نائبهم فيه. ويكمل المشهد بتصويره الخليفة جاهلا وغافلا عماّ يجري. ثم انتقل الى مرحلة الغزو؛ حصار بغداد، فمحاولة الصلح التي قادها ابن العلقمي، وهي برأيه خيانة سهّلت دخول الغزاة الى بغداد والى مقتل اشرافها. وانهي الخبر بسقوط عاصمة الخلافة محصيا عدد القتلى، ومؤرخا مصير ابن العلقمي ليكتمل معه المشهد كله[129]. ثم عاد الى امر البحرية، وكأننا امام حدثين متقابلين ومتداخلين في الزمن الواحد كل واحد تام بذاته من جهة، واحدهما يؤثّر على الاخر، الامر الذي دفعه الى قطع سياق الاول عند نقطة مفصلية ليروي تفاصيل الثاني جاعلا منه نتيجة لتطور الحدث الاول ايجابا بالاتحاد بين الخصوم من المماليك لمواجهة المغول. 

   وهناك ناحية مهمة جدا في منهج ابي المحاسن تتمثّل بترتيبه الحوادث او تدرّجه فيها تبعا لمواضيعها وتواليها الزمني كما في ترجمة الظاهر بيبرس: فقد استهلها بشرائه، ثم انتقل الى تدرّجه بالمناصب، فكفاحه للوصول الى السلطة، ثم الجهد الذي بذله لتركيز الدولة، فحروبه الخارجية التي اسماها « فتوحاته »، واخيراً مرضه ووفاته[130]. وهو ترتيب قلّ نظيره عند معاصريه وسابقيه، ينمّ عن وعي تام للأحداث، ورؤية متكاملة للأخبار، لأن هذا المنهج تكرر في ترجمات معظم السلاطين ولاسيما من حظي منهم باحترامه وتقديره.

  وتبدّل منهجه تبدّلاً شبه جذري اعتبارا من اعتلاء الظاهر خشقدم العرش عام 866/1462 بالانتقال من التراجم الى التأريخ الحولي، ونلاحظ فيه ارباكاً؛ بحيث ما ان كان ينتهي من تأريخ الحوادث حوليا حتى يعود الى تكرار السنوات عينها وفقا لتواليها في عهد خشقدم تماشياً مع منهجه الاساسي؛ مستهلاً عهده بترجمة قصيرة تناولت اصله، وكيفية دخوله الى القاهرة، والمناصب التي شغلها، والمناقلات الادارية التي احدثها في بداية عهده، لينتقل بعد ذلك الى اخبار عهده على توالي السنوات بادئا حديثه:« ثم استهلت سنة ست وستين وثمانمائة» ذكر فيها الحوادث التي جرت فيها من دون ان يختمها بالوفيات[131]، واكمل تأريخ السنوات الاخرى بالطريقة عينها[132]. ثم عاد الى تأريخ عهد خشقدم مرة ثانية تبعا لتوالي سني حكمه كقوله:« السنة الاولى من سلطنة الظاهر خشقدم»[133]، منهيا اخبار كل سنة بابرز وفياتها[134]. ولست ادري ما الذي دفعه للوقوع في مثل هذا العيب المنهجي، ولماذا لم يظلّ وفيّاً لمنهجهه الاساسي ؟!!

    تمحّور تأريخ ابن تغري بردي على منهج التراجم المقتصرة مركزيا على السلاطين وحدهم، وبعد الانتهاء من ترجمة السلطان كان ينتقل الى التأريخ الشبه حولي مرتّباً سني حكمه الواحدة تلو الاخرى قائلا:« السنة الاولى من عهد فلان» ويقرنها بالتاريخ الهجري المناسب، متحدثا فيها بايجاز كلي عن بعض الاخبار التي لا تتعدى امورا ادارية كاستقرار فلان بالمركز كذا، او عزل علاّن من منصب كذا، او من اُنعم عليهم بامرة، او من عوقبوا ونوع العقوبة، وقد يوجز حادثة ما وكأنها مقدمة لخبر سيتناوله في مكانه المناسب كقوله:« على ما سنحكيه ان شاء الله في مقتل فلان او سجنه…» او كما في كلامه على وثوب الامراء على الامير اينبك البدري المستبد بامور السلطنة في عهد علي بن شعبان[135]، او في اخبار يلبغا الناصري:« ثم خرج يلبغا الناصري بعد مدة الى نيابة طرابلس ؛ ويلبغا الناصري هو صاحب الوقعة مع برقوق الآتي ذكرها في سلطنته.»[136] محاولا شد الاخبار بعضها الى البعض الآخر، محافظا على مركزية الشخصية الاساسية (السلطان) من خلال اخبار الشخصيات التي قد تبزّها احيانا، لكي يجعل القارئ على بيّنة من الاحداث. وقد يعرّف من خلال الشخصية المركزية او بعض الشخصيات المهمة المتممة لها، بشخصيات اخرى لم تقم بدور مهم:« وبيدمر هذا ايضا ممن ولي نيابة طرابلس في ايام يلبغا العمري.»[137]. وكان يورد الوفيات بشكل متوالٍ، مترجما للمهين بينهم.

  كان يستهل عهد السلطان الجديد بترجمة له موجزة جدا ذاكرا فيها اصحاب الوظائف الدينية الاساسية كالخليفة وقضاة القضاة، واصحاب الوظائف العسكرية على اختلاف رتبهم خصوصا نوابه في مصر وفي بلاد الشام، ثم شاغلي الوظائف الديوانية،[138] « ليأتي ذلك مقدمة لما سيحدث من تغيير في الوظائف وتقلبات الدول»[139]، ويشير الى المناقلات التي احدثها[140]. وعند موت احد السلاطين كان يذكر اجمالا من خلّف من الاولاد ذكورا واناثا، ومآل حال كل منهم، والبنات من تزوجّن، وتاريخ موت كل واحدة وسببه[141].

   ونجد عنده اخبارا متقطعة لا لحمة بينها، بل مستقلة تمام الاستقلال بذاتها على توالي الايام او الاسابيع احيانا، واحيانا اخرى على توالي الشهور، تبعا لمقتضى الظروف. وهي الى ذلك، اخبار منتقاة لا يجمع بينها اي قاسم مشترك على رغم ورودها متعاقبة كما في اخبار اعتلاء برقوق العرش للمرّة الثانية[142]. وتتقطّع عنده ايضا اواصر الخبر الواحد رغم استمرار احداثه فترة طويلة، من دون ان ندري لماذا لم يتابعه، كما عوّدنا، من بداياته حتى نهايته وان قطعه حينا بحدث جلل، بل نجد الخبر عينه قد مزقته اخبار عديدة لا لحمة بينها، وغير مرتبطة بالحدث الرئيسي باية صلة حينا، وحينا آخر ترتبط به هامشياً، كما في اخبار خروج منطاش ونعير بن حيّار في عهد برقوق[143]. وقد يستطرد قاطعا الخبر الرئيسي باخبار قد لا ترتبط به الا هامشياً كما في كلامه على اتهام ابن عرام بقتل الامير بركة الجوباتي منافس برقوق على السلطنة. وادرك انه اطال الكلام وقطع السياق العام للخبر الاساسي، فاعتذر عن هذا العيب قائلا:« وقد خرجنا عن المقصود واطلنا الكلام في قصة بركة وابن عرام على سبيل الاستطراد ولنرجع لما كنا فيه.»[144]

   لن نمعن بالاستطرادات العديدة في النجوم الزاهرة، انما سنكتفي فقط بنموذج آخر عنها وهو تبريره بل تأكيده بان السلطان قلاوون هو من استحدث وظيفة كتابة السر، فبعد ان سرد ادلته قال:« وقد استطردنا من ترجمة الملك المنصور الى غيرها، ولكن لا بأس بالتطويل في تحصيل الفوائد.»[145] ونجد اخبارا اخرى مقتضبة وكأنها خرجت من فراغ لأنه لم يذكر اسبابها ولا تطوّرها ولا نتائجها، مكتفيا بالقول:« وقع الخلف…بين المماليك الخاصكية وبين الامراء لامور يطول شرحها»[146] ويبقى السؤال لماذا تجاهل هذه الاحداث: اهو لنقص في المعلومات، او عدم اهتمام بها، لأنه درج على التعقيب على مثل هذه الامور قائلا:« سنأتي على ذكرها في حينه»، فاذا كان الامر كذلك، فهذا يعني انه فاضل بين الحوادث، وهو عيب تأريخي لا مبرر له.

  اتسم منهج ابي المحاسن بوصف المعارك بطريقة تنبض بالحياة تشعرك انك تشاهدها او  ان مؤرخنا شارك فيها، وتكمن اهمية هذا الوصف في متابعة الحدث من بداياته حتى نهاياته بما في ذلك نتائجه وتداعياته[147]. ولعل ما ذكره في حوادث سنة 802/1400 عن الصراع بين الاتابك ايتمش البجاسي والامير يشبك يشكل نموذجا واضحا عن وصف المعارك، بدأه باسباب الصراع، ثم تابع وقائع القتال بكل دقائقه: محدّداً انواع الفرق العسكرية عند كل منهما، وتحوّل المجريات العسكرية على الارض من هذا الجانب لصالح الفريق الاخر او العكس، واخطاء الاتابك، واستغلال الزعر للقتال لتحقيق مكاسب مادية مباشرة، ليخلص الى تداعياته على مصر وبلاد الشام على المستويات كلها[148]. ويمثّل وَصْف معركة حلب بين تيمور والحلبيين احد ابرز نماذج هذا التأريخ؛ فبعد ان ذكر خطة المعركة ( وهي سيئة جدا بنظره) انتقل الى تصوير القتال الجماعي والفردي، مسميا الابطال باسمائهم « وظهر من ازدمر وولده يشبك من الشجاعة والاقدام ما لعله يذكر الى يوم القيامة»، فموت العامة من نساء وصبيان تزاحما على ابواب المدينة نتجة لسوء الخطة العسكرية، ثم يستفيض بوصف اقتحام جحافل تيمور للمدينة، مبرزا تفاصيل دقيقة جدا تصوّر ما ارتكبه التتار من فظائع حددت مصير الحلبيين، والامراء والجنود المعتصمين بقلعة المدينة [149].

3- تعليل الحوادث : جهد الاّ يكون قاصّا بل مؤرخا موضوعيا يعلّل الحوادث. فبذل جهودا كبيرة للتثبت من صحة اخباره قبل القطع بصدقها وتدوينها. وتبدو موضوعيّته بانه لم يحاول تبرير بعض الاحداث التي اعتبر انها لا تتوافق مع اقتناعاته بعد ان اقتنع بصحة التدابير التي اتخذت بشأنها، او باظهار الاخطاء التي ارتكبت في بعضها الآخر معتمدا على التعليل منهجاً. كما في تفنيّده اسباب القبض على اتابك العسكر سنجر الحلبي:« وكان القبض عليه لأمور: احدها انه كان يطمع بالسلطنة بعد مقتل المعز ايبك …والثاني انه بلغهم انه ندم على ترك الملك…»[150] وسرد ابو المحاسن عددا من الادلة تثبت ان السلطان قلاوون هو الذي استحدث وظيفة كاتب السر قائلاً:« على ما نبيّنه من اقوال كثيرة.»[151] وعدد اسباب قبض السلطان الناصر محمد بن قلاوون على تنكز نائب الشام[152]. وعلل اسباب تهيؤ الحلبيين لقتال تيمور، وموقفه من سؤ تصرف اولي الامر في القاهرة[153]. كما اسباب انهيار حكم الناصر فرج بعد اعلان الخليفة المستعين سلطاناً[154]، وكذلك عدم تصديق مسيحيي مصر سقوط قبرس بيد المماليك.[155]

اكسب هذا المنهج اخباره صدقية واضحة، لأنه استقرائي في بعض وجوهه، واسبغ عليه صفة التأريخ ورفعه الى مصاف المؤرخين الكبار. وزاده قيمة علمية انتقاد ابن تغري بردي لحوادث ذكرها مؤرخون كبار كالمقريزي وابن حجر العسقلاني والبدر العيني وغيرهم، وهو نقد بناه، كما يزعم، على حقائق موضوعية بما ساق من ادلة اعتبرها دامغة، وان لم تكن جميعها كذلك. فقد غالط سبط ابن الجوزي قائلاً:” وهَمَ صاحب مرآة الزمان في قوله … والصواب ما قاله الذهبي، فانه وافق في ذلك جمهور المؤرخين.”[156] وخالف رأي العيني حول عمر السلطان محمد بن حاجي :” والاصح ما قلناه”[157]. ولم يقر ما ذهب اليه المقريزي حول رمي ألف مركب موسوقة بالحجارة لردم جانب من مسجد التوبة الذي جرفته المياه:” قاله الشيخ تقي الدين المقريزي رحمه الله وهو حجة فيما ينقله. لكن اقول لعله وَهَمَ في هذا واراد ان يقول: وسَقْ ألف مركب بالحجارة فسبق قلمه بما ذكرناه.”[158] وناقش رأي المقريزي حول الاسم الاصلي لبرقوق لأنه اسماه الطنبغا، وابن خطيب الناصرية الذي اسماه سودون:« والقولان ليسا بشيء وان كان النقلة لهذا الخبر ثقات في انفسهم ضعفاء في الاتراك واسمائهم وما يتعلق بهم لا يرجع الى قولهم فيها، والاصح انه من يوم ولد اسمه برقوق كما سنبيّنه…» ثم ساق الادلة[159]. وناقش رأي المقريزي في الظاهر برقوق:« واشتهر في ايامه ثلاثة اشياء قبيحة: اتيان الذكران واشتهاره بتقريب المماليك الحسان، التظاهر بالبرطيل …وكساد الاسواق لشحّه وقلة عطائه، فمساوئه اضعاف حسناته». طبعا لم يقبل ابو المحاسن هذا التقريظ في حق سلطان مملوكي من قبل مؤرخ كبير كالمقريزي فرد عليه، وان كنا نجد في رده ضعفا وادلة غير وافية[160]. ولم يعجبه ايضا وصف المقريزي لأخلاق السلطان المؤيد شيخ ربما بسبب عصبيته للماليك اذ قال فيه المقريزي:« كان بخيلاً مسّيكاً شحيحاً يشح حتى بالأكل، لجوجا غضوبا نكدا، حسودا معيانا، يتظاهر بانواع المسكرات، فحّاشا سباباً، شديد المهابة…وهو من أكبر خراب مصر والشام لكثرة ما كان يثيره من الشرور والفتن ايام نيابته بطرابلس ودمشق. ثم ما افسده ايام ملكه من كثرة المظالم ونهب البلاد وتسليط اتباعه على الناس يسومونهم الذلة، ويأخذون ما يقدرون عليه بغير وازع من عقل ولا ناه من دين.»[161] فرد عليه ابن تغري بردي بالاعتماد على آراء مؤرخين آخرين لا يوافقون المقريزي :« وكان يمكنني الرد في جميع ما قاله بحق، غير انني لست مندوبا الى ذلك…والذي اعرفه انا من حاله انه كان سلطانا جليلا شجاعا مقداما عاقلا نقّادا…» ويسرد ما اخبره عنه بعض الامراء والاعيان والقضاة[162]، لكن قرائن مؤرخنا لم تتمكن من دحض ما اورده المقريزي.

    ويبدو انه تعمّد انتقاد المقريزي المؤرخ المشهور جدا، والذي يحتل منزلة رفيعة عند معاصريه وعند من اتى بعده، حتى وصل به الامر الى نعته« بالخباط » اي كلام من لا يعقل، وهذا اجحاف كبير بحق المقريزي، وان دلّ على شيء فعلى الحسد، وربما الكره، لأنه استغل كلام شيخ المؤرخين عن السلطان ططر ليسوق هذا الكلام[163]، اذ تعصّب لططر قائلاً:« لعل الصواب في حق الملك الظاهر ططر بخلاف ما قاله المقريزي…كان ططر ملكا عظيما جليلا عالي الهمّة…فكان حاله مع من يخالفه كالطبيب الحاذق الذي يلاطف عدة مرضى قد اختلف داؤهم…»[164] وهو كما نلاحظ كلام شاعري تنقصه الحقائق والبينات. ولم يسلم ابن حجر العسقلاني بدوره من نقد مؤرخنا فنعته بجاهل اللغة التركية لأنه اخطأ تفسير معنى برسباي[165].

   من الواضح ان الهنات التي شابت بعض منهح ابي المحاسن لا تبخسه حقه ابدا، فقد كان واسع المعرفة، متفقهاً بعلوم من سبقه، وقريبا من القرار السياسي في عصره، ومطلعا على اخبار ما كان بمقدور غيره الوصول اليها بيسر ربما بسبب اصله الجركسي ووظيفته العسكرية. ويُعتبر النجوم الزاهرة من ابرز المصادر السياسية والعسكرية للعصر المملوكي واكثرها افادة.   

 


[1] – ابن تغري بردي، (يوسف)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، دون تاريخ،14/118

[2] –  POPPER,W. EI2, Abu Almahasin, t1,p142

[3] – ابن الصيرفي ( علي بن داوود)، إنباء الهصر بابناء العصر، تحقيق حسن حبشي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1970،ص 178-179

[4] Popper W, ABU AL-MAHASIN, EI2, t1, p. 142

[5]  – ابن الصيرفي، انباء، ص178-181 ، و السخاوي، ، ( محمد بن عبد الرحمن)، الضؤ اللامع لاهل القرن التاسع، دار الجيل، بيروت، 1992،  10/306

[6] –  نجوم، 14/237 و 15/123

[7] – انظر ما كتبه تلميذه المعروف بالمرجي في مقدمة النجوم الزاهرة 1/14-15، وايضا نجوم، 3/25، 222

[8]  – لمزيد من الاطلاع على الذين تثقف عليهم انظر: السخاوي، الضوء، 10/305

 ابن العماد الحنبلي( ابو الفلاح عبد الحي)، شذرات الذهب في اخبار من ذهب، دار الكتب العلمية بيروت، د.ت. 7/318، وانظر ايضا ما كتبه المرجي في مقدمة النجوم الزاهرة، 1/14-16

[9]–  نجوم، 15/491

[10]   السخاوي، الضوء، ج10، ص 305

– السخاوي (شمس الدين محمد)، وجيز الكلام في الذيل على دول الاسلام، تحقيق بشار معروف وعصام الحرستاني، واحمد الخطيمي، مؤسسة الرسالة بيروت، 4 اجزاء، ج2، ص817

[11]  – ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب في اخبار من ذهب، ج7، ص 317-318

[12]  – ابن تغري بردي، (جمال االدين يوسف)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، دون تاريخ، ج1، ص16

[13] –  العنان، مؤرخو مصر الاسلامية، ص118

[14]   – السخاوي، ضؤ، 10/308

– ابن اياس، (محمد بن احمد)، بدائع الزهور في وقائع الدهور، تحقيق محمد مصطفى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1984، ج3 ، ص45

[15]  – EI2, Popper , Ibn Taghri bardi , t1, p142

[16]  – انباء الهصر، ص 178

[17]  – مقدمة النجوم، المرجي، ص17 ، انباء الهصر، ص178

[18]  – ذكره المؤلف في النجوم، 6/195 و 9/260 ، المرجي، ص1/17 والضؤ اللامع، 10/307

[19] – Popper, op. cit142

[20]   – انباء الهصر، ص177-178

[21]  – نجوم، 5/222  و Popper, op. cit.p 142

[22] – نجوم، ج1، ص1-3

[23] – نجوم، 1/33

[24]  – نجوم، 1/46 – 50

[25]  – نجوم، 1/61- 95

[26]  – 3/1 – 21

[27]  – 3/49 – 65

[28]  – 3/139

[29]  –  انظر مثلا سنة 375 في 4/147، و377 في 4/150 و 388، في 4/199….

[30]  – نجوم، 5/174

[31] – العنان، مؤرخو مصر، ص122

[32]   – نجوم، 5/343

[33]  – نجوم، 6/8-13

[34]   – نفسه، 7/328

[35]   – نجوم 11/291

[36]  – المكان عينه

[37]  – نجوم، 12/107-108

[38]   – نجوم، 14/39

[39]  – نجوم، 14/256

[40]  – نجوم، 16/340-341

[41]  – نجوم، 14/42

[42]  – نجوم، 10/119، 123-124

[43]  – نجوم، 10/140

[44]  – نجوم، 16/370

[45]  – نجوم، 7/327-328

[46]  – نفسه، 7/328-329

[47]  – 15/50-51، 410-413

[48]  – نجوم، 16/102

[49]  – نفسه، 16/114، 130

[50]  – نجوم، 16/123، 143،

[51]  – نجوم، 15/53-54

[52]  – انظر منهج المقريزي في هذا الكتاب

[53]  – نجوم، 9/49

[54]  -لم يعرّف ابو المحاسن بهذه الضرائب نجوم، 11/263

[55]  – نجوم، 12/247-248

[56]  – نجوم، 15/41

[57]  – نجوم، 7/23

[58]  – نفسه، 10/278-282

[59]  – نجوم، 16/149

[60]  – نجوم، 16/129

[61]  – نفسه ، 14/17

[62]  – نجوم، 7/213

[63]  – نفسه 8/57

[64]  – نفسه 12/68

[65]  – نجوم، 14/39، 16/142

[66]  – نجوم، 16/103، 104

[67]  – نفسه 16/115-116

[68]  – نجوم، 12/189

[69]  – انظر منهج محمد بن طولون في هذا الكتاب ص، 344 وما بعد

[70]  – نجوم، 10/44-46، 11/286

[71]  – نجوم 12/191-192

[72] – نجوم، 15/397-400

[73]  – نجوم، 7/121

[74]  – نجوم، 7/121-136

[75]  – 7/137

[76]  – نجوم، 14/41

[77]  – نجوم، 9/63-72

[78]  – نجوم، 16/120- 123

[79]  –  نجوم، 12/87 وقد يكون اخذ ذلك عن المقريزي الذي ذكر الامر عينه في السلوك، ج1، ق1، ص59

[80]  – نجوم، 8/68

[81]  – نفسه، 10/195-209

[82]  نجوم،11/275

[83]  – نفسه، 14/337- 344 ، 16/146-147

[84]  – نجوم، 7/120

[85]  – نفسه، 11/239

[86]  – نجوم، 4/34-54

[87]  – نجوم، 14/81-83

[88]  – نجوم، 16/281-282

[89]  – نجوم، 16/281-282

 [90]  – نفسه، 8/133-135

[91]  – انظر منهج المقريزي في هذا الكتاب، ص 245 وما بعد

[92]  – نجوم، 14/302

[93]  – المصدر السابق، 14/283-284

[94]  – نجوم، 2/78،  3/63، 93….

[95]  – نجوم، 2/80،  5/7 ، 6/18…

[96]  – نفسه، 4/34…

[97]  – نجوم، 5/176

[98]  – نجوم، 4/70

[99]  – المصدر السابق، 2/282

[100]  – نجوم، 2/316

[101]  – نفسه، 3/60

[102]  نجوم، 3/236، 4/70

[103]  – المصدر السابق، 3/292، 302

[104]  – نفسه، 5/4،147…

[105]  – نجوم، ج5، ص7

[106]  – نفسه  5/339

[107]   5/34

[108]   ج6، ص9

[109]   6/373

[110]  – اعتمد عليه كثيرا : 8/156، 9/118، 11/224،255، 14/ 109، 207…

[111] – نجوم،  11/3، 182

[112] – نجوم، 12/33

[113]   – نفسه، 12/169

[114]  – نفسه، 14/110

[115]  – نجوم،  14/20 ، 111

[116]   – المصدر السابق، 14/111

[117]  – نفسه، 14/294

[118]  – نجوم، 3/144- 248

[119]   – 3/251- 256

[120] – نجوم، 5/17 – 20

[121]   نفسه، 5/22

[122]   نجوم، ج6، ص 7

[123]   المصدر السابق، 7/175 – 182

[124]  – نجوم، 6/15

[125]  – نفسه، 6/130

[126]  نجوم، 6/160 – 171

[127]  المصدر السابق، 6/ 227 – 244

[128]  – نجوم، 7/42

[129]   – نفسه، 7/ 47 – 50

[130]  – نجوم، 7/ 138 – 175

[131]  – نفسه، 16/ 264- 273

[132]  – نجوم، 16/274- 288

[133]  – نجوم، 16/ 310

[134]  – نجوم، 16/ 310، 315، 318…

[135]  المصدر السابق 11/157 – 158

[136]   نجوم، 11/163

[137] – نجوم، 11/181

[138]  -انظر مثلا ترجمة محمد بن برسباي :نجوم، 15/222- 226، والناصر فرج بن برقوق 12/169

[139]  – نجوم، 12/169

[140]  – انظر مثلا انعامات السلطان خشقدم على بعض الامراء بتقادم ألف حيث يعقب ابن تغري بردي على ذلك:” باستحقاق او غير استحقاق، كما هي عادة اوائل الدول، نجوم، 16/257

[141]  – انظر مثلا اولاد برقوق: نجوم، 12/106

[142]–  نجوم، 12/3-44

[143]  – نجوم، 12/10-11، 12، 13، 14، 18، 22، 23، 30، 31، 43-44

[144]  – المصدر السابق،  11/187

[145]   نجوم، 7/343

[146]  – نجوم، 7/265

[147]  – انظر مثلا: الصورة الكاملة والواضحة التي رسمها منذ اعتزال الناصر محمد للمرة الثانية لسياسة الامير سلار وموقفه من البرجية وبيبرس الجاشنكير، الى موقف الامراء في بلاد الشام، بحيث اورد تفاصيل لا نجدها لا عند المقريزي ولا عند العيني، حتى انه قصر ترجمة بيبرس= =الجاشنكير على هذا الصراع: نجوم، 8/222- 277، وانظر ايضا مقتل يلبغا العمري من حين تآمر مماليكه عليه وحتى وفاته: نجوم، 11/35-40 ، وايضا المعارك التي حصلت بين برقوق وبركة بما في ذلك عمليات الكر والفر، ودور العامة والمماليك السلطانية، نجوم، 11/174-179

[148]  – نجوم، 12/184- 189

[149]  – نفسه، 12/ 221- 225

[150]  – نجوم، 7/42

[151]  – المصدر السابق، 7/332 ثم سرد الادلة: ان الدوادار طلب من ابن عبد الظاهر ان يكتب كتابا الى اهل دمشق فاخطأ المضمون، وأكد رأيه بانه فيما مضى كان الوزراء وحدهم يتلقون الاوامر عن الملوك، واضاف:” وعندي دليل آخر وأقوى من جميع ما ذكرته، انه لم أقف على ترجمة رجل في الاسلام شرقا ولا غربانعت بكاتب السر قبل فتح الدين القاضي وفي هذا كفاية.” ثم يذكر الكتاب الذين ذكرهم القلقشندي وغيره، نجوم، 7/334- 159

[152]  رفض السلطان السماح له بالسفر الى قلعة جغبر، وقول تنكز: لو سمع مني السلطان لكنت اشرت عليه ان يستقيل ويقيم احد اولاده على العرش وأكون مدبرا له، بعث نائب بلاد الروم برسالة الى السلطان ولم يبعث بمثلها الى تنكز، شفع السلطان مرات عديدة بمماليك تنكز المسجونين بالكرك والشوبك من دون ان يستجيب تنكز، نجوم، 9/159

[153]  – نجوم، 12/221

[154]   نفسه، 13/147

[155]  – نجوم، 14/297

[156]  – نجوم، 5/173

[157]  – المصدر السابق، ج 11، ص 3 ويؤكد المقريزي ما ذهب اليه مؤرخنا

[158]  – نجوم، 9/118

[159]  – نفسه، 11/24- 26

[160] – نجوم، 11/224- 226

[161]  – المصدر السابق، 14/109- 110

[162]  – نجوم، 14/110- 111

[163]  – نجوم  14/198- 200

[164]  – نفسه 14/207

ابن تغري بردي ( 812-874/1409-1469)

اولاً: حياته ومؤلفاته

حياته: هو يوسف بن تغري بردي، ولقبه جمال الدين، وكنيته ابو المحاسن، ابصر النور في القاهرة المملوكية في اواخر عام 812/1409[1]، في حي الامراء المجاور لقلعة الجبل، فكان اصغر اخوته ذكورا واناثا. وكان والده تغري بردي احد امراء المائة في مصر، تقلب في عدد من وظائف ارباب السيوف الكبرى حتى بلغ اعلاها: اتابك العسكر اي قائد الجيش[2]. لذلك عرف ابن تغري بردي ب «الاتابكي». وشغل ايضا نيابة الشام وهو مركز يلي السلطان من حيث المقام والاهمية خصوصا بعد إلغاء منصب النائب الكافل على عهد الناصر محمد بن قلاوون. هذه الرتب العالية التي شغلها تغري بردي جعلت علية القوم يرومون مصاهرته، فتزوج السلطان الناصر فرج بن برقوق من احدى بناته، وتزوج الثانية قاضي القضاة الحنفي ناصر الدين بن العديم. ما يعني ان يوسف ولد في عائلة محترمة غنية قادرة على ان تؤمن له سبل التعليم. ولكن والده توفي عام 815/1412 وهو لم يكن قد تجاوز الثلاث سنوات فتولى تربيته صهره قاضي القضاة الحنفي الى ان مات. فتزوجت اخته ثانية من قاضي القضاة جلال البلقيني الشافعي الذي أكمل تربية يوسف. لم يكن ابن تغري بردي بحاجة الى المال لأنه كان من اجناد الحلقة، وتحديدا من اولاد الناس وهي رتبة عسكرية تعطى لأبناء السلاطين والامراء، ويحصل صاحبها على اقطاع لأنه يعتبر حكما من اجناد الحلقة، وبالتالي لم يتأثر بمصادرة السلطان الناصر فرج لثروة ابيه بعد وفاته؛ اولا لأنه عاش في كنف صهريه على التوالي، وثانيا لأن وظيفته أمنت له دخلا لا بأس به من اقطاع مشترك مع اخيه (قاسم) ثم صار له وحده بعد وفاة قاسم[3]. وامنت له رتبته العسكرية عددا من الغلمان يعملون في خدمته، فعاش حياة رغد ورفاه، ووضعا معيشيا مستقرا. ولم يتأثر بخلافات المماليك وصراعاتهم غير المنتهية، ان صلاته ومعرفته بالسلاطين والامراء[4] كانت تؤمن له ما يريد من مال او جاه[5].

   لقد جمع ابن تغري بردي بين ثقافات متعددة: دينية، وتاريخية وادبية؛ فعندما تعهده صهراه وهما قاضيان حفظ القرآن. وتفقه بالحديث بعد حضوره بعض حلقات علماء الحديث[6]، ودرس ايضا بعض اصول الفقه والتفسير[7]. وتثقف على عدد غير قليل من مشاهير عصره في مختلف العلوم اللغوية والتاريخية نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: بدر الدين العيني، وابن حجر العسقلاني، والمقريزي، وابن عرب شاه. كما اجازه عدد من المؤرخين مثل المقريزي، وابن حجر العسقلاني والعيني…[8] وقد مدح المقريزي كثيرا واعتبره احد اعظم المؤرخين وافتخر بتتلمذه عليه[9].

   اشتهر بالعديد من الصفاة الحسنة: رجاحة العقل، العفة والتواضع، ولطف المعشر، وجمال الهيئة، وشدة الحياء والهدؤ. حتى ان السخاوي، المعروف بسلاطة لسانه الذي انتقد كل مؤرخي عصره قال فيه « كان حسن العشرة، تام العقل… والسكون، لطيف المذاكرة …»[10]،  وهو بنظر ابن العماد الحنبلي احد ابرز مؤرخي عصره:« اجتهد في ذلك – اي في التأريخ- الى الغاية وساعدته جودة ذهنه وحسن تصوره وصحة فهمه… وانتهت اليه رئاسة هذا الشأن في عصره.»[11] وهو بحسب تلميذه احمد بن الحسين التركماني الشهير بالمرجي كان بارعا بالفروسية على اختلاف فنونها، عفيف النفس، يأنف التردد الى اعيان الدولة، ويضيف:” يضرب به المثل في الحياء والسكون، ما سمعته شتم احدا من غلمانه، ولا من حاشيته، ولا تكبّر على احد من جلسائه قط، كبيرا كان ام صغيرا، جليلا كان ام حقيرا.”[12]

   ان كل ذلك يدفعنا للاعتقاد ان ابن تغري بردي وان برع بالفروسية، التي هي عمله الرسمي كونه من اجناد الحلقة، فانه تميّز بكثرة المطالعة، ومجالسة كبار علماء عصره في مختلف العلوم، وكان موسيقياً بارعا « في النغم والضرب والايقاع، بل كان من اشهر الفنانين في عصره » على حد تعبير العنان[13]. وقد تكون معاصرته لعدد وافر من السلاطين اربى على العشرة؛ بدءا بعهد الناصر فرج وانتهاء بعصر قايتباي، اضافة الى مشاهدته للعديد من الثورات المتنوعة ولا سيما ثورات امراء المائة ومقدمي الالوف، ناهيك بمعايشته للأوبئة التي ضربت مصر تكرارا، وقد اصيب هو نفسه باحدها. قد يكون كل ذلك أثّر في فهمه للحوادث واعطاها ابعادا انسانية عميقة الغور اظهرها ابو المحاسن في قوالب تأريخية متناولا مواضيع متنوعة ضمّنها مؤلفاته العديدة. واستمر شغفه بالتاريخ والتأريخ ومجالسة مشاهير العلماء، حتى وفاته يوم الثلاثاء الموافق الخامس من ذي الحجة 884 الموافق 5 حزيران1470 بعد ان قاوم مرض القولنج مدة سنة تقريبا[14].

2- مؤلفاته: ترك عدة مؤلفات جاء بعضها تتمة لعمل المقريزي، والبعض الآخر تراجم، وقسم ثالث كتيبات موجزة يمكن اذا جمعت ان تغطي تاريخ مصر السياسي والعسكري اضافة الى بعض النواحي الحضارية منذ الرسالة النبوية وحتى نهاية عهد قايتباي. وقد وقفها كلها على تربته الهائلة التي كان قد ابتناها بالقرب من تربة السلطان الاشرف اينال. وسنذكرها فيما يلي:

1 – مورد اللطافة فيمن ولي السلطنة والخلافة: كتاب تحدث فيه عن الخلفاء والسلاطين فقط، بدأه بالرسول فالعصر الراشدي وصولا الى الخليفة العباسي القائم، ثم تحدث عن الخلفاء الفاطميين.

2 – منشأ اللطافة في ذكر من ولي الخلافة: يمكن اعتباره تاريخا مختصرا لمصر منذ اقدم العصور وحتى سنة 719 هجري

3 – حوادث الدهور في مدى الايام والشهور: وهو يشبه كتاب السخاوي التبر المسبوك في ذيل السلوك،  والكتابان ذيّلا على السلوك للمقريزي. ويبدأ كتاب حوادث الدهور بسنة 845/1441 وينتهي في 12محرم 874/ 16 تموز 1469 وقد أرخه حوليا متناولا عصر السلطان الظاهر جقمق. وقد يكون وضعه تيمنا باستاذه المقريزي وعرفانا بجميله عليه لأنه اسماه في مقدمة الكتاب:« شيخنا الامام الاستاذ، العلامة ، المتفنن، رأس المحدثين، وعمدة المؤرخين.»

4 – الامثال السائرة[15].

الانتصار للسان التتار، ويبدو انه شرح لمعاني اللغة التركية تبعا لابن الصيرفي[16]

5 – البشارة في تكملة الاشارة[17].

6 –  حلية الصفاة في الاسماء والصناعات[18].

7 – الدليل الشافي على المنهل الصافي، ويبدو انه مختصر لكتابه المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي. وهو منشور.

8 – نزهة الرائي في التاريخ[19]

9 – نزهة الالباب في اختلاف الاسماء والالقاب[20]

10 – كتاب الوزراء[21]

11 – وقديكون ابرزها النجوم الزاهرة موضوع هذه الدراسة.

   من الواضح تماما ان عناوين مؤلفاته تعطينا فكرة عن سعة افقه، وعن المادة التاريخية التي بذل عمره بجمعها وتدوينها، وهو مجهود بلا شك كبير جدا، دوّن وفق أكثر من منهج، ابرزها: التأريخ الحولي والتراجم، وسندرس منهجه انطلاقاً من محورين اساسيين: النظرة التاريخية، وطريقة المعالجة.

ثانيا: منهجه.

I- نظرته التاريخية في النجوم الزاهرة:

1 مفهومها العام: من الواضح تماما ان النظرة التاريخية تبنى على المواضيع وتشكل هدفية المؤرخ. وقد عبّر ابو المحاسن عن هذا الهدف بمقدمة النجوم الزاهرة قائلاً:« وهذا لعمري من اعظم الاحسان واسبغ النعم، لنعاين ممن تقدم آثارهم، ونشاهد منازلهم وديارهم…فنخبر بذلك من تأخر عصره من الاقوام…ليقتدي كل ملك يأتي بعدهم بجميل الخصال، ويتجنّب ما صدر منهم من اقتراح المظالم وقبيح الفعال؛ ولم اقل كمقالة الغير انني مستدعى الى ذلك من امير او سلطان، ولا مطالب به من الاصدقاء والاخوان؛ بل ألّفته لنفسي واينعته بباسقات غرسي…ثم اذكر ايضا في كل ترجمة ما احدث صاحبها في ايام ولايته من الامور، وما جدده من القواعد والوظائف…بل استطرد الى ذكر ما بني فيها من المباني الزاهرة[22]

   ان نظرته تحدد ان  في التاريخ عبرا لأنه جهد من خلال التاريخ لتحديد مسار الانسانية بحفظ مآثر الحكام الماضين وسيئاتهم، ممّا يعني تدوين كل احداث الماضي بجميع تفرعاتها السياسية والعسكرية والادارية والاقتصادية والحضارية. ونطرح سؤالا مركزيا هل فعلا تناول ابو المحاسن كل تلك الامور، ام انه آثر بعضها على البعض الآخر؟

   ان اقامة التوازن بين النواحي المدروسة عملية شاقة، وينتج ايثار المؤرخ لموضوع على آخر بتأثير من تربيته ومن محيطه الاجتماعي العام. ونعتقد ان مهنته العسكرية ساهمت في توجيه رؤيته الى التاريخ، فغلب عليها الطابعان العسكري والسياسي أكثر من النواحي الحضارية، التي قد لا نجد ذكرا لبعضها في النجوم الزاهرة. ونسأل: هل ذلك تأتى من تربيته العسكرية وبيئته المملوكية فقط، ام من ندرة المعلومات المتعلقة بالاهتمامات الاخرى وعلى رأسها النواحي الاقتصادية والعمرانية التي لم تتعد، غالبا، التسميات، او انه لم يجهد نفسه بالبحث عنها، ام انه وجد في تحديد مكامن الضعف في السياسة، ولا سيما التي مارسها سلاطين عصره، مدخلا للإصلاح العام في قابل الايام ؟

   قد نجد تبريرا لذلك بان الاصلاح السياسي، الذي ركّز عليه كثيرا، سيؤدي بنظره حتما الى الاصلاح الاقتصادي، من دون ان يقنعنا، لان اهماله دراسة الاوضاع الاقتصادية يشكل ثغرة مهمة في نظرته التاريخية كما سيتبدى في دراستنا النقدية لها من خلال ما تناولته من عناوين رئيسة، وما تضمنته هذه العناوين من حيث السعة والايجاز، ومقدار الاحاطة بالموضوع وتقاطعه مع المواضيع الاخرى. ولكن ابا المحاسن كان واضحا بتغليب السياسي والعسكري على ما عداه بقوله:« ليقتدي كل ملك…» ممّا يعني ان تأريخه مخصص بالدرجة الاولى للحكام ولاسيما السلاطين ليتعظوا من الماضي ولتصبح سياساتهم دروسا للخلف. وهذا ما سنلاحظه بتركيزه على انجازات السلاطين الاقوياء ومدحهم، وبتوجيه اللوم للسلاطين الضعفاء، وبانتقاده بعض الامراء لسؤ تصرفهم، والاشادة بالبعض الآخر لمقدرتهم السياسية والعسكرية. وهو يبزّ غيره من المؤرخين برسم خطط المعارك العسكرية لدرجة تكاد تشعر وكأنه مشارك فيها. ويضاف الى ذلك دراسته للجيش المملوكي واشادته به احيانا قليلة قياسا بمواقفه السلبية من سؤ تصرفات بعض فرقه ولا سيما الجلبان. هذا اضافة الى بعض النواحي الحضارية التي لم تنل حيزا مهما في تأريخه. وسنحاول دراسة نظرته التاريخية تبعا للمراحل التاريخية من جهة، وانطلاقا من المواضيع من جهة ثانية، لأن المواضيع شكلت نقاط محورية في تاريخه.

 2مصر في عصر الدويلات: في هذه المرحلة ركّز في تاريخه على مصر من دون غيرها، وكانت تتبدل نظرته اليها والى الحوادث تبعا لتعاقبت العهود السياسية، مع يقيننا انه اضاف اليها من ذاتية عصره لأنها كانت محور العالم الاسلامي، وطبّق هذا المفهوم على الفترات السابقة للعهد المملوكي حيث كانت مصر شبه مستقلة كما في العهدين الطولوني والاخشيدي، ممّا ادى الى خلل في التوازن التاريخي العام على مستوى المشرق العربي. والى استقلالها التام في العهدين الفاطمي والايوبي مع فارق في الرؤية الدينية اليها لصالح الايوبين.

   استهل مؤلفه بالكلام على مصر منذ الفتح العربي، مبرزا اهميتها من خلال ما ورد عنها في القرآن[23]، ثم تناول خراجها، وتسميتها، ومن دَخَلها من الصحابة[24]، فعهد عمرو بن العاص وصولا الى قيس بن عبادة، وولاية عمرو بن العاص الثانية[25]. ثم تحدث عن تاريخ مصر في العهدين الاموي والعباسي باختصار شديد بتراجم موجزة جدا للخلفاء ولا سيما العباسيين، ممّا لا يتيح لنا الوقوف على نظرته التاريخية خلال هذه الحقب. وازدادت نظرته وضوحا في العهدين الطولوني والاخشيدي حيث تتبدى لنا مصر وكأنها دولة مستقلة ويدور في فلكها مناطق اخرى في بلاد الشام وغيرها. ودليلنا على ايلائه مصر شأنا مختلفا، عّما كان سائدا في عهود الولاة، الترجمات المطولة التي خصّصها للطولونيين: احمد بن طولون[26]، ولا سيما ترجمة خمارويه الطويلة جدا التي ضمّنها نواحي حضارية وفنيّة وعسكرية[27]. والترجمتان فاقتا اضعاف اضعاف ما كتبه عن الخلفاء العباسيين الذين عاش الطولونيون في ظلّهم، وهو امر ملفت للانتباه. وان ما دوّنه عن بقية المناطق ليس الا استكمالا لأحداث مصرية او مقدمة لها. وتتضح عصبيته المصرية بمهاجمته لمحمد بن سليمان الكاتب بسبب سوء تصرّفه؛ اذ ترك العرب الخراسانية تقوم باعمال قبيحة لا يستأهلها الكفرة، وباستئصاله شأفة الطولونيين:« لم يدع من آل طولون احدا…ثم اخرج قوادهم الى بغداد على اقبح وجه…وحلّ بهم –الطولونيين- وقوادهم الذل بعد العز…وزالت الدولة الطولونية وكانت من غرر الدول، وايامهم من محاسن الايام.»[28]

3– موقفه من الفاطميين: لقد اختصر اخبار الفاطميين كثيرا، فاقتصرت معظم اخبار بعض السنوات على الوفيات مع ضمور لافت بترجمات الخلفاء[29]. ولم يعطِ الامامة الفاطمية مفهومها الحقيقي، حتى انه لم يعرّف بها، مكتفياً بالقول: ان الامامة انقطعت عند الآمر:” وانقطع النسل عند الامر واولاده. وهذا مذهب من شيعة المصريين فان الامامة عندهم من المستنصر الى نزار.” لأن اهلها قالوا:« لا يموت احد من اهل هذا البيت الا ويخلّف ولدا ذكرا، منصوصة عليه الامامة.»[30]. ومع هذا فقد افاض في بعض نواحي التاريخ الفاطمي: اصلهم، بلاط الخلفاء، ورسومهم، « واورد عن مقتل الحاكم بامر الله شذورا طويلة صيغت في شكل قصّة، وفيها يصف نفسية الحاكم ليلة مقتله…وكيف دبرت اخته ست الملك مقتله بمهارة.»[31] وبعد قضاء صلاح الدين على الفاطميين تبنى ابن تغري بردي كلام القاضي عبد الرحيم البيساني حول الخلافة والدين ودور المسلمين:« توالت الفتوح غربا ويمنا وشاما…واضحى الدين واحدا بعد ما كان اديانا، والخلافة اذا ذكّر بها اهل الخلاف لم يخرّوا عليها صمّاً وعمياناً، والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع الضلال شائعة…»[32] 

 وتزداد نظرته وضوحا كلما اقترب من العهد المملوكي، الذي سنوليه، ولا سيما في المرحلة التي عاصرها، اهتماماً أكثر من غيره، من دون ان  نهمل الفترات السابقة، بل سنتناولها من ضمن رؤيته للاطار العام للتاريخ الذي بناه على افضليات في مراحله.

4موقفه من السلاطين: قد يكون هذا الموقف احد المرتكزات الاساسية لتأليف النجوم الزاهرة، وقد نبع من عدة امور رئيسة: الجهاد ضد اعداء المسلمين، وحسن تدبير أمور الدولة من حيث العناية بالرعية، واحترام رجال الدين. فكان ابن تغري بردي مأخوذا ببعض السلاطين ممن توافرت فيهم هذه المعايير؛ ويحتل صلاح الدين الايوبي مركزا مرموقا على هذا المستوى، واذ لم يجد جديدا يضيفه على سيرته عمد الى تدوينها مصطفيا مآثره وابدع الصفات الحميدة التي قالها فيه مؤرخون مشهود لهم، من دون ان يبالي بقطع سياق الخبر؛ فاختار مقاطع، مما كتبه فيه سبط ابن الجوزي، والعماد الكاتب، وابن شداد، بليغة التعبير وعميقة الايضاح[33]. وكان شديد الاعجاب بالسلطان قلاوون لتأسيسه جيشا قوامه اثني عشر ألف جندي شديدي الانضباط، جاهد بهم الفرنج[34]. ووازن في عهد برقوق بين ثلاثة امور على الاقل: اولها الفساد الاداري والرشوة:« …كان محبا لجمع المال وحدث في ايامه تجاهر الناس بالبرطيل، فكان لا يكاد يولّى احدُ ولا عملُ الا بمال، وفسد بذلك كثير من الاحوال، وكان مولعا بتقديم الاسافل وحط ذوي البيوتات.»[35] وثانيها محبته وتقديره البالغ لأهل العلم وخصوصا رجال الدين:« اذا اتاه احدهم قام اليه، ولم يعرف احد قبله من الملوك الترك يقوم لفقيه.»[36] وثالثها مقدرته السياسية، اذ اعتبره مثالا يحتذى في هذا المضمار:« كان ملكا جليلا حازما شهما شجاعا مقداما صارما فطنا عارفا بالامور والوقائع والحروب…كان سيوسا عاقلا ثبتا، وعنده شهامة عظيمة ورأي جيد، وحدس صائب، وكان يتروّى في الشيئ المدة الطويلة حتى يفعله…»[37] وترتفع منزلة المؤيد شيخ عنده، على الرغم مساوئه العديدة بنظره، لتدخله لاعادة الاسعار الى مستواها الطبيعي:« ولعل الله سبحانه وتعالى ان يغفر للمؤيد ذنوبه بهذه الفعلة، فان ذلك هو المطلوب من الملوك، حسن النظر في احوال الرعية.»[38]

   ونعت السلطان برسباي بالجهل والقبح لسؤ تصرفه، وشرهه بجمع المال، وصبّ عليه جام غضبه لأنه ولّى احد الجهلة كتابة السر قائلا:« وعد ولاية هذا الجاهل لمثل هذه الوظيفة العظيمة من غلطات الاشرف وقبح جهله، فانه لو كان عند الملك الاشرف معرفة وفضيلة…»[39] ولا يختلف السلطان خشقدم عن برقوق وبرسباي من حيث الشره بالمال ممّا ادى، بنظره، الى انحطاط في الوظائف الادارية ولاسيما المالية منها. فسلّط لسانه على خشقدم  باسلوب ساخر جدا، لأنه ولّى شمس الدين البباوي نظر بيت المال ثم الوزارة طمعا بمصادرة امواله فقط:« وسمع الملك الظاهر خشقدم بسعة ماله- وكان من الخسة والطمع في محل كبير- فأحتال على اخذ ماله بان ولاّه نظر الدولة…ولبس البباوي العمامة والفرجيّة والخف والمهماز، وتزيّا بزي الكتاب، وترك زيّ المعاملين، فشقّ على الناس قاطبة، وعدّوا ذلك من قبائح الملك الظاهر خشقدم…لأن البباوي هذا مع انحطاط قدره وجهله ووضاعته وسفالة اصله…فانه كان اميّا لا ينطق بحرف من حروف الهجاء…وولاه الوزر…فلم نعلم باقبح حادثة وقعت في الديار المصرية قديما وحديثا من ولاية البباوي.»[40]

   ولعل نظرته هذه الى تصرف السلاطين المذكورين تنمّ ايضا عن تمييز اجتماعي، وقد يكون مرده الى تحدره من ” الطبقة ” العسكرية الحاكمة، التي ميّزت نفسها باستمرار عن ابناء البلاد، واستعلت عليهم، ولم تقرّب منها احد منهم الا من كانت تحتاجه لخدمتها ولا سيما المتعممين. ويعكس هذا الموقف الرؤية الاجتماعية التي كانت سائدة انذاك، ويؤيّد ما ذهبنا اليه رأي ابن تغري بردي في السلاطين:« كانت عادة ملوك السلف ان يقيموا من حطّه الدهر، وينتشلوا ذوي البيوتات من الرؤساء وارباب الكمالات. وقد ذهب ذلك كله وصار لا يترقى في الدول الا من يبذل المال، ولو كان من اوباش السوقة لشره الملوك في جمع الاموال.»[41]

   كان يأمل مؤرخنا توفّر الخصال الحميدة في السلاطين كالاخلاق الرفيعة والمقدرة السسياسية، وانتقد بشدة الذن كانوا يخالفون القواعد الخلقية وحط من قدرهم، ومن الامثلة على ذلك: السلطان شعبان الذي جمع بزواجه بين اختين، وعدد بسخرية اربعة سلاطين تعاقبوا على الزواج من المرأة نفسها كل بعد وفاة الآخر. وكنّ للسلطان شعبان احتقارا شديدا ليس فقط لتزويجه احدى سراريه من أحد الطواشية ونثره بيده الذهب عليها ابان جليها[42]، بل لأنه ايضا:« كان من اشر الملوك ظلما وعسفا وفسقا، وفي ايامه مع قصر مدته، خربت بلاد كثيرة لشغفه باللهو، وعكوفه على معاقرة الخمور، وسمْع الاغاني، وبيع الاقطاعات بالبذل…وكان سفّاكا للدماء…سيئ التدبير يمكّن النساء والطواشية من التصرف بالمملكة.»[43] ولم يتوان عن تقريظ السلطان يلباي:« ومع هذه المدة اليسيرة -من حكمه- كانت ايامه اشر الايام واقبحها، وفي ايامه زادت الاجلاب في الفساد، وضيقت السبل وعظم قطع الطرقات على المسافرين مصرا وشاما، وما برحت الفتنة في ايامه قائمة في الارياف قبليّها وبحريّها وتوقفت احوال الناس لاسيما الواردين من الاقطار، وزادت الاسعار في جميع المأكولات، وضاعت الحقوق، وظلم الناس بعضهم بعضا، وصار في ايامه كل مفعول جائز، وما ذاك الا لعدم معرفته، وسؤ سيرته، وضعفه عن تدبير الامور… وقلة عقله.»[44]

   وعلى هذا، تصبح السلطة بنظره مزيجا من الحكمة والدراية والاخلاق الحميدة، كما بحسن السهر على الرعية،  وبتقدير واحترام رجال العلم والدين. لأن السلطان رأس القمة الادارية ويقتدي الناس به، وستبقى سيرته خالدة، ودرسا لمن سيخلفه مدى الزمن. ولا تكتمل هذه الصورة الا بضبط الجيش، الذي من واجبه السهر على المواطنين، وليس بالتعرض لحقوقهم واغتصابها، وبالتعدي على الاعراض والممتلكات، وبالتالي فان وظيفة الجيش طمأنة الاهلين وليس اخافتهم.

5– موقفه من الجيش المملوكي: صبّ جام غضبه على الجيش المملوكي وتحديدا على فئة الجلبان الذين استقدموا كباراً في السن، ولم يتهذبوا في الطباق دينيا واخلاقيا واداريا، ولم يتدرّبوا فيه على الفنون القتالية، فصاروا عبئا على السلاطين والناس معا.

   كان تقديره ملحوظا للسلطان قلاوون الذي اقتنى ما يزيد على اثني عشر ألف من المماليك السلطانية وسهر على تربيتهم، حتى بات الواحد منهم لا يجرؤ على نهر غلامه او خادمه، او الاقدام على فاحشة خوفا منه، او الزواج الا باذنه، ليس هذا فحسب، انما كان يختار لهم السلطان زوجاتهم من جواريه[45]. وقارن بين ما كان عليه وضع مماليك قلاوون بما آل اليه وضع الجلبان في عصره قائلا:« لو لم يكن من محاسنه الا تربية مماليكه وكف شرهم عن الناس لكفاه ذلك عند الله تعالى، فانه كان بهم منفعة للمسلمين، ومضرة للمشركين، وقيامهم بالغزوات معروف، وشرهم مكفوف؛ بخلاف زماننا هذا، فانه مع قلّتهم وضعف بنيتهم وعدم شجاعتهم، شرهم في الرعية معروف، ونفعهم في الناس مكفوف؛ هذا مع عدم التجاريد والتقاء الخوارج وقلة الغزوات، فانه لم يقع في هذا القرن، وهو القرن التاسع، لقاء خارجي غير وقعة تيمور، وافتضحوا منه غاية الفضيحة…وان تكلم – واحدهم- تكلم بنَفَس؛ ليس لهم صنعة الا نهب البضاعة، يتقوون على الضعيف، ويشرهون في الرغيف، جهادهم الاخراق بالرئيس…»[46]

   وهاجم الجيش المملوكي بعنف خصوصا المماليك السلطانية المعروفين بالجلبان لأن القحة بلغت بهم نهب البيوت بما فيها بيوت الوزير ونظّار الجيش والاستادار. وكانوا ايضا يهاجمون البيوت ويتعدون على النساء في الطرقات والحمامات، ولم يتورعوا عن احراق بيوت غرمائهم[47]. ولم يعمد السلاطين الى الاقتصاص منهم بل ساندوهم اتقاء لشرهم. وزاد في الطين بلّة املاؤهم الشروط على السلاطين، وتعدياتهم المتكررة على الامراء طمعا بان يشفعوا بهم عند السلاطين لتحقيق مطالب غير محقّة او احراجا لهم. وكانوا يستمرون بممارساتهم الشنيعة الى ان تستجاب طلباتهم. وكان كل ذلك متأتيا، على حد تعبير ابي المحاسن من ايثار السلاطين لهم:«وحبك للمرء يعمي ويصم.»[48] وازداد خطر الجلبان وما عاد ممكنا الحد من تسلطهم وعسفهم، وحلوا مكان القضاة احيانا، ولعل تعبير ابن تغري بردي ابلغ دليل على السؤ الذي حاق بالبلاد جراءهم:« في هذه السنة 862 قد انحل امر حكام الديار المصرية ارباب الشرع الشريف والسياسة ايضا لعظم شوكة المماليك الاجلاب، وصار من له حق من الناس قصد مملوكا من المماليك الاجلاب في تخليص حقه…فيرسل خلف ذلك الرجل المطلوب ويأمره باعطاء حق ذلك المدعي حقا كان ام باطلا بعد ان يهدده بالضرب والنكال، فان اجاب والا ضرب في الحال ونكل به…فصار كل احد يستعين بهم في قضاء حوائجه وترك الناس الحكام…وتلاشى امرهم الى الغاية.»[49] ودفعهم تراخي السلطة الى مزيد من التعديات فصاروا ينهبون الناس في وضح النهار، ويفرضون الخوات على اصحاب الدكاكين، ويلزمون الضعفاء من اجناد الحلقة واولاد الناس بالتنازل عن اقطاعاتهم.[50]

   واحجم الناس عن تولي الوزارة لأن السلاطين كانوا يعمدون الى مصادرة الوزراء، حتى صارت هذه الوظيفة تفرض فرضا على الاشخاص فيشغلونها رغما عنهم. وصار الوزير يخشى ثلاثة امور: القتل، والتعرض للمصادرة، والخوف من الجلبان لأن الوزراء صاروا هدفا لهم، ومن كان يمتنع عن تولي الوزرة كان السلطان يأمر بضربه حتى ينصاع[51]

6– موقفه من الضرائب: لم يتوسع كثيرا في مشكلة الضرائب، بل اطلّ عليها احيانا بخفر ولا سيما في اواخر ايامه، وهي لم تتعد عموما الضرائب التي فرضت استثنائيا على الفلاحين لاسباب متنوعة خصوصا من اجل اعداد الحملات العسكرية، على عكس المقريزي الذي لم يغفل عن معظم الضرائب وتطرّق الى مساوئها كلما وجد الى ذلك سبيلاً[52]. ولم يأت ابن تغري بردي على ذكرها قبل عهد الناصر محمد بن قلاوون حيث تحدّث عن ابطال هذا السلطان العديد منها في روكه المعروف بالناصري عام 715/1315 واعتبر تصرفه هذا :« دليل على حسن اعتقاده، وعزيز عقله، وجودة تدبيره وتصرفه، حيث ابطل هذه الجهات القبيحة…وعوّضها من جهات لا يظلم فيها الرجل الواحد…»[53]

   ومن العسير التعرف الى معظم انواع الضرائب المملوكية في النجوم الزاهرة لأن ابا المحاسن لم يذكرها مفّصلة على طريقة المقريزي، بل تناول بعضها في مناسبات محددة: تقرّب السلاطين من الشعب كما فعل برقوق سنة 784/1383 حين ثار عليه الاميران يلبغا ومنطاش:« ثم أخذ السلطان بعد خروج العسكر في استجلاب خواطر الناس، وابطل الرمايات والسلف على البرسيم والشعير، وابطل قياس القصب والقلقاس.»[54] او من اجل اعداد الحملات العسكرية شأن الاستعداد لمحاربة تيمور كما في هذا النص الرائع الذي قد لا نجد مثيلا له في المصادر الاخرى من حيث تفصيل الضرائب على الزراعة وقيمة متحصلها عن كل صنف، ومقارنة قيمة كل ضريبة بالمعدل العام:« فرض على سائر اراضي مصر فرائض من اقطاعات الامراء، وبلاد السلطان، واخباز الاجناد، وبلاد الاوقاف عن عبرة كل ألف دينار خمسمائة درهم وفرس …ومن املاك القاهرة ومصر اجرة شهر حتى انه كان يقوّم على الانسان داره التي يسكنها، ويؤخذ منه اجرتها، واخذ من الرزق…وهي الاراضي التي يأخذ مغلّها قوم على سبيل البر والصدقة عن كل فدّان عشرة دراهم، وكان يوم ذاك اجرة الفدّان من ثلاثين درهما الى ما دونها…ومن الفدّان القصب او القلقاس او النيلة من القنطار مائة درهم، وهي نحو اربعة دنانير، وجبى من البساتين عن كل فدّان مائة درهم. ثم استدعى امناء الحكم والتجار وطلب منهم المال على سبيل القرض، وصار يكبس الفنادق والحواصل في الليل فمن وجده حاضراً فتح مخزنه واخذ نصف ما يجده فيه من النقد، وهي الذهب والفضة والفلوس، وأخذ جميع ما وجد من حواصل الاوقاف…»[55] وكأني به في اواخر حياته بدأ يتنبه الى دور العامل الاقتصادي في منعة الدولة وبانحلالها، وان لا بديل من الاهتمام بالزراعة من اجل الرخاء الاقتصادي في الدولة، لأننا لانجد في النجوم الزاهرة سوى لمحات عنه في حديثه عن الدولة التركية، وبعض التركيز الجزئي الذي جاءت دلالاته شديدة الوقع في الفترة التي عاصرها ابو المحاسن. فقد اورد نصا عبّر فيه عن التدمير الاجتماعي والاقتصادي الذي حاق بالقرى المصرية حين فرض السلطان برسباي ضرائب استثنائية على الفلاحين، مقارنا بين وضعها في ايامه وما كانت عليه في العهد الفاطمي مستعينا باخبار المسبحي:« فكان يؤخذ من كل قرية خمسة آلاف درهم فلوسا عن ثمن الفرس المقرر عليها، ويؤخذ من بعض النواحي عشرة آلاف عن ثمن فرسين…فنزل بسبب ذلك على فلاحي القرى بلاء الله المنزل، واحصى كتاب ديوان الجيش قرى ارض مصر العامرة…فكانت ألفين ومائة وسبعين قرية، وقد ذكر المسبحي في تاريخه: انها كانت في القرن الرابع: عشرة آلاف قرية عامرة…»[56]وعزا ذلك الى فداحة الضرائب غير المشروعة التي فرضت على الفلاحين تلبية لمصاريف الجيش عموما والجلبان خصوصا، كما الى تداعيات كثرة الفتن، وتهاون السلاطين باخمادها تقربا من الجلبان، ولحاجتهم الدائمة الى المال.

   ولا يكتمل هذا الموضوع الا بالحديث عن المصادرات لأنها طريقة تعسفية لاستخلاص الضرائب غير الشرعية من الناس، كما بالتطرق الى موضوع الغلاء. ولم يتوسّع ابو المحاسن بالامرين، بل تطرق اليهما لماما لابراز فظاعة حدث ما، ممّا يعني ان نظرته الى التاريخ تمحورت بشكل اساسي على العاملين السياسي والعسكري، واتمها احيانا بمواضيع اخرى لا ندري ان كان قد خطط للتطرق اليها، او ان الاوضاع المتردية التي عاصرها فرضتها عليه. اذ نلاحظ ان اخباره عن المصادرات والغلاء لم تكن متوازنة: فاحيانا نادرة اعطي بعض التفاصيل واحجم عنها في معظم الاحيان، او انه مرّ عليهاهامشياً. وقد اشار الى ان استقى غالبية  معلوماته الاقتصادية من المقريزي الذي اعتنى بالوضع الاقتصادي وربط انحطاطه بما آل اليه الوضعان العسكري والسياسي. ففي كلام ابن تغري بردي عن المصادرات قال: انه في عام 649/1252 تمت مصادرة اموال الاوقاف والايتام على نية القرض من دون اي تفصيل[57]. وحصلت بعض المصادرات بمبادرة من بعض امراء المائة كما فعل الامير صرغتمش عام 752/ 1352 حين صادر اموال الوزير ابن الزنبور بعد ان قبض عليه وسجنه في موضع مظلم، كما قبض على كتابه ومماليكه وصادر كل ما وجد عنده من مال وثياب وتحف، بعد ان تمّ تعذيب نسائه واولاده، واقرّ السلطان تلك الاعمال الشاذ.[58]

    ويندرج في هذا الاطار المصادرات للصالح العام ان جاز التعبير، باغتصاب حقوق الناس واموالهم تحت ستار الجهاد مثلاً؛ فقد نزل بالناس مصائب كبيرة كان بطلها الامير سنقر الزردكاش تحت عنوان بناء مراكب من اجل جهاد الفرنجة:« من قطع اشجار الناس عسفاً… وزاد ظلمه حتى جاوز الحد…واخذ المال من الناس مع الذل والهوان والصَغار…»[59]

    اما المعلومات الاخرى عن المصادرات فهي لا تعدو الذكر كما حصل في عهد السلطان اينال:« صودر ناظر الجيش واخذ منه جمَلُ من المال بعد استحقاق.»[60] لأنه لم يحاول الحصول عليها من منابعها ربما لقلة اهتمامه بالموضوع، بل اعتمد في اكثرها على مقتطفات اخذها حرفيا عن المقريزي.[61]

   واستكمالا للرؤية الاقتصادية تناول موضوع الغلاء، ولا ندري لماذا كان يحجم عن ذكر اسبابه، فقد تحدث عنه وكأنه من المعارف العامة، وهذه ثغرة مهمة في رؤيته للتاريخ. فذكر مثلاً في سنة 622/ 1226 كان غلاء بمصر فقط[62]، وحدث غلاء سنة 694/1295 من دون تحديد الاسباب، علما انه قارن بين اسعار بعض السلع عمّا كانت عليه وكيف اضححت[63]. وفي مكان آخر قال: ان السلطان برقوق رسم بنقل المماليك من الخليل الى غزّة لغلاء بالاسعار من دون تحديد السبب او ذكر سعر اي سلعة[64]. وتحدث احيانا عن الغلاء الناتج عن انتشار الطاعون[65].

    على الرغم من ان دولة المماليك اتسمت بغش النقود فلم يهتم ابو المحاسن بهذا الموضوع، وقلّما تطرّق اليه. ولا نعرف لماذا اورد بعض التفاصيل عنه في حوادث 861/1457 حيث قال: نودي بالقاهرة بالا يتعامل احد بالنقود الفضية ( الدراهم ) المضروبة بدمشق، ما انزل خسائر كبرى بالناس لكثرة ما كانوا قد تعاملوا بها، وصاروا يتندرون بالسلطان « السلطان من عكسه ابطل نفسه »[66] واستمر الامر على هذا النحو حتى السنة التالية حين اصلح السلطان امر الفلوس بعد ان خسر الناس ثلث اموالهم[67].

    ويبدو جليا ان تعاطي ابو المحاسن مع الموضوع الاقتصادي جاء متفاوتا، بل انتقائياً، مميّزاً بين مقوماته ومرجّحا بعضها على البعض الآخر، ممّا جعل رؤيته للاقتصاد المملوكي غير متوازنة ومرتبكة، ولا تتلاءم مع سعة اطلاعه ووعيه الكبير للشأنين السياسي والعسكري.

7– المجتمع في النجوم الزاهرة:

أالعامة: اذا استثنينا المقريزي قلّما نجد مؤرخا في العصور الوسطى اعطى المجتمع اهمية تذكر لأن المؤرخين استمروا يولون الخاصة شأنا كبيرا على حساب العامة. فعلى الرغم من الضجيج الكبير الذي احدثه الزعر في مجتمع دولة المماك الجراكسة، وتأسيسهم مجتمعا خاصا بهم تمتّع بكامل المقومات، فان مؤرخنا، الذي عاصر قسما من هذه المرحلة، ذكرهم بحادثة يتيمة على عهد الناصر فرج لا تجاوز الاسطر القليلة بيّن فيها استغلالهم الفتن والمعارك حتى ينهبوا ليس فقط بيوت المهزومين انما ايضا المدارس والجوامع، ويكسروا السجون ويخرجوا من فيها من المساجين[68]. ولا نستطيع من خلال النجوم الزاهرة التمييز بين العامة والزعر الا بصعوبة، لأن ممارسات الفريقين بدت متشابهة على رغم الفوارق بينهما بالعادات واسلوب الحياة، والعلاقة بالسلطة، ناهيك بالتراتب الاجتماعي الذي حل الزعر في اسفله[69]، ولا يمكننا اعتبار اهماله هذا الموضوع جهلاً به لان استاذه المقريزي تناول هرمية المجتمع المملوكي وتحدث عن الزعر.

   ان كتاباته عن العامة لا تنمّ عن تدوين تاريخ اجتماعي، انما هي استكمالا للحوادث العسكرية التي كانت تنتهي بهزيمة احد الاطراف، فيبيح المنتصر للعامة نهب بيوت المهزوم او المهزومين. وكانت تتعدى اعمالهم نهب ما سُمح به لتطال اماكن العبادة، والمنازل خصوصا الواقعة خارج القاهرة، فكانوا يفرغونها من محتوياتها ويسرقون ابوابها واخشابها ويسلبون الرجال والنساء ثيابهم [70].

   ان العامة بتركيبها الاجتماعي ووظائفها لا وجود لها في النجوم الزاهرة، فلم ترد الا في بعض الاخبار المرتبطة باركان السلطة، نسيشف منها انها كانت تؤيّد من ترى ممارساته شرعية ومنصفة: فقد قاتل العامة سنة 802/1400 نائب الغيبة بطرابلس لرفضه قبول الملطفات القادمة مع الامراء من مصر لأهل طرابلس وانتصروا عليه. وبعد فراره الى دمشق عاد بعسكر كثيف وانتصر على اهل طرابلس، وصادر اموالهم، وفعل بهم ما لا يفعله الكفرة على حد تعبير ابي المحاسن، وقتل نحوا من عشرين رجلا من اعيان المدينة، ونحو ألف من العامة، وسبى الناس والحريم[71]. واضح ان العامة لم  تتصدر الخبر في هذه الحادثة المذكورة، بل جاء الكلام عليها من ضمن الصراع بين نائب الغيبة واعيان المدينة اظهاراً لظلم الحكام وفظاعة الحدث، حتى اننا لا ندري، من خلال الحادثة، لماذا ارسلت الملطفات، وما كانت تحوي ؟

    وتناولها ابو المحاسن في موقع آخر من المنظار السابق عينه مع تبديل بالشخصيات والمواقف، اذ هاجمت العامة مع بعض المماليك السلطانية عام 853/1450 محتسب القاهرة ولاحقوه من بيت الى آخر، واينما حلّ صار البيت هدفا للنهب، حتى عروه من ثيابه وعمامته. والادهى من ذلك ان مؤرخنا لم يذكر سبب الحادثة سوى قوله :« وهم معذورون …لأنه بالامس كان في الهموت من الفقر والذل والافلاس، وصار اليوم في الاوج من الرئاسة والمال…وصار عنده شمم وتكّبر »[72] غني عن البيان ان المحتسب هو المقصود بهذه الحادثة لأنه لم يكن اهلا لهذه الوظيفة. وكان لابن تغري بردي موقفه من منزلة الموظفين، فيجب ان يكونوا كريمي المحتد، مثقفين، في حين ان المحتسب المذكور كان جاهلا نال جزاءه لأنه تولى وظيفة لم يكن اهلا لها. وبالتالي جاءت اخبار العامة من ضمن الصراع بين المحتسب والمماليك السلطانية استكمالا للمشهد الصراعي حول مشروعية تولّي منصب.

بالقضاء: ان القضاة ركيزة مهمة في المجتمع الاسلامي، ومنزلتهم رفيعة جدا، ودورهم شديد الاهمية، ومع ذلك لا يحتلون سوى حيّز هامشي جدا في النجوم الزاهرة كقول ابي المحاسن: في سنة 658/1260 عيّن الظاهر بيبرس لكل مذهب قاضيا مستقلا، فصار قضاة القضاة اربعة[73]. كما وضع ثبتا بقضاة كل مذهب من المذاهب السنية الاربعة منذ سنة 658 وحتى تاريخ اعداد النجوم الزاهرة.[74]، ويضيف ان بيبرس رتّب في دمشق اربعة قضاة قضاة ايضا[75]. ثم تغيب اخبار القضاة الى ان يذكرهم مرة يتيمة بعد ذلك حين تمّ عزل القضاة الاربعة بمصر لأنهم، على حد تعبيره، اساءوا الحكم فحلّ مكانهم نوابهم معلقاً علىالحادثة:« هذا والناس في غاية السرور بما حصل، من منع القضاة من الحكم بين الناس »[76]

جالحرائق: على رغم كثرة الحرائق التي انتشرت في العهد المملوكي، التي اشار الى العديد منها المقريزي وغيره، فان ابا المحاسن اهملها اهمالاً شبه تام؛ فلم يذكر الا الكارثي منها كحريق القاهرة عام 710/1312 حيث جهد السلطان والامراء لاطفائه، مصوّراً  بعض العادات الاجتماعية المتبعة باطفاء الحرائق والاستبسال لا بل الاستماتة في سبيله، كما باجتماع الناس في الجوامع يصلّون ويتضرعون لكي يساعدهم الله بالسيطرة عليها.[77] وتغيب الحرائق الكارثية عن القاهرة حتى 862/1458تاريخ حريق بولاق او ان مؤرخنا غيّبها، وجاءت اخبار هذا الحريق الكارثي، «الذي لم يسمع بمثله في سالف العصور» الذي اتى على غالب املاك بولاق، وعجز الامراء والحكام عن اخماده، اظهارا لفظاعته ومهاجمة للسلطة «المتخاذلة » لعجزها عن حماية مواطنيها، والتعويض عليهم:« وقد افتقر من هذا الحريق خلايق كثيرة، وعلى الله العوض.» وليضعه ايضا ضمنا على ذمة المماليك الجلبان اذ اتهمهم بافتعال كل الحرائق، التي كانت تحصل في القاهرة بعد ذلك التاريخ، ابتغاء لنهب بيوت الناس.[78]

دالاوبئة: يُرجع بعضَ اسبابها الى مستوى فيضان النيل، مغتنماً الفرصة ليتحدث عن كيفية قياس مياه الفيضان: والمقياس ليس الا عمود من الرخام مثمّن الاضلاع في موقع ينحصر فيه الماء عند انسيابه اليه، ومفصّل على اثنين وعشرين ذراعا، كل ذراع مقسّماً الى اربعة وعشرين قسما متساويا تعرف بالاصابع، ما عدا الاثني عشر اصبعا الاولى فانها مفصّلة على ثمانية وعشرين اصبعا لكل ذراع[79]. فقد مات عام 794/1392 عدد كبير من الناس « لان النيل بلغ ست عشرة ذراعا ثم هبط من ليلته فشرّقت البلاد واعقبه غلاء عظيم حتى أكل الناس الميتة.»[80] وتحدّث عن الطاعون الاسود الذي ضرب العالم سنة748/1348 فافنى عددا كبيار من الناس معظمهم فلاحون، ووصف طرق معالجته.[81] ويتكرر كلامه على الطواعين؛ فاوجز طاعون 784/1383 قائلا: « هذا والموت بالطاعون عمّال بالديار المصرية في كل يوم يموت عدة كبيرة[82].» من دون ان يضيف اي تفاصيل اخرى. وتوسع بالحديث عن الطواعين الاخرى ولا سيما وباء 833/1430 حيث نودي بالقاهرة الصيام ثلاثة ايام تقرّبا الى الله، وفصّل اضطراده، وازدياد الوفيات حتى ان بيوتا كثيرة خلت من سكانها، وتعطلت الاسواق، وازداد طلب الناس على الاكفان. ويماثله طاعون 864/ 1460 حيث كان يموت جرّاءه ستون شخصا يوميا في القاهرة[83]هالعمران: اشار الى انجازات بنائية من دون اي تفصيل: شرع السلطان بيبرس ببناء المدرسة الظاهرية[84]، وبنى برقوق مدرسته بين القصرين[85]، مسقطا الفنون البنائية تماما. وفصّل فقط بناء القاهرة وخططها[86] الذي قد يكون اخذه اما عن الاوحدي، اوعن المقريزي.

 و- موقفه من غير المسلمين: يتراءى لنا من خلال النجوم الزاهرة لن ابن تغري بردي اتخذ مواقف متشددة من المسيحيين، لأنهم برأيه اهل كفر، ويجب الا يستخدموا في الدواوين الرسمية، ولا عند الامراء. فقد اعتبر أن منزلة اي مسيحي مهما علت يجب الاّ تضاهي مستوى اي مسلم، متخذا من الانتماء الديني وحده معياراً للكفاءة. فاذا شغل مسيحي مركزا في احد الدواوين، ودائما حسب رأيه، صار شأنه ارفع من منزلة المسلمين الذين يترددون عليه من اجل اتمام معاملاتهم، وقد يرجونه ويتوددون اليه، وهذا سلوك مرفوض عنده لأنه يحقّر المسلمين ويحط من قدرهم، وقد عبّر عن ذلك بالمواقف التالية:« دعا –السلطان- البطريرك واوقف على قدميه ووبّخ وقرّع، وانكر عليه السلطان ما بالمسلمين من الذل بلاد الحبشة تحت حكم الحطّى متملكها …ثم طلب السلطان الاكرم فضائل النصراني كاتب الوزير فضربه بالمقارع، وشهّره بالقاهرة عريانا بين يدي المحتسب وهو ينادي عليه: هذا جزاء من يباشر من النصارى في ديوان السلطان…قلت ولعل الله ان يسامح الملك المؤيد بهذه الفعلة عن جميع ذنوبه، فانها من اعظم الامور في نصرة الاسلام…يكون المؤيد على هذا الحكم فتح مصر فتحا ثانيا، واعلى كلمة الاسلام، واخذل كلمة الكفر، ولا شيئ عند الله افضل من ذلك.»[87]

   وتتكرر مواقف ابن تغري بردي المعادية للمسيحيين ليس فقط بسبب استخدامهم في الدواوين الرسمية كما في قوله في حوادث 868/1464:« نودي بشوارع القاهرة ان احدا من الاعيان لا يستخدم ذميا في ديوانه…قلت ما احسن هذا لو دام واستمر، فمنعت هذه المناداة اهل الذمة قاطبة من التصرف والمباشرة بقلم الديونة بوجه من الوجوه باعمال مصر، وكتب بذلك الى سائر الاقطار.»[88] انما ايضا لكي يعاملوا بطريقة تميّزهم من المسلمين حطّاً من قدرهم، ويزداد كلامه وضوحا بما اورده في حوادث 868 قائلا:« ثم عقد السلطان بالصالحية عقد مجلسٍ بالقضاة الاربعة…قرئت العقود المكتتبة قديما على اهل الذمة فوجدوا في بعضها ان احدا…لا يلف على رأسه اكثر من عشرة اذرع، وان نساءهم يتميّزن من نساء المسلمين بالازرق والاصفر على رؤوسهنّ في مشيهن في الاسواق، وكذلك بشيئ في الحمامات فحكم القاضي…بإلزام اهل الذمة بذلك جميعه، ما عدا الصرف والطب بشروطه، وصمم السلطان على هذا الامر، وفرح المسلمون قاطبة، فأسلم بسبب ذلك جماعة من اهل الذمة من المباشرين، ودام ذلك نحو سنة، وعاد كل شيئ على حاله الاول، وبلغ السلطان ذلك فلم يتكلم بكلمة واحدة. لا حول ولا قوة الا بالله العظيم، واين هذا من همّة السلطان المظفّر بيبرس الجاشنكير لمّا قام ببطلان عيد شبرا، ولبس النصارى الازرق، واليهود الاصفر، لله درّه ما كان اعلى همّته، واعزّ دينه…»[89]

   يتكرر مدحه واشادته بالسلطان بيبرس الجاشنكير كلما تحدث عن اهل الذمة لانه تأثر بآراء الوزير المغربي وطبّفها: فمنع المسيحيين من العمل في دواوين الدولة وعند الامراء، وامرهم بتغيير لباسهم، وابدى رأيه بهذا الامر قائلاً:« رفع الاسلام بهذه الفعلة وخفض اهل الملتين بعد ان وعد باموال جمّة فلم يفعل.»[90]

    قد يكون الصراع بين الاديان احد سمات العصور الوسطى، التي عرفت، ربما بسببه اضافة الى عوامل اخرى، بعصور الظلام، وعصور الايمان. واكتسب الامر حدة زائدة نتيجة الحملات الصليبية، وحروب العثمانيين في اوروبا. ومع ذلك فلم يكتسب موقف السلاطين المماليك من مسيحيي الشرق الحدة عينها التي صوّرها ابن تغري بردي، فكان من حين الى آخر يُعاد العمل بالشروط العمرية لفترة ثم تعود الحياة الى مجرها العام. ويبدو انه كان شديد التعصب حتى بالنسبة الى مسيحيي مصر، مأخوذا بحمية دينية غير مبرّرة بلغت به حد تكفيرهم، ورفض قبولهم في المجتمع، على عكس المقريزي الذي صوّر الحالات التي كان يتم فيها التعدي عليهم ويحمّل المسؤولية للحكام وبعض الموتورين[91]. وتتبدى مواقفه المتطرفة جلية عندما صوّر غزوة المماليك لقبرص صراعاً بين المسيحية والاسلام كديانتين، وليس صراعا بين القبارصة والمنظمات المسيحية فيها، والمماليك على المصالح الاقتصادية في المتوسط، مكفّراً بكلامه المسيحيين قاطبة، ومحقراً معتقداتهم، اذ بعد ان كسر المماليك الصليب في قبرص، الذي كان يعتقد القبارصة انهم اذا اقسموا به كذبا عوقبوا مباشرة، زعم بلسان احد المماليك:« انتم اطعتم الشيطان فصار يغويكم ويستخف بعقولكم، ونحن هدانا الله الاسلام وانزل علينا القرآن فلا سبيل له علينا.»[92] وموقه هذا لا ينبع من رأيه الشخصي فقط وان كان متميّزاً به، بل يصوّر سمات من عصره كمنع السلطان برسباي التعامل بالنقود الافرنتية لأن عليها علامة كفرهم_الصليب_ فجمع الدنانير الافرنتية كلها واعاد ضربها دنانير اشرفية[93].

     وعليه،لم يقصد ابن تغري بردي التطرّق الى المجتمع من اجل دراسته بحد ذاته، ممّا جعل نظرته الى التاريخ الاجتماعي تتأرجح بين التفصيل والايجاز، فطرق بعض المواضيع بابعادها الاجتماعية الصرفة، وأطلّ على بعضها الآخر استكمالا لرؤاه الاخرى، وتوضيحاً لأحداث تتعلق بالسلطة السياسية والاوضاع العسكرية تبيّانا لعجز سلاطين دولة المماليك خصوصا الجراكسة منهم عن ضبط الاوضاع العامة خوفا من ثورات المماليك الجلبان، وليأتي كلامه، في هذا الصدد، دروسا مستقبلية. ومع ذلك فقد افادنا اجتماعياً بمعلومات قد لا نجدها بمصدر آخر.

 II- طريقة المعالجة: لم يتبع مؤرخنا خطة واحدة في تأريخيه من حيث المصادر وانماط التأريخ كما سيتضح فيا يلي.

1 – المصادر : ان مصادره شديدة الوضوح خصوصا في المراحل التاريخية السابقة على عصره، فقد كان يذكر اسم المؤرخ او المؤلف مع اسم كتابه حينا، او اسم الكتاب المستخدم فقط حينا آخر باعتبار ان صاحبه غني عن التعريف، او اسم المؤرخ من دون كتابه لأنه بدوره مشهور، ونادرا ما اورد خبرا من دون ان يسنده الى مصدر. وسنقتصر على ذكر بعض النماذج من مصادره والا طال الامر كثيرا: 

أذكر المؤلف وكتابه: قال المظفّر بن قزا أوغلي في « مرآة الزمان»[94]، او ابن الاثير في « الكامل»[95]، او القاضي محي الدين بن عبد الظاهر في كتابه« الروضة البهية الزاهرة في الخطط المعزية القاهرة»[96]، قال ابن ابي المنصور في تاريخه من دون ذكر اسم الكتاب[97]، قال الحافظ الذهبي في تاريخ الاسلام[98]

بذكر اسم المؤرخ فقط: قال العبيد بن سلام[99]، او الكواكبي[100]،او القضاعي[101]، قال ابن خلّكان[102]، او المسبحي[103]، ابو يعلى القلانسي[104]، ابن الاثير[105]، ابن واصل[106]، ابو شامة[107]، ابن شداد[108]، الصفدي[109]، المقريزي[110]، العيني[111]. والجدير ذكره ان معظم الوفيات التي ذكرها أخذها عن الذهبي.

جالاعتماد على مقاطع بحذافيرها: كان يستل مقاطع، او خبرا تاما بحذافيره من احد المؤرخين تأكيدا لرأيه، او تبيانا لفداحة الخبر، كما في اخبار الامير يلبغا الناصري حيث استل مقطعا من العيني، وبعد ان انتهى الخبر قال:«انتهى كلام البدر العيني»[112]، ويتكرر الامر عينه كثيرا بشهادات أخذها عن المقريزي[113].

دالمصادر الشفوية: وتعود بمعظمها لحوادث عاصرها واستقاها من الذين شاركوا بالاحداث او ارتبطوا بها مباشرة بطرق متنوّعة كالامراء والاجناد المماليك، وقد ساعده في ذلك اتقانه التركية التي كانت لغة مجتمع المماليك، ورتبته العسكرية، ومنزلته العلمية.  

 فقد استخدم كلمة حدثني دلالة على المصادر الشفوية كما في:« حدثني الامير ازيغا اليونسي»[114]، او القاضي كمال الدين بن البارزي[115]، او بعض اعيان المؤيد شيخ[116]، «او بعض مماليك الوالد ممن باشر الوقعة- غزوة قبرص- من اولها الى آخرها، وجماعة كبيرة من الاصحاب والثقاة»[117]جاءت مصادره شديدة الوضوح، غنية جدا، وكثيرة التنوع.

2- مفهوم الخبرفي النجوم الزاهرة:

أ- في الفترة السابقة على عصره: لم يتبع الخبر عنده خطة سير واحدة، بل تقلّب مفهومه بين عصر وآخر، فبدا في الفترة السابقة على عصره  تقليديا متقطعا وتاما لذاته؛ كما في التأريخ لمصر منذ سقوط الدولة الطولونية وحتى قيام الدولة الاخشيدية. فهي اخبار متقطعة يدور معظمها حول العراق لأن مؤرخنا، على ما ازعم، اعوزته المعلومات الكافية عن مصر، او أنه اعتبر العراق، في ذلك العصر، مركز القرار السياسي ومصر مجرّد ولاية تابعة لسلطة الخليفة، فلم يخصّها بتاريخ مميّز .

   وقد أرخ لهذه المرحلة تبعا لعهود الولاة بدءا بمحمد بن سليمان الكاتب وانتهاء بولاية محمد بن كيْلغ الثانية[118]، متخذاً من الوالي شخصية محورية ارتبطت بها كل الاحداث، مؤسسا لمنهجه العام الذي سينفرد به في النجوم الزاهرة، بحيث سيغدو حاكم مصر المستقل بدءا باحمد بن طولون مرورا بالخلفاء الفاطميين وصولا الى السلاطين الايوبيين والمماليك مركز الاحداث، لا بل محورها الرئيسي. وما التأريخ الحولي الذي اعقب هذه التراجم الا استكمالا جزئيا جدا لبعض الحوادث، ومكانا مناسبا لذكر وفيات الشخصيات البارزة.

   و سيتطور منهجه نحو الافضل كلما اقترب من عصره وتوفّرت المعلومات الكافية عن سِيَر الشخصيات الرئيسة، ممّا حوّل الخبر الى شبه تام باحداثه ومدلولاته النتائجية والسببية، حتى بات يشبه نظيره عند ابن الاثير، لأنه تعدّى التاريخ الحولي والحدث الواحد الى اخبار متعددة يكمل بعضها البعض الآخر بطريقة قد نقول عنها تعاقبية. فبعض الاخبار شكل سببا لما سيليه ونتيجة لما سبقه، وهذه طريقة فذّة تنم عن استيعاب تام للأحداث. ومن نماذجه: صراع الاخشيد مع ابن رائق، فالصلح بينهما، وادى مقتل ابن رائق الى هجوم الاخشيد على  بلاد الشام، ممّا ادخله بصراع مع سيف الدولة…[119] ونجد نموذجا واضحا جدا على هذا النسق التأريخي في ترجمة الخليفة الفاطمي المستنصر لأنها عبارة عن مجموعة احداث كل واحد تام بذاته، ومرتبط بالخليفة بطريقة ما، والحدث الاول يمهد لما سيليه، وكأن حدوثه شكّل نهاية لمرحلة قائمة، ونهايته تأسيسا لأخرى جديدة، وهكذا دواليك من دون غياب الشخصية المحورية عن الاحداث كلها، وان طغت عليها احيانا  وضمن فترة محدودة شخصيات ثانوية لعبت دورا مركزيا، بل محوريا كما في علاقة ابن حمدان بالمستنصر اذ صار محور الاحداث كلها الى ان قتله إلدكز. هذا النمط جعل الاخبار شديدة التماسك والوضوح: فقد اتخذ من ضعف المستنصر، ومن الصراعات بين فرق الجيش، ودور ابن حمدان، وإلدكز، وانقطاع الفيضان، اسبابا كافية للأزمة الاقتصادية التي عاشتها مصر. ويماثله دورا بدر الجمالي وابنه امير الجيوش المحوريين وارتباط الخليفة المستنصر بهما. ولا يقطع سياق هذه الاخبار المضطردة سوى ذكر اكثر من رواية للخبر الواحد احيانا، لأن هاجس الحقيقة كان ملازما لابن تغري بردي. ويخلص من هذا المنهج بطريقة غير مباشرة الى تحديد موقفه من الشخصيات معللاً ضعفها او قوتها؛ فهو، على سبيل المثال، يعتبر المستنصر خليفة ضعيفا غير جدير بالحكم[120]، وفي الوقت عينه اطلق عبره في ردّه على إلدكز حكمة سياسية، مبرهنا ان في التاريخ عبرا:« امّا ابن حمدان فما كان عدوّي، وانما كانت الشحنة بينك وبينه يا إلدكز، فهلكت الدنيا بينكما، واني ما اخترت ما فعلت من قتله، ولا رضيته، وستعلم غبّ الغدر، ونقض العهد.»[121]

    وعليه، تصبح الترجمة منهجا شديد التماسك تتقاطع فيه الاحداث احيانا سببيا، انما موقفه المؤيد لبعض الشخصيات كصلاح الدين الايوبي جعله ينهج خطة مغايرة في بعض وجوهها ابرازا للشخصية المذكورة والاشادة بها، حتى انه لا يبدي فيها رأيا شخصيا واضحا بل ضمنيا باحالة القارئ على اقوال مؤرخين آخرين كقوله:« ومن هنا نذكر اقوال المؤرخين في احوال صلاح الدين هذا وغزواته واموره، كل مؤرخ على حدته.»[122]

   ان تعدد الروايات احيانا للخبر الواحد يلفت الانتباه في منهج ابي المحاسن، واذا كنا نجد له عذرا فيما اورده عن صلاح الدين من آراء للاشادة به، وكذا الامر بالنسبة للسطان الظاهر بيبرس[123]، فاننا لا نبرر ادراجه عددا من الروايات هو مقتنع بانها مختلفة في ما بينها في بعض وجوهها من دون ان يجهد نفسه ليدمجها برواية متكاملة خالية من الشوائب، ممّا يذكرنا بمنهج الطبري وغيره من مؤرخي القرن الثالث وما قبل. انظر مثلاً موقف صلاح الدين من الفرنجة عام 567/ 1172:« وهذه الواقعة التي ذكرناها في اول هذه الترجمة، غير اننا نذكرها ايضا من قول ابن خلّكان لزيادات تأتي فيها[124].» وتكرر هذا الموقف اكثر من مرة: « قال ابن القادسي خلاف ما نقل ابو المظفّر وابن خلّكان وغيرهما قال:» ويورد الرواية من دون اي تعليق[125]، ومرة جديدة بتأريخه للعادل اخي صلاح الدين بشهادات حرفية لمؤرخين مشهود لهم كالذهبي، وابن خلّكان والموفق عبد اللطيف المعروف بان اللباد، فسبط ابن الجوزي[126].كما نجد المنهج عينه في ترجمة السلطان الكامل بن العادل[127].

ب- الخبر في العصر المملوكي: في العهد المملوكي تغيّر هذا النمط فصار ابو المحاسن يتابع الحدث منذ بداياته وحتى نهايته من دون تقطيع اوصاله باخبارٍ اعتراضية او رواياتٍ مكررة، بل صار يرويه بكلّيته ليكون تاماً لذاته من جهة، وسببا او نتيجة لخبر آخر من جهة ثانية. ممّا يجعلنا نعتقد ان المعلومات باتت متوفرة، وبالتالي الرؤية العامة الى الاحداث، على الاقل افقياً، باتت بدورها حاضرة في ذهنه. وصارت الاحداث طيعة بيده يوظفها بالاتجاه الذي يخدم رؤيته الى التاريخ وتطور الاحداث، شأن الصراع بين البحرية، الذين فروا من مصر على اثر مقتل زعيمهم اقطاي، مع السلطان علي بن ايبك وانهزامهم في مصر، وقتالهم للناصر يوسف الايوبي. وينبّه ابن تغري بردي القارئ الى انه سيقطع هذا الخبر ليتحدث عن اخذ التتار لبغداد لأهمية هذا الحدث قائلا:« نذكر اخذ هولاكو لبغداد ثم نعود الى امر المصريين.»[128] وتفسيرنا لهذا القطع للاحداث ان سقوط بغداد حدث جلل وغير مألوف من جهة، ومراعاة من ابي المحاسن لتعاقب الاحداث من جهة ثانية، لا بل تداخلها في الزمن الواحد عينه.

ويعتبر استيلاء التتار على بغداد نموذجا واضحا عن رؤيته لتكامل الخبر: فقد رسم صورة الوضع في العراق ودور الوزير ابن العلقمي « الرفضي » على حد تعبيره، فقد سهّل دخول التتار بسيطرته على الخليفة، وحجب المراسلات عنه، ومكاتبته التتار وحثّهم لأخذ العراق ليكون نائبهم فيه. ويكمل المشهد بتصويره الخليفة جاهلا وغافلا عماّ يجري. ثم انتقل الى مرحلة الغزو؛ حصار بغداد، فمحاولة الصلح التي قادها ابن العلقمي، وهي برأيه خيانة سهّلت دخول الغزاة الى بغداد والى مقتل اشرافها. وانهي الخبر بسقوط عاصمة الخلافة محصيا عدد القتلى، ومؤرخا مصير ابن العلقمي ليكتمل معه المشهد كله[129]. ثم عاد الى امر البحرية، وكأننا امام حدثين متقابلين ومتداخلين في الزمن الواحد كل واحد تام بذاته من جهة، واحدهما يؤثّر على الاخر، الامر الذي دفعه الى قطع سياق الاول عند نقطة مفصلية ليروي تفاصيل الثاني جاعلا منه نتيجة لتطور الحدث الاول ايجابا بالاتحاد بين الخصوم من المماليك لمواجهة المغول. 

   وهناك ناحية مهمة جدا في منهج ابي المحاسن تتمثّل بترتيبه الحوادث او تدرّجه فيها تبعا لمواضيعها وتواليها الزمني كما في ترجمة الظاهر بيبرس: فقد استهلها بشرائه، ثم انتقل الى تدرّجه بالمناصب، فكفاحه للوصول الى السلطة، ثم الجهد الذي بذله لتركيز الدولة، فحروبه الخارجية التي اسماها « فتوحاته »، واخيراً مرضه ووفاته[130]. وهو ترتيب قلّ نظيره عند معاصريه وسابقيه، ينمّ عن وعي تام للأحداث، ورؤية متكاملة للأخبار، لأن هذا المنهج تكرر في ترجمات معظم السلاطين ولاسيما من حظي منهم باحترامه وتقديره.

  وتبدّل منهجه تبدّلاً شبه جذري اعتبارا من اعتلاء الظاهر خشقدم العرش عام 866/1462 بالانتقال من التراجم الى التأريخ الحولي، ونلاحظ فيه ارباكاً؛ بحيث ما ان كان ينتهي من تأريخ الحوادث حوليا حتى يعود الى تكرار السنوات عينها وفقا لتواليها في عهد خشقدم تماشياً مع منهجه الاساسي؛ مستهلاً عهده بترجمة قصيرة تناولت اصله، وكيفية دخوله الى القاهرة، والمناصب التي شغلها، والمناقلات الادارية التي احدثها في بداية عهده، لينتقل بعد ذلك الى اخبار عهده على توالي السنوات بادئا حديثه:« ثم استهلت سنة ست وستين وثمانمائة» ذكر فيها الحوادث التي جرت فيها من دون ان يختمها بالوفيات[131]، واكمل تأريخ السنوات الاخرى بالطريقة عينها[132]. ثم عاد الى تأريخ عهد خشقدم مرة ثانية تبعا لتوالي سني حكمه كقوله:« السنة الاولى من سلطنة الظاهر خشقدم»[133]، منهيا اخبار كل سنة بابرز وفياتها[134]. ولست ادري ما الذي دفعه للوقوع في مثل هذا العيب المنهجي، ولماذا لم يظلّ وفيّاً لمنهجهه الاساسي ؟!!

    تمحّور تأريخ ابن تغري بردي على منهج التراجم المقتصرة مركزيا على السلاطين وحدهم، وبعد الانتهاء من ترجمة السلطان كان ينتقل الى التأريخ الشبه حولي مرتّباً سني حكمه الواحدة تلو الاخرى قائلا:« السنة الاولى من عهد فلان» ويقرنها بالتاريخ الهجري المناسب، متحدثا فيها بايجاز كلي عن بعض الاخبار التي لا تتعدى امورا ادارية كاستقرار فلان بالمركز كذا، او عزل علاّن من منصب كذا، او من اُنعم عليهم بامرة، او من عوقبوا ونوع العقوبة، وقد يوجز حادثة ما وكأنها مقدمة لخبر سيتناوله في مكانه المناسب كقوله:« على ما سنحكيه ان شاء الله في مقتل فلان او سجنه…» او كما في كلامه على وثوب الامراء على الامير اينبك البدري المستبد بامور السلطنة في عهد علي بن شعبان[135]، او في اخبار يلبغا الناصري:« ثم خرج يلبغا الناصري بعد مدة الى نيابة طرابلس ؛ ويلبغا الناصري هو صاحب الوقعة مع برقوق الآتي ذكرها في سلطنته.»[136] محاولا شد الاخبار بعضها الى البعض الآخر، محافظا على مركزية الشخصية الاساسية (السلطان) من خلال اخبار الشخصيات التي قد تبزّها احيانا، لكي يجعل القارئ على بيّنة من الاحداث. وقد يعرّف من خلال الشخصية المركزية او بعض الشخصيات المهمة المتممة لها، بشخصيات اخرى لم تقم بدور مهم:« وبيدمر هذا ايضا ممن ولي نيابة طرابلس في ايام يلبغا العمري.»[137]. وكان يورد الوفيات بشكل متوالٍ، مترجما للمهين بينهم.

  كان يستهل عهد السلطان الجديد بترجمة له موجزة جدا ذاكرا فيها اصحاب الوظائف الدينية الاساسية كالخليفة وقضاة القضاة، واصحاب الوظائف العسكرية على اختلاف رتبهم خصوصا نوابه في مصر وفي بلاد الشام، ثم شاغلي الوظائف الديوانية،[138] « ليأتي ذلك مقدمة لما سيحدث من تغيير في الوظائف وتقلبات الدول»[139]، ويشير الى المناقلات التي احدثها[140]. وعند موت احد السلاطين كان يذكر اجمالا من خلّف من الاولاد ذكورا واناثا، ومآل حال كل منهم، والبنات من تزوجّن، وتاريخ موت كل واحدة وسببه[141].

   ونجد عنده اخبارا متقطعة لا لحمة بينها، بل مستقلة تمام الاستقلال بذاتها على توالي الايام او الاسابيع احيانا، واحيانا اخرى على توالي الشهور، تبعا لمقتضى الظروف. وهي الى ذلك، اخبار منتقاة لا يجمع بينها اي قاسم مشترك على رغم ورودها متعاقبة كما في اخبار اعتلاء برقوق العرش للمرّة الثانية[142]. وتتقطّع عنده ايضا اواصر الخبر الواحد رغم استمرار احداثه فترة طويلة، من دون ان ندري لماذا لم يتابعه، كما عوّدنا، من بداياته حتى نهايته وان قطعه حينا بحدث جلل، بل نجد الخبر عينه قد مزقته اخبار عديدة لا لحمة بينها، وغير مرتبطة بالحدث الرئيسي باية صلة حينا، وحينا آخر ترتبط به هامشياً، كما في اخبار خروج منطاش ونعير بن حيّار في عهد برقوق[143]. وقد يستطرد قاطعا الخبر الرئيسي باخبار قد لا ترتبط به الا هامشياً كما في كلامه على اتهام ابن عرام بقتل الامير بركة الجوباتي منافس برقوق على السلطنة. وادرك انه اطال الكلام وقطع السياق العام للخبر الاساسي، فاعتذر عن هذا العيب قائلا:« وقد خرجنا عن المقصود واطلنا الكلام في قصة بركة وابن عرام على سبيل الاستطراد ولنرجع لما كنا فيه.»[144]

   لن نمعن بالاستطرادات العديدة في النجوم الزاهرة، انما سنكتفي فقط بنموذج آخر عنها وهو تبريره بل تأكيده بان السلطان قلاوون هو من استحدث وظيفة كتابة السر، فبعد ان سرد ادلته قال:« وقد استطردنا من ترجمة الملك المنصور الى غيرها، ولكن لا بأس بالتطويل في تحصيل الفوائد.»[145] ونجد اخبارا اخرى مقتضبة وكأنها خرجت من فراغ لأنه لم يذكر اسبابها ولا تطوّرها ولا نتائجها، مكتفيا بالقول:« وقع الخلف…بين المماليك الخاصكية وبين الامراء لامور يطول شرحها»[146] ويبقى السؤال لماذا تجاهل هذه الاحداث: اهو لنقص في المعلومات، او عدم اهتمام بها، لأنه درج على التعقيب على مثل هذه الامور قائلا:« سنأتي على ذكرها في حينه»، فاذا كان الامر كذلك، فهذا يعني انه فاضل بين الحوادث، وهو عيب تأريخي لا مبرر له.

  اتسم منهج ابي المحاسن بوصف المعارك بطريقة تنبض بالحياة تشعرك انك تشاهدها او  ان مؤرخنا شارك فيها، وتكمن اهمية هذا الوصف في متابعة الحدث من بداياته حتى نهاياته بما في ذلك نتائجه وتداعياته[147]. ولعل ما ذكره في حوادث سنة 802/1400 عن الصراع بين الاتابك ايتمش البجاسي والامير يشبك يشكل نموذجا واضحا عن وصف المعارك، بدأه باسباب الصراع، ثم تابع وقائع القتال بكل دقائقه: محدّداً انواع الفرق العسكرية عند كل منهما، وتحوّل المجريات العسكرية على الارض من هذا الجانب لصالح الفريق الاخر او العكس، واخطاء الاتابك، واستغلال الزعر للقتال لتحقيق مكاسب مادية مباشرة، ليخلص الى تداعياته على مصر وبلاد الشام على المستويات كلها[148]. ويمثّل وَصْف معركة حلب بين تيمور والحلبيين احد ابرز نماذج هذا التأريخ؛ فبعد ان ذكر خطة المعركة ( وهي سيئة جدا بنظره) انتقل الى تصوير القتال الجماعي والفردي، مسميا الابطال باسمائهم « وظهر من ازدمر وولده يشبك من الشجاعة والاقدام ما لعله يذكر الى يوم القيامة»، فموت العامة من نساء وصبيان تزاحما على ابواب المدينة نتجة لسوء الخطة العسكرية، ثم يستفيض بوصف اقتحام جحافل تيمور للمدينة، مبرزا تفاصيل دقيقة جدا تصوّر ما ارتكبه التتار من فظائع حددت مصير الحلبيين، والامراء والجنود المعتصمين بقلعة المدينة [149].

3- تعليل الحوادث : جهد الاّ يكون قاصّا بل مؤرخا موضوعيا يعلّل الحوادث. فبذل جهودا كبيرة للتثبت من صحة اخباره قبل القطع بصدقها وتدوينها. وتبدو موضوعيّته بانه لم يحاول تبرير بعض الاحداث التي اعتبر انها لا تتوافق مع اقتناعاته بعد ان اقتنع بصحة التدابير التي اتخذت بشأنها، او باظهار الاخطاء التي ارتكبت في بعضها الآخر معتمدا على التعليل منهجاً. كما في تفنيّده اسباب القبض على اتابك العسكر سنجر الحلبي:« وكان القبض عليه لأمور: احدها انه كان يطمع بالسلطنة بعد مقتل المعز ايبك …والثاني انه بلغهم انه ندم على ترك الملك…»[150] وسرد ابو المحاسن عددا من الادلة تثبت ان السلطان قلاوون هو الذي استحدث وظيفة كاتب السر قائلاً:« على ما نبيّنه من اقوال كثيرة.»[151] وعدد اسباب قبض السلطان الناصر محمد بن قلاوون على تنكز نائب الشام[152]. وعلل اسباب تهيؤ الحلبيين لقتال تيمور، وموقفه من سؤ تصرف اولي الامر في القاهرة[153]. كما اسباب انهيار حكم الناصر فرج بعد اعلان الخليفة المستعين سلطاناً[154]، وكذلك عدم تصديق مسيحيي مصر سقوط قبرس بيد المماليك.[155]

اكسب هذا المنهج اخباره صدقية واضحة، لأنه استقرائي في بعض وجوهه، واسبغ عليه صفة التأريخ ورفعه الى مصاف المؤرخين الكبار. وزاده قيمة علمية انتقاد ابن تغري بردي لحوادث ذكرها مؤرخون كبار كالمقريزي وابن حجر العسقلاني والبدر العيني وغيرهم، وهو نقد بناه، كما يزعم، على حقائق موضوعية بما ساق من ادلة اعتبرها دامغة، وان لم تكن جميعها كذلك. فقد غالط سبط ابن الجوزي قائلاً:” وهَمَ صاحب مرآة الزمان في قوله … والصواب ما قاله الذهبي، فانه وافق في ذلك جمهور المؤرخين.”[156] وخالف رأي العيني حول عمر السلطان محمد بن حاجي :” والاصح ما قلناه”[157]. ولم يقر ما ذهب اليه المقريزي حول رمي ألف مركب موسوقة بالحجارة لردم جانب من مسجد التوبة الذي جرفته المياه:” قاله الشيخ تقي الدين المقريزي رحمه الله وهو حجة فيما ينقله. لكن اقول لعله وَهَمَ في هذا واراد ان يقول: وسَقْ ألف مركب بالحجارة فسبق قلمه بما ذكرناه.”[158] وناقش رأي المقريزي حول الاسم الاصلي لبرقوق لأنه اسماه الطنبغا، وابن خطيب الناصرية الذي اسماه سودون:« والقولان ليسا بشيء وان كان النقلة لهذا الخبر ثقات في انفسهم ضعفاء في الاتراك واسمائهم وما يتعلق بهم لا يرجع الى قولهم فيها، والاصح انه من يوم ولد اسمه برقوق كما سنبيّنه…» ثم ساق الادلة[159]. وناقش رأي المقريزي في الظاهر برقوق:« واشتهر في ايامه ثلاثة اشياء قبيحة: اتيان الذكران واشتهاره بتقريب المماليك الحسان، التظاهر بالبرطيل …وكساد الاسواق لشحّه وقلة عطائه، فمساوئه اضعاف حسناته». طبعا لم يقبل ابو المحاسن هذا التقريظ في حق سلطان مملوكي من قبل مؤرخ كبير كالمقريزي فرد عليه، وان كنا نجد في رده ضعفا وادلة غير وافية[160]. ولم يعجبه ايضا وصف المقريزي لأخلاق السلطان المؤيد شيخ ربما بسبب عصبيته للماليك اذ قال فيه المقريزي:« كان بخيلاً مسّيكاً شحيحاً يشح حتى بالأكل، لجوجا غضوبا نكدا، حسودا معيانا، يتظاهر بانواع المسكرات، فحّاشا سباباً، شديد المهابة…وهو من أكبر خراب مصر والشام لكثرة ما كان يثيره من الشرور والفتن ايام نيابته بطرابلس ودمشق. ثم ما افسده ايام ملكه من كثرة المظالم ونهب البلاد وتسليط اتباعه على الناس يسومونهم الذلة، ويأخذون ما يقدرون عليه بغير وازع من عقل ولا ناه من دين.»[161] فرد عليه ابن تغري بردي بالاعتماد على آراء مؤرخين آخرين لا يوافقون المقريزي :« وكان يمكنني الرد في جميع ما قاله بحق، غير انني لست مندوبا الى ذلك…والذي اعرفه انا من حاله انه كان سلطانا جليلا شجاعا مقداما عاقلا نقّادا…» ويسرد ما اخبره عنه بعض الامراء والاعيان والقضاة[162]، لكن قرائن مؤرخنا لم تتمكن من دحض ما اورده المقريزي.

    ويبدو انه تعمّد انتقاد المقريزي المؤرخ المشهور جدا، والذي يحتل منزلة رفيعة عند معاصريه وعند من اتى بعده، حتى وصل به الامر الى نعته« بالخباط » اي كلام من لا يعقل، وهذا اجحاف كبير بحق المقريزي، وان دلّ على شيء فعلى الحسد، وربما الكره، لأنه استغل كلام شيخ المؤرخين عن السلطان ططر ليسوق هذا الكلام[163]، اذ تعصّب لططر قائلاً:« لعل الصواب في حق الملك الظاهر ططر بخلاف ما قاله المقريزي…كان ططر ملكا عظيما جليلا عالي الهمّة…فكان حاله مع من يخالفه كالطبيب الحاذق الذي يلاطف عدة مرضى قد اختلف داؤهم…»[164] وهو كما نلاحظ كلام شاعري تنقصه الحقائق والبينات. ولم يسلم ابن حجر العسقلاني بدوره من نقد مؤرخنا فنعته بجاهل اللغة التركية لأنه اخطأ تفسير معنى برسباي[165].

   من الواضح ان الهنات التي شابت بعض منهح ابي المحاسن لا تبخسه حقه ابدا، فقد كان واسع المعرفة، متفقهاً بعلوم من سبقه، وقريبا من القرار السياسي في عصره، ومطلعا على اخبار ما كان بمقدور غيره الوصول اليها بيسر ربما بسبب اصله الجركسي ووظيفته العسكرية. ويُعتبر النجوم الزاهرة من ابرز المصادر السياسية والعسكرية للعصر المملوكي واكثرها افادة.   

 


[1] – ابن تغري بردي، (يوسف)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، دون تاريخ،14/118

[2] –  POPPER,W. EI2, Abu Almahasin, t1,p142

[3] – ابن الصيرفي ( علي بن داوود)، إنباء الهصر بابناء العصر، تحقيق حسن حبشي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1970،ص 178-179

[4] Popper W, ABU AL-MAHASIN, EI2, t1, p. 142

[5]  – ابن الصيرفي، انباء، ص178-181 ، و السخاوي، ، ( محمد بن عبد الرحمن)، الضؤ اللامع لاهل القرن التاسع، دار الجيل، بيروت، 1992،  10/306

[6] –  نجوم، 14/237 و 15/123

[7] – انظر ما كتبه تلميذه المعروف بالمرجي في مقدمة النجوم الزاهرة 1/14-15، وايضا نجوم، 3/25، 222

[8]  – لمزيد من الاطلاع على الذين تثقف عليهم انظر: السخاوي، الضوء، 10/305

 ابن العماد الحنبلي( ابو الفلاح عبد الحي)، شذرات الذهب في اخبار من ذهب، دار الكتب العلمية بيروت، د.ت. 7/318، وانظر ايضا ما كتبه المرجي في مقدمة النجوم الزاهرة، 1/14-16

[9]–  نجوم، 15/491

[10]   السخاوي، الضوء، ج10، ص 305

– السخاوي (شمس الدين محمد)، وجيز الكلام في الذيل على دول الاسلام، تحقيق بشار معروف وعصام الحرستاني، واحمد الخطيمي، مؤسسة الرسالة بيروت، 4 اجزاء، ج2، ص817

[11]  – ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب في اخبار من ذهب، ج7، ص 317-318

[12]  – ابن تغري بردي، (جمال االدين يوسف)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، دون تاريخ، ج1، ص16

[13] –  العنان، مؤرخو مصر الاسلامية، ص118

[14]   – السخاوي، ضؤ، 10/308

– ابن اياس، (محمد بن احمد)، بدائع الزهور في وقائع الدهور، تحقيق محمد مصطفى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1984، ج3 ، ص45

[15]  – EI2, Popper , Ibn Taghri bardi , t1, p142

[16]  – انباء الهصر، ص 178

[17]  – مقدمة النجوم، المرجي، ص17 ، انباء الهصر، ص178

[18]  – ذكره المؤلف في النجوم، 6/195 و 9/260 ، المرجي، ص1/17 والضؤ اللامع، 10/307

[19] – Popper, op. cit142

[20]   – انباء الهصر، ص177-178

[21]  – نجوم، 5/222  و Popper, op. cit.p 142

[22] – نجوم، ج1، ص1-3

[23] – نجوم، 1/33

[24]  – نجوم، 1/46 – 50

[25]  – نجوم، 1/61- 95

[26]  – 3/1 – 21

[27]  – 3/49 – 65

[28]  – 3/139

[29]  –  انظر مثلا سنة 375 في 4/147، و377 في 4/150 و 388، في 4/199….

[30]  – نجوم، 5/174

[31] – العنان، مؤرخو مصر، ص122

[32]   – نجوم، 5/343

[33]  – نجوم، 6/8-13

[34]   – نفسه، 7/328

[35]   – نجوم 11/291

[36]  – المكان عينه

[37]  – نجوم، 12/107-108

[38]   – نجوم، 14/39

[39]  – نجوم، 14/256

[40]  – نجوم، 16/340-341

[41]  – نجوم، 14/42

[42]  – نجوم، 10/119، 123-124

[43]  – نجوم، 10/140

[44]  – نجوم، 16/370

[45]  – نجوم، 7/327-328

[46]  – نفسه، 7/328-329

[47]  – 15/50-51، 410-413

[48]  – نجوم، 16/102

[49]  – نفسه، 16/114، 130

[50]  – نجوم، 16/123، 143،

[51]  – نجوم، 15/53-54

[52]  – انظر منهج المقريزي في هذا الكتاب

[53]  – نجوم، 9/49

[54]  -لم يعرّف ابو المحاسن بهذه الضرائب نجوم، 11/263

[55]  – نجوم، 12/247-248

[56]  – نجوم، 15/41

[57]  – نجوم، 7/23

[58]  – نفسه، 10/278-282

[59]  – نجوم، 16/149

[60]  – نجوم، 16/129

[61]  – نفسه ، 14/17

[62]  – نجوم، 7/213

[63]  – نفسه 8/57

[64]  – نفسه 12/68

[65]  – نجوم، 14/39، 16/142

[66]  – نجوم، 16/103، 104

[67]  – نفسه 16/115-116

[68]  – نجوم، 12/189

[69]  – انظر منهج محمد بن طولون في هذا الكتاب ص، 344 وما بعد

[70]  – نجوم، 10/44-46، 11/286

[71]  – نجوم 12/191-192

[72] – نجوم، 15/397-400

[73]  – نجوم، 7/121

[74]  – نجوم، 7/121-136

[75]  – 7/137

[76]  – نجوم، 14/41

[77]  – نجوم، 9/63-72

[78]  – نجوم، 16/120- 123

[79]  –  نجوم، 12/87 وقد يكون اخذ ذلك عن المقريزي الذي ذكر الامر عينه في السلوك، ج1، ق1، ص59

[80]  – نجوم، 8/68

[81]  – نفسه، 10/195-209

[82]  نجوم،11/275

[83]  – نفسه، 14/337- 344 ، 16/146-147

[84]  – نجوم، 7/120

[85]  – نفسه، 11/239

[86]  – نجوم، 4/34-54

[87]  – نجوم، 14/81-83

[88]  – نجوم، 16/281-282

[89]  – نجوم، 16/281-282

 [90]  – نفسه، 8/133-135

[91]  – انظر منهج المقريزي في هذا الكتاب، ص 245 وما بعد

[92]  – نجوم، 14/302

[93]  – المصدر السابق، 14/283-284

[94]  – نجوم، 2/78،  3/63، 93….

[95]  – نجوم، 2/80،  5/7 ، 6/18…

[96]  – نفسه، 4/34…

[97]  – نجوم، 5/176

[98]  – نجوم، 4/70

[99]  – المصدر السابق، 2/282

[100]  – نجوم، 2/316

[101]  – نفسه، 3/60

[102]  نجوم، 3/236، 4/70

[103]  – المصدر السابق، 3/292، 302

[104]  – نفسه، 5/4،147…

[105]  – نجوم، ج5، ص7

[106]  – نفسه  5/339

[107]   5/34

[108]   ج6، ص9

[109]   6/373

[110]  – اعتمد عليه كثيرا : 8/156، 9/118، 11/224،255، 14/ 109، 207…

[111] – نجوم،  11/3، 182

[112] – نجوم، 12/33

[113]   – نفسه، 12/169

[114]  – نفسه، 14/110

[115]  – نجوم،  14/20 ، 111

[116]   – المصدر السابق، 14/111

[117]  – نفسه، 14/294

[118]  – نجوم، 3/144- 248

[119]   – 3/251- 256

[120] – نجوم، 5/17 – 20

[121]   نفسه، 5/22

[122]   نجوم، ج6، ص 7

[123]   المصدر السابق، 7/175 – 182

[124]  – نجوم، 6/15

[125]  – نفسه، 6/130

[126]  نجوم، 6/160 – 171

[127]  المصدر السابق، 6/ 227 – 244

[128]  – نجوم، 7/42

[129]   – نفسه، 7/ 47 – 50

[130]  – نجوم، 7/ 138 – 175

[131]  – نفسه، 16/ 264- 273

[132]  – نجوم، 16/274- 288

[133]  – نجوم، 16/ 310

[134]  – نجوم، 16/ 310، 315، 318…

[135]  المصدر السابق 11/157 – 158

[136]   نجوم، 11/163

[137] – نجوم، 11/181

[138]  -انظر مثلا ترجمة محمد بن برسباي :نجوم، 15/222- 226، والناصر فرج بن برقوق 12/169

[139]  – نجوم، 12/169

[140]  – انظر مثلا انعامات السلطان خشقدم على بعض الامراء بتقادم ألف حيث يعقب ابن تغري بردي على ذلك:” باستحقاق او غير استحقاق، كما هي عادة اوائل الدول، نجوم، 16/257

[141]  – انظر مثلا اولاد برقوق: نجوم، 12/106

[142]–  نجوم، 12/3-44

[143]  – نجوم، 12/10-11، 12، 13، 14، 18، 22، 23، 30، 31، 43-44

[144]  – المصدر السابق،  11/187

[145]   نجوم، 7/343

[146]  – نجوم، 7/265

[147]  – انظر مثلا: الصورة الكاملة والواضحة التي رسمها منذ اعتزال الناصر محمد للمرة الثانية لسياسة الامير سلار وموقفه من البرجية وبيبرس الجاشنكير، الى موقف الامراء في بلاد الشام، بحيث اورد تفاصيل لا نجدها لا عند المقريزي ولا عند العيني، حتى انه قصر ترجمة بيبرس= =الجاشنكير على هذا الصراع: نجوم، 8/222- 277، وانظر ايضا مقتل يلبغا العمري من حين تآمر مماليكه عليه وحتى وفاته: نجوم، 11/35-40 ، وايضا المعارك التي حصلت بين برقوق وبركة بما في ذلك عمليات الكر والفر، ودور العامة والمماليك السلطانية، نجوم، 11/174-179

[148]  – نجوم، 12/184- 189

[149]  – نفسه، 12/ 221- 225

[150]  – نجوم، 7/42

[151]  – المصدر السابق، 7/332 ثم سرد الادلة: ان الدوادار طلب من ابن عبد الظاهر ان يكتب كتابا الى اهل دمشق فاخطأ المضمون، وأكد رأيه بانه فيما مضى كان الوزراء وحدهم يتلقون الاوامر عن الملوك، واضاف:” وعندي دليل آخر وأقوى من جميع ما ذكرته، انه لم أقف على ترجمة رجل في الاسلام شرقا ولا غربانعت بكاتب السر قبل فتح الدين القاضي وفي هذا كفاية.” ثم يذكر الكتاب الذين ذكرهم القلقشندي وغيره، نجوم، 7/334- 159

[152]  رفض السلطان السماح له بالسفر الى قلعة جغبر، وقول تنكز: لو سمع مني السلطان لكنت اشرت عليه ان يستقيل ويقيم احد اولاده على العرش وأكون مدبرا له، بعث نائب بلاد الروم برسالة الى السلطان ولم يبعث بمثلها الى تنكز، شفع السلطان مرات عديدة بمماليك تنكز المسجونين بالكرك والشوبك من دون ان يستجيب تنكز، نجوم، 9/159

[153]  – نجوم، 12/221

[154]   نفسه، 13/147

[155]  – نجوم، 14/297

[156]  – نجوم، 5/173

[157]  – المصدر السابق، ج 11، ص 3 ويؤكد المقريزي ما ذهب اليه مؤرخنا

[158]  – نجوم، 9/118

[159]  – نفسه، 11/24- 26

[160] – نجوم، 11/224- 226

[161]  – المصدر السابق، 14/109- 110

[162]  – نجوم، 14/110- 111

[163]  – نجوم  14/198- 200

[164]  – نفسه 14/207

[165]  – نجوم، 14/243- 244

[165]  – نجوم، 14/243- 244

محمد بن جرير الطبري 225-310/840-922

 اولا: حياته ممؤلفاته

1 – حياته : ولد الطبري بآمل قصبة اقليم طبرستان عام 225/840، عهد به والده، وكان ميسور الحال، الى علمائها لتهذيبه وتدريسه. بدت عليه معالم النجابة منذ نعومة اظفاره: اذ حفظ القرآن وله من العمر سبع سنين، وصلٌى بالناس  بعمر الثمانية، وكتب الحديث بسن التاسعة. وإشباعاً لشغفه بالعلم قام بعدد من الرحلات: بدأها بالرّي ومدن بلاد فارس، ثم توجه الى العراق وحط رحاله في البصرة، فواسط ، ثم الكوفة ومنها الى بغداد، وفيها جميعها كان يحضر حلقات العلماء. ثم ترك العراق قاصدا مصر وقبل الحلول فيها مرٌ على بلاد الشام وقصد بيروت حيث لقي العباس بن الوليد البيروتي المقرىء[1]. وصل الى الفسطاط عام 253/867 ثم عاد الى الشام مجدداً فإلى مصرعام 256/870 واينما حل كان يقصد العلماء والفقهاء ينهل من علومهم. اما اشهر الذين اخذ عنهم فهم: الرازي، والدولابي، وابن حميد، ومحمد بن العلاء الهمذاني، وقد كتب عن كل من الاخيرين ما يزيد على المائة ألف حديث «حتى انتهت اليه الرئاسة في التفسير والفقه والتاريخ » على حد تعبير شاكر مصطفى[2]. وندب الطبري لتأليف كتاب في الفقه لأنه وجد الناس حوله تشعّبوا فرقا كثيرة، ولتخليص الفقه من الاسرائيليات.[3] ثم عاد الى بغداد فطبرستان، فبغداد مجدداً حيث استقر وشرع في تأليف كتبه، وقد اغفل في كتابه « اختلاف الفقهاء » ذكر احمد بن حنبل، ولما سئل عن السبب اجاب: كان ابن حنبل محدثاً ولم يكن فقيها، ما اثار عليه الحنابلة وكان عددهم كثيرا يوم ذاك في بغداد فهاجموه في المسجد ثم في داره. وتوفي الطبري في بغداد يوم 26 شوال 310/ 16 شباط 922 تاركا عدداً وافراً من المؤلفات.

2 – مؤلفاته :ترك الطبري العديد من المؤلفات بعضها لم يكمله، كما ينسب اليه بعض الكتب، اما اشهر مؤلفاته فهي:

  • تاريخ الرسل والملوك، ويسميه بعضهم تاريخ الامم والملوك
  • جامع البيان في تفسير القرآن
  • تهذيب الآثار وتفصيل معاني الثابت عن رسول الله من الاخبار
  • اختلاف الفقهاء
  • تبصير اولي النهى ومعالم الهدى
  • لطيف القول في احكام شرائع الاسلام، وفيه يشرح مذهبه في الفقه
  • الخفيف في احكام شرائع الاسلام

  وقد ذكر ياقوت الحموي عددا من مؤلفات الطبري لم تصلنا[4].

   ما يهمنا من هذه المؤلفات العديدة هو كتاب تاريخ الرسل والملوك، وهو قسمان: الاول منذ بداية الخلق، والثاني التاريخ الاسلامي حتى سنة 302/914. استهل القسم الاول ببداية الخلق، وابليس، وآدم، ثم تحدث عن الانبياء بدءأ من نوح وانتهاء بالرسول محمد. وأرّخ بعد ذلك لتاريخ الفرس منذ منوشهر حتى كسرى ابرويز، ثم بني اسرائيل، وملوك الروم ، فملوك اليمن، وانهى هذا القسم باجداد الرسول.

     اما التاريخ الاسلامي فقد تناول فيه السيرة النبوية، فالعهد الراشدي، ثم الاموي، فالعباسي حتى سنة 302/914، واقتصرت موضوعاته على التاريخ السياسي والعسكري، وقلما نجد فيه معلومات اجتماعية اواقتصادية.

ثانيا– منهجه :

أ – نظرته التاريخية : من العسير فهم نظرة الطبري الى التاريخ بمعزل عن ثقافته المشبعة بالعلوم الدينية من فقه وتفسيروحديث، التي اسبغت على شخصيته هالة خاصة، وربما مميزة. فقد كان رجل دين بامتياز جهد لوضع مذهب فقهي خاص به، اذ لم تكون إلتفاتته الى التاريخ الا من هذا المنظار والهدف. فالتاريخ محكوم اساساً بارادة الآهية تسيّر احداث الكون، وعلى الحكام ولا سيما الخلفاء ادراك هذه الحقيقة، فبقدر ما يسعون لخدمة الله بالقدر نفسه يجازون خيرا، وكلما اخفقوا في هذا التوجه تصيبهم النوازل.

   ان الكون، من المنظار الاسلامي، متسلسل الحلقات، كل دائرة من دوائره تكمل التي تليها، وللانبياء شأن كبير في ضبط جموح الحكام وارشاد الناس. من هذا المنطلق أرخ الطبري « تاريخ الرسل والملوك » فالانبياء، من حيث هم مقدسون وهداية للناس، ضرورة ماسة لهداية البشر وقيادة الحكام. لذلك كانت عودة الطبري لبداية الخلق وتدوين تاريخ الانبياء والشعوب التي ارتبطت بهم. فالهدف الاساسي هو تاريخ الانبياء ما جعل تاريخ فترة ما قبل الاسلام يدور حولهم بالدرجة الاولى، وبالدول التي ارتبطت بهم بالدرجة الثانية، على رغم المعلومات الدقيقة التي اوردها حول تاريخ الفرس والروم. محدداً بذلك نظرته الى الكون والتاريخ فكل نبي كان يمهد لمن سيليه، تلك هي المشيئة الالهية، التي ستختم الدوائر المذكورة بالرسول محمد وبرسالته السماوية « الاسلام » الذي هو « الدين عند الله ». ما يعني أنه قلّد نظرة ابن اسحق حول وحدة الفكر الديني، معتبرا ان الديانات السابقة للاسلام ليست الا مقدمة له. وتقتضي هذه النظرة وحدة الفكر التاريخي ايضاً، لأنها مبنية على المعطى السياسي الذي لا يفهم الا من خلال ارتباطه بالديني المتأثّر بدور الارادة الالهية بحياة البشر. ممّا جعل تأريخ الطبري يتمحور اساساً حول التاريخ السياسي والعسكري من دون اعطاء البعدين الحضاري والاجتماعي دوراً يذكر، لأن الاحداث السياسية تسير بمشيئة الاهية، وتعبّر عن ارادة الله في خلقه تبعاً لخضوع كل شعب من الشعوب، التي أرخ لها الطبري، لتعاليم النبي الذي ارسله الله له. وقد جاءت هذه النظرة شبه عالمية لأن الطبري اهمل التأريخ للشعوب التي لا انبياء لها ممن جاء ذكرهم في القرآن كالزنوج والهنود والصينيين وغيرهم. وربّ سائلٍ وهل كان للفرس نبي ورد ذكره في القرآن؟! قد يكون الجواب في أن الاسلام اعتبر الزرادشتية اصحاب كتاب، فضلاً عن ان معظمهم دخل في الاسلام في ما بعد وبالتالي يجب دراسة تطور تاريخهم عن طريق المقابلة بين « الجهل » و « دين الحق ».

   وجعلته هذه النظرة يخلّ بالتوازن في فترات التاريخ السابق للعهد الاسلامي بحيث قصرها على الانبياء ومن يدور في فلكهم، وعلى الساسانيين وتاريخ اليمن من دون ان يولي الشعوب الاخرى اهتماما، علما ان مؤرخين سبقوه الى كتابة تاريخ عالمي كاليعقوبي، فجاءت نظرته العالمية، من هذه الزاوية، ضيقة ربما بتأثير من مفاهيمه الدينية الصارمة لانه لم يبذل جهداً كافياً للوقوف على تواريخ شعوب اخرى كان يمكنه الوصول اليها.

    اما نظرته الى التاريخ في العصور الاسلامية فهي استمرار ببعض وجوهها للتاريخ السابق الذي شكّل المقدمة للسيرة النبوية، التي اعطت الكون انطلاقة جديدة ترضي الله، ما جعله يركز على جوهرها، فهي المحور الاساسي في تاريخ المسلمين، والنبراس الذي يجب ان يحتذى. وان التلازم بين السياسي والديني عند الطبري جعل الاحداث السياسية تتصدر كل الحركة التاريخية وتختصر المستجدات الاخرى من اقتصادية واجتماعية وحضارية بوجه عام. والطبري بحكم عمله في التفسير والفقه، لا بل كونه فقيها ومفسرا اعتبر الاجماع ركنا اساسياً للمسلمين، فمن دونه لا وحدة دينية، وبالتالي لا وحدة سياسية. من هنا جاء تركيزه على وحدة السلطة ومركزيتها، خصوصا لان الحكام على اختلاف مراتبهم تولّوا السلطة بارادة الاهية ثوابا او عقابا للمسلمين، فيجدر التركيز عليهم وجعلهم محور الاحداث أكانوا سيئين ام فاضلين، لأن في التاريخ عظات وعبرا، ولأن الاجماع وحده يوحد المسلمين ويدفعهم لتخطي كل العقبات التي تواجههم. وعلى هذا، جعل الخلفاء يتصدرون الحركة التاريخية، على الرغم من ضمور دورهم في عصر الطبري، فالاحداث السياسية والعسكرية مرتبطة بهم ومنطلقة منهم، وشكّل العراق عموما، وبغداد خصوصاً، نقطتها المحورية. اما الاحداث الجانبية، على اهميتها بنظرنا اليوم، فلم تحتل الا مركزأ ثانويا في الرسل والملوك كالدويلتين الطولونية والاخشيدية وغيرهما. في حين احتل القرامطة فسحة مهمة فيه لأنهم كانوا، بنظر الطبري، عامل قسمة وتمزيق للحالة الاسلامية، فركّز على اعمالهم التدميرية على المستويات السياسية والاخلاقية الدينية. وقد يكون الحكام، من وجهة نظره، تسنّموا السلطة بارادة الاهية فاولاهم وحدهم دورا محورياً عليهم، ولم ينل الشعب سوى نصيب ضئيل جداً من اهتمامه معتبراً ان لا دور لهم في تطور الاحداث السياسية. وباختصار يعتبر الطبري مؤرخ السلطة السياسية خلفاء وولاة وعمالاً وقادة عسكريين بامتياز، فهم وحدهم لبّ الحركة التاريخية. ولم يحتل التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والحضاري عموما منزلة تذكر في تاريخه الا في بعض لمحات او اطلالات باهتة بين الحين والآخر تتراءى لنا في معتركات الاخبار السياسية والعسكرية. ولعلّ مرد ذلك الى انغلاقه على ذاته وكتبه، وانصرافه الى مذهبه الفقهي، وعزوفه عن الزواج وتأسيس عائلة، والى نظرته المحورية للخلفاء من حيث قيادتهم للأمة، ويؤيد هذا الرأي موقف الطبري المقل بالتأريخ لأركان الحكم الآخرين ولا سيما الوزراء بحيث اطل عليهم اطلالة سريعة جدا لا تتناسب مع ادوارهم البالغة الاهمية في عصره. وعليه، يمكن الاستدلال ان ابعاد الدولة كانت مشوشة في رؤية الطبري للتاريخ بحيث اهمل الحديث عن القضاة والنظام الاداري عموما، وبالتالي جاءت نظرته التاريخ مسطحة افقية على رغم احاطته الشاملة بالاحداث، التي عززها منهجه الحولي.

ب – مصادره: وهي بدورها تقسم الى قسمين: ما قبل الاسلام والتاريخ الاسلامي. فقد استمد معلوماته عن التاريخ ما قبل الاسلام من المصادر المتوفرة: ففي ما يتعلق بالانبياء اعتمد على سيرة ابن اسحق، وما تركه وهب بن منبّه فضلاً عن كتب التفسير. واستقى معلوماته عن تاريخ الفرس من الكتب المترجمة، ومن الوثائق التي كانت محفوظة في كنائس الحيرة وغيرها. واخذ تاريخ الروم اوالبيزنطيين عن الكتب المترجمة عموماً، واخبار اليهود من الكتاب المقدس وروايات يهودية. اما اخبار تاريخ العرب في الجاهلية فقد اخذها عن كتب الاخباريين الذين تناولوا هذا الموضوع ولا سيما وهب بن منبه، وابن اسحق، وهشام بن محمد الكلبي.

   واستمد التاريخ الاسلامي من كتب الاخباريين ونكاد نقول من مؤلفات كل الاخباريين الذين محضهم ثقته التي بناها على الثقة بالاسناد، مثل: محمد بن شهاب الزهري، وابن اسحق، وسيف بن عمر، وعوانة بن الحكم، والواقدي، والمدائني، والهيثم بن عدي. كما اعتمد على المؤرخين الذين سبقوه واولئك الذين عاصروه. فجاءت مصادره غنية جدا شديدة التنوع ومستقاة اجمالاً من مناطق الاحداث، وقد تكون الاغنى والاوسع والاشمل للقرون الهجرية الثلاثة الاولى.

ج- طريقةالمعالجة: عالج الطبري مادته التاريخية من منطلق علم الحديث، فأحل الاسناد مركز الصدارة، من دون جرح وتعديل بالرواة على طريقة المحدثين مكتفياً بثقته الشخصية بالراوي المبنية اجمالاً على قوة اسانيده فمثلاً اخذ عن الواقدي في الاخبار التاريخية واهمله كثيراً في السيرة النبوية. اما مضمون الرواية فلم يخضع، عموما، الى اي جرح اوتعديل او نقد آخر. وقد يكون مرد ذلك الى امرين:

1 – ايراده لمعظم الروايات المتوفرة ما كان يشكل نقداً ضمنياً لها.

2 – امانته التاريخية  وورعه الديني الذي دفعه لنقل الروايات كما هي كي لا يتحمل مسؤولية الحكم عليها، وهذا ما صرّح به في مقدمة كتابه: « وليعلم الناظر في كتابنا هذا ان اعتمادي في كل ما احضرت ذكره فيه على ما رويت من الاخبار، التي انا ذاكرها والآثار التي انا مسندها الى رواتها فيه، دون ما ادرك بحجج العقول، واستنبط بفكر النفوس الا القليل اليسير منه…فما يكون في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما ينكره قارئه، او يستشنعه سامعه من اجل انه لم يعرف له وجها من الصحة ولا معنى في الحقيقة، فليعلم انه لم يؤت في ذلك من قبلنا، انما اتى من بعض ناقليه الينا، وانٌا ادينا ما أدي الينا. »[5]

     وعلى هذا، انتقى الطبري الروايات من منابعها وفق اسانيدها فقط لأن مضمون الرواية يزكّيه، قوة الاسانيد والثقة بمن استخدمهم، مفضّلاً السند الاكثر قربا من الحادثة. اما مضامينها، بما تحوي من صدق اواختلاس او دس، فلا اهمية لها ما دام راويها موضع ثقة. ولمّا كانت الرواية بحد ذاتها تتأثر احيانا بقوة الذاكرة او بضعفها، وبالميول والاهواء، وبالتالي لا يمكن الجزم بصحتها وصدق راويها وسلامة حواسه، رفع الطبري المسؤولية عنه واحالها على الرواة واقفاً خارج الرواية، لا بل خارج الاحداث تاركاً التثبت من صحة الرواية ونقدها لجهود مصادره ولمن سيأتي بعده . وبالتالي اقتصر عمله على نقل الاخبار من دون اتخاذ موقف نقدي منها الا احيانا قليلة بقوله :« والصحيح عندنا » او « الرواية الاولى اولى بالصحة » او « زعموا »[6].

   وقد جعله هذا الموقف من الروايات يورد كل ما وصل اليه منها، او على الاقل تلك التي اعتبر اصحابها موضع ثقة بطريقة قلّ حيادها، فتعددت الروايات حول الموضوع الواحد، لا بل حول جزء من الرواية الواحدة[7]، فتداخلت لا بل تضاربت في بعض وجوهها، وتشعّبت توجّهاتها، قاطعة السياق العام للخبر الرئيسي، اذ تعددت شخصياته ما جعل بعضها الثانوي يطغى على الشخصية الاساسية احياناً، فافتقر تاريخه الى الوحدة وارتباط السياق. وتحوّل الطبري بايراده عددا ضخما من الروايات وحياده التام ازاءها، الذي بلغ حد السلبية احيانا، الى اخباري يحاول الاحاطة بكلية الخبر من دون اعتماد افضليات في المصادر، وتالياً في متون الروايات. فشابهت طريقته هذه، على الاقل ظاهريا، اسلوب المحدثين، الذين صنفوا الاحاديث الى مستويات، من دون ان يصنّف هو الروايات التي اوردها للخبر الواحد الا نادرا. وعلى الرغم من عيوب هذه الطريقة فانها جعلت تاريخ الرسل والملوك مستودعاً هائلاً لروايات القرون الثلاثة الهجرية الاولى، مخلداً اصحابها ممن ضاعت مؤلفاتهم، وبالتالي حفظ لنا الذاكرة التاريخية للقرون المذكورة.

    وكانت اسانيده قوية جدا يعود معظمها لمن شارك او شاهد الحوادث خصوصاً في الفترة السابقة على عصره، واستخدم ايضا اسانيد مختصرة تعود الى اخباريين ثقاة عند الطبري كقوله:« قال الواقدي»[8] او « ذكر عن المدائني»[9]، او« قال ابومخنف » [10]وقد اعتمد هذا المنهج الصارم في كل مؤلفه باستثناء الاجزاء الثلاثة الاخيرة لأنه كلما اقترب من التأريخ لعصره كلما كان يوجز الاسانيد كاستخدامه صيغة المجهول:« قيل»[11] او« ذكر بعضهم»[12] او «وقال غير الهيثم» ليذكر رواية مختلفة او متعارضة في بعض وجوهها[13]. وبالتأريخ لعصره اعتمد على جهود غيره من دون ان يتجشم عناء التفتيش عن الاخبار بنفسه، واورد اخباراً من دون ذكر اسانيدها[14]، او قال «حدثني فلان او جماعة من اهل تلك الناحية»[15]. وشكل ايراده لهذا العدد الهائل من الروايات ميزة خاصة به لم نعهدها عند مؤرخ آخر، وهي _اي الروايات_ الى ذلك تتيح للمؤرخ الحديث التوغل في استقصاء الحقيقة التاريخية فاسحة له مجالاً اوسع لاعادة تركيب الماضي عن طريق مقارنة ما تركه الطبري بما كتبه معاصروه او من سبقوه كالبلاذري مثلا.

   وقد اعتمد ثلاثة مناهج في تأريخه: التاريخ حسب الموضوع، والنمط الحولي، والتراجم. فاستخدم الاول في الفترة السابقة لظهور الاسلام لصعوبة اعتماد النمط الحولي فيها خصوصا انه لم يكن للعرب تقويماً ثابتأً قبل عام 115ق.م.[16]. اما في التاريخ العربي والاسلامي فقد أرخ وفق النمط الحولي، ولم يكن الطبري رائد هذا المنهج اذ سبقه اليه، على ما يعتقد بعض المؤرخين، الهيثم بن عدي وغيره. وهذا النمط من التأريخ يفتت الحادثة بين سنة وأخرى، واحيانا في السنة عينها اذا تعدت الحوادث الشهر الواحد، او اذا جرت في الوقت عينه احداث متداخلة ممّا كان يدفع المؤرخ للحديث عنها جميعها بالتناوب، وبالتالي كان يفقد الاخبار عنصر الوحدة والتكامل بسبب العودة المتكررة اليها. ومع ذلك، فان هذا المنهج يسمح للمؤرخ بالرؤية الشمولية افقيا وعمودياًً، ذلك ان تداخل الاحداث على مستوى اقاليم الدولة كافة يتيح فرصة أكبر لاستيعابها. وان لم يكن الطبري رائد التأريخ الحولي فهو مؤسس تطويره إذ كان يفرد، في السنة التي يتوفى فيها الخليفة او احدى الشخصيات البارزة، ترجمة كاملة له يذكر فيها كل الحوادث التي جرت في عهده بشكل متسلسل وموجز[17]، ممّا كان يعيد اللحمة للحوادث بعد تمزقها، من دون ان يغنينا ذلك عن العودة الى دراسة الحوادث حين ورودها للمرة الاولى. وهذا ما قصدنا به المنهج الثالث اي التراجم الذي صار مع الطبري متلازما مع المنهج الحولي، وسيقلده مؤرخون عديدون.

    تقويم عام :نال الطبري الكثير من المديح والاستحسان كما من النقد السلبي فعدد له المؤرخون الكثير من الهنات، ولعل ابرز المآخذ عليه هي:

1– تأثرت نظرته التاريخية بالمشيئة الالهية، فابتعد عن التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والحضاري عموما فلم يعن بالادارة والقضاء والثقافة، بل حصر همٌه بخبرات الامة السياسية والعسكرية في دولة الخلافة في المشرق من دون ان يتطرق الى اوضاع المسلمين في بقية المناطق كالاندلس مثلاً.

2– جاء مفهومه للاجماع الاسلامي متمثلاً بالخلفاء وحدهم، وعلى الرغم من ضمور دورهم في عصره، ظلوا عنده يحتلون منزلة عالية، ولم ينل الوزراء، الذين مارسوا ادواراً اساسية، سوى صورة هامشية في تاريخ الرسل والملوك. وعلى رغم التفتت والتجزئة التي اصابت دولة الخلافة، فان الدويلات، التي نشأت بمباركة الخلفاء العباسيين، والتي مارست ادوارا فاقت احيانا شأن الخلفاء والقادة العسكريين المتسلطين عليهم وعلى كل الشؤون في العراق، بل شكلت احيانا كثيرة لب احداثه،لم تحتل سوى إلتفاتات باهتة جدا في تاريخه.

3– لم يبذل جهداً كافياً للتثبت بنفسه من الاحداث التي عاصرها، بل اعتمد فيها على جهود غيره، وقد جاءت الى حد موجزة، قياساً بالمراحل التاريخية السابقة. ويفسر شاكر مصطفى هذا الامر بقوله :« وقد يكون فهمه للتاريخ على انه مستودع خبرات الاجيال السابقة.»[18]

4– قبل الكثير من الاساطير والاسرائيليات في التأريخ للفترة السابقة للتاريخ الاسلامي من دون نقد خصوصا انه طبق في التاريخ الاسلامي منهج المحدثين على مصادره.

5- ان بعض هذه المأخذ مستمد ربما من قياس الحاضر على الماضي، الذي يفترض وعياً منهجياً متطوراً يستند الى رؤية شمولية للحوادث، وهو امر لم يكن متوفراً حتى في أواخر العصور الوسطى[19] إلا عند قلة من المؤرخين.

    وعلى الرغم من النقد الذي يوجه الى تاريخ الطبري خصوصا ان بعض المؤرخين افترضوا لعصره تطوراً مزعوماً لا يتناسب مع تطور التأريخ في القرن الثالث الهجري، منطلقين احياناً من مسلمات الحاضر. يبقى تاريخ الرسل والملوك احد ابرز منجزات المؤرخين العرب والمسلمين من حيث ان ذكره لهذا العدد الضخم من الروايات يشكل الذاكرة التاريخية السياسية والعسكرية للقرون الهجرية الثلاث الاولى، ولولاه لكان الكثير من حقائق التاريخ قد ضاع كما ضاعت كتب العديد من الاخباريين. وسيبقى فضل الطبري عميما على الاقل لتطويره منهج التأريخ الحولي، لأن المؤرخين استمروا يقلدونه قرونا عديدة.

   


[1] – عاصي(حسين)، الطبري، دار الكتب العلمية ، بيروت، 1992، ص 57

[2]  – مصطفى، التاريخ، ج1، ص 253

[3] – زيادة، قمم من الفكر، ص58

[4] – انظر حول مؤلفات الطبري:الحموي(ياقوت)، معجم الادباء، ج6، في اماكن متعددة، ص 424-449

[5] – الطبري(محمد بن جرير)، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، دار المعارف، مصر، 1969، ج1، ص 7-8

[6] – الطبري، تاريخ الامم والملوك، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، 1407ه، ج3، ص510

[7] – الطبري، طبعة دار الكتب العلمية، 3/466، 4/85/5/338

[8] – الطبري، طبعة دار المعارف، ج8، ص 261ونجد هذه العبارة في العديد من الاماكن، وطبعة دار الكتب العلمية، 3/424

[9] – نفسه ، دار المعارف، ج8، ص 489 وغيرها كثير

[10] – الطبري، الكتب العلمية، 3/447

[11] – نفسه، دار المعارف، ج8، 67، ودار الكتب العلمية، 4/50، 66

[12] – الطبري، دار المعارف، ج8، ص 82

[13] –  الطبري، دار المعارف، ج8، ص 104  ودار الكتب العلمية، 3/466 و4/85

[14]  – ج8، ص 598وج9، ص 29، 52، 71…

[15] –  الطبري، دار الكتب العلمية، 5/365

[16] -Ryckmans. J. L’Institution monarchique en Arabie méridionale avant l’islam, Louvain. 1951, p71

[17] – انظر مثلا :سيرة عمر بن الخطاب، ج4، ص 208-241 ، او سيرة عثمان بن عفان، ج4، ص 489 وما بعد، وسيرة المأمون (طبعة الكتب العلمية) 5/197-206

[18] – مصطفى، التاريخ، ج1، ص 260

[19] – انظر لاحقا دراستنا عن ابن طولون الدمشقي الذي توفي في القرن 16 وقد اعتمد منهج الطبري عينه ص 340 وما بعد

مدخل الى دراسة التأريخ عند العرب قبل الاسلام

اسئلة كثيرة طرحت حول نظرة عرب الجاهلية الى المستقبل، من خلاحفظ المآثر. وهل ترك عرب الجاهلية آثارا مكتوبة لتربط ماضيهم بحاضرهم ومستقبلهم؟ وبالتالي هل ظهرت

كلمة تاريخ في الجاهلية؟

    عمليا، ثمة دراسات بل مؤلفات عديدة تناولت الموضوع وافاضت فيه، بعضها لمستشرقين وبعضها الآخر لمؤرخين عرب، ولعل ابرزها واحدثها كتاب الدكتور طريف الخالدي:« فكرة التاريخ عند العرب»[1]. والتاريخ كما بات معروفا هو نوع من التراث، والتراث يعني تراكم احداث مشتركة صارت ملكا لجميع الناس، وتسمّى من منظور ثقافي ثقافة المجتمع العامة. وهذا الطرح السؤال: ألم يكن لكل شعب من شعوب الارض ثقافة عامة؟ وكيف انتقلت الى الخلف، وهل اصبحت تاريخاً؟ وما هي معايير تقويمها؟

    من دون شك كان للعرب قبل الاسلام ثقافتهم العامة، فكيف صيغت، أشعراً ام نثرا ً؟ وهل دوِّنت ام جاءت شفوية ؟ وهل كان للعرب لغة موحدة بلهجات متعددة ؟

  يعتبر الدكتور طريف الخالدي ان الجزيرة العربية قد حققت وحدة اللغة منذ ما يقرب الثلاثة قرون قبل الاسلام، وهو انجاز مدهش تزامن مع بروز الثقل السياسي لشمالي الجزيرة التي تمكّنت من تطوير اللغة وبسطها على كامل ارضها[2]. مما يعني انه صار للعرب لغة واحدة احتضنت قريض شعرهم وصاغت نثرهم. فهل تكون وحدة اللغة كافية ليترك شعب ما تاريخا ؟

    عمليا ما يزال تصنيف ما تركه العرب من تراث ادبي ومآثر اجتماعية مدار جدال واجتهادات عند الباحثين، ومنهم من يعتبره ادبا تاريخيا، ومنهم من يصنّفه في خانة التاريخ. ونحن لن نخوض غمار هذه الاجتهادات والتصنيفات، بل  سنكتفي بآراء من لهم الباع الطولى في هذا الموضع، والا خرجنا عن المحور الاساسي والهدف الرئيسي الذي من اجله عمدنا الى وضع هذا الكتاب.  

     ان فرانز زونتال صاحب كتاب «علم التاريخ عند المسلمين» مستشرق شهير ومشهود لجهوده العلمية بالدقة والتثبت، وقد قام بابحاث معمّقة حول موقف العرب من التاريخ، وأكّد ان كلمة «تاريخ» لم تظهر في الشعر العربي الجاهلي ولا في ادب العرب في فترة ما قبل الاسلام[3]، ولم تظهر ايضا في القرآن الكريم ولا في الاحاديث النبوية الشريفة. فهل هذا يعني ان الجاهليين لم يحفظوا ماضيهم، ام انهم حفظوه بطريقتهم الخاصة[4]؟

    عمليا يمكن ان نسجل لعرب الجاهلية نمطين للدلالات التاريخية: ايام العرب ، والانساب.

اولا: ايام العرب:

   1 – تعريفها: يمكن تعريف ايام العرب بأنها المعارك او المناوشات التي جرت بين القبائل العربية بعضها ضد البعض الآخر، او تلك التي وقعت بين القبائل العربية وملوك اليمن، او بين العرب والفرس. وهي تتضمن المآثر العربية القبلية، وسير الامراء، او بعض الافراد ممن ادّوا اعمالا جليلة او نسبت اليهم تلك المآثر وصاروا رمزا وفخرا ليس للقبيلة التي ينتمون اليها فحسب، بل ايضا للمجتمع القبلي باسره، وتحوي ايضا اقوالاً مأثورة وامثالاً. وتتضمن اخبارا تتعلق بشوؤنهم الاجتماعية الصرفة، وما كانت تخلّفه المعارك من قبائح كهتك الاعراض… فضلاً عن علاقاتهم بآلهتهم.

    فمضمونها، كما نلاحظ، هو من صلب التاريخ لأنه مبني على الماضي بكل ابعاده ومحاوره. ولكن ما يهم المؤرخ والتأريخ هو كيف وصلت الينا تلك الاخبار؟ وبتعبير اوضح هل دوّنت ؟ وكيف ؟ وتاليا هل وصلت الينا كاملة، وبأي صورة ؟

2 – علاقة الشعر بايام العرب: في الجاهلية وحتى فترة طويلة من العصور الاسلامية كان الشاعر ناطقا بلسان قبيلته، يشكّل صحيفتها، واذاعتها…وفق التعابير والمصطلحات الحديثة، ويخلّد مآثرها. وكان شعراء القبائل الاخرى يخلدون مثالبها بهجائهم. اضف الى ذلك ان تجارب الشعراء انفسهم كانت من صلب التاريخ، وقد عبّر الخالدي عن ذلك بقوله: «كانت وظيفة التاريخ غالبا ما تقوم به سير الشعراء النموذجية: الامير التائه المتنقّل في طلب ملكه، الصعلوك المتمرد…الصديق الثابت…وحيث يمجّد الشاعر قبيلته لا نفسه فان ابيات فخره غالبا ما تكون تذكيرا صريحا او مقنّعا لأعدائه بما لقبيلته من المآثر التاريخية…وذلك لا في التفاصيل…بل بالايماء الى الانتصارات المفترض انها معلومة من الجميع…»[5]

    ان هذا الامر يفسّر اقتضاب الاحداث في الشعر وحتى في النثر كما سنبيّن لاحقاً، ممّا جعل الغموض يلف احداث العرب في الجاهلية، ليبدو بعضها وكأنه آتٍ من فراغ، او يلفّه الارباك.

3 – علاقة النثر بايام العرب: يبدو افتراض الجاهلي ان الحوادث باتت معروفة من الجميع دفعه الى اختصار معظمها والتركيز على الفخر والانجازات، ما يعني انه كان يروي ليومه، وارضاء لمناخ سياسي، وربما احيانا اجتماعي. ومن ناحية ثانية لم يصلنا كامل النثر الجاهلي اذ ضاع معظمه[6]، الامر الذي يزيد في ارباك موقفنا من علاقة العرب بالتاريخ. وقد خلدت الروايات القبلية تلك “الايام” لانها كانت تراثا قبليا مشتركا، وتروى في مجالس القبيلة المسائية لامتاع السامعين وشحنهم بالحماسة، ولكي يفخروا بتلك الانجازات. وجاء معظم  الروايات تراثا شفويا انتقل بالتواتر، وبعضها دون جزئيا، او بالحري اشير اليه بالادبيات تبعا لرغبة الشاعر. ويعزز هذا الرأي ما ذهب اليه طريف الخالدي:« ان الثقافة الجاهلية كانت شفوية في جوهرها. وكانت النصوص المكتوبة دينية او قانونية في معظمها».[7]

ويقول روزنتال فيها:« لم يكن الهدف من هذه القصص في الاصل ان تكوّن مادة تاريخية…والواقع ان قصص الايام ترجع في اصلها الى الادب اكثر مما ترجع الى التاريخ. فقد كانت تروى بالدرجة الاولى لإيناس السامعين ولمتعهم العاطفية. وكانت تحوي على عناصر تاريخية من حيث انها سجلت احداثا كبرى، ومن حيث انها اعتبرت مثل تلك الاحداث متصلة بنواح معنوية معينة، غير انها يعوزها الاستمرار تماما، فلم تدرس ضمن الاسباب والنتائج التاريخية، كما انها لا تأخذ الزمن بنظر الاعتبار قط. ولا توجد اشارة الى ان الشعور التاريخي قد تقدم قبل الاسلام الى الحد الذي يضْفي على هذه القصص شيئا من التعاقب التاريخي. وبذلك لم يكن بالامكان ان تتطور قصص الايام، او ان يكون لها دافع يوجهها نحو التطور لتصبح من الادب التاريخي، هذا بالرغم من ان فنونها واشكالها لعبت، فيما بعد، دورا هاما في علم التاريخ الاسلامي[8]

      ان في هذا النص لروزنتال عناصر اساسية تختصر مفهوم الايام وتحدد ميزاتها الى حد بعيد:

أ – غائية الايام : ترتبط غائيتها بمضمونها، فالايام تسجيل لاحداث جليلة اجمالا يفخر بها العربي، وطعٌمت بالشعر لأنه الشكل الادبي بامتياز لاسلوب الفخر، تبعا لدور الشاعر او الراوي بما كان يضيفه عليها من بنات شعره او من شعر منحول. ممّا يعني ان غايتها لم تهدف الى تسجيل وقائع تاريخية تخليدا للماضي وربطه بالحاضر لتغدو نبراسا او درسا للمستقبل، بل جاءت عملية فخرية صرفة، تشحذ حماس السامعين وتمتّع عواطفهم.

ب – عناصرها التأريخية: لقد تناولت من دون ادنى شك احداثا كبرى غير متعاقبة زمنيا، انما مرتبطة معنويا بنواح كثيرة. وافتقرت لعناصر تأريخية عديدة: فقد اعوزها الاستمرار، والعلاقات السببية بين الدوافع والنتائج، والارتباط بالزمن، وكأن حوادثها تسير بفراغ، وهو الشرط الاساسي للتأريخ.

 ج – تطورها: استمر نهجها رتيبا، لان غائيتها انحسرت بالفخر فقط، ممّا افقدها الرؤية المستقبلية احدى اهم ركائز التأريخ، ما جعلها تدور في حلقة مفرغة من الفخر والحماس والتطلع المستمر الى الماضي.

ه – اهميتها : لقد حوت عناصر تاريخية لانها تناولت حوادث ماضوية كالمعارك والحروب، ونواحي اجتماعية كالكرم والشجاعة ومآثر بدوية اخرى كالامثال والحكم. وجاء اسلوبها ادبيا شعبيا مبنيا على الحوار والخطابة والشعر، فشكّل فيما بعد الاسلوب الاولي للكتابة التاريخية العربية في دولة الخلافة.  

     وهكذا، تشكل الايام نمطا شعبيا من التعبير شبه التاريخي الشفوي، بل نمطا ادبيا شفويا يستند الى عناصر وحقائق تاريخية بما تحمله من اصداء ذكريات التاريخ القبلي. وعلى الرغم من الانطباعات الاسلامية عليها، لان تسجيلها تمٌ في العهد الاسلامي، فهي لا تدل على نمو الشعور التاريخي حتى عند ناقليها[9].

    ثانيا: الانساب: لقد عرّفها شاكر مصطفى بانها «سلاسل اسماء تدعو لها الحاجة الاجتماعية القبلية للتعارف والتمايز»[10].  وهي من منظور آخر: اشجار انساب تنسج حول بعض شخصياتها الاحداث التاريخية مّما حفظ تكوينها الذي اسّس لعلم الانساب الاسلامي. ولعلّ صياغتها النثرية شكلت محورا اساسيا في التراث الجاهلي. لأن القبيلة كانت بمثابة دويلة سياسية لها نظمها الاجتماعية والقانونية، والمكان الصالح لتحديد المكانة الفردية والجماعية، فباتت الانساب عملية ضرورية لتحديد ارتباط الدويلات-القبائل بعضها بالبعض الاخر لما كان بين القبائل وفروعها المتعددة من ارتباط نسبي ومعنوي، واحيانا سياسي.  

وهي كالايام خالية من الارتباط الزمني، واقل قيمة منها من حيث الشكل التعبيري التاريخي، ولكنها اكثر دلالة على وجود الحس التاريخي، بما تعكسه من انطباعات انتربولوجية[11]. ويعتقد: روزنتال انها جاءت مغايرة للتنظيم السياسي والاجتماعي عند عرب الجاهلية[12]، ويضيف:« نستبعد ان يكون علم النسب عندهم –العرب- دوّن ليتطور الى ادب تاريخي، كما ان التراث النسبي عند العرب وعند الساميين عموما لم يقتصر على العلاقات بين الافراد والاسر، بل اعان على تكوين مخططات نسبية ضمّت جماعات السكان كافة بصرف النظر عن اعدادهم» [13]. ان هذا النمط من التفكير، او الرواية الشفوية للانساب وان لم يكن يعكس باستمرار النمط السياسي السائد ويختار من التنظيم الاجتماعي ما يتوافق والشخصية المراد ابرازها، فانه، فيما لوكان تطور، لكان جاء تاريخا حقا.

   ويمكن القول على ضوء الايام والانساب معا، انه كان للعرب قبل الاسلام حقائق تاريخية، من دون ان يتطوّر عندهم الحس التاريخي، بل لم يجد دافعا ينمّيه ليتحول الى تأريخ.   

الفصل االثاني:التدوين خلال القرنين الاولين الهجريين.

اولا: نشوء التدوين التاريخي:

     ان سنة التطور مبنية على خلق تيارات جديدة تسير بتؤدة الى جانب الثقافة العامة لكل مجتمع، حتى اذا ما نضجت تهيمن تدريجا على المفاهيم السابقة والمنافسة لها من دون

ان تلغيها كليا. وقد ابقى الاسلام في دولته على بعض المفاهيم الاجتماعية والسياسية الجاهلية، لا بل غدا بعضها من مرتكزات الدولة الجديدة، بحيث كان عسيرا جدا على العرب ان يتخلوا عن تقاليد وعادات واعراف حياتهم في الجاهلية التي مارسوها على مدى اجيال عديدة، بعد ان كانوا قد تخلوا عن ديانتهم الوثنية ومبادئهم الاقتصادية. لان الترسبات الاجتماعية والسياسية لتلك الاجيال كانت من صلب ثقافتهم العامة، ومحور استمراريتهم.

   من هنا، كان من الصعب ان يرفض الرسول ومن بعده دولة الخلافة كل القيم الجاهلية لانها ستؤدي الى انفصام كامل بين تراث الماضي ومحتوى الحاضر الواعد بالمستقبل الزاهر، خصوصا ان عناصر الدولة الجديدة تألفت من مجموع القبائل العربية المتجذرة بالمفاهيم القبلية.

    وما يهمنا من الامور التي استمرت في الدولة الجديدة، على مدى نيف وقرن، هي الروايات الشفوية المتواترة المتصلة اصلا بالآراء السياسة والاجتماعية في المجتمع القبلي غير المتعارضة مع التعاليم الاسلامية، والتي كانت سائدة ضمن نطاق القبيلة الواحدة، وتعتبر ملكا مشتركا لكامل افرادها.

   واذا جارينا الدراسات التي تذهب الى القول ان عند وفاة الرسول وجدت فئة قليلة من المسلمين تحسن القراءة والكتابة، ندرك مدى اهمية استمرار الروايات الشفوية في الدولة الجديدة، على الاقل في حفظ تراثها، وفي درجة اولى في الحفاظ على السيرة النبوية. وما تجدر ملاحظته ان الاسلام حضّ على التعليم لاهميته في فهم الدين الجديد وفي تطوير المجتمع. وكانت لدى القبائل العربية لهجات متعددة ان في الجنوب او في الشمال، وكان لنزول القرآن  بلغة قريش، ان ثبّت هذه اللهجة كلغة رسمية في الدولة العربية والاسلامية، وطوّر ابجديتها، خصوصا الاحرف التي لم تكن معجمة اذ كانت «د » مثل  «ذ»، و «ر» مثل «ز»…

  كان لهذه التوصية، اضافة الى تأثير الفعاليات الجديدة على مستويات عديدة، كما الى عوامل دينية، وسياسية، واجتماعية، واقتصادية، اثرها الفعّال في نشؤ الكتابة التاريخية، والتشجيع عليها، وسنوجز تلك العوامل بثلاثة توجهات اساسية: دينية وسياسية واجتماعية.                              

أ : العوامل الدينية:    

1 – نظرة الاسلام الى الكون: لقد نظر القرآن الى الماضي نظرة مغايرة لما كان سائدا لدى العرب الوثنيين، فقد اعتبر احداث الكون عملية تراكمية منذ بداية الخلق وحتى انتهاء الزمان، وفيها محطات اساسية بل مفاصل رئيسة في تطوير المجتمعات شكّلها الانبياء الذين يقر بهم القرآن، وكان آخرهم الرسول محمد. والاسلام “دين تاريخي الروح … وتاريخيته عميقة الجذور” على حد تعبير شاكر مصطفى[14]. كما توضحه الآية التالية  < انها ملّة ابيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل >. وبالتالي فان الحياة ليست الا معبرا للحصول على الجنة، وللوصول اليها يجب اتباع التعاليم الاسلامية، والعمل بموجبها. والقرآن، الى جانب ذلك، مليء بالاشارات الى الانبياء الاوائل السابقين على الرسول، ويقصّ بعضا من سيرهم باعتبارها نماذج رائعة للايمان ويحثّ المسلمين على التمثّل بها. ويشير ايضا الى الشعوب الغابرة، ويروي بعض احداثها للإتعاظ منها. ولطالما نظر المسلمون  الى التاريخ على انه المعلم الاول لكثرة العبر الاخلاقية والسياسية الواردة فيه.       

    من هنا، بات من الضروري ليس التعرف فقط على حياة الرسول والصحابة وجيل التابعين والمحفاظة على سيرهم واتباع خطاها لكونها تنويرا للمسلمين، انما ايضا على حياة الشعوب الغابرة للغاية عينها. ولكن المنظور الديني التاريخي هذا، على اهميته،لم يكن ضمن اهتمامات جماعة المؤمنين الاوائل لأن البعد التاريخي لم يأخذ طريقه الى فكر الاخباريين واهل السلطة على حد سواء الا في اواخر القرن الاول الهجري. فقد كانت لهم اهتمامات اخرى أكثر اهمية تتعلّق بتسويغ الامتيازات الضخمة التي حصلوا عليها ضمن الجماعة – الامة، وتوضيح صورة المسلمين وعلاقة الامة الاسلامية بالامم الاخرى.

   وعلى الرغم مما ذكرنا: ان في القرآن خبرا واستخبارا، وتشديداً على المواعظ الخلقية الواردة فيها، ما حتّم التعرف عليها للعمل بهديها، فانه لم يتمّ استيعاب كل ذلك الا في فترة لاحقة، اي بعد استقرار الدولة وانتهاء عملية الفتوح والانصراف الى تفسير الفكر الديني. وليس ادلّ على ذلك من تأخر ظهور المذاهب السنية الى منتصف القرن الثاني الهجري، مما يفسّر تأخر عملية التدوين التاريخي حتى اواخر القرن الاول ومطلع الثاني الهجريين.

2 – اسباب النزول او احكام الناسخ والمنسوخ: من الواضح ان القرآن نزل على الرسول على دفعات، وهو وحي من عند الله، وقد نزلت آيات لاحقة لتعدل جزئيا او كليا ايات سابقة، {وما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها او مثلها[15]}. وبعد وفاة الرسول احتاج المسلمون، لضرورات تشريعية، للتعرف على الاحكام الملغاة، ودوافع إلغائها. فكان لا بد من عملية تقص وتدوين، كي لا يتكرر البحث كلما دعت الحاجة اليه. وما كان ممكنا الحفاظ على كل ذلك الا من خلال التدوين.      

3 – تدوين القرآن: اعتمد الرسول لتدوين الوحي على عدد ضئيل من الكتبة، وشابت كتابته الاولى اخطاء املائية، فضلا عن انها دوّنت على اضلاع عظمية، ورقع وسعف نخيل وألواح حجرية وغيرها. واستمر الامر كذلك الى عهد ابي بكر حيث تم التدوين الفعلي للقرآن. وامر الخليفة عثمان بن عفان، بجمع كل المصاحف واحراقها والابقاء على القرآن المعروف بمصحف عثمان، وكانت الحاجة شديدة للنهل من كتاب الله، واعتماد احكامه، فتم نسخ العديد من المصحف المذكور، ما جعل الحاجة ملحة للتدوين.

4- تدوين الحديث: تعتبر الاحاديث النبوية المصدر الثاني للشريعة الاسلامية الى جانب القرآن، وعندما توسعت الدولة على اثر الفتوحات طرحت فيها احكام جديدة، وبما ان القانون الوضعي ليس جائزا فيها اضحت الحاجة ملحة للاسترشاد بالاحاديث النبوية. وبما ان احدا لم يكن يحفظها كلها، وكان حافظو الاحاديث قد توزعوا في ارجاء الدولة عقب الفتوحات، وبدأ يتوفى الصحابة وهم اعلم الناس بها لانهم حفظوها غيبا بعد ان اوصى الرسول بعدم تدوين الاحاديث لكي لا تختلط خطأ بالوحي قائلاً:« لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي فليتبوأ مقعده في النار.»[16]. لذلك كله اباح الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز تدوين السنة. فبدأت عملية جمع الاحاديث وتدوينها، وتنقيتها مما شابها من دس واختلاق، وجاءت بواكير تدوينها في كتاب ” الموطأ ” للامام مالك بن انس. وشكل منهج تدوينها الخطوة الاولى والرئيسة لنشوء الكتابة التاريخية.

5 – التعرف الى الاجماع الاسلامي: ان الاجماع الاسلامي هو ما اجمع عليه الصحابة والتابعون ومن تلاهم للفصل  في مختلف الامور النزاعية، وصار الاجماع من مصادر الفقه والسياسة في الاسلام وعليه اعتمد الحكم الاموي.[17]لذلك تم تدوينه للعودة لأحكامه كلما دعت الحاجة.

6 – نظريتا القدر والجبر: ادت الفتنة الاولى في الاسلام او الحرب الاهلية الى انشقاق المسلمين بين معسكرين: طالبي واموي، وبالتالي الى نشؤ الفرق الدينية والسياسية في الاسلام. وبعد استتباب الحكم الاموي، على الرغم من معارضة الشيعة والخوارج وفرق دينية اخرى، عمدت هذه الفرق الى تسويغ مواقفها بالاستناد الى الآيات القرآنية، ووضعت نظريات مستقاة منها يدور معظمها حول الخلافة. فاعتمد الامويون، بعد ان تسمى الخليفة الاموي” خليفة الله”، على نظرية الجبر القاضية بقبول الامر الواقع لانه مقدر من عند الله، فهم تولوا السلطة بارادة الله ورضاه من اجل اعلاء شأن الاسلام ونشره في العالم، مسوّغين بذلك وجوبا دينيا لطاعتهم. وكان يتعذّر على المعارضة القول استخدام نظرية الجبر كونهم خارج السلطة، فكان على المعارضين مواجهة هذا الامر من المنطلق الديني عينه معتبرين ان الله القادر على كل شيء ما قدّر كل الاحداث والافعال بما في ذلك ذنوب الانسان واخطاؤه،  واعتمدوا مبدأ القدر أي قدرة الناس على اختيار افعالهم ومسؤوليتهم عنها تجاه الله. وجاء الترويج لهذه النظريات ليسهم بالكتابة التاريخية وبتطورها.

7 – السيرة النبوية: تعتبر السيرة النبوية نبراسا لكل مسلم، والتعرف عليها بكل ابعادها وتفاصيلها ضرورة ماسة، فهي تختزن حياة الرسول والصحابة وكفاحهم من اجل انتشار الاسلام، وتزخر ايضا بامجاد المسلمين الاوائل: معاركهم الاولى: بدر احد والغزوات الاخرى، والآيات التي نزلت من اجلها. وهي الى ذلك تضم العقيدة الاسلامية، والاسس الواجب على كل مسلم اتباعها، كما تختزن مصادر التشريع الضرورية جدا لدولة الخلافة. اضافة الى ذلك فقد اهتم حافظو السيرة بتمييز الرسول عن خلفيته الجاهلية، كما عن الوسطين المسيحي واليهودي لاعطاء الاسلام استقلالاً تاما عن المحيطين المذكورين. فكان لا بد من تدوين السيرة وحفظها، والافادة منها في العديد من النواحي السياسية والدينية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية.

ب – العوامل السياسية. قد تكون العوامل السياسية ساهمت بزخم في تطور الكتابة التاريخية لشدة النزاعات التي تلت مقتل الخليفة عثمان بن عفّان. فقد اهتز مفهوم الشورى والبيعة بفعل مستجدات متنوعة وعلى مختلف الصعد، حتى بات النظر الى مفهوم الخلافة والدولة متلونا بالصراعات السياسية. وقد اثّر كل ذلك على استيعاب الناس لفكرة الامة. وسنقتصر في كلامنا على اربعة عوامل رئيسة هي:

  1 – الخلافة: لقد طرحت في الدولة الجديدة مشاكل اساسية مثل قضية الخلافة من اجل قيادة المسلمين بعد وفاة الرسول. وكانت احداث سقيفة بني ساعدة وما تلاها من امر الخلافة جديرة باهتمامات المسلمين ولا سيما المجلس الانتخابي او الشورى الذي شكله عمر بن الخطاب، كذلك مقتل الخليفة عثمان وما تلاه من صراعات بين الامام علي ومعاوية، بل بين الامويين والشيعة عموما والآثار التي ترتبت عليها. ان ذلك الخط البياني من الاشكالات، وكيفية  او محاولة حلّها، وما نجم عنها من آثار شكٌل دروسا للمسلمين كان من الواجب تسجيله.

2– نشؤ الدولة: بعد ان استقر الحكم الاموي وظهرت معه الدولة السلالية على غرار الدول المستندة الى القانون الوضعي، وحرمت قبائل اخرى من هذا الحق، قامت فرق دينية تناصب الامويين العداء ولا تعترف بحقهم وحدهم بالدولة والحكم. وعمد الامويون ومناصروهم الى تشييع فكرة الدولة والدفاع عنها، في حين سارع الرافضون الى تدوين اخبارهم الاقليمية بمعزل عن اخبار الدولة ككل، ما ادى الى ردات فعل ساهمت بطريقة غير مباشرة الى بلورة فكرة الدولة.    

3– فكرة الامة: اعتمد الاسلام على الامة اساسا للتضامن عوضا عن العصبية القبلية، واذا كانت الامة تبناها الصحابة مهاجرون وانصار، فان استيعابها ظل مرتبكا عند مجموع القبائل التي لم تستطع الانفلات من سيطرة العصبية القبلية على الرغم من توسع الدولة عن طريق الفتوحات.

    لذلك، حاول المسلمون الاوائل ولا سيما القيمون على السلطة  التشديد على دور الرسول الزمني كقائد للأمة الاسلامية وعلى دوره الديني الملازم لها كونه الملهم الديني، وخصوصا سلوكه في المدينة( وقد يكون عهد الصحيفة دليل بارز على ما ذهبنا اليه). مشددين على تواصل الخلفاء مع حياة الرسول الزمنية، ولا سيما التركيز على ممارسة الشعائر الدينية والسلوك الاجتماعي والاخلاقي النابع من توجّهات الرسول وسلوكه، كما حاولوا التشديد على حسن سلوك الحكام قدر المستطاع، وعلى استيفاء الضرائب كي تصرف في صالح المسلمين (الامة) لكي تترسخ فكرة الامة عند جموع المسلمين وليس عند القيادات فقط. وجهد الامويون كي يظل العرب امة ممتازة تجاه المسلمين من غير العرب (الموالي) مما اضعف فكرة الامة الاسلامية، غير متقيدين بالنص القرآني وبتصرفات الرسول. ومع ذلك ظل العرب خاضعين في مواقف عديدة للعصبية القبلية التي عززتها المعسكرات الجديدة كالجابية والكوفة والبصرة والقيروان والفسطاط التي شيدت مراعية التوزيع القبلي متجاوزين مفهوم الامة. ولكن هذا الامر سيبدأ بالانحسار لصالح الامة الاسلامية مع قيام الدولة العباسية،  وسيتخطى التأريخ القبلية والاقليمية لصالح الامة.

4– الفتوحات: شكلت الفتوحات القسم الثاني البارز في حياة العرب المسلمين، وغدت احدى اهم المرتكزات الاساسية في تطور مسارهم التاريخي، ويمكن تصنيفها ايضا من ضمن الدوافع الدينية، لأنها جهاد في سبيل الدين من اجل السيطرة على الشعوب الاخرى ودفعها لإعتناق الاسلام. وكان المسلمون مقتنعين انهم ينفذون الإرادة الآهية التي ارادت للاسلام، الذي هو الدين عند الله، السيطرة، واسهمت معهم بنشره. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير انتشاره السريع واحتلال المسلمين مساحات شاسعة جدا، وقضاءهم على الامبراطورية الفارسية وانتصاراتهم السريعة على الامبراطورية البيزنطية. فكان التأكيد على هذه الانجازات والتغني بها، وابراز دور القبائل في الفتوح، والتأكيد على نصيبهم بالغنائم، وعلى صراع الاقاليم مع السلطة المركزية، يشكّل مواد مهمة جدا للإخباريين الاوائل. 

 ج – العوامل الاجتماعية والتنظيمية: يبدو احيانا عسيرا الفصل بين الاجتماعي والسياسي بسبب التداخل بينهما من حيث الهدف على الاقل؛ فدور الدواوين سياسي في الاساس ولكن بعض غائياته اجتماعية. وكانت مدلولات نشوء الانساب سياسية واجتماعية في آن. ولم يكن اعتماد التقويم الهجري الا لتثبيت الاطار الزمني للاسلام، وهو اطار يتمحور عليه السياسي والاجتماعي والديني والاقتصادي.

 وعلى ذلك، يمكن ايجاز هذه الدوافع بثلاثة:

1 – نشؤ الدواوين: في عهد عمر بن الخطاب برزت الحاجة الى تنظيم جديد في الدولة ولا سيما من اجل العطاء، فتم استحداث ديوان الجيش (العطاء) وسجلت فيه اسماء الذين يحق لهم بالرزق بدءا بمن ارتبطوا بالرسول بعلائق مباشرة، ومن ثم العرب طبقة بعد أخرى تبعا للاسبقية في الاسلام، وصولا الى المجاهدين. وافرزت هذه العملية الاهتمام بالكتابة، وببروز اهمية الانساب في الاسلام وفق التراتبية المستحدثة، وان كان الاسلام لا يقرّها. وفي عهد عبد الملك بن مروان تمّ تعريب الدواوين واضحت الحاجة ماسة الى الكتابة بالعربية فتعززت اللغة العربية على حساب اللغات الاخرى. كما ادى تسجيل الوثائق في الدواوين الى ابراز اهمية التدوين في حفظ تراث الامة.

2 – الانساب: ان العصبية القبلية، التي حاول الاسلام محوها واستبدالها بالمساواة، زادت بأهمية الانساب، اذ  بنيت  المعسكرات مثل الكوفة والبصرة والجابية…على اساسها، كما تمّ اسكان القبائل في الامصار تبعا للاسس عينها. وزادها زخما نشؤ ارستقراطية اسلامية تبوأت المراكز الرئيسة في الدولة شكلت قريش عمودها الفقري ما عزّز التراتب الآنف الذكر. كما ساهم بتغذيتها النزاع العرقي والثقافي بين الموالي والعرب عنيت به تيار الشعوبية. لقد حاول المسلمون من غير العرب خصوصا الفرس التباهي على العرب على المستوى الثقافي خلال القرنين الاولين للهجرة ردا على معاملة العرب لهم كمسلمين من الدرجة الثانية، كما يرى بعض المؤرخين، ولا سيما في العهد الاموي؛ فقد حرمهم الامويون من شغل المناصب الاساسية في الدولة، ومن المغانم الاقتصادية التي كانت توفرها الفتوحات. وجاء انتقاد الموالي الفرس للعرب قاسيا بل عنيفا: فاتهموهم بالجهل والتخلف الفكري مسقطين عنهم اية مأثرة فكرية ما خلا الاسلام، ونزعوا الى تشويه التاريخ العربي بالبحث عن مثالب العرب وابرازها، ولنا دليل واضح في كتابات الهيثم بن عدي ” كتاب المثالب الكبير” و«كتاب المثالب الصغير» وفي كتابات غيره. وعمدوا، فخرا، الى نقل بعض ماّثرهم الادبية الى العربية، مثل:كليلة ودمنة لابن المقفّع و« خداي ناماه» الذي عرّبه بعنوان «سير الملوك»[18]، وهو يروي قصة التاريخ القومي الفارسي. ونقلوا اليها ايضا العديد من المؤلفات مثل «الكاه ناماه» أي طبقات العظماء[19]. كما انبرى الموالي الفرس الى الانكباب على علوم الدين، وبرعوا فيها ليبرهنوا للعرب مقدرتهم في مختلف العلوم. فرد العرب على كل تلك الاعمال بالحسب والنسب والفخر بتدوين انسابهم، ما ادى الى خدمة علم النسب بطريقة غير مباشرة. ولعب بعض الخلفاء دورا بارزا بالاهتمام بعلم النسب؛ فقد امر يزيد الثاني ( يزيد بن الوليد) باعداد سجل شامل للانساب[20] من اجل تنظيم العطاء وتوزيع القبائل على الامصار.

   ان كل ذلك جعل من الانساب عنصرا اساسيا في المجتمع تفاعل مع المستجدات وغيرها من العوامل، بتسجيل اعمال الشخصيات البارزة، فاصبح فرعا من فروع التاريخ، لا بل شكل ركيزة مهمة فيه.

3 – التقويم الهجري: يعتبر مجيء الرسول نقطة تحول في تاريخ العرب، واعطت التعاليم الاسلامية للاسلام، بعد ان ثبّت حضوره، بعدا عالميا، وازدادت اهميته عقب الفتوحات بعد ان انتشر بين الشعوب المغلوبة. فكان لا بد من صيغة زمنية تحدد انطلاقته وتربط احداثه بدقة وتعطيه استقلالا عن سير الخطوط الزمنية التي سبقته. وعندما اعتمد عمر بن الخطاب سنة 622م. بداية التقويم الهجري نشأ تقويم ثابت عند المسلمين ارتبطت به كل احداثهم. 

     ان هذه العوامل والمؤثرات في بداية التدوين وفي تطوّره لم تظهر دفعة واحدة انما بالتدرج وتبعا لتقدم الفكر في دولة الخلافة، وتلبية لحاجات فرضها التطور. من هنا جاءت الكتابة التاريخية الاولى خلال القرن الاول الهجري خجولة ترافقها الروايات الشفوية المتواترة، وظل العرب اوفياء للذاكرة يعتمدون عليها كسجل للأحداث والمآثر. وما ان انتصف القرن الثاني الهجري حتى باتت الكتابة عملية ضرورية للدولة والمجتمع بكل نواحيهما. وسارت الكتابة الاولى باتجاهين متميزين: اهل الحديث، والاخبار التاريخية. فاتجاه اهل الحديث انحصرت مواضيعه في البدء بكتابة السيرة النبوية التي اقتضى تدوينها التفتيش عن الاحاديث النبوية وجمعها، والتحقق من صحتها وتدوينها. ثم تخطى الامر السيرة الى بعض حوادث العصر الراشدي، التي جاءت وكأنها نتائج لها. ولم يكن لهذه الكتابات توجها تأريخيا بقدر ما كانت غايتها دينية تهدف للحفاظ على سيرة الرسول. وقد ترعرع وتطوّر هذا النوع من التدوين في المدينة اولا التي شهدت تطور القوة الاسلامية منذ الهجرة وحتى وفاة الرسول.

  وكان الاتجاه الثاني كتابة الاخبار التاريخية التي تركزت على تدوين اخبار المعارك والفتوحات في الاسلام ودور القبائل فيها، فضلا عن المستجدات في دولة الخلافة بما في ذلك توزيع القبائل على الامصار، ومقدار العطاء للقبائل او الافراد، والصراع على الخلافة، كما الصراع في ما بين العرب انفسهم لاسباب متنوعة. وقد نشأ هذا النوع من التدوين التاريخي في العراق الاقليم المعارض للامويين، وتحديدا في البصرة والكوفة بغية تخليد اخبار رجالاته. وانتشر هذا النمط في حواضر الاقاليم العربية الاخرى من دون ان تنحصر موضوعاتها بالتاريخ الاسلامي وحده، بل تناولت اخبار الجاهلية وشعوبا اخرى. من هنا تعددت مواضيع الاخبار التاريخية: اخبار العرب في الجاهلية، غزواتهم، انسابهم، احوالهم الاجتماعية والسياسية، فضلا عن المواضيعالتي ذكرناها آنفاً. ونتج من خلال كل ذلك دراسة الشخصيات البارزة في الاسلام ليس على مستوى القبيلة فحسب، بل على مساحة دولة الخلافة بما حبلت باحداث ارتبط بعضها بالديني او بالسياسي او بالاثنين معا. ما سيؤدي لاحقا الى نشؤ علم الانساب في الاسلام، والى اعتماد مناهج جديدة في تدوينه مثل التراجم و السير والطبقات. ولنا عودة تفصيلية الى هذا الموضوع.

ثانيا: السيرة النبوية وتطوّر الكتابة التاريخية.

1 – علاقة السيرة النبوية بالاحاديث النبوية: نشأت مدرسة التاريخ في المدينة، ولم تكن مدرسة بالمعنى الحصري للكلمة انما تيارا فكريا ان جاز التعبير، لتدوين السيرة النبوية لتعريف المسلمين على حياة الرسول لأنها نبراس يحتذى مقوّم لكل اعوجاج، وغاية لحياتهم.

ويمكن تعريف السيرة بشكل عام: هي كل ما اثر عن الرسول من قول وفعل منذ نزول الوحي عليه وحتى وفاته، بما في ذلك حياته وزوجاته ورسالته (القرآن) وغزواته وسرايا صحابته، وانتشار الاسلام في حياته.

    وانطلاقا من ان معرفتها ضرورة موجبة لكل مسلم انكبّ عدد من علماء الحديث على تلقينها إلقاء في المساجد في بداية الامر، ومن ثم تدرجوا بتدوينها. وبما انها ترتبط عضويا بالاحاديث النبوية قام فريق من العلماء بجمع الاحاديث وتدوينها، وهي عملية شاقة استوجبت منهجا جديدا للتثبت من صحتها، خصوصا بعد ان كانت قد نشأت الصراعات في الاسلام حول الخلافة بين الطالبيين والامويين وآل الزبير، وما استتبعها من قيام فرق دينية كالمرجئة والمعتزلة والمذاهب الشيعية المتعددة، لكل منها خصائصها وتوجهاتها الفقهية. وقد استند العديد من هذه الجهات السياسية –الدينية والفرق الى احاديث نبوية، ويعتقد بعض علماء الحديث والمؤرخين ان كثير منها  وضع لتأكيد صحة التوجه الديني والزمني لهذه الاحزاب المتعارضة في بعض وجوهها، او اقله لبعضها.

     وتأسيسا على ذلك، جهد المحٌدثون لجمع الاحاديث النبوية وتنقيتها مما شاب بعضها من دس واختلاق وتحوير، ومن ثم دوّنوها. وعرف هذا العمل بعلم الحديث. وقد عرّفه النووي «هو معرفة متونها وصحيحها وحسنها وضعيفها ومفصّلها ومرسلها ومنقطعها معضِلها ومقلوبها ومشهورها وغريبها ومتواترها واحادها وشاذها ومنكرها ومختلفها«[21]

2 – منهج المحدّثين: اعتمد المحدّثون من اجل التثبت من صحة الاحاديث على الاسناد، وهو ارجاع الحديث الى راويه الاول بالتحقق من منزلة رجال الاسانيد – الذين نقلوا الحديث عنه – الدينية  وسلامة منزلتهم الاجتماعية، ودقّة ادراكهم، معتمدين ضوابط صارمة اصطلح على تسميتها « الجرح والتعديل» وسميت ايضا «النظر بالرواة» وايضا «علم الرجال». وهذا العلم «يبحث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم بالفاظ مخصوصة»[22]. ويبتغى من الجرح والتعديل البحث عن رجال الاسانيد في ما يشينهم او يزكّيهم.   والجرح هو دراسة وضع راوي الحديث من جميع جوانبه الحياتية والدينية والاجتماعية، فاذا وجد فيه ثغرة واحدة كالفسق والكذب والتدليس او شذوذ، ُردّ حديثه، بل أسقط. اما التعديل فهو ايضا دراسة الراوي بالطريقة عينها ليتأكد المحدث من ان الراوي ثقة ويتصف بالامانة والصدق والفهم والمقدرة على الحفظ، شأن حال شهود العدول الذين لا شك بأمانتهم وصدقهم وتعلو شهاداتهم في المحاكم على كل الشهادات، واشترطوا بالراوي ايضا، كما الشاهد العدل، العقل والبلوغ والحرية. فاذا اجتاز الراوي كل هذه الاختبارات يُقبل حديثه.

   ويمارس الجرح والتعديل على كل رجال الأسانيد في الحديث الواحد، مثلا :”حدٌثنا ابو بكر بن اسماعيل عن ابيه عن سعد بن ابي وقاص قال”. يطبق الجرح والتعديل على ابي بكر بن اسماعيل، وعلى ابيه فإن كانا عدْلين قُبل الحديث، وان جُرح باحدهما رُفض. امّا سعد بن ابي وقاص فهو صحابي يقبل حديثه الا اذا اتهم بحالة من حالات الجرح، ونادرا ما يحدث ذلك، لان الصحابة اجمالا عدول. ولكي يقبل الحديث يجب ان يرتبط سعد برسول الله كأن يقول سمعت رسول الله يقول، والا أسقط. لان علماء الحديث صرفوا جهدهم، للتمييز بين الاحاديث ( الضعيف، والموضوع ،او الصحيح) بنقد رجال الاسانيد اكثر من اهتمامهم بمتونها معتبرين ان نقد المتن غير جائز متى صحٌ الإسناد. ولم يوجبوا الترجيح بين حديث وآخر باستبعاد الاضعف من حيث المعنى، او التوفيق بينهما، لان ذلك يؤدٌي الى الطعن بصحة الاسناد. وبالتالي أُبقي على هذه الانواع من الاحاديث في كتب الصحاح والسنن معتبرة صحيحة في حين انها متعارضة من حيث المعنى.

 واذا روى الحديث اكثر من صحابي بأسانيد متعددة يطبّق على الرواة قاعدة الجرح والتعديل ويؤخذ بحديث من رجال اسانيدهم عدول. وتصنف الاحاديث تبعا لرجال اسانيدها الى: ثابت، او صحيح، او ضعيف او مقبول.

     ان هذه العملية النقدية التي مارسها المحدثون، كانت الفضلى، واسّست لمنهج علمي طبقت قواعده على علم التاريخ ” التأريخ ” خصوصا ان معظم الاخباريين في القرنين الاول والثاني الهجريين والمؤرخين في القرن الثالث الهجري كانوا من المحدثين او على الاقل من علماء الدين.

 3- تدوين السيرة النبوية: خلال القرن الاول للهجرة كانت الرواية الشفوية المتواترة تنافس الكتابة، وتكمن اهميتها في انها حفظت لنا مضمون السيرة ومصادرها. ففي بداية الامر كان علماء الدين يختارون مواضيع مختلفة من السيرة يحدثون بها طلابهم ومريديهم. ولم يدوّن رواة هذا القرن كامل السيرة انما اختاروا مواضيع محدّدة فيها كتبوها لدوافع معينةكالنزول عند رغبة الحكام شأن عروة بن الزبير مع الامويين. وقد يكون تدوينها الخطوة الاولى على طريق الكتابة التاريخية وان لم يكن يبتغى من كتابتها التأريخ. لأن المناهج التي اعتمدت بتدوينها اضحت، كما سنلاحظ فيما بعد، المرتكز الاساسي او العمود الفقري للتأريخ عند العرب والمسلمين.

  ويعتبر عروة بن الزبير (ت 94/712م) اول من خاض هذا المضمار من دون ان يكون له منهج واضح وثابت، فقد اهمل الاسناد الا في حالات نادرة. ولكن مطلع القرن الثاني الهجري سيشهد تطورا ملحوظا على مستوى تدوين السيرة، الذي سيضطرد على مساحة هذا القرن ليرسي مضمونها ومنهج تأريخها الذي سيغدو منهج التأريخ فيما بعد. ولعل سيرة محمد بن مسلم بن شهاب الزهري م 124/742م اول بواكير هذا النهج، وتلاه كثيرون نخصّ منهم بالذكر: محمد بن اسحق (ت 151/760م ؟) ، ومحمد بن عمر الواقدي (ت 207/823 ).

 أ- النظرة التاريخية في تدوين السيرة: ان النظرة التاريخية تبنى على المضمون، فتحدد مدى احاطة المؤرخ بالموضوع الذي يدرس؛ هل هو انتقائي كأن يختار جزءا من موضوع متكامل لغاية محددة ؟ ام انه احاط به احاطة تامة وشاملة، هل حصر تركيزه بناحية معينة منه وتطرق الى الاقسام الباقية سطحياً ؟ مدى ربطه بين الديني والاقتصادي والسياسي. هل الرؤية الغالبة تمحورت على الناحية الاقتصادية وعلى اساسها فسر التاريخ، ام انه اعتمد على التفسير السياسي والعسكري؟ ما الدور الذي اعطاه المؤرخ للعامل الاجتماعي في اطار هذا المعترك الفكري؟ هل كان موضوعيا في استقراء الاخبار، ام انه اتخذ موقفاً مسبقاً منها؟

   ان هذه النظرة بكل ابعادها وجزئياتها، تشكّل منهج المضمون، لأنها تحدد عمق البحث او سطحيته، وتلقي الضوء على الآلية المتبعة بجمع  الحقائق المفردة وترتيبها، ومقدار التوازن في ضبطها. انها باختصار تحدد مفهوم الرؤية العمودية والافقية للموضوع المدروس. واذا كنا لا نطلب كل ذلك من مدوٌني السيرة فاننا نحدد فقط مفهوم النظرة التاريخية بالمطلق.

   اما بالنسبة للسيرة فقد اختلفت نظرة الاخباريين الى اطارها الزمني؛ فمنهم من عاد بها الى بداية الخلق شأن ابن اسحق، ومنهم من حصرها في الغزوات كالواقدي، تبعا لرؤية كل منهما الى الديني، والى التلازم بين الديني والتاريخي. وقد لعب التطوّر الفكري والتقدم الزمني دوراً في الفصل بين الديني والتاريخي ضمن اطر محددة كان الفكر انذاك يسمح بها.

     وعلى هذا، جاءت نظرة الزهري متأرجحة غير محددة المعالم بدقة، ممّا يطرح تأثير زمانه عليه، وقلة خبرته في التأريخ، وربما ضآلة معلوماته عن الفترة السابقة لظهور الاسلام، لأن اهتمامه انصب على الديني. فقد عاد بها الى بداية الخلق ذاكرا بعض المحطات من تاريخ بعض الانبياء، فالوحي على الرسول، ومن ثم الغزوات وتفاصيل متعلقة بالرسول. ممّا يمكننا القول انه حاول الاحاطة بالسيرة من جميع اطرها، وتمكّن من تحديد  هيكليتها. وتعدتّ نظرته السيرة الى نتائجها القريبة اي العصر الراشدي اذ كتب محطات فيه، مرسيا نهجا سيسير عليه عدد وافر من المؤرخين الكبار خلال العصور الوسطى، فدونوا تاريخ المسلمين تراكميا بدء بالسيرة وانتهاء باحداث عصر كل منهم.

    اما نظرة ابن اسحق فقد جاءت اكثر دقة وشمولاً؛ اذ عاد بها الى بداية الخلق مرورا بتاريخ الانبياء وتاريخ العرب في الجاهلية، مركّزاً على تاريخ اليمن واجداد الرسول، فالوحي وصولا الى الغزوات. وتحدّث عن نتائجها القريبة على غرار الزهري.

    من هنا، يمثل ابن اسحق مرحلة متطورة في الوعي التاريخي، اذ أرّخ لتاريخ النبوة آخذا بالاعتبار نظرة القرآن الى الكوْن، فجعل النبوات كلا يكمل بعضها البعض الآخر؛ فاليهودية تمهد للمسيحية، التي بدورها تمهد لمجيء الرسول محمد، ويكون بذلك أرّخ لوحدة الفكر الديني. وبحديثه عن تاريخ العرب في الجاهلية يبدو وكأنه يحاول طرح معادلة جديدة تشرح تحول وضع العرب من الجاهلية الى الاسلام تحوّلا واضحا وملموسا نحو الافضل، لا بل نحو الهداية.

   اما الواقدي فحصر السيرة بالغزوات فقط، متأثرا، ربما بمنهجه التأريخي، بحيث أرّخ لكل الغزوات طارحا ابعادها الزمنية ما امكنه الى ذلك سبيلا. مميّزا بين الامر الآلهي والتنفيذ البشري، ممّا اعطى نظرته بعدا جديدا؛ فهي ليست دينية بالمطلق، بل دينية بإطار التاريخ. وهو تحوّل بالنظرة التاريخية عند العرب والمسلمين نحو ارتباط الزمني بالديني، ولعل افضل نماذجه دور الجهاد بالمحافظة على المسلمين وبتطور قوتهم ونشر الاسلام.

     وتأسيسا على ذلك، نلاحظ بوضوح تطور النظرة التاريخية في الكتابة التاريخية وان كانت منطلقاتها دينية. فهي تلاءمت مع عوامل التطور على المستويين الزمني والديني: تطور الفكر العربي عبر الاحتكاك بالحضارات القديمة، وتطور العلوم الدينية تلبية للحاجات التشريعية.   

ب – المصادر وطريقة المعالجة: ان المنهج هو الطريقة التي تساعد المؤرخ على اكتشاف الحقيقة التاريخية التي هي مطلقة في الاساس، وقد لا يعرفها تماما إلا من شارك بصنعها. وبالتالي هو موقف من المصادر والاحداث، يستخدم فيه المؤرخ كل الوسائل المتاحة مثل «العلوم المساعدة» المعروفة اليوم «بعلوم الانسان»  لاستقراء الماضي، من دون اتخاذ مواقف مسبقة منه. لأن الوثيقة او النص معين غني جدا بالمعلومات، وبقدر ما تُطرح عليه اسئلة ذكية بالمقدار عينه يجيب ممّا يعمق فهم الاحداث ومقاربة الحقيقة. والموقف من الماضي هو اعادة تصوّره او رسمه كما حدث، لا كما يفترض المؤرخ حدوثه تبعا لآرائه ومواقفه المسبقة. من هنا، يرتبط المنهج بالموقف من المصادر واخضاعها للجرح والتعديل، واستخدام المؤرخ لكفاءته بعد التبحّر بالمصادر بوضع الحدث باطاره التاريخي العام، وفي سياق الحوادث كلها، بما في ذلك اسبابه، حوادثه، نتائجه. لأن من دَوّن المصدر قد يكون، على رغم عدالته وتقواه، وقع مكرها بالخطأ. ويجدر بالمؤرخ الا يكتفي بعدد معين من المصادر، لأن وفرة الوثائق والمصادر على اختلاف انواعها، والتباين ببعض رؤاها، يمكّننا من الولوج الى الماضي والاقتراب قدر المستطاع من الحقيقة الماضوية: هدف المؤرخ. لأن تنوع المصادر وتباينها من الحدث التاريخي هو غنى وليس تعارضا مع الواقع، ويكشف للمؤرخ المدقق الخفايا المتنوعة، التي باستقرائها بتأنٍ يتمكن من اعادة تكوين الحدث بنسبة عالية من الصحة. فالمنهج اذاً هو الوسائل التي نستخدمها للولوج الى الحقيقة الماضوية والاقتراب منها قدر المستطاع، وهو يرتبط ارتباطا وثيقا بالنظرة التاريخية. بل هو النهج العلمي والوضعي الذي يحتضن النظرة التاريخية- المعروفة بمنهج المضمون- ويبلورها.  

    ان منهج السيرة لا يحتمل كل هذا الكم من الادراك التراكمي المعرفي الوضعي، بل هو تدوين احداث ضمن رؤى مقدسة على وجه العموم. وادّت مواقف الاخباريين منها الى تباين في مناهجهم، او بالحري الى اختلاف تبعا لدقة كل منهم. فأحداث السيرة كانت معروفة اجمالا ضمن اطرها الكلية، اما التفاصيل فكانت تحمل من المعرفة والدقة الشيء الكثير. وان محاولات مدوّيها الوقوف على هذه الدقائق والتفاصيل، رجّحت منهجا على آخر.

    وعليه، يرتبط منهج اخباريّي السيرة بموقفهم من المصادر من حيث الدقة والوفرة، واخضاعها لقواعد الجرح والتعديل، وبمقدرتهم على بلورة نظراتهم التاريخية بإبراز السيرة ليس من حيث حدث مضى، بل كحدث عالمي ديني تحتضن اسسا تشريعية رئيسة، ونبراسا سلوكيا اجتماعيا يحتذى، وقواعد دينية هادية، وكأحد مفاصل التاريخ الكبرى. وكلما تمكّن مدوّن السيرة من ابراز هذه الحقائق ومن ربطها بالواقع التاريخي كحدث عالمي ديني، بالاستناد الى مصادر منتقدة علميا، كلما جاء منهجه راقيا وخلاقا. وتزداد اهميته باتباع التسلسل الزمني، وبربط الحوادث زمنيا لتثبيت اطار السيرة التاريخي.

  كثر الذين دوّنوا السيرة، ومن العسير جدا ان نتناولهم جميعهم بالدراسة، بحيث يغدو الموضوع دراسة بمنهج السيرة النبوية وتطورها، اما غايتنا فهي اعطاء فكرة واضحة عن تطوّر منهجها، وتأثيره على مناهج مدارس الاخبار التاريخية، وتاليا على مناهج المؤرخين الكبار. ما يجعلنا نقتصر في دراسة المنهج على ثلاثة اخباريين من القرن الثاني الهجري هم: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري في مطلعه (ت 124/742)،  ومحمد بن اسحق المطلبي في وسطه (ت151/760)، ومحمد بن عمرالواقدي في اواخره (ت 207/   823).

4- نماذج عن مدوني السيرة

أ- محمد بن مسلم بن شهاب الزُهري: عاد الزهري بالسيرة الى بداية الخلق وجعل تاريخ بعض الانبياء الذين ذكرهم في فترة ما قبل الاسلام، مقدمة لبدايتها، محددا بذلك تاريخيتها ومفهومها الديني؛ فالسيرة، من وجهة نظره، لا تبدأ بميلاد الرسول بل دذورها قديمة جداً، لأن الاسلام دين ازلي، ولا تنتهي بوفاته بل تؤسس لتاريخ المسلمين منذ ان اظهر الرسول دينه للعالم. ممّا دفعه ليأخذ التوالي الزمني للحوادث بعين الاعتبار، من دون ان يعني ذلك تسلسلا زمنيا، ولا ربطا بين الاسباب والنتائج. بل ذكراً لمعظم الغزوات وفق تسلسلها، وتحديد تاريخ بعضها، وتاريخ هجرة الرسول الى المدينة. ذلك ان مفهوم الزمن لم يكن بعد قد استقرّت ابعاده في ذهنية المدوّين. ومع ذلك، فان ذكر بعض التواريخ اسهم في تثبيت اطار السيرة الزمني وان بشكل مشوش.

اعتمد الزهري على الاسناد في تحقيق رواياته والاحاديث النبوية واخضعها كلّها لمبدأ الجرح والتعديل، رغم انه استقاها من عائشة زوج الرسول، وآل الزبيْر ولا سيما استاذه عروة بن الزبير، ومن كل من يمكن ان يكون عنده حديث. ممّا يعني ان فكر الاخباريين كان بدأ الانطلاق نحو مصادر اوسع مما كانت عليه في القرن الاول الهجري.

    وكان ذكر الاسانيد يفتت السياق العام، فاوجد الزهري طريقة جديدة لشد الاخبار بعضها الى البعض الآخر تمنع تفتيتها قدر المستطاع عرفت بالاسناد الجمعي، وهي تقوم على ذكر سلاسل اسناد حول موضوع معين، تتقدم متن الرواية.

    وتسربت الى بعض أخباره قصص شعبية وإسرائيليات نتيجة اهتمامه بتاريخ الانبياء واعتماده على اخبار اليهود، كما حوى اسلوبه الشعر والحوار والخطابة تمشيا مع الاسلوب السائد.

بمحمد بن اسحق المطلبي: ولد ابن اسحق في المدينة عام 75 /695 او 85/ 705، وتثقّف على اعلامها ومحدثيها. ورغبة بالازدياد بالعلم والمعرفة قام بعدة رحلات بدأها بالاسكندرية، فالكوفة، والجزيرة والري والحيرة الى ان استقر به المطاف في بغداد حيث التقى الخليفة العباسي ابا جعفر المنصور وقدّم لها كتابه السيرة النبوية كهدية لإبنه المهدي.

    ويعتقد بعض الموؤرخين ان ابن اسحق وضع كتابه في السيرة قبل قدومه الى بغداد، وكان املاه على عدد من العلماء مثل زياد بن عبد الله البكائي، ويونس بن بكيّر الشيباني، ثم عدّله نزولا عند رغبة الرشيد ليتوافق مع هوى العباسيين؛ فحذف منه بعض المواقف المحرجة للعباسيين مثل: قتال العباس عم الرسول الى جانب المشركين في بدر، ووقوعه في الاسر[23]، وفريق آخر يعتبر ان ابن هشام من قام بهذا التعديل. توفي ابن اسحق عام 150/768 او 153/ 770، وبعد مرور نصف قرن على وفاته عدّل ابن هشام وهو احد الفقهاء والنحويين الكتاب وهذّبه وهو النسخة التي بين ايدينا اليوم.

    نظر ابن اسجق الى السيرة نظرة عميقة جدا فعاد بها الى بداية الخلق وقسّمها الى ثلاثة اقسام اساسية: المبدأ، والمبعث، والمغازي. فجعل المبدأ قسمين رئيسيين: الديانات السماوية السابقة على الاسلام، والتاريخ الجاهلي  وقد قسّمه ثلاثة اقسام هي: تاريخ اليمن في الجاهلية، تاريخ القبائل العربية واساليب عباداتها، وتاريخ مكة الذي يحوي على اخبار قريش قبيلة الرسول.

     حصر المبعث بمجيء الرسول ونزول الوحي عليه والصعوبات التي واجهته هو والصحابة في مكة، ثم هجرته الى المدينة. اما المغازي فتحدث فيها عن حياة الرسول في المدينة وانتشار الاسلام في عهده بما في ذلك عهد الصحيفة، وغزوات الرسول وسرايا صحابته حتى وفاته.

 ويمكننا من خلال هذا التقسيم اعتبار نظرة ابن اسحق عميقة جدا ربطت بين الديني والزمني؛ فقد تناول الديانات السماوية بحلقة تسلسلية وكأن الواحدة تمهّد الى الاخرى ليجعل من الاسلام الدين عند الله. محيطا بتاريخية وقدسية بالديانات السماوية كلها، وهي المحاولة الاولى في التاريخ لمثل هكذا اطروحة. وشكّل حديثه عن العرب في الجاهلية محاولة لتويضح احوال العرب الدينية والاجتماعية الساسية، ومآلهم بعد دخولهم في الاسلام نحو الافضل بل نحو الهداية والاستقلال السياسي والتطور الاجتماعي. وجعل الغزوات توضح هذه الرؤية وتبلورها، واستكملها بالحديث عن العصر الراشدي، الذي يمكن اعتباره نتيجة مباشرة للسيرة النبوية.

   اما مصادر ابن اسحق فقد تعددت وتنوعت: الكتاب المقدس، وروايات يهودية ومسيحية، وبعض الاساطير، ووهب بن منبه، ووروايات استقاها من الموالي، والقصص الشعبي، وشيوخ اهل عصره، والقرآن، والاحاديث النبوية. وهي الى ذلك غنية ومتعددة، حاول من خلالها الاحاطة بأكبر قدر من المصادر المتوفرة.

   لم يتبع منهجا واحدا في مدوناته لأنه عاد بالسيرة الى بداية الخلق، معتمداً على القصص المتداول عند اليهود والمسيحيين في حديثه عن الانبياء من دون اخضاعها الى للجرح والتعديل، مكتفياً بايراد ما وصل اليه عن طريق السماع، ما جعل اسلوبه قصصيا في هذا القسمً. وفي اخباره عن تاريخ العرب كان ينقل مباشرة عن الآخرين ولا سيما عن وهب بن منبه، فجاء ايضا هذا القسم قصصأ تاريخيا من دون اي نقد. اما سيرة الرسول منذ الوحي وحتى وفاته فقد اتبع فيها مبدأ الجرح والتعديل بتفاوت، فجاءت اسانيد المغازي قوية جدا ومبنية على الاسناد الجمعي.

 ان اهميته تتجلى بتقسيم السيرة الى ثلاثة اقسام: المبدأ، والمبعث، والمغازي، وبذكر معظم تواريخها ممّا تتثبتها زمنياً ضمن هيكلية متكاملة. وجاء تدوينه للعهد الراشدي في كتابه الضائع «تاريخ الخلفاء» ليربط السيرة بتاريخ المسلمين، واستطرادا فان تاريخ المسلمين يبدأ بالسيرة من بداية الخلق، وتستمر نتائجها حتى انتهاء الزمان. ما دفع من سيأتي بعده لاتباع هذه النظرة الجديدة بحيث ان مؤرخين مشهود لهم سينهجون طريقته وفق افق اوسع، مدوّنين تاريخا عالميا منذ بداية الخلق حتى عصرهم شأن الطبري وغيره.

    واذا كانت هناك مآخذ عليه من حيث نحله للشعر، وتضمين كتابه بعض الاساطير، وتعديله لتتوافق وهوى العباسيين، فان ذلك لا يبخس الكتاب قيمته خصوصا بعد ان عدّله ابن هشام، وهو يعتبر افضل واتم سيرة عن الرسول.

ج – محمد بن عمر الواقدي[24]: اما الواقدي، في كتابه «المغازي» فقد خطى بمنهجه خطوة مهمة على صعيد البحث التاريخي بذكر مصادره الاساسية الخامسة والعشرين في مقدمة كتابه، فجعلنا نحكم على جديتها ورصانتها قبل الشروع بقراءة الكتاب. اما ابرزها فهي: الزهري، وكل من كتب بالسيرة ممن سبق الواقدي، الاحاديث النبوية، القرآن، اولاد واحفاد من استشهدوا في الجهاد او شاركوا فيه، اضافة الى ابن اسحق الذي اخذ عنه من دون ان يذكره لأنه كان غير موثوق عند علماء المدينة. فجاءت مصادره قوية جداً غالباً ما تنتهي بمن شارك بالاحداث، او شاهدها، او من أخذ عن هؤلاء، وغنية متنوعة شاملة اخضعها جميعها للجرح والتعديل.

     وقد اقتصرت السيرة عنده، كما اسلفنا، على الغزوات، وهذا أمر غاية في الاهمية على المستوى التاريخي، اذ حاول الواقدي الفصل بين الديني والتاريخي، معطيا السيرة، اضافة الى جانبها المقدس، بعدا تاريخيا اساسيا من حيث تمييزه في الغزوات بين الأمر الإلهي الداعي اليها، والأمر الدنيوي المتمثل بتفاصيلها. وهي الى ذلك احداث تاريخية بحتة، وكأنه مهّد، من غير قصد، للفصل بين علمي الحديث والتاريخ. ويتضّح الأمر أكثر بذكر الواقدي ثبتا، في مستهل كتابه، بجميع الغزوات وتواريخها، لأن ربط الحوادث زمنيا يعتبر من اهم اسس التأريخ. وخطى الواقدي خطوة أخرى على مستوى التنظيم والمنطق باتباعه التسلسل التاريخي للأحداث، وان من دون ترابط سببي ونتائجي.

  ان انجازات الواقدي المنهجية اكسبت السيرة بعدا تاريخيا واضحا، فقد ربط مضمونها عضويا بمسألة الجهاد في الاسلام، الذي لم يقتصر على الغزوات والسرايا في عهد الرسول، بل بتأسيس دولة الخلافة ايضا، التي جعلت الجهاد اساساً لنشر الدين وتوسعها. وتأكيداً لهذه النظرة كتب الواقدي كتابه «فتوح الشام» كما الكتب الأخرى مثل : «فتح العراق»، و«التاريخ الكبير» الذي تناول فيه اخبار الدولة الاسلامية حتى عام 179/796[25].

     واعتمد على ابحاثه الشخصية للتثبت من تطابق الرواية مع الواقع  الجغرافي ما اكسب اخباره تفاصيل جغرافية، وهي خاصةتأريخية لم نعهدها قبله. واعتمد في تدوين اخباره منهج الاسناد الجمعي وطوره عمّا أثر عن سابقيه فجاءت الاخبار أكثر لحمة والاحداث أقل تفتيتأ.

    قد نكون اعطينا اخباريي السيرة بعداً تأريخيا متطوراً لم يقصدوه ضمن هذا التكامل، رغم ان افق اخباريي النصف الثاني من القرن الثاني الهجري كان، على ما ازعم، اوسع مما يبدو للقراءة المبسّطة، فقد كانوا جميعهم محدثين ومتفقهين بعلوم الدين من دون ان يرقى تفقههم الى مستوى مذهب. وكانت لهم رؤاهم ونحن حاولنا استقراءها بعمق. وخدمت مناهجهم علم التاريخ على مستويين على الاقل: فقد استعار منهم المنهج الصارم للتأكد من صحة المصادر باخضعها للجرح والتعديل فتنقت الروايات والاخبار من نسبة عالية من شوائبها. وصارت نظرتهم، التي ربطت السيرة بنتائجها، اساسا للتدوين التاريخي، ممّا جعل تاريخ المسلمين يتعاقب زمنياً.


[1]  الخالدي،(طريف)، فكرة التاريخ عند العرب من الكتاب الى المقدمة، ترجمة، حسني زينه، دار النهار، بيروت، 1997، لقد افدت منه كثيرا كما اقتبست بعض معلوماته.

[2]   الخالدي، فكرة، ص20-21

[3]  روزنتال ( فرانز)، علم التاريخ عند المسلمين ترجمة صالح احمد العلي، مكتبة المثنى، بغداد، 1963 ، ص23

[4] – لن اتوسع كثيرا بهذا الموضوع فقد ناقشه ودرسه عدد وافر من المستشرقين والمؤرخين العرب، لذا، ولمزيد من الاطلاع يمكن مراجعة روزنتال، علم التاريخ، وكذلك الخالدي(طريف)، فكرة التاريخ عند العرب، ترجمة حسني زينه، دار النهار، بيروت، 1977

[5]  فكرة التاريخ، ص23

[6]  الجاحظ،(عمرو بن بحر)، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، 1948-1950، ج1، ص287، لمزيد من التفاصيل انظر الخالدي، المرجع السابق، ص25

[7]   طريف الخالدي، ص27

[8]   روزنتال، علم التاريخ، ص 3 3

[9]  مصطفى ( شاكر )، التاريخ العربي والمؤرخون، دار العلم للملايين ، بيروت ، 1978 ، 4 اجزاء، ج1 ، ص54 – 55

[10]   مصطفى ، ص 55

[11]  المكان عينه

[12]  روزنتال، ص 34

[13]  المكان عينه

[14]  مصطفى، التاريخ العربي، ج1، ص57

[15]  القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 106

[16]   صحيح مسلم، ج8، ص229، نقلا عن صبحي(محمود)، في فلسفة التاريخ، مؤسسة الثقافة الجامعية، الاسكندرية، 1975، ص304

[17]  مصطفى، ج1 ، ص63

[18]  البيروني، الآثار الباقية، ص 99

[19]  ابن النديم، الفهرست، نشر فلوجل، ص305-316 ، ومصطفى، ج1، ص69

[20]  الفهرست، ص 91

[21]  فوزي (ابراهيم)، تدوين السنة، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، 1994،ص146

[22]  كوثراني ( وجيه)، التأريخ ومدارسه في الغرب وعند العرب، الاحوال والازمنة للطباعة والنشر، بيروت، 2001 ، ج1، ص82

[23]  ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وابراهيم الايباري وعبد الحفيظ شلبي، دار الكنوز الادبية، بيروت، دون تاريخ، ج1، ص10

[24]  انظر حياته في فصل الاخبار التاريخية

[25] –  ابن النديم، الفهرست، ص144

المؤرخون في القرن الثالث

اولا: عوامل ظهور المؤرخين

1- دور العصر الراشدي: العوامل التي ساهمت بظهور المؤرخين: تميز العصر الراشدي بالفتوحات الكبرى التي ارست الركائز الاساسية لدولة الخلافة. وشكلت الاحداث السياسية ولا سيما الفتنة الكبرى بين المسلمين، الى جانب مغانم الفتوح، مواضيع مهمة حاول الاخباريون حفظها بمروياتهم المستمد معظمها من الروايات الشفوية المتواترة. ويعتبر العهد الاموي استمرارا للعصر الراشدي من حيث الفتوح وترسيخ مرتكزات الدولة السياسية. واذا كان الشيعة عامة وغيرهم من المنتمين الى الفرق الدينية، اضافة الى المعارضة السياسية خصوصا في العراق، قد شكلوا مادة مهمة للاخباريين المتطورين، فان العصر الاموي شهد ايضا، على رغم كل صعوباته وعقباته السياسية، بداية تركيز الاسس الحضارية العامة في دولة الخلاف؛ ففيه بدأ التمازج بين الشعوب المكونة للدولة العربية والاسلامية وان على درجات، كما تمّ توزيع القبائل الخارجة من الصحراء على الامصار بما جر تنفيذه من مشاكل وتعقيدات سياسية. وشهد ايضا بدايات نشوء العلوم العقلية الدينية الناجمة عن امتزاج الثقافات العريقة القديمة كاليونانية والفارسية والهندية بالمعطيات الفكرية الاسلامية الاولى، ممّا سيؤسس لحضارة عربية اسلامية واضحة المعالم.

2- التفاعل الحضاري: في القرن الثالث الهجري بدأت تتبلور في المجتمع العربي والاسلامي في المشرق العربي معالم الحضارة العربية بعد ان انصهرت فيها ببطء العلوم التي تسربت اليه تدريجا من طريق الترجمة عن اليونانية والفارسية والهندية والسريانية،كما بالاحتكاك المباشر بشعوب البلاد المفتتحة. وكان للشعوبية دور اساسي في الكبّ على العلوم في مختلف الميادين أظهاراً لمعارفهم وتفوّقهم العلمي على العرب والحط من قدرهم على مستويات متعددة، ممّا ادّى الى نهضة علمية في مختلف العلوم العقلية والدخيلة، فظهر علم الكلام، الذي تأثر به علماء الدين وكان بعضهم من المؤرخين، وبالتالي اندفع التأريخ نحو التطور الايجابي0 وبدأت تظهر المدن الجديدة، إمّا لدواع سياسية او حضارية بحتة، فشيدت بغداد ومن بعدها واسط وسرمن رأى… كما توسعت المدن بما اضيف اليها من ارباض واسواق …ممّا عزّز مواضيع التأريخ بحيث اهتم بعض المؤرخين بخطط المدن ( الطبوغرافيا)، والديمغرافيا، وتكوين السكان من حيث أعراقهم ومراتبهم، كما بالاحداث السياسية التيتسارعت في دولة الخلافة.

3- دور المثقفين:ونشأت في المدن تنظيمات اجتماعية جديدة نتيجة للصراع الاجتماعي الناجم اصلا عن التفاوت في الدخل وتدخل الاغراب العسكريين في الحياة السياسية والعسكرية في الدولة. وتطور ايضا علم الاقتصاد بفعل تحديد واردات الدولة ونفقاتها، ومن اجل فرْض ضرائب جديدة. وكان مريدو العلم يقصدون الأعلام والمشاهير مهما بعد مقامهم، فجال عدد لابأس به من العلماء في ارجاء الدولة العربية والاسلامية، وتعدّى بعضهم حدودها مدونين مشاهداتهم مؤسسين بطريقة غير مباشرة لنشوء علم الجغرافيا. وشهد الاهتمام بالنسب نقلة في النوعية لأن الاهتمام بالشخصيات البارزة كالخلفاء والوزراء والولاة والعمال ورجال الدين المهمين بات سمة من سمات التأريخ، فدوّنت تراجمهم. وكان لتطور النظم السياسية العباسية المستمدة اسسها من النظم الفارسية، والمطعّم بعضها الآخر بتراث شعوب اخرى، ان توسع الافق الفكري والحضاري أقله على صعيد النظم الادارية، ممّا وفّر مادة جديدة ودسمة للمؤرخين0

 دور الدويلات: عندما اشتد التأزم السياسي، خلال العصر العباسي الثاني، واوشكت السلطة المركزية ان تنهار على حساب الاقاليم، نشأت في مصر وبلاد الشام وعلى الاطراف الشرقية للدولة العباسية الدويلات ونشأ معها التأريخ المحلي او الاقليمي. وقد خدم هذا التفسخ تطور العلوم بطريقة غير مباشرة، بالمساهمة العلمية والفنية التي قدمتها حواضر الدويلات، مما ادى الى نمو في الحالة الفكرية عامة حين عمد مؤسسوها وخلفاؤهم الى استقدام اهل العلم اليها وأغدقوا عليهم الاموال والهبات المتنوعة، وكأني بهم يستمدون من خلال هذه المآثر العلمية نوعا من الشرعية السياسية، وتخليدا لإنجازاتهم السياسية والحضارية.

   وقد انعكس كل ذلك على علم التاريخ اذلم يعد المؤرخون كلهم غرباء عن المجتمع يؤرخون للخاصة من دون العامة، فظهرت مؤلفات اشتملت على نشاط العامة بما في ذلك اعمال السلب والنهب، ودفاع العامة من عيارين وشطار وغيرهم عن بعض الخلفاء ضد تسلط الاعاجم، وتناولت ايضا وبخفرٍ الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية 0

     وهكذا، تنوعت مواضيع المؤرخين، وتوفرت لها مصادر متعددة وغنية: دواوين الخلافة، الخلفاء انفسهم، شهود عيان على الحوادث وكان بعضهم وزراء، وقادة عسكريين، واداريين بارزين. وتتطورت في الوقت عينه مناهج المؤرخين المتأثرة اساساً بمناهج من سبقهم من الاخباريين التي ستتحدد معالمها بدقة في هذا العصر القرن الثالث/العاشر لتصبح القوالب العامة للتأريخ في مختلف العصور.

ثانيا: مناهج التأريخ:

   ارسى القرن الثالث الهجري المناهج الرئيسة في التأريخ التي كانت تطورت بتؤدة منذ القرون السابقة لتشكّل الركائز الاساسية في مناهج المؤرخين في العصور اللاحقة. ونحن سنحاول قدر المستطاع الوقوف على ابرز مميّزاتها.

1– التأريخ الحولي: هومنهج التأريخ على توالي السنين، سنة بعد سنة، وتكمن اهميته بجعل الرؤية التاريخية أكثر شمولا ووضوحا، ويمكّن المؤرخ من الاطلاع افقيا على كل الحوادث التي جرت خلال السنة الواحدة، كما في سنوات عديدة ، في كل ارجاء الدولة، ممّا يؤدّي الى استيعاب اشد عمقا لبعض الحوادث بما يمكّن بعضها الآخر المتقاطع معها جزئيا او كلياً، من ايضاح تطوّراتها جميعها. ويربط المؤرخ بين حوادث السنة الواحدة بعدة عبارات «وفيها» أي وفي هذه السنة، او «وجاء في سنة كذا»… ويتمثل عيب هذه المنهج بتفتيت الحوادث، ليس فقط التي تتعدى مدتها الزمنية السنة الواحدة، انما ايضا تلك التي تجاوز الشهر وربما اقل ايضا، لأن المؤرخ كان يجزءها الى اشهر او الى اسابيع، وربما الى ايام ، تبعا لرؤاه لاهمية الحادثة، ولتأريخ اخبار اخرى جرت في الوقت عينه من دون ان تتقاطع معها سببيا، وليدرج استطرادات وجد ان لا غنى عنها. وحاول الطبري تلافي العيب المذكور فافرد، في سنة وفاة شخصية محورية كالخليفة او الوزير او غيرهما، ترجمة كاملة لها ذكر فيها بشكل تسلسلي وباختصار نسبي كل الحوادث التي جرت في عهدها. وعلى رغم اهمية هذا التطوير للمنهج الحولي، فانه لا يغني الباحث عن العودة الى التفاصيل المهمة والضرورية للاحداث حين ذكرها المؤرخ للمرة الاولى في حولياته، مّما يحتم على الباحث العودة اليها في اماكنها الاساسية ودراستها بعناية.

   وحتى اليوم لم يتفق الباحثون على رائد المنهج الحولي في التاريخ العربي؛ فبعضهم يرجعه الى الهيثم بن عدي الثعلبي (130-206/ 747-821) في كتابه “تاريخ الدولة” أي الدولة العباسية[1]. وفريق آخر يعتبر الطبري رائده، وقد يكون مرد ذلك الى ضياع كتاب الاول. ولكنني أرجّح ان الهيثم رائده لأن الطبري طور هذا المنهج، ومن العسير ان يُقر او يُعتمد منهج جديد ويتم طويره مباشرة. في مطلق الاحوال يظل هذا الرأي مجرّد اجتهاد. وتطور هذا المنهج مرة اخرى مع ابن الاثير، بجمعه حوادث عدد من السنوات لاحدى المناطق كافريقيا او الاندلس او الفاطميين في المغرب ودوّنها بشكل تسلسلي ذاكرا تواريخ الاحداث البارزة فقط، ممّا جعل الاحداث أكثر لحمة، والمعلومات أكثر تقاطعا من حيث الاسباب والنتائج[2].

                                

2- التاريخ العام الشامل : اجتهد بعض المؤرخين على اعتبار كتب التاريخ الحولية التي أرخت لفترة ما قبل الاسلام تواريخ عالمية شاملة. قد يكون الامر صحيحا جزئيا لأن ما كتب من تواريخ الامم السالفة لم يكن تاما او شاملاً، بل اخبارا منتقاة. واعتمد في بعضها على رواة عرب، و في بعضها الاخر على كتب مترجمة، وبالتالي فان النقص فيها واضح، ناهيك بالقفزات في الزمن، ولخلو بعضها من الارتباط بالزمن. لذلك فان صفة الشمول تسقط عن المضمون بشكل عام، وتستمر بالنظرة التاريخية الى احداث العالم. فهي كانت محاولة لربط الفكر التاريخي واحداث البشرية بعضها بالبعض الاخر انطلاقا من رؤية عامة وشاملة لاحداث الكون انسجاماً مع نظرة القرآن الى الماضي والى احداث الشعوب. امّا صفتها الشمولية شبه التامة فتكمن بالتطرق الى احداث تاريخ العرب والمسلمين عامة. وعلى الرغم من اعتماد المؤرخين نمط الخبر التاريخي الذي يفتت الحوادث، ويسقط الروابط السببية بينها، ولا يخلص الى نتائج، فان وضوح الرؤية الشمولية السياسية جلي في مؤلف الطبري «تاريخ الرسل والملوك» الذي حاول ان يحيط بمضمون كل مجريات الاحداث التي شهدتها الدولة العربية الاسلامية في المشرق العربي من دون التطرق الى المغرب[3]. ونلاحظ في مؤلفات اخرى كالكامل لابن الاثير رؤية اوسع واشمل للعالم الاسلامي، ممّا سيطبع الحوليات بهذه الصفات، إلاّ تلك التي تناولت اخبارا محلية او إقليمية بعد ان تجزأت الدولة الى دويلات ونشأت أكثر من خلافة اسلامية: مثل « سيرة احمد بن طولون» للبلوي، و« فضائل مصر واخبارها » لإبن زولاق، و« اخبار مصر» للمسبّحي وغيرها. فعلى رغم التفسخ والتفتيت الذي شهدته دولة الخلافة اعتبارا من العصر العباسي الثاني فان الرؤية التاريخية استمرت شاملة لأحداث الدولة بكليتها، على الاقل في مؤلفات المؤرخين الكبار، ممّا يعني ان التفتت على الارض لم ينعكس تمزقا او استقلالاً في التأريخ او تقوقعا مناطقيا بفعل العداء السياسي. بهذا المعنى، لم تتمكن الاقليمية الجديدة ان جاز التعبير، المتميزة عن سابقتها بالنظرة التاريخية والمنهج عموما، التي كان تمّ تجاوزها في اواخر القرن الثاني ومطلع الثالث هجري، الى البروز مجددا على الساح التأريخية بوجهها السابق؛ كأقليمية تصارع السلطة الدينية المتمثلة بالخليفة وتكتب اخبارها بمعزل عن اخبار المناطق او الاقاليم الاخرى بعداء سياسي ومذهبي، على رغم صدور عدد لا بأس به من المؤلفات التاريخية تناولت اخبار اقاليم من دولة الخلافة نشأت فيها دويلات استمرت، على رغم عداء بعضها للسلطة السياسية العسكرية التي كانت مسيطرة على الخلفاء، تعترف بسلطة الخليفة العباسي.

    وعلى رغم نشوء الاقليمية السياسية استمرت الوحدة الشاملة في التصانيف التاريخية في مؤلفات عدد من مؤرخين تجاوزوا احداث مناطقهم الى ما يعرف بالتاريخ العام الشامل مثل « تاريخ الانطاكي»، او « ذيل تاريخ دمشق » لابن القلانسي، وان ظهرت فيها احيانا افضليات لاحداث اقاليمهم. وبالتالي فان الصراع السياسي بين الاقاليم لم ينعكس تفتتا فكريا، لأن الوحدة الفكرية كانت اقوى من ان تتأثر بالصراع السياسي.

     ونحن في هذا الكتاب لن نتطرق الى كتب التاريخ المحلي لأنها لا تختلف في الشكل والمنهج عن التاريخ العام الشامل إلا من حيث حصر المضمون في رقعة جغرافية محددة[4]. وهذا الاسقاط لا يبخسها حقها العلمي، لأن النظرة الاقليمية او المناطقية لم تتأت عن عداء سياسي او مذهبي، لأننا نجد مؤرخين سنة كتبوا تاريخ مصر الفاطمية.

3- التأريخ حسب الموضوع: تتخذ هذه الطريقة من الموضوع اساسا للتأريخ، الذي قد يكون شخصيات متعاقبة، اومنطقة جغرافية محددة، او اقليما قائما بذاته، او دولة. ففي حال الشخصيات تتمحور الاحداث جميعها حول كل واحدة منها على حدة بشكل تعاقبي. اما في الاقليم فيتناول المؤرخ ما جرى في كل مدينة من مدنه او منطقة من مناطقه على حدة ايضا. واذا كان الموضوع دولة يتناول المؤرخ اخبار كل اقليم من اقاليمها بشكل مستقل. ويراعي المؤرخ التسلسل الزمني في هذا المنهج، بمعنى عندما ينتهي من تدوين اخبار كل مدينة او اقليم على توالي السنين، يعود وتناول مدينة اخرى او غير ذلك وفق النمط عينه وهكذا الى ان ينتهي منها جميعها، ممّا يجعل هذا المنهج تأريخا شبه حولي. وقد اعتمده البلاذري في كتابيه ” فتوح البلدان”  وانساب الاشراف، وتميّز به الجغرافيون عموما. وعندما يكون الموضوع شخصيات متجانسة بارزة يتحول هذا المنهج الى تراجم. 

 4 – الرحلة او منهج الجغرافيين : يستند هذا المنهج الى استقاء المعلومات من طريقين اثنين: الرحلة في ارجاء دولة الخلافة، او في اصقاع الدولة الاسلامية والدول محاذية لها او البعيدة عنها. وفي الحالين يستمد الرحالة اخباره من طريق مشاهداته المباشرة، او من ثقات البلاد، او ممن ينتسبون الى اقليم جغرافي لم يزره. ويرتكز هذا المنهج على دراسة جغرافية للمناطق التي زارها الرحالة، بدءا باسم الاقليم فتحديد موقعه بالنسبة لعاصمة الخلافة، اذا كان ضمن اطارها السياسي: شرقيها، اوشماليها اوجنوبيها، ذاكرا اسم قصبته (ابرز مدنه)،  ويصف تضاريسه. ثم يتحدث عن هندسة القصبة البنائية، وابرز معالمها، وارباضها، والطرق المؤدية اليها، مشدّداً على الطريق الذي يصلها بعاصمة الخلافة. ويحدد المسافات بالفرسخ بين مدنه الرئيسة، وتلك التي تربطها بمدن الاقاليم المجاورة. ويستمر على هذا النحو الى ان ينتهي من وصف الاقليم كله بما في ذلك انواع مزروعاته مركزا على ما يشهربه من انواعها، ومياهه، وانهاره، وبحاره، وسكانه ودياناتهم، وطرق عباداتهم، ويتحدث بايجاز عن مشاهير الاقليم ومؤلفاتهم. ولا تغيب المعلومات التاريخية عن هذا النمط من التأريخ؛ كفتح الاقليم، وعلاقة شعبه بالحكام، والثورات التي حدثت فيه، ودوره الجهادي اذا كان منطقة حدودية.

   واذا كان الاقليم يقع خارج حدود الدولة الاسلامية يربط الرحالة موقعه باقرب مدينة اسلامية مشهورة متخذا منها نقطة انطلاق مركزية، ويتابع اخبار اقاليم الدول غير الاسلامية بالطريقة السابقة عينها. وقد جعل هذا المنهج علمي الجغرافيا والتأريخ متلازمين،  لدرجة ان بعض كتب التاريخ تضمنت معلومات جغرافية، شأن تاريخ اليعقوبي و« فتوح البلدان»  للبلاذري، و« مروج الذهب» للمسعودي. وقد يكون « البلدان » لليعقوبي اقدم كتاب في الجغرافيا، ومن ثم توالت كتب الرحالة والجغرافيين.

    وتكمن أهمية هذا العلم في انه فتح المجال واسعا أمام الدراسات الجغرافية فتحدث الجغرافيون والرحالة عن التضاريس، والبحار بما فيها من عقبات، وما تحويه من موارد متنوّعة، وحددوا مواقعها بالنسبة الى البلاد المطلة عليها، وابرز موانئها مبينين اهميتها ودورها التجاري. وقد يكون ابن خرْداذْبه اقدم الرحالة، وأول من رسم الطرق التجارية بين دولة الخلافة والشرق الاقصى، كما الطرق التجارية الداخلية او ما يعرف بطرق القوافل. 

     واذا كان هذا المنهج نشأ في القرن الثالث هجري، فانه سيتخذ ابعادا جديدة في القرون اللاحقة، لأنه سيصبح اشد ارتباطا بالتاريخ. ويعتبر المسعودي ابرز نماذجه في مؤلفه « مروج الذهب » حيث نجد فيه معلومات خغرافية صرفة الى جانب حوادث تاريخية[5]. وجمع ياقوت الحموي في « معجم البلدان » الجغرافيا والتاريخ، وتلاقت في الكتاب عدة مناهج: الجغرافي، والطبقات، والاخبار التاريخية، وستزدهر هذه الطريقة كثيرا في القرون اللاحقة.

4 – الطبقات : خلال العصور الوسطى، لم تكن كلمة طبقة تعني فئة محددة من الناس لتحديد منزلتها الاجتماعي في التفريع الطبقي او مستواها الاقتصادي، شأن الحال في ايامنا هذه، بل كان يعني فئة معينة من الناس متجانسين من حيث العمل الذي يؤدونه ضمن فترة زمنية محددة لا تتعدى الجيل الواحد، الذي ترواحت مدته تبعا للمؤرخين بين العشر والعشرين سنة. وهذا المنهج اسلامي صرف، لأنه انبثق من التأريخ لصحابة الرسول ومدوني الحديث، او ما يعرف اصطلاحاً باهل الحديث اوالمحدثين، لتقدير راوي الحديث بالثقة، ممّا جعل معرفة اكبر قدر من حياتهم امراً ضرورياً وبالغ الاهمية؛ بما في ذلك اماكن ولادتهم والاقاليم التي ينتمون اليها – ما شجع بطريقة غير مباشرة علم الجغرافيا- وعلى من تثقفوا، والمهن التي تعاطوها وما الى ذلك. ومن ثم عمّ هذا النمط من التأريخ ليتناول شخصيات أخرى كالفقهاء، والنحويين، والشعراء، والاطباء، وغيرهم.

    والطبقات هي مجموعة تراجم اشخاص في كتاب واحد. وأقدم كتاب لدينا وفق هذا المنهج هو « الطبقات الكبرى » لإبن سعد (م 230/845). وهذا لا يعني ان ابن سعد اول من كتب وفق هذه الطريقة إذ يذكر ابن النديم ان الواقدي ( 130-209/747-825) دوّن كتاباً اسماه « تأريخ المحدثين »[6] وهو طبقات المحدثين في الكوفة والبصرة تبعا لشاكر مصطفى[7]. وأهمية هذا المنهج انه سيستمر فترة طويلة جدا، وسيرتبط برجال الدين عموما اِذ نجد العديد من المؤلفات التي تحمل اسماء «طبقات الشافعية» او «الحنابلة» وغيرهما…كما نجد طبقات خجولة لغير رجال الدين مثل «طبقات الاطباء» لإبن ابي اصيبعة (600-668/1202-1270 ) ويتيمة الدهر للثعالبي، ومعجم الادباء لياقوت الحموي…وهذه المؤلفات وان حملت اسم طبقة واوطبقات فانها ما عادت تتوافق منهجا مع طريقة الطبقات الاولى المستندة الى تجانس وظيفي ضمن عقد او عقدين من الزمن، بل صارت جزءا من طريقة التراجم كما سيتضح ادناه.

6– التراجم                             

أ – مفهوم التراجم او تعريفها: ان مصطلح «ترجمة» هو تدوين سيرة موجزة لشخص ما، هو عموما من المشاهير، يُذكر فيها: اسمه غالبا بسلسلة نسبية، واذا كان الاسم يحتمل التأويل لفظاً يضبطه المؤرخ لفظاً، ثم مولده، طفولته، علومه، الوظائف التي تسنّمها، انجازاته، الحوادث التي شهدها او شارك فيها، وما الى ذلك حتى وفاته.

   ويعتقد روزنتال: ان التراجم هي اثبت صور التعبير التاريخي عند العرب وقد سبقت مبادئ صور التأريخ التقليدي. ويبدو جليا، على حد تعبيره، انها اسهمت في كتابة التاريخ الاسلامي منذ بداياته[8]. وانسجاما مع هذه النظرة يقول المنذري انه حين بدأ العرب بتدوين السير والتراجم اطلقوا عليها اسم التاريخ.[9]

ب – عوامل نشوئها: كان لنشوئها وتطورها عوامل متعددة من اهمها: تدوين سيرة الرسول لحاجة المسلمين اليها سلوكا وتشريعا. وهي الى ذلك، شكّلت حجر الزاوية في نشوء التدوين التاريخي وفي منهجه حتى باتت تتصدر كل مؤلفات مؤرخي التاريخ العام[10]. واذا كانت السيرة تختلف عن الترجمة من حيث الاختصاص والاطالة، فانها اوحت بها. ويعتبر علم الحديث بدوره ركنا اساسيا في نشوئها لان المحدثين اشتغلوا بالتاريخ الى جانب اهتمامهم بالسيرة، وهم من جعل منهجهم الصارم (منهج اهل الحديث) ينتقل الى اسلوب ومنهج الاخبار التاريخية[11]. ولأن المحديثن تناولوا تدوين الحديث وهو المصدر الثاني للتشريع الاسلامي، فلا بد ان يحتلوا منزلة مرموقة اجتماعيا ودينيا، وبالتالي كتبت لهم تراجم موجزة من اجل تبيان قيمة المحدث الاخلاقية، ومنزلته الدينية، ومستواه العلمي، ومقدار درايته ودربته. وقادهم ذلك الى وضع كتب في نقد المحدثين، فظهرت كتب الجرح والتعديل، التي لم تكن سوى تراجم لهم.

   ومن اسبابها الاخرى، العلاقات التي ربطت المؤرخين بل معظم اهل القلم بالخلفاء واكابر رجال الدولة كالسلاطين والوزراء، ومغتصبي الولايات في الاقاليم…لأنهم رغبوا بتخليد اعمالهم، بل عهودهم بايجابياتها. ولكن المؤرخين دوّنوا سلبياتها ليتعظ منها الخلف، لأن الغاية من التاريخ عند المسلمين الاتعاظ من عبر الماضي لتقويم سلوك الحكام حاضرا ومستقبلاً. ويصّنف في الخانة عينها النزاع الفكري بين الفرق الاسلامية المتنوعة، لأن فرقاءه الاساسيين كانوا شخصيات دينية، فتمّ تدوين صفاتهم بمثالبها وفضائلها. وكان لتبؤ علماء الكلام والفقهاء منازل مهمة في المجتمع ان صار تخليدهم واجبا دينيا، فدُوٍّنت تراجمهم. واذا كانت السياسة عند المسلمين من عمل الاشخاص ولا تفهم الا على ضوء صفاتهم وخبراتهم، فانها جعلت التاريخ مرادفا للسير والتراجم[12]. ويؤكد الصفدي هذه النظرة بقوله:« وتراجم العالم للمشاركة في المشاهدة…»[13] والتراجم عند ياقوت الحموي: علم الملوك والوزراء والجلسة والكبراء.

ج – مضمون الترجمة: ان معظم الاشخاص المترجم لهم مشكوك بصحة تاريخ ولادتهم، خصوصا في الفترة المبكرة من التاريخ العربي، اذ غالبا ما يرجّح المؤرخ تاريخا على آخر، لأن أهمية الشخص لا تبدأ الا منذ اشتهاره بعلم ما، او تسنّمه مركزا مرموقا، ويبقى تاريخ الوفاة وحده ثابتا. ولا يتبع مضمون الترجمة نمطا واحدا فهو ميتباين بين شخص وآخر تبعا للمراكز التي تسنّمها؛ فالعلماء لا تتعدى تراجمهم المدارس التي تعلموا فيها، والمقصود هنا، على من تتلمذوا، لأن المدارس لم تظهر الا متأخرة، لأن التعليم تولاه علماء اشتهروا بعلوم الدين كانوا يجيزون طلاّبهم بعد انهاء تثقيفهم. ولا تتجاوز ايضا العلوم التي اشتهروا فيها، والمراكز التي شغلوها، والمؤلفات التي تركوها. امّا حياتهم الخاصة وعلائقهم بالناس وكل ما يرتبط بغير ذلك بالحياة العامة فلا تذكر الا اذا ارتبطت بنواحي خاصة بالخلافاء او غيرهم من ارباب السلطة. امّا تراجم الخلفاء وكبار رجال الدولة فهي تتسع او تضيق تبعا للمقدرة السياسية والانجازات التي اشتهروا بها والاحداث التي جرت في عهودهم، ممّا يجعلها مرتبطة عضويا بعلم التاريخ لأنها تختصر عهودهم.

داهمية الترجمة: قد تكون التراجم امتداداً لمنهج الطبقات ولكن من دون حصر المترجم لهم بجيل او بمهنة متاجنسة. ومن المرجّح ان كتاب «سيرة معاوية وبني أميّة» لعِوانة بن الحكم (م147/765) اول كتاب دُوّن وفق هذه الطريقة. وسيستمر هذا النمط التأريخي على امتداد العصور الوسطى. وللتراجم اهمية بالغة في حفظ الحوادث من جهة، وتوضيح مجريات التاريخ العام (الحولي) من جهة ثانية، لأن بعض المعلومات الواردة فيها تشكل مفاتيح لحوادث في التاريخ العام وتضيء عليها من جهة، وتغنيها من جهة ثانية بالإضافات التي تفتقر اليها الحوليات. وسيتطور هذا المنهج تباعا وسيشكل احد اهم انماط التأريخ العربي خلال العصور الوسطى، وسيلازمها حتى نهايتها، بل سيتجاوزها ليشكل ايضا منهجا تأريخيا مهما في العصور الحديثة كما «عجائب الاثار في التراجم والاخبار»  للجبرتي (م 1754-1822).

    وعلى هذا، يصبح الخط الفاصل بين التراجم و الطبقات من جهة، والتاريخ من ناحية ثانية دقيقاً جدا، ويمّحى عندما تكون الترجمة عائدة لخليفة او احد رجال السلطة البارزين، لأنها تختصر تاريخ عصره. واذا كانت لوزير ذي شأن تختصر عهد خليفة او اكثر، لأن هذا الوزير، الذي عاصر أكثر من خليفة، يصبح محور الاحداث الرئيسة او في لبّها، وكذلك اذا كانت لأحد امراء الاتراك البارزين من العصر العباسي الثاني، او للملك البويهي او السلطان السلجوقي. واذا كانت لأشخاص اتصالهم غير وثيق بالسلطة والشؤون العامة تصبح أقل صلة بالتاريخ السياسي العام، ولكنها تنبض بالحياة الاجتماعية لأنها تصوّر الحياة الدينية والادبية والتعليم والثقافة، وما الى ذلك من العلوم، وقد يعكس بعضها نواحي ترتبط بحياة الناس عموما.

هانواع التراجم: تنوّعت التراجم من حيث المضمون والمنهج العام من دون ان تخرج غائيتها عن الهدف الاساسي الذي من اجله وضعت. فالتراجم العامة كانت الاكثر شيوعا، ونعني بعامة تلك التي جمعت عددا من تراجم اشخاص يتباينون عملاً، وعصرا، ومنزلة اجتماعية، ومكاناً، ويمتازون جميعم بالجدارة. فانت تجد في هذا النمط جنبا الى جنب وفي مؤلف واحد: القاضي، والمدرّس، والفقيه، والمحدث، والشاعر، والاديب، والمؤرخ، والقائد البارز…ويجمع المُؤَلف عينه شخصيات من مختلف ارجاء الدولة الاسلامية، او على الاقل من ارجاء الدولة التي عاش فيها كاتب التراجم، ومن مختلف العصور. ويختصر ياقوت الحموي محتوى هذا النوع من التراجم بقوله:« ولم اقصد ادباء قطر، ولا علماء عصر، ولا اقليما معين، ولا بلدا مبينا، بل جمعت البصريين والكوفيين والبغداديين…على اختلاف البلدان وتفاوت الازمان حسب ما اقتضاه الترتيب، وحكم بوضعه التبويب»[14]. ويندرج في المجال عينه ما كتبه ابن خِلّكان في مقدمة مؤلفه «وفيات الاعيان» اذ قال:« هذا مختصر في التاريخ، دعاني الى جمعه اني كنت مولعا بالاطلاع على اخبار المتقدمين من اولي النباهة وتواريخ وفياتهم ومولدهم، ومَن جَمَع منهم كل عصر…ولم اقصر هذا المختصر على طائفة مخصصة مثل العلماء والملوك او الامراء او الوزراء او الشعراء، بل كل من له شهرة بين الناس…وذكرت من محاسن كل شخص ما يليق به من مكرمة اونادرة… وجعلته تذكرة لنفسي»[15]. وقد اُعتمد في تأريخ التراجم ثلاثة مناهج يمكن تصنيفها ضمن هذه الانواع:

    على حروف المعجم، وهو الاكثر شيوعا، وابرز نماذجه معجم الادباء لياقوت الحموي، ووفيات الاعيان لأن خلكان الذي يبرر منهجه هذا قائلاً:« فاضطررت الى ترتيبه، فرأيته على حروف المعجم ايسر منه على السنين»[16].

   والثاني جغرافي، وهو مبني على ترجمات الاشخاص تبعا لانتمائهم الاقليمي ضمن فترة زمنية محددةً بعصر المُتَرجِم، ومن ابرز نماذجه يتيمة الدهر للثعاليبي الذي يقول:« فهذه النسخة الآن تجمع من بدائع اعيان الفضل، ونجوم الارض من اهل العصر ومن تقدمهم قليلاً ومن سبقهم يسيراً.»[17] ويندرج في هذا النموذج مجموعة مؤلفات كثيرة نذكر منها «الدرر الكامنة في اعين المائة الثامنة» لأبن حجر العسقلاني، ومؤلف البرزالي «مختصر المائة السابعة»، وكذلك مؤلف السخاوي «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» ويقول فيه:« جمعت فيه من علمته الارض من اهل هذا القرن الذي اوله 801 من سائر العلماء، والقضاة، والرواة، والادباء…مصريا كان ام شاميا، حجازيا ام يمنيا، هنديا ام مشرقيا…»[18] وهو نمط لا يسهل العمل فيه، لأن الباحث قد يجهل الانتماء الاقليمي للشخص المعني لاسباب متنوعة ولا سيما بعد ان تفسخت الدولة العباسية الى دويلات. ومن المؤلفين من ترجم فقط لأبناء عصره شأن الصفدي في « اعيان العصر واعوان النصر».

   والثالث حولي، وهو مبني على توالي السنين، ومن ابرز نماذجه «المنتظم لأبن الجوزي» فهو كتاب في التاريخ، وفي الوقت عينه يختم سنوات الاحداث بتراجم لأبرز من توفي فيها. ويصنف في الاطار عينه « النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» لأبن تغري بردي، وان كانت الاحداث التاريخية الصفة الغالبة عليه. ومنها ايضا «عيون التواريخ» لأبن شاكر الكتبي، و«البداية والنهاية» لأبن كثير… يعرف ايضا هذا النوع من التراجم، الذي يتناول شخصيات متعددة عبر العصور، باسم الطبقات، وهي متميّزة عن الطبقات الواردة اعلاه لاختلاف في بنية المنهج، فالاولى جمعت تراجم اشخاص ضمن حقبة زمنية لا تتعدى العشر او العشرين سنة، ومن نماذجه الواضحة طبقات الشافعية للسبكي…

7– السير: كانت السِيَر في اساس التأريخ النسبي، وتعتبر سيرة الرسول افضل نموذج عنها، وتلاها مؤلفات اخرى مستمدة من الروحية ذاتها، مثل سيرة معاوية وبني امية لعوانة بن الحكم، وسيرة احمد بن طولون للبلوي، وغيرها.

    هذه هي ابرز مناهج التأريخ التي بدأت تظهر منذ اواسط القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي وصارت تتطور تدريجا تبعا لمعطيات الثقافة وعامل الزمن. وبدأت مستلزماتها الاساسية تتركّز في القرن الثالث، ومن ثم عدّل بعضها نحو الافضل ربما، والبعض الآخر لم تدخل عليه تعديلات جوهرية ،بل تأثر بنسبة روحية المؤرخين العلمية، ونظرة كل منهم الى التاريخ.


[1]  ابن النديم، ص 100

[2]  انظر منهج ابن الاثير في هذا الكتاب

[3]  انظر منهج الطبري في هذا الكتاب.

[4]  ستتم دراستها في الجزء الثاني من هذه السلسلة.

[5]  المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق شارل بلاّ منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1966، ج1، ص9, 30-31، وانظر منهج المسعودي في هذا الكتاب

[6]  الفهرست، ص 244

[7]  مصطفى، المرجع السابق، ج، ص164

[8]  روزنتال، علم التاريخ، ص141- 142

[9]  المنذري، زكي الدين عبد العظيم، التكملة لوفيات النقلة، تحقيق بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، 1981، ج1، ص11

[10]  انظر على سبيل المثال لا الحصر مؤلفات: الطبري، ابن الاثير، ابن شاكر الكتبي في عيون التواريخ، المقريزي في امتاع الاسماع…

[11]  انظر فصل الاخباريين

[12]  روزنتال، علم، ص142

[13]  الصفدي، صلاح الدين خليل بن ايبك، الوافي باوفيات، بعناية هلموت ريتر، فيسبادن، 1981، ج1، ص4

[14]  الحموي، ياقوت، معجم الادباء، طبعة مرغوليوت، ج1، ص3

[15]  ابن خلكان، شمس الدين احمد بن محمد، وفيات الاعيان وانباء ابناء الزمان، تحقيق احسان عباس، دار الثقافة، بيروت، دون تاريخ، ج1، ص19-21

[16]  المصدر السابق، ج1، ص20

[17]  الثعالبي، عبد الملك بن محمد، يتيمة الدهر في محاسن اهل العصر، تحقيق محمد عبد الحميد، مطبعة السعادة، القاهرة، 1959، ج1، ص19

[18]  السخاوي، محمد بن عبد الرحمن، الضوء اللامع لأهل القرن التالسع، دار الجيل، بيروت، 1992، المجلد الاول، ص5

نماذج من مؤرخي القرن الثالث

مقدمة – بعض ميزات القرن الثالث/التاسع: من المسلم به ان المعرفة تراكم معلومات وجزء من الحضارة، وشرع المجتمع الاسلامي، خلال القرنين الاولين الهجريين، يؤسس لحضارة عربية اسلامية نضجت خلال القرن الثالث في ميادين شتى: ففي الشعر، وان كان هذا المجال الثقافي رفيع الشأن عند العرب منذ القدم، تطورت المعاني والصور الشعرية متأثرة بالمستجدات وروح العصر، وبرز مبدعون كثر نذكر منهم:ابن الرومي، المتنبي، والبحتري… وتطور الادب بدوره وأخذ ابعاداً جديدة، وبخاصة مع الجاحظ وغيره. وسما علم الكلام ولاسيما بما افرزه فكر المعتزلة المتأثر بالمنطق اليوناني، ونتيجة صراعه الفكري والعقائدي مع المذاهب الاخرى. ما يعني ان العلوم شكلت قفزة في النوعية لتصوغ حضارة عربية اسلامية ذات ركائز أصيلة وخاصة. ولم يكن علم التاريخ ببعيد عن هذا المناخ الفكري المتطور بل جاراه، فظهر عدد من المؤرخين الكبار، الذين سيسير على مناهجهم المؤرخون في القرون اللاحقة وأخص منهم بالذكر: اليعقوبي، والبلاذري، والطبري.                                                                           

   ونشأ في القرن الثالث عهد الفوضى العسكرية او ما اصطلح على تسميته العصر العباسي الثاني، او مرحلة النفوذ التركي (232-334/847-945) التي تعود بداياته الى أواخر عهد المعتصم، هذا الخليفة العباسي الذي اعتمد على الاتراك في الجيش[1]. وإن الخطأ الجسيم فيما اعتمده تمثّل بدخول القواد الاتراك كل واحد مع جنوده في خدمة الخلافة العباسية، فانحصر ولاء الجند لقادتهم، وناصب القادة العداء بعضهم للبعض الآخر، كما للخلفاء. وحيكت المؤامرات، وانتشرت الفتن شبه المستديمة، وتشرذم الجيش وتسلط على الادارة والسياسة وكل مصادر الدخل[2]، واستشرت الفوضى والجريمة، وانهارت سلطة معظم الخلفاء لصالح القادة؛ فاغتصب بعضهم مناطق حكموها لحسابهم الخاص، ونشأت الدويلات في قلب الخلافة العباسية وعلى اطرافها. فتفككت الوحدة السياسية والعسكرية والاقتصادية من دون ان تتمكن من إلغاء الوحدة الفكرية ومفهموم الاجماع الديني ولا وحدة الحضارة، على رغم انتشار المذاهب، والدويلات التي ساهمت كل منها في هذه الحضارة. فكان البلاذري واليعقوبي ومعاصروهما من امثال خليفة بن خياط العصفوري( ت240/854) وابو حنيفة الدينوري (ت282/895) وغيرهما شهوداً على ذلك التطوّر الفكري، واسهموا في بلورة الفكر التاريخي منهجا ومضمونا.

            البلاذري ت 279/892

I – حياته ومؤلفاته:

1حياته: هو احمد بن يحي بن جابر مجهول تاريخ الولادة، ويرجح انه  ولد وترعرع في بغداد وأمضى معظم حياته فيها. كان يكنى حينا بأبي الحسن، وحينا آخر بأبي بكر. اما شهرته « البلاذري » فتعود الى احد اجداده، الذي كان كاتباً عند أحد ولاة مصر على عهد هارون الرشيد، ويزعم بعضهم ان جده هذا شرب عصير مادة البلاذر، الذي يقوي الذاكرة تبعاً للاعتقاد السائد انذاك، او انه كان يتجر به فاشتهر بالبلاذري[3]. أخذ العلم عن علماء بغداد وحضر حلقاتهم في الحديث والأدب، وتثقف في التاريخ والانساب على المدائني وابن سعد، ومصعب الزبيري[4]. وجال في أرجاء الخلافة العباسية طلباً للعلم، فزار دمشق، وحمص، والرَقّة، وانطاكيا، والحجاز، وبعض مدن بلاد فارس، فجمع مادة تاريخية كبيرة ساعده في تحصيلها اتقانه الفارسية وإلمامه بالرومية. وقد يكون اتقانه الفارسية دفع بعض المؤرخين الى جعل اصله فارسياً. وتتلمذ عليه عدد من مشاهير المؤرخين، او على الاقل أخذوا عنه العلم نذكر منهم: ابن النديم صاحب « الفهرست »، وقدامة بن جعفر صاحب «كتاب الخراج»[5]

      عاش ردحاً من حياته في بلاط الخلفاء العباسيين فكان من ندماء المتوكل، ومن المحظيين عند المعتز بالله، الذي اوكل اليه تربية ولده الطفل عبد الله، ومن المقربين الى المستعين، ممّا جعله قريبا من القرار السياسي، ومطلعاً على معلومات ما كان متيسراً لأي كان الحصول عليها، إذ يذكر في مصادره: أخبرني المتوكل. ومن ثم أفل نجمه في حياة القصور، وأصابه الفقر. فهجا الوزراء والحكام بلسانه السيط، ما جلب له اعدءاً كثراً خصوصا في أواخر حياته. وتوفي فقيراً في بغداد عام 279/892 وقد جاوز عمره الثمانين.

2– مؤلفاته: ترك البلاذري عدة كتب من ابرزها: فتوح البلدان، وانساب الاشراف، وكتاب البلدان الكبير الذي لم يكمله على ما يعتقد شاكر مصطفى، وكتاب عهد اردشير[6]. وينسب اليه ابن النديم كتباً أخرى: البلدان الصغير، وكتاب الاخبار والانساب، وكتاب التاريخ[7]. وسنقتصر في هذه الدراسة على مؤلفيه الرئيسين: فتوح البلدان وانساب الاشراف.

II – منهجه

1- نظرته التاريخية في فتوح البلدان: ان فتوح البلدان سجل شامل للفتوحات الاسلامية بما في ذلك هجرة الرسول، وغزوات المسلمين على يهود المدينة، والفتوحات في الجزيرة العربية، والردة، والفتوح في الشام، وأرمينيا، والعراق، وبلاد فارس، والسند، وبلاد ماوراء النهر، إضافة الى معلومات حضارية تتعلق بالجزية والخراج، وامر الخاتم، والدواوين، والخط، والنقود. ويورد البلاذري بعض التفاصيل عن تاريخ البلد او المدينة المفتتحة بعد فتحه، كما يشرح الفتح وطريقته وما تلاه من احداث بارزة بما في ذلك توزيع الغنائم المنقولة والاراضي على القبائل المساهمة باخضاعه.

   وعلى هذا، فهم البلاذري الفتوحات الاسلامية انطلاقا من مسألة الجهاد في الاسلام، فهي ضرورة دينية لنشر الدين، الذي هو هداية من عند الله للناس، كل الناس. وإذا كان الاسلام يقر اهل الكتاب على ديانتهم فإنه يدعوهم ايضا للدخول في دينه « الاسلام ». واذا رفضوا هذه الدعوة عليهم دفع الجزية والتمتع بذمة الله ورسوله. ممّا دفع البلاذري لذكر كل عهود الصلح التي ابرمت مع الذميين. اما من ليس لهم كتاب فهم ملزمون بالإنخراط في هذا الدين والتفاعل معه وإلا فحدهم السيف. وهذان الامران دفعاه لدراسة فتح كل مدينة من المدن على حدة ضمن الاقليم الواحد، لأنه اعتبره اساسا او منطلقا للحركة التاريخية التي تتكامل فيها مسألة الفتوح. لأن الاقليم يشكل البناء الاساسي، وما الحديث عن فتح كل مدينة من المدن الا استكمالا لانتشار الاسلام فيه. وربما كان هذا الامر لم يجعله يميّز بين الفتح اليسير والمعارك الكبرى، فجاءت جميعها متساوية من حيث النظرة الى الحدث. بمعنى ان المفاصل الاساسية  التي سهّلت عملية الفتوح كاليرموك، لم تنل حيّزاً مهماً يميّزها من غيرها، بل اعتبرها معركة كغيرها من المعارك. وبالتالي فالرؤية التاريخية للمفاصل الاساسية كاليرموك والقادسية ونهوند لم تأخذ ابعادها الحقيقية. وازعم انه كان مهتما بقضية فتوح المدن كل واحدة على حدة لأن اكتمالها يشكّل البناء الاساسي للاقليم، وبالتالي جعل السيطرة على الاقليم  الهدف الاساسي من عملية الجهاد، فخضوعه كله للسيطرة الاسلامية يعني انتقاله الى ارض الهداية التي يظللها الاسلام، ويمنع بالتالي عودة الاعداء اليه.

   وبما ان الاسلام هداية من عند الله فيجب التقيد باحكامه، والفتوح وحدها لا تحقق الغاية المنشودة، اذ من الضروري تلاؤمها مع التنظيم الاداري العادل. ما جعل البلاذري يتعرض لاحكام الارض والخراج والجزية وعدم اجتماعهما على الشخص الواحد مبديا نظرة غاية في الفهم الديني بعيدة عن النفع الاقتصادي، نظرة نقدية علّها تدفع الحكام لتصويب احكامهم. ويستتبع التنظيم الاداري أمور أخرى: كالنقد، والدواوين، والنواحي العسكرية المتعلقة بالجند ومرابطتهم في الثغور، وباحوال البلاد المفتتحة، وغير ذلك. وقد يكون التنظيم الاداري، واوضاع السكان العرقية والدينية شكلت العوامل الاساسية التي جعلت البلاذري يتحدث عن فتح كل اقليم على حدة. فجاءت نظرته تاريخية دينية حضارية شاملة تنّم عن فهم واسع لمسألة الجهاد في الاسلام ببعديها الديني والحضاري. و” كأن الحدث لم يكن معزولاً عن ظروفه ومحيطه وتاريخه في عصره ” على حد تعبير ابراهيم بيضون[8].

2- في انساب الاشراف: ان انساب الاشراف سجل عام للتاريخ الاسلامي، بدأه البلاذري بالحديث عن الرسول « السيرة النبوية » وقريش، فالعلويين، ثم العباسيين. اما الامويون فلم يفرد لهم بابا خاصا، وجاء كلامه عنهم غير متوازٍ من حيث التوسع في المضمون. كما تحدث عن العدنانيين، وخصصّ الجزء الاخير من كتابه للقيسيين مركزاً على قبيلة ثقيف معتنياً بأخبار الحجاج بن يوسف. والاشراف عنده ليسوا الا القياديين بين السياسيين المؤثرين في تطور الاحداث، ولعل الانطلاقة الرئيسة للتسمية استمدها من الرسول اشرف اشراف قومه.

   والى ذلك، نظر البلاذري الى التاريخ العام الاسلامي نظرة شمولية ارتكزت على دراسة الشخصيات التي شكّلت، برأيه، مفاصل الحركة التاريخية. فالحدث تتصدره الشخصية وكل الاخبار الفرعية المرتبطة به ليست الا استكمالاً له لتساعد على رؤية أفضل وأشمل لها، لأنها تشكل اساساً لوحدة الموضوع وعبرها يصنع التاريخ. لذلك، وجب ان يكون دورها محوريا تتقاطع معها كل الحوادث الجانبية صغيرها وكبيرها. فالرؤية الى الاحداث يجب ان تأتي موحدة غير مشرذمة، لان احداثها الفرعية تتقاطع كثيرا، في اماكن مختلفة من الكتاب، مع احداث شخصيات اخرى اتخذها البلاذري ايضا محاور رئيسة.

  لذلك، أرخ من خلال الشخصيات جاعلا ً منها اساساً لوحدة الموضوع، ومنطلقاً من موقعها النَسَبي، وتطوّرها في محيطها واطارها السياسي العام. فأرّخ للرسول، والخلفاء، اضافة الى الشخصيات البارزة على مستوى الدولة والقبائل. فقد تناول الرسول مثلاً من ثلاثة ابعاد: من حيث هو قريشي، ومن موقعه الديني كونه رسول من عند الله، ومن خلال دوره السياسي كونه مؤتمن على الامة وادارة شؤونها.

3- مصادره في فتوح البلدان: استقى مادته التاريخية من عدة مصادر من ابرزها كتب الفتوحات مثل: كتب الواقدي والمدائني والحسين بن الاسود الكوفي وغيرهم. ومن كتب الاخباريين الاخرى المتنوعة كمؤلفات هشام بن محمد الكلبي والهيثم بن عدي[9]، ومن رحلاته، التي التقى خلالها ابرز اعلام المدن والاقاليم واشياخها، فاخذ عنهم وان لم يدوّنوا التاريخ، كاشياخ انطاكيا مثلاً[10]، ومن اشخاص محضهم ثقته مثل العباس بن هشام الكلبي[11]، وآخرين مجهولين اسماهم اهل العلم[12].

4- في انساب الاشراف: أستمد البلاذري مصادره ممن أخذ عنهم العلم في الانساب والاخبار التاريخية  كالمدائني، وابي مِخْنَف، ومصعب الزبيري، وابي عبيد بن سلام، ومحمد بن سعد، والزبير بن بكار، والهيثم بن عدي، وعوانة بن الحكم، وغيرهم كثر. كما من اشخاص محضهم ثقته واسماهم “اهل العلم” ومن مصادر شفوية[13].

    تلاءمت هذه المصادر مع مناطق الاحداث عموماً؛ فاستمد اخبار المدينة اجمالاً من الزُهري والواقدي، و اخذ اخبار الامويين وخصوصا المروانيين من عِوانة بن الحكم، وفتوح العراق من ابي مخنف والمدائني. فجاءت مصادره غنية متنوعة تعكس سعة علمه وابحاثه الشخصية.

5- طريقة المعالجة: تميّز البلاذري بانتقاء الروايات من منابعها وبنقدها قبل تدوينها، فنقّاها من الشوائب، واختزلها، ومزج بينها، واعطى الرواية التي، بنظره، اقرب الى الواقع والحقيقة، مركّزا على وحدة الرواية. وقال في هذا الصدد:« اخبرني جماعة من اهل العلم بالحديث والسيرة وفتوح البلدان، ُسقت حديثهم واختصرته ورددت من بعضه على بعض ».[14] واستدرك احيانا عندما لاحظ وجود أكثر من رأي حول الحادثة الواحدة وانه عاجز عن القطع بصدق احدى الروايات وحدها، فذكر الرواية الاصلية واضاف اليها الرأي المعارض [15]. واذا شكّ باحدى الروايات، التي ذكرها بدافع الامانة التاريخية، ابدى رأيه صراحة بقوله« الرواية الاولى اثبت »[16]، محاولاً قدر المستطاع تجنّب العيب، الذي ارتكبه عدد كبير من المؤرخين، المتمثّل بذكر عدة روايات تامة للخبر الواحد من دون ان يكون له موقف منها. ومع ذلك، نلاحظ احيانا انه اورد أكثر من نص للخبر الواحد خصوصا في نصوص المعاهدات من دون ان يكون التعارض بينها كبيرا[17]، وباعتقادي ان ذلك متأت، من التدوين التاريخي السابق لعهد البلاذري والمستند بشكل رئيسي على المصادر الشفوية التي خزّنتها ذاكرة الرواة. وقد يعقّب مؤرّخنا على الخبر الرئيسي بروايات متصلة به ولكنها غير تامة ليكتمل المشهد التاريخي ويزداد وضوحاً مع موقف للبلاذري من هذا التعقيب [18]. وتتكرر احيانا كثيرة روايات بسياق موجز بسياق للخبر الواحد في اماكن متباعدة، لأن الخبر عينه يتقاطع مع احداث عدد من الشخصيات الاساسية في الكتاب. فمثلا تتكرر الحوادث حول مقتل الحسين بن علي بن ابي طالب، التي ذكرها في اخبار كربلاء، ضمن اخبار اخرى تحمل عنوان « مقاتل آل ابي طالب واهل بيت النبي»[19]. ودفعته أمانته التاريخية بعد ان كان يدرج روايات شكّ بصدقها الى ان يبدي رأيه فيها قائلاً « وهذا غلط »[20]، او« زعم فلان »[21] او قيل او يقال…[22]

    ولم يحتل الاسناد النقطة المحورية في نقده او بالتحقق من صحة الاخبار، لأنه، إضافة الى المنزلة العلمية لمصادره، كان يُعمل تفكيره قبل الاخذ بالرواية، مؤسساّ اتجاها خاصاً به. وهذا لا يعني ان البلاذري اسقط الاسناد كلياً اذ نجد عنده حينا سلاسل اسناد طويلة كما في اخبار المدينة والعهد الراشدي[23]، وفي اماكن اخرى ايضا[24]، وحينا آخر اسناداً متقطعاً اي غير شامل لكامل رجال الاسانيد، كقوله « عن رواية ابي مخنف » او« جاء في اسناد الواقدي او المدائني…»[25]، او « قالوا »[26] دلالة على اتفاق المؤرخين على الاسناد ومتن الرواية. كما استعمل كلمة « حدثني »[27] دلالة على الروايات الشفوية، و « روى »[28] تأكيداً على الاخبار المكتوبة، و« يقال »[29]، كما في قوله « قال بعضهم»[30] تدليلاً على الشك او على الاقل عدم الجزم. واعتمد على اشياخ مناطق متعددة؛ كما في قوله:« عن مشايخ من اهل انطاكيا » او « مشايخ من اهل دبيل » وايضا « جماعة من اهل افريقيا»[31].

    وانتقى الروايات من منابعها: فهي شامية في حديثه عن الشام، ومدينية في اخبار الحجاز، وعراقية في تدوين احداث العراق. واتمها جميعها بروايات من مناطق متعددة ارتبطت باخبار الاقليم موضوع تأريخه؛ فعندما تحدث عن الشورى ركّز على روايات اخباريي المدينة لا سيما الزهري والواقدي وبدرجة أقل على اخباريي العراق كأبي مخنف والمدائني، وفي اخبار المروانيين استند بالدرجة الاولى على عوانة بن الحكم مستعينا بروايات عراقية لابي مخنف والمدائني. وفي حديثه عن موقعة الحرّة اعتمد بشكل متوازن على اخباريي المدينة والشام معاً. اما الاخبار العباسية فقد تلاءمت بدورها مع مناطق الاحداث.

    اتخذ البلاذري الموضوع اساساً لتأريخه: ففي فتوح البلدان احتل الاقليم النقطة المحورية، وخصّ المدينة المفتتحة بعنوانها الخاص، متحدثاً عن الفتوحات في الاقاليم والمناطق تبعاً لتسلسلها الزمني من دون ان يأتي تأريخه حوليا، ذاكراً فتح كل مدينة من المدن على حدة. لأنه عندما كان يؤرّخ لاقليم آخر ارخ اتبع النمط عينه وتبعا للتسلسل الزمني. وهذا المنهج يشدد على وحدة الموضوع وتكامل الحدث. واعتمد المنهج عينه في انساب الاشراف محلاً الشخصية مكان الاقليم وجعلها تصدرت الاحداث، وفرّع منها عناوين ثانوية وكأنها وحدة قائمة بذاتها تماما كما في فتوح البلدان، اذ جاء كل خبر من الاخبار المتفرعة من الشخصية او المتممة لها مشابهة لفتح كل مدينة على حدة، حتى اذا اكتمل الحديث عن الفتوح اكتمل معها وفي الوقت عينه المشهد التاريخي للاقليم، تماما كاكتمال الرؤية الكلية للشخصية موضوع التأريخ. وهذا المنهج المعتمد على مفاصل اساسية لم يمكّنه من تدوين تأريخ مطرد باستمرار بحيث كان يعود او يتقدم في الزمن تبعاً لتاريخ الحادثة المروية، خصوصاً انه، كما اسلفت، عالج الاحداث الواقعة في حقبة زمنية واحدة كأنها وحدات مستقلة ممّا جعل تأريخه غير حولي، اذ كلما انهى دراسة احدى شخصياته على توالي السنين عاد الى شخصية أخرى ودرسها وفق المنهج عينه ممّا جعل منهجه شبه حولي.

   وتتلاقى في الكتاب عدة طرق للتأريخ: الطبقات والتراجم ونمط الاخبار التاريخية تبعاً للتسلسل الزمني من دون ان تشكل تأريخاً حوليًا كما اسلفت. وقد يكون هذا المنهج جعل تأريخ البلاذري لا يركز على ذكر التواريخ باستمرار، بل كان يورد زمن الحوادث التي اعتبرها مهمة، كمقتل احد الاشخاص البارزين في كربلاء مثلاً [32] او موت يزيد بن معاوية[33] او غير ذلك من الاحداث البارزة. وقد يذكر احيانا اليوم والشهر من دون السنة كما في حصار المدينة على عهد عبد الله بن الزبير « كان اول قتالهم يوم الاحد لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر.»[34]

    وعلى الرغم من ان التطور كان بدأ طريقه الى التأريخ ليجعل منه علماً قائماً بذاته مختزلاً اسلوب الايام، فالبلاذري وان خطى في هذا الاسلوب، فاننا نجد عنده بعض الحوار والكثير من الاشعار المتصلة بالمناسبات، محدداً احياناً ان بعضها منسوب خطأ الى اصحابها، لانها تشير الى مناسبات أخرى، من دون ان يبخس بأسلوبه هذا التأريخ حقه، لأن العرب ميالون لاستساغة الشعر.

   يعتبر البلاذري من ابرز مؤرخي القرن الثالث، وقد اختط لنفسه منهجاً [35]خاصاً، محاولاً الفصل، ربما من غير قصد، بين علمي التاريخ والحديث، باسقاطه الاسناد احيانا او باختصاره، وبمزجه بين الروايات وصياغة رواية متكاملة هي بنظره الاقرب الى الواقع.  


[1]  – لمزيد من الاطلاع انظر: ضومط(انطوان) وآخرين، الشرق العربي في القرون الوسطى، الدار اللبنانية للنشر الجامعي، بيروت 1996، ص112-115،135-137

[2]  – الصولي( محمد بن يحي)، اخبار الراضي لله والمتقي بالله، مطبعة الصاوي، مصر، دون تاريخ، ص 142-149

[3]– Becker-Rosenthal, Ei2, T1, Al- Baladhuri,p.1001 

[4] – ibid

[5] – البلاذري، فتوح البلدان، تحقيق رضوان محمد رضوان، دار الكتب العلمية، بيروت، 1978، ص9

[6] – مصطفى، التاريخ، ج1، ص243

[7] – الفهرست، ص 164

[8] – بيضون، مسائل المنهج، ص17

[9] ، البلاذري، فتوح، ص78، 238، 263…

[10] – البلاذري، فتوح، ص163 ، حدثني شيخ من اهل واسط، 288…

[11]  – المصدر السابق، ص 63

[12]  -فتوح،ص290… هذه ليست الا نماذج عن مصادره اذ الكتاب مليئ بالمصادر

[13] –  انظر ادناه

[14]  – المصدر نفسه، ص17

[15] – النماذج كثيرة وسنكتفي ببعضها: انساب،ج 3 تحقيق محمد باقر المحمودي، دار التعارف، بيروت، 1977، ص 163، 193، وج4  القسم الثاني، مكتبة المثنى، بغداد لا تاريخ، ص 25…

[16]  – النماذج عديدة في فتوح البلدان، انظر مثلاً  فتوح ،ص 253و، 157 وانساب 2/295، 4/12، 41…

[17] – المصدر نفسه، انظر على سبيل المثال صلح او عهد نجران ص 75-76 وايضا 178-179

[18] – سنكتفي ببعض النماذج: انظر ما كتبه حول محمد بن الحنفية وعلاقاته بابن الزبير والحجاج بن يوسف: انساب، 3/276-293

[19] – انساب، 3/ 200-205

[20] –  فتوح، انظر رأيه بفتح دمشق، ص129 ، كما بذكره موت ابن الحنفية في ابلة قائلا: ” هذا غلط، والثبت ان ابن الحنفية مات بالمدينة” انساب، 3/295

[21] – كقوله زعم الهيثم بن عدي، فتوح، ص129، انساب، 3/64، 272 و 4ق2 / 164

[22]  – انظر لاحقا.

[23] – البلاذري، انساب الاشراف، تحقيق محمد باقر المحمودي، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1977،ص67…

[24] – انساب، 3 / 193، 269،274 …،  و4ق2/22،28،157…

[25] – فتوح، ص232، 281، انساب، 3/251، 270، 271…و4ق2/ 3،6،35،56،…

[26]– البلاذري، انساب الاشراف،3/ 80،88 ، 142، 150،158،165، 174،237،266وغيرها كثير، فتوح،ص247، 251 ،262….

[27] – فتوح، ص 114، 130، 131  ، 153….وانساب، 3/206، 251، 254،260…

[28] – فتوح، ص  144،162وانساب، 4ق2/14…

[29] – فتوح ، 222،  294انساب3/ 128، 201،…

[30] – فتوح، ص201

[31] – المصدر السابق، ص168، 204،  231…

[32]  – انساب، 3/227

[33] – المصدر السابق، 4ق2/51

[34] – انساب، 4ق2/ 48

[35]

اليعقوبي (ت284 او 292ـ897 او905)

I- حياته ومؤلفاته:

1- حياته:هو أحمد بن اسحق بن واضح[1]، واشتهر بأكثر من لقب:الكاتب، واليعقوبي[2]. لا نعلم الشيء الكثير عن حياته اذ لم تذكره كتب التراجم ربما لأنه لم يشتهر بالعلوم الدينية، خصوصا انها كانت في عصره شبه حكر على العلماء والفقهاء والقضاة. وهو يتحدر من اسرة كانت تعمل في دواوين الخلافة فعرف بالكاتب. قد يكون ولد في بغداد على ما يعتقد مولر، ولكنه غادرها باكرا الى بلاد فارس[3]، التي كانت تحت سيطرة الطاهريين شبه المستقلين عن الخلافة العباسية. واشتهر بكثرة اسفاره، فعرف بالمؤرخ الرحالة، ونذكر من البلاد التي زارها: بلاد فارس، بلاد الشام، مصر، المغرب، الاندلس، والهند. ويعتقد انه كان شيعي الهوى على المذهب الاثني عشري، وقد بدا ذلك باسهابه بذكر الأئمة وخطبهم[4]. واتهمه بعض المؤرخين، ومنهم مرغوليوت، بأنه كان على مذهب المعتزلة[5]، وربما تأتٌى ذلك عن نعته المذهب المذكور بالتوحيد[6]. لم يتفق المؤرخون على تاريخ ثابت لوفاته: فياقوت الحموي حدده بسنة 284/897، وجعله آخرون عام292/905 لأنه ذكر هذا التاريخ في «مشاكلة الناس لزمانهم ».

2- مؤلفاته ومضمون كتابه التاريخ: ترك اليعقوبي كتابين، الاول في التاريخ وهوالمعروف باسم « تاريخ اليعقوبي»، والثاني « اسماء البلدان » المشهور ب«البلدان» وهو في الجغرافيا التاريخية، ورسالة معدودة الصفحات اسماها: « مشاكلة الناس لزمانهم »

  يتألف تاريخ اليعقوبي من قسمين متميزين: الاول يتناول تاريخ العالم، المعروف انذاك، منذ بداية الخلق وحتى الرسالة النبوية. وهو سجل عام ومختصر لتاريخ البشرية، استهلّه بقصة الخلق، على ما يبدو، لأن مقدمة هذا الجزء وبعض صفحاته الاولى مفقودة. ثم تابع تاريخ الانبياء[7]، متبحّراً بالكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ومتحدثاً عن الاناجيل الاربعة[8]. وبعد ان انتهى مما هو مقدس عند الشعوب أرّخ للشعوب القديمة بادئا بالرومان، فالشعوب التي حكمت بلاد ما بين النهرين كالاشورين والبابليين، ثم ملوك الهند، والتاريخ الاغريقي، من دون ان يغفل تاريخ الفرس، والبربر، والافارقة، وملوك الحبشة والسودان، مركزا على النواحي الحضارية. وافرد قسما من هذا الجزء لعرب الجاهلية: ممالكهم في الشمال والجنوب، ولا سيما اليمن، ودياناتهم وشعرائهم.

    واستهل الجزء الثاني بالسيرة النبوية، فالعصر الراشدي، واخبار الخلفاء الامويين والعباسيين حتى سنة 259/872 وهو تاريخ مختصر.

II- منهج اليعقوبي:

 1- نظرته التاريخية: نظر اليعقوبي الى التاريخ السابق على ظهور الاسلام نظرة عالمية شملت الشعوب والامم التي تمكن من التعرف على تاريخها، تماشيا مع نظرة القرآن الى الماضي  والكون.  واعتبر ان احداث العالم يكمل بعضها البعض الآخر، مشددا على العبر الدينية والخلقية فيها. فجاءت نظرة اليعقوبي منسجمة مع توجهه الديني وفي اطاره العام؛ لأن معرفة تاريخ الشعوب القديمة باتت ضرورية ولا سيما النواحي الحضارية، لأن الحضارة حلقات متتابعة متنوّعة المصادر، والحضارة العربية الاسلامية استمدت بعض مرتكزاتها من تراث الشعوب القديمة. وكان كلما اعوزته المعلومات السياسية والعسكرية أحلّ مكانها معلومات حضارية، بدليل ان التواريخ السياسية للرومان والهنود والصينيين شبه محذوف، وقد غطّى هذه الثغرات بالنواحي الحضارية الصرفة استكمالا لرؤيته لأبعاد التاريخ  المتلائمة مع توجهه. ولم يكن اليعقوبي رائد التاريخ العالمي الشامل، وان بزّ غيره من حيث الشمول والمعرفة. فابن اسحق حاول الاحاطة بوحدة الفكر الديني، ووحدة التاريخ العربي السابق على ظهور الاسلام، فجاءت مساهمته أولية بهذا الاطار، ثم تلاه اخباريون آخرون ولا سيما المدائني ببعض الكتب او الرسائل، كما بعض المؤرخين مثل ابن قتيبة في كتابه« المعارف »، وابي حنيفة الدينوري في « الاخبار الطوال » . لكن انجاز اليعقوبي يعتبر الاهم والخطوة الرئيسة لوضع ركائز التاريخ العالمي بمعناه العام والشامل بخاصة الحضاري منه. ولعلّه ادرك ان التأريخ لا يستقيم بمعناه الحقيقي الا اذا جاء عالمياً وتقاطعت فيه الاحداث السياسية والعسكرية مع النواحي الحضارية، مبيّنا دور تماذج الثقافات باعطاء التاريخ بعده الحقيقي. ولكن نظرته تلك لم  تستقم الا مقرونة باللمحات الجغرافية، على الرغم من انه افرد كتاب “البلدان”ً للجغرافيا. ففي تاريخه معلومات عن البحار، والجزر، والمواصلات البحرية[9]، وتفاصيل جغرافية من حيث التضاريس والمسافات بين المدن، وصف لطرق المواصلات البرية، وازعم انه رائد في هذه الانماط.

 وهكذا جاءت نظرته للتاريخ شاملة لابعاده السياسية والحضارية المتممة بالمعلومات الجغرافيا، وهي لعمري نظرة فريدة في عصره سبقت رؤية مؤررخين كثر جاءوا بعده. 

     اما نظرته للتاريخ العربي والاسلامي فأتت شاملة لكل احداث المسلمين بدءاً بالسيرة النبوية وصولا الى احداث سنة 259/872 من دون ان يهمل اية فترة فيه رغم اعتماده افضليات في بعض الحوادث من حيث التفصيل والايجاز. ويبدو انه كان على معرفة اوسع بالعهدين الراشدي والاموي كما بالعصر العباسي الاول أكثر من معرفته باحداث عصره التي اوجزها. وهذا أمر ملفت للإنتباه ويمكن ردّه الى ثلاثة امور على الاقل: 

اولها: رغبته الواضحة بالاختصار كما يعبر هو نفسه عن ذلك[10]، ولكي يسمح لأكبر عدد ممكن من محبي التاريخ الاطلاع على مكنونات الماضي، لأن المطولات الكبرى ما كان يطالعها الا اهل الاختصاص او المثقفون عامة، والنهمون الى المعرفة في كل الميادين.

وثانيها: جهلاً به، وهو أمر مستغرب! لأن مصادر اليعقوبي الواسعة والغنية تجعلنا نشك بذلك.

وثالثها: تجنبأً للتصنيف السياسي، الذي قلّما نجا منه مؤرخ. ولكنه هل نجا فعلاً من هذا التصنيف؟! خصوصا انه ساير العباسيين باهماله تفاصيل احداث عاصرها مثل: مقتل الامام موسى الكاظم مكتفياً بذكر البيان العباسي على حد تعبير الدوري[11]، ونكبة البرامكة على يد الرشيد، وثورة الزَنْج التي دامت 14 سنة، وقد مرّ عليها جميعها هامشيا لأنها مواقف محرجة للعباسيين. ويمكن تفسير هذا الموقف، إضافة الى انه مساير للسلطة، بأن اليعقوبي اعتبر مبدأ الاجماع اي الذي تقرّه السلطة يسود على ما عداه، بل هو الاقوى. ممّا يعني انه، في هذه المواقع، اتخذ موقفا مسبقاً من الاحداث مشايعاً سلطة الخلفاء واحكامهم من دون تعليل، وهذا مأخذ مهم عليه. وينعته الدوري بإمامي الهوى لاسهابه بذكر أقوال الأئمة الشيعة وخطبهم، وبكتابة ترجمة كاملة لكل منهم عند وفاته. ويصفه ايضا بالمساير للعباسيين او مجاملاً لهم بتسميته الدعوة العباسية « بالهاشمية »[12]. فهل هذا يعني ان نظرة اليعقوبي للتاريخ تلوّنت بالاهواء تبعا لمواقفه من السلطة عبر المراحل التاريخية منذ العهد الراشدي وحتى عام 159؟ حينا محابيا، وحينا آخر مدافعا عن مواقفه المتلائمة مع ميوله السياسية والمذهبية، ممّا جعل تأريخه غير متجرد؟

  من الصعب تأكيد هذا التساؤل، رغم اقتناعنا الكامل بان التجرد المطلق غير متوفر عند المؤرخين، ولكن اذا امعنا النظر بكيفية فهمه للدولة، ندرك انه كان محايدا الى حد لا بأس به. وتبدو الدولة عنده كلاً متكاملا: الخليفة، وزراؤه، ولاته، عماله، مشاهير القضاة، واصحاب شرطته وأمراء الحاج، لأنه يذكرهم جميعهم عندما يترجم للخليفة، تماشيا مع نظرته الحضارية للتاريخ، التي كان يتممها بذكر طوالع النجوم في مستهل عهد كل خليفة[13]  التي قد تنبئ عن مستقبل العهد المذكور، عاكساً بذلك تقاليد اجتماعية تنم عن اعتقاد الناس بالتنجيم. وتماشيا مع تطلّعه الحضاري كان يذكر التواريخ، الى جانب التاريخ الهجري، بالتقويمين الفارسي والرومي في مطلع عهد كل خليفة.

   وعلى هذا يمكن الاستدلال ان نظرته الى التاريخ الاسلامي جاءت شاملة وموجزة في آن واحد، لأنه لم يعر اي اهتمام للدويلات التي نشأت من رحم الدولة العباسية وشبه استقلت عنها بما فيها الدولة الطاهرية التي عاش ردحا من الزمن في كنفها، مشددا على مركزية الدولة، لأن كل من يعادي  سلطتها تختصر احداثه بشكل هامشي.

2– مصادره: ان جملة عناصر تضافرت وساهمت بفعالية بمنهج اليعقوبي ليس اقلها تحدره من اسرة كانت تعمل في دواوين الخلافة، ممّا سمح له الاطلاع على معلومات لم يكن بامكان اخرين الوصول اليها بيسر، فجاءت معلوماته هذه غنية وموثوقة المصادر. وان ترحاله شبه المستمر طلبا للمعرفة والاطلاع المباشر على بعض الاحداث، واخذ معلومات اخرى من رواة البلاد التي زارها، شكّل عنصرا فاعلا في ثقافته في التاريخ والجغرافيا، التي عزّزتها انه معرفته بكتب الشعوب السالفة خصوصا الكتب الدينية.

       وعلى هذا، جاءت مصادر الجزء الاول متنوّعة بني بعضها على الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ، واخذ اليعقوبي بالاعتبار، في هذا المجال، ترتيب الانبياء كما جاء ذكرهم في القرآن. وبعضها الآخر بني على رحلاته، والكتب المترجمة، واتصاله المباشر بقسم من الشعوب المعنية. فاستمد معلوماته عن الفرس من الكتب المترجمة، ومن اتصاله المباشر بهم عبر رحلاته الى مدنهم واقامته الطويلة في كنف الدولة الطاهرية. واستقى معلوماته عن اليونان من الكتب المترجمة ايضا. واستمد من السريان موارده عن دول بلاد ما النهرين، وأخذ اخبار الهند من كتب الهنود القديمة ولا سيما كتاب « السند هند» الذي اسماه « دهر الدهور»[14]. فجاءت مصادره غنية متنوعة تعكس ثقافته العميقة.

     تميز اليعقوبي بحسه النقدي فلم يقبل الروايات على علاّتها خصوصا ولا سيما المتعلقة بالتاريخين الفارسي والفرعوني. اذ رفض الاساطير الفارسية واعترف صراحة بان بعض مواد هذا التاريخ، السابقة للعصر الساساني، لا يمكن الركون اليها،[15]ومن ذلك قوله: “فارس تدعي لملوكها أموراً كثيرة مما لا يقبل مثلها…ومما لا حقيقة له.”[16] وقال عن الفراعنة: “ويقولون ان انبياءهم كانت تكلمها الكواكب…وانها تنبئهم بما يحدث”[17]. وبالتالي فهو يلفت الى عناصر الضعف والشك بموارد التاريخ القديم وينبّه الى عدم الاخذ به.

       اما مصادره في الجزء الثاني اي التاريخ العربي والاسلامي فقد استمدها من كتب الاخباريين، ومن مشاهداته الشخصية، واتصاله بالحكام، وهي الى ذلك غنية ايضا ومتنوعة. وقد اهمل الاسانيد لأنها كانت قد استقرت بعد ان اشبعت درسا وتمحيصا، فلم يجد موجباً الى اعادة تكرارها، ولأن الروايات العائدة لها كانت ايضا قد استقرت وباتت معروفة، محاولا بذلك، ومن دون سابق تصميم ربما، الفصل قدر المستطاع بين علم الحديث والتأريخ، مؤسسا لاستقلال التأريخ كعلم قائم بذاته. وهي لعمري خطوة جبارة تنم عن ادراك واسع وحس نقدي بارع. والى ذلك استهلّ الجزء الثاني من تاريخه بثبت  مصادره الاساسية[18]: فاستقى اخبار المدينة من ابّان بن عثمان وابن اسحق والواقدي، واخبار العراق من المدائني والهيثم بن عدي وسليمان بن علي الهاشمي، واخذا الانساب عن هشام بن محمد الكلبي والهيثم بن عدي، واخبار الفلك عن الخوارزمي وماشاء الله الحاسب[19]

3- طريقة المعالجة: جعل اليعقوبي، في القسم الاول من كتابه المواضيع اساسا للتأريخ، فكانت الدول تبعاً لتعاقبها اساسا للترتيب الزمني من دون ذكر التواريخ لصعوبة قياس الزمن السابق للاسلام عند العرب أنذاك. وجعل من الانبياء والملوك، تبعاً لتواليهم محورا اساسيا للمواضيع. وكانت المادة السياسية شبه مفقودة عنده، فاستعاض عنها بالنواحي الحضارية مركزاً على امتزاج الثقافات. واذا كان النقد لهذا التاريخ صعباً فان اليعقوبي كان ينبّه الى مواطن الضعف في بعض الروايات، واحيانا أخرى يوصي بعدم الاخذ بها على الرغم من انه ذكرها بفعل الامانة التاريخية.

   اما في القسم الثاني اي التاريخ الاسلامي فقد اهمل الاسناد في مادته، كما أسلفنا، ليعطي ربما التاريخ استقلالاً عن علم الحديث، وهو الى ذلك لا يذكر الاسانيد في سياق الحوادث الا نادرا، في حين ذكر مصادره الشفوية والاشخاص الذين زوٌدوه بالعلومات العائدة الى عصره.

    واعتمد في عرض الحوادث على نمطين على الاقل: التراجم والتأريخ الحولي؛ إذ تحدث عن عهد كل خليفة على حدة، مؤرخا الحوادث سنة بعد سنة، وإن اهمل احيانا بعض السنين ذاكرا احداثها بشكل متداخل[20]، او ليدوّن احداثا جانبية غير مرتبطة مباشرة بالخليفة، كالحديث عن موت الحسن بن علي بن ابي طالب في خلافة معاوية[21]، ما افقد تأريخه الصفة الحولية العامة، لأنه اعتمد عهد الخليفة محورا للاحداث وجعل السنوات تدور في فلكه. وذكر، في نهاية عهد كل خليفة، اسماء كبار رجال دولته الذين شاركوه ادارة البلاد، كما كان يستهل عهده بذكر التقويمين الفارسي والرومي. وهذا النمط من التراجم يطلق عليه ايضا « التأريخ على توالي عهود الحكام » وبالتالي يصبح عهد الخليفة المفصل التاريخي الذي ترتبط به كل الحوادث. وهو الى ذلك، جمع بين نمطي الحوليات والتأريخ على عهود الحكام.

      وعلى الرغم من انه صرّح أنه أوجز التاريخ وحذف منه الكثير من الشعر بقوله:« ألفٌنا كتابنا هذا وجعلناه كتابا مختصراً حذفنا منه الاشعار وتطويل الاخبار.»[22] فقد حفل كتابه بعدد كبير من الخطب، والرسائل[23]، ما اعطى تاريخه قيمة علمية تستند الى الوثائق المكتوبة، ولكنها من جهة ثانية، اضعفت سياق الحوادث ففتتها. ودفعه مبدأ الايجاز الى دمج الروايات فيما بينها ليصوغ رواية واحدة متكاملة من دون ان تكون على حساب الحقيقة التاريخية، مبرراً منهجه هذا قائلاً:« قد ذهبنا الى جمع المقالات والروايات لأننا وجدناهم- من سبقه من الإخباريين والمؤرخين- قد إختلفوا في احاديثهم واخبارهم، وفي السنين والاعمار وزاد بعضهم ونقص بعض، فأردنا ان نجمع ما انتهى الينا مما جاء به كل امرىء منهم.»[24]

تقويم عام: وعلى رغم ميوله العلوية الاثني عشرية ومحاباته احيانا للعباسيين فإن ذلك لا ينسحب على تأريخه كله. فقد كان دقيقاً بذكر اخباره، متزنا بتحري الحقيقة التاريخية وفي نظرته للاحداث. وقد تمحورت نظرته التاريخه حول فكرة مركزية مهمة: الاتعاظ من التاريخ بما يحويه من عبر اخلاقية ودروس سياسية، وهي سمة بارزة جدا في تاريخه. ولعل ذكره لنصائح الخليفة ابي جعفر المنصور لإبنه المهدي كاملة دليل قاطع على هذه العناية لأن الصراعات السياسية والعسكرية لا تشكل وحدها ذاكرة الشعوب بل يجب ان يواكبها الانتاج الحضاري والعبر الخلقية.  


[1] – الحموي(ياقوت)، معجم الادباء، ج5، ص 153

[2] – اليعقوبي، مشاكلة الناس لزمانهم، تحقيق وليم مولر، دار الكاتب الجديد، بيروت، 1962، ص5

[3] – المكان عينه

[4] – اليعقوبي(احمد بن واضح)، تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت، 1960،ج2 ،ص123-125، 135-136،

[5] – مرغوليوت، دراسات عن المؤرخين، ص 140

[6]  – اليعقوبي، ج2، ص 483

[7]  –  اليعقوبي ،ج1، حتى ص46

[8]  نفسه، 47، ج1-68

[9] – اليعقوبي ج1، ص 182

[10]  – اليعقوبي، ج2، ص12

[11] – الدوري، بحث، ص53

[12] – المكان نفسه

[13] –  واليك بعض النماذج:” ملك معاوية وبويع بالكوفة في ذي القعدة سنة 40، وكانت الشمس في الحمل درجتين، والقمر في الثور خمس عشرة درجة، وزحل في العقرب تسعا.” 2/216

[14] – المصدر عينه، ج1، ص68

[15] – اليعقوبي، ج1، ص188

[16]  – نفسه، ج1، ص158

[17]  –  المكان نفسه

[18] – اليعقوبي، ج2، ص3-4

[19]  انظر مقدمة الجزء الثاني حيث ذكر اليعقوبي مصادره مفصلة

[20] – اليعقوبي، ج2، ص139-140، 216-224

[21] – اليعقوبي، 2/225

[22]  – المصدر السابق، ج2، ص12

[23]  – اليعقوبي، ج2، ص 80-83، 89، 109، 112، 200، 207، 250 وغيرها

[24] – المصدر نفسه المقدمة

التأريخ في القرنين الرابع والخامس الهجريين.

I- المميزات العامة

   1- الاوضاع العسكرية: ان توجّه التأريخ العربي والاسلامي في العصور الوسطى ارتبط عموما بالتحولات التاريخية الكبرى خصوصا اعتباراً من اواسط القرن الثالث/التاسع، منذ ان بدأت الخلافة العباسية تتجزأ الى دويلات، وانحلت سلطة الخلفاء او شبه انعدمت على المستوى السياسي، وغدا الامراء الاتراك المتنازعون في ما بينهم اصحاب السلطة الفعلية في العراق. وفي عام 324/936 تمركزت السلطة بيد امير الامراء التركي، الذي كادت ان تنحصر سلطته في بغداد فحسب لولا صراعه احيانا مع مغتصبي حكم الاقاليم ممن كان يؤثر مباشرة على سلطته ونفوذه. ونشأت في بلاد الشام دويلات عرقية ومذهبية: فكانت الاخشيدية، التي اعقبت الطولونية في مصر وبعض بلاد الشام 323-358/934-969، والحمدانيون في شماليها 317-394/929-1003، والقرامطة في جنوبيها، علما انهم بسطوا نفوذهم على معظم بلاد الشام باعتبارها مركزا حيوياً لنشاطاتهم وخصوصاً على دمشق.

     ومنذ مطلع القرن الرابع/ العاشر وتحديدا عام 301/914 بدأت طلائع حملات الفاطميين على مصر، بعد ان كان دعاة الاسماعيلية مهدوا الطريق لقيام خلافة شيعية فاطمية خاصة بهم في المغرب، وتمكّن الامام سعيد بن الحسين الذي سيعرف بالمهدي من اعلانها عام297/ 909 وكانت تتمتع بكامل مقومات الاستقلال كلها. ومن ثم احتل الفاطميون مصر عام 359/969 ونقلوا مركز خلافتهم اليها. وكان البويهيون الشيعة قد احتلوا بغداد عام 334/945 واستوعبوا بقية اتراك العراق كفرسان في جيشهم. وهكذا صار كل المشرق العربي –الاسلامي تحت السيطرة الشيعية على اختلاف المذاهب: الفاطميون في مصر ومعظم بلاد الشام، والحمدانيون في حلب شمالي بلاد الشام، والقرامطة في جنوبيها ” في البحرين”، وسيطر البويهيون على العراق وبسطوا نفوذهم ايضا على بلاد فارس، من دون ان يعني ذلك وحدة شيعية، لأن الولاء السياسي تغلب على الولاء المذهبي عند معظم الدويلات الشيعية؛ فكان الحمدانيون في دهليز بغداد وموالين سياسياً للخليفة العباسي، وفضّل البويهيون الابقاء على الخلفاء العباسيين لأنهم لم يجدوا بدلاء لهم في مذهبهم، ولأنهم ايضا كانوا في ظلهم سادة الحكم في العراق، والقرامطة سودوا اعلامهم وكتبوا عليها “السادة الراجعون الى الحق” وكأنهم اعلنوا توبتهم ليحاربوا الفاطميين توأهم باسم العباسيين.

      ان كل تلك الاوضاع المتداخلة مذهبياً والمتشابكة سياسياً بوجود خلافتين اسلاميتين في المشرق، وثالثة في الاندلس كانت قد نشأت عام 316/929، كل واحدة مستقلة عن الاخرى ومعادية لها، اوجد شرخاً في الاجماع الاسلامي على مستوى القيادة على الاقل، وافرز واقعاً انقسامياً سياسياً على الارض، وعزز التأريخ الاقليمي من دون ان يلغي نهائياً التأريخ العام الشامل.

 2- الوحدة الثقافية: ولم يتمكّن الانقسام والتشرذم من إلغاء الوحدة الاسلامية على مستوى الرعية او نزع الطابع الاسلامي عن مناطق الخلافات الثلاث على امتدادها الجغرافي. فكان النمط اسلامياً في كل البقاع سلوكا وطرق عبادة وارشاداً دينياً، ممّا سهّل للعديد من المؤرخين والتجار القيام برحلات في ارجاء ذاك العالم الواسع، فازدهرت كتب الرحلات، التي طبعت القرن الرابع بخصوصياتها وجعلته قرن الجغرافيين بامتياز.

 3-تنوّع مناهج التأريخ: ان تداخل الاحداث وتشابكها الناتج من هذا السندس السياسي والعسكري المتنافر في الرقعة الجغرافية المشرقية، وتصارع الاضداد، اضافة الى الانتاج التأريخي الوفير، جعل مناهج التأريخ تزدهر  وتتنوّع ضمن القرن الواحد. فمنذ القرن الرابع نشط التأريخ المحلي او ما يسمى التأريخ الاقليمي الذي شبه حلّ مكان التاريح العالمي العام الشامل، لأن افق المؤرخ تحدد عموما بالاطار الجغرافي السياسي الذي كان يعيش في ظله، وبالاسرة الحاكمة التي كانت تحتضنه، ممّا جعل النظرات الى التاريخ تتعدد: فتوسع بعضهم في التاريخ الفاطمي من دون ان يهمل تاريخ بقية المناطق وان بايجاز شأن يحي بن سعيد الانطاكي. وشدد آخرون على التأريخ للعراق في ظل البويهيين مقدّمين له بعودة سريع او موجزة للمراحل السابقة في محاولة لتأريخ عام شأن مسكويه في تجارب الامم. كما مزج بعضهم التاريخ بالجغرافيا بالحضارة متخطيا جغرافية العالم الاسلامي الى معظم العالم القديم  محاولين تدوين تاريخ شبه عالمي كما فعل المسعودي في مروج  الذهب.

    ويطرح سؤال مركزي: الى اي مدى راعى المؤرخون الاجماع الاسلامي في ظل الخلافات الثلاث؟ وهل كان لتفسخ اوصال المشرق العربي بفعل نشوء الدويلات والامارات العربية في ظل العباسيين والفاطميين معا دور في تحديد مستوى الاجماع؟ يظل الجواب عسير نسبيا وان كنا نحاول استقراءه من النظرات التاريخية المتعددة للمؤرخين وارتباط كل منهم  باقليمه السياسي، وبتوجهه المذهبي، ومن استقلال علم التاريخ عن علوم الدين من حيث مضمونه ومؤرخوه، الذين صار معظمهم من رجال الادارة المعروفين بطبقة الكتاب.

3- استقلال علم التاريخ عن علوم الدين: ان هذه العوامل تدفعنا الى الاعتقاد بان مفهوم الاجماع لم يعد مصقولاً في اذهان المؤرخين الذين افتقروا الى سعة الافق، وانحصرت مضامين مؤلفاتهم بشؤون الدنيا من دون ان تنفلت كلياً من الروح الدينية، بل صارت تركز على العبر الاخلاقية محمودها وسيئها ليتعظ منها الخلف. ولم يعد ينظر  علماء الدين الى التاريخ النظرة السابقة الناضحة بالاحترام، بل تخلوا عن العمل في ميادينه الجديدة واختصوا بالتراجم المتصلة بهم بالدرجة الاولى، وبالاخبار السياسية وفق منهجم الصارم بدرجة اقل، معتبرين ان هذا الاسلوب وحده يعبّر بصدق عن المفهوم الحقيقي للتاريخ. فظهرت تراجم العلماء والافاضل لترسم مساراً موازياً لتواريخ طبقة الكتاب والاداريين، وبالتالي تم الفصل بين التاريخ وعلوم الدين او على الاقل شرع هذا المسار يشقّ طريقه الذي سيؤدي في القرون اللاحقة الى الفصل التام بين المنهجين.

   وانتقل هذا الفن التأريخي (التراجم) الى علوم اللغة، والادب، والشعر، والطب، والموسيقى، ولعل الاغاني لابي الفرج الاصفهاني (ت 356/967) يمثّل اصدق تعبير عن الموسيقى والفنون المرتبطة بها، من دون ان يهمل الاحداث التاريخية، فجاء موسوعة متعددة المواضيع، متداخلة الاحداث. واستهوى هذا المنهج بعض الادباء فدخلوا الى ميدان التأريخ كالثعالبي في “يتيمة الدهر” و”ذيلها” و البيهقي في “تاريخ بيهق”[1].

4- الادارة والتأريخ: وبدأنا نشهد ايضا ظهور كتب تعالج نواحي ادارية متخصصة تحدد مهام متوليها، وتعبر عن خبرته في هذا المجال، لتكون دروسا لمن سيليه في الحكم يتعظ من الاخطاء ويفيد من السلوك القويم شأن المؤلفات في الوزارة: ابن الماشطة (ت 310/922)  والصولي (ت 336/947) في ” تحفة الامراء في تاريخ الوزراء” والهلال بن محسن الصابئ (ت 448/1055) وغيرهم كثيرون. وكتاب الخراج لقدامة بن جعفر (ت337/948) الذي يعتبر نموذجا فريدا” من التفكير التاريخي الاجتماعي النافذ في النظريات والاقتصاديات الاسلامية” على حد تعبير روزنتال[2]؛ فقد ربط قدامة الفتوح بنظام الضرائب وبالتاريخ، من حيث تطور النظام الضريبي وما افرزه من علاقات مع الحكام، مؤسسا لنهج ربط النظام الضريبي بالتاريخ: فقد تحدث عن حاجة الناس للتعامل بالنقد على اختلاف انواعه، جاعلا منها ضرورية لحجات الدولة العادلة. واستطراداً حدد واجبات الحكام على المستويين الاخلاقي والسياسي تجاه المقربين منهم وتجاه الرعية، ولعمري انها نظرة ثاقبة متقدمة. ونجد في الاطار عينه، وفي القرن الرابع ايضا نقدا لاذعا وجهه مسكويه لعضد الدولة البويهي، ممّا يعني ان التاريخ بدأ يتصل اكثر فأكثر بالاقتصاد والسياسية، الامر الذي سيتطور فيما بعد ليصبح تداخلاً مثلث المحاور تترابط فيه الضرائب بالمجتمع  وبالادارة على المستويين السياسي والاقتصادي، الذي نلحظه بوضوح في مؤلفات المقريزي. وسيجعل هذا التطوّر من التاريخ نبراسا اخلاقيا تبرز قيمه من بين الصراعات السياسية المرتبطة بالنظام الاداري والاقتصادي العام.

     ان كتب الوزارة والادارة بمفهومها العام كالولاة والكتاب للكندي (ت 350/961)، ورسوم دار الخلافة للهلال الصابئ (ت 448/1055) وغيرها جعلت من التاريخ علم الموعظة والاخلاق، بما اتسمت به هذه المؤلفات من هنات الاداريين وايجابياتهم. وكأن مؤلفيها، الذين افادوا من الايجابيات والسلبيات التي عايشوها، ارادوا ان يسلك من سيخلفهم طرقهم القويمة، وان يتعظ في الوقت عينه أولي الامر منها. كما ظهرت كتب اخرى تصب في الخانة عينها انما على المستوى الاجتماعي، منها ما تناول الشأن القضائي كاخبار القضاة لمحمد بن خلف بن حيان (ت 306/ 918) المعروف بوكيع القاضي وان كان يعتبر من مؤرخي القرن الثالث. ومنها ما تناول الاجتماعي مثل ” نشوار المحاضرة ” للتنوخي، وغير ذلك من انواع العلوم في شتى الميادين الحضارية.

5- التنجيم والتأريخ: وتميز القرنان الرابع والخامس بعلم التنجيم، الذي انتقل من الاغريق الى الحضارة العربية والاسلامية، ونحن نجد صدى له في القرون السابقة، ولا سيما عند اليعقوبي اذ كان يذكر طوالع النجوم في بداية عهد كل خليفة. ولكن التنجيم سيصبح اشد اتصالا بالتاريخ في القرنين المذكورين على رغم تعارضه مع تعاليم الاسلام، ذلك ان حب التثقف بشتى العلوم ومنها التنجيم غدا سمة حضارية بارزة في القرن الرابع، ما وفّر مادة جديدة للمؤرخين، ودفع بعضهم للاهتمام بعلم الفلك.

6- الفلسفة والتأريخ: امتاز القرنان الرابع والخامس، والقرون اللاحقة بدخول الفلسفة على فكر المؤرخين وان باشارات عارضة، على رغم ارتباط علم الكلام بها بشكل قوي. وقد يكون رأي روزنتال محقا:” غير ان المؤرخين المسلمين لم يستخدموها-الفلسفة- قط بشكل فعال…لقد دارت باذهان المؤرخين مسألة اساسية وهي مدى الثقة بالاخبار التاريخية وعلاقتها بالحقيقة، غير انهم في ابحاثهم التاريخية لم يجعلوها موضوعا لمناقشة نظرية…”[3] ولكن المؤرخين الرحالة او الجغرافيين ادخلوا الى مؤلفاتهم بعض النظرات الفلسفية النابعة من اطلاعهم على تاريخ الهند بما فيه من ميتولوجيا وديانات مستندة الى رؤى فلسفية، من دون ان يتمكن المؤرخون المسلمون من تفسير التاريخ فلسفياً.

     وقد شارك المسيحيون في التأريخ في القرنين المذكورين وفق النمط الاسلامي اجمالاً[4]، اذ دوّن بعضهم تاريخ عصره في اقليمه او في المشرق العربي، والبعض الاخر تخطّى  المشرقي العربي  الى التاريخ البيزنطي. وقد اشاد بهم المسعودي في “التنبيه والاشراف” :” وقد ألف جماعة من الملكية والنسطورية واليعقوبية[5] كتبا كثيرة ممن سلف وخلف منهم، واحسن كتاب رأيته للملكية في تاريخ الملوك والانبياء والامم والبلدان…”[6]    

      لذا سأحاول دراسة مناهج مؤرخي القرنين الرابع والخامس معاً لأن التاريخ صار شبه حكر على الاسر الحاكمة يؤرخ الحوادث التي تمحورت حولهم وفي مناطقهم بوجه عام. واذا كانت الاحاطة بمناهج مؤرخي القرنين المذكورين صعبة جداً وتتطلب جهودأ جبارة، قد لا تكون بمتناول مؤرخ واحد، سأختار بعض المؤرخين يشكل كل واحد منهم نمطاً محددأ.

     وهكذا، تبدو الحضارة العربية الاسلامية انها نضجت لا بل اينعت، وغدا التماذج بين الشعوب الاسلامية احد سماتها، ولا سيما الانتقال المريح في ارجاء العالم الاسلامي للعلماء والمثقفين على اختلاف اختصاصاتهم، ممّا جعل العلوم المتنوعة بمتناول جميع المتعلمين، يتثقفون بها ما كان يزيد بآفاقهم المعرفية من دون ان يلغي اختصاص كل منهم. وكان التجار بدورهم يعتبرون هذا العالم وحدة متكاملة، على رغم التجزوء السياسي. وتطورت التجارة بنمو المدن المتزايد، وتحددت مسالكها التي يرجع بعضها الى عصور ما قبل الميلاد، وكثرت عليها الخانات والمحطات التجارية المتنوعة. وتعدى التجار هذا العالم الى البلاد البعيدة كالشرق الاقصى، ما سمح للعلماء بدورهم التنقل مع التجار الى حيث شاءوا فكتبوا مشاهداتهم على المسالك، كما وصفوا البلاد التي حلوا فيها: باقاليمها الجغرافية والمناخية، وعادات سكانها وتقاليدهم، واحيانا بعض نظمهم السياسية. فازدهر علم الجغرافيا، لا بل ايضا الجغرافيا التاريخية، ولعل ابرز مثال عليه مؤلفات المسعودي.


[1] – انظر اسماءهم في شاكر مصطفى، ج1، ص 283-284

[2] – روزنتال علم التاريخ، ص 164

[3]  – المرجع السابق، ص 159

[4] – سنوضح ذلك بدراسة يحي بن سعيد الانطاكي

[5]  – اراد من هذه الصفتات التأكيد على انهم مسيحيون

[6] – المسعودي، (الحسن بن علي) ، التنبيه والاشراف، طبعة دي غويه، ص 154

يحي ابن سعيد الانطاكي م. 455/1063

اولا: عصره وميزات عصره

      1- ميزات عصره السياسية: في اواخر القرن الرابع/العاشر ومطلع الخامس/الحادي عشر، عرف المشرق العربي تحولات مهمة، ولعل من ابرزها: تفسّخ الدولة العباسية الى عدد من الدويلات العرقية والمذهبية وانحطاط سلطة الخلفاء امام طغيان الامراء الاتراك المتصارعين ابدا  فيما بينهم على مراكز النفوذ، والشرهين باستمرار الى المال. وتلاهم في المسار عينه البويهيون القادمون من بلاد الديلم الواقعة على شواطئ بحر قزوين. وكانت الخلافة الفاطمية قد تأسست في المغرب عام296/ 909 وانتقلت الى مصر عام 359/969، على اثر انهيار السلطة فيها بعد وفاة كافور الاخشيدي وعجز العباسيين عن فرض سيطرتهم عليها. وادخلهم انتقالهم هذا، في صراع مرير وطويل مع القوى العسكرية والسياسية المنتشرة في بلاد الشام، ومنها دولة القرامطة التي كانت قائمة في جنوبه ومسيطرة عسكريا على دمشق ومحيطها باعتبارها مجالا حيويا لنفوذهم السياسي والعسكري والمذهبي. ومنها ايضا: امارة او دويلة حمدانية في الموصل، واخرى اسسها سيف الدولة في حلب، آلت على نفسها الجهاد ضد البيزنطيين، ودخلت معترك احداث المشرق العربي الداخلية المتنوّعة الاتجاهات والولاآت. هذا، فضلاً عن الامارات العربية في فلسطين التي دخلت معترك الصراعات الى جانب القوى الاخرى على النفوذ والبقاء. وتشابكت المصالح في المشرق العربي جراء الحملات البيزنطية المتكررة على بلاد الشام، مما جعل المنطقة في حال من الصراع الدائم. 

2– حياته: ان تاريخ ولادته بالضبط غير معروف، ويرجّحه ماريوس كنار في حوالى عام 369/980، كما اننا لا نعرف شيئا مهما عن حياته الشخصية سوى انه كان رجل دين مسيحيا على المذهب الملكي وطبيبا ومؤرخا، ومن اقرباء المؤرخ سعيد بن البطريق. هاجر الى انطاكيا عام 405/1015 على اثر اضطهاد الحاكم لمسيحيي مصر، بعد ان كان اقام فيها فترة تتراوح بين 35 الى 40 سنة. وسيم بطريركا على انطاكيا واستقرّ في بلاد الروم حتى وفاته سنة 455/1063[1]

ثانيا- مضمون كتابه ونظرته التاريخية.

1– محاور الكتاب الاساسية: ترك الانطاكي كتاباً وحيدا هو: “تاريخ الانطاكي المعروف بتاريخ اوتيخا” أرّخ فيه لحقبة مهمة جدا من التاريخ العربي(326- 425 / 938-1035) شهدت مفاصل تاريخية اساسية: قيام الخلافة الفاطمية في المغرب سنة 296/909 وانتقالها عام359/969الى مصر، وانهيار السلطة العباسية شبه التام في اواخر العصر العباسي الثاني او ما يعرف بالعهد التركي، وتلاه، في المسار عينه، تسلّط البويهيين الذين حلّوا مكان الاتراك[2].

 وابتغاء للدقة قسّمت الكتاب منهجياً الى اربعة محاور اساسية: الخلافة العباسية في ظل سيطرة الاتراك المتصارعين فيما بينهم على مراكز النفوذ، وعلاقة الخلفاء العباسيين بالملوك البويهيين الذين خلفوا الاتراك. وثانيها، الفاطميون في المغرب ثم انتقالهم الى مصر، وتطوّر دولتهم خلال عهود: المعز، والعزيز، والحاكم بامر الله، ومطلع عهد الظاهر. وثالثها، الحمدانيون المتأرجحون بين ثلاثة ولاآت: خضوع اسمي للعباسيين، رفض التبعية للفاطميين رغم التناغم المذهبي( الشيعي) بين الفريقين، صراع ووئام مع البيزنطيين وفق ما كانت تقتضيه مصالحهم، الى ان اسقط الفاطميون دويلتهم عام 1002. واخيرا: اوضاع الامبراطورية البيزنطية الداخلية والخارجية.

   اما المضمون التسلسلي للكتاب فيقسم الى فصول عديدة: يبدأ اولها من اواسط خلافة الراضي العباسي وتحديدا من عام 326/938 وتتخلله احداث تتعلق بمسيحيي مصر. والثاني خلافة المتقي( 329 – 332/941-944). الثالث خلافة المستكفي (332- 338/ 944-950). والرابع خلافة المطيع بالله (338- 363/950-974 ) ولكن هذا القسم لا يمكن اعتباره مستقلا لتداخله مع احداث اخرى قد تكون اكثر اهمية، منها: ابتداء الخلافة الفاطمية وتطوّرها وتقاطع احداثها احيانا مع احداث الخلفاء العباسيين حتى بات الفصل بينها عسيراً رغم ان الانطاكي، في هذه المرحلة، جعل الخلفاء العباسيين محور الاحداث، بقوله:« عودة الى اخبار الدولة العباسية»[3]. ويخصّ سيف الدولة بقسم:« اخبار سيف الدولة الحمداني»[4]، ولكنه يقطعه بالكلام على خلافة المعز لدين الله (الفاطمي)، ليعود بعد تسعة اسطر للموضوع الرئيسي:« عودة الى اخبار سيف الدولة »[5] ما يجعل تقسيم الكتاب عسيرا الى فصول واضحة. ورغم ذلك يمكن تحديد مفاصل اساسية فيه: مثل خلافة المعز، وخلافة العزيز، وخلافة الطائع العباسي، ويحتل عهد الحاكم بامر الله حيزا واسعا، وخلافة القادر العباسي، وخلافة الظاهر لاعزاز دين الله الفاطمي. هذا اضافة الى فصول عديدة تتعلق باخبار الامبراطورية البيزنطية لن اتطرق فيها الا للمحاور ذات الصلة بالمشرق العربي.

  لقد أرّخ الانطاكي لهذه الاحداث، باستثناء الاوضاع الداخلية للامبراطورية البيزنطية وعلاقاتها بالبلغار، عدد وافر من المؤرخين العرب، نذكر منهم: مسكويه في « تجارب الامم وتعاقب الهمم » والهمذاني في « تكملة او صلة تاريخ الطبري»، والمسعودي في « التنبيه والاشراف » و « مروج الذهب ومعادن الجوهر »، وابن العديم في « زبدة الحلب في تاريخ حلب »، ومؤرخ مجهول في « العيون والحدائق في اخبار الحقائق » ، وابن الاثير في”« الكامل في التاريخ »، وابن الجوزي في « المنتظم في تاريخ الامم »، وابن القلانسي في« ذيل تاريخ دمشق» والمقريزي في« اتعاظ الحنفا باخبار الائمة الفاطميين الحنفا»  وابن تغري بردي في« النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» وآخرون غيرهم.

2– قيمة مضمون الكتاب قياسا بمؤلفات مؤرخين آخرين:

أ- الفترة السابقة على عهد الحاكم بامر الله

 سأدرس منهج الانطاكي تبعا للمحاور التي ذكرتها آنفا، مركّزاً بالنسبة للعصر العباسي الثاني والعهد البويهي: على صلة تاريخ الطبري للهمداني، والعيون والحدائق في اخبار الحقائق، ومسكويه في تجارب الامم، وابن الاثير في الكامل في التاريخ. وبالنسبة للمرحلة الفاطمية على اتعاظ الحنفا للمقريزي لانه اعتمد في مؤلفه على معظم من عاصر الفاطميين من المؤرخين كابن زولاق، وابن الطوير، والمسبحي وغيرهم. وعلى ابن القلانسي الدمشقي في « ذيل تاريخ دمشق » لغناه، وتقصّيه احداث بلاد الشام لا سيما علاقة القرامطة والامارات العربية في فلسطين بالفاطميين، من دون ان يهمل احداث مصر. اضافة الى ابن العديم في « زبدة الحلب » الذي يتحدث عن الحمدانيين، ناهيك بمؤرخين آخرين سيرد ذكرهم خلال تقويم منهج الانطاكي.         

    تبدأ حوادث الكتاب باخبار مقتضبة عن الفداء بين الروم والمسلمين على اثر هدنة ابرمت بين الطرفين، من دون تحديد الجهة المعنية أعباسية هي ام حمدانية. ويليها كتاب بطريرك القسطنطينية الموجّه الى بطاركة الشرق ليذكروا اسمه بقداديسهم[6]، محدداً بهذا الخبر نهاية تاريخ ابن البطريق:« هذا ما انتهى اليه كتاب ابن البطريك»[7]. ما يعني ان تاريخه يبدأ باخبار خلافة الراضي العباسي الذي استحدث منصب امير الامراء وقلّده لابن رائق، شارحاً خطورة هذا المنصب وتداعياته على الامراء الاتراك، مبيّناً انه لم يربأ الصدع الداخلي بل ازّم الخلافات بين الامراء الاتراك من جهة، وبينهم وبين الخلفاء العباسيين من جهة ثانية، ومع حكام الدويلات في مصر وبلاد الشام من ناحية ثالثة كصراع ابن رائق مع الاخشيد[8]. اضافة الى الصراع المثلث المحاور في العراق نفسه بين ابن رائق وبجكم التركيين، وكورتكين الديلمي، فافاد منه البريدي المتسلط على واسط ودخل الى بغداد، ما دفع بالمتقي الخليفة العباسي الجديد الى اللجوء الى الحسن بن حمدان في الموصل، الذي انتصر على خصومه واعاده الى بغداد فولاه الخليفة امرة الامراء[9]. وبعجزه عن الصمود ومجابهة المؤامرات المتنوعة والمتعددة، تنازل عن المنصب وعاد الى الموصل، فتولاه ابن رائق مجددا. يتطابق هذا المضمون مع ما ورد في العديد من المصادر العربية، ولكنه جاء اقل تفصيلا عمّا ورد في تجارب الامم، والكامل في التاريخ[10]. وكان الانطاكي يقطع سياق هذه الحوادث باخبار المسيحيين، مثل: الصراع الذي وقع بين مسيحيي مصر انفسهم وسمح لعامل الاخشيد في تنّيس بمصادرة اموال الكنائس ومصاغها بما فيها الاواني المقدسة. او ثورة للمسلمين على كنيسة في عسقلان ادت الى هدمها بمساعدة اليهود، من دون ان تفلح الجهود التي بذلت لاسترجاعها او اعادة بنائها[11].

   ثم يتابع احداث خلافة المتقّي شارحاً الصراع على الوزارة ودور الامراء الاتراك بدعم احد ثلاثة مرشحين هم: البريدي، وعبد الله الاصفهاني، وعلي بن محمد بن المقلة، كلّ جريا وراء مصالحه الخاصة، ليعود الى اخبار العراق المضطربة: بروز توزون اميرا للامراء الجديد، واجتماع الاخشيد المستقل بمصر بالخليفة بمحاولة لنقل مركز الخلافة الى مصر، ما ادى الى مقتل الخليفة[12].

     ويتناول في حوادث عام 334/946 دخول احمد بن بويه الى بغداد بعد موت توزون، وخلعه الخليفة المستكفي بعد ان نصبه اميرا للامراء، وينهيها بتداعيات الغلاء الذي ضرب بلاد الشام والعراق معا،[13] لينتقل للحديث عن التاريخ الفاطمي.

   وفي حوادث 335/947 يعود الى صراعات العراق؛ احمد بن بويه وانتصاره على ناصر الدولة بن حمدان، صراع سيف الدولة مع البيزنطيين مفصّلاً حملتي ابن الشمشقيق، ونقفور فوكاس[14].

ما قيمة معلومالت الانطاكي على مستوى المضمون قياسا ب« العيون والحدائق »، و« تكملة تاريخ الطبري » لمحمد بن عبد الملك الهمذاني المتوفي عام 521/1128؟

   أرخ الهمذاني حولياً، وبايجاز واضح فلم تتعد اخباره للسنة الواحدة الثلاث صفحات، وقد تحمل عنوانا واحدا اوربما اثنين، وقد لا تحمل اي عنوان[15]. وتضيف على مضمون الانطاكي احيانا معلومات تتعلق: بالمال، والزواج، والعقوبات[16]، والمصادرات والرشوة[17]. وفي نهاية كل سنة، وتماشياً مع الطريقة الحولية، يدرج بعض الوفيات وتراجم قصيرة جدا لأبرز المتوفين[18]. ولا يهتم الانطاكي بالوزراء ودورهم في الحياة السياسية، على عكس الهمذاني الذي يوليهم اهتماما لافتا[19]. وقد يكون مردّ ذلك، الى ان الاول كتب تاريخا عاما للعراق استكمالا للمشهد التاريخي في المشرق من دون كبير عناية باخبار العراق، على عكس الهمذاني العراقي الذي دوّن تاريخا مناطقيا للعراق. وقد يجد المؤرخ الحديث، في اضافات الهمذاني، معلومات مفيدة على ندرتها، وتبدو اخباره اكثر تماسكا من حيث الاسلوب والمشهد العام، لأنها انحصرت بالعراق والمناطق المرتبطة مباشرة بالخلفاء العباسيين او بالمتسلطين السياسيين عليهم من اتراك او بويهيين. ولا يختلف مضمونها العام عمّا ورد عند الانطاكي الذي اتخذ المشرق العربي كلّه مسرحا لتأريخه، ما جعل اخباره تفتقر الى شدة الترابط.

اما معلومات العيون والحدائق فجاءت مقتضبة الا فيما يتعلّق باعتلاء الخلفاء سدّة الحكم[20]. وحوت احيانا معلومات اضافية عمّا ورد عند الانطاكي مثل: طلب البريدي من الخليفة خمسماية ألف دينار للديلم وهدده اذا لم يلب طلبه[21]. وشرح بعض الاوضاع الداخلية الاجتماعية كالحصبة[22]، والغلاء[23]، وكثرة الجراد[24]. وفي تراجمه للخلفاء العباسيين ذكر معلومات تتعلق: بصفتهم، ونقوش خاتم كل منهم، ووزرائه، وحجابه، واصحاب شرطته، وقضاته، وجملة من اخباره العامة[25]، وانهى اخبار السنوات بالوفيات[26]. وتعدّى تأريخه العراق الى المغرب باختصار بالغ لا يجاوز الاسطر القليلة 3 الى 4 اسطر، مثلا: «استفحال امر مخلد بن كيداد صاحب الحمار »[27]، او بسطر واحد، كقوله :« حفر القائم خندقا حول المهدية »[28]، او« بناء سور لمدينة المهدية » بنصف سطر[29]، وهي لا تعكس اي رؤية لأنها غير معبّرة عن تطوّر الاحداث. ولا يهتّم بامور سيف الدولة الحمداني الا بالتي لها صلة بالعراق، مسقطا علاقاته بالروم، الا نادرا وكأنها رفع للعتب؛ شأن اختصاره هزيمته الروم بمرعش في سطر واحد. ولكنه يتوسع اكثر من الانطاكي بتحرك احمد بن بويه الى بغداد وتقلّده امرة الامراء[30]. ما يجعلنا نعتبر العيون والحدائق تأريخا مناطقيا يهتم بامور العراق والقسم الشرقي من الدولة العباسية أكثر من اهتمامه بمصر وبلاد الشام، جاعلا من الخلافة العباسية محور الاحداث رغم وَهَن سلطة خلفائها. وبالتالي جاءت رؤيته الى التاريخ كما  الهمذاني ضيقة شبه محصورة في العراق ومحيطه، في حين بدت نظرة الانطاكي أكثر سعة وابعد افقا، تناولت الاحداث افقيا على مدى مساحة المشرق العربي، وتخطّته احيانا الى احداث المغرب، ما يعني أنه تفوّق بها على معاصريه عموما.

   اما تقي الدين احمد المقريزي من مؤرخي القرن الخامس عشر فقد خصص مؤلفا كاملا لتاريخ الخلافة الفاطمية اسماه “اتعاظ الحنفا باخبار الأئمة الفاطميين الخلفا”. سنحاول مقارنته هو و”ذيل تاريخ دمشق” لابن القلانسي  بما ورد عند الانطاكي عن الفاطميين.

   أرخ المقريزي للخلافة الفاطمية منذ قيامها في المغرب وحتى سقوطها، بما في ذلك مرحلة التمهيد لقيامها [31]. معتمدا على مصادر متعددة، من ابرزها: ابن الاثير في « الكامل في التاريخ »[32]، وابن خلدون في « ديوان العبر »[33]. مفرّعا الخبر الى اقسام لكل واحد عنوانه الخاص وتفاصيل وافية.

   واعتمد في تأريخه على مفاصل اساسية عكست رؤيته للتاريخ؛ فجعل الفترة الممتدة من قيام الخلافة الفاطمية في المغرب وحتى انتقال المعز لدين الله الى مصر مرحلة واحدة، متخذا من العناوين الثانوية نقاط ارتكاز تشدّ اواصر المرحلة المذكورة. واليك بعض النماذج:« خروج عبيد الله المهدي الى المغرب »[34]، « ظهور عبيد الله المهدي في سجلماسة »[35]، « قتل ابي عبد الله الشيعي »[36] ، « القائم بامر الله…»[37]، « ذكر ابي يزيد مخلد بن كيداد الخارجي وحروبه »[38]. وهكذا ، وصولا الى خلافة المعز لدين الله [39]. ويعتبر بناء جوهر الصقلي للقاهرة مفصلاً تاريخيا مهما جدا تتوقف عنده الاحداث السابقة، ومنه ينطلق التاريخ الفاطمي المشرقي[40].

  اما الانطاكي فلم يهتم بتفاصيل التاريخ الفاطمي في المغرب، لأنه، على ما ازعم، لم يرد التأريخ لهذه المرحلة بشكل مفصّل، مكتفياً بترجمة طويلة نسبيا للخليفة المهدي[41] اختصر فيها، من وجهة نظره، ابرز المحطات الرئيسة الممهدة لقيام الخلافة الفاطمية وبعض احداثها اللافتة: دعاة اليمن، ولقاءهم حج كتامة في مكة، دور ابي عبد الله الشيعي في نشر الدعوة «الهادية»، صراعه مع دويلات المغرب[42]، مسيرة المهدي الى افريقيا، وقبض الاغالبة عليه وسجنه في رقّادة، واسراع ابي عبد الله الشيعي لانقاذه. وبعض اعمال المهدي: ومنها قتل ابي عبد الله الشيعي واخيه[43]، وثورة ابي يزيد الخارجي هامشيا، فموت المهدي[44]. وجاءت معلوماته موجزة ودقيقة جدا تطابق ما ورد عند المقريزي، ما يدفعنا باستنتاج اولي الى القول: ان الانطاكي اراد التأريخ للمرحلة الفاطمية التي عاصرها، من دون البدء من فراغ، فقدّم لمجيء المعز الى مصر بالترجمة المذكورة. ولم يتوسّع بانجازات المعز بل ركّز على جوهر الصقلي قائد جيشه، متحدثا عن حملته التي احتلت مصر بعد فراغ السلطة فيها على اثر وفاة كافور الاخشيدي، وعن اعماله العسكرية الاخرى في مصر وبلاد الشام، وبناء القاهرة الذي مرّ عليه سريعا. ما يجعلنا نعتقد ان الانطاكي ركّز على التأريخ للشخصيات الاساسية وجعلها، ان جاز التعبير، صانعة التاريخ. في حين ان المقريزي فصّل عهد المعز في المغرب (افريقيا)، بما في ذلك ترتيباته الادارية: ولاية يوسف بن زيري على افريقيا، وبلكين على المغرب، وكيفية انتقال المعز الى مصر: حفر الآبار على الطريق، صناديق المال التي حملها معه[45]

   اهتمّ الانطاكي باعمال جوهر العسكرية: حملة جعفر بن فلاح على الشام، وصراعه مع الدمشقيين، وتدخّل القرامطة وقتلهم جعفر، فهجومهم على القاهرة ومحاصرتها بمحاولة للقضاء على جوهر[46]. وفصّل المقريزي هذه الاحداث اكثر من الانطاكي معتمدا على مؤرخين مصريين عاصراها هما: ابن زولاق، وابن الطوير[47]، وعلى ابن عبد الظاهر المتأخر نسبيا،[48]وغيرهم. وفصّل ابن القلانسي هذه الاحداث بدوره، وهو مؤرخ دمشقي اوْلى دمشق اهتماما خاصا، مستهلاً تأريخه بهجوم القرامطة على دمشق عام 360/970، شارحاً ادق التفاصيل[49]. اما حركة ألفتكين او ألبتكين التركي فقد فصّلها بدقة متناهية وربطها بحملة ابن الشمشقيق، وتتبّع احداثها في عهدي المعز والعزيز بطريقة فذّة شديدة التماسك[50]. وقد احتلّت حيّزا مهمّا عند الانطاكي تضاهي اخبار ابن القلانسي، من دون تماسك شديد. لأنه حاول الاحاطة بكل حدث على حدة، وفي الوقت عينه بمسرح الاحداث كله: لذا، عطف حركة ألبتكين على الصراع بين الاتراك والديالمة في العراق، وربطها من منظار آخر بمحاولة الفاطميين استرداد بلاد الشام، ومن جهة ثالثة بتدخّل القرامطة لإسترداد مجالهم الحيوي، ومن ناحية رابعة بحملة ابن الشمشقيق. فتقاطعت هذه الاحداث كلها حول محور واحد، ظناً من الانطاكي ان طريقته هذه تساهم اكثر في توضيح رؤية الاحداث[51]في المشرق العربي( مسرح الاحداث)، ممّا جعلها تتقطع تبعا لكل محور، وتتداخل في الوقت عينه، لأنها تدور حول حدث رئيسي واحد. وقد يكون لتأريخه من خلال الشخصيات دور اضافي في بعثرة احداث الشام المذكورة لأنها تخطت مدتها عهد المعز الى عهد العزيز. هذا، ناهيك ان العزيز احتلّ عند مؤرخنا مركزا مرموقا، فهو اول الخلفاء الفاطميين بنظره، اذ يقول: « اول خلافة العلويين-خلافة العزيز بالله » وذيّل هذا العنوان ب« حوادث سنة 365 » وفرّع الموضوع الى عناوين ثانوية هي: هزيمة جوهر امام ألفتكين التركي، وفاة الاعثم ( المقصود الحسن الاعصم قائد القرامطة)، الصلح بين ألفتكين وجوهر، خروج العزيز بالله لقتال ألفتكين…

   وفي عهد العزيز تتنوّع مواضيعه من دون ان يحصرها في كيان سياسي واحد: وزارة يعقوب بن كلّس[52]، اخبار الحمدانيين، احداث العراق، احوال الدولة البيزنطية، علاقات القبائل العربية في بلاد الشام في ما بينها، وعلاقاتها بالفاطميين، وبالحمدانيين، بطريقة تجعلك تتبيّن صورة التأريخ الفذ بجلاء، وهي طريقة اعتمدها ابن الاثير، فيما بعد، في « الكامل بالتاريخ »[53]. وينفرد بخبر مفاده ان العزيز بالله قطع صلوات القنوت عام 370. وذكر ان النيل توقف عن الزيادة عام 372 ما ادى الى غلاء شديد.

وتتطابق اخباره عن العباسيين والحمدانيين والقبائل العربية مع ما ذكره عدد من المؤرخين العرب والمسلمين، مضاهية بعضها، ومقلةً عن بعضها الآخر.

ب- اوضاع المسيحيين في العهد الفاطمي: وتحتل اخبار المسيحيين حيّزا واسعا في كتابه، وتفرّد ببعض اخبارهم في عهود: العزيز، والحاكم بامر الله، والظاهر لآعزاز دين الله، عكست احدى غاياته التأريخية. واورد اخبارا تتعلق بمسيحيي انطاكيا بعد وفاة بطريركهم، مظهرا الدور الاحتيالي لاغابيوس اسقف حلب حتى استقر بطريركا على انطاكيا، اورد فيها معلومات غاية في الاهمية على المستوى اللاهوت المسيحي من خلال تبادل رسائل بين اغابيوس مع انبا الاسكندرية تظهر تبايناً في وجهات نظرهما اللاهوتية.[54]

  وعلى اثر خروج الامبراطور باسيل (الثاني) الى الشام امر الوزير بن نسطوريوس باعداد اسطول، ولمّا اكتمل احترق بعضه، مما اثار المغاربة والرعية متهمين المسيحيين وبعض التجار الاجانب المسيحيين بافتعال الحريق، فقتلوا منهم 160شخصا ونهبوا متاجر التجار وبعض الكنائس في مصر. ورد هذا الخبر بتقارب تام عند المقريزي ، وبايجاز عند ابن الاثير[55].

  اما اوضاع المسيحيين في عهد الحاكم  فيستهلّها بموت البطريرك الاسكندري[56]. وذكر في احداث سنة 393 ان الحاكم قبض على كتاب الدواوين المسيحيين لمدة اسبوع ثم افرج عنهم[57]– لم يرد الخبر عند المقريزي او غيره-. ثم تحدّث عن هدم كنيسة راشدة وبناء مسجد مكانها، وهدم كنيستين اخريين كانتا بجواره. واضاف: ان الحاكم اجلى مسيحيين عن احدى حاراتهم وهدم كنائسها وشيّد مكانها الجامع الازهر، وبنى لهم، في المقابل، حارة جديدة وثلاث كنائس. في حين اكتفى المقريزي بالقول وهُدمت كنيستان كانتا بالقرب من جامع راشدة[58]. وعلى الرغم من انه امر بمصادرة اوقاف الكنائس والاديار بمصر[59]، فقد كان بنظر الانطاكي عادلا احيانا ويقنع بالحوار، ومن الادلة على ذلك حواره مع الانبا سليمان رئيس دير طور سينا، فبعد ان شكا له بؤس حالة رهبان الدير، امر الحاكم باعادة ما كان صادره من الكنائس والاديار، وسمح للانبا بتجديد دير القُصير، وكتب له سجلاً بذلك انفرد الانطاكي من بين بقية المؤرخين بتدوينه كاملاً.

    وذكر في حوادث عام 395/1005 التدابير في اللباس التي اتخذها الحاكم ضد المسيحيين واليهود- اكّد المقريزي هذا الخبر[60]. واضاف انه ثار مجددا على المسيحيين فهدم مقابرهم وكنائسهم بما فيها كنيسة القيامة. وقد اوضح المقريزي سبب هدم كنيسة القيامة[61]، وذكر في اماكن اخرى انه:« تتابع هدم الكنائس ومصادرة اوانيها »[62]. وتابع الانطاكي اوامر الحاكم ضد المسيحيين ومنها تعذيب الكتاب ومصادرة اموالهم، مما ادى الى تحوّل بعضهم قسرا الى الاسلام[63]. وأرّخ شأن عدد من المؤرخين تجديد الحاكم تمييز المسيحيين واليهود من المسلمين باللباس[64]، على ان يحمل المسيحيون، في هذه المرة، الصلبان الخشبية في اعناقهم[65]. واستهجن موقف الحاكم المعادي للصليب بحيث منع ظهوره في كل الاماكن، وبعد مدة اعاد الامور الى نصابها، بعد ان كان قد تحوّل عدد من المسيحيين الى الاسلام قسرا.[66]

  نستدل مما اورده الانطاكي من تصرفات الحاكم انه لم يرد اظهار الاضطهاد ضد ابناء دينه فقط، بل أرّخ لهم من ضمن مرحلة تاريخية كانت حبلى بالعديد من المشاكل والاشكالات. وتتبدى موضوعيته بانصافه للحاكم، في حين تحامل عليه مؤرخون مسلمون كثيرون. واذا كان اهتم باخبار المسيحيين الذاتية: اعيادهم، وخلافاتهم فيما بينهم، من دون ان يتطرّق اليها مؤرخ آخر، فانه لم يوفّر اخطاءهم الداخلية التي كانت تسمح للسلطات الفاطمية بالتدخل بشؤونهم، والنيل منهم. وان تبريره لممارسات السلطة في هذا الشأن[67] يؤيد ما ذهبت اليه.  

ج- اخبار الوزراء:لم تنل اخبار الوزراء شأنا مهما في تاريخ الانطاكي، سوى ما اسبغه على الوزير يعقوب بن كِلِّس، الذي رغم ومقدرته الاداريةلم يسلم من المصادرة. وبسبب حاجته اليه اعاده العزيز الى منصبه بعد مرور شهرين، ورد له ما كان صودر منه[68]. وتحدث عن وزارة جعفر بن الفرات، ووزارة عيسى بن نسطوريوس[69].

4 نظرته الى الحاكم: وتسهيلاً لدراسة عهد الحاكم بامر الله سأقسمه الى عناوين من اجل تماسك السياق، بعد ان تناولنا وضع المسيحيين على حدة[70].

لما تسنّم الحاكم الخلافة انتدب الحسن بن عمار لتدبير شؤون الدولة فازال الرسوم الجائرة التي كان استحدثها عيسى بن نسطوريوس[71]، مما ادى الى صراع بين المغاربة والمشارقة انتهت بهزيمة الكتاميين وقتل ابن عمّار[72].

كان يجوب القاهرة ليلا وشوارعها مضاءة بالقناديل بامر شخصي منه[73]. وكان مولعا بمشاهدة صراع الرعاع بين يديه التي كانت تنهي مرات بحوادث مأسوية[74].-لم يرد هذا الخبر عند المقريزي على الاقل باحداث هذه السنة-. وفي سنة 395/1005 نهى الحاكم عن بيع النبيذ واهرق كميات كبيرة منه. – ذكره المقريزي بايجاز-[75]. وفيها ابتدأت تدابيره ضد النساء[76] – لم يرد الخبر عند المقريزي-.

بدأت هذه العلائق بثورة علاقة- وهو خارجي بنظره- من دون ان يحدد الانطاكي تاريخها، وتوسّع باحداثها اكثر من المقريزي الذي حدد تاريخها بعام 388/998[77]. وتليها معركة افاميا، فاحداث حملة الامبراطور باسيل عام 389/999 على « بلاد الاسلام »، على حد تعبيره، مفصّلاً كل احداثها: احتلال سيزر، وحصن ابي قيس، ثم حمص التي تحصّن بعض اهلها بكنيستها فاحرقها قادة جيشه « وكانت كنيسة معجزة وحمل نحاسها ورصاصها »، ثم احرق عِرقة، وحاصر طرابلس وعجز عنها. اما المقريزي فاوجزها كثيراً[78].   

  ثم يعود الى اخبار الدولة العباسية وتحديدا حوادث عام 335/947 متناولاً صراع ابن بويه مع ناصر الدولة ابن حمدان وانهزام الاخير.[79]واخبار سيف الدولة وصراعه مع البيزنطيين بشيئ من التفصيل بما في ذلك حملتي ابن الشمشقيق ونقفور فوكاس[80]. وتداعيات غزو الروم على بلاد الشام والساحل اللبناني على اوضاع المسيحيين في مصر، لأنها ادت الى نهب الكنائس[81]. وشرح الاوضاع الصعبة في مصر بعد موت كافور الاخشيدي[82].

أ- الدرزية: اتخذ موقفا معاديا عموما من الدرزية، وتحدث عنها منذ دعوة الدرزي الناس للاعتقاد بألوهة الحاكم، وهي مرتبطة، برأيه ، باسس المذهب الاسماعيلي” ان الامامة اجل قدرا من النبوة، وانها كانت في آدم وانتقلت الى نوح…”[83] وهكذا دواليك وصولا الى عبيد الله المهدي مؤسس الخلافة الفاطمية، واستقرت الالوهة في الحاكم. وبما ان الانطاكي كان رافضا لهذا المبدأ، ازعم انه، توسّع بالحديث عن ممارسات الحاكم كلّها مظهرا حبه لسفك الدماء، ورعب الناس من سطوته وتقلّب مزاجه، واضطهاده للمسيحيين. من دون ان يهمل ورعه وزهده وعدله، واسقاطه عن الناس رسوما جائرة كثيرة، وتلبيته حاجاتهم . ولم ترفع اعماله الحميدة مستواه الديني الى مرتبة الانبياء، انما مارسها ليخدع الناس، حسب زعم الانطاكي:« وانخدع كثيرون له وانحرفوا الى متابعته…»[84] واغضبت دعوة الدرزي كبار رجال الدولة الى المذهب الجديد المشارقة ( الاتراك في الجيش والادارة الفاطمية) مما ادى الى مقتل الدرزي. فاكمل حمزة بن احمد الملقب بالهادي الدعوة من بعده بطريقة شائنة – دائما حسب الانطاكي- لأنه « دعا الى الرخص والاباحة »[85]. ونقل المقريزي الدرزية عنه نقلا شبه حرفي[86].

   وفي المسار عينه كفّر قاضي القضاة سبعة اشخاص من اصحاب الهادي، فثار العامة وقتلوهم. وتزايد امر الدرزية فلعن اتباعها الانبياء، وعملوا كتابا جديدا لتعاليمهم اسموه الدستور. وارتبط الحاكم بالمذهب الجديد وقطع صلواته والخطب في الجوامع، وعطّل الحج الى مكة عدة سنين. وهدد الناس متوعدا حينا ومتسامحا حينا آخر لحملهم على اعتناق المذهب الجديد. وانفرد الانطاكي، من غيره من المؤرخين، بربط الدرزية بحريق الفسطاط انتقاما من اهلها لرفضهم القبول بدعوته، في حين ارجعه بعضهم للانتقام من اهل الفسطاط، لأن بعضهم وضع رقعة بيد تمثال لامرأة صنعوها من القراطيس يشتمون فيها الحاكم وسلالته[87]، وهو تفسير سطحي.

    وادى انتشار الدرزية في وادي التيم ومنطقة الغرب اللبنانيتين، الى اضطراب الاحوال العامة في دمشق. في حين اكتفى المقريزي بالقول:« وفيها – اي سنة 425/1034- ظهرت الطائفة بجبل السماق من الشام يدعون الى الحاكم بامر الله.»[88]

ب- نهاية الحاكم: يستهلها بالقول:« مال الحاكم لى الانبا صلمون منذ اول مشاهدته »[89] واستجاب لطلباته فالغى التدابير المتخذة بحقهم، وشارك رهبان الدير لبس الصوف، ممّا اثار عليه العامة من المسلمين واعتبروه تلميذا للانبا. وكان يقصد دير القُصير ويستحث العمال للإسراع بإنهاء بنائه « ويعدل الى ديارات جددها اليعاقبة في ناحية القرافة »[90]، ممّا يجعلنا نستشف من كلامه: ان الحاكم مال في اواخر حياته الى المسيحيين محاولا تعويضهم الاساآت المتكررة التي كان قد ألحقها بهم. ويرجع الانطاكي موته الى خلافه مع سبعة اشخاص من البادية اغلظوا له بالكلام وطلبوا منهم مالاً، فانفذ لهم رقعة مع غلامه المعروف بالقارفي صحبة احدهم، ولما رجع الغلام لم يجد سيده. فبحثت عنه اخته ست الملك من دون ان تعثر له على اثر.[91] اما المقريزي فارجع اختفاءه او مقتله  الى تآمر اخته ست الملك عليه لأنه اتهمها بالفجور. وتتوافق روايتا اختفائه المذكورتين مع روايتي ابن القلانسي وابن الاثير.[92]

5- عهد الظاهر: اما عهد الظاهر فيستهلّه باعتلائه العرش، وينفرد الانطاكي وحده بنقل السجل الذي قرئ على الناس في هذه المناسبة، ويورد فيه معلومات غاية بالاهمية، منها: التسامح مع اهل الذمة والسماح لمن اعتنق من المسيحيين الاسلام قسرا بالعودة الى دينه الاساسي[93]. واوضح ان السلطة الفعلية، في هذا العهد، كانت بيد عمّته ست الملك التي ألغت تدبير الحاكم وتحريماته فعاد الناس الى الحياة الطبيعية[94]. وحاولت عقد معاهدة مع البيزنطيين اقترحت فيها تجديد بناء كنيسة القيامة والبيع المسيحية كافة واعادة الكنائس الى اصحابها، ولكن موتها افشل المشروع[95]. وكانت المعاهدة بنظر الانطاكي مطلبا فاطميا، ومن اجل ابرامها، تمّ تبادل الرسائل بين نيقيا امير جيوش الظاهر وقطبان انطاكيا. وقد اورد ابرز بنودها المقترحة، مفصّلاً بشكل مترابط الاسباب التي منعت ابرامها. في حين ان المقريزي لم يذكرها، مكتفياً بادراج المعاهدة التي ابرمت بين الظاهر والامبراطور مخائيل[96]. وأكّد الانطاكي خبر هذه المعاهدة على ان يذكرها في موقعها المناسب، لكنه انهى كتابه قبل الوصول الى احداث السنة المذكورة. وفصّل عملية اعتقال ولي العهد عبد الرحيم بن الياس وقتله بما يتطابق مع جوهر روايتي ابن القلانسي الاكثر تفصيلاً، والمقريزي الموجزة.[97]وتطرّق الى مقتل الهادي وحَظْر مذهبه.

   لم يهمل الانطاكي احداث بقية المناطق؛ فقد فصّل الصراع البويهي البويهي بعد وفاة عَضُد الدولة بما يتوافق مع اخبار ابن القلانسي، ومسكويه في تجارب الامم[98]. واورد خبر كسر الحجر الاسود في مكة وتداعياته، من دونة ان ترقى روايته الى مستوى تفاصيل الخبر عند ابن الاثير او عند المقريزي[99]. واحتلت اخبار حلب حيّزا مهما في تارخه: شكّل صالح بن مرداس محورها الاساسي في هذه المرحلة، فقد احتلها بالتعاون مع حسّان بن المفرّج وسنان بن عليان امير الكلابيين بهدف تقاسم بلاد الشام فيما بينهم. ثم دخل بصراع مزدوج: مع الحلبيين، ومع الدزبري[100]. وانتهى دوره بهزيمته ومقتله في معركة الاقحوانة، مما مكّن الفاطمين من استعادة بعبلبك والساحل اللبناني[101]. وانهى هذا القسم من الكتاب المتعلّق باخبار العالم العربي والاسلامي بترجمة للامبراطور البيزنطي رومانوس، لأنه خصص القسم الاخر لأخبار الدولة البيزنطية غير الواردة عند المؤرخين العرب.

6- قيمة نظرته التاريخية:  بناء على ما اوردناه من محتوى الكتاب، يمكن القول ان  نظرته جاءت عمودية وافقية في آن معا: افقية لأنها لم تنحصر في منطقة معينة من العالم العربي والاسلامي، ولا في ظلّ خلافة واحدة من الخلافتين المتنازعتين في المشرق العربي، بل شملت كل هذا العالم بتلاوينه السياسية المتعددة، والمتنوعة الولاآت، من دون ان نتبيّن ميولاً واضحة او مواقف مسبقة من هذا الفريق او ذاك، بل أرّخ لكل الفرقاء من منظار واحد. وقد نستشف من خلال اقلاله التوسّع باخبار بعض الشخصيات قلة اهتمام بها، لأنه اعتبر ادوارها ثانوية تتممّ الاحداث الكبرى التي احتلت الحيّز الاوسع في تأريخه، من دون ان نصنّف هذا الموقف بانه مسبق من الاحداث. ونجد تفاصيل اوفى للتأريخ لمصر الفاطمية في عهد الحاكم بأمر الله، تأتت من اهتمامه بهذه الشخصية، التي  اعتبرها مميّزة بين اقرانها من دون ان تكون متميّزة بذاتها وترقى لمستوى فذ، بل ربما اعطاها هذا البعد من خلال تصرفات الحاكم التي استهجن بعضها، واعتبر بعضها الاخر متميّزا لا بل مهما جدا كالدعوة الى الوهته، ونشوء المذهب الدرزي الذي احتلّ فيه الحاكم مركزا مرموقا لا بل مقدسا. من هنا، اعطى اهمية خاصة لمصر في هذا العهد ذي الابعاد السياسية والاجتماعية الواضحة قياسا بعهود والده وجده المعز.

    ولم تكن نظرته التاريخية  عسكرية فقط وان طغى هذا التطلع على غالبية تاريخه، بل تعدتها الى الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية: فتناول الضرائب الجائرة والعادلة على حد سواء، والغلاء واسبابه وتداعياته وطرق معالجته، والاوبئة والامراض[102]. وطالت ايضا اخبار الادارة عند الفاطميين وبدرجة اقل عند العباسيين. وكونه رجل دين فقد أرّخ للبطارقة والاساقفة على اختلاف درجاتهم، وحتى  يمكن الحصول من خلال كتابه على ثبت باسمائهم وسني توليهم مناصبهم ومراكز كراسيهم، اضافة الى الخلافات فيما بينهم واسبابها ونتائجها.

     وتتبدى عمودية نظرته التاريخية بتحليل بعض الاحداث، وربط بعضها بالبعض الاخر بطريقة شبه متكاملة، وربط بعض الحوادث باسبابها: بسبب هجوم لاون على ديار بكر… هاج الرعاع بمصر…وخربوا الكنائس. او بسبب غزوة نقفور جزيرة اقريطش وتخريبه مساجدها هاج الرعاع بمصر وخرّبوا ونهبوا كنيسة مار ميخائيل.[103] كما ايضا بقوله:« سيّر جعفر بن فلاح من دمشق عسكراً عظيما الى انطاكيا…ولما عاد ابن الشمشقيق من البلغر غزا الشام.»[104] وتتّضح بتتبعه لأدوار شخصياته التاريخية التي صدّرها الاحداث شأن الحاكم بأمر الله: الانسان، والخليفة، والزاهد، وبتحليله نفسيته بمحاولة لاكتشاف اسباب مرضه على حد تعبير الانطاكي. ويصبّ في الاطار عينه تحليله لاسباب الصراع فيما بين المسحيين انفسهم، وتداعياته الكارثية عليهم بسبب تدخل السلطة الحاكمة بشؤونهم الداخلية، محمّلا رؤساءهم الدينيين مسؤولية وقوع تلك الصراعات. ويصبّ في الخانة عينها ربطه المذهب الجديد الذي اعتنقه عهد الحاكم، حسب تعبيره، بالعقيدة الاسماعيلية، ومحاولته تفسير موقف الحاكم منه بطريقة تحليلية تعليلية.

 ثالثا: طريقة المعالجة:

1 – المصادر: ان الكلام على منهج الانطاكي يستدعي العودة الى مقدمة كتابه الذي حدد فيها منهجه، بقوله:« قصدي من هذا الكتاب ان اذكر جُمَلَ ما انتهى اليّ وصحّ عندي من الاخبار السالفة والحوادث الكائنة، منذ المدة التي انتهى اليها تاريخ سعيد ابن البطريق…الى زماننا هذا.»[105] وقال في مكان آخر:« ووقع اليّ بعد ذلك تواريخ لم أكن وقفت عليها عند شروعي في عمله، فغيّرته باجمعه وبدّلت نظمه، وألفته تأليفا ثانياً. ثم ايضا بعد انتقالي الى انطاكيا…تصفحته تصفّحا ثانياً، وتحصّل لي تواريخ أخر، فخرجت منها ما ألحقته به وأضفته اليه، وغيّرت بعضه، وقررّت الامر على هذه النسخة.»[106] ومن الواضح ان الانطاكي اطلع على العديد من المصادر وتبحّر فيها أكثر من مرة للتأكد من انه كتب المضمون صحيحاً، مما يدفعنا للاعتقاد ان مصادره صحيحة، بل دقيقة وان لم يذكرها. واظهرت المقارنات العديدة التي اقمناها مع مضامين مصادر أخرى عديدة ذات منزلة علمية مرموقة صحة معلوماته ودقتها من دون اي لبس، رغم التباين بينها من حيث الاسهاب او الاختصار فقط. وكان الانطاكي شاهد عيان على احداث عاصرها، منها ما كان يطال رعيته المسيحية مباشرة، ما كان يضعه في خانة المسؤولية المباشرة، وتاليا الاطلاع المباشر والمستمر على اوضاعها.

   ان هذه الادلة تدفعنا الى اعتبار مصادر الانطاكي موثوقة، متعددة، غنية وشاملة، ولست ادري لماذا لم يذكرها في متن الحوادث جريا على الاسلوب المتبع في عصره؟!

2- منهج التراجم : ويمكن استلهام منهجه العام ممّا ذكره في مقدمة الكتاب:« فأقصد فيه المناهج التي قصدها- يعني ابن البطريق- فأضيف اسماء جميع الخلفاء والملوك الذين وقفت على اسمائهم، وأضيف الى ذلك جملاً ممّا انتهى اليّ من اخبارهم وسِيَرهم…وأذكر اسماء بطاركة الاسكندرية، وبيت المقدس، وانطاكيا، والقسطنطينية، واعمارهم وكراسيهم…» [107] ان كلامه هذا لا يتوافق تماما مع منهج التراجم، ولا ينسجم مع سِيَر الشخصيات الواردة في تأريخه باستثناء الترجمة الطويلة التي خصّ بها سعيد ابن الحسين مؤسس الخلافة الفاطمية. اذ لا يمكن اعتبار ما ذكره عن عدد من الخلفاء مثل: المستكفي العباسي، والخلفاء الفاطميين: المنصور بالله، والمعز، والمعز، وغيرهم، تأريخا وفق نمط التراجم، لأنه اكتفى بتعريف سريع بسني حكمهم ووفياتهم.   

3- التأريخ الحولي: ان النمط الذي اعتمده الانطاكي يصعب اعتباره تأريخاً حولياً صرفاً، لأنه اتخذ من الخلفاء اساساً للتأريخ، وازعم ايضا انه صدّر بعض القادة العسكريين والسياسيين الاحداث لأنهم فاقوا الخلفاء منزلة سياسية وقيادية، اما بتفويض من سادتهم، او انهم باشروا الامور بأنفسهم، فصاروا محور الاحداث التي كان يتممّها دور الخلفاء. ولعلّ جوهر الصقلّي من ابرز نماذج هذا النمط، اذ ركّز مؤرخنا عليه أكثر من عنايته بالمعز لدين الله: فهو من احتل مصر وبلاد الشام، وبنى القاهرة، وأمّن كل مستلزمات الدولة تمهيداً لدخول سيده الى مصر. وتمحورت الاحداث في عهدي الراضي والمتقي العباسيين حول ابن رائق، وحول معز الدولة بن بويه في عهدي المستكفي والمطيع العباسيين. وتصدّر سيف الدولة الحمداني الاحداث أكان بالنسبة للخلفاء العباسيين ام الفاطميين ام الاباطرة البيزنطيين الذين عاصرهم. اما الحاكم بامر الله الفاطمي فقد اختصر كل احداث عصره بشخصه، وشكّل احد اهم مفاصل الحركة التاريخية. لذلك، نقول انه صاغ الاحداث تبعاً للشخصيات البارزة، وكلما كانت الشخصية مهمة بالمقدار عينه ربط الاحداث بها، وجعل الشخصيات الاخرى مهما كانت منزلتها او صفتها السياسية مكمّلة لها.

لذلك، يمكن القول ان الانطاكي أرّخ حسب الموضوع مراعياً التسلسل الزمني، وللموضوع عنده مستويان: المنطقة الجغرافية، والشخصية البارزة، وهو نمط يتوافق من هذه الزاوية مع التأريخ لتوالي عهود الحكام،. ممّا يفسّر تناوله اخبار العراق على حدة، وكذلك اخبار مصر، وسيف الدولة، وحوادث البيزنطيين. وقد ميّزة ببراعة بين الحوادث الداخلية الصرفة الخاصة بمنطقة جغرافية وسياسية محددة، وبين الحوادث الخارجية عنيت تلك التي تتداخل بين منطقتين او أكثر. ممّا يفسّر تداخل احداث العراق باحداث مصر وبلاد الشام والدولة البيزنطية تبعاً لظروف المكان والزمان والشخصيات المحورية. فقد احتلّ نقفور فوكاس قائد الجيش، ثم الامبراطور لبّ الحوادث، واتمّها سيف الدولة، وربط ايضا تطوّر الاحداث في بلاد الشام بالامبراطور المذكور، وتابع احداثه حتى خلافة المعز لدين الله الفاطمي.[108]وانسجاما مع التأريخ حسب الموضوع حاول جاهداً تناول الخبر الواحد بشكل تام ومتكامل، وان اضطر احيانا لقطعه احتراما للتأريخ الحولي، او افقية الاخبار ( التأريخ لكامل المشرق العربي) ليورد خبراً موجزاً من منطقة اخرى باسطر معدودة: شأن خبر الاسقف اغابيوس الذي يقطعه مرة واحدة بثورة للارمن في انطاكيا[109]، او اخبار نقفور فوكاس التي يقطعها باستطرادات سريعة بعضها عباسي وبعضها الاخرحمداني[110]. وهو بلا شكّ عيب تأريخي وقع به مؤرخون كبار مدى التاريخ الوسيط كله[111]، ممّا يعني ان هذه الهنات كانت من صلب المنهج التأريخي ولم تبخسه قيمته في ذلك العصر.

   واذا كان وقع بالخطأ السابق فانه اعطى الافضلية مرات عديدة لتكامل الاحداث، بجعل الخبر يتجاوز التأريخ الحولي: فهو يورد في مستهل اخبار الخلافة الفاطمية حوادث عام 365 ثم يتعداها الى حوادث عام 367 ليجعل من خبر السقلارس كلاً متكاملاً، ليعود مجددا الى حوادث 365 ثم الى 366 ويتابع احداث 367[112] بمحاولة للانسجام مع التأريخ الحولي ومراعاة لاكتمال لخبر الواحد. ويتكرّر العيب عينه في حوادث عام 405/1015 بقطع اخبار ولي العهد عبد الرحيم بن الياس ليستطرد باخبار عن  تقليد الحاكم قاضي القضاة، ومستوى القضاء في العهد الفاطمي، ليتابع بعدها اخبار ولي العهد، واخبار لؤلؤ غلام ابن حمدان، واخبار الاعوام: 399و 402 و 403، ليعود الى استكمال اخبار 405[113]. وقد فرض عليه المنهج الحولي التنقّل بين ارجاء المشرق العربي استكمالاً لافقية الرؤية التاريخية وان على حساب قطع الحادثة الرئيسة باخبار ثانوية جرت في مناطق اخرى، من دون ان يبخسه مقدرته التاريخية.

    وأرّخ الانطاكي وفقا للتقويم الهجري جريا على عادة المؤرخين العرب والمسلمين محددا اليوم والشهر والسنة[114]، وبالتقويم عينه حدد المسار الزمني لأخبار الدولة البيزنطية ذات الصلة باحداث العرب والمسلمين:« وفي هذه السنة – 348- مات قسطنطين.»[115] كما أرّخ بالتقويم الاسكندري معطوفا على التقويم الهجري،[116] واستخدم ايضا سني عهود الاباطرة البيزنطيين تقويما خاصا ومربوطا ايضا بالتقويم الهجري.[117]

   كان الانطاكي دقيقا بذكر اخباره، كما اثبتنا، فادرج ارقاما كلّما دعته الحاجة:« ولمّا لم يبقَ عند سيف الدولة من الروم من يفادي به اشترى بقية اسرى المسلمين وكان عددهم ثلاثة الآف نفس بمائتي واربعين ألف دينار رومي.»[118] وتتبدى دقّته بالاخبار التي انفرد بها وايّد صحتها العديد من المؤرخين المحدثين، وتلك التي فصّلها وحده واوجزها معاصروه. وهي دفعت بالمقريزي للاقتباس منه كثيرا في مؤلفه اتعاظ الحنفاء.

    تقويم: وعلى هذا، يعتبر تاريخ الانطاكي مصدرا غنيا جدا، ولا اغالي ان قلت ان لا مندوحة من الاعتماد عليه لا سيما في الفترة التي تناول فيها مصر الفاطمية، وبخاصة عهد الحاكم بامر الله.

 


[1] Canard, Marius, EI2, art. Antaki, TI, p. 531

[2] – لمزيد من الاطلاع، انظر: ضومط( انطوان)، واخرين، الشرق العربي في القرون الوسطى، الدار اللبنانية للنشر الجامعي، بيروت، 1996، ص112-115، 135-171

[3]  – الانطاكي، (يحي بن سعيد)، تاريخ الانطاكي، تحقيق عمر تدمري، جروس برس، طرابلس،1990، ص 73

[4] – الانطاكي، ص 75

[5]  المصدر عينه، ص 83

[6] – الانطاكي ، ص21

[7] – المكان عينه

[8]  – الانطاكي، ص 29-30

[9]  – نفسه ،ص 38

[10]  – مسكويه، (محمد بن علي)، تجارب الامم وتعاقب الهمم، تحقيق امدروز، طبعة ليدن، دون تاريخ، ج1  ص289 – 413- -404 – 420

الهمذاني،( محمد بن الحسن)، تكملة تاريخ الطبري، تحقيق البرت كنعان، بيروت، 1961، ص82 – 116-117،118

ابن الاثير،( علي بن محمد)، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1965، ج8 ، ص 282-369

[11]  – نفسه ، ص 25-28

[12] – نفسه ، ص 46-47

[13] – ص 55-  56

[14] – الانطاكي، ص83-92، 95-102، 106-108، 113-117

[15]  – الهمذاني، محمد بن عبد الملك، تكملة تاريخ الطبري، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، دار المعارف ، مصر، دون تاريخ، ص 314-316،335-340، 341-346

[16]  – الهمذاني، ص 314-315

[17] – نفسه ، ص 320، 322، 335 وغيرها كثير

[18]  – الهمذاني، ص 334

[19] -نفسه، ص 318،322، 336،338،

[20] – مؤرخ مجهول، العيون والحدائق في اخبار الحقائق، تحقيق عمر السعيدي، دمشق، 1973، الجزء الرابع، القسم الثاني، ص 252 

[21] – نفسه، ص 355-356

[22]  – نفسه، ص 392

[23]  – نفسه، ص 380

[24] – المكان عينه

[25]  –  نفسه، مثلا: ترجمة المتقي، ص 410-411 ، وترجمة المستكفي، ص 441-443

[26]  – نفسه، ص 381

[27]  – نفسه، 422-423

[28]  – العيون، ص 424

[29]  – نفسه 457

[30]  – العيون والحدائق، 427-432

[31] – المقريزي، (تقي الدين احمد)، اتعاظ الحنفا باخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، تحقيق جمال الدين الشيال، القاهرة، ط2، 1996 ، ج1، ص 41 وما بعد ولا سيما ص 57-59

[32]  – انظر مثلا : اتعاظ، ج1، ص 43

[33]  – عينه، ص 44، 50

[34]  اتعاظ، ص 60

[35] – اتعاظ، 1/65

[36] – المصدر السابق،، 1/67

[37] – نفسه، 1/74

[38] – اتعاظ، 1/75

[39] – نفسه، 1/95

[40] – لن ندخل في كل هذه التفاصيل خصوصا ثورة ابي يزيد الخارجي التي خصص لها 13 صفحة، واعمال الخلفاء الفاطميين في المغرب لأنها افاضات طويلة غير متوفرة عند الانطاكي.

[41]  – الانطاكي، ص 62-68

[42] – نفسه، ص 59 – 61

[43] – الانطاكي، ص 62 -67

[44] –  المصدر السابق، ص 68 – 70

[45]  – اتعاظ، ص96-100

[46]  – الانطاكي، ص 143، 146-147

[47]  – اتعاظ، ص 107، 113، واحداث الصراع بين الفاطميين والقرامطة بما فيها تبادل الرسائل بين المعز والحسن الاعصم ص 187-202 ، و220-241

[48] – نفسه، ص 113

[49]  – ابن القلانسي، حمزة بن علي التميمي، ذيل تاريخ دمشق، تحقيق سهيل زكار، دار حسان، دمشق، 1983، ص 1-8

[50] –  ابن القلانسي، ذيل تاريخ دمشق، ص 21-37

[51]  – الانطاكي،161-162، 179، 180-182،

[52] – الانطاكي، ص 182

[53]  – ابن الاثير، الكامل، ج8 ، وانظر منهج ابن الاثير في هذا الكتاب

[54]  – الانطاكي، ص 169-179

[55] – الانطاكي، ص 233-234، وابن الاثير، الكامل، ج9، ص 90 ، واتعاظ، ج1، ص 287-290

[56] – نفسه، ص249-250

[57] – المصدر السابق، ص250

   [58] – الانطاكي ، ص 250-253، اتعاظ، ص 48

[59] – نفسه، ص 277

[60] – الانطاكي، ص256، اتعاظ الحنفا، 2/35، ووفيات الاعيان، 5/293-294

[61] – الانطاكي، ص279-280، 282-283، اتعاظ، 2/75، ابن القلانسي، ص 108-111

[62] – اتعاظ، 2/94-95

[63] – الانطاكي، ص 277، ابن القلانسي، ص61-62

[64] – المصدر السابق، ص256، اتعاظ، 2/53

[65] – الانطاكي، ص 296، اتعاظ، 2/94-95، 100

[66] – الانطاكي، ص296-297

[67] – نفسه، ص 271-274

[68] – الانطاكي، ص202-203

[69] – نفسه، ص227-228

[70] – سأشير الى تطابق المعلومات في الحواشي باسنادها الى مصادر اخرى، واذا انفرد بخبر سأشير اليه في المتن.

[71]  – الانطاكي، ص 238 ، الكامل، ج9، ص 118-119، واتعاظ، ج2، ص 3

[72]  – نفسه، ص 239، الكامل، ج9، ص 119، واتعاظ، ج2، 12-13

[73]  – الانطاكي، ص 250 ، اتعاظ، ج2، ص 38

[74] – المصدر السابق، ص251-252

[75]  – الانطاكي ، ص 253-254 ، اتعاظ، ج2، ص 54

[76] – نفسه، ص254

[77] – الانطاكي، ص 240-241، اتعاظ، ج2، ص 18-19

[78]  – نفسه، ص 243-246، اتعاظ، ج2، ص32

[79]  – المصدر السابق، ص 73 – 74

[80]  –  نفسه، ص83 – 92، 95 – 102 ،106-108 ، 113- 117

[81] – الانطاكي، ص 92 – 93

[82]  – نفسه، ص 121-123

[83] – الانطاكي، ص335

[84] – نفسه، ص 338

[85] –  الانطاكي، ص342

[86] – اتعاظ، ج2، ص 113 وما بعد

[87] – الانطاكي، ص 334-3352، وانظر قصة التمثال في الحاشية رقم 8، ص348-349

[88] – اتعاظ، 2/181

[89] – الانطاكي، ص359

[90] – الانطاكي، ص360

[91] – نفسه، ص360-361

[92] – الكامل، 9/314-319،  ابن القلانسي، ص 69-70، اتعاظ، 2/114

[93] – انظر السجل مفصل، الانطاكي، ص 366-367

[94]  – الانطاكي، ص374-375، اتعاظ، 2/129

[95] – الانطاكي، ص387

[96] – المصدر السابق، ص 430-438، اتعاظ، 2/ 182

[97] – الانطاكي، ص368، ابن القلانسي، ذيل تاريخ دمشق، ص69-70، المقريزي، اتعاظ، 2/114

[98] – الانطاكي، ص182-186، ابن القلانسي، ص15-20، الهمذاني، ص225-229، 231-235، مسكويه، تجارب الامم، 2/366-375، 380-381

[99] – الانطاكي، ص387، الكامل، 9/332-333، اتعاظ، 2/118

[100] – الانطاكي، ص 392- 398، ابن العديم، زبدة الحلب، 1/227-229

[101] – الانطاكي، ص410-412، زبدة، 1/231-232، ابن خلّكان، وفيات الاعيان، 2/487، اتعاظ، 2/160، 176

[102] – الانطاكي، انظر على سبيل المثال: ص122، 353

[103] – الانطاكي، ص 93-94

[104] – نفسه، ص 146-148

[105] – الانطاكي، ص 17

[106] – الانطاكي، ص19

[107] – نفسه، ص17-18

[108] – الانطاكي، ص97، و130وما بعد

[109] – نفسه، ص169-171

[110] – نفسه، ص 102-108

[111] – انظر منهجي المقريزي، ص 250 وما بعد، وابن تغري بردي، ص 295 وما بعد.

[112] – الانطاكي، ص 165-180

[113] – نفسه، ص 311-319

[114] – انظر مثلاً: مات ابو القاسم انوجر…يوم السبت لتسع خلون من ذي القعدة سنة 349، اوكانت الوقعة يوم الخميس النصف من شهر رمضان سنة 349، الانطاكي، ص 94، والنماذج كثيرة جدا

[115] – نفسه، ص91

[116] – المصدر السابق، ص141-142

[117] – الانطاكي، ص 190

[118] – نفسه، ص 114