نظرة جديدة في اسباب الحملات المملوكية على كسروان.

نظرة جديدة في اسباب الحملات المملوكية على كسروان.

ان موضوع الحملات المملوكية على كسروان اشبع درسا، ومع هذا يستوقفني في هذه المداخلة ثلاث نقاط نقاط اساسية لا بد من ابراز دورها في هذا الشأن:

1 – اهمية اثبات المماليك جدارتهم بحكم مصر والشام عن طريق طرد كل القوى الغريبة غير المسلمة. تبيان دور معركة عين جالوت كنقطة تحول في تاريخ المشرق العربي عامة، وعند المماليك خاصة. اوبالتالي العمل على السيطرة على السواحل كونها مصدر خطر اساسي على الدولة الفتية.

2 –  استناد الجيش المملوكي على اجناد الحلقة كعنصر اساسي في بداية عهدهم، وعلاقته في ما بعد بالمماليك السلطانية، ودورها في الحملات على كسروان.

3 – فساد المماليك منذ نشأتهم والصراع المستمر في ما بين كبار الامراء.

1 – اثبات جدارة المماليك: وحد الخطر المغولي الامراء المماليك آنيا في معركة عين جلوت، من دون ان يتناسوا الاحقاد والاطماع الدفينة، لأن مصيرهم كان على المحك. وما كان مقتل السلطان قطز بطل عين جالوت على يد بيبرس الذي تبوأ العرش مكانه، الا دليلا على الوفاء الغادر.

اراد بيبرس اثبات جدارته، وتأمين حدود الدولة بازالة ما يمكنه من الخطرين المغولي والصليبي. فجهد يسترد المدن الساحلية في بلاد الشام من الصليبيين من دون ان يتمكن منها كلها. ونجح قلاوون ومن بعده ابنه الاشرف خليل بالاستيلاء على مدن السواحل كلها واجلاء الصليبين نهائيا عن المشرق عام 1291م، وبقيت مناطق داخلية حليفة للاعداء عصية على الدولة كان لابد من اخضاعها. وهنا تداخلت اسباب كثيرة في ما بينها حتمت على المماليك اخضاع الكسروانيين، لن اكررها بل سأربطها بالنقطة الثانية اي بدور اجناد الحلقة في حماية الدولة.

من الواضح ان الشعور الديني والمذهبي بلغ مستويات عالية جدا منذ دخول الصليبيين الى الشرق، وازداد حدة بهجوم المغول على البلاد الاسلامية بما في ذلك القضاء على الدولة الخوارزمية، ودولة سلاجقة الروم، ومن ثم القضاء على الخلافة العباسية في بغداد 1258م. فبات المسلمون في ضياع ديني ان صح التعبير. وزاد في الامر سوءا استغلال هولاكو الصراع السني الشيعي الذي ظل محتدما في تلك الاوقات الحرجة بل المصيرية، فاتخذ احتياطات امنت سلامة قبر الامام علي بالنجف من التدمير. وتشير بعض المصادر الى مساعدة الشيعة للمغول. ما اجج الصراع المذهبي الاسلامي الاسلامي.

اجتهد المماليك للاقتصاص من كل من ساعد اعداء الاسلام او يعتقدون انه سيساعدهم. وباعتقادي انهم كانوا يحاولون حفظ انفسهم من السقوط اكثر من التزامهم الديني. بات المماليك بنظر معظم  المسلمين حماة الاسلام، وما كان ممكنا لهم العمل ضد بعض رجال الدين السنة ممن كانوا يرغبون بتحويل كل السكان على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم الى الدين الحنيف. ولكن هل كانت هذه الدوافع وحدها هي التي حدت بالمماليك للتصرف بوحيشية قاتلة ضد الكسروانيين ؟!!والسؤال الذي يطرح نفسه الى اي حد كانت قوة الكسروانيين فاعلة او قادرة على لخروج على السلطة المملوكية، وهل كانوا على درجة عالية من الغباء للوقوف بوجه السلطة التي تمكنت من المغول، واستولت على الكثير من المدن والابراج الصليبية ؟!

يستوقفني امر في غاية الاهمية: لماذا اصر ابن تيمية على الكسروانيين التحول الى السنة، ولم يعرض عليهم االخضوع للسلطة الجديدة والانخراط في الحلقة، ويفيدوا من المميزات الاقطاعية على ان يظلوا على مذهبهم؟!

هذا اضافة الى سؤال آخر قد يكون اكثر اهمية: لماذا لم تعط المناطق الكسروانية بعد اخضاعها، بالوحشية التي صوّرتها المصادر، والتي افقدت الكسروانيين كل مقدرة قتالية، امكانية للعيش البسيط عموما، لماذا  تعط للتنوخيين حلفاء المماليك، وهم اجناد في الحلقة المملوكية التابعة الى نيابة دمشق؟! على الرغم من ان هناك من يزعم ان عدد اجناد الحلقة من التنوخيين لم يجاوز الخمسة وستين جنديا، وهذا صحيح لأن المماليك لم يرغبوا بزيادة هذا العدد كونه كان كافيا للمهمة التي اوكل بها التنوخيون، ما يدفعني للكلام على النقطة الثانية: اي علاقة اجناد الحلقة بالجيش المملوكي، وبالسلطان والامراء. 

ضمّت الحلقة في العهد المملوكي ثلاثة انواع رئيسة: الاجناد الاساسيين ممن حق لهم قانونا بالاقطاعات، وكانوا يشكلون في بداية العهد المملوكي عماد الجيش، بل كانوا جند السلطان المختارين. ثم قدمت الوافدية وضمّت الى الحلقة ونالوا اقطاعات فيها.ثم نافسهم المماليك السلطانية على بعض اقطاعاتهم، على الى جانب جوامكهم (رواتب) ما اثار اجناد الحلقة الاساسيين على الوافدية والمماليك السلطانية.

اما الفريق الثاني من اجناد الحلقة فتشكل عموما من العربان على اطراف الصحراء، والقبائل في ارجاء الدولة، ولا سيما في الثغور،  وكان منهم التنوخيون، الذين اعطوا اقطاعات وارزاق مقابل خدمات يؤدونها، كتأمين طرق البريد، والدفاع عن مناطقهم تجاه الغزاة، والخلود الى السكينة، من دون ان يتمتعوا بمناصب ادارية التي استمرت حكرا على المماليك والمتعممين. وحرص المماليك على الا يرتقي هؤلاء سلم الامرة الا بدرجات متدنية، وقلما حصل احدهم على امرة اربعين او طبلخاناه.

اما الفريق الثالث (لا يعنينا في هذه الدراسة ) فتشكل من المتعممين وبعض المدنيين ممن اشتروا حقوق بعض اجناد الخلقة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هل تصرف الكسروانيون بعد معركة وادي الخازندار بداعي العداء المطلق للمماليك ام بقصد الربح المادي؟ وهي عادة كانت متبعة في كل ارجاء المشرق العربي، بل في كل العالم وهي الافادة المادية من الجيوش المنهزمة. بخاصة ان المماليك ما كانوا بعد قد بسطوا سيطرتهم على كسروان؟! وبالتالي لا يعتبر سكانه من رعاياهم.

ويتجلّى الصراع بالاضافة الى ما ذكرت سابقا عن اوضاع المماليك منذ تأسيس دولتهم، بما ارساه السلطان بيبرس اذ استقدام اعداد كبيرة من الارقاء القبجاق وجعلهم من مماليكه الخاصكية، وصار يعتمد عليهم في معظم مهامه خوفا من غدر البحرية، وبالتالي صار الجيش موزع الولاء بين المماليك السلطانية الجدد، والبحرية، واجناد الحلقة بمن فيهم الوافدية.

ولما اغتصب قلاوون العرش من سلامش ابن بيبرس سنة 1279 ناصبه المماليك الظاهرية (نسبة الى الظاهر بيبرس) العداء. فاسس سنة 1281 فرقة المماليك الجراكسة واسكنها ابراج القلعة فعرفت بالبرجية، وجعلها مميزة عن بقية الجيش، فاخلصت له. وسار ابنه الاشرف خليل على خطاه حتى بلغت اعداد البرجية في نهاية عهده 5700 مملوك. وصار الجيش قسمان الاتراك بزعامة بيدرا، والبرجية الجراكسة بزعامة السلطان.وبانت علامات الغدر في اكثر من مناسبة، وصار الاشرف خليل هدفا للاتراك، حتى تمكن بيدرا من قتله غدرا سنة 1293.

صارت البرجية بدون هدف، وثائرة على كل الامراء وتقتل كل من يعترض طريقها، ما حتم اعطاء العرش الى الناصر محمد بن قلاوون وهو بعد طفل، ولم تهدأ البرجية الا بعد ان قتلت بيدرا زعيم المماليك الاتراك. ومع ذلك استمر الانقسام بين البرجية والاتراك واستغله امراء المائة النافذؤن، وتوالى على العرش في هذه الفترة العصيبة والوجيزة 1293 – 1308 خمسة سلاطين.

اذا الصراع على العرش شكل الهدف الاكبر انذاك، وفي الوقت عينه شكل تنافس الامراء على الاقطاعات والمراكز الاسياسية في الادارة سببا وجيها في ولائهم للسلطان او لمنافسه. ما يعني ان الولاء خلا من اي بعد انساني.

اذا استعرضنا قادة حملة 1292 نجد من ابرزها الامير بيدرا قاتل الاشرف خليل، والامير سنقر الاشقر الذي لا تخلو مؤامرة من اشتراكه بها، وقل الامر عينه عن الامير بدر الدين بكتوت. ويضيف ابن كثير قائلا: وخرج الشيخ ابن تيمية ومعه كثير من المتطوعة والحوارنة، وهم في حقيقة الامر اجناد في حلقة دمشق. اما في حملة 1300 حسب رواية المقريزي فقد شارك فيها نواب البلاد الشامية باجنادهم وهم من اجناد الحلقة.

يمكن اضافة الى اسباب حملات 1292 و1300، 1305  التي تناولها معظم مؤرخي المماليك والمؤرخين المحدثين، سببين اضافيين: ابعاد بعض الامراء ممن كانوا يشكلون خطرا على السلاطين اما بسبب زعامتهم على فريق من المماليك، لأنهم قد يقتلون في المعارك، وتخلو الساحة على الاقل بغيابهم من المؤامرات. السبب الثاني التخفيف قدر المستطاع من اجناد الحلقة الذين باتوا يشكلون عامل عدم ارتياح في القاهرة على الاقل، بخاصة بعد ان منح السلاطين مماليكهم اقطاعات على حساب الحلقة لا سيما في الروك الحسامي 1298. هذا فضلا عن ان كثرة تغيير السلاطين وانتساب مماليك سلطانية الى كل منهم، سبب ازعاجا كبيرا للسلاطين الجدد. بحيث كان يتوجب على كل سلطان جديد الاعتماد على قسم من مماليك السلطان السابق ممن يطلق عليهم قراصنة، ريثما يكبر مماليكه.

بالعودة الى تاريخ صالح بن يحي نلاحظ: ان التدمير الذي لحق بالكسروانيين وبممتلكاتهم كان رهيبا، ومع ذلك تم استخدام بعضهم في حلقة طرابلس أكان بوظائف مدنية ولا ندري ماذا يقصد بالمدنية لأن الوظائف المدنية كانت من حق المتعممين وحدهم. فهل هذا يعني ان من لجأ الى طرابلس بدل مذهبه؟!! واعطي قسم منهم اقطاعات في حلقة طرابلس، وهل هذا يعني انهم خضعوا للسلطة المملوكية وبدلوا مذاهبهم.

على هذا، ألم يكن اجدر بالمماليك اغراء الكسروانيين بوظائف في حلقة طرابلس اي حماية الخط الساحلي الممتد من المعاملتين حتى مغارة الاسد الذي اعطي سنة 1305 الى الامير علاء الدين بن معتب البعلبكي وابن صبح، ثم استرد منهما واعطي للعسافيين التركمان.

مداخلة الدكتور انطوان ضومط في المركز الثقافي الفرنسي في نيسان 2014

المماليك

  الصالح نجم الدين ايوب: كان الصالح نجم الدين ايوب ابن الكامل قد دخل بصراع مرير مع اخوته وابناء عمومته في بلاد الشام على احقية عرش مصر، وبالتالي الخضوع له او الاعتراف به سلطانا على الايوبيين. ومن اجل الانتصار عليهم، وتأمين جيش يكون ولاؤه له وحده، عمد كغيره من الملوك الايوبيين الى شراء اعداد من المماليك وعمل على اعدادهم عسكريا ودينيا. واختار جزيرة الروضة مكانا لاقامته فبنى فيها قصرا وطباقات لمماليكه في شباط 1241/639. وبنى في الوقت عينه مدينة عسكرية على طرف الصحراء اسماها الصالحية تيمنا بلقبه.

    لم يحسم الصراع بين الايوبيين الذي كانت بلاد الشام مسرحا له، وشارك فيه الصليبيون وحققوا مكاسب من دون قتال لأنهم تعهدوا مساعدة الصالح اسماعيل لقاء حصولهم على صفد وشقيف ارنون: فقد حاصر الصالح اسماعيل صاحب دمشق قلعة شقيف ارنون واستولى عليها وقدمها لمتولي صيدا الصليبي سنة 638/1240، وقدم للصليبيين طبرية وعسقلان في العام التالي 639/1241.

   وهكذا تحالف الصالح اسماعيل مع الصليبيين والناصر داوود ملك الكرك، وصلاح الدين شيركوه امير حمص وهاجموا جميعهم مصر وانهزموا في تشرين الاول 1244 امام الصالح نجم الدين وحلفائه الخوارزمية الذين كانوا هاجموا القدس واستولوا عليها في 11 تموز 1244 /642، مما ادى الى اعتراف الملوك الايوبيين في الشام بسلطنة الصالح نجم الدين الذي دخل دمشق عام في 26 آذار 1247، وبعلبك، والقدس، ثم عاد الى القاهرة وامر باعدام اخيه العادل في سجنه مخافة ان يعود بطريقة ما الى الحكم.

الحملة الصليبية السابعة: ادى سقوط القدس الى ارسال حملة صليبة جديدة بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع او القديس لويس التي ابحرت من مرسيليا عام 1248/646، وامضت الشتاء في قبرص مما اضعف من زخم مقاتليها، ثم توجهت الى مصر ووصلت الى دمياط في 4 حزيران 1249 وكان الصالح نجم الدين ايوب مريضا، وعجز الايوبيون بقيادة الوزير فخر الدين يوسف عن حماية دمياط التي سقطت بايدي الصليبيين، وتوفي الصالح نجم الدين خلال المعركة، وكتمت زوجته شجر الدر الخبر عن جيشه الذي تمكن من تحويل نصر الصليبيين الى هزيمة لسوء تصرف الفرنسيين.

 الدولة بعد بيبرس: كان بيبرس يدرك تماما ذهنية المماليك، ورفضهم الشديد لمبدأ وراثة العرش، ومع ذلك جهد ليقنع نفسه بقدرته على تغيير تلك الذهنية فعهد لابنه السعيد بركة خان بالعرش سنة 660/1262 في حياته، واقسم كبار الامراء يمين الولاء له. ومارس السعيد بركة الحكم في غياب والده الذي طالما غاب عن مصر بسبب كثرة حروبه مع المغول والارمن والصليبيين والحشاشين ( الفداوية). وفي سنة 1264 اقام بيبرس احتفالا حضره الخليفة والعلماء وكبار القضاة فوّض فيه العرش الى ابنه السعيد بركة. وطلب الى ابنه، وهو في حالة النزاع الاخير سنة 1277 ، الحذر من كبار الامراء ” فهؤلاء الامراء يرونك بعين الصبي” ونصحه بقتل كل امير يشك بولائه او اذا قويت شوكته كثيرا.

   ولما اعتلي السعيد بركة خان العرش شرع الامراء يسببون له المشاكل ويدسون له الدسائس: فقد اتهموه بدس السم للامير بدر الدين بليك نائب السلطنة، وكلما عيّن نائبا جديدا للسلطنة عمدت بطانة السلطان الى تخويفه منه. حتى صار يقرّب منه صغار الامراء، فابتعد الكبار عنه وشرعوا بالتآمر عليه. وفي عام 1278 اراد السلطان زيارة بلاد الشام لتفقد احوالها فظن نوابها انه يريد بهم شرا، فهربوا منه من دون ان يتمكن من استمالتهم او طمأنتهم. ولما عاد الى القاهرة دخلها بصعوبة فحاصره الامراء بالقلعة حتى الزموه بالتنازل عن العرش سنة 1279. فعرض العرش على الامير قلاون اقوى الامراء والعقل المدبر لخلع السلطان فرفضه لأن الفرصة لم تكن قد نضجت بعد، وقدّمه الى سلامش الابن الثاني لبيبرس البالغ السابعة من العمر وصار وصيا عليه. وبعد مضي ثلاثة اشهر مهّد الطريق الى العرش بان احدث تشكيلات جديدة ابعد بها المؤيدين لبيت بيبرس واحل مكانهم جماعة من مناصريه، ثم خلع سلامش بالطريقة التقليدية واعتلى العرش مكانه عام 1279.

اسرة قلاوون: نشأ مجتمع المماليك على التحاسد والخديعة والغدر، ولم يكن من فضل لأحد الامراء على الاخر الا كثرة دهائه وشدة حذره وغدره. ولم يكن الامراء يعتقدون باحقية احدهم على الاخر وينظرون الى السلطان على انه اول بين متساوين، واذا كان ليّن العريكة واحتجب عنهم يصبح من الضروري خلعه ليخلفه في معظم الاحيان اقوى الامراء الذي غالبا ما يكون وراء عزله. ولم ينظر قلاوون الى بيبرس الا من هذه الزاوية، وكان يرتقب الفرصة لينتزع العرش. وكان امراء المائة في العرف المملوكي متساوين من حيث المنزلة، ولا يمتاز واحد عن الاخر الا بالوظيفة التي يشغلها، وكان كل واحد يجهد الى الوصول الى اعلى المراكز، ونظروا الى اولادهم نظرة استعلاء، ولم يعتبروهم من المماليك لأن الرق لم يمسهم، وسمحوا لهم بالانضمام الى الجيش المملوكي تحت اسم اولاد الناس، وكانت رتبة الواحد منهم امير خمسة، مما جعل فكرة وراثة العرش بعيدة عن اقتناعات المماليك. وعلى رغم اقتناع بيبرس بهذه الذهنية فانه اراد الخروج عليها معتمدا وسائل بدائية مثل تزويج ابنه السعيد بركة من غازية خاتون ابنة قلاوون معتقدا ان قلاوون لن يضحي بصهره. واثبت الوقائع ان قلاوون ترك صهره يهوي من دون ان يرشده،  وكان احد الذين اتهموه بدس السم لنائب السلطنة.

   تعرّضت بداية عهد قلاوون الى مثل ما كانت تتعرض له بدايات عهود السلاطين من امتناع بعض النواب عن تأييد ما حصل خصوصا من قبل نائب دمشق. فقد خرج نائب دمشق الامير سنقر الاشقر على قلاوون ونادى بنفسه سلطانا معتبرا ان لا شيئ يميز السلطان عنه. ولما فشل مشروعه عام 1280 اثر الحملة العسكرية الكبرى التي ارسلها قلاوون الى بلاد الشام إلتجأ الى المغول وزيّن لهم الهجوم على بلاد الشام، وتآمر في العام التالي مع بعض الامراء الظاهرية والصليبيين للانقضاض على الدولة المملوكية، ولكن المؤامرة كشفت واعدم المتآمرون سوى سنقر الذي فر الى المغول في العراق.

   وشعر قلاوون بسوء نية المماليك الظاهرية، وخاف على نفسه من كثرتهم، فانشاء فرقة من المماليك الجراكسة ليكون ولاؤها له وحده، وجهد يزيد تعداد اعضائها حتى بلغوا في نهاية عهده حوالى 3700 مملوك. وواجهته الى جانب الثورات الداخلية مشاكل اخرى لها علاقة بها في بعض جوانبها اذ عمد سنقر الاشقر الى احتلال بعض القلاع في بلاد الشام مثل قلعة صهيون واتصل بالمغول والصليبيين لمساعدته ضد السلطان، الامر الذي شجع المغول للهجوم على تخريب بعض قلاع بلاد الشام عام 1280 ثم الدخول الى حلب وتخريبها واحراق قسم منها. وفشل الصليبيون بالاستيلاء على حصن الاكراد عام 1280. فعمد قلاوون الى مهادنة الصليبيين المتمثلين بفرسان الداوية والهيكليين وبوهيموند السابع كونت طرابلس وعقد معهم هدنة لمدة عشر سنوات للانصراف الى محاربة المغول ووضع حد لاعمالهم التخريبية بل لردعهم عن بلاد الشام. وتمكن في تشرين الاول من العام 1281 من انزال الهزيمة بالمغول المتحالفين مع مملكة ارمينيا في معركة حمص اجبرتهم الى الفرار الى العراق.

  واستمر الصليبيون كعادتهم يتنازعون فيما بينهم على الملكيات ووراثة العرش على تنوّعها، فاستغل قلاوون النزاع بين الصليبيين واستولى سنة 1287 على اللاذقية آخر مدن امارة انطاكيا. وتوفي في السنة عينها كونت طرابلس من دون ان يترك وريثا فتنازع الصليبيون على وراثة الكونتية واستنجد بعضهم بقلاوون، الذي اغتنم الفرصة وجهّز جيشا كبيرا واحتل طرابلس في نيسان 1289. ثم سقطت المدن الساحلية المتممة لطرابلس مثل جبله وبيروت، ولم يبق للصليبيين سوىصيدا وصور وعكا وعثليث.

اولاد قلاوون: وقع قلاوون بالخطأ نفسه الذي ارتكبه بيبرس اذا عهد سنة 1280 بالعرش الى ابنه علاء الدين علي بحياته وبايعه سلطانا وليس وريثا كما فعل بيبرس قاطعا بذلك الطريق على الامراء الى العرش بعد موته. ولكن علاء الدين مات عام 1288 مسموما في حياة ابيه، ويعتقد عدد من المؤرخين ان اخاه خليل هو الذي دسّ لهم السم. ورفض قلاوون توقيع العهد بالعرش لابنه خليل من بعده لأنه لم يكن رجل دولة بل فاسقا يحب سفك الدماء.

   تعرض مطلع عهد الاشرف خليل الى ثورة الامير حسام الدين طرانطاي نائب السلطنة اعتقادا منه بانه احق من خليل بالعرش متآمر على السلطان الذي كشف المؤامرة وقبض على المتآمرين وقتلهم وصادر ممتلكاتهم، وجعل الامير بيدرا نائب للسلطنة. وتمكن في مطلع نيسان 1291 من الاستيلاء على عكا آخر الحصون الصليبية في الشرق، وبالتالي جلا الصليبيون نهائيا عن المشرق.

   ازداد الاشرف خليل بعد هذا الانجاز المهم تعاليا على الامراء وانفة، من دون ان يترقب العواقب، او ان يفهم العقلية المملوكية المتمحورة على الغدر والخديعة، او انه فهمها واعتبر نفسه اقوى من يصاب بمكروه خصوصا انه زاد باعداد المماليك البرجية ألفي مملوك وبالتالي صار عدد البرجية كبيرا 5700 مملوك ارعبت الامراء. لكن ذلك لم يمنع بيدرا نائب السلطنة مع الامراء وعلى رأسهم حسام الدين لاجين من التآمر على السلطان وقتله وهو في الصيد عام 1293. بايع القتلة الامير بيدرا قاتل السلطان بالعرش في مسرح الجريمة، وعجزوا عن الوصول الى القاهرة لأن المماليك البرجية بزعامة الامير زين الدين كتبغا طاردوا المجرمين وقتلوا بيدرا ونصّبوا محمد الابن الثالث لقلاوون سلطانا وعمره لم يجاوز التسع سنوات من دون ان يجرؤ احد على الوقوف بوجهها، وجعلوا الامير كتبغا التركي زعيم البرجية وصيا عليه. لم يكافئ كتبغا البرجية بل اتهمهم باثارة الفتن فشتت قسما منهم، فقاموا بثورة فاشلة استغلها كتبغا لصالحه فخلع الناصر محمد واعتلى العرش مكانه عام 1294.

      ومن سوء طالعه جاء فيضان النيل متدنيا فارتفعت الاسعار وعمت المجاعة وانتشر الوباء. كان كتبغا قصير النظر اذ عفا عن حسام الدين لاجين المشارك بمقتل الاشرف خليل وجعله نائبا للسلطان من دون الاخذ بعين الاعتبار شعور البرجية او الانتباه الى مصالحها. وزاد في الطين بلة انه استقدم جماعة من المغول المعروفين بالاويراتية – وهو من اصول مغولية اسر في معركة حمص على عهد قلاوون- وكانوا وثنيين وقرّبهم منه مما اثار عليه نقمة الشعب. واستمر ينكل بالبرجية حتى ساءت اوضاعهم الاقتصادي والاداري، فتآمروا عليه مع لاجين وخلعوه واعتلى لاجين العرش مكانه عام 1296. ولضعفه رضي كتبغا بالتنازل عن العرش والاقامة في صرخد احدى بلدات دمشق، وهو السلطان الوحيد الذي رضي بترك عرشه من دون بذل جهود لاسترداده.

  تميّز عهد لاجين بالفوضى الادارية: فقد انصاع كليا لمنكوتمر أحد مماليكه الذي صار عمليا سلطانا، فتعالى على الامراء، واهان بعضهم. ومن ثم قام بالروك الحسامي فساوى فيه حصص المماليك الجراكسة بالمماليك الاتراك مما ادى الى ارتفاع منزلة الجراكسة مجددا. واستبد منكوتمر بامور الدولة من دون رادع او وازع او يحترم اي امير مهما بلغت منزلته مما ادى الى قتله على يد كرجي احد زعماء البرجية. وكان الصراع على اشده بين البرجية والاتراك من دون ان يجرؤ اي من الفريقين تقديم العرش لأحد الامراء، وكحل للمشكلة اعيد الناصر محمد الى الحكم للمرة الثانية (1298 –1308) وصار الامير سلار التركي نائبا له.

    استغل المغول بقيادة غازان الوضع غير السوي عند المماليك واغاروا على بلاد الشام وانتصروا على المماليك سنة 1298 في معركة مجمع المروج بين حمص وحماه، واستباحوا دمشق، ثم عاد غازان الى بلاده لما علم بالحملة الكبيرة التي اعدها السلطان الى بلاد الشام. وتجددت المعارك بين الفريقين الى ان انتصر المماليك على غازان انتصارا ساحقا في معركة مرج الصفر سنة 1302 ابعدت خطرهم الى اجل طويل جدا مما قوّى مركز البرجية لأنها كانت قلب الجيش المملوكي.

     كان وضع الناصر محمد حرجا جدا، لأنه عجز عن مجابهة كبار الامراء، وكان ان اشتد الصراع بين البرجية بزعامة بيبرس الجاشنكير، وسلار زعيم الاتراك، ومنعوه حتى عن الاتصال بالناس، وضيقوا عليه، فضاق ذرعا بالوضع، ثم استقال سنة 1308 متذرعا انه يريد الحج واعتصم بالكرك. واعتلى العرش مكانه زعيم البرجية سيدة الموقف. ولم يكن المظفر بيبرس الجاشنكير رجل الساعة، وتدخل الشعب للمرة الاولى وسار في تظاهرة في شوارع القاهرة مطالبا بعودة الناصر محمد لتشاؤم الناس من انخفاض مستوى الفيضان، فكانوا يرددون في تظاهرتهم: سطاننا ركين ( تصغير لركن الدين) ونائبن دقين ( يقصدون سلار شبه اجرد الزقن) يجينا المي منين، جيبون الاعرج. ولم يرض نواب بلاد الشام بما حصل ورفض قسم منهم الاعتراف ببيبرس الجاشنطير سلطانا، وكاتب نواب حلب وحماه وطرابلس الناصر محمد واستأذنوه بالقدوم الى الكرك. وحاول بيبرس ترهيب الناصر محمد بتهديده بمصير ابناء الظاهر بيبرس، وحاول تجريده من مماليكه وما عنده من خيول وسلاح، مما دفع الناصر الى طلب معونة حلفائه في بلاد الشام، وتوجه الى دمشق، والتف الناس والامراء والمماليك حول الناصر. فلم يجد السلطان بدا من الرضوخ، وطلب الغفران من الناصر فاعيد النصر محمد الى العرش للمرة الثالثة سنة 1309 واستمر في الحكم حتى عام 1340.

    يعتبرعهد الناصر الثالث ابهى عهود المماليك، واكثرها هدوءا ورخاء، فحكم البلاد بيد من حديد: فقتل بيبرس الجاشنكير، وسجن سلار حتى مات، وشتت افراد البرجية الذي جهد بانشائها وتمييزها عن بقية الفرق المملوكية ابوه واخوه خليل. وكلما شك بامير قتله، واذا اجتمع اميران من دون اذنه كان يأمر بقتلهما، وكلما كبر مستوى احد الامراء عزله او قتله. وامتدت رقعة الدولة في عهده من المغرب غربا الى الشام والحجاز شرقا، ومن النوبة جنوبا الى آسيا الصغرى شمالا.

عهود اولاد واحفاد الناصر😦 1340-1382) لم يتمتع اي من السلاطين الاثني عشر الذين خلفوا الناصر من سلالته باي مأثرة تستحق الذكر او التوقف للكلام على صاحبها. فحكم في العشرين سنة الاولى لوفاته( 1341-1361) ثمانية من اولاده، وفي الواحد والعشرين سنة الثانية اربعة من احفاده. وجدير بالذكر ان بعض هؤلاء حكم وله من العمر سنة واحدة، وبعضهم الاخر لم يستمر حكمه اكثر من شهرين. اما الكبار في السن الذين تولوا العرش ما استطاعوا ممارسة صلاحياتهم بشكل سليم لأن كان كبار الامراء كانوا يحكمون من خلالهم. وكانت عهودهم من اسوأ مراحل السلطنة المملوكية سفكا للدماء، ووفرة في الثرات، واخلالا في النظام العام، وخروجا على الاعراف والتقاليد. ومما يلفت الانتباه في عهود هؤلاء السلاطين ان: ستة منهم اقيلوا، واثنين توفيا طبيعيا، واربعة قتلوا. وقد تميزوا اجمالا بشرب الخمر، والانغماس باللهو والمجون، والانعام على المحظيات والخدم بالاموال والاملاك والهبات المتنوّعة.

    واستنزفت في عهودهم الحروب غير المنتهية بين فئات المماليك المتنوعة طاقات البلاد الاقتصادية. غدا بامكان بعض الامراء الاقوياء زيادة تعداد مماليكهم اضعاف الاضعاف التي يسمح بها النظام العسكري فبلغ تعداد مماليك يلبغا العمري ما يزيد على 3500 مملوك. واكتفى كبير الامراء او اشدهم نفوذا بالحكم الفعلي من خلال السلطان بتوليه منصب اتابك العسكر، ولم يجرؤ على عزل السلطان خوفا من امراء آخرين كبار

كان الضعف قد تسرب الى قلب الدولة خصوصا في مطلع منتصف القرن الرابع عشر فاستبيح النظامان العسكري والاقطاعي المملوكيان.

    ان كل ذلك سمح لوراثة العرش في الدولة الاولى خصوصا في اسرة قلاوون بالنجاح من دون ان يعني ذلك نجاحا في الحكم بل انهيارا.   

ادارة ندوة المدارس ونظام التعليم في العهد المملوكي.

تميّز العهد المملوكي عن غيره من عهود العصور الوسطى بخاصات فريدة، ويعجز الباحث اذا لم يقف على بنية النظام العسكري، عن فهم تلك الخاصات التي ادت الى تقلبات في الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعمرانية خلال حكم المماليك. لأن نظامهم العسكري شكل المحور الاساسي لحكمهم؛ فقد كان على رأسه السلطان، يليه الامراء الكبار او مقدمو الألوف، الذين منهم ينتقى السلاطين، ثم امراء الاربعون، فصغار الامراء. ويقبع في اسفل سلمه الاجنادُ الذين انتظموا بدورهم من حيث الاهمية وفق الهرمية التالية: المماليك السلطانية على اختلاف مراتبهم، ثم فرسان الحلقة، فمماليك الامراء.

لقد حمل هذا التقسيم في طياته بذور الفساد والانحطاط، لأنه تلاءم مع مصالح جماعة عسكرية غريبة عن مصر وبلاد الشام، وحوّل مجتمعها الى مجتمع عسكري مغلق عن ابناء البلاد وجامد على وجه العموم، حتى بات الانتقال بين فئاته نادرا، وانحصر اجمالا بارتقاء عدد محدود جدا من الامراء والمماليك السلطانية ليشغلوا المراكز الشاغرة التي كانت تعلو رتبهم،  في غالب الاحيان تمتع الانتهازيون بهذه الامتيازات. ومن ناحية ثانية ترك النظام العسكري العرش مشاعا ليتبوؤه كل قادر، بل، على وجه العموم، أكثر الامراء الكبار حنكة ودهاء، وغدرا، وخيانة.

 والى ذلك، ومن اجل حصول الامراء على المراكز الاكثر مردودا اقتصاديا ومنزلة عسكرية، تحوّل العهد المملوكي الى سلسلة غير منتهية من الصراعات العسكرية الدامية والمدمرة للحياة الاجتماعية والاقتصادية،  بحيث كان ينقسم فيها معظم الامراء على اختلاف مراتبهم، وغالبية الاجناد، الى فريقين متحاربين، متخذين اسواق وساحات المدن الرئيسة كالقاهرة ودمشق وحلب وغيرها مسرحا قتاليا، الامر الذي كان يدمرها ويستنزف طاقاتها الاقتصادية والحياتية، ويعرّض السكان الى ابشع انواع المظالم. ومن المؤسف حقا ان حالات انضباط المماليك نلحظها بعهود عديد ضئيل جدا من السلاطين الاقوياء.

وارتبط النظام العسكري عضويا بالنظام الاقطاعي الذي غدا عسكريا بامتياز، واستغل المماليك بموجبه كل مقدرات البلاد الاقتصادية بما فيها الزراعية والصناعية، وصولا الى مردود الجمارك البرية والبحرية، وتقاسموا كل تلك الخيرات الوفيرة جدا وفق ترتيبهم العسكري، فعاشوا فئة مميزة غريبة عن ابناء البلاد، بعاداتها، وتقاليدها، ولغتها، وقوانينها.

وتكفيرا عن ذنوبهم الاقتصادية، وبما تسببوا به من خراب ودمار نتيجة صراعاتهم الداخلية شبه الدائمة، تقرّب السلاطين وكبار امراء من الشعب، بالاكثار من الابنية الدينية المتنوعة، وتشييد المدارس، التي لم يبنوا معظمها بدافع ديني بل رغبة بالحفاظ على ثروات السلاطين والامراء الكبار المنقطعة النظير، متوسلين نمط الوقف الذري ملاذا لاستمرارها بذريتهم، التي جعلوا منها شريكا للمؤسسات الخيرية، ولا سيما المدارس، بادارة املاكهم واستغلال مردودها. لان الوراثة كانت غير جائزة في نظام المماليك، ما ادى الى اطراد في دور التعليم، وليس ادل على ذلك من اسماء المدارس التي تنتسب الى مؤسسيها في مصر وبلاد الشام.

شكل الوقف المرتكز الاقتصادي الاساسي للتعليم، لأن الواقف كان يحدد رواتب المعلمين، وعدد طلاب المدرسة، ورواتبهم، وما يحتاجون اليه من اقلام ودفاتر… ومكان اقامتهم. ولم يكن التعليم وقفا على المدارس وان شكلت عموده الفقري، لأن المساجد، والجوامع، ودور الحديث، والخوانق، والربط، والزوايا، والترب، والبيمارستانات ساهمت بدورها بالحركة التعليمية.

اما هيئة التدريس فقد تألفت من الشيخ وهو على العموم من مشاهير العلماء، ومن المقرئ اي من يقرأ القرآن، والمحدث. وكان يحظى بعض المدرسين بلقب تشريف ( الاستاذ)، ويساعده معيد، وهو احد الطلاب النجباء الذي كان يعيد الدرس بعد انصراف المدرس ليركز باذهان من لم يستوعبه.

اما طرائق التدريس فكانت متنوعة: الالقاء او المحاضرة، وما كان مسموحا للطلاب مقاطعة المحاضر، بل كانت تطرح اسئلتهم في نهاية المحاضرة. والسماع او السماعات، وهو الاستماع الى المحدث او الفقيه يقرأ في مؤلف محدد على الطلاب، ويستمر يسمعهم حتى يتأكد له انهم حفظوا الدرس. والتلقين، والاملاء، والمناظرة او المحاورة.

ويحصل الطالب في نهاية تعليمه على اجازة من شيخه تثبت كفايته في حقله، وكانت الاجازات متنوعة: العامة، او بالفتيا، والتدريس، والتحريرية، وبعراضة الكتب، وبالمرويات…ولم يكن التعليم الديني المتنوع الاختصاصات يختلف كثيرا بين مدينة واخرى من حيث المضمون، انما انحصر التمايز بالمستوى الثقافي للمدرسين.

ايها الحضور الكريم، لن اتوسع في هذا الموضوع فاسحا في المجال للمحاضريْن الكريمين العميد احمد حطيط، والدكتور عمر تدمري التعمّق بالكلام عليه. وانما اريد اضافة ملاحظة اخيرة وهي اننا اذا تفحصنا بامعان نظام التدريس من حيث اسماء المدرسين والشهادات، لوجدنا فيها تقاطعا مهما مع ما يماثلها في حاضرنا: فالاستاذ لقب عالمي متعارف عليه، يماثله “بروفسور” في اللغات الاجنبية، ويتقاطع مع لقب محاضر او الاستاذ الدكتور، وكان يساعده شيوخ اقل منزلة منه تضاهي رتبهم في ايامنا رتبة الاستاذ المساعد، اما المعيد فهو المبتدئ في سلم التعليم العالي، وباتت جميع هذه الالقاب موحدة عالميا. والاجازة مصطلح ما يزال معمول به حتى اليوم في كل جامعات العالم.

ايها الحضور الكريم كان التعليم في العصور الوسطى رسالة اجمالا، فهل ما يزال كذلك في ايامنا؟ وربما يشكل هذا السؤال عنوانا لمؤتمر جديد.    

العلاقات المسيحية الاسلامية فيى نيابة دمشق المملوكية بين سلطة متعسفة ورجال دين متشددين.

مقدمة:احتل التاريخ العسكري والسياسي وما يزال، مركز الصدارة في التأريخ لمختلف عصور وحقبات الذاكرة العربية. ولم يُعن كفاية بالتاريخ الاجتماعي، الذي ظل يُدْرس بمقدار ما يتيح له المؤرخ السياسي والعسكري من مساحات ضيقة. كما صُوّر انه دراسة المباني على تنوعها، ووصف بعض المظاهر الاجتماعية كالحفلات والاعياد وما شابه، من دون التطرق الى صلبه كدراسة الفئات المكونة للمجتمع، من حيث علاقة كل جماعة في ما بينها من جهة، وعلاقة كل الفئات في ما بينها من ناحية ثانية. فانه يصعب عليه توضيحها بمعزل عن قراءة متأنية للعوامل الاقتصادية والاجتماعية، التي قد تكون احيانا في اصل تلك التحولات، وفي توجيه التاريخ السياسي والعسكري، فتصبح الاستعانة بالتاريخ الاجتماعي من مهامه الاساسية. وبالتالي يعطي، اليوم، معظم المؤرخين اهمية قصوة للدراسات الاجتماعية، لاعادة تركيب الماضي بكل ابعاده، بما في ذلك التداخل بين السياسة والاجتماع والاقتصاد.”لأن الزمان يكتسب فعاليته ويمر بتحولات طويلة او متقطعة، او يستمر تراتبيا، من خلال الفعاليات البشرية، ومما يعانيه الانسان في مجتمعه وبيئته”.[1]  

تتبدى صعوبة دراسة التاريخ الاجتماعي، في العصور الوسطى، لأفتقارنا الى عناصر البنية الاجتماعية، المكوَّنة من مجموعة عضوية من التقارير الشديدة التماسك، اجتماعيا واقتصاديا ونفسيا،التي تحتزنها الاصول والمصادر. واقل ما يقال في البنية: انها تتكامل في تقليد، وفي نظام خلقي، وتحدث اعادات ولا تتجدد، لان الحدث التاريخي هو الذي يحدث التجديد والابداع، ويحوّل بعض البنى ولا يقضي كليا على تماسكها الداخلي.[2] فمن واجب التأريخ الاجتماعي اذا تحديد الظواهر، التي تخضع لها المكونات الاجتماعية، ودراسة تطورها البطيء والسريع، بهدف تحديد مستوى التطور ايجابا اوسلبا. كما دراسة بنية العلاقة بين الحكام وفئات الشعب، لأهميتها في فهم الدينامية الاجتماعية.

في الربع الاخير من القرن العشرين حظي هذا النمط من التأريخ، في المشرق العربي، بعدد ضئيل من الابحاث، لأن العلائق بين المكونات الاجتماعية، في العصور الوسطى، كانت شديدة التشابك وئاما واختلافا، ومنها المسيحية الاسلامية، التي قلما بحثها المؤرخون بجدية، لأن السواد الاعظم من شعوب المشرق العربي مسلمون. وبنشوء الدول الحديثة، التي تساوى فيها المسيحيون والمسلمون امام القانون، تمت دراستها من مناظير مختلفة؛ فكتبها بعضهم بمشاعر ذاتية، املا بشد اللحمة بين الفريقين، واختزلوا الاحداث التاريخية التامة تسويغا لاهدافهم، مفترضين انها كانت سليمة اجمالا، من دون الاستناد الى مسوّغات مصدرية صلبة. وطوّع آخرون الحوادث لتوافق اهوائهم الاحادية للاحداث، فتماهوا بطريقة او باخرى مع المواقف السابقة، بهدف اعلاء شأن الاسلام، من دون ان يميزوا بين احكام الاسلام، وتدابير واجرآت الحكام على اختلاف تسمياتهم، كما بين التدابير، التي اتخذها بعض رجال دين مسلمين متشددين، مدفوعين بحمية تبرر الاساءات الاسلامية للمسيحيين. فهم غير مساوين للمسلمين، ويجب ان يتميزوا عنهم في السلوك، والثياب…ومعظمهم عملاء لأعداء الاسلام، ومشكوك بصحة ولائهم، ومتهمون بانتهاك شروط العهد. من دون ان يحددوا ماهية هذا العهد، وكيف ابرم ومدى توافقه مع مضامين القرآن، لائذين بالشروط “العمرية” التي اكتسبت لقب عهد الذمة، بعد ان باتت جزءاً من السنة، من دون ان يدرسوا مدى قانونيتها، مستندين فقط على ممارسات خلفاء واجتهادات فقهاء.

اولا: السلطات الاسلامية والمجتمع الفاضل:

1-الحكم واحكام الشريعة:

أ- في العهدين الراشدي والاموي:يعتقد معظم المسلمين ان المجتمع الاسلامي افضل المجتمعات، لأن نظمه مستمدة من كلام الله، ويؤدي تطبيقها الى جعله افضل من غيره فحسب، بل ساميا. هذا على المستوى النظري والايماني او العقائدي، انما عمليا عجز العصر الراشدي عن جعله فاضلا ومغايرا لكل نظائره في العالم، بفعل التنازع الخافت والظاهر بين قيادييه على السلطة، والمكاسب المادية على تنوعها. ولم يفلح ابو بكر، ومن بعده عمر بن الخطاب، بالتصدي لها، فاجّلا حلّها لاسباب كثيرة ( ليست موضوع دراستنا)، وفشلا بتحقيق المجتمع الفاضل. ودفع الخليفة عثمان بن عفّان حياته ثمنا لتجاوزه حدود الدور الديني المرسوم له، بابقائه على القرآن المعروف باسمه، واحراق المصاحف الاخرى، ولاسباب رئيسة اخرى[3]. ما يعني ان العصر الراشدي لم يفشل فقط بتحقيق المجتمع الاسلامي الامثل، انما حدث فيه الانشقاق الكبير بين المسلمين(صراع علي ومعاوية)، واصاب منه مقتلا ما يزال فاعلا حتى اليوم. فكيف بالتالي تعتبر تدابير عمر بن الخطاب جزءا من السنة وسبيلا الى المجتمع الفاضل؟! وسقط الاموييون في فخ التحزّب بين المسلمين، فصنّفوهم درجات وفق قرب كل فريق من السلطة، بل كل قبيلة، فاختل توازن الدولة وسقطت.

والجدير بالملاحظة انه كلما ابتعدنا زمنيا عن عهد الرسول، تبتعد الدول الاسلامية عن الهداية الايمانية الحقة، فالمذاهب السنية الاربعة لا تتطابق تفاسيرها لكل الاحاديث النبوية، ومنها ما يتعلق بمعاملة المسيحيين. ومن المفترض ان تكون السنة هداية ونبراسا لكل مسلم، ترشده سوي السبيل، لا عامل اخلال في المجتمع تفقده تلاحمه وتوازنه.

ب- العصور العباسية: افتقد العباسيون الى تطبيق المساواة، ابرز شعائر دعوتهم، بوقوعهم في فخ الصراع مع الشيعة، ومع بعض العرب. ومنذ اواخر العصر العباسي الاول، ضمرت هيبة دولتهم تدريجا في العصور التي تلته:( التركي المعروف بالفوضى العسكرية، والبويهي، ثم السلجوقي، فالايوبي، حتى سقوط الخلافة العباسية في مستهل العهد المملوكي على يد المغول( 656/ 1258). حيث صارت صلاحيات الخلفاء السياسية والدينية باهتة، وبعضهم لم يكن ضليعا في علوم الدين ولا بشؤونه، ما افسح في المجال للقادة العسكريين المتغلبين على الحكم، من امراء، وامراء الامراء، وبعضهم كان رقيقا، ومن ثم الملوك البويهيين، فالسلاطين السلاجقة، ليقتل الخليفة او يعزله او يعذبه حتى الموت[4]. وشكّل المجون وحياة الترف والبذخ، الخارجة على كل النظم الاسلامية، عناوين انماط عيش معظم الخلفاء وسلوك حواشيهم[5]. وبالتالي لم تنجح السلطة في الاسلام حتى ذلك التاريخ 1258/656 بالتحول الى سلطة سياسية دينية، او تتكامل فيها السلطتان الزمنية والدينية، لتحقيق العدالة الاسلامية وفق الشريعة. بل باتت سلطة زمنية بامتياز، ظاهرها ديني وحقيقتها خاوية منه، وبدت شبيهة باية سلطة زمنية اخرى. وسيست الرعية بالتسلط والقهر والعنف حينا، وبجباية الضرائب الفادحة، وزرع الشقاق بين المكونات الاجتماعية حينا آخر. وغدا الفساد عنوان المجتمع الاسلامي، الذي تحوّل مجتمعات متدرجة واضحة المعالم، على رأسه الحاكم من دون ان تلصق به اية صفة دينية، نزولا حتى القاعدة او سواد العامة. ما افرغ المجتمعات الاسلامية من مقوماتها الاساسية الصحيحة.

2-اهل الذمة:

أ- عهد الذمة بين جدلية النص والتطبيق في العهد الراشدي: منذ عهد الرسول وحتى اواخر العصور الوسطى لم يشكل عهد الذمة بين السلطة الاسلامية والمسيحيين علاقة سياسية، لأنه عقد اجتماعي يجيز للمسيحيين العيش في المجتمع الاسلامي بشروط الذمة، التي استحدثها خلفاء وفقهاء، مستعينين بالآية 29 من سورة التوبة :{ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون بدين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}، وبغيرها من الآيات، وبفتاوى واجتهادات، تعارضت بنسبة عالية مع عهد الرسول المبرم مع مسيحيي نجران،[6] المفترض ان تؤسس عليه العلائق المسيحية الاسلامية،[7] ما افرغه من جوهره.

لم يرد ابدا مصطلح أهل الذمة في القرآن، الذي يشير الى المسيحيين واليهود ب”اهل الكتاب”. وتُعرّف المعاجم العربية “الذمة”: بالعهد او الكفالة، والذمي هو رجل عهد، ولهذا اسمي المعاهد “ذميا”لحصوله على امان المسلمين لقاء الجزية، التي تؤخذ منه، والواجبات الاخرى…[8] وتعتبر الجزية احد اهم شروطه، لأنها امّنت للدولة الاسلامية مداخيل رئيسة وشبه ثابتة، وشكلت باستمرار علامة فارقة بين الذمي والمسلم في المواطنة، فكان الاول معفيا منها، في حين كان الثاني ملزما بأدائها، وفي حال تخلّفه عن دفعها يباح دمه. ويجيز معظم الفقهاء، سوى المتشددين منهم، تولي اهل الذمة الوظائف في الدولة الاسلامية، سوى التي لها الصفة او الطابع الديني، كالقضاء، والحسبة، وقيادة الجيوش، ورئاسة ديوان الجند، ووزارة التنفيذ، لأن وزير التنفيذ ينفذ ما يأمر به الخليفة، على عكس وزير التفويض، الذي يقرر الامور بنفسه وينفذها…[9]  على الرغم مما ورد في كتاب نجران، اعتبرت  تدابير عمر بن الخطاب بحق المسيحيين جزءا من السنة، فكرر فرضها خلفاء آخرون، لاسيما حفيده عمر بن عبد العزيز الاموي[10]،  واضاف بعضهم اليها موجبات اخرى، فعرفت كلها ب” الشروط العمرية“. ولعل اهمها: يحظر على المسيحيين بناء كنائس جديدة او ترميم القديمة منها، واظهار صلبانهم في الطرق والاسواق العامة، التي يسلكها المسلمون، وحمل السلاح وركوب الخيل، والزواج من مسلمات.  ويجاز لهم مرة واحدة فقط، الخروج  بزياح خارج المدينة مع حمل الصلبان، شرط الا يمروا بين المسلمين، وإلزامهم ارتداء ملابس مغايرة لثياب المسلمين، واعتبرت شهاداتهم محدودة امام القضاء. فرضت الشروط العمرية على الذميين عموماً ليتميزوا من المسلمين على اكثر من مستوى؛ في اللباس، بارتداء لباس خاص يشير إلى نوعية الذمي (نصراني ، يهودي، صابئة). وفي آداب الحياة اليومية؛ فلا يتناولوا طعاما وشرابا علنا خلال شهر رمضان، ولا يرفعوا الصوت أمام مسلم، والا يقتنوا خدما مسلمين، ولا رقيقا سباه مسلم، ولا يحوّلوا مسلما الى المسيحية، او يدرّسوا اولادهم القرآن. ولا يدخلوا الحمامات مع المسلمين احيانا، وان دخلوها تفرض عليهم علامات فارقة: وضع اجراس، او صلبان ثقيلة في الاعناق[11]، وان يفسحوا الطريق للمسلم. ودفعوا ضرائب تفوق ما كان يدفعه المسلمون على التجارة، وعلى الارض، فدفعوا الخراج عنها بقيمته غير المحددة، في حين كان المسلمون يدفعون عشر المحصول. ويعتبر سورديل ان الخراج والجزية ارسيا ركيزة النظام المالي الاسلامي في كل الدول الاسلامية المتعاقبة.[12]

وعليه، لا بد من عودة سريعة الى عهد الرسالة الاسلامية لتبيان مدى صحة عهد الذمة ( الشروط العمرية) باحكامه. لأن دراسة الحدث معزولا عن ظروفه البعيدة والقريبة، تأتي مبتورة من دون التبحر بالاحداث الكبرى الماضوية ذات الصلة، المؤثرة في صيرورته التاريخية والاجتماعية، لأنها تبلوره، وتظل مشروطة بمقدرة الباحث في تعليل الحوادث وتحليلها واعادة تركيبها.

ينسبها بعض فقهاء وعلماء الدين ومؤرخين مسلمين الى احد الخليفتين عمر بن الخطاب، او حفيده عمر بن عبد العزيز الاموي. وهي موضوع نقاش من حيث شرعيتها، وتطابقها مع الاحكام القرآنية، لاسيما ان الاثنين ما كانا فقيهين او عالمي دين، وجل ما فرضاه لا يعدو تدابير سياسية لأحداث آنية، وغير مستمدة من القرآن. فذمة الله ورسوله محددة بالكتاب، الذي حرره الرسول الى مسيحيي نجران، وبموقفه من عامة المسحيين[13].

تجاوزت، مضمون كتاب نجران، ممارسات واجتهادات فقهية متشددة، اسس لها بعض الخلفاء، وتراكمت عبر الزمن التاريخي لتصبح جزءاً من السنة، على رغم تعارض بعضها مع احكام قرآنية، وتَشدّد بعض الفقهاء واغروا الحكام من اجل تطبيقها. والجدير بالملاحظة، ان الدولة الاسلامية عندما اشتدت قوتها، ألغى الحكام عهود الامان التي ابرمها قادة الفتوح مع المسيحيين، واستعاضوا عنها بما اصطلح على تسميته” الشروط العمرية”. ولكي لا نغرق في التفاصيل، سأشير الى ابرز محطاتها السابقة على العهد المملوكي موضوع البحث. فقد تجاوز الخليفة عمر بن الخطاب مضمون عهد الرسول لمسيحيي نجران: فطردهم من بلادهم الى الشام، [14]زاعما انه: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب[15]، فلماذا اذا كتب الرسول عهده لمسيحيي نجران؟ وامر ايضا :” لا تبنى كنيسة في الاسلام، ولا يبنى ما خرب منها.”[16]واجتهد لتحويل المسيحيين الى الاسلام؛ فكتب الى امراء الاجناد بوجوب ختم رقاب اهل الذمة”.[17] وحذّر مسيحيي بني تغلب “الا ينصّروا وليدا”[18]، ورفض قبول الجزية منهم، زاعما انهم نقضوا عهد الذمة لأنهم يعمدون اطفالهم[19]. وآزره علي بن ابي طالب في موقفه، وبدا اكثر تشددا بقوله:” ان تفرغت لبني تغلب ليكونن لي فيهم رأي:” لأقتلن مقاتلتهم، فقد نقضوا العهد، وبرئت منهم الذمة، حين نصروا اولادهم”.[20] وقلّل عمر من شأنا المسيحيين، مفترضا تواجودهم في الدولة الاسلامية ليس الا لخدمة المسلمين[21]، فمنعهم من حمل السلاح، والتقلد بالسيوف، وركوب الخيل والبغال، وقصر ركوبهم على الحمير فقط وبالاُكُف (البرادع الخشبية) وعرضا[22] اي لجهة واحدة. وقال فيهم ” لا اكرمهم بعد ان اهانهم الله، ولا اعزهم بعد ان اذلهم الله، ولا ادنيهم بعد ىان اقصاهم الله”.[23]واشترط في عهود الامان، مواد صارت ركنا مهما في الشروط العمرية، بل جزءا عضويا منها.[24] وفي السياق عينه عزلهم في مناطق خاصة، فكتب الى عماله في الامصار: على اهل الكتاب “ان يجزوا نواصيهم، وان يربطوا الكستيجات (الزنانير العريضة) في اوساطهم، ليعرف زيهم من زي اهل الاسلام”[25]، واضاف:” ايّما مصر مصرته العرب فليس لاحد من اهل الذمة ان يبنوا فيه بيعة… ولا يضرب فيه ناقوس”[26]، ومنع ايضا اظهار الصلبان بين المسلمين[27]. وتحدث الى جنوده قائلا:” ادبو الخيل، وإياي واخلاق الاعاجم، ومجاورة الخنازبر، وان يرفع الصليب بين اظهركم”[28]. وعندما تم فتح سواد العراق عنوة ، كتب الى امراء الاجناد ان يفرضوا على المسيحيين الجزية، ويختموا رقابهم[29]. فهل من مذلة اعظم من ذلك؟! وكأنهم موبوؤن ويجدر بالمسلمين تجنبهم. وزاد في احتقارهم عندما رفض اقتسامهم اذ اجاب احد القادة الملح على اقتسامهم كغنائم:” أرأيت لو اخذنا اهلها فاقتسمناهم، ما كان يكون لمن يأتي بعدنا من المسلمين، والله ما كانوا يجدون انسانا يكلمونه، ولا ينتفعون بشئ من ذات يده، وان هؤلاء ما يأكلهم المسلمون ما داموا احياء. فاذا هلكنا وهلكوا اكل ابناؤنا ابناءهم ابدا ما بقوا. فهم عبيد لاهل دين الاسلام.”[30] واستمر يذلهم ” ولجعل الكفار يُعرفون بسيماتهم- ان يعتمد كل من اليهود والنصارى ما يصيرون به مستذلين ممتهنين…وليفرّق بين المسلمين وبينهم في الشبه والزي…وليوسموا بالغيار وشد الزنار وازالة ما على المسلمين من تشبههم به من العار.”[31]واجرآته تلك، اسست لما عرف بصراط السلف الصالح، التي توسلها معظم المتشددين في تدابيرهم واجتهاداتهم، بل تذرعوا بها لاضطهاد المسيحيين.

ونسأل: لماذا استبدل عهد الذمة بما اصطلح على تسميته” الشروط العمرية”؟ فعهد الرسول لمسيحيي نجران، ومن خلاله الى كل المسيحيين، واضح ومما جاء فيه” ” …ولا يهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم. ولا يدخل شيئ من مال كنائسهم في بناء مسجد ولا في منازل المسلمين. فمن فعل ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله…ويكفّ عنهم ادب المكروه حيثما كانوا وحيثما حلّوا. وان صارت النصرانية عند المسلمين فعليه – صاحب السلطة في الاسلام- برضاها وتمكينها من الصلوات في بيعها. ولا يحيل بينها وبين هوى دينها…”[32] وقد حصّنهم الرسول، في العهد عينه، مخافة اعتداء المسلمين عليهم اذ ورد فيه ما حرفيته:”ما لأحد نقضه – اي العهد- ولا تبديله، ولا الزيادة فيه، ولا الانتقاص منه، لأن الزيادة فيه تفسد عهدي، والانتقاص منه ينقص ذمتي.”[33] مع ذلك لم يلتزم المسلمون به، واستعاضوا عنه بالشروط العمرية!!! 

اما الشروط العمرية فنوعان: مستحق ومستحب[34]. “يتضمن المستحب ستة شروط:1- عدم ذكر الاسلام بذم له او قدح فيه، 2- عدم ذكر الله بطعن له او تحريف فيه، 3- عدم ذكر الرسول بتكذيب له او ازدراء، 4- الاّ يصيبوا مسلمة بزنى او باسم نكاح، 5- الا يفتنوا مسلما عن دينه، او يتعرضوا لماله، 6- الاّ يعينوا اهل الحرب”

يعتبر ابن الاخوة، وهو احد الفقهاء المتشددين، عدم التقيد بهذه الشروط نقضا لعهد الذمة[35]. وكان المماليك يحيلون من يخالفها، على قضاة من المذهب المالكي المأثور عنهم التشدد في تطبيقها، فلم يكن يقبل من المتهم لا توبة، او اي امر آخر، سوى اعتناق الاسلام، او قطع رأسه.[36]

اما المستحبة فما كانت تنقض العهد، وهي بنيت على ستة احكام او شروط هي: 1″- لبس الغيار، 2- الاّ تعلو ابنيتهم فوق ابنية المسلمين، 3- الاّ تعلو اصوات نواقيسهم وتلاوة كتبهم، 4- الاّيجاهروا بشرب الخمر واظهار صلبانهم، 5- ان يخفوا دفن موتاهم، ولا يجاهروا بندب عليهم ولا نياحة، 6- ان يمنعوا من ركوب الخيل ولا يمنعوا من ركوب الحمير”.[37] 

طبقت هذه الشروط في معظم عهود الخلفاء والدول، وقلما خلا عهد طويل نسبيا، من اعادة العمل بها جزئيا او كليا، وااحيانا صار يتم التهاون في تطبيقها في العهد نفسه، وقد يتم فيه التأكيد على مضمونها بكتاب جديد، تبعا لرغبة الخلفاء، ودور المتشددين. ولعل ابرز محطاتها عهود عمر بن عبد العزيز، والمنصور، والرشيد، والمتوكل، والحاكم بامر الله الفاطمي…

ب- الشروط العمرية من نهاية الراشدي وحتى المملوكي: في العهد الاموي، اسس لها الخليفة عمر بن عبد العزيز، الذي اثر عنه التقوى، ومحاولة اصلاح الدولة. ولكن موقفه من المسيحيين يتناقض تماما مع رؤيته الاصلاحية، فهو صاحب نظرية هدم الكنائس، وغيرها من التدابير التي صارت سوابق، وطبّقت طيلة العهود الاسلامية، فكتب الى عماله:” ان تهدم الكنائس، التي في امصار المسلمين، ويمنع النصارى بالشام ان يضربوا ناقوسا، ويجزوا نواصيهم، ويشدوا مناطقهم، ولا يركبوا على سرج، ولا يلبسوا عصبا ولا خزا، ولا يرفعوا صليبهم فوق كنائسهم…وان تمنع نساؤهم ان يركبن الرحائل”.[38]واعتبرهم كفرة مشركين لأن الله جعلهم[حزب الشيطان][39]. وكتب الى عماله ايضا:” فلا اعلمن ان احدا من العمال ابقى في عمله رجلا متصرفا على غير دين الاسلام الا ونكلت به، فان محو اعمالهم كمحو دينهم، وانزلوهم المنزلة التي خصّهم الله بها من الذل والصغار.”[40]

اما الخلافة العباسية فقد قامت على انها دولة اممية، يتساوى فيها الجميع من دون التمييز بين المسلمين من حيث الاعراق او الاثنيات، ويبدو ان المسسيحيين ما كانوا من ضمن المجتمع العباسي، ووجب عليهم العيش على هامشه، تبعا ليعض الخلفاء. فقد استهل الخليفة المنصور عهده بتدابير لا تتوافق مع الرؤية الاممية العباسية، فحظّر في عام 139/757 بناء كنائس جديدة، وانشاد ترانيم دينية خارج جدران الكنائس، ومناقشة المسلمين في الدين، ثم اخضع الرهبان للجزية[41]. وفي سنة 142/ 759-760 طرد المسيحيين من الوظائف الديوانية[42]. وازداد تشدده عام 149/766 حين منعهم من ممارسة شعائرهم الدينية الا ليلا، وألزمهم ازالة الصلبان من على قبب الكنائس، وحظر على المسلمين تعلم الآداب المسيحية.[43] وفي سنة 153/770 فرض عليهم حلق لحاهم، واعتمار قلانس طول الواحدة ذراع ونصف الذراع. وبلغ تشدده مبلغا مخيفا، حين امر بوسمهم بالحديد الحامي في رقابهم، على طريقة دمغ الحيونات اليوم[44]. وباتت اجرآته هذه، وتدابير العمرين، نهجا لمن يرتئيها من بعدهم، وادت الى فرار عدد كبير من المسيحيين الى الدولة البيزنطية، والى تحوّل بعضهم الى الاسلام قسرا.

 لم يكن الرشيد بارحم من المنصور، فبناء على رغبة القاضي “ابو يوسف”، منع ظهور الصلبان في كل الاقطار الاسلامية، والمسيحيات من ركوب الرحائل، وخرّب الكناس[45]. ومنع المأمون الاحتفالات الدينية في الكنائس، كالزياحات وما شابهها، وطرد الموظفين المسيحيين من الدواوين، وامر بسجن 2800 منهم[46]. وتربع المتوكل على قمة الاضطهاد العباسي، فاستحدث عام 235/ 850 استيفاء العشور على منازل المسيحيين، وصادر دورهم الواسعة والكبيرة، وحوّل بعضها، او ما يصلح منها، الى جوامع، وهدم البقية هدما تاما. وحظر استخدام المسيحيين في الدواوين، واضاءة الشموع في الاحتفالات خارج الكنائس، وزياحات الشعانين في الطرقات، لكي لا يظهر صليب امام الملأ. وجعل قبورهم بمستوى الارض، لكي لا تشابه قبور المسلمين. وهدم بيعهم المستجدة، ولم يفسح لهم في الدخول الى حمامات المسلمين. وبلغ اضطهاده مستوى مخيفا من الكراهية، عندما امر برسم صور الشياطين على ابواب منازلهم، تمييزا لها عن مثيلاتها الاسلامية. ومنع اولادهم من الدراسة في الكتب الاسلامية،[47]. وصرف المقتدر الكتاب المسيحيين من الدواوين وسمح استخدامهم في الطب فقط،[48]لأن فيه مصلحة اسلامية. واستدعى الخليفة القائم بطريرك المسيحيين وألزمه التعهد بتنفيذ كتابه الهادف، الى جعل المسيحيين يرتدون ثيابا تغاير ما يلبسه المسلمون[49].وتكررت اعادة العمل بالشروط العمرية جزئيا او كليا في معظم العهود العباسية كالراضي والآمر…[50]حتى باتت اجراءً اداريا، لا سيما عندما كان يتدخل رجال دين متشددون.

 لن اتوسع في ذكر كل التدابير، التي مارسها الحكام المسلمون بحق المسيحيين في العهود السابقة على عصر المماليك[51]، انما عهد الحاكم بامر الله الفاطمي، يشكل علامة فارقة وشديدة الوطأة بممارساته؛ فألزم المسيحيين ارتداء الغيار، ومنعهم من دخول حمامات المسلمين، وحدد لهم حمامات خاصة وضعت على ابوابها صلبانا خشبية، واوجب على من يدخلون الى الحمام تعليق صلبان خشبية ثقيلة في اعناقهم. وحظر عليهم دق اجراس الكنائس، والمواكب المسيحية العامة، وظهور اي صليب في كامل رقعة الخلافة الفاطمية، وقلع الصلبان من الكنائس والبيع، وهدم الكنائس، بما فيها كنيسة القيامة، وصادر محتوياتها.[52]  

ثانيا:السلطة والدين في العهد المملوكي:

1-المماليك ونظرية حماية الاسلام: اجتهد عدد كبير من المؤرخين المسلمين، ولا سيما المصريون منهم، لاظهار المماليك حماة الاسلام منذ معركة عين جالوت، التي كانت مصيرية للمماليك والايوبيين. وهذا رأي دونه نقاش، فمثلا لو هزموا فيها لكانت ستصتأصل شأفتهم، وبالتالي كانوا يدافعون عن مصيرهم قبل اي اعبار آخر. وعلى الرغم من هذا الخطر المصيري، لم يتّحد المسلمون في ما بينهم، بمن فيم المماليك؛ فبعضهم تخاذل وطلب الصلح من المغول وخضع لهم، والبعض الاخر حارب الى جانبهم، وفريق ثالث آثر الحياد[53].

لم يؤد انتصارهم في عين جالوت الى تغيير في ذهنيتهم المتجزرة بالحسد، والغيرة، والتنازع المستمر على السلطة؛ فعلى الرغم من وطأة الخطرين المغولي الرابض في العراق، وعلى الحدود الشمالية لبلاد الشام، والصليبي المتمركز في بلاد الشام، اغتال الاميرُ بيبرس البندقداري السلطانَ قطز، غير آبه بالصراعات المملوكية الداخلية، معرّضا مصير المسلمين في المشرق العربي الى خطر حقيقي،[54]ما ينفي نظرية حماية المسلمين. ولكي يضفي على حكمه، وعلى العهد المملوكي عامة، شرعية اسلامية، احي الخلافة العباسية في القاهرة شكليا، وجرّد الخليفة من صلاحياته الاساسية، وحصرها بشخص السلطان[55].

ان السلطة المتعسفة هي التي تمارس حكما استبداديا، على كل الناس. وقد تجور على فريق أكثر من غيره، من دون مراعاة النظم والقوانين، وتستبيح المحاذير تأمينا لمصالحها. ومارس المماليك هذا النوع من الحكم، فلم يراعوا النظم الاسلامية الا من حيث الشكل، لأن كل انجازاتهم وتدابيرهم الادارية، وبنية نظاميهما العسكري والاقطاعي، تشي بذلك. لقد احتكروا الجندية وحدهم، وسمحوا لبعض القبائل العربية الانخراط ضمن اجناد الحلقة لقاء خدمات يقدمهمونها. واقتسموا الاراضي الزراعية كلها وفق نظام استحدثوه، ارتبط عضويا بنظامهم العسكري، وتفننوا بالتسلط على كل الناس مسلمين وغيرهم، حتى صار من يعملون بالارض اشباه اقنان[56]. واستولى امراء المماليك على المرافئ، والمراكز الجمركية، والمعاصر المتنوعة، ان طريق الاقطاع. ومارس معظم السلاطين الاحتكارات، واستحدثوا ضرائب جديدة: كالمشاهرة، والمجامعة(الضرائب الاسبوعية)، والطرح، والتحكير، والرمي،[57] حتى قال المقريزي :” لم يسلم من الضرائب الا الهواء”.[58]

2-مميزات الجهاز الحاكم: شكل السلطان وامراؤه واجناده طبقة عسكرية حاكمة مغلقة عن الشعب، وحدد الانتماء اليها بشروط لم تتوفر بالسكان الاصليين: كالعرق[59]، والرق[60]، واجادة اللغة التركية [61]، والتربية في الطباق ( الثكنة العسكرية )، والعتق، والتدرج بالامرة[62]. وانحصر تزاوج امراء المماليك، اما من نساء تركيات جيء بهن خصيصا لهذه الغاية، او من بنات امراء المماليك، وقليلون منهم من تزوجوا من بنات مياسير التجار، او بنات المتعممين[63]. وكانت جميع اسماء الامراء تركية، ولم يجرؤ احد الخروج على هذه القاعدة مخافة القتل او العزل[64]. وانفردوا بارتداء ثياب مميزة [65]، واقتناء الرقيق، وركوب الخيل، الذي لم يجز لغيرهم ركوبها[66]. وعلى رغم اسلامهم، لم يحتكم الامراء في ما بينهم الى الشرع الاسلامي، انما تقاضوا ب “الياسة او اليسق” وهي مجموعة القوانين المغولية، التي اصدرها جانكيز خان ( 1206 – 1227م.)[67]. وتمتع السلاطين والامراء المماليك الكبار بثراء فاحش[68]، لنهمهم غير المرتوي للمال، مسببين حروبا وفتنا شبه متتالية، طبعت عهدهم باكمله. ما كان يضطرهم التجاوب احيانا مع ضغوط رجال الدين، لا سيما المتشددين منهم، تخفيفا للنقمة الشعبية المتصاعدة ضدهم.

3دور رجال الدين المسلمين: من المفترض ان يشكل رجال الدين صمام امان في المجتمع الاسلامي، لانهم احتلوا منزلة رفعيعة فيه، وكان الناس ينظرون اليهم باكبار، لممارستهم شؤونا مدنية اجتماعية، مثلت، في المبدأ دور الرقابة على ممارسة الجهاز العسكري الحاكم. ولكن الفساد تسرب الى بعضهم، ممن آثروا مصالحهم الذاتية، ونفذوا رغبات الطبقة العسكرية، غير آبهين بمصير الشعب، فتندر بهم الناس. ومع ذلك ظلوا يحتلون منزلة مهمة، ليس على المستوى الشخصي، انما تقديرا للوظيفة الجليلة التي يشغلونها.

احتل قضاة القضاة المنزلة الدينية الارفع بعد الخليفة، وتوجب على قاضي قضاة دمشق افهام نائبها، الذي كان واليا للمظالم ايضا، الصحة بالاحكام واصول الشريعة،[69] لأنه كان يجهل القواعد الشرعية واحكامها، واحيانا كثيرة اصول اللغة العربية. ومع انحطاط الدولة، ونهم السلاطين للمال، صارت المناصب القضائية تشرى بالرشوة، وفسد معها معظم النظام القضائي، وغدت بعض الاحكام تصدر بالرشوة[70]. وتمكن بعض القضاة من جمع اموال طائلة بطرق مشبوهة، من دون ان يخجلوا، وراح بعضهم يتباهى بسطوته ونفوذه، غير آبه بتهكم الناس، او مكترث بأحكام الشريعة، فاحتقره زملاؤه والناس على حد سواء.[71] لا سيما من كان جاهلا باصول القضا،ء واحكام الشريعة ،والعلوم الدينية الاخرى، التي هي في اساس التربية الاسلامية، ومنارة السلوك الاجتماعي.[72]ومارس قضاة القضاة، كما القضاة، ضغوطا على نائب دمشق وجهازه الاداري، لاطلاق من اعتقل ظلما وعدوانا، او للشفاعة بمن اعتقل اثناء الصراع بين الاجناد المماليك والسكان، وما شابه تلك الحالات.[73]

شكل رجال الدين قوة فاعلة في الادارة، فشغلوا المناصب الدينية كلها، ومعظم المالية[74]، وقاموا بدور مهم في الحياة اليومية والدينية. وصار لبعضهم انصار يسلكون توجههم الديني، كالصوفية، وينصاعون لتدابيرهم، وكان عددهم يزداد تدريجا، ما مكنهم من ممارسة ضغوطا شديدة الوطأة على اركان السلطة، وازعاجا حقيقيا لاحقاق حق تنافى احيانا مع مصالحها[75]. وادّى تعسف السلطة الى نقمة دمشقية على المماليك عموما، لاسيما على نواب دمشق. فلم يتقبلوا الواقع المرير بسهولة، وادركوا انهم مغلوبون على امرهم، واصلاح الحكام اصلاحا جذريا غير ممكن، فلجاءوا الى رجال الدين، الذين حظي بعضهم بتقدير اركان السلطة لورعهم وصلابتهم، وخشية منهم في آن معا، ولنجاحهم احيانا في رفع الحيف عن المظلومين.[76] واذا فشلت الوساطة احتج العامة سلميا بالتكبير- النزول الى الاسواق هاتفين في الشوارع الله اكبر- ويعترضون مواكب النائب او احد مساعديه، يتقدمهم القضاة والعلماء، واذا لم يمر احد، كبروا في الجوامع، تأكيدا على استرجاع حق سليب، ولاضفاء الصفة الشرعية على التظاهرة، آملين ان يرعوي الحكام. كانت تلك التظاهرات تخيف المماليك ،بوجه عام، بما تخلق من حالات عدم الاستقرار، التي ينفذ من خلالها المصطادون بالماء العكر للاخلال بالامن، او للتعدي على من يجدون من المماليك منفردين[77].

  وكان لفشل تلك المساعي آثار سيئة على الوضع العام في دمشق، واصاب العديد من متوسطي الحال باليأس، وحولتهم التعديات المتكررة الى شبه معوزين، وفقراء، وسلكوا دروب الجريمة المتنوعة، فازدهرت اعمال اللصوصية والحرامية، وكثرت الجرائم، ومناسر الليل، واعمال النهب. وانخرط بعضهم في منظمات الزعر، ما زاد في الطين بلة، وساءت، بوجه عام، احوال الدمشقيين. فازدهرت في مجتمعهم انواع المفاسد الاخلاقية، كالدعارة، والتحشيش… نتيجة ممارسات الحكام الجائرة[78].

4-مواقف المتشددين: من الواضح ان بعض رجال الدين ما كانوا مقتنعين بقدرة المجتمع الاسلامي على استيعاب غير مسلمين. ومنهم من كان ينظر بغيرة، وحسد، وحقد، الى من يتولى من المسيحيين وظائف ديوانية رسمية، اوعند الامراء الكبار، اجازت لهم ركوب الخيل، والحصول على مداخيل عالية، امنت لهم حياة رغيدة. فبنى بعضهم دورا توازي مثيلاتها عند المسلمين مساحة وارتفاعا، وربما افضل منها احيانا.[79]ولم يغضبوا على الموظفين وحدهم، بل على جميع المسيحيين، وكان اي خطأ يرتكبه احدهم ينال عقوبة قاسية، واحيانا تطال معظم المسيحيين، ان لم يكن كلهم. ولعل مرد ذلك، الى رغبة بطرد المسيحيين من الدول الاسلامية، لا سيما من ديار المماليك، او بتحويلهم الى الاسلام قسرا. وكان تأثيرهم عظيما، على طلابهم ومريديهم، ما كان يجعل افكارهم تطرد عبر كل العصور، وما زلنا نعاني منها في هذا القرن الواحد والعشرين، للضرر المخيف، الذي يسببونه في كل المجتمعات والدول. وفي العهد المملوكي أثروا بفعالية على العامة، والمعدمين، الذين املوا، عن خطأ، ولشدة ظلم السلطة وسوء تدابيرها، في ان يخلصوهم من بؤسهم. وسنكتفي بالحديث عن بعض مواقف اربعة منهم.

 أ – ابن تيمية(661- 716/ 1263-1329) : تبنى المتشددون تراكم السلف الصالح، والفتاوى والاجتهادات التي تلته، فاعلنوا ما يشبه الجهاد ضد المسيحيين، ولا سيما في ممارسة طقوسهم الدينية، فاتهموهم بكل سوء، ووسموهم بالضلال، ولم يعتبروا ديانتهم سماوية، وحرّضوا السلاطين ليعيدوا العمل بالشروط العمرية مرارا وتكرارا. وسببوا لهم مآسي كثيرة، سنوردها في الكلام على وضعهم.

لكثرة تشدده حض ابن تيمية السلاطين ونواب دمشق على اضطهاد المسيحيين، واعادة العمل بالشروط العمرية. وتأثر به طلابه ومريدوه، ومسلمون كثر. وساهمت بيئة عصره المشبعة بالصراع بين الفرنجة والمسلمين؛ من ايوبيين ومماليك، “بين المسيحية والاسلام”، اضافة الى نهله، منذ نعومة اظافره، من المذهب الحنبلي على ابيه، في تكوينه الفكري وثقافته العامة. فدافع عن الاسلام والمسلمين باستماتة؛ ووقف الى جانب الايوبيين، فالمماليك في صراعهم ضد الفرنجة (الصليبيين). واجتهد ليبسط الاسلام سيطرته على الديانات الاخرى، والمذاهب السنية على ما عداها. فحرّض المماليك السنة، على اعادة توحيد المسلمين على مذاهب اهل السنة، لأعتقاده الراسخ، ان انحطاط العالم الاسلامي، نابع من تشرذمه الى مذاهب وفرق، وصراعها في ما بينها. وحثهم على طرد الفرنجة والمغول من البلاد الاسلامية، وضرْب كل من ساندهم من ابناء المشرق العربي [80].

جسّد الفكر المتشدد بحق الذميين عامة، متخذا مواقف قاسية بحق المسيحيين، من دون اي مبرر سوى رغبته بتحويلهم الى الاسلام. فتمسّك بالشروط العمرية، وشجع على احيائها، واضاف اليها مواقف متصلبة، استمد بعضها من آيات قرآنية، واحاديث نبوية، واجتهادات فقهية. وبذل جهدا لدى السلاطين لفرضها والاستمرار بتطبيقها، لأن المسيحيين كفار ومشركون، ” ليس شيئ من امور الكفار في دينهم ودنياهم، الا وهو:اما ناقص في عاقبته…”[81] وهم ناقصون في دينهم وعقولهم ومضللون “يجتهدون في اصناف العبادات بلا شريعة من الله[82]. و” يشكلون خطرا حقيقيا على الاسلام، كونهم حلفاء طبيعيين لاعدائه…!!؟”[83] “وحرص، من موقعه كعالم وفقيه، على تحديد طريقة تواجدهم في الدولة الاسلامية، وعلاقتهم بالمسلمين. وحصر التعامل معهم باملاءات وقيود، استوحى معظمها من الشروط العمرية.

رفض ظهورهم بمظاهر تشابه المسلمين في لباسهم، وشعورهم(جمع شعر)، وركوبهم، مستندا الى ادلة استمدها من القرآن والسنة[84]. فالتميز في هذه الحالات ضروري جدا، على حد تعبيره، لأن عدمه يعني مشاركة الكفار في الظاهر، وبالتالي مشابهتهم في الاخلاق والافعال المذمومة ، و”تورث هذه المشاركة محبة وموالاة في الباطن …يجب الا يتشبه اهل الكتاب بالمسلمين في الثياب والركوب،[85] “وهو امر منهى عنه في عامة امورهم الدينية والدنيوية[86]… اذا كانت المشابهة في الامور الدنيوية، تورث المحبة والموالاة، فكيف المشابهة بالامور الدينية؟ فان افضاءها الى نوع من الموالاة أكثر واشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الايمان”. ويضيف ” ليس شيئ من امور الكفار في دينهم ودنياهم، الا وهو:اما ناقص في عاقبته، حتى ما هم عليه من اتقان امور دنياهم، قد يكون اتباعنا لهم فيه مضرا:اما بدنيانا وآخرتنا. “[87] ومخالفة النصارى ضرورية[88] ” اذا المخالفة في المظهر واجبة لأن  الكفار – المسيحيين – : لا يتصوّر شيء من امورهم كاملا قط.”[89]

اصر دائما على تقزيمهم لأنهم “كفرة”، وعلى وجوب تمييزهم من المسلمين بالذل والتحقير. رافضا رفضا قاطعا اظهار الشعائر الدينية المسيحية في الشوارع العامة، وفي اماكن تواجد المسلمين، وعلى مرأى منهم، ولو كانت المناسبة عيدا مهما، ” لعدم جواز اجتماع شعائر الكفر مع شعائر الاسلام”، ولعدم جواز ايضا مشاركة المسلمين اعياد المسيحيين لأن :” الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر…”[90] ” انما منعناهم من اظهارها لما فيها من الفساد”[91]. وما يفعلونه في عيد دينهم الملعون من الاعمال المنكرة …مثل القرابين والذبائح وغير ذلك من المنكرات[92]“. “ان مشاركتهم في العيد اقبح من مشاركتهم في لبس الزنار ونحوه من علاماتهم، لأن تلك علامة وضيعة ليست من الدين، وانما الغرض منها التمييز بين المسلم والكافر”[93]

وتكرّم عليهم برفع صلبانهم وكتبهم المقدسة داخل كنائسهم، واديرتهم، وصوامعهم فقط، ودق اجراس الكنائس والاديار، على الا تسمع اصواتها خارج الاماكن المذكورة،كي لا تزعج المسلمين. وبالمقابل منعهم من بناء كنائس او بيع جديدة، او ترميم المهدم منها. واذا اخلوا بالعهد (الشروط التي فرضها هو) تنتزع الكنائس واماكن العبادة الاخرى منهم.[94]

رفض بشكل قاطع اسناد وظائف ادارية للمسيحيون لأنها تجعلهم ارفع من المسلمين وتسلطهم عليهم، واضاف اليها اسبابا اخرى اولها التخوين؛ فالرفيعة منها تتيح لهم الاطلاع على اسرار الدولة ونقاط ضعفها، وبما انهم اعداء طبيعيون للمسلمين، على حد اعتقاده، فسيزودون اعداء المسلمين تلك الاسرار للنيل منهم!!!. والثاني فئوي بامتياز، لأنها تمكنهم من مساعدة ابناء ملتهم في شتى المجالات، ومنها ترميم اماكن العبادة. والثالث تعصب اعمى، باصراره على استخدام المسلمين في الوظائف عينها، حتى لو كانوا اقل كفاءة من المسيحيين، فهذا ” انفع للمسلمين في دينهم ودنياهم”. ومنع المسيحيين دخول المساجد، الا اذا رغبوا بالتحول الى الاسلام، في حين اشترط ان تظل ابواب الكنائس والبيع والاديار مشرّعة باستمرار لاستقبال المسلمين، وايوائهم فيها ثلاثة ايام على نفقة القيمين عليها[95]. وفي هذه الحال، يتوجب على المسيحيين خفض اصواتهم في تلاوة صلواتهم، لكي لا تزعج المسلمين المأويين. وتعرّض الى جوهر الديانة المسيحية ناكرا صحة الاقانيم الثلاثة، ومفسرها على هواه[96].

 وعليه كان يهدف الى تحويل المسيحيين الى الاسلام، ليصبح المجتمع الاسلامي متجانسا، لأن غير المسلمين مختلفين عن المسلمين فكرا عقيدة، غير آبه باهمية التنوع الثقافي والمعرفي في تطوير الفكر الانساني، زاعما ان الفكر الاسلامي وحده يجمع كل ذلك. انها سياسة القوي ضد الضعيف، من دون ان يسيئ الاخير الى الاول. وهي تمييز عنصري بامتياز بمقياس الاجتماع الانساني اليوم. ونسي ابن تيمية، او تناسى ان الاسلام نادى بالمساواة، وتوجهت تعاليمه الى كل الناس: “يا ايها الناس”. فكيف يجوز له ولغيره من المتشددين حجب القرآن عن المسيحيين. وهل يجدر التحول الى الاسلام من دون الاطلاع ودراسة مضامين القرآن والعلوم الدينية الاخرىن بتلاوة الشهادتين؟ ام بالقهر، والاذلال فقط؟!! وما قيمة هذا التحول؟!!! 

 ب – تقي الدين السبكي م. 756/ 1355: كان صنوا لابن تيمية؛ عالما وفقيها، شغل مناصب دينية رفيعة، من ابرزها قاضي قضاة المسلمين في بلاد الشام. تفاعل مع بيئته الثقافية والسياسية، وأثرت آراؤه ومواقفه سلبا على اوضاع المسيحيين عموما، لتأثيره البالغ على الحكام. فقد استغل حادثة حصول مسيحيي الشام على امان من هولاكو، ابان هجومه على بلاد الشام، وثورة بعضهم في دمشق، وممارستهم امورا غير مألوفة، وغير مسؤولة ضد المسلمين: دق اجراس الكنائس، ورفع الصلبان في الشوارع، وافراط فريق منهم باحتقار المسلمين، والتعدي على بعض مقدساتهم. فاستاء المسلمون من كل ذلك، وعبروا عن غضبهم بعد انتصار المماليك في عين جالوت، بقتل عدد وافر من المسيحيين، والاعتداء على الكنائس وتخريبها[97]. ولكثرة الكنائس التي هدمت جزئيا او كليا، اختلف الفقهاء حول الاجازة باعادة بنائها وترميمها. فقاضي قضاة المسلمين تقي الدين السبكي جرّم  المسيحيين جميعهم، واعتبرهم فاقدي حقهم بكنائسهم وجعل رقبتها للمسلمين:”اني اقول ههنا على الكنائس، لا أسلم انها للنصارى بل للمسلمين…”[98] وبالجملة المشهور من مذهبنا التمكين من الترميم، والحق عندي خلافه…”[99] معتبرا المسيحيين نقضوا عهد الذمة، وفي هذه الحال، يخيّر الذمي، بل يختار له فقهاء المسلمين، وفق المصلحة الاسلامية، واحداً من اربعة امور: القتل، او المن، والاسترقاق، والفداء. فاختار السلطان بيبيرس القتل، فقتل عددا من المسيحيين[100]، ما اثلج قلب السبكي، الذي لم يكتف بهذا العقاب، بل صب جام غضبه على بعض المفتين، ممن اجازوا سنة 755/ 1355 اعادة بناء الكنائس المهدمة، ومنعهم من الافتاء، وصنّف كتابا في هذا الموضوع اسماه ” الدسائس في الكنائس.”[101] واصرّ على فقدان المسيحيين الحق بكنائسهم، وحوّل رقبتها وفق فتواه ملكا للمسلمين.

عجز السبكي عن التمييز بين ما فعله فريق من مسيحيي الشام، والمسيحيين عامة، فساوى الجميع بالخطيئة. واعمى الغضب بصيرته، واذكى عواطفه، فجانب المنطق. وكان لفتواه على هذا النحو، آثار سيئة على سلوك العامة، لأنها وجدت بفتاويه ما يبرر تصرفاتها الشائنة. وكأن التاريخ لا يعظ، او هناك من لا يريد الاتعاظ منه؛ ألم يقرأ السبكي تقريظ الامام الاوزاعي للخليفة العباسي ابي جعفر المنصور، بسبب تصرفاته المتشددة تجاه عامة مسيحيي المنيطرة، بعد فشل ثورة المنيطرة، وخاطبه واعظا:” فكيف تؤخذ عامة بعمل خاصة؟ …وقد بلغنا ان من حكم الله عز وجل، لا يؤخذ العامة بعمل الخاصة، ولكن يأخذ الخاصة بعمل العامة”.[102] ويبقى السؤال:هل فعلا اغتاظ السبكي مما حصل فقط، ام كان يبيّت امرا آخرا للمسيحيين منتظرا الظرف المناسب؟!! وهل اعتقد ان هذه هي الطريقة الفضلى لتحويلهم الى الاسلام؟!!

3-ابن الاخوة: فقيه تتلمذ على ابن تيمية، واكتسب التشدد منه، ولا سيما تجاه المسيحيين. خصص كتابه” معالم القربى في احكام الحسبة” للكلام على دور المحتسب والحسبة عموما “مراقبة الاسواق والاسعار وسلوك الناس…” وابدى نقمة على المسيحيين في سياقه. فاستعاد الشروط العمرية، التي شرطها عمر بن الخطاب على المسيحيين في عهود امانهم.[103]ولا ادري ان كانت نسبتها صحيحة، لأنه اوردها شبه شاملة لكل ما نعرفه عن الشروط العمرية، معتزا به، ومرتاحا لتشدده بتطبيقها. وقد اغاظه في عصره، دور الكتاب المسيحيين، لاسيما اصحاب النفوذ منهم، غير آبه بكفاآتهم. فهم باعتقاده مهما بلغ شأوى ثقافاتهم، يظلون ابدا اقل شأنا من المسلمين ممن هم اقل معرفة منهم، ويجب الا يتقلدوا اي منصب، يجعل المسلم، مهما كانت منزلته الاجتماعية والثقافية متواضعة، يعود اليهم في بعض مسائله، لأنه يصبح في وضع حرج، عندما يسأل خدمة ممن هو دونه منزلة على المقياس الديني. ويعتريه حزن شديد من وضع الموظفين المسيحيين الاجتماعي الرفيع، لا سيما ذوي مناصب عالية، بالحياة المرفهة التي يعيشونها. ويترحم على عمر بن الخطاب، متنميا لو يبعث حيا ليقتص منهم:”لو شاهد عمر…اليهود والنصارى في زمننا هذا، وادُرُهم تعلو على يُثيْع المسلمين، ومساجدهم، وهم يُدعون بالنعوت التي كانت للخلفاء، ويكنّوْن بكناهم فمن نعوتهم الرشيد، …وبابي الحسن وهو علي بن ابي طالب…وبابي الفضل، وهو العباس عم الرسول…وقد جازوا حدّ اقدارهم، وتظاهروا باقوالهم وافعالهم، واظهرت منهم الايام طبائع شيطانية مكنتها، وعضدتها يد سلطانية فركبوا مركوب المسلمين، ولبسوا احسن لباسهم، واستخدموهم، فرأيت…النصراني راكبا يسوق بمركبه، والمسلم يجري في ركابه، وربما تضرعوا وتذللوا له؛ ليرفع عنهم ما احدثه عليهم.

واما نساؤهم اذا خرجن من دورهن، ومشين في الطرقات فلا يكدن يُعرفن، وكذلك في الحمامات، وربما جلست النصرانية في اعلى مكان من الحمام، والمسلمات يجلسن دونها، ويخرجن الى الاسواق، ويجلسن عند التجار فيكرموهن بما يشاهدون من حسن زيهن، فلا يدرون انهن اهل ذمة، فيجب على المحتسب الاهتمام بهذا الامر…ويمنعون من احداث بيع وكنائس في دار الاسلام…”[104]

يرتاح ابن الاخوة الى طريقة دفع المسيحي الجزية، لما فيها من احتقار وذل لانسانية الانسان، لأن المسيحي فاقد للكرامة بمقياسه الديني الاجتماعي:” اذا جاء عمال الجزية اقام المسيحي بين يديه، ثم يلطمه على صفحة عنقه، ويقول: ادّ الجزية يا كافر، ويخرج الذمي يده من جيبه…فيعطيها له بذلة، وانكسار…”[105]

وكأن اذلال المسيحيين يريحه، وتحقيرهم يجب ان يطال سلوكهم الاجتماعي والديني، وطرق عباداتهم، وكنائسهم، وشعائرهم الدينية، وازياءهم. ويفترض اقتصار وظائفهم على ما عند المسيحيين وحدهم وفي بيئتهم، لأن خضوع المسلم لهم، ولو عن طريق تلبية حاجاته، هو الكفر بذاته، لأنهم كافرون. انها دعوة صريحة لتحويلهم الى الاسلام، من دون ارشادهم الى افضل السبل. امحصر اهتمامه باعلاء شأن الاسلام والمسلمين، وزوال الكفّار من المجتمع. لأن دعوته هذه تريحه، وتكسبه اجرا عند الله.

ج-ابن قيم الجوزية: فقيه متشدد، لم يرق له ان يعامل المسيحيون بما يستحقون من العلم والمعرفة، وحسن التدبير الاداري في الادارة المملوكية او في غيرها، وعلى قدم المساواة بالمسلمين. فأرّخ في كتابه”احكام اهل الذمة” للتدابير المذلة التي مورست بحقهم، منذ العهد الراشدي وحتى عصره، جاعلا من كتابه مصدرا رئيسا لأفضل السبل في التعاطي مع المسيحيين في الدول الاسلامية، رغبة منه بتعميم الاضطهاد عليهم، ليس في عصره وحده، انما في العصور القادمة، حتى يثوبوا الى رشدهم، ويتحولوا الى الاسلام. واسند تأريخه- ان جاز التعبير-، الى احاديث نبوية، وآيات قرآنية، انتقاها بعناية فائقة، وفسّرها بما يلائم توجهه، ودعّمها بسلوك خلفاء تسلحوا بفتاوى فقهاء متشددين. يحمل كتابه في طياته دعوة الى اعلاء شأن الاسلام، “افضل الاديان”، والى اقتلاع المسيحيين من المجتمع الاسلامي، واذلالهم بالانتقاص من كراماتهم :” لا يستعان بمن خان الله –المسيحيين- خالقه ورازقه، وعَبِد من دونه الاها فكذّب رسله، وعصى امره واتبع غير سبيله، واتخذ الشيطان وليا من دونه…وهم موسومون بغضب الله والشرك به، والجحد لوحدانيته…وامة الضلال هم النصارى المثلثة عبّاد الصلبان…وتبرأ الله من اتخذ الكفار وليا.”[106]ويبدو انه لم يترك آية قرآنية واحدة تدل عل “شرك او كفر” المسيحيين الا واظهرها، وعلّق عليها. واشاد بالخلفاء ممن تشددوا بتطبيق”الشروط العمرية”، وبمن سبقه من الفقهاء، الذين ارشدوا الخلفاء في شأنها.[107] ويستهل معظم فصول الكتاب بمقدمات تصب في اذلال المسيحيين، انظر ما كتبه في مستهله “حكم تولية اهل الذمة”:” …وقد حكم تعالى بان من تولاهم فانه منهم، ولا يتم الايمان الا بالبراءة منهم، والولاية تنافي البراءة، فلا تجتمع الولاية والبراءة ابدا، والولاية اعزاز، فلا تجتمع هي واذلال الكفر ابدا، والولاية صلة، فلا تجامع معاداة الكافر ابدا.”[108] ” وعلى رغم كفر المسيحيين، على حد تعبيره، يظل بقاؤهم المذل في الدولة الاسلامية نافعا ماديا، بالجزية التي يدفعومها، فهم ليسوا مواطنين بل دافعو ضرائب. “ان اقرار النصراني بين اظهر المسلمين على باطل دينه بالجزية والذل والصغار، والتزام احكام الملة، وكف شره عن المسلمين، خير وانفع للمسلمين من ان يخرج بماله الى بلاد الكفار المحاربين، فيكون قوة للكفار، محاربا للاسلام، ممتنعا من اداء الجزية…مع اقامته على الدين الباطل. “[109]

لم ينظر المتشددون الى المسيحي كفرد عامل في المجتمع، وقصروا عمله على خدمة المصلحة الاسلامية، افرادا وجماعات، وسلطة حاكمة، لا سيما في الموضوع المالي. وجعل من المعيار الديني وحده مقياس الانسانية، فالفرد ايا يكن مستواه الثقافي، وسمو سلوكه الاجتماعي، والوظيفي، يسقط في فخ التحزب الديني. فاعتناق الاسلام فقط يجيز للانسان القبول في مجتمع ابن قيم الجوزية، فهو ان لم يكن مسلما شابته عيوب كثيرة لانه مصاب بها اصلا. وانني لأسأل بماذا اضرّ المسيحيون بالمسلمين على كل مستوى، ولماذا هذا الحقد الاعمى، وما هي كوامنه البعيدة والقريبة، لأن احدا من الفقهاء المتشددين او غيرهم من المسلمين لم يحدد عوراتهم، سوى انهم يختلفون عنهم في الدين. ولم يشر احد منهم الى الآيات القرآنية التي تشيد بالمسيحية، وتمنع الاعتداء على من يعتنقها. وكل من ناقشهم في دينهم، وعجز عن مجاراتهم اعتبرهم اغبياء، شأن ابن كثير مع احد البطاركة، من دون ان يشير الى موضوع الغباء، او اين عجز عن مناقشته. فكان سلوكه كمن يهرب الى الامام. وانني لأعجب من بعض الفقهاء، لا سيما انهم ادرى من غيرهم من المسلمين، بمواقف الرسول من المسيحيين، ومما جاء في القرآن في شأنهم.

  ثالثا: المسحيون في العهد المملوكي:

1-المسيحيون في نيابة دمشق: منذ ان نشأت المسيحية انتشرت في بلاد الشام، ولا سيما في دمشق. وادى الخلاف على قضايا لاهوتية، الى انقسام المسيحيين الى مذاهب متعددة. فكان معظم مسيحيي المشرق من الروم الملكيين، واليعاقبة بمن فيهم السريان. ونحن نفتقر الى معلومات دقيقة حول اماكن استقرارهم في نيابة دمشق، سوى معلومات ضحلة امدتنا بها مصادر نادرة. ولا يذكرهم المؤرخون اجمالا الا من خلال التدابير المتخذة بحقهم؛ كتقيدهم بالشروط العمرية، والتعدي على الكنائس، واهراق الخمور واخبار الخمارات، والعقوبات التي نزلت بهم. واحيانا بالاجرآت الضرائبية غير المبررة، التي كانت تفرض عليهم،كالمصادرات، والطرح وما الى ذلك. او من خلال العلائق الخلافية بين مسيحي ومسلم، وبالتالي فهي معلومات شبه نادرة، ويبدو الحصول عليها مهمة شاقة. وتبعا لها، كانت حارة المسيحين في دمشق، تقع خارج اسوار المدينة، في المنطقة الشمالية الشرقية بالقرب من باب توما[110]، ومقابرهم على مقربة من الاسوار.[111] واستقر مسيحيون في صور، وبيروت.[112]وكان للموارنة حضور فاعل في جبل لبنان، لا سيما في القسم الشمالي منه.

اعترفت السلطات الاسلامية بالهرمية الكنسية عند المسيحيين: كان البطريرك رأس الكنيسة والقائم بامور الدين، ويليه الاسقف وهو نائب البطريرك، فالمطران الذي يتولى القضاء بين رجال الدين ممن هم دونه، ويليه القسيس، ثم صاحب الصلاة المعروف بالجاثليق وهو القيم على الكنيسة، فالراهب المتعبد في خلوته.[113] وكان مركزا البطريركين اليعاقبة والملكيين في دمشق، ويتبع لكل منهما ابناء مذهبه في كل بلاد الشام[114]. وهو مسؤول امام نائب دمشق، ويصدر السلطان منشور تثبيته[115]الذي يتضمن، الى جانب كلمات التكريم، الوجبات المترتبة عليه:الحض على القيام بما يليق بمركزه، والزهد في الدنيا، واصلاح الحال بين المتخاصمين بالحسنى:” اياه ان يتخذ تجارة مربحة، …واليه امر البِيَع والكنائس، وعليه ان يتفقدها في كل وقت…ويحذر الرهبان من جعلها مصيدة للمال، وتجنّب الخلوة بالنساء فيها، وايواء اي من الغرباء القادمين بما يريب، ولا يكتم ما اطلع عليه على المسامع الشريفة السلطانية، ولا يخفي كتابا يرِد اليه من احد الملوك، او جوابا …”[116] وكان يوصيه الإلتزام بالشروط العمرية ويحدد بعضها: يمتنع المسيحيون عن قرع اجراس الكنائس، ويصلوا باصوات منخفضة لا تزعج المسلمين، لا سيما في مواقيت صلاتهم. وينبهه للالتزام بالازياء المفروضة عليهم كما صدرت في المناشير السلطانية السابقة[117]. واستضافة من يمر بهم من المسلمين ثلاثة ايام، وفتح ابواب الكنائس والاديار لهم في الليل والنهار، وتوسيع ابوابها للمارة وابناء السبيل.[118] انها توصيات رادعة، بل تهديدات منمقة مباشرة. وبالتالي لم تكن الشروط العمرية ظرفية، ومرتبطة باصدار مراسيم سلطانية فقط، انما كان مفعولها المخيف ساريا في كل وقت، وسيفا مسلطا على رأس الكنيسة ورعاياه.

في العام 767 هـ/ 1365م اجتمع الاساقفة في دمشق وانتخبوا بشارة الملقب بمخائيل بطريركا عليها، ليستقر فيها. فلم يوافق النائب على قرارهم، فاستمر مركز البطريركية في انطاكيا.[119] وفيما بعد حصل هذا الانتقال وباتت ابرشية دمشق تابعة للبطريرك القائم عليها. ومنذ ذلك التاريخ، صار يتم انتخابه من قبل مطارنة الابرشيات الاخرى التابعة لها[120]. ويقومون بتنصيبه وتسليمه صولجان البطريركية في الكنيسة المريمية اذا كان المنتخب مطرانا، ومن المفترض حضور المطارنة جميعهم، وموافقتهم على الانتخاب، ويتولى الرسامة مطران صيدا وصور، لتقدمه على جميع اقرانه في المرتبة. وفي حال غيابه ينوب عنه مطران حوران، وبحضور الاساقفة المجاورين لدمشق؛ الزبداني، معلولا، صيدنايا، بعلبك، قارا ويبرود.[121] اما بطريرك اليعاقبة فكان نائب البطريرك في مصر، ولا يجوز له التوقيع الا باذن منه.[122]

على الرغم من رفعة منزلة البطريرك، الذي اطلقت عليه القاب سنية في المناشير والمكاتبات السلطانية، التي حفظ لنا بعضا منها القلقشندي مثل: كنز الطائفة العيسوية، المشكور بعقله عند الملوك والسلاطين، المبجل، العالم بامور دينه، الحبر.[123]وتعمّد بعض المؤرخين الحط من مقامه السامي، وهي دلالة على نقمته على المسيحيين عموما، وفي آن، على عجزه عن افحامه في الشؤون الدينية. فأطلق ابن طولون عام 894/1488 على بطريرك الملكيين ميخائيل الاول في دمشق سنة 768/ 1366 لقب” كنز الكفر”[124] ربما نقمة منه على المسيحيين عامة. واما لعجز الآخرين عن مجارات البطاركة في المناقشات الدينية وفي شرح بعض النصوص، فعندما عجز ابن كثير في التفوق على البطريرك في شرح مسائل لاهوتية، ومناقشة نصوص دينية ايمانية، لم يجد حجة سوى تحقيره، فمعته بكلام ناب لا يليق به كرجل دين ومؤرخ:” فاذا هو يفهم بعض الشيئ، ولكن حاصله حمار من أكفر الكفار لعنه الله.[125]

2-مراسيم الشروط العمرية ودوافعها:كان الحكام يجددون العمل بالشروط العمرية لاسباب متنوعة: نزولا عند رغبة وإلحاح فقهاء وعلماء مسلمين، حسدا من مستوى ونفوذ ارباب الوظائف الديوانية المسيحيين، للاقتصاص من كفاآتهم بالعزل ومصادرة اموالهم ومتلكاتهم احيانا، ولتغريمهم اموالا بين الحين والآخر من دون موجب شرعي، سوى اغناء خزانة السلطان. وقد يتذّرُع بعض الحكام، ومن وراؤهم بالرد على عمل عسكري اوروبي، ضد مسلمين في اي مكان من العالم. وقد يجبر المسيحيون على اعتناق الاسلام للاستمرار بالوظيفة، واحيانا قد لا يقبل منهم سوى القتل. او ردا على اعمال قرصنة اوروبية بحتة لا علاقة لها بالدين بتاتا، ولا بمسيحيي المشرق العربي. او بتأثير رجال دين سياسيين او نافذين؛ شاهد وزير ملك المغرب موكبا لموظف يتضرع اليه الناس وهو يعرض عنهم، وينهرهم ويصيح بغلمانه بطردهم، فسأل المغربي عنه فقيل له انه نصراني. فاستنكر الامر ورفعه الى الاميرين بيبرس الجاشنكير وسلار، فصدر منشور سلطاني فرض الشروط العمرية على الاراضي المملوكية كلها، وسفر عنه هجوم العامة على الكنائس، فهدموا بعضها، وتحوّل بعض من كان في الدواوين الى الاسلام طمعا بوظائفهم.[126] وكلّما كان يبرز في المجتمع او الادارة احد المسيحيين، يغار منه بعض المسلمين ويحرّضون عليه في الشارع او منزله، وقد تحدث فتنة، ما يدفع السلطان والامراء الى اعادة العمل بالشروط العمرية.

وتتمحور كل هذه الذرائع حول هدف رئيسي واحد: تحويل المسيحيين الى الاسلام، وكأن المجتمع الاسلامي، في رؤية اولئك المتشددين، لا يتعايش فيه الا المسلمون وحدهم، ولا يتسع لغيرهم!!! وهي جعلت المسيحيين مواطنين من الدرجة الثانية على حد تعبير احمد الزين،[127] ما افقدهم حق المواطنة الكامل، فحرموا الحقوق السياسية خلال الحكم الاسلامي في المشرق العربي، وأدت الى اكراه اعداد كبيرة منهم الى التحول الى الاسلام قسرا،” هربا من العنف والقسوة التي عوملوا بها وخوفا من الموت. وهكذا كان التحول كبيرا، ودوافعه قاسية، واعداد المتحولين كبيرة جدا …”[128]

قد تكون سنة 663/1265 اسست لفرض الشروط العمرية في العهد المملوكي، حين اتهم مسيحيون في تلك السنة، بافتعال حرائق في القاهرة والفسطاط[129]. وفي عام 680/1281 اصدر السلطان قلاوون مرسوما طلب فيه: ان يُسْلم من في الدواوين، والكتبة من اهل الذمة تحت طائلة القتل، فاسلم بعض منهم، اما الاخرون فوضعت الحبال في اعناقهم، وعرضوا في سوق الخيل في القاهرة لكي يصلبوا.[130]واتبعه بآخر سنة 1283 [131] وكرر ابنه الاشرف خليل الامر عينه سنة 689/1290، فمنع استخدام المسيحيين في الدواوين،[132] وألزم كل كتاب الدواوين المسيحيين اعتناق الاسلام، او دفع فدية قيمتها ألف دينار، فاسلم اربعة من ارباب الوظائف العالية.[133] ومنع السلطان كتبغا عام 694/1294 المسيحيين من ركوب الخيل والبغال، واجاز للمسلمين سلب من وجدوه راكبا، فاستغل بعض الغوغاء الامر وتعدوا على المسيحيين ،[134]وبالتالي تم استرضاء العامة واستيعاب نقمتها. وكرر اخوه الناصر محمد سنة 700/1300، منع المسيحيين من العمل في دواوين الامراء، ومن ركوب الخيل والبغال، وفرض على كل المسيحيين في البلاد المملوكية ارتداء العمائم الزرقاء، تحت طائلة العقوبة.[135]و في سنة 709/ 1309 لم يجد السلطان نفسه غضاضة في ان يعتمر المسيحيون عمامات بيضاء عوضا عن العلامات الفارقة، التي تميّزهم عن المسلمين، مقابل فدية مالية. ولكن ابن تيمية انتفض ضد هذا التدبير، وحثّ السلطان ليس على ابطال المرسوم فحسب، انما على تغريم المسيحيين جميعهم 700 ألف دينار سنويا زيادة على الجزية مفروضة عليهم، وليعتمروا العمامات الفارقة ايضا[136]. وهذا دليل آخر على استغلال المسيحيين ماديا، ودفعهم للتحوّل الى الاسلام. وفي سنة 721/1321 فرضت الشروط العمرية كاملة، في كل الديار المملوكية، وطلب السلطان الناصر محمد بن قلاوون من نوابه في النيابات، التشدد في تطبيقها، وباقفال الكنائس والاديار.[137] وفي سنة 755/1354 منع السلطان الناصر حسن، من دون اي سبب، استخدام المسيحيين في الدواوين الشريفة والكريمة على حد سواء، ورسسم في المنشور عينه، وجوب تصغير عمامة المسيحي الى عشرة اذرع، وزيادة صبغها، لكي تتميّز بجلاء عن عمامة المسلم، والا يركبوا الا الحمير وبالأُكُف، وان ترتدي نساؤهم ثيابا مغايرة لازياء المسلمات، ويحتزين خفين من لونين مختلفين.[138]

تكرر الامر عينه، سنة 766/1364[139] على عهد الاشرف شعبان، وكذلك عام 767/1365 على اثر هجوم ملك قبرص على الاسكندرية، فاصدر ابنه السلطان علي بن شعبان مرسوما قضى برد الاموال، التي  أخذت من نساء مسيحيات بدل دخولهن حمامات المسلمات، على ان يُمنعن من دخولها مجددا لكي لا تتساوين مع المسلمات في الحقوق. وفرض على الرجال، عند دخولهم حمامات المسلمين، تعليق اجراس في اعناقهم. وتكرر الامر عينه سنة 782/1380 .[140] في العام 1465م منع السلطان خشقدم المسيحيين من تعاطي الترجمة والسمسرة والعمل مع التجار الاجانب، انتقاما من سقوط غرناطة بيد الأسبان، ومن الاشتغال مع التجار الفرنج[141]. وفي سنة 1488 امر نائب دمشق اهل الذمة، عند دخولهم الى الحمامات، ان يربط الرجال حبالا في اوساطهم، وتعلق النساء الاجراس في رقابهن، ومنعهم من ركوب الدواب داخل المدينية[142]. وفي العام 1510 م  عاد الاضطهاد إلى سالف عهده، بعد ان كان تلاشى نسبيا.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما ذنب المسيحيين المشرقيين اذا كان ملك قبرص هاجم الاسكندرية، وانزل خسائر بشرية ومادية فيها، علما ان السلطات المملوكية لم تجد رابطا واحدا بين المسيحيين والمسؤولين عن الحملة ؟! وهل كان الانتقام منهم يعوض عجز المماليك عن إلحاق الهزيمة بالقبارصة، ويحوله الى انتصار، ام كان الامر تأكيدا على الحط من قدر المسيحيين انتقاما من الهزيمة؟! ومن ناحية ثانية ما هي المعادلة القيّمة، التي توازي بين المادي والروحي، فهل فعندما يدفع الموظف المسيحي في الديوان بدلا ماليا ليستمر في وظيفته، وعلى دينه، تحل مشكلة دينه؟! كانت قضية استغلال مالية؛ طمعا باموال المسيحيين، ولسد عجز بيت مال المسلمين، أكثر مما كانت تعلقا بالدين الاسلامي. فالسلطان كان شبه موقن انهم لن يبدلوا دينهم، وسيحصل على اموال مجانية. وفي الوقت عينه يتم استرضاء عموم المسلمين لا سيما الفقراء والمعوزين، الذين صوُّر لهم المسيحيين كفارا مشركين، وتجدر معاقبتهم.

3-وطأة الشروط العمرية

أفي الادارة: منذ ما قبل الاسلام، كان الذميون، بمن فيهم المسيحيون ، بارعين في الشؤون الادارية ويتقنون فنونها. واعتمد عليهم في دواوين جميع الدول الاسلامية المتعاقبة، بما فيها العهد المملوكي. وشغلوا كل المناصب التي يجيزها الشرع الاسلامي؛ وزارة التنفيذ، والكتابة في مختلف دواوين السلطانية، او التابعة للامراء.[143]ما سمح لهم المشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكان يعينون بمراسيم شريفة(سلطانية)، ويعزلون غالبا بالطريقة عينها تطبيقا للشروط العمرية، بتأثير من رجال دين متشددين او لاسباب اخرى. واطلق السلاطين ونوابهم على الموظفين المسيحيين ألقاب تشريف مثل: شيخ، وحضرة، او حضرة الشيخ، او ولي الدولة. وزيادة في التكريم كان يضاف الى الاسم الاساسي”أل” مثلا الشيخ شمس يصبح” الشيخ الشمس” والشيخ الصفي” و”الشيخ الموفق” واذا اسلم احدهم يضاف الى اسمه كلمة “الدين”، فيغدو اسمه الشيخ الشمس” شمس الدين”…[144] واجيز لبعضهم ممن نال لقب امير، شراء عدد من المماليك من ماله الخاص يتناسب مع رتبته، يقومون على خدمته[145]. نذكر منهم جمال الدين آقوش الرحبي من مسيحيي اربيل، الذي حمل لقب امير طبلخاناه عندما صار واليا على دمشق، واقتنى اربعين مملوكا، واقطاعا مناسبا[146]. وغبريال القبطي الذي صار وزيرا بدمشق لعلاقته الحسنة بتنكز نائبها، ومن ثم تحول الى الاسلام، بعد ان تم التآمر عليه وابرح ضربا.[147]وكان ابن مكانس القبطي وزيرا بدمشق، ويساعده عدد من المباشرين[148]. وذكرت المصادر بعض اسماء من تولى مناصب في دمشق مثل: جمال الدين آقوش الرحبي شاد الدواوين[149]. والرشيد سلامة كاتب سنجر البشمقدار، والمكين يوسف بن يحي عامل الجيش، والمكين يوسف بن ابي الكرم كاتب الحوطات، والمكين يوسف كاتب بهادر آص، والعلم عامل بيروت[150]، والموفق بن فضل الله الصقاعي الدمشقي الذي تولى عددا من المناصب ومنها الكتابة في ديوان المرتجع[151]. وابو الكرم النصراني كاتب في الدواوين الرسمية الدمشقية،[152]وبدر ابن القسيس القبطي كاتب الامير سيف الدين كجكل.[153]وموسى بن سمعان النصراني الكركي كاتب الامير قطلوبك الجاشنكير .[154] وكاتب مسيحي-لا يرد اسمه في المصادر- في خدمة القاضي الشافعي في دمشق.[155]

كانت نقمة بعض رجل الدين المسلمين عظيمة ضد الموظفين المسيحيين، لا سيما من تولى منهم وظيفة مرموقة كالوزارة، وأي منصب يجيز جباية الاموال، وحذروا باستمرار من تولي الصيارفة وظائف في بيت مال المسلمين[156]. نذكر منهم ابن القيم الجوزية، وابن النقاش، وتاج الدين السبكي[157]، وابن تيمية، وابن الاخوة، فضلا عن عدد من المؤرخين ممن كانوا يعتبرون علماء دين كأبن تغري بردي… ولم يسلم الكتّاب المسيحيون من نقمة زملاء مسلمين كانوا ادنى منهم مرتبة، كما حصل مع عبد الله بن يوسف السفاح احد كتاب الدواوين، الذي غضب بسبب تولي الذميين مناصب عالية في حلب، فتركها الى دمشق، ولما وجد الوضع فيها مشابها، نظم شعرا يعبّر عن مكنونات صدره الناقمة على المسيحيين والسلطة معا[158]. وكان يتم ابعادهم او عزلهم بمراسيم شريفة ،كما في السنوات: 689/1290، 700/1301، 755/1354، 757/1356، 765/1363… وقد وصل منشور سلطاني الى دمشق سنة 700/1301 يدعو الى محاربة المغول والكتاب المسيحيين. انها مفارقة عجيبة، تجعلك تتساءل عن هذه المساواة بين العدو الرهيب وابن البلد المختلف عنه في الدين، والذي يخدم الدولة؟!

بفي الاقتصاد:

الضرائب: اهتم المماليك بجباية الاموال، لشدة نهمهم منقطع النظير لها، فعلى رغم سيطرتهم شبه التامة على معظم مقدرات الاقتصاد، وتحويل فريق من عامة الناس الى اشباه اقنان، استمروا يتفنّون باستحداث ضرائب غير شرعية[159]. وشكلت الجزية او الجوالي ركيزة مهمة في نظامهم المالي، ليس لأنها فريضة إلاهية، وتشعر دافعها بالذل والصغار فحسب، بل لأن مردودها كان مرتفعا جدا، ويغذي دواوين السلاطين المالية. وهي ترتبت على البالغين من الرجال فقط. في البدء كان اوان استحقاقها في شهر محرم ثم تحول الى رمضان[160]، ويستوفيها شاد الجوالي المعين من قبل السلطان، بناء على انهاء نائب دمشق[161]. وعلى رغم فداحتها، كانت تصاعدية وفقا للمصادر، فبلغت دينارا على الفقير، واثنين على متوسط الحال، واربعة على الغني[162]. وتفاقمت فداحتها بالضرائب المتعددة الاخرى الشرعية وغير الشرعية، التي توجبت على المكلف. وظلم المسيحيون في تأديتها، لأنهم دفهعوها احيانا مقدما، وعن اكثر من سنة، كما  في عام 742/1341 حيث جبيت عن ثلاث سنوات مقدما.[163]

  في مطلع عهد المماليك كان البطريرك في الشام، او”حاشر المسيحيين”، ينظم قوائم باسماء نوعي رعاياه المكلفين: “الرواتب” وهم ابناء البلاد، و”الطوارئ” اي القادمون من بلاد اخرى. ويذكر في نهايتها اسماء من توفي، او سافر، او تحول الى الاسلام لاسقاطها عنهم[164]، ويرسلها الى شاد الجوالي، الذي كان يحرر، لمن يدفعها، ايصالا بقيمتها ممهورا بخاتمه[165].

لم تكن تجبى الجزية دائما افراديا، لأن البطريرك ونائب الشام كانا يتفقان على تأدية مبلغ معين عن جميع رعاياه من دون التمييز بين غني وفقير[166]، لا سيما عندما يصر النائب على جبايتها مسبقا، كما في العام 762/1361 [167]. ومن يتأخر عن دفعها يوضع في الترسيم اياما، ثم يسجن حتى يؤدي المتوجب عليه[168]. واذا تأخر عدد كبير عن دفعها لأكثر من سبب؛ ككقحط المواسم، او الفقر.. يمنع جميع المسيحيين من الصلاة في الكنائس[169]. وعلى اثر الروك الناصري لبلاد الشام سنة 1313، باتت جبايتها اشد قساوة، لأن اموالها لم تعد حكرا على الديوان الخاص، – الخاص بالسلطان وحده-، انما صارت كل جماعة تدفعها للامير الذي تعيش في نطاق اقطاعه[170]بحيث تجاوز معظم الامراء الحدود المرسومة لاسوب استيفائها. كما انها لم تعد تصرف في الوجوه التي حددها بعض الفقهاء، كرواتب الولاة، والفقهاء والقضاة، وعلماء الدين، والمجاهدين، ومن دون التقيد بالشرع الاسلامي، الذي لا يجيز اقطاع الضرائب، لأنها حق لبيت مال المسلمين وحده. وعجز كثيرون عن دفعها، وتحوّل قسم كبير منهم الى الاسلام قسرا للخلاص من عبئها.[171]

دفع المسيحيون، بالاضافة الى الجزية، ضريبة الحج ليسمح لهم تأدية فريضته الى الاراضي المقدسة المسيحية في القدس، وكانت فادحة على حد تعبير فحص، وتوزعت على ثلاثة مكوس: الاول للدخول اليها، والثاني لزيارة كنيسة القيامة، والثالث لحارسي القافلة من الجنود، وهو كان يفوق كثيرا ما كان يدفعه المسلمون لخفر جنود قافلة الحج الاسلامي. علما ان المسافة من الشام الى القدس اقصر منها الى الاماكن الاسلامية المقدسة في الحجاز. ففي سنة 766/1365 دفع كل حاج مسيحي 63 درهما، وكان مقدار هذا المكس في ارتفاع مستمر[172]. وهي، بهذا المعنى، وسيلة ضغط ليعتنق المسيحيون الاسلام. ودفعوا ايضا ضرائب على انتاج الخمور وبيعه، وعلى الارث.[173]

المصادرات: المصادرة بدعة ضرائبية مؤداها اتهام شخص، او جماعة كالتجار، او حارة، او حي، او طائفة معينة، بتهمة ما، قد لا تكون صحيحة، تخوّل السلطان مصادرة اموالهم المنقولة وغير المنقولة حزئيا او كليا. وقد فرضت اجمالا  على من اشتدت شكيمته من الامراء وبات خطره داهما على السلطان وعلى نظرائه، اوطمعا بمن ازدادت ثروته من اصحاب المناصب العالية، اومن اساء الامانة، او اخلّ بوظيفته، وما شابه ذلك. وقد يبرر السلطان احيانا هذا التصرف الشاذ، بتجهيز حملة عسكرية، او تحصين ثغور، او دية قتيل وجد في محلة او حارة ما، من دون معرفة القاتل، فكانت تتم مصادرة اموال محددة من سكانها. وكانت تلك اموال تكدس في احد ديواني السلطان المفرد او الخاص. وهذه البدعة او الظاهرة البشعة، التي اجازها بعض رجال الدين تقربا من اركان السلطة او حشية منهم، او انتقاما من شخص او جماعة، طبعت العهد المملوكي برمته، على الرغم من رغم مخالفتها الشرع الاسلامي.

عانى المسيحيون في نيابة دمشق من شدة وطأتها، فقبيل موقعة عين جالوت 658/1260، اتخذ السلطان من اساءة بعض مسيحيي دمشق الى المسلمين بمساعدة من المغول، او غض الطرف منهم، عندما رشوا الخمور على حيطان المساجد، واظهروا الصلبان في الشوارع، سببا ليصادر من جميع مسيحييها مليون درهم، جبيت بالضرب وانواع التعذيب، وطالت من شارك ومن لم يشارك في الاساءة[174]. ولما اشعل بعض المسيحيين حرائق في اسواق دمشق، اتت على جزء من الجامع الاموي، وما حوله من اماكن تجارية ومدارس، واوقعت خسائر كبيرة، لم يقبض نائب الشام على الفاعلين وحدهم، انما على ستين من رؤساء المسيحيين ايضا، من غير ذنب، وضربوا جميعهم بالمقارع، وانزل بهم انواعا من التعذيب، وصودرت اموالهم بمختلف الطرق، ثم صلب احد عشر من اعيان الكتاب المسيحيين- قد يكونون هم المسببين- وطيف بهم في الاسواق، ثم احرقوا، وسجن قسم من الباقين، وتحوّل عدد من المقبوض عليهم الى الاسلام لكي يطلق سبيلهم، وصودر من اربعة كتاب مليون ومائتي درهم[175]. ولما علم السلطان بالامر، استاء من تصرفات تنكز نائب الشام، ليس رفقا بالمسيحيين، انما خوفا من انتقام الروم من مسلمي القسطنطينية، ومن دون ان يتدخل لانصاف المظلومين.[176] وفي سنة 741/1341 صودر بامر سلطاني من مسيحيي دمشق، ما يقارب 107 آلاف من الدنانير، وفي الوقت عينه افرج عمن كان مسجونا منهم بسبب حادثة الحريق. وفي السنة عينها جبيت منهم جزية ثلاث سنين مقدما.[177]وفي سنة 767/1365، وردا على حملة ملك قبرص بطرس الاول على الاسكندرية، اصدر السلطان امرا شريفا الى “منكلي بغا” نائب دمشق، يأمره بالقبض على مسيحيي الشام ومصادرة ربع اموالهم، فطُلبوا في بيوتهم، واهينوا من دون ان يدروا ما الذي ارتكبوه، وهرب بعضهم الى جهات مختلفة[178]. ويذكر الدويهي، في هذا الصدد، ان السلطان امر بالقبض على اساقفة دمشق، فهرب بعضهم خوفا، واستقر احدهم في قبرص، وسجن الباقون.[179]وامر يلبغا الناصري، الذي تولى الحكم بعد انقلابه على السلطان برقوق، بمصادرة اموال الرهبان ومقتنياتهم، واموال المسيحيين جميعهم في مصر وبلاد الشام،  فبلغت غلّته من الصلبان اثني عشر ألف صليب، من بينها واحد ذهبي زنته عشرة ارطال مصرية.[180]ولما اجتمع ابن كثير، وهو مؤرخ ورجل الدين، بنائب دمشق انكر عليه هذا التصرف بحق المسيحيين، لأنهم في ذمة المسلمين. فاجاب النائب انها الاوامر من القاهرة، التي افتى بها بعض رجال الدين في مصر. ثم جمع من المسيحيين ربع اموالهم، وارسل ولاة الى البر الشامي فاستخلصوا اموال المسيحيين، بكل انواع التعذيب والاهانات.[181]

ج-الابنية: اجتهد فقهاء مسلمون في تفسير نظرية”الاسلام يعلو ولا يعلى عليه”[182]، واتخذوا منها ذريعة لتحقير غير المسلمين ومنهم المسيحيون. شمل هذا التحقير ممارسات اسلامية متعددة: في اللباس، ودخول الحمامات، وركوب الرحائل… وجعل بيوت المسيحيين اقل  ارتفاعا من دور المسلمين[183]، لأنه حق خالص للاسلام ولايجوز للمسلمين مخالفته. فان رضي الجار المسلم، ان يوازي سقف بيت جاره المسيحي سقف داره، او يزيده ارتفاعا، فان المحتسب كان يمنع المخالفة، ويأمر بالهدم، او بخفض مستوى السقف. وكثيرا ما حدث ذلك على ما يذكر المؤرخون[184].

د- اعتناق الاسلام قسرا:في عهد الرسول كان المجتمع متنوعا، يعيش فيه المسلم الى جانب المسيحي واليهودي، وفرض على غير المسلمين دفع الجزية فقط. وفي هذا المسار جهد بعض السلاطين المماليك، ورجال دين مسلمين متشددين، لتتحويل االمسيحيين الى الاسلام. وقد يكون السبب ما خلّفته من احقاد الحروب الفرنجية او الصليبية، وغزوات المغول، وقضاؤهم على دول اسلامية عديدة، ولا سيما الخلافة العباسية. قد نسلّم بهذه الاسباب، التي اجتهد بها مؤرخون، لو لم يكن هذا الجهد قد بدأ منذ العهد الراشدي، الذي فيه ارسيت ابرز ركائز الذمة في مفهوميها الاجتماعي والديني، ونشأت معايير الردة، التي تطورت بالممارسات والنصوص، وما عادت محصورة فقط بالتراجع اللفظي عن الاسلام، انما بات شتم الرسول، وامور اخرى من ركائزها الاساسية. وفي هذه الحال كان يخيّر كل من يذم الرسول، او يحقره، بين امرين: اعتناق الاسلام، او القتل. لن نغوص في هذا الموضوع لأنه يخرجنا عن هدف بحثنا. وبذل رجال دين متشددون، وسلاطين، ونواب حكموا دمشق، جهودا حثيثة لتحويل المسيحيين الى الاسلام، مستغلين اسبابا شرعية وغير شرعية. وكل من تحول الى الاسلام، وبعد مدة عاد الى اعتناق المسيحية يعدم. وكانت تحال معظم هذه الحالات الى القاضي المالكي، الذي لم يكن يقبل توبة المرتد، ويأمر بضرب عنقه.

 ورد في المصادر حالات عمّن تحول الى الاسلام، ومن ثم رجع الى اعتناق المسيحية، نذكر منهم رجل اقيمت البينة عليه سنة 812/1409 واقر بالتهمة، واصر على مسيحيته فضربت عنقه[185]. وعُزّر المسلم عماد اسماعيل لأنه شهد ان الانجيل والتوراة ما بدّلا، وانهما بحالهما كما انزلا على حد تعبيره[186]. واعدم المسيحي موسى بن سمعان، لأنه حول احد المسلمين الى المسيحية، ونقش على يده اشارة الصليب[187]. وامر نائب دمشق برجم احد المسلمين، لأنه حمى مسيحيا شتم النبي[188]. في سنة 693/1294، بسبب خلاف بين رجلين مسيحي ومسلم، شهد بعض اهل السويداء على المسيحي انه ذمّ النبي، وحاول الامير عساف بن احمد بن حجي ان يجيره، ولكن ابن تيمية وشيخا آخر طالبا باعدامه، ما اثار العامة، فرجموا المسيحي والامير عساف معا. ومنعا للفتنة اعتقل عز الدين ايبك الحموي نائب دمشق الشيخين، ولم يتمكن مجلس العدول، الذي انعقد نزولا عند رغبته، من تبرئة المسيحي، الذي حفاظا على حياته، تحول الى الاسلام[189]. في عام 726/1326 مثل مسيحي امام القاضي الحنبلي بدمشق، واعترف بما نسب اليه: بان مؤذني جامع دمشق كفرة، ومخافة الموت اسلم على يديه[190]. في سنة 730/1330 قال احد المسيحيين، في احد جوامع دمشق، اريد ان اسلم، ثم ترجع عن موقفه، فاعتبر كافرا وضربت عنقه، ثم احرقت جثته[191]. واعتنق الراهب توما بن عبد الله النصراني الاسلام على يد ابن تيمية ولازمه فترة، ودرس القرآن، وبعد مدة عاد الى المسيحية، وقال صراحة: “ان القرآن ثلثه من التوراة، وثلثه الثاني من الانجيل، والاخير صنفوه”، فضربت عنقه[192]. وفي عام 785/1383 مثل مسيحي امام القاضي الشافعي بدمشق، واقر بارتداده عن الاسلام وتاب امامه، وبعد مدة اعتنق المسيحية مجددا، فامر القاضي المالكي بضرب عنقه[193]. واسلم رجل مسيحي اتقاء للقتل، وبعد اشهر من عذاب الضمير، توجه الى بعض القضاة، وارتد عن الاسلام واعتنق المسيحية، وقال انا اريد ان اتطهر بالسيف، وقدح بالدين الاسلامي وعظّم المسيحية، فقطعت عنقه[194].

من اجل نهب الكنائس وهدمها، كان بعض المسلمين يشتكون للسلاطين، متهمين مسيحيين باستجداد او ترميم كنيسة، فيأمر السلطان بهدم ما استجد. فيستغل مسلمون الامر لنهب كنائس واديار، وهدمها كليا او جزئيا وان كانت غير مستجدة، ويعتدون على المسيحيين، ما كان يدفع قسرا عددا منهم الى الدخول في الاسلام[195]. واضطر بعض المسحيين اتقاء للقتل الى اعتناق الاسلام، ومن ثم كان بعضهم يتوبون عن هذه الخطيئة المميتة، على حد اعتقادهم، ويرغبون في الشهادة للمسيح، فيشهرون مسيحيتهم، فتضرب اعناقهم واعناق نسائهم. وعلى الرغم من ذلك استمر عدد من المسحيين ممن اسلموا يرتدون عن الاسلام، رغم قناعتهم بالمصير المحتوم[196].

 لم ينحصر التحول الى الاسلام بتلك المواقف المتشددة والفردية وحدها، بل كانت السلطة عموما تدفع بهذا الاتجاه، بضغط من رجال دين متشددين. ويتركز معظمها على المسيحيين العاملين في الدواوين الرسمية. فقد اصدر السلطان محمد بن قلاوون مرسوما قضى بتحويل من يعملون في الدواوين الرسمية وعند الامراء الى الاسلام، والّا غرّم بستة آلاف درهم، او الطرد من الوظيفة، فاسلم اربعة منهم[197]. وتحول غازي شهاب الدين الواسطي، الذي تولى نظر الدواوين  في وحلب، ثم في دمشق، الى الاسلام مكرها، لكي يستمر في وظيفته[198]. وغضب رجال دين على احد الكتاب المسلمين، لأنه جعل احد المسيحيين نائبا له في القضاء، واصروا على عزله او يتحول الى الاسلام[199]. وفي عام 701/1302 اسلم غبريال متولي الدواوين في دمشق، هو و”امين الملك” مستوفي الصحبة[200]. واسلم النشو احد الوزراء في دمشق ليستمر في وظيفته[201]. وغرّم علماء مسلمون احد المسيحيين بستمائة درهم استياء منه، لأنه قال لأحد المسلمين: انا اخوك وانت اخي، ولا فرق بيني وبينك[202].

يمكننا ان نفهم بعض الحالات التي توجب معاقبة بعض المسيحيين، ممن اساءوا الى الرسول، او الشعائر الاسلامية، ولكن ما لا يمكن ادراكه هو استغلال اتفه الامور، للنفاذ لمعاقبة المسيحيين، ودفعهم قسرا الى التحوّل الى الاسلام. فهل اذا دفع المسيحي بدلا ماليا تغتفر خطيئته، ويتساوى مع المسلم، وبالتالي يزول مبرر تحوّله الى الاسلام؟!! كانت سياسة الدفع نحو الهاوية بالتدرج، حتى السقوط او اعتناق الاسلام.

ه-الملابس: لا ندري ما هي الحكمة، التي افترضتها الشروط العمرية، بما عرف ب“الغيار”، التي تلزم المسيحيين ارتداء ملابس واحذية مغايرة لما يلبسه المسلمون[203]. فهل كان المسيحيون موبوئين، او مجرمين او نجيسين، وتجدر مجانبتهم، ام كان المقصود احتقارهم واذلالهم، تبعا لنظرية الاسلام يعلو ولا يعلى عليه؟!. فقد اثر في كل المجتمعات القديمة والحديثة ارتداء الثياب الفاخرة كل من يقدر على شرائها، وهي ليست حكرا على دين او طائفة. ولم يكن حذو بعض السلاطين المماليك في إلزام المسيحيين ارتداء الغيار، الا استمرارا لسلوك حكام مسلمين سابقين، وارضاء لتشدد بعض رجال الدين المتسلحين بالشروط العمرية. فاصدروا مناشير مرارا وتكرارا تضمن بعضها “الغيار”، ومن شروطه الاّ يرتدي المسيحي عمامة بيضاء، انما صفراء او زرقاء، والاّ يزيد طولها عن عشرة اذرع، واقتصرت احيانا على ذراع ونصف الذراع[204]. ووفرض الناصر محمد سنة 700/1300 على كل الرجال المسيحيين في البلاد المملوكية، ارتداء العمائم الزرقاء، تحت طائلة العقوبة.[205]و في سنة 709/ 1309 لم يجد السلطان نفسه غضاضة في ان يعتمر المسيحيون عمامات بيضاء، بالعلامات الفارقة في بقية ملابسهم، التي تميّزهم عن المسلمين، مقابل فدية مالية. ولكن ابن تيمية انتفض ضد هذا التدبير، واعتبره غير كاف، وحثّ السلطان على تغريم المسيحيين جميعهم 700 ألف دينار سنويا، زيادة على الجزية، المفروضة عليهم، واعتمار العمامات الفارقة[206]. وفي العام 1324م ورد منشور سلطاني، فرض على المسيحيين رجالا ونساء تعليق اجراس في رقابهم عند دخولهم الحمامات، وانتعال نعلين احدهما أسود والآخر بلون مغاير. ما افرح المسلمين، ودعوا للسلطان بطول العمر[207].  وكان الزنار يلبسه جميع الناس نساء ورجالا مسلمون ومسيحيون وغيرهم، وهو عبارة عن حبل يشد في وسط الجسم فوق الثياب، واشترط ن يكون زنار المسيحي  غليظا وازرق اللون[208]. وتكررت هذه المناشير او الكتب،كما في سنة 755/1354 على عهد الصالح صلاح الدين، الذي فرض: لا تزيد عمامة المسيحي عن عشرة اذرع، ولا يدخلو الى الحمامات، الا بالعلامات من جرس، او خاتم نحاس اصفر، او رصاص، ولا تدخل نساؤهم الحمامات مع النساء المسلمات، وليكن لهن حمامات تختص بهن، وإزارا من كتان ازرق، وأحد خفيها اسود والآخر ابيض.”[209] واعيد العمل به مجددا 1365، ونودي في البلد على أهل الذمة، الالتزام بالصغار، وتصغير العمائم، والّا يستخدموا في شيء من الأعمال، ولا يدخلون الحمامات الا بعلامات الكفر، من اجراس، وخواتيم، ونحو ذلك، وتنتعل المرأة خفين مختلفي اللون على ما ورد في المنشور.[210]وتكرر الامر في معظم المناشير الشريفة. وفي سنة 1488 اشترط نائب دمشق رجال اهل الذمة، عند دخولهم الى الحمامات، ربط حبال في اوساطهم، وعلى النساء تعليق الاجراس في رقابهن، ومنعوا جميعهم من ركوب الدواب داخل المدينية [211] . وفي العام 1510 م  عاد الاضطهاد إلى سالف عهده.

ز-ركوب الرحائل: استمرارا في الاحتقار، والتمييز الديني، منع المسيحيون من امتطاء الخيل والبغال، تبعا لمناشير عديدة. وهي اذا اضيفت، الى لبس الغيار، تؤكد عدم المساواة في مجتمع اريد له ان يكون نموذجيا، ومغايرا  لكل نظائره في العالم. لقد منع السلطان كتبغا عام 694/1294 المسيحيين من ركوب الخيل والبغال، واجاز للمسلمين سلب من وجدوه راكبا، فاستغل بعض الغوغاء الامر وتعدوا على المسيحيين ،[212] فتم، في آن واحد، الاقتصاص من المسيحيين، واستيعاب غضب العامة على ممارسات السلطات المملوكية. وصدرت مناشيسر اخرى، تؤكد على ما سبقها كما في العام 755/1354، حيث اجيز للمسيحين ركوب الحمير فقط، وبالأكف، وبالعرض.[213] وتلته كتب اخرى[214] لا سيما الذي صدر عام 765/1364-65 على عهد الاشرف شعبان.[215] ومنعهم السلطان خشقدم من ركوب الدواب داخل المدن، ومنها دمشق اكبر النيابات المملوكية [216]. ولسنا ندري ما الحكمة من ذلك، فهل كل مسلم ينضح قداسة، ويفوق المسيحي تقى ونقاوة وايمانا. انما الايمان الحقيقي يكمن في حسن السلوك الاجتماعي.

ح-الخمور: امتلك المسيحيون اراضي كثيرة، تعود ملكيتها الى ما قبل الفتوحات الاسلامية، وحافظوا على بعضها عبر الزمن، وزرعوها بانواع الاشجار المثمرة، ومنها الكرمة. واعتاد الناس، منذ ما قبل الاسلام، على شرب الخمور وصنع الزبيب وتناوله في الشتاء. والخمرة ركيزة اساسية في الطقوس الدينية المسيحية، لهذا زرعت اراضي تابعة للكنائس والاديار بالكرمة [217]. وكان المسيحيون يستخدمون العنب في استعمالاتهم الشخصية، وصناعة الزبيب. وأمّنت الخمرة لهم مردودا ماليا مهما، لأن معظم الفئات الاجتماعية كانت تقصد الخمارات، التي فرضت عليها ضرائب عالية، ما يعني انها اجيزت بقرارات من السلطة المملوكية.

من المسلم به ان القرآن حرّم الخمر شربا وصناعة واتجارا، وزاد بعض المتشددين، على هذه الاحكام، الاقتراب منها. واجيز للمسيحيين انتاجها وشربها، والاتجار بها بعيد عن مرأى المسلمين[218]. وكأن في الامر خديعة، فهل اذا دخل مسلم دار مسيحيي وهو يبيع الخمر، او يشربه، يعتبر الامر مخالفة شرعية، توجب اهراق الخمور ومعاقبة صاحبها؟! انها معادلة تحيق الخوف بالمسيحيين. وكان بعض المسلمين يقبلون على شرائها من الخمارات، التي كانت تتزود بانتاج المسيحيين اجمالا، وتنافس على ادارتها مسيحيون ومسلمون على السواء، لما كانت تدره من ارباح وفيرة، لا سيما تلك التي كان يمارس البغاء فيها. وقد شاع شرب الخمرة المحرمة بين جميع فئات المجتمع المملوكي وطوائفه ومذاهبه. وانتشرت الخمارات في ارجاء دمشق، ولكثرة مردودها المالي، وضمنها وحماها بعض نواب دمشق، وكبار امرائها، وافردوا لها اجنادا يسهرون على سلامة الامن فيها، وتأمين وصول المواد الاولية اليها، ومرافقة الباعة الى مقاصدهم.[219]

كان يعمد بعض السلاطين، بضغط من رجال الدين، او تقربا من الله في الشدائد، ومنها انتشار الاوبئة كالطاعون، الى اصدار مناشير باهراق الخمور، ويطلب الى المحتسب التشدد بتنفيذها، باراقتها في الشوارع على مرأى من المسلمين. واقفال الخمارات وملاحقة صانعي الخمور، وكبس بيوت المسيحيين، والمشتبه بهم من المسلمين، ممن كانوا يشاركون في هذه التجارة[220]. واجتهد بعض الصوفيين والعامة الدمشقية للحد من انتشار هذه الآفة، على حد تعبيرهم، واطلقوا النداآت في الشوارع، على طريقة التظاهرات المنددة، بمساعدة بعض رجال الدين او بطلب منهم، واحيانا بمبادرة ذاتية، تنفيسا عن اوضاعهم المذرية. وكانت تصادر اموال طائلة من اصحاب الخمارات تعسفا، وتدهم بيوت المسيحيين، ويعتدى عليهم بحثا عن الخمور لاهراقها، من دون اي اعتبار لعهد الذمة، وللقانون الذي يجيز لهم تخزينها في منازلهم. وكثيرا ما ادت الى صراعات بين المداهمين وحماة الخمارات من المماليك، واسفرت عن قتلى وجرحى.[221] فقد كبس الشيخ خضر العدوي، باذن من السلطان بيبرس، بيوت المسيحيين، والاديار بدمشق، واهرق الخمر، واتلف الزبيب[222]. واعيدت الكرة في منشور 767/1365. وتكررت العملية عينها في سنوات كثيرة، على مدى عهد المماليك.

كان يتم اقفال الخمارات بقرارات تصدر عن السلطات المخولة، ولكن ان تدهم البيوت من دون مسوّغ حتى في الارياف، ألا يعتبر تعديا على الناس وارزاقهم؟! فلماذا مثلا لا يتم، عندما تنتشر الاوبئة، وقف التعدي على الناس، كل الناس بمنع الطرح، والتحكير، والمصادرات، او تخفيف الضرائب؟!! فهل الله لم يكن يقبل الشفاعة الا بالاساءة الى المسيحيين، ليرضى على اركان السلطة، والمسلمين جميعهم؟!! ام انها كانت ذرائع يتوسلها الحكام والمتشددون للتعدي على المسيحيين بقصد تحويلهم الى الاسلام، وارضاء لعامة المسلمين، الذين تثقفوا على اضطهادهم. ولماذا كان كبار رجال الدولة يعودون، بعد الازمة، الى المشاركة بالعمل في الخمارات حماية واستثمارا من دون ان يجرؤ احد على ردعهم؟!!

طالتعدي على الكنائس:  في العهد المملوكي، كان التعدي على الكائس شائعا، لأنه قلما انزلت العقوبة بالمعتدين. وكثيرا ما كانت الكنائس تدمر، او تحوّل الى جوامع، بدسيسة من بعض رجال الدين المتشددين، او بعض العامة الراغبة بالتعدي عليها لسببين: ايذاء المسيحيين، ونهب محتويات الكنائس والاديار. وعندما يحصل التخريب، لم تكن غالبية الفقهاء تجيز اعادة بناء ما تهدم، على الرغم من حصوله من دون موجب، وكان بعض السلاطين يباركون، ويسكتون عن جريمة تحويل الكنائس الى مساجد. والكنائس عند المتشددين ليست بيوت الله:” من يعتقد ان الكنائس بيوت الله، او انه يعبد فيها، او انه يحب ذلك ويرضاه، فهو كافر؛ لأنه يتضمن صحة دينهم، وذلك كفر…ومن يعتقد ان زيارة اهل الذمة كنائسهم قربة من الله، فهو مرتد.”[223]وقد افتى تاج الدين السبكي بهدم الكنائس، واجلاء اليهود والمسيحيين.[224] ولن نذكر في هذه العجالة،كل اعمال الهدم والتدمير والحرق، التي طالت الكنائس والاديار وغيرها، لأن الموضوع سيطول كثيرا ويصبح قائما بذاته[225].

-المماليك والتجار المسيحيين:شكلت دولة المماليك اقصر حلقة اتصال بين الشرق الاقصى والغرب الاوروربي، لأنها سيطرت على كل موانئ حوض المتوسط الشرقي، باستثناء “اياس”الارمني. وعلى موانئ البحر الاحمر، والخليج العربي عموما[226]. وكان الغرب الاوروبي بحاجة ماسة الى توابل الشرق الاقصى[227]، لذلك، وبعد سقوط آخر المعاقل الصليبية بايديهم عام 1291، استهل البنادقة العلاقات التجارية معهم، بعقد معاهدة صلح وامتيازات تجارية. كان المماليك يحتاجون بشدة الى المواد الحربية الاولية، لا سيما ما يدخل في صناعة الاسطول، كالحديد والاخشاب والرصاص…كما الى المماليك” المشتروات” للتجنيد،[228] والى زيادة ارباحهم التجارية. والتجار الاوروبيون عموما، بخاصة البنادقة والجنويون كانوا يحتاجون الى سلع الشرق الاقصى،  وقد تحدوا التحريمات البابوية، وأمنوا ما يحتاجه المماليك من مواد اولية، وسلع تجارية. وشجع المماليك، بدورهم انشاء الفنادق، والوكالات التجارية، ووزعوها عليهم.[229]وتسابق الدول التي ينتمون اليها الى عقد معاهدات تجارية مع المماليك.[230] وتمكنت البندقية من فرض سيطرة شبه تامة على التجارة مع المماليك لا سيما في اواسط القرن 15م.، فكانت تتراوح ارباحها السنوية بين 300000الى 500000دوكة.[231] وتضمنت المعاهدات المسؤولية الفردية للتاجر، وليس للجالية كلها، عن كل اخلال يقوم به على اي مستوى في الاراضي المملوكية. ولا توجب مهاجمة القراصنة مراكب التجار المسلمين اي مسؤولية على التجار البنادقة، الذين تمتعوا بالاقامة في فندق داخل المدن: الاسكندرية، بيروت، دمشق…وحق لهم استخدام الحمام في يوم محدد من الاسبوع، وامتلكوا فرنا، وكنيسة لممارسة شعائرهم الدينية بحرية تامة. وتميز القنصل البندقي بصلاحيات مهمة: ادارية، وقضائية، من دون تدخل السلطات المملوكية. وخصّه السلطان ب”جامكية” راتب شهري، ومنزل، واجاز له التوجه اليه مباشرة لرفع اي شكوى.[232]وحلت المعاهدات التجارية، التي شكلت نوعا من التحالف بين التجار والسلطان، وامنت لهم حماية غير محدودة زمنيا، عوضا عن عهد الامان، الذي كان يحمي التاجر طيلة المدة المحددة فيه فقط.[233]

اثارت هذه الامتيازات حفيظة رجال الدين عموما، والمتشددين خصوصا، وناشدوا السلاطين مرارا وتكرارا لالغائها، واحلال الشروط العمرية مكانها، واصدروا فتاوى، على مدى القرن 14م، تطال المستأمنين من اهل دار الحرب، كي لا يطال عهد الامان تواجدهم بين المسلمين، لاكثر من سنة. واصروا على عودة التجار، ممن يقيمون في دار الاسلام مدى طويلا، الى بلادهم، لأنهم يشكلون خطرا حقيقيا على المسلمين، بما ينقلونه من معلومات تفيد اعداء الاسلام. وكانوا يغتاظون من اتخاذهم بعض المسلمين خدما لهم، مما يجعلهم ارفع منزلة من المسلمين، [234]وهي بحد ذاتها مخالفة للشروط العمرية. ورفع لواء هذه الحملة الشعواء ضد التجار الاوروبيين، رجال الدين المتشددين، من امثال: ابن تيمية، وابن النقاش، والاسنوي[235]… ولم توجه حملاتهم ضد التجار الفرنج فخسب، انما ايضا شملت الموظفين المسيحيين في دواوين السلاطين والامراء. ما اضطر السلاطين لاصدار مراسيم اعادة العمل بالشروط العمرية، التي ذكرناها آنفا بحق المسيحيين المشرقيين وحدهم،[236]ورافق تلك المواقف المتشددة تظاهرات للعامة تضامنا مع المتشددين. وكانت تتم التسويات لصالح التجار الاجانب المسيحيين، بتدخل من حكام دولهم لدى السلاطين، وتطبق شروط الامتيازات التجارية كاملة، خوفا على العائدات الجمركية المتزايدة قيمتها باستمرار. فقد احدث تجار مسلمون مشرقيون شغبا في القاهرة والاسكندرية، ضد التجار الاوروبيين، وهاج الشعب معهم، وحاول المتظاهرون مهاجمة القلعة مقر السلطان، لأنه يعامل الاوروبيين بما يلائم ارباحه ضد مصالح المسلمين. فقُبض على والييْ القاهرة والاسكندرية، وامر بتوسيط ثلاثين تاجرا مسلما.[237]

اعفي البنادقة من الجزية، وهي مخالفة صريحة للشرع الاسلامي، واستعيض عنها بشراء البنادقة كمية من البهارات بثمن يفوق اسعار السوق. واجيز لهم، اعتبارا من عام 1415م على عهد السلطان شيخ المحمودي، رفع شكاويهم امام نائب السلطان، والحاجب –بعد الغاء منصب الاول، واذا اضطر الامر امام السلطان مباشرة كونه والي المظالم،  متجاوزين النظام القضائي الاسلامي كله، وتساووا مع الامراء المماليك امام القضاء[238]. وقرر السلاطين عقوبات استنسابية في القضاء الجزائي، فعوضا عن قطع اليد والرجل، او الرجم، اكتفوا بالتعزير والبدلات المالية. وفي عام 1442نال البنادقة امتيازا جديدا يجيز لهم امتطاء الخيل، وارتداء ملابس شرقية على غرار المماليك والتجار الشرقيين الآخرين، في تنقلاتهم الداخلية.[239] ومن اجل زيادة ارباحهم،  عاقب السلاطين قضاة ومسؤولين رفيعي المناصب، لتعرضهم للتجار البنادقة.

والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا لم تحترم التشريعات الاسلامية مع التجار الاجانب المسيحيين. الا تعتبر كل تلك التدابير والاجرآت مخالفات شديدة الوضوح لنظام الذمة المعمول به في الديار المملوكية، وللشروط العمرية، التي فرضها السلاطين بمبادارت منهم او بضغوط من رجال الدين، وللشرع الاسلامي عموما؟! الا توضح امكانية الشرع الاسلامي للاجتهاد، يتماشيا مع مصالح الدولة حينا، والشخصية حينا آخر، وبالتالي فان الغاية تبرر الوسيلة؟! فكيف يجوز معاملة المسيحيين المشرقيين، وهم عرب بالاجمال، بالتشدد والاضطهاد احيانا، في حين تُطَوع كل القوانين والتشريعات، لصالح تجار اجانب ينتمون الى دول معادية للمماليك المفترض انهم حماة الاسلام، على حد زعم بعض المؤرخين!! انها سلطة متعسفة، لا تلتزم بالقوانين لا بل بالشرع لأن مصالحها تحتل المقام الاول. وكلما كانت تخشى نقمة رجال الدين المحصنين بمراكزهم، وبالشعب الغاضب من ممارساتها، تعمد الى اضطهاد المسيحيين.

العلاقات المسيحية الاسلامية بعيدا من السلطة ورجال الدين: يفرز كل مجتمع عادات وتقاليد واساليب حياة تشكل ظواهر اجتماعية تخضع لها معظم المكونات الاجتماعية، مع احتفاظ كل جماعة دينية او عرقية بمميزاتها. ومنهم المسيحيون الدمشقيون الذين مارسوا كل المهن، التي تعاطاها المسلمون، وخضعوا جميعهم الى نظام المهنة، وامتثلوا الى اوامر شيخها، الذي عُهد اليه المحافظة عليها وتنفيذ قوانينها، وكانت تشابه انظمة النقابات في عصرنا الحاضر. وتشارك الدمشقيون، على الرغم من قلة الوثائق، الاحتفتلات الدينية كلها، المسيحية والاسلامية. اما المسيحيون فقد احتفلوا بالعديد من الاعياد؛ من ابرزها الميلاد، الذي كان يقع باستمرار يوم احد، على حد تعبير شيخ الربوة.[240] وتشابهت احتفالاتهم في الانحاء الشامية كلها، وترك لنا شيخ الربوة نموزجا احتفاليا في حماة:”وفي هذه الليلة يوقد اهل حماة، كبيرهم وصغيرهم، وجليلهم وحقيرهم، وجندهم واميرهم، من القناديل فوق الاسطحة، ومن القنّب والشيح عظيما، ويوقدون من البارود والنفط انواعا شتى.”[241] ان مشاركة المماليك:( جندهم واميرهم)، – كانت الجندية احتكارا مملوكيا- بالاحتفالات يعطي العلاقات الاجتماعية بعدا رائعا، لم تعكر صفوه الا مواقف المتشددين[242]. واحتفلوا ايضا بعيد ختان السيد المسيح، الذي كان تاريخه في ثامن يوم للميلاد، وبعيد الغطاس ايضا.[243] وكان عيد الفصح يتوّج احتفالاتهم، ويُطلق عليه”عيد النصارى”. واليك هذا الوصف الرائع ، بعيدا من سطوة رجال الدين المتشددين، للعلاقات الاجتماعية الاسلامية المسيحية في حماة، التي  يبدو انها كانت مركزا دينيا مسيحيا مهما، لأن الناس كانوا يتوافدون اليها من نواحي ومدن عديدة:” وفي هذا العيد تبطل اهل حماة مدة ستة ايام، اولها الخميس الكبير، وهو خميس العهد (خميس الاسرار)، وآخرها يوم الثلاثاء، ثالث الفصح. وتنتقش فيه النساء، وتُلبس فيه الكساوة الفاخرة، ويصبغون فيه البيض، ويعملون الاقراص والكعك، والمسلمون فيه اكثر من النصارى. ويرد الى حماة اهل سائر البلاد المجاورة لها مثل: حمص وشيزر، وسلمية، وكفر طاب، و ابو قُبيْس، ومصياف، والمعرة، وتيزين، والباب، وبُراعة، والفوعة، وحلب. ويطلعون جميعا الى العاصي، ويضربون لهم اهل حماة على شطوطه خياما، ويركبون في المراكب بالمغاني، ويرقصون في المراكب، والنساء والرجال على الشطوط، حتى تتهتك الخلائق، ويمضي لهم ستة ايام لا يرى في الوجود مثلها…”[244] واحتفل المسيحيون ايضا ب” السلاّق” خميس الصعود، وبالعنصرة وهو عيد البارقليط[245]. وبعيد الاول من نيسان، وبآخر يلي خميس البيض، وعيد مولد السيدة العذراء في الثامن من ايلول، وعيد الصليب في 14 منه.[246] اما في دمشق، فقد احتفل المسيحيون باعيادهم في حاراتهم واحيائهم الخاصة، فيما خلا خميس النصارى، الذي كانوا يحتفلون به في القابون. وشاركهم اعيادهم مسلمون، اما احتفالا اومشاهدة.[247]

ان هذا التآلف والمشاركة الاجتماعية والدينية، واتساق غالبية فئات المجتمع الى ظواهر اجتماعية تشد اواصر الحياة، وتزيل الحواجز، كان يغيظ رجال الدين المتشددين. ولعل ابن تيمية كان اكثرهم انزعاجا وغضبا، فاستمرار الفوارق الاجتماعية كان مبتغاه، وقهر واذلال المسيحيين وسيلته للتقرب من الله. فكتابه “اقتضاء الصراط” مليئ بالمواقف الحاضّة على احتقار المسيحيين، واجتنابهم “اجتنبوا اعداء الله في عيدهم”.[248]وينهي المسلمين عن الدخول الكنائس ايام الاعياد المسيحية، لأنها مخالفة الاهية، وتقربهم منهم، وكأنهم وباء :”لأن الموافقة في العيد، موافقة في الكفر.” و”دين النصارى ملعون”.[249]وينتقد المسلمين الذين يشاركون احتفالات المسيحيين في اعيادهم، ولا يعتبرهم مسلمين حقيقيين، مشككا بصحة ايمانهم، ومقتديا باقوال عمر بن الخطاب :” اياكم ورطانة الاعاجم، وان تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم فان السخطة تنزل عليهم، واجتنبوا اعداء الله في اعيادهم”[250]. ويزداد تشدده مصحوبا بالغضب والكره للمسيحيين، ما يجعله لا يجد اية مكرمة في الديانة المسيحية، فينعت اتباعها باقذع الاوصاف:”ان مشابهتهم في اعيادهم هو سبب لنوع من اكتساب اخلاقهم التي هي ملعونة. ومشابهتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في الاخلاق والافعال المذمومة، وهي تورث نوع محبة ومودة، فاذا كانت المشابهة بامور دنيوية تورث المحبة والموالات، فكيف المشابهة بامور دينية؟” [251]واضاف “أليست موافقتهم في العمل اعظم من موافقتهم في اللغة؟ أوليس عمل بعض اعمال عيدهم اعظم من مجرد الدخول عليهم في عيدهم”[252]  ويضيف:وعامة اعمال النصارى في اعيادهم قد زينها الله لكثير ممن يدعي الاسلام…انما خصوصا في الدين الباطل…وفيه مشابهة لهم”[253]:ويستطرد” ان المشابهة تفضي الى الكفر، او معصية غالبا، او تفضي اليهما في الجملة.”[254] وهذه المعصية تطال بعض المسلمين المتآلفين اجتماعيا مع المسيحيين، لأنه ينكر عليهم، غسل اولادهم في الحمام تيمنا بعيد الغطاس:” وقد صار كثير من جهال النساء يدخلن اولادهن الى الحمام في هذا الوقت، ويزعمن ان هذا ينفع الولد وهذا من دين النصارى، وهو من اقبح المنكرات.”[255]ويستمر بتحقير مقدساتهم بحقد، ومن دون دليل :”وفي آخر خميس من الصوم – وهو الخميس الحقير- على حد تعبيره، يجتمعون في اماكن اجتماعات عظيمة ويصبغون البيض ويطبخون اللبن …ويصنعون الاطعمة…ويتهادون الهدايا…”[256] ويشدد على المسلم لكي يختلف في سلوكه العام عن المسيحي، لا سيما في المشاركة في الاعياد، لأنها معصية كبيرة جدا.

صب ابن تيمية جام غضبه وحقده على المسيحيين، بمجرد انهم ليسوا مسلمين، ومن دون ان يناقش اي رجل دين مسيحي لكي يقنعه بالتحول الى الاسلام. فهو لا يقر امرا عن المسيحية الا ما جاء في القرآن من منظاره، ومن دون التطرق الى الآيات التي تمجد السيد المسيح. لم يجد في التسامح الذي حض عليه السيد المسيح اية مكرمة، ولا في دعوته الى التواضع والمغفرة، الا مذمة. وحذا حذوه عدد من المتشددين في زمن المماليك، لا يسعنا الاطلالة عليهم جميعهم في هذا البحث.

اما في المجتمعات التي لم يتأثر سكانها بالمتشددين، نجد نوعا آخر من السلوك الاجتماعي والديني. وسأكتفي بهذه العجالة بمقال لرئيس الرهبان الفرنسيسكان يتحدث فيه عن علاقات مسلمين شيعة ودروز بالرهبان الفرنسيسكان، في نواحي بيروت في اواسط القرن 15م.[257] ويتحدث عن اختبار شخصي لايمان “الكفرة” على حد تعبيره، كان المسلمون يبجلون كنيسة الرهبان بمقدار الرهبان انفسهم: ومن شدة ايمانهم يرسلون المرضى الى حدائق الكنيسة والدير لقطف الازهار الطبية، على الرغم من وجود مثيلاتها في الاسواق، لأعتقادهم بقدرتها على الشفاء بوضعها على الرأس[258]، ويؤمنون بما يتحدث به الرهبان عن الحياة والموت، ويطلبون منهم البركة والنصائح[259]. واذا تنزّه الرهبان في بساتين المسلمين، كان هؤلاء يطلبون منهم لمس الاشجار لمباكتها. وكانوا يحملون اليهم منتوجاتهم، ويبيعونها لهم باسعار متهاودة، واذا لم يستطيعوا دفع كامل ثمنها، ماكانوا يذكرونهم، خجلا، بما يستحق لهم بذمتهم، ولكن الرهبان كانوا يسددون دينهم. وعندما كان احدهم يشيد بيتا يطلب من الرهبان تبريكه بالماء المقدس على الطريقة المسيحية[260].

على الرغم من المبالغة الواضحة في النص، فهو يعبر عن تقدير مسلمين لرجال دين مسيحيين اغراب، متخذين من حسن المعاملة معيارا. فالعلائق بين الطرفين خلت من الحقد، والرفض، والبغض، وسادتها وشائج انسانية تقوم على احترام الآخر ايا يكن دينه ومذهبه. وهي تؤشر الى علاقات وئام بين الفئات الاجتماعية بعيدا عن المتشددين. وبالتالي يتسع المجتمع الاسلامي لغير المسلمين اذا اتسمت السلطة بالعدالة، وخلا المجتمع من التعصب الاعمى، والعنصرية الدينية.   

سلبيات الشروط العمرية: هذه عينات معبرة عما كان يعانيه المسيحيون، في نيابة دمشق المملوكية، من تعسف واضطهاد، تحد من حريتهم وترهبهم من اعادة العمل بالشروط العمرية، الخاضعة لمزاج رجال دين متشددين، وسلاطين يخشون انفلات غضب العامة، فكانوا يعملون على تخديرهم بتلك المناشير. فطوال حوالى خمسين عاماً، تعرّض المسيحيون لتسعة إجراءات تعسّفية، خفّت وطأتها في ما بعد. سُلطت تلك الشروط على اهل الذمة،[261] وكان تنفيذها شديد الوطأة عليهم يشعرهم على المستوى الاخلاقي بالدونية والاذلال، وعلى المستوى الوطني بالمواطنة غير الموثوقة، وعلى المستوى الاجتماعي بالشك بولائهم واتهمامهم بالخيانة كونهم غير مسلمين، ومستهدفين بسوء الامانة، لأنهم ميالون بطبيعتهم ودينهم الى الدول المسيحية اعداء المسلمين، ويستغلون الظروف لتزويدها بنقاط ضعف الدول الاسلامية، على حد زعم بعض رجال الدين المتشددين. وباتت المواطنة تقاس بالانتماء الديني، وليس بالولاء السياسي والانتماء المشرقي؛ فالامة هي مجموع المؤمنين المسلمين فقط، لأنهم وحدهم المختارون عند الله، اما الآخرون فمشركون. هذا ما كان يعكسه موقف فقهاء وعلماء متشددين، دفعوا السلاطين مرارا وتكرارا لاتخاذ اجراءات وتدابير تتنافى مع النظرة القرآنية للمسيحيين. لا ندري لماذا لم يستلهم عمر بن الخطاب ومن تلاه من الخلفاء طيلة العصور الوسطى العلاقة مع اهل الكتاب من “دستور المدينة” عهد الصحيفة، الذي ساوى فيه الرسول بين المسلمين مهاجرين وانصار واليهود في المعاملة، ومن يرتكب اثما  يكون وحده مسؤولا عن فعلته، ويرفضه قومه والموقعون على العهد جميعهم؟![262] مؤسسا بموجبه ركائز الدولة الاسلامية، التي يعيش فيها كل من آمن بالله الواحد واليوم الآخر بسلام وامان.

ويبقى السؤال هل شكل المسيحيون المشرقيون فئة متميزة عن بقية السكان؟ تصعب الاجابة على ذلك نظرا لقلة المعلومات، التي وفرتها مصادرنا، انما المرجح، انهم تمتعوا في احيائهم الخاصة بنظم محددة ميزتهم، في بعض وجوهها، من الفئات الاجتماعية الاسلامية. وخضعوا، كما المسلمين، الى ظاهرة اجتماعية عامة، فتشاركوا مع الدمشقيين الاعمال عينها، والاحتفالات والاعياد المتنوعة.

ان التعميم في التأريخ ساقط بلا شك، واذا كان عهد المماليك حبل بالكثير من الاضطها والتعسف بحق المسيحيين، بسبب الاوضاع الداخلية القلقة التي رافقته، كما بتسلط بعض رجال الدين على بعض السلاطين، ممن كانوا يرون الانسانية بمنظار ضيق جدا، وحصروا المكارم في الاسلام والمسلمين فقط، على الرغم من الممارسات المملوكية الخارجة على كل قانون وعرف، بما سببوه من فساد رهيب على الصعد كافة. واجتهدوا لتحويل الناس من دين الى آخر بالقهر والاضطهاد. ففي عهد صلاح الدين الايوبي، على الرغم من الصراع الديني، الذي بلغ ذروته بين المسلمين والفرنجة المسيحيين الاغراب عن المشرق العربي، لم يؤثر عنه مواقف اسلامية متشددة. واذا سلمنا بما قاله مؤرخه ابن شداد “ومن عدله أن في أيامه، لم تتمكن أكابر الأمراء من التعدي على أقل العوام، بل على أدنى اليهود والنصارى، ومتى رفع إليه يهودي أو نصراني أو أقل العوام، ظلامة على أحد من أعيان دولته، أنصفه منه وكفه عنه . . .[263]“. هل كان من العدل تحويل الناس الى الاسلام عن طريق القهر والاضطهاد فقط، ومن دون ان يسمح للمقهور بالاطلاع على القرآن، وغيره من الكتب الدينية كالحديث، والفقه… من دون ايمان؟!!

من دون ادنى شك، جعلت المراسيم السلطانية، وفتاوى وممارسات المتشددين، المسيحيين يخافون على كراماتهم، ويخشون الاضطهاد، وربما أرّقت حياتهم الرهبة من اعادة العمل بالشروط العمرية، في اي وقت، وفي اي ظرف. وادت تلك السياسة الرعناء الخارجة على مفهوم الاسلام الحقيقي، باعتمادها على اجزاء من الآيات، ووضعها في غير السياق العام للقرآن كله، وتفسيرها الكيفي، والاجتهاد في تطبيقها، والى عدم التطرق الى الآيات التي، تبارك عيسى وتجعله كلمة الله، وروح الله، والعجائب التي صنعها، وتلك التي تبارك السيدة العذراء، وتقول انها ولدت من دون خطيئة، وانها لم ترتكب اثما في حياتها….ما ادى الى خلل في الاجتماع الانساني في المرحلة المملوكية. لماذا لم يثر المتشددون على جور السلطة المملوكية في الاقتصاد، والامن، والامن الاجتماعي الذي زاد في بؤس الناس. والسلطة المملوكية كانت تخشى من النقمة الشعبية العارمة والعامة، التي توسلت احيانا رجال الدين للتعبير عن يأسها، والظلم الحائق بها. لا سيما انها غريبة عن البيئة المشرقية، عرقا، وسلوكا سياسيا، وتصرفا اجتماعيا، وممارسة اقتصادية، وتخشى الفتن الشعبية، التي، اذا اضيفت الى الصراع شبه غير المنتهي بين الامراء من جهة، وبين طوائف الاجناد من ناحية ثانية، قد تودي بالسلطان واركان حكمه. ما جعلها تخضع احيانا الى تسلط رجال الدين المتشددين، فيزداد تعسفها تعسفا، وجورها احتداما، وتنتقم من الفئة الاضعف “المسيحيين”، ارضاء للمتشددين. وبات هذا السلوك غير السوي، ان جاز التعبير، ثقافة عامة تماهت سلوكا بالاذلال، والرعب، والخوف من القتل. حتى بات المسيحيون يعيشون احيانا على هامش المجتمع، وليس في قلبه. ان هذا الاسلوب المرعب، الذي مارسه المتشددون، وجارتهم فيه السلطة المتعسفة، ما نزال نعاني خطورته حتى اليوم، وفي كل اصقاع الدنيا، بعد انتشر الارهاب فيها، بتشجيع من دول وافراد.

  نموزج عن المناشير السلطانية:” ” فلما كان في يوم الخميس السابع والعشرين من الشهر جلس السلطان على العادة، وحضر الأمراء وغيرهم إلى الخدمة فخاطب السلطان أكابر الأمراء في هذا الأمر، وقال: قد قررت على النصارى مضاعفة الجزية فيؤخذ منهم جزيتان. وأمر أن ينادي في المدينتين أن يلبسوا الثياب الزرق مضافة إلى العمائم، وأن يشدوا الزنانير فوق ثيابهم، وأن يميزوا إذا دخلوا الحمام بجلجل يجعلونه في أعناقهم، وأن لا يستخدموا في الدواوين السلطانية ولا في دواوين الأمراء ولا في الأعمال والبرور. فنودي بذلك، وبرزت الأمثلة الشريفة السلطانية به، وقرئت على المنابر بالمدينتين، ونفذت إلى العملين، وتضمّن المثال المجهّز منها إلى الوجه القبلي الذي قرئ على منابر المدن ما مثاله بعد البسملة :

 ” ( . . . ) وكان جماعة من مفسدي النصارى قد تعدوا وطمعوا، وتمادوا في المخالفة إلى ما تقتضي بعض العهود، وبغوا ومكروا مكرا كبارا، فأدخلوا نارا، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا؛  وتعرضوا الرمي بنار أطفأها الله تعالى بفضله، ومكروا مكرا سيئا (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله )؛ اقتضى رأينا الشريف أن نأخذهم بالشرع الشريف في كل قضية، ونجدد عليهم العهود العمرية، وأن نقرر على من شمله عفونا ممن ضعف منهم الجزية ما تكون به أنفسهم تحت سيوفنا مرتهنة، ونضرب عليهم في لباسهم وحرمانهم الذلة والمسكنة. فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي “السلطاني الملكي الناصر، لا زال ناصر الدين بجنوده، مظهر دين الحنفية على الدين كله، أن تستقر الجزية على سائر النصارى بالوجه القبلى ضعف ما عليهم الآن، ويؤخذ من كل نصراني جاليتان المستقرة أولا واحدة ، والزيادة نظير ذلك للخاص الشريف مهما كان مستقرا بسائر النواحي بالوجه القبلي في الإقطاع، حسب ما قررت في الروك المبارك الناصري، يكون للمقطعين، والزيادة الثانية المضاعفة الآن تكون للخاص الشريف، وأن تلبس سائر النصارى عمائم زرقاً وجهابأ زرقاً ويشدوا والزنار في أوساطهم، وأن لا يستخدم أحد من النصارى في جهة من الجهات الديوانية والأشغال السلطانية، وكذلك لا يستخدم أحد من الأمراء أحدا من النصارى عنده، وأن يبطلوا جميعهم من الجهات التي كانوا يخدمون بها. والحذر ثم الحذر من أن أحدا منهم يخرج عما رسمنا به، ومن فعل ذلك منهم كانت روحه قبالة ذلك، ولا تنفعه بعدها فدية ولا جزية. وتحسم مادة فسادهم ، وينكشف بذلك ما أظهروه من سوء اعتمادهم فليثبت حكم هذا المرسوم الشريف، وليدخل تحت أمره المطاع كل قوى وضعيف؛  وليستقر ضرب هذه الجزية استقرارا بلا زوال، مستمرا بدوام الليالي والأيام، باقية بدوام الأعوام والسنين، مخلدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. فإنها حسنة ساقها الله تعالى لدولتنا الشريفة، ومثوبة وذخيرة صالحة لم تزل في صحائفنا الطاهرة مكتوبة، ومعدلة يسرها الله تعالى على يدينا في الآفاق، وأجراً يكون ثوابه عند الله باق. وسبيل كل واقف عليه، والياً ونائباً، وحاضرأ وغائباً ، وناهياً وآمراً، وشاهداً وناظراً ، ومأموراً ، وأميراً ، وكبيراً، وصغيراً، الانتهاء عند هذا التحذير، فيبادرون إلى امتثال المرسوم الشريف، ويسمعون ويسارعون إلى العمل بما فيه”[264].


[1] – شرف (جان )،الايديولوجية المجتمعية ، منشورات الجامعة اللبنانية،بيروت،1996، ص 100

[2] -Soboul, Albert, L’histoire sociale_ Sources et Méthodes, Colloque de l’Ecole Normale supérieure de Saint-Cloud, 15-16 MAI 1965, Paris 1965, p.10.

[3]  –  لمزيد من الاطلاع انظر: شعبان (محمد عبد الحي)، صدر الاسلام والدولة الاموية، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1983، ص 46، 51-53،66،76-81…

[4]  – الصولي (محمد بن يحي)، اخبار الراضي لله والمتقي بالله، مطبعة الصاوي، مصر ، دون تاريخ، ص 142-149، مسكويه (احمد بن محمد )، تجارب الامم، تحقيق امدروز، مطبعة التمد الصناعية، مصر، 1915، ج1، ص 86، 151، ج2، ص112، و ابن الجوزي ( ابو الفرج عبد الرحمن)، المنتظم في تاريخ الملوك والامم، حيدر آباد الدكن، 1965، ج8، ص 202 واماكن متعددة منه ومن الجزء التاسع، وضومط، الشرق، ص112-115، 135-137، 171-172، 182-184

[5]  – ان نظرة سريعة على مجموعة الاغاني كافية لمعرفة المستوى الذي بلغه البذخ والمجون عند العباسيين، انظر : ابو الفرج الاصفهاني، علي بن الحسين، الاغاني، الهيئة المصرية العامة القاهرة، 1970 – 1974

[6] – حميد الله، محمد، الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدية، دار النفائس، ط4،، بيروت 1983، ص 180- 185

[7] –  الوثائق السياسية، ص 561- 563. ومما جاء فيه ” نفر من اصحابه سألوه كتابا لجميع اهل النصرانية، امانا من المسلمين، وعهدا ينجز لهم الوفاء بما عاهدوهم، واعطيتموه اياه من نفسي… ومن نكثه وخالفه الى غيره وبدّله فعليه وزره، فقد خان امان الله” ويضيف “ولا يهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم. ولا يدخل شيئ من مال كنائسهم في بناء مسجد ولا في منازل المسلمين. فمن فعل ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله…ويكفّ عنهم ادب المكروه حيثما كانوا وحيثما حلّوا. وان صارت النصرانية عند المسلمين فعليه – صاحب السلطة في الاسلام- برضاها وتمكينها من الصلوات في بيعها. ولا يحيل بينها وبين هوى دينها…”

[8]  – ابن منظور، جمال الدين محمد، لسان العرب،  دار صادر، بيروت، لا ت ، مادة ” ذمم” ، ص 221-222

[9]  – الماوردي، علي بن محمد، الاحكام السلطانية، مصر، 1228 هجرية، ص 6

[10]  –  اختلف المؤرخون الى من يعود تأسيس الشروط العمرية ألعمر بن الخطاب او لحفيده عمر بن عبد العزيز الاموي، فابن القيم الجوزية يعيدها كلها الى ابن الخطاب.

[11] – ابو يوسف، يعقوب بن ابراهيم، كتاب الخراج، المكتبة السلفية، 1932 هجرية، ص72، ابو الفدا، المختصر في اخبار البشر، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997، ج2، ص 385، ابن كثير، البداية، ج14، ص 16، صبح، ج13، ص 377-378

[12]  –  سورديل، ج. و د.، معجم الاسلام التاريخي، الدار اللبنانية للنشر الجامعي، لبنان، 2009، 435-436

[13] – انظر الحاشية رقم 7

[14]  – ابن هشام، السيرة النبوية،  القاهرة، 1936،ج2، ص 779، والبلاذري، احمد بن جابر، فتوح البلدان، بيروت، 1957، 90

[15]  – مستندا الى حديث نبوي يذهب بعضهم الى ان الرسول ادلى به على فراش الموت” لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا ادع فيها الا مسلما” ابن هشام، السيرة النبوية، صورة مصورة عن طبعة غويتن، ج2، ص 779، ابن سلام، ابو عبيد القاسم، الاموال، مؤسسة ناصر الثقافية، بيروت، 1981، ص 48، الوثائق السياسية، ص 523،

[16]النفائس في احكام، ص17

[17] – الاموال، ص 30

[18]  – الاموال، ص 20، احكام اهل الذمة، ص 209

[19] -” فهم صبغوا في دينهم” اي عمدوا اولادهم انظر، الاموال، ص 20.

[20]الاموال، ص 20، احكام اهل الذمة، ص 209

[21]  – انظر لاحقا حديثه مع احد فاتحي العراق عنوة

[22]ابن بسام،  محمد، نهاية الرتبة في طلب الحسبة، بغداد، مطبعة المعارف، 1986، ص 207.

[23] – ابن الااخوة، محمد بن احمد، معالم القربى في احكام الحسبة، دار الفنون، كمبردج، 2010، ص 39 قال ذلك لابي موسى الاشعري لأنه اتخذ كاتبا مسيحيا

[24] – ” لما قدمتم علينا، وقد سألناكم الامان لأنفسنا، وذرارينا، واموالنا على ان لا نحدث في مدائننا، ولا حولها كنيسة ولا ديرا، ولا قلاية، ولا صومعة راهب، ولا نحدث منها ما خرب، ولا ما كان منها في خطط المسلمين في ليل او نهار، وان نوّسع على من مر بنا من المسلمين في الضيافة ثلاث ليال، ولا نكتم عينا للمسلمين، ولا نعلم اولادنا القرآن، ولا نظهر شرعنا، ولا ندعو اليه احد، ولا نمنع احد من ذوي قرابتنا من الدخول في الاسلام…وان نوقر المسلمن، ونقوم لهم في مجالسنا…ولا نتشبه بهم بشيئ من لباسهم…ولا نركب بالسروج، ولا نتقلد بالسيوف، …ولا ننقش على خواتمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، ولا نسقيها احدا، وان نجز مقدم رؤوسنا، ونجعل الزنانير على اوساطنا، ولا نظهر صلباننا ولا كتبنا في شيئ من طرق المسلمين، ولا اسواقهم، ولا نضرب النواقيس في شيئ كنائسنا الا ضربا خفيفا. ولا نرفع اصواتنا بالقراءة في شيئ بحضرة المسلمين، ولا نرفع اصواتنا مع موتانا…ولا نظهر باعوثا، ولا شعانين، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، ولا نطلع على منازلهم.” وهناك المزيدانظر معالم القربى ص 40-41 

[25] – ابن قيم الجوزية، محمد بن ابي بكر، احكام اهل الذمة، تحقيق يوسف بن احمد البكري، وشاكر العاروري، الدمام، دار الرمادي للنشر1997، ص.491 ، الاموال، ص30، الوثائق السياسية، ص 508

[26]  – الاموال ، ص 46- 47

[27]الوثائق السياسية، ص 485

[28]الاموال، ص 47

[29]الاموال، ص 30

[30]الوثائق السياسية، ص 484

[31]احكام، ص 492-493

[32] ، الوثائق السياسية، ص 561-563

[33]الوثاءق السياسية، ص 184

[34] – الماوردي، الاحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت، لا. ت. ص 184-185

[35]معالم، ص 95

[36] – ابن قيم، احكام، ج2، ص 809، ابن كثير، ج14، 122، 273

[37] – الماوردي، الاحكام السلطانية ، ص 185

[38] – السيد بن حمودة، النفائس في احكام النفائس ويليه بما يحكم اهل الذمة، لا مكان للنشر، 2012، ص 31-32

[39] – مستندا الى جزء من سورة المجادلة، الآية 19.،

[40]احكام اهل الذمة، ص

[41] – فييه، جان موريس، احوال النصارى في خلافة بني العباس، دار المشرق، بيروت، 1990، ص 58

[42] – فييه، ص 59

[43]احكام، ص 465، احوال النصارى، ص 59

[44] – فييه، ص 59

[45] – الطبري،ى محمد بن جرير، تاريخ الامم والملوك، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2001 ، ج4، ص 617، ابن قيم الجوزية، محمد بن ابي بكر، احكام اهل الذمة، تحقيق يوسف بن احمد البكري، وشاكر العاروري، الدمام، دار الرمادي للنشر، 1997، ص465.

[46]احكام ، ص 470، احوال النصارى، ص 118، 128

[47] – الطبري، تاريخ، ج5، 304-305 ، احكام، ج1، ص 471

[48]احكام، ص472، صبح، ج13، ص 368

[49] – فحص، اهل الذمة، ص 20

[50] – لمزيد من الاطلاع انظر: احكام اهل الذمة في مواضع متعددة.

[51] – فالقادر مثلا صرفهم من الدواوين، والقائم فرض لبس الغيار… صبح، ج13، ص 368 ، فحص، اهل الذمة، ص 20

[52] – الانطاكي، يحي بن سعيد، تاريخ الانطاكي، جروس برس، طرابلس، 1990، ص 295-297، ولمزيد من التفاصيل انظر: سيد ايمن فؤاد، الدولة الفاطمية في مصر، الدار المصرية اللبنانية، ط2، القهرة، 2000، ص 166

[53]  – ابو شامة ( شهاب الدين عبد الرحمن)، الذيل على الروضتين، دار الجيل، بيروت، ط2، 1974، ص207، اليونيني (قطب الدين)، ذيل مرآة الزمان، حيدر آباد الدكن، مطبعة المعارف العثمانية، ط1، 1960، ج1، ص 361، ابن كثير ( الحافظ)، البداية والنهاية، دار الفكر، بيروت، 1978، ج13، ص221-225،  ابن العبري، غريغوريوس، تاريخ مختصر الدول، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، ص 483، سلوك، ج1، ق2، ص 409، ابن تغري بردي (ابو المحاسن، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، طبعة دار الكتب المصرية، ج7، ص 56

[54]  – ابو الفدا (اسماعيل بن علي)، المختصر في اخبار البشر، القسطنطينية، 1286 ه، ج3، ص207، نجوم، ج7، ص86-87

[55]  – لمزيد من الاطلاع انظر: عاشور (سعيد عبد الفتاح)، مصر والشام في عصر المماليك والايوبيين، دار النهضة العربية، بيروت، 1972، ص 171-186 العبادي، (احمد مختار)، قيام دولة مماليك الاولى في مصر والشام، دار النهضة العربية، بيروت، 1986، ص175 وما بعد، والحاشية رقم 5

[56]  – المقريزي، اغاثة الامة بكشف الغمة، مطبعة لجنة التأليف والنشر، القاهرة، 1940، ص 45-47، سلوك، ج4، ق1، ص 473، الطرخان، ابراهيم علي، دولة المماليك الجراكسة، النهضة المصرية القاهرة، 1960، ص 240- 242 ، ضومط، انطوان، الدولة المملوكية، التاريخ السياسي والعسكري والاقتصادي، دار الحداثة،بيروت، ط1، 1980، ص 148-150

[57]  – لمزيد من الاطلاع انظر : ،البصروي، علي بن يوسف، تاريخ البصروي، دار المأمون للتراث، دمشق، 1988، ص 110،125، 176، 179… ابن طولون، شمس الدين محمد، مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، القاهرة، 1962-1964،ج1، ص 247، 249،261، 287، 374…وللمؤرخ نفسه، اعلام الورى بمن ولي من الاتراك بدمشق الكبرى، دار الفكر، دمشق، 1984، ص 157، 171، 178، 205، 222،208…المقريزي، كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، دار الكتب المصرية، 1970-1972، ج1، ق3، ص810-814، ج2 ق1، 150-152، ج2، ق2، 439، 444، ج3، ق2، 55، ج4، ق3، 1127 ……انطوان ضومط، المؤتمر الدولي السادس لتاريخ بلاد الشام، ” دمشق – الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية” ص 416-418 ، – ” التجديد في منهج المقريزي”، ضمن كتاب، نحو تاريخ ثقافي للمرحلة المملوكية، “إرغون فرلاغ” فوتسبورغ، بيروت، 2001، ( 94- 111). ص99-100 والشربيني، البيومي اسماعيل، مصادرة الاملاك في الدولة الاسلامية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997، ج2، 98-108

[58] – القلقشندي، احمد بن علي، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، القاهرة، 1913، ج3، ص50، 68 458، وغيرها كثير، المقريزي، تقي الدين احمد، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، 1270 هجرية، ج1، ص 87-90 وغيرها، ضومط، الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، دار الحداثة، ط1، 1980، ص 106-113، 133- 144، 148-152.

[59] – القلقشندي، (احمد بن علي)، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، دار الكتب المصرية، القاهرة ، 1913، ج4، ص472

[60] – خرق هذا الشرط احيانا قليلة عندما كان ينعم بعض السلاطين على اولادهم وابناء الامراء بالأمرة، انظر: ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص99-100، وابن اياس، بدائع، ج1، ص225، وج2، ص5

[61] – Ayalon, D, the Muslim City and the Mumluk Military Aristicracy, proceeding of the Academy of Sciences and Humanities, 2 ,Jerusalem, 1968, p323

[62] – ضومط،(انطوان)، الدولة المملوكية، التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، ط1، دار الحداثة، بيروت، 1980، ص86

[63] – Ayalon, Muslim city, p323

[64] – Ayalon, Muslim city, p323

[65] – القلقشندي، صبح، ج4، ص40-41

– ىالمقريزي، خطط، ج2، ص98

[66] – ضومط، الدولة المملوكية، ص88

[67] – القلقشندي، صبح، ج4، ص310-312

خطط، ج1، ص357-358

[68] – عندما توفي الامير سلار ترك كنوزا مذهلة ذكر ابن اياس بعضا منها: خمسة وعشرين رطلا احجار كريمة من زمرد وياقوت، وثلاث مائة قطعة ألماس، ومائة وخمسين حبة لؤلؤ كبيرة زنة الواحدة منها مثقالا، ومائتي ألف دينار ذهب عين، واربع مائة ألف دينار من الفضة، واربعة قناطير من المصاغ الذهبي، عدا عن الخيل و غيرها من الماشية؛ ويزعم ابن اياس ان دخله بلغ من اقطاعاته وحماياته مئة ألف دينار وبلغت قيمة اموال نائب الشام التي صادرها السلطان الناصر محمد بن قلاوون ( 1309 _  1340م.) حوالى المليون ونصف المليون من الدنانير الذهبية. ووزع الامير قوصون، الذي عين نائبا على الشام ، النفقة على الامراء على غرار السلاطين، منها ثمانين جارية، واثني عشر ألف اردب غلة، وكثيرا من الذهب و الجواهر، ولكثرة عطاءاته توجس السلطان منه خيفة فاوقع به، وصادر له العامة اربع مائة ألف دينار ذهب عين، وعددا كبيرا من الكلفتاه المزركش والاواني الفضية والذهبية، فضلا عن ثلاثة اكياس اطلس كبيرة مليئة بالجواهر قدرت بمائة ألف دينار.وقد احصي ما تركه ” تنكز ” نائب الشام فبلغ مليونين وسبع مئة ألف دينار، وسبع مائة وثلاثين ألف درهم فضي فضلا عن المجوهرات.  ابن اياس، بدائع الزهور، ج1، ص155-156، ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص153وج10، ص6-8-44، العلببي، دمشق، ص 145

[69] – السبكي، 56، القلقشندي ، ج11 ، ص 408 – 414، ابن طولون ، نقد الطالب لزغل المناصب، دار الفكر المعاصر، بيروت ، 1992 ، ص 46

[70] – ابن طولون ( شمس الدين محمد الصالحي الدمشقي )، الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء الشام ، تحقيق صلاح الدين المنجد ،دمشق 1956، ص 130، 165، 219، 255 ،  وابن طولون ، نقد الطالب لزغل المناصب ، حققه محمد احمد دهمان وخالد محمد دهمان ، دار الفكر المعاصر ،بيروت ، 1992 ، ص 45 والمقريزي ، السلوك ، ج3، ق3، 1073 و 1168 ، والبصروي ، ص 174

[71]  – ابن طولون ، الثغر البسام ، ص 128 – 130

[72]  – الثغر البسام، ص 155

[73]مفاكهة ،ص 115،158، 160 ، 162 وغيرها كثير

[74]  – لمزيد من الاطلاع انظر: ضومط انطوان، “جوانب من الحياة الاجتماعية في دمشق المملوكية” ، مجلة التاريخ العربي التي تصدر عن جمعية المؤرخين المغاربة، العدد السابع ، 1998 .

[75]  نصار ( اندريه طانيوس ) ، العامة بدمشق المملوكية ، رسالة دبلوم دراسات عليا غير منشورة ،الجامعة اللبنانية ،كلية الاداب ،الفرع الثاني – الفنار، ص 360-364

[76]مفاكهة، ج1، ص 6، 41، 62،  64، 65، 79،  124-125 ، 146 ، 147 ، 160، 178، 215، اعلاو الورى، ص 96، 97،

[77]  – ابن طولون ، مفاكهة الخلان، ج1، ص 8-9،41، 65،124 79، – 125، 227، 299، 234

[78] – لمزيد من الاطلاع، انظر: ضومط، انطوان، ” جوانب من الحياة الاجتماعية في دمشق المملوكية” في اماكن متعددة في البحث

[79] ابن ىالاخوة، ضياء الدين محمد، معالم القربى في احكام الحسبة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 1982، ص 96-97

[80]  – جهد ابن تيمية بطريقته الخاصة كعالم وفقيه لاعادة توحيد العالم الاسلامي بزعامة المماليك، فاتخذ مواقف متشددة من الفرق الشيعية كلها، ومن غير المسلمين ايضا ودعاهم الى الدخول في الاسلام لينجو المسلمون من كفرهم. ولتحقيق مأربه راسل الفرق الشيعية ودعاها الى التوبة والعودة الى الاسلام الحقيقي السني. ولما لم تتجاوب حرّض المماليك، انطلاقا من موقفين سياسي وديني على قتالهم مهرقا دماءهم بفتاويه، وعلى قتال المسيحيين لا سيما موارنة لبنان” الحلفاء الطبيعيين للصليبيين”، ولمشاركتهم بالدفاع عنهم. وشارك شخصيا في بعض الحمالات المملوكية على لبنان لتطهيره من الكفرة على اختلاف انتماآتهم، لأنه كان يخشى عودة المسيحيين الاوروبيين الى احتلال شواطئه، والسيطرة مجددا على بعض البلاد الاسلامية المشرقية. لمزيد من الاطلاع على الحملات المملوكية على لبنان وعلى= =مواقف ابن تيمية منها، انظر: القطار، الياس، نيابة طرابلس على عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1998، ص 112- 120

[81]  – ابن تيمية، اقتضاء الصراط،تحقيق ناصر بن عبد الكريم العقل، الرياض، مكتبة، الرشد، لا ت.،40،418 ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج1، ص 91-92 ، نقلا عن احمد حطيط، ابن تيمية، ص 373

[82]  – ابن تيمية، احمد بن عبد الحليم، اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة اصحاب الجحيم، تحقيق ناصر بن عبد الكريم العقل، مكتبة الرشد الرياض، لا ت. ، ص 66

[83]  – حطيط، ص 373

[84]  – الصراط، ص، 90 ومن نمازجه الصارخة على كرهه لاهل الذمة ما ذكره احمد حطيط، نقلا عن ابن عبد الهادي، عن المجلس الشرعي الذي عقده السلطان الناصر محمد بن قلاوون للبت بطلب المسيحيين للعودة الى ما كانوا يلبسون على ان يدفعوا جزية زيادة عما كانت عليه، سكت جميع الحاضرين الا ابن تيمية الذي جثا على ركبتيه وقال للسلطان :” لا تفعل، واني اعيذك ان يكون اول مراسمك…تنصر فيه الكفار وتغرّهم من اجل حطام الدنيا الفانية.” حطيط، ابن تيمية، ص 374.

[85] – الصراط، ص82، 354 ،366، 422، 426، 489،

[86] – عينه ص 90

[87] – الصراط، ص 40، 182، 186، 418، 480

[88] – الصراط، ص176

[89]  –  اقتضاء الصراط، 176، 182،186، 480

[90]  – ابن تيمية، الصراط ص 454. ويستند لتبرير مواقفه تلك بما اثر عن ائمة السنة:” فمشابهتهم في اعيادهم، ولو بالقليل، هو سبب لنوع لاكتساب اخلاقهم التي هي ملعونة…” انظر: اقتضاء الصراط، ص 460، 454، 476

[91] – الصراط،  ص 454

[92]الصراط، 476

[93]الصراط، ص، 470

[94]  – اقتضاء الصراط، ص، 267، 180، 195.

[95]  –  ابن تيمية، الصراط، ص 381

[96]  – لمزيد من الاطلاع انظر ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، مكتبة المدين، جدة، دون تاريخ.

[97]  – فجاءوا من باب توما باتجاه درب الحجر ورشوا الخمر على رباط الشيخ ابي البيان، وعلى مسجد باب الحجر الصغير، والمسجد الكبير. انظر ابن العميد، اخبار الايوبيين، بور سعيد الظاهر، مكتبة الثقافة الدينية، لا. ت. ص 53-54، الذهبي، دول الاسلام،= =الهيئة المصرية العامة، مصر، 1974 ج2، ص 163، ابن كثير، ج13، ص 221، سوك، ج1، ق2، ص 425-432، نجوم، ج7، ص 80-81

[98]  – السبكي، تقي الدين علي، فتاوى السبكي، دار المعرفة، بيروت،  ج2، 407 – 408

[99]  – السبكي، فتاوى، ص 417 ،

[100]  – ابن شداد، تاريخ الظاهر بيبرس، بيروت، 1984، ص 357-358، ابو الفدا، المصدر السابق، ج4، ص 14، السبكي، فتاوى، ص 419، نجوم، ج7، ص 140، اسماعيل، اكتمال، الآثار الاجتماعية والاقتصادية للحملات المغولية على بلاد الشام، دار رسلان، دمشق، 2008، 187-188

[101]  – ابن كثير، بداية، ج14، ص 319-320

[102] – البلاذري، احمد بن يحي، فتوح البلدان، دار الكتب العلمية، بيروت1978، ص 192، الاموال، 182-183

[103] – انظر اعلاه دور عمر بن الخطاب في الشروط العمرية

[104]معالم القربى، ص 39-43

[105]معالم القربى، ص45

[106] – ابن قيم، احكام، ص 482-484، 488

[107] – انظر مثلا: احكام، من ص 490 الى 499 فكلها آيات استنبط منها ما يسيء الى المسيحيين واليهود.

[108]احكام، ص 499

[109]احكام اهل الذمة، ص 202

[110]  – ابن طولون، محمد، مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، نشر محمد زيادة، القاهرة، 1962-1964، ج1، ص 124، 153، زيادة، نقولا، دمشق في عهد المماليك، مكتبة لبنان، 1966، ص131، نصّار،” اندره، اوضاع المسيحيين في دمشق وحلب في العصر المملوكي” ص41-75 ضمن كتاب نحو تاريخ ثقافي للمرحلة المملوكية،  ص 44

[111] – زيادة ، ، دمشق في عصر المماليك ، ص 131 – 133.

[112]  – القطار، الياس، ” الموارنة واليعاقبة والشيعة والدروز في الجبل اللبناني في العهد المملوكي جدلية الاضطهاد والتسامح” ضمن كتاب نحو تاريخ ثقافي للمرحلة المملوكية، المعهد الالماني للابحاث الشرقية، بيروت، 2010، ص 6

[113]  –  القلقشندي، احمد بن علي، صبح الاعشى في صناعة الانشا، القاهرة، دار الكتب، 1913، ج5، ص 443-445، الخالدي، المقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا، اطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة القديس يوسف، بيروت، 1988، ص 266- 265

[114]صبح، ج5 ، ص 443، و ج13، ص 276

[115]  – صبح، ج4، 201، و ج12، ص 422-423

[116]  – صبح، ج11، ص 388-389، و ج12، 425-426

[117]صبح، ج12، 424

[118] –  ابن قيم الجوزية، احكام، ق2، ص 659- 661 ، صبح، ج12، 424، الخالدي، ص 375

[119] – ابن كثير، البداية، ج14، ص 319-320

[120]  – نصّار، المرجع السابق، ص 46-47.

[121] – باشا، قسطنطين المخلصي، لمحة تاريخية في الرهبانية الباسيلية المخلصية، المطبعة الادبية، بيروت، 1909، ق1، ص 59-60

[122] – الخالدي، ص 275

[123]  – صبح، ج6، ص 164-165، ج12، ص 389، نصار، اوضاع، ص 48

[124]  – مفاكهة، ج1، ص 100، نصار،  اوضاع، ص 48

[125]  – ابن كثير، بداية، ج14، ص 249، نصار، اوضاع، ص 48

[126] – ابن الرفعة الشافعي، نجم الدين احمد، النفائس في هدم الكنائس، مؤسسة بينونة للنشر والتوزيع، دولة الامارات العربية المتحدة، 2013، ط1، ص 44-46

[127]  – فهو يقول:” كان عهد عمر…يفرض على المسيحيين حالة من الاضطهاد ومن مواطنية الدرجة الثانية…انظر: الزين، حسن، الاوضاع القانونية للنصارى واليهود في الديار الاسلامية، دار الفكر الحديث، ط2، بيروت، 2000، ص 63 . واحكامها، انظر : ابن القيم الجوزية، احكام اهل الذمة، تحقيق صبحي الصالح، بيروت، 1961، ج2، ص 657

[128]  –  المقريزي، تقي الدين احمد، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج4، ص 389 وما بعد، الزين ص 64

[129]    –  حطيط، ابن تيمية، ص31

[130]  – ابن كثير، البداية، ج11، ص 294

[131] – المقريزي، تقي الدين احمد، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1998، ج3، ص 778

[132]  – ابن الشحنة، روض، مخطوط الفاتيكان رقم 271، ص 122،خطط، ج3، ص 778-779اسماعيل، الآثار الاجتماعية، ص 188

[133]سلوك، ج1، ق2، ص 542، ابن تغري بردي، المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986، ج5، ص 274

[134]  –  البداية، ج13، ص 340

[135]  – البداية، ج 14، ص 16، النويري، نهاية، 31/416-426. ابن تغري بردي، النجوم، 8/133-135، خطط، ج3، ص 780-781، سلوك، – دار الكتب العلمية، ج2، ص337-338321

[136]  – السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص 484، النويري، نهاية، 31/416-426، أبو الفداء، المختصر، 4/47. ابن كثير، البداية والنهاية، 14/55 ابن تغري بردي، النجوم، 8/133-135، خطط، ج3، ص 780-781، سلوك، – دار الكتب العلمية، ج2، ص337-338321

[137]  –  سلوك، ط.دار الكتب العلمية، ج3، ص44

[138]  – سلوك، ج4، ص 201، الدويهي، الأزمنة، ط. توتل، ص 182، خطط، ج3، ص 782-783، سلوك، ج4، ص 201

[139]البداية، ج14، ص 317

[140]  –  بداية، ج14، ص 305-306

[141] Sobernheim, Corpus, pp. 125-126.

[142] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص 87

[143] – انظر سابقا

[144] – القلقشندي، صبح الاعشى في صناعة الانشا، ج5، ص 460

[145] – لم يجز للمسيحيين لقب امير مائة ومقدم ألف لأنها رتبة حربية، انما سمح لهم بالقاب طبلخاناه، وعشرين، وعشرة وخمسة واحيانا اثنين

[146] – الصقاعي، فضل الله بن ابي الفخر، تالي كتاب وفيات الاعيان، المعهد الفرنسي بدمشق، المطبعة الكاثوليكية ، بيروت، 1974، ص 186

[147] – شيخو، وزراء، ص 186

[148] – الصقاعي، تالي الوفيات، ص11-12

[149] – الصقاعي، تالي، ص ، 186، ووظيفته حساسة جدا لأنها اختصت بتحصيل المصادرات

[150] – الشجاعي تاريخ، ص 75، البصروي، تاريخ، ص 89

[151] – شيخو، وزراء النصرانية ، ص 77، تكمن اهميته الى جانب وظيفته، انه ألف عددا من الكتب مثل: ذيل على تاريخ ابن العميد، واختصر وفيات الاعيان لإبن خلكان، واضاف اليه ذيلا اسماه” تالي وفيات الاعيان”.

[152] – الجزري، ج1، ص 389-390

[153] – الجزري، حوادث، ص 114

[154] – ابن حجر، انباء، ج2، ص 139

[155] – ابن طوق، التعليق، ج2، ص 682-683

[156] – السبكي، معيد، ص 139-140

[157]السبكي، معيد، ص 139-140

[158] – الهيب، الحركة الشعرية، ص 68

[159] – الضرائب غير الشرعية هي التي لا يجيزها الشرع الاسلامي كالرمي، والطرح، والمجامعة والمشاهرة، والمصادرات على اختلاف انواعها. لمزيد من الاطلاع انظر: ضومط، انطوان: دمشق الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية، ص 416-417، ضمن كتاب المؤتمر الدولي السادس لتاريخ بلاد الشام، مطبعة جامعة دمشق، دمشق، 2001

[160] – نصار، ص 59

[161]صبح، ج12، ص 306-3607، ابن طولون، مفاكهة الخلان، ج1، 16

[162] – ابن الاخوة، ص 99-100

[163] – ابن قاضي شهبة، تاريخ، مج2، ج1 ص 231، البداية، ج14، ص 198، صبح، ج3، ص 530

[164] – القلقشندي، ج3، ص 97، 350

[165] – القلقشندي، ج 3، ص 530

[166] – فحص، اهل الذمة، ص 117

[167] – الذهبي، محمد بن احمد، ذيول العبر في خبر من غبر، دار الكتب العلمية، بيروت، لا تاريخ، ج4، ص 190

[168] – فحص، اهل الذمة، ص 117

[169] – المكان عينه

[170] – القلقشندي، ج3، ص531

[171] – نصار، اوضاع، ص 59

[172] – فحص، اهل الذمة، ص 122

[173] – نصار، اوضاع، ص 59

[174] – اليونيني، قطب الدين، ذيل مرآت الزمان، حيدر آباد الدكن، مطبعة دار المعارف العثمانية، 1960، ج1، ص 362-363، ابن كثير، ج13، ص221 .

[175] – ابن كثير، الحافظ ابو الفدا، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت، 1988، ج14، ص186، ابن الوردي، تاريخ، ج2، ص 318

[176] -ابن كثير، البداية، ج14، ص 86، ابن الوردي، تاريخ، ج2، ص318، البصروي، تاريخ، ص 89-90

[177] – ابن كثير، البداية، دار المعارف، ج14، ص 198

[178] – ابن كثير، البداية، ج14، ص115-117

[179] – الدويهي، البطريرك اسطفان، تاريح الازمنة، طبعة فهد، بيروت، دار لحد خاطر، لا ت، 322-323 ، نصار، اوضاع، ص 62

[180] – نصار، اوضاع، ص 62

[181] – ابن كثير، البداية، ج14، ص 315

[182] ، شمس الدين بن ابي بكر، احكام اهل الذمة، تحقيق صبحي الصالح، دار العلم للملايين، ط4، 1994، ق2، ص705. شرح الشروط العمرية، دار العلم للملايين، ط2، 1981، ابن القيم الجوزية، ص 49

[183] – ابن الاخوة، معالم، ص 49

[184] – ابن ىالاخوة، ضياء الدين محمد، معالم القربى في احكام الحسبة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 1982، ص 96-97، النويري، شمس الدين احمد، نهاية الارب في فنون الادب، الهيئة المصرية العامة، 1992، ج31، ص 417. القلقشندي، صبح، ج13، ص 379. سلوك، ج4، ص 202

[185]  العسقلاني، ابن حجر، انباء الغمر بابناء العمر، دار الكتب العلمية، بيروت، 1986، ج8، ص 258

[186] – الجزري، شمس الدين محمد، تاريخ ابن الجزري، تحقيق عمر تدمري، المكتبة العصرية، صيدا، 1998، ج2، ص 112

[187] – العسقلاني، انباء،ج2، ص 139،  شيخو، لويس، وزراء النصرانية وكتابها في الاسلام، المكتبة البولسية، بيروت، 1987، ص 220

[188] – ابن كثير، ج14، ص122

[189] – الجزري، ج1، ص203-205، ابن كثير، ج13، ص 335-336

[190] – نصار، اندره، “اوضاع المسيحيين في دمشق وحلب في العصر المملوكي” ضمن كتاب نحو تاريخ ثقافي للمرحلة المملوكية، مطبعة درغام، بيروت، 2010، ص51

[191] – الجزري، ج2، ص 400

[192] – الجزري، ج2، ص 108، مفاكهة، ج1، ص 153

[193] – العسقلاني، ج4، ص 4

[194]سلوك،ج4، ق2، ص 884

[195]سلوك، ج2، ق3، ص 921-927

[196] سلوك، ج3، ق1، ص 372-373

[197] – الذهبي، تاريخ الاسلام، حوادث ووفيات، ص 26

– شيخو، لويس، وزراء النصرانية وكتابها في الاسلام، المكتبة البولسية، بيروت، 1987، ص 22

[198]  فحص، اوضاع، ص64

[199] – الجزري، ج2، ص 319

[200] – الجزري، ج3، ص590، 678،736، 866.

[201]تاريخ الجزري، ج2، ص 523

[202] – الجزري، ج2، ص 319

، شمس الدين محمد، مفاكهة الحلان في حوادث الزمان، ج1، دار احياء الكتب العربية، القاهرة، 1962، ص 68

،[203]  – نهاية الارب، ج31، ص 385، ابن كثير، البداية، ج 14، ص 99، 250، 305، 306 وغيرها، القلقشندي، صبح، ج13، 378، المقريزي، خطط، ج3، 778، 781، 784، 822، سلوك، ج3، ص 44، ج4، ص 302-303

[204] – البداية، ج 14، ص 250، صبح الاعشى، ج13، 377-378، سلوك، ج2، 337-338، ج4، ص 203

[205]  – البداية، ج 14، ص 16، النويري، نهاية، 31/416-426. ابن تغري بردي، النجوم، 8/133-135، خطط، ج3، ص 780-781، سلوك، – دار الكتب العلمية، ج2، ص337-338321 –

[206]  – السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص 484، النويري، نهاية، 31/416-426، أبو الفداء، المختصر، 4/47. ابن كثير، البداية والنهاية، 14/55 ابن تغري بردي، النجوم، 8/133-135، خطط، ج3، ص 780-781، سلوك، – دار الكتب العلمية، ج2، ص337-338321

[207] القلقشندي، صبح،13/20.

[208]  ابن الاخوة، معالم، ص 95،- البداية، ج14، ص 99 ، 250، سلوك، ج3، ص 44، 203

[209] – ابن كثير، ج14، 250

[210]البداية، ج14، ص 317

[211] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص 87

[212]  –  البداية، ج13، ص 340

[213] – البداية، ج14، ص 250

[214] – انظر الكتب او المناشير السابقة.

[215] – البداية، ج14، ص 305-306

[216]  ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص 87

[217]مجلة المشرق، الزيات حبيب، الديارات الاسلامية في الاسلام ، عدد 36، بيروت، 1938، ص 291-417، ص320

[218]احكام اهل الذمة، ق2، ص 727

[219] – نصار، اوضاع، ص 57

[220]خطط، ج1، 304-305

[221] – ابن كثير، البداية، ج14، ص 317، ابن قاضي شهبة، تاريخ، مج3، ص273، البصروي، صفحات مجهولة من تاريخ دمشق في عصر المماليك، تحقيق اكرم العلبي، دار المأمون للتراث، دمشق، 1988، ص 204-205، مفاكهة، ج1، ص 21، 30، 32،109، 153-154، 158، 203، 205، 248-249، 303، 314. ابن طولون، اعلام الورى، بمن ولي نائبا من الاتراك بدمشق الشام الكبرى، ط2، دمشق، دار الفكر، 1984، ص 116-117، 186-188

[222] – الذهبي، تاريخ، ص 50-51

[223]النفائس في احكام الكنائس، ص15

[224] -السبكي، فتاوى، ج2، ص373

[225] – لمزيد من الاطلاع انظر: ضومط انطوان، “مسيحيو المشرق العربي اواخر العصور الوسطى جدلية السلطة والدين، مجلة المشرق، السنة التاسعة والثمانون، الجزء الاول، كانون الثاني، 2015. وايضا بالكلام على المتشددين في هذا البحث

[226] -لمزيد من الاطلاع انظر:ضومط ،انطوان، الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، بيروت، دار الحداثة، ط1، 1980، 188-196

[227] – لمزيد من الاطلاع، انظر: ضومط، الدولة المملوكية، ط1، ص، 182-183، 220 – 232

[228]-Heyd,W, Histoire du commerce du Levant au moyen-age,II, Leipzig,1885-1886,p.86

[229]– ibid,II, p.430-431

ضومط، الدولة، ص206-209

[230] – انظر هذه المعاهدات في بحث: بيار مكرزل، المعاهدات التجارية بين البنادقة والسلاطين المماليك، المشرق، تموز-كانون الاول، 2013، ص590-591

[231]-Ashtor,E, Les metaux precieux et la balance des paiement du Proche Orient a la basse epoque, S.E.V.O.E.N., Paris,1971,p.65

[232] – مكرزل، المعاهدات،  ص592

[233] – عينه، ص 593

[234] – مكرزل، المعاهدات، ص593

[235] – من اكثر المتشددين السنة الشوافع

[236] -انظر مراسيم الشروط اعلاه، والمقريزي، سلوك، ج2،ص337-338،ج3، ص 41-44، ج4، ص201-202

[237]-Wiet,Gaston, L’egypte arabe de la conquete arabe a la conquete musulmane,(642-1517), Le Caire, 1937, p491-493

– ضومط، الدولة، ص225

[238] –  القلقشندي، صبح، ج4، ص 310-312، مكرزل، المعاهدات، ص597-598

[239] – مكرزل، المعاهدات، ص 599

[240] – شيخ الربوة الدمشقي، كتاب نخبة الدهر في عجائب البر والبحر، لابزيغ، 1993، ص 281،نقلا عن اندره نصار، اوضاع، ص55

[241] – المصدر عينه، ص281

[242] -انظر لاحقا

[243] – نصار، اوضاع، ص56

[244] – شيخ الربوة، ص 281

[245] – المكان عينه، نصار، اوضاع، ص 56-57

[246] – نصار، اوضاع، ص 57

[247] – العلبي، اكرم، دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق، 1982، ص 88-89

[248]اقتضاء، ص 458

[249]اقتضاء، ص 460، 470.

[250] -هذا القول لعمر بن الخطاب اورده ابن تيمية انظر الهامش التالي

[251] – اقتضاء، ص، 454-456، 484

[252] – عينه، 458

[253]اقتضاء الصراط، ص، 479

[254]قتضاء، ص 480

[255]اقتضاء، 518

[256]اقتضاء 471، 479-480

[257]– Suriano Fancesco, Treatise on the Holy Land, translated by T. Bellorini &E. Hoade,Jerusalem,1949, reprinted, 1983, pp170-172

[258] Ibid, p 170

[259] Ibid,171

[260]-ibid, p,171

[261]  – ويتعذر  التمييز، في تعبير اهل الذمة، بين اليهود والمسيحيين. لذلك سنقصد به  المسيحيين فقط، بخاصة ان الصابئة والمجوس لم تشير اليهم الفرامانات او المراسيم السلطانية

[262]   – لمزيد من الاطلاع على عهد الصحيفة انظر:حميد الله، الوثائق السياسية، ص59 – 62

[263] – ابن شدّاد، تاريخ، ص 281-282.

[264] – المقريزي، السلوك، 2/959- 962

التأريخ في العهد المملوكي

       

اولا– البيئة السياسية والثقافية للتأريخ في العهد المملوكي :

1- السلاجقة والاجماع الاسلامي.

ارتبط التأريخ منذ نشأته في الدولة العربية-الاسلامية بالتأريخ للخاصة من دون ايلاء العامة نصيباً يذكر، لا بل شكل الحكام على اختلاف مستوياتهم وتسمياتهم ركائزه. وفي مرحلة الانحطاط العباسية، صار القادة الاتراك، ثم الملوك البويهيون، فالسلاطين السلاجقة محاوره الاساسية. ولم يتعدّ النشاط السياسي والعسكري العام في ارجاء الدولة الاسلامية الصراع بين قادة مختلفين، او بين مغتصبي ولايات، واحيانا تناول فتوحا جديدة بعد ان كانت قد استقرت رقعة الدولة.

وشكل العهد السلجوقي مرحلة جديدة في الفكر السياسي-العسكري بمحاولة اعادة سيطرة المذاهب السنية على ما عداها من المذاهب الاسلامية، واسترداد ما اعتبره بعض مفكري السنة اراضي استولى عليها الفاطميون. انحلت السلطنة السلجوقية وانقسمت على نفسها الى اتابكيات تنتسب اسميا الى البيت السلجوقي وتتخاصم فيما بينها. واحتل الفرنجة السواحل اللبنانية والفلسطينية والسورية مع اجزاء من داخل بلاد الشام، وحاولوا تكرارا الاستيلاء على مصر الفاطمية. وأدى بالنهاية تشابك مصالح الفئات الثلاث المذكورة الى سقوط الخلافة الفاطمية عام 1171 وقيام الدولة الايوبية في مصر وبلاد الشام.

ونتج عن التنافس بين خلفاء صلاح الدين الايوبي( 1171 ) زوال الدولة الايوبية في مصر اولاً وقيام الدولة المملوكية الفتية. وتلا ذلك هجوم المغول وانهاء الخلافة العباسية في بغداد عام 656/1258. فتحولت مناطق الخلافة العباسية الشرقية الى السيطرة المغولية. وأعقب ذلك معركة عين جالوت 658/ 1260 التي وضعت حدا لتقدم المغول، والى زوال الدويلات الايوبية، وترسيخ دعائم الدولة المملوكية التي صارت بنظر المسلمين حامية الديار الاسلامية في مصر وبلاد الشام والاماكن الاسلامية المقدسة. وأضفى احياء السلطان بيبرس الخلافة العباسية في مصر على المماليك مأثرة دينية اضافية ساهمت بتثبيت دعائم الدولة الجديدة.

وقد أثّرت كل هذه التطورات المتسارعة على توجيه الفكر الاسلامي العام وخصوصا السني، الذي صارت مصر وبلاد الشام مرتعاً اساسياً له بعد ان غدت دولة المماليك احدى اقوى الدول الاسلامية. وقد جزّأت هذه التحولات السياسية والعسكرية المتسارعة، في منتصف القرن السابع/الثالث عشر، العالم الاسلامي الى اربعة مناطق على الاقل: بلاد فارس وبلاد ما وراء النهر تحت السيطرة الإلخانية المغولية ذات الثقافة الفارسية، التي تحولت تدريجا الى ثقافة مغولية فارسية اسلامية لها ميزاتها وطابعها الخاص بعد ان اعتنق إلخانات فارس الاسلام، وتمتعت باستقلال سياسي تام من دون اي ارتباط بالخلافة العباسية في القاهرة، والدولة العثمانية الفتية التي تطورت قوتها بعد قضاء المغول على دولة سلاجقة الروم عام699/ 1300 ما مكّن العثمانيين ضم معظم اراضيها، والتوسع على حساب اراضي الامبراطورية البيزنطية. والدولة المملوكية في مصر وبلاد الشام حاضنة الخلافة العباسية المتجددة الباسطة نفوذها على الاماكن الاسلامية المقدسة، والمغرب العربي امتدادا الى بلاد الاندلس المتنازع عليها بين الاسبان والمسلمين.ما قيمة هذه الصورة السياسية المذهبية الاسلامية على مستوى التأريخ والفكر الاسلاميين؟

2- إلخانات فارس والاجماع الاسلامي:كانت الخلافة العباسية في بغداد، قبل سقوطها، تمثّل الجامع لا بل المرجع الديني الرئيسي لكل القوى الاسلامية المتصارعة فيما بينها. وقد ادى سقوطها الى افراغ الاجماع السني من محتواه خصوصا بعد ان اعتنق غازان ( 694-703 / 1295-1304) الاسلام على المذهب السني. لأنه لم يكن بوارد الخضوع للخلافة القائمة في كنف المماليك اخصامه السياسيين، لأن من شأن ذلك ان يجعله تحت السيطرة المملوكية وان اسميا، وتاليا معنوياً. فاعتمد الحل العسكري مخرجا من هذه التبعية، لكن فشله في معركة مرج الصفر عام 1303 اسقط كل تطلعاته فتحول الالخانيون في بلاد فارس تدريجا الى المذهب الشيعي الاثني عشري، الذي يعتبر كل حاكم يعترف بالأئمة الاثني عشر وبالمذهب الجعفري حاكما شرعيا، فيطيعه رعاياه وينصرونه[1].

ان هذا التحول التدريجي في دول الالخانيات الى المذهب الشيعي اعاد قسمة العالم الاسلامي مجددا بين السنة والشيعة، ولكنه أخذ هذه المرة بعدين اضافيين: عرقيا (قوميا) عصبيا فارسيا مغولياً، يتمتع بالمقومات الجغرافية والستراتيجية ويخضع للسيطرة المغولية. والمماليك الاغراب المسيطرين على مصر وبلاد الشام بتوجه اسلامي تطغى عليه الصفة العربية. وكان المغرب والاندلس منشغلين باوضاعهما السياسية غير المرتبطة اجمالا باحوال المشرق العربي. وتحوّل الحكم المملوكي الى حكم متسلط فئوي، منفصل عن الشعب، لا بل مُسخّرا الشعب لخدمة الفئة ( الطبقة ) العسكرية الحاكمة. ورغم كل التجاوزات المملوكية غير المبررة شرعا وعلى المستوى الانساني، فان المؤرخين وكبار رجال الدين وعوا امرا على جانب كبير من الاهمية وهو انّ الاسلام ما يزال متمركزا في الديار المملوكية حيث تقوم الشرعية الدينية الوحيدة في العالم الاسلامي. وهذا الوعي يفسّر الانفصام شبه التام بين التأريخ وعلم الحديث من جهة، وتاليا بين المدني والديني، ويبرّر من ناحية ثانية هذا الكم الهائل من كتب التاريخ، وكتب التراجم والطبقات التي تحمل عموما اسماء دينية مثل: طبقات الحنابلة، او الشافعية…تجاه انحطاط مأسوي في بقية العلوم على تنوع موضوعاتها.

ثانيا ازدهار التأريخ

1- انواع المؤلفات:يبدو ان معظم المؤرخين شغلوا وظائف ديوانية مثل كتابة السر، والحسبة والتوقيع بديوان الانشاء… ما سمح لهم الاطلاع على دقائق سجلات هذه الوظائف، وعلى ركائز النظامين العسكري والاقطاعي المملوكيين فازدهرت كتب الادارة مثل مسالك الابصار للعمري، ونهاية الارب للنويري، وصبح الاعشى للقلقشندي، والمواعظ والاعتبار للمقريزي، وزبدة كشف الممالك للظاهري… اضافة الى التواريخ العامة، التي لم يقتصر حضورها على السياسي والعسكري بل تعداهما الى النشاطات الاجتماعية والاقتصادية والادارية. فاكتملت بذلك صورة التاريخ بابهى حلله، واروع روآه، وصارت المؤلفات تنبض بالحياة، تتحدث عن الخاصة والعامة معا بعد ان كانت حكرا على الاولى.

تجاه هذا الازدهار المنقطع النظير للمؤلفات في ميدان التاريخ على تنوع مواضيعه، نلاحظ انحطاطا مخيفا ومربكا في بقية العلوم على مدى العصر المملوكي. وقد يكون مرد ذلك الى وعي المؤرخين للديني المرتبط بالسياسي الناتج عن احتضان المماليك للشرعية الدينية السنية الوحيدة، فصارت بنظرهم دولة المماليك وحدها الدولة الشرعية في العالم الاسلامي، وتحوّلت الدول الاخرى غير الخاضعة للخلافة العباسية الى دولٍ عاقّة، ما جعل التاريخ المحلي او الاقليمي يزدهر بامتياز، بحيث قلّما تجاوزت مضامين مؤلفات المؤرخين المشرقيين حدود الدولة التي يعيشون في كنفها اللهم الا ابتهاجا بفتح اسلامي، او نجاة المسلمين من هجوم الفرنجة.

وبذلك، غابت عن الساح التأريخية مؤلفات التاريخ العام الشامل، وان اطلقنا على بعضها هذه الصفة لان حضورها اقتصر على التاريخ الاقليمي الخاضع اصلا لنفوذ سياسي محدد. ما عكس الانقسام السياسي على الفكر الديني وعلى الوضعين الاجتماعي والاقتصادي. ولم يعد العالم الاسلامي كله مسرحا لأقلام المؤرخين المسلمين، بل تقوقع التوجه، خلال الحقبات التي تطورت فيها المناهج التأرخية، ليحدّد السمات العامة للمراحل الاخيرة من العصور الوسطى. وقد حرمنا هذا المنظور السياسي الديني الضيّق من كنوز كثيرة لأنه لو توفّر للمقريزي وزملائه، بما تمتعوا به من نفاذ البصيرة والحس الاجتماعي، الاطلاع على اخبار الدول الاسلامية الاخرى ودوّنوا اخبارها لكانت اغتنت المكتبة العربية بمادة علمية تاريخية قلّ نظيرها. ولكن مع الاسف الشديد اقتصر حضورهم التأريخي على دولة المماليك .

2- عوامل ازدهار التأريخ: ولعل ما ساعد على تطور الحركة التأريخية في العهد المملوكي عوامل أخرى قد يكون من ابرزها:

أ- تأثير الوظائف الديوانية على التأريخ: شغل بعض المؤرخين وظائف ديوانية، ممّا جعلهم قريبين من القرار السياسي، ومطلعين على معلومات كان متعذرا على غيرهم الوصول اليها، ومدركين بدقة بنية المؤسسات المملوكية بسلبياتها وايجابياتها.

ان تحدُّر بعضهم من العرق المملوكي وانتسابه الى الفئة العسكرية الحاكمة كإبن ايبك، وبيبرس الدوادار، وابن تغري بردي، وابن اياس وغيرهما مكّنهم من ان يعكسوا في مؤلفاتهم مواقف المماليك بعضهم من البعض الآخر، وتصرفات الحكام تجاه الشعب، وبالتالي مفهومهم وموقفهم من السلطة العسكرية الحاكمة، وان كان مؤرخون آخرون تمكنوا من فهم هذه العقلية، فان شهادة هؤلاء بابناء جنسهم جاءت بالغة التعبير.

ب- سوء استعمال المماليك للسلطة:ان سوء تصرّف المماليك كحكام بل كطبقة عسكرية حاكمة منغلقة عن بقية الفئات الاجتماعية، ادى الى انفصام مجتمعي بينهم وبين الشعب لأنهم اجتهدوا باستنزاف كل طاقاته، حتى صار المجتمع اعرج يشكو بعضه من التخمة والبعض الآخر من الضنك. فانبرى عدد من المؤرخين يصوّر هذا الواقع الاليم وينتقد تصرف الحكام ويفنّد مساوءهم.

ج- دور التجارة: كان لاتساع التجارة وتطور طرقها وسيطرة المماليك عليها، واحتكارهم التجارة العالمية بين الشرق والغرب لان طرقها كانت اما تبدأ واما تنتهي باحد الموانئ او المحطات المملوكية، ممّا مكّن الرحالة المشارقة ومنهم مؤرخون من التجوال بسهولة في معظم ارجاء العالم القديم ومن تدوين مشاهداتهم: وصف المحطات التجارية، والطرق، وانواع السلع التجارية ومصادرها، مراكز الجمارك ، قيمة الضرائب…

تطور علم التراجم الذي بدا وكأنه انفصل عن علم التاريخ وصار من اختصاص رجال الدين، وبالتالي لم يعد مقصورا على الخاصة من الحكام بل شمل نماذج اجتماعية رفيعة الشأن، ممّا جعل التراجم تنبض بشيء من الحياة الاجتماعية.

نشطت المدارس ولا سيما في العهد الجركسي، فقام المدرسون على اختلاف درجاتهم بترشيد المجتمع بمحاولة لضبط المساوئ الاجتماعية التي استشرت فيه، احيانا بتوجيه النقد اللاذع للمسؤولين او لمن يمالئونهم.

إلتزم فريق من المؤرخين بحياة الناس الاجتماعية والاقتصادية التي تردّت كثيرا في القرن الخامس عشر، وعلى رأسهم المقريزي، بتقريظ السلطة ومن يمالؤنها.

3 – انواع المؤلفات: ساهمت العوامل الانفة بازدهار الحركة التأريخية في العهد المملوكي في مختلف ميادين النشاط الانساني، وسنكتفي بالاشارة الى بعضها: ففي الادارة: التعريف بالمصطلح الشريف، ومسالك الابصار في ممالك الامصار للعمري م 749/1348.  وتاريخ الدول والملوك لإبن الفرات م 806/1404، ونهاية الارب في فنون الادب للنويري م 733/1332، وصبح الاعشى في صناعة الانشا للقلقشندي م821/1418، وزبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك لابن شاهين الظاهري م 873/1468، والمقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا للخالدي، والمواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزي م 845/1441 و هو ايضا في الخطط اوالطوبوغرافيا. وفي التراجم: تاريخ الاسلام وطبقات المشاهير والاعلام للذهبي م 748/1348، واعيان العصر واعوان النصر  والوافي بالوفيات للصفدي م 765/1368، وطبقات الشافعية للسبكي م 771/1369، والدرر الكامنة باعين المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني م 852/1448، والضوء اللامع في اعيان القرن التاسع للسخاوي م 902/1496.

اما في التاريخ العام فهناك العديد من المؤلفات، وهي تطغى على غيرها مثل: عيون التواريخ لإبن شاكر الكتبي م 764/1362، والسلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لإبن تغري بردي، وبدائع الزهور في وقائع الدهور لابن اياس م 930/1524.

الفروسية: الفروسية والمناصب الحربية لإبن الرماح، والتدبيرات السلطانية في سياسة الصناعة الحربية لإبن منكلي.

التاريخ الاجتماعي: وتتناول مؤلفاته جوانب معينة من المجتمع ونذكر منها: تاريخ البصروي للبصروي، وفيه معلومات عن قضاة دمشق، كما عن الحياة اليومية الدمشقية. ومؤلفات ابن علوان المتعددة وبعضها ما يزال مخطوطا، ونذكر منها: اسنى المقاصد في بدع المساجد ويتناول المنكرات التي مارسها رجال الدين والعامة على حد سواء في المساجد، ومصباح الهداية ويتحدث فيه عن عادات الدمشقيين، ونسمات الاسحار وفيه معلومات فريدة عن عادات الزواج وحفلات الزفاف في دمشق. اضافة الى مؤلفات ابن المبرّد واهميتها انه كان شاهد عيان على الاحداث اليومية التي تناولها، ومن المؤسف ان معظم هذه المؤلفات مايزال مخطوطا، ونذكر منها:الاعانات في معرفة الخانات نشر قسما منها حبيب الزيات في مجلة المشرق. ونزهة الرفاق في شرح حالة الاسواق وهو يكمل الاعانات في معرفة الخانات لأنه يتحدث عن الاسواق الدمشقية. الحسبة يتناول الموظفين واصحاب المهن في دمشق، ذم الهوى والزعر في احوال الزعر ويتحدث عن الفئات الاجتماعية المسحوقة. وآداب الحمام يتناول عادات الدمشقيين في ولوج الحمامات. ومن الكتب الاجتماعية الدارس باخبار المدارس للنعيمي، وكذلك مدارس دمشق وربطها وجوامعها وحماماتها للاربلي. ومن المؤلفات المهمة جدا ما تركه محمد بن طولون التي سنتناول بعضها في هذا الكتاب[2] 

الفصل الثامن مؤرخو العهد المملوكي

شهد العهد المملوكي نهضة تأريخية قلّ نظيرها ربما على مساحة العصور الوسطى، ومن العسير جدا التطرق الى مناهج كل مؤرخيه، لذا سأكتفي بنماذج منهم بادئا بالمقريزي.

تقي الدين احمد المقريزي (766-845/1364-1442

اولا حياته ومؤلفاته

1 – حياته: هو تقي الدين احمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن ابراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد بن ابي الحسن بن عبد الصمد بن تميم التقي العبيدي- نسبة الى الخلفاء الفاطميين-[3]المقريزي، وهذه الشهرة الاخيرة لازمته وما تزال وهي تعود الى احدى حارات بعلبك التي عاشت فيها اسرته قبل انتقال جده لأبيه من بعلبك الى دمشق[4]. ولد المقريزي في القاهرة في حارة برجوان عام 766/1364 في اسرة اشتهرت بتحصيل العلوم؛ فجده لأبيه نشأ في بعلبك وتثقف على عدد وافر من العلماء والفقهاء[5] ثم انتقل الى دمشق حيث ولد ابنه علي والد المقريزي. بعد دمشق ارتحل الى القاهرة واستقر فيها حيث تقلب في عدة وظائف ديوانية[6]. وقد يكون جده لأمه، الذي عاش المقريزي في كنفه، اكثر ثقافة من جده لأبيه[7]. درس مؤرخنا في الازهر على عدد وافر من العلماء والفقهاء بلغ عددهم ستمائة[8] من ابرزهم: شمس الدين بن الصائغ جده لأمه، وابي اسحق التنوخي، وسراج الدين البلقيني، والعماد الحنبلي، وابن خطيب الناصرية المؤرخ المعروف، وابن خلدون بعد ان استقر في القاهرة منذ عام 784/1364 وقد تأثر به كثيرا ولا سيما بمقدمته المشهورة. كما اجازه عدد من اعلام عصره نذكر منهم: العماد ابن كثير (ت 774/1373، وابا البلقاء السبكي (ت 777/1375) وابا الفضل النويري ( ت 786/1384)[9].

كان المقريزي على اتصال وثيق بالسلطان برقوق، وبابنه السلطان فرج، وبالامير يشبك الدوادار، ما سمح له اشتغال عدة وظائف حكومية: كتابة التوقيع بديوان الانشاء، ومحتسب القاهرة والوجه البحري أكثر من مرة كانت اولاها عام 801/ 1398 وآخرها عام 807/1404، ونائبا من نواب الحكم عند قاضي قضاة الشافعية. وتولى الخطابة بجامع عمرو بن العاص وبمدرسة الناصر حسن بن قلاوون، وقراءة الحديث بالمدرسة المؤيدية، كما عين عدة مرات للوعظ والقراءة بالمساجد الجامعة. ودرّس في أكثر من مدرسة وعلى فترات متباعدة: فبناء على توصية من استاذه ابن خلدون درّس بالمدرسة المؤيدية ، ثم تخلّى عن التدريس ليعود اليه مجددا عام 811/1408 وهذه المرة في دمشق بالمدرستين الاقبالية والاشرفية. وعرض عليه الناصر فرج منصب قاضي قضاة الشافعية بدمشق فاستعفى، كما تمنى عليه ان يكون رسوله الى تيمورلنك ولكنه اعتذر.[10]

ثم ما لبث ان اعتزل الوظيفة العامة لينصرف الى تدوين مؤلفاته جاعلا من بيته موئلاً لاهل العلم من تلاميذه واصدقائه. ولا يمدنا من ترجم له باسباب هذا الاعتزال، ومنهم السخاوي، الذي صب جام غضبه على مؤرخنا الكبير. ولكننا نعلم تماما ان الوظائف منذ أواخر عهد الدولة التركية (المملوكية الاولى ) صارت تشرى بمال، واسشترى هذا الفساد في عهد الدولة الثانية، ما يجعلنا نعتقد ان المقريزي لم يكن بوارد شراء اي منصب صونا لنزاهته، وكبير ايمانه، وشدة تقواه، لأن من يشتري منصبا كان لا بد له من تحصيل ما دفعه من مال بطرق مريبة. ومن جهة ثانية فإن قراءاته الكثيرة في مختلف ميادين المعرفة الانسانية، واكتسابه معارف أخرى مباشرة وفّرتها له الوظائف التي شغلها، اضافة الى رغبته بالتأليف، قد تكون هذه كلها دفعته للاعتزال والتفرغ للتأليف، الذي وجد فيه السلوى والسلوان عمّا آلت اليه اوضاع البلاد الاقتصادية، وعمّا فقده من وظائف، وعزاء ذاتيا لفقدانه ابنته فاطمة التي توفيت بالطاعون عام 826/1423. وذهب هو نفسه ضحية الوباء عينه عام 845/1441 مخلفا ثروة علمية ضخمة ، ومدرسة تأريخية خاصة.

2- مؤلفاته : ترك المقريزي عددا كبيرا من المؤلفات في مختلف ميادين العلوم الانسانية اربت على المائتين على ما ذكر السخاوي[11]، ويبدو ان معظمها قد ضاع، وما بقي طبع معظمه.

أ – في التاريخ:

1 – اتعاظ الحنفاء باخبار الائمة الفاطميين الخلفاء، وهو تأريخ للخلافة الفاطمية منذ بدء الدعوة الهادية وتأسيس الدولة على يد الداعي ابي عبد الله الشيعي واعلان الخلافة الفاطمية وحتى سقوطها على يد صلاح الدين الايوبي. وقد يكون افضل مصدر عن العهد الفاطمي لما تضمّنه من معلومات المصادر المعاصرة التي ضاع كثير منها، ولسعة مدارك مؤلفه واطلاعه الشامل.

2 – اغاثة الامة بكشف الغمّة ، هو كتيب اقتصادي اجتماعي، عرض فيه مؤرخنا الى التراتب الاجتماعي عموما مركّزاً على العهد المملوكي، الذي عاصر ردحا منه، وقد قسمه اجتماعيا الى سبع فئات جامدة بل مغلقة، هي:

ارباب الدولة، مياسير الناس من التجار والفقهاء والمتعممين، متوسطو الحال من التجار والباعة واصحاب المعاش والسوقة، الفلاحون من اهل الزراعة، سكان الارياف والقرى، ارباب الصناعات والحرف، وأخيرا المعدمون[12]. وهوتفريع مبني على الوظيفة، ويماثل بعض المناهج المعتمدة حاليا في الدراسات الاجتماعية، ما يجعل المقريزي يحتل منزلة بارزة في الوعي الاجتماعي والحس الانساني. فاذا كان ابن خلدون وضع نظريات علم الاجتماع، وجعل هذا العلم قائما بذاته ولذاته، فان المقريزي جهد بتطبيقها في كتابه هذا، اذ درس التضخم النقدي من حيث اسبابه ونتائجه وهو موضوع على جانب كبير جدا من الاهمية. رابطا بين اسعار السلع وقيمة النقد، والاحتكار، وسوء تدابير السلطة الحاكمة[13]، وموجها لها نقدا لاذعاً، ومحذرها من سوء عاقبة الاحتكار على المستويين الاجتماعي والاقتصادي. وهو الى ذلك، فسر الاحداث قدرياً معتبرا ان الارادة الآلهية تدخل لمعاقبة مستغلي الغلاء من تجار وامراء واجناد :« واصيب جماعة كثيرة ممن ربح في الغلال، في مدة الغلاء، اما بنفسه بآفة من الآفات، او بإتلاف ماله التلف الشنيع، حتى لم ينتفع.»[14] ان دراسة التضخم النقدي بهذه الطريقة الفذة المبنية على ترابط الاسباب بالنتائج لأمر بالغ الاهمية في مرحلة العصور الوسطى، يظهر منزلة المقريزي العالية بفهمه للعوامل المؤثرة على مجرى التاريخ.

وعلى هذا، يعتبر كتاب إغاثة الامة من اجلّ الدراسات الاجتماعية والاقتصادية خلال العصور الوسطى، رغم المبالغات الواردة فيه، مثل أكل الناس بعضهم البعض الآخر، او أكل الآباء اولادهم مشويين او مطبوخين…[15] لما فيه من معلومات قيمة عن علاقة المقطعين بالفلاحين، وسوء استغلال السلطة، فضلا عن رؤية اقتصادية شاملة.

3- الاوزان والاكيال الشرعية، وهو يتمم الكتاب السابق، وباعتقادي ان المقريزي وضعه بعد تجربته المريرة في وظيفة الحسبة.

4 – البيان والاعراب عما بارض مصر من الاعراب، كتيب عن القبائل العربية التي دخلت الى مصر ابان الفتح العربي، ويتحدث عن اندثار معظمها، من بقي منها.

5 –   التاريخ الكبير المقفى في تاريخ اهل مصر والواردين عليها،  وهو تراجم لأكابر المصريين ومن دخل الى مصر من العلماء والمشاهير، مرتب على حروف المعجم. صدر منه حتى الان ستة عشر مجلداً، ويبدو ان المقريزي اراد له ان يكون في حوالى ثمانين مجلدا على حد تعبير السخاوي وابن تغري بردي[16].

6 – التذكرة ” مؤلف في التاريخ، ذكره ابن تغري بردي[17].

7 – تراجم ملوك المغرب

8- خلاصة التبر في كتابة السر [18]

9- درر العقود الفريدة في تراجم الاعيان المفيدة[19].

10- الدرر المضية في تاريخ الدولة الاسلامية، ذكره السخاوي[20].

11 – الذهب المسبوك في ذكر من حجّ من الخلفاء والملوك، منشور.

12 – شذور العقود في ذكر النقود، منشور.

13 – عقد جواهر الاسفاط في اخبار مدينة الفسطاط [21]

14 – منتخب التذكرة [22]

15 – المنتقى من اخبار مصر لابن ميسّر، منشور

16 – كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك ، سأدرسه بشكل تفصيلي.

18 – المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، درسه بشكل مفصل وممتاز عز الدين علي[23]، وبالتالي لا موجب الى اعادة دراسته.

وهناك العديد من المؤلفات ذكرها السخاوي، وابن تغري بردي، واعطى الدكتور محمد كمال الدين عز الدين علي معلومات عنها وتوسع بمضمون بعضها خصوصا المخطوط منها التي تمكن من الاطلاع عليها.[24]

واذا كان منهج المقريزي يستند الى كل مؤلفاته التاريخية، فان دراسته من هذا المنطلق تستدعي جهود عدد وافر من المؤرخين، على الاقل من اجل قراءة مؤلفاته المخطوطة ونشرها.  لذلك سنقتصر بدراسة منهج المقريزي على كتاب السلوك

ب – المواضيع الاخرى: تناول مواضيع متنوعة يطال قسم منها في بعض جوانبه نواحي دينية واجتماعية وادبية. نذكر منها على سبيل المثال:

 الاشارة والايماء الى حل لغز الماء [25]

 تجريد التوحيد المفيد، نشر

 حصول الانعام والمير في سؤال خاتمة الخير [26]

 ذكر ما ورد في بنيان الكعبة المعظمة [27]

ضوء الساري في معرفة تميم الداري ” نشر

وللمقريزي ايضا رسائل وكتيبات في مواضيع متعددة ذكرها الدكتور محمد كمال الدين عز الدين علي[28].

وعلى هذا، يعتبر انتاج المقريزي غنيا جدا، ومواضيعه شديدة التنوّع طالت معظم نواحي المجتمع الانساني ان لم يكن كلها، وهذا ما سنتطرق اليه بدراستنا لنظرته التاريخية في السلوك.

ثانيا:منهجه

I-  نظرته التاريخية في السلوك:

قد يكون تقي الدين احمد المقريزي اول المؤرخين الذين نظروا الى الاجتمتع الانساني نظرة عامة شاملة، من دون ان تكون تنظيرية في المطلق، بل حكمتها ركائز من ذاتيته غدت قوانين خاصة به، وعامة للمؤرخين الاخرين شأن ما طرحه ابن خلدون في مقدمة كتاب « العبر وديوان المبتدأ والخبر ». فجاءت نظرة معرفية نابعة من خبرة التعاطي في الشأن العام، ومراقبة الاحداث وتطورها، ومن رؤيته الانسانية العامة المتأثرة من دون شك بنظريات استاذه ابن خلدون بمحاولة لتطبيق النظري في التأريخ. وهي نظرة هادفة، غايتها تبديل سلوك الحكام نحو الافضل علّ الخلف يتعظ من السلف.

ويهمنا في هذا الاطار تبيان احاطته الشاملة بمختلف النشاطات الانسانية في المجتمع المملوكي، لأن نظرته تطرّقت الى نواحي متعددة: سياسية، وعسكرية، وادارية، واقتصادية، وعمرانية، واجتماعية بمختلف ابعادها شأن الاوبئة والامراض، والجرائم، والحرائق… وتأثيرها على الحالة الاقتصادية. وطالت ايضا تصرفات المماليك سلطانا وامراء واجنادا: من ناحية اولى، صراعهم على مختلف الاصعدة السياسية والادارية والعسكرية. ومن ناحية ثانية، تعسفهم بحق الرعية، وتداعياته على تطور المجتمع في مختلف الميادين وبخاصة الاقتصادية.

واذا كان اراد التأريخ في السلوك للمماليك بشكل رئيسي، فانه قدم لموضوعه هذا بدراسة سريعة، لا بل موجزة جدا للتاريخ الاسلامي السابق على العهد المملوكي متحدثا عن الخلفاء الراشدين الاربعة مضيفا اليهم الحسن بن علي. ثم أرّخ للامويين، فالعباسيين، محددا ابرز مستجداتهم على مستوى المجتمع والدولة. واستمر هذا الاقتضاب حتى العهد الايوبي الذي توسع فيه جزئيا، من دون ان يؤرخ للفاطميين لأنه خصّهم ب« اتعاظ الحنفا».

1- نظرته الى الوضع العسكري: لم يؤرخ المقريزي ليروي اخبارا للسمر، انما سجّل الماضي جاعلا من احداثه عبرة للخلف. فتخطّى المدلول العسكري التقليدي ليحيط بجوانب الحدث كلها أكان داخليا ام خارجيا، نافذا الى نتائجه لتأتي العبرة أكثر واقعية وفعالية.

شكل الصراع بين فئات المماليك على اختلاف مستوياتهم وتنوع انتماءاتهم محورا رئيسيا في حياة المماليك منذ تأسيس دولتهم وحتى عام 844/1441 وهو العام الذي تتوقف عنده اخبار ” السلوك”. وتستوقفنا في هذا المدى ثمة محطات صراعية بارزة على هذا المدى، توضّح بعضها جليا بعد مقتل الاشرف خليل، في سلطنتي اخيه الناصر محمد بن قلاوون الاولى والثانية، ولكن المشهد يبدو أكثر اضطرابا في عهود ابناء الناصر محمد بن قلاوون واحفاده بحيث صوّر المقريزي المجتمع المملوكي مجتمعا دمويا غادرا تلفه المؤامرات والفتن.[29]ويستمر المشهد عينه على امتداد معظم العهد الجركسي وفق محطات او مفاصل قد يكون من نماذجه النافرة ما حصل في بداياته بين برقوق ومنافسيه، ثم في معظم عهد الناصر فرج بن برقوق[30]. كالصراعات بين منطاش وشيخ المحمودي ونوروز الحافظي، وبين جقمق واينال[31]، وبين السلطان جقمق والامير قرقماس[32]. ولم يحصر المقريزي آثار ما كان يحصل بالمماليك فقط بل تناول تداعياته المدمرة على كل فئات المجتمع. من هنا علّق على هذا النمط من القتال الدامي وغير المبرر في غالب الاحيان:« وحل بالقاهرة ومصر خوف شديد بسبب اختفاء الاشرفية – نسبة الى السلطان الاشرف برسباي- وتطلبهم، فاذا دخل المماليك جهة من الجهات للبحث عنهم حلّ بسكانها انواع البلاء ما لا يوصف من النهب والهدم والعقوبة والغرامة وجد فيها اشرفية ام لم يوجد. وكان يتبعهم بهجومهم غوغاء العامة فحلّ بالنساء بلاء لا يوصف، فهدمت بعض المدارس ونهب بعضها الآخر…»[33]

وتتجاوز المواقف العسكرية اخبار الحالات الدامية شبه الدائمة بين المماليك انفسهم الى حروب المماليك الخارجية؛ كالذي حصل مع المغول كما في معركة الخزندار ( مجمع المروج )[34] اوفي قتال شاه رخ ابن تيمورلنك الامارات التركمانية الخاضعة لنفوذ المماليك[35]. او في اخضاع بعض الامارات التركمانية المتمردة مثل دلغادر[36]، او قرايلك[37]. ولم يهمل المعارك البحرية وتعديات الافرنج على الموانئ المملوكية مثل هجومهم على صيدا، والاسكندرية، وطرابلس. حتى انه ميّز بين الافرنج، محددأ علاقة كل دولة من دولهم بدولة بالمماليك[38].

ولكي تتبلور الصورة العسكرية تعدى المقريزي الصراعات الى وصف المعارك متحدثاً عن الفنون القتالية وطرقها، والخطط الحربية، وانواع الاسلحة المستخدمة. فوصف في حوادث 837/1434 حصار آمد، والمدفع النحاسي المستخدم فيه الذي بلغت زنته مائة وعشرين قنطارا مصريا، وزنة قذيفته 570 رطلا مصريا[39]. ووصف ايضا انواع السفن الافرنجية، والسفن المملوكية وسبل استخدامها[40].

وفي المسار عينه أرّخ المقريزي لعلاقة العربان العدائية بالسلطة المملوكية الناتجة اصلا عن ثورات العربان بالتعدي على المدن وقطع الطرق، او بسبب رفض فرض ضرائب جديدة ان لم نقل خوات، او ردا على كبس احد النواب لمضاربهم بقصد الغنيمة او الانتقام من تعد سابق[41]. ويتقاطع هذا الموضوع مع نواحي اخرى متعددة تتكامل جميعها معا، ممّا يجعل المشهد العسكري تاما بأحداثه وتفاعلاته بما يفرز من نتائج اوتداعيات.

 ولم يكن تأثير الصراعات العسكرية المتكررة لا بل غير المنتهية منفصلاً عن اوضاع المسلمين عامة، فكثيرا ما كان يوضح مؤرخنا تداعياتها اونتائجها الايجابية عليهم. وقد يكون هذا الامر دفعه للتأريخ لبعض المسلمين غير الخاضعين للمماليك وان بطريقة مقلة، إمّا لأنه لم يحصل على معلومات كافية، او لانه اعتبر الامر ثانويا لان محور الثقل الاسلامي ترّكز في الدولة الحاضنة الخلافة الاسلامية الوحيدة.

لذلك، يمكن القول ان المقريزي لم يؤرخ لأحداث المسلمين الصراعية خارج حدود دولة المماليك إلا انتقائيا؛ فذكر بايجاز كلي نبش قبور خلفاء الموحدين وبناء مدينة فاس[42]، و احتلال ملك البرتغال مدينة سبتة[43]. وتوسع احيانا بتأريخ الاحداث عندما تكون لصالح المسلمين شأن فشل هجوم ملك قشتالة عام 834/1431 لاحتلال غرناطة ذاكرا خسائره التي بلغت ستة وثلاثين ألف قتيل[44].

وعلى هذا، تمحورت مركزية نظرته العسكرية حول احداث المماليك على مستويين اساسيين: صراعات داخلية بحتة بين فئات المماليك لم يكن للمسلمين فيها اي شأن او مصلحة بل على العكس فانهم كانوا ينكبون جراء تداعياتها المدمرة في معظم الاحيان. وخارجي للدفاع عن مصالح المماليك، وتاليا دفاعا عن السلطنة بما فيها من سكان.    

2 – موقفه من الاقتصاد: يحتل الاقتصاد منزلة تأريخية مهمة جدا في السلوك، فهو المحتوى الاساسي لكل النشاطات في الدولة والمجتمع، والمحرك المحوري لكل الصراعات الداخلية من جهة، وللظلم الذي مارسته الطبقة العسكرية الحاكمة على الشعب من جهة ثانية. وقد حاول المقريزي الاحاطة بمجمل الركائز الاقتصادية ودرسها افقيا وعموديا مستخلصا العبر منها.

أ – النقود: يعتبر النقد العصب الاساس في كل عملية اقتصادية، وهو مقياس لتطور الوضع الاقتصادي او لركوده. من هنا، جاء تركيز مؤرخنا على قيمة النقود مبينا جودتها وغشها، ودور الغش في افقار الناس[45]. ما دفعه لدراسة تطورية للنقود منذ العهد الايوبي وحتى ايامه ذاكرا اسباب غشها وتداعياته على الاسعار والحياة الاجتماعية، دارسا بطريقة تركيبية نظرية متكاملة للتضخم النقدي[46]. وتزداد هذه النظرية وضوحا كلما اقترب من عصره بسبب وفرة المعلومات، فقد درس تطور الرواتب، وازدياد ارباح التجار وانعكاس الامرين على ارتفاع قيمة اجرة الفدان، وعلى النظام الزراعي عموما، محملا المماليك المسؤولية:« وكل ذلك من سوء نظرة ولاة الامور»[47]. وتكتمل نظرية التضخم النقدي بدراسته أسبابه؛ اذ يرجعه الى كثرة ما كان يتوجب على الدولة من جوامك ( رواتب شهرية) للمماليك السلطانية، محدداً مقاديرها النقدية والعينية من لحم وكسوة وعليق للدواب[48]. وهذه الموجبات (الجوامك) المرفهة جدا، وسوء تصرف المماليك السلطانية من اجل الحصول عليها وعلاوات ايضا، ادّيا الى افساد ادارات الدولة، ” والى خراب اقليم مصر وزوال نعم اهله “[49]. ما دفعه الى الحديث عن الروك من اجل اصلاح الحال الاقتصادية الزراعية[50]، وتقدير الانصبة الاقطاعية للطبقة العسكرية سلطانا وامراء واجنادا. وفي الاطار عينه تحدث عن اقسام الجيش المملوكي لينفذ منها الى تجاوز المماليك الانظمة المالية:« وصار الامراء يأخذون اقطاعات الحلقة باسماء مماليكهم وطواشيتهم، وتخدم اجناد الحلقة عندهم وتأخذ المماليك السلطانية ايضا الاقطاعات والجوامك، فقلّت عدة الرجال، وكثر متحصل قوم، وقلّ لآخرين ما يحصل من الاقطاعات، وخربت عدة بلاد من كثرة المعارم وعجز مقطعيها.»[51]

ولفهم عملية غش النقود واثرها على التضخم النقدي قارن بين النقود الذهبية المملوكية ومثيلاتها الاوروبية المستخدمة في الديار المملوكية محدداً مستواها واقبال الناس عليها: الاول هو الهرجة وقد قلّ بأيدي الناس، والثاني يقال له الافرنتي والافلوري اي «الفلوران الهولندي» والبندقي او الدوكة، وقد وصفها جميعها. والثالث الدينار الذهبي الناصري. كما تحدث عن جميع انواع الفلوس[52]. وبذلك، يكون المقريزي اول مؤرخي العصور الوسطى الذين احاطوا باحوال النقود الايجابية والسلبية، وتداعياتها على كل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية.

ب – الرسوم والضرائب: واستكمالا لنظرته الاقتصادية تحدث عن عمليات الطرح والتحكير، والاحتكارات، والرشوة، والمصادرات، والرسوم، وهي جميعها ضرائب استثنائية باتت عادية لكثرة ما فرضت. وتناول ايضا الغلاء ومسبباته، وتطور الاسعار. فقد تحدث عن الرسوم من حيث اصنافها، وكيفية فرضها، وتأثيرها على الناس[53]. وقد شرح بعض المصطلحات كالطرح وهو ان يشتري الوزير او الاستادار سلعا بأسعار بخسة او يصادر سلعا تحت عناوين جائرة متنوعة، ثم يعيد بيعها من التجار باسعار مرتفعة جدا. وهذا النهج وان نشأ في عهد الدولة التركية فانه ازداد سوءا في العهد الجركسي حتى بات احدى سماته النافرة[54]. ولعل المصادرة السمة النافرة الاخرى في سجل المماليك التي كانت تثير حفيظة المقريزي وتدفعته لتصوير مساوئها وتداعياتها على التجار وارباب الحرف وكبار الاداريين من المتعممين، كما تداعياتها على تطور الحياة السياسية والعسكرية والادارية المملوكية. وكانت المصادرات تتم لصالح الديوان الخاص[55]، او من اجل تشييد مرفق عام، شأن عمارة قلعة دمشق التي صودرت لأجلها اموال كثيرة للتجار[56]. ولم تكن توفّر المباشرين[57]، وجهات اخرى متعددة: اموال المغنيات[58]، ومدخرات الموظفين[59]، وثروات كبار الامراء[60]. ولم تسلم منها اموال الايتام، حتى ان القضاة الذين كانوا يتجرّؤن اظهار عدم شرعية مصادرة اموال الايتام كانت تتم معاقبتهم[61]. وكانت تتم كل تلك الممارسات في سبيل استمرار بذخ الطبقة العسكرية الحاكمة المنقطع النظير، وتأمين حاجة الدولة الدائمة للاموال، لأن اقتصادها كان في تراجع مستمر لأسباب متنوعة ليس اقلّها قلة العناية بالقطاعات الانتاجية، وسوء الادارة وفسادها.

كانت الرسوم والضرائب تثقل كاهل الناس حتى بلغ بعضهم مستوى الفقر والبعض الآخر ما دونه. وكان غشّ النقود يسبب غلاء بالاسعار وحال من الفوضى الاقتصادية، وللغلاء عند المقريزي اسباب اخرى؛ مثل قلة فيضان النيل او شدته، وان جاء الامران شديدي الوطأة كان يعم الجوع والمرض حتى:« أكل الناس من شدة الجوع الميتات والقطط والكلاب والحمير، وأكل بعضهم لحم بعض.»[62] والجراد الذي كان يأتي على المزروعات[63]، والمطر المتساقط قبل الاوان الذي تعقبه فترة من الحر الشديد كان يخرج دودا كثيرا يتلف المزروعات[64].

ج – نتائج السياسة الاقتصادية: لم تكن نظرته مركّزة على الوضع الاقتصادي المتردي فحسب وان كان الاكثر تعبيرا عن سوء احوال الناس الذين كانوا يقنعون بالفتات[65]، ولم تكن تنظيرية نابعة من فراغ، بل امدنا باستمرار، وكلما توفرت له المعلومات، باسعار السلع ارتفاعا او هبوطا، ومقارنا احيانا ما كانت عليه اسعارها وكيف صارت.[66]ودرس غلاء الاسعار احيانا بشكل بياني من دون ان يجد سببا موضوعيا لإرتفاعها سوى فساد الادارة المملوكية[67]. ولعل ابرز دراساته تلك التي خصصها لتطور سعر اردب القمح: فانه كان ينقص نصف سدسه بسبب كلفة سفره واجرة السمسرة، وحمولته، وغربلته، وطحنه[68]. وكانت الاحتكارات احدى اسباب الغلاء ولا سيما في عهد برسباي الذي فرض على التجار شراء السكر من المتجر السلطاني فقط، كما حظّر على المزارعين زراعة السكر لتبقى احتكارا سلطانيا[69]. وتعدى الامر السكر، الذي هو انتاج محلي، الى احتكار الفلفل المستورد اذ :« أوقعت الحوطة سنة 835/1432 على فلفل التجار بالقاهرة ومصر والاسكندرية…ورسم بان يكون الفلفل مختصا بمتجر السلطان.»[70] وفي هذا الاطار درس احيانا موازنة الدولة كما في عهدي اسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون[71]، برقوق[72].

ان استنزاف المماليك للطاقات الاقتصادية جراء فرض الرسوم والضرائب الجائرة، وطرح السلع على التجار، ومصادرة ممتلكات واموال الناس خصوصا ارباب الاقتصاد والادارة جعل هؤلاء، ولا سيما ارباب المعرفة بالاقتصاد[73]، يأنفون من تولي المناصب الادارية الاقتصادية  كالوزارة، ومتوليّي ديواني الخاص والمفرد، والاستادارية. والمقريزي، الى ذلك، درس بجلاء بنية الاقتصاد المملوكي المتردي محذّرا من ان استمراره سيؤدي الى اضعاف الدولة وسقوطها.

3–  موقفه من الادارة: لقد خبر المقريزي الادارة المملوكية عن كثب، اذ تولى الحسبة والقضاء وغير ذلك من المناصب الادارية، وادرك مدى اهتراء اهل الرأي فيها، ومدى ترددهم باتخاذ القرارات المسؤولة، ومن ثم التراجع عنها اكراما لهذا الامير او ذاك، او كي يتقرب السلطان من مسببي القلق السياسي في دولته علّه بهذا الاكرام يتّقي شرهم.

ويمكننا من خلال « السلوك » التعرف على وظائف الجهاز الاداري المملوكي بشقيها العسكري والديواني، والتطور الذي لحق ببعضها، والتعرف ايضا الى شاغلي الوظائف ومصائرهم ان لجهة العزل اوالمصادرة او الاكرام[74]. وكانت الادارة تشكّل جزءا من النظام العسكري، لان الوظائف الديوانية والعسكرية الادارية كان يكمل بعضها البعض الآخر. فالوزارة على رغم ارتفاع شأنها ودورها المالي ارتبطت بالسلطان، وخضعت ببعض ابوابها لموظفيه العسكريين الاداريين شأن ناظري ديواني الخاص والمفرد، لا بل لم يعد لها دور مهم بوجود الاستادار. وما عاد معظم اصحاب الوظائف الديوانية او المتعممين على اختلاف مراتبهم بمن فيهم قضاة القضاة، والقضاة يمارسون وظائفهم بنزاهة، بل صاروا في خدمة الطبقة العسكرية الحاكمة ولا سيما السلطان وامراء المئة، لأن وظائفهم صارت تشرى بمال حتى باتت الرشوة عنوان العهد الجركسي.

درس المقريزي في السلوك تطور القضاء منذ العهد الايوبي وحتى عصره، فوصف القضاة ومساعديهم، مشيدا بالموقف الرائع الذي اتخذه السلطان الصالح نجم الدين ايوب منهم اذ عيّن نوابا عديدن لولاية المظالم لقضاء حاجات الناس[75]. واستمر القضاء سليما معافى ما دام السلاطين يقظين يهتمون باحوال الناس ويسهرون على حسن انتظام المجتمع، شأن السلطان بيبرس البندقداري الذي اعتمد في النظام القضائي على اربعة قضاة قضاة من اجل حسن مراقبة الاحكام القضائية[76]. وفي المسار عينه كان السلاطين الحريصون على احوال رعيتهم يعزلون من تسوء سيرته من القضاة على اختلاف مراتبهم، كما فعل السلطان الناصر محمد بن قلاوون[77]. وبعض السلاطين ولا سيما في العهد الجركسي كانت علومهم الدينية متواضعة ما ادى الى فساد في النظام القضائي كما حصل في المجلس الذي عقده المؤيد شيخ لقضاة القضاة الاربعة ومشايخ العلم، وقد تنّدر به المقريزي قائلا:« فكان مجلسا بغاية القبح، من اهانة الهروي وبهدلته.”[78] وهو يعتبر ان القضاء تأثر باحوال الدولة حين تأصل فيها الفساد، اذ صار يتولى القضاء غير الجديرين بالمنصب بشفاعة احد كبار الامراء، او تقريرا من السلطان لغاية ما. وغدت المناصب، في غالب الاحيان، تشرى بمال وخصوصا الوظائف الديوانية التي فيها منعة الدولة وحسن تدبيرها. ويسوق المقريزي مثالا على هذه الاوضاع الشاذة اسناد الحسبة عام 808/1406 الى احد باعة السكر، معلّقا على ذلك:« فكان هذا من اشنع القبائح وأقبح الشناعات».[79] ويروي ان أقبغا الجمالي « سعى في الاستدارية على ان يحمل عشرة آلاف دينار»[80]. وأضاف السلطان عام 835/1432 الى كاتب السر الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ الوزارة ويعلّق على هذه الحادثة متحسرا:« ولم يقع مثل ذلك في الدولة التركية…وباشر مع بعده عن صناعة الانشاء وقلة دربته بقراءة القصص والمطالعات الواردة من الاعمال. غير ان الكفاءة غير معتبرة في زماننا، بحيث ان بعض السوقة ممن نعرف ولّي كتابة السر بحماه على مال قام به.»[81]

واذا كانت حال القضاء، المفترض ان يكون قويما من اجل ان تسود العدالة، على هذا النحو، فان الادارة بشكل عام نخرها الفساد خصوصا منذ اواسط القرن الثالث عشر وتحديدا في عهد اولاد الناصر محمد واحفاده بسبب سيطرة الطواشية على احوال الدولة[82]، وشراء المناصب. ومن نماذجه الصارخة شروع الامير أغرلو شاد الدواوين باستخدام الكتاب والولاة بمال حتى صار الامر سابقة انتُهجت فيما بعد[83]، واشتد سؤها في العهد الجركسي.

وهكذا، يمكننا من خلال السلوك الوقوف على مجمل نواحي الحياة الاقتصادية والادارية والعسكرية والسياسية للعهد المملوكي، وجزئيا للعهد الايوبي. ونظرة المقريزي لا تقف عند هذه الحدود بل تتخطاها الى صلب الحياة الاجتماعية لتدرس معظم جوانبها.

4 –   المجتمع:

أ – المجتمع القلق: مهد المقريزي لبنية المجتمع بذكر الامم الكبرى قبل الاسلام تبعا للنظرة المزدكية مخالفا بذلك آراء الجغرافيين العرب[84]. واعتبر ان الاسلام، والصابئة، والمجوسية، واليهودية، والمسيحية الاديان الاساسية في العالم، مميزا بين معتنقيها والمشركين[85]. وتناول معظم نواحي المجتمع المملوكي الايجابية والسلبية وموقف السلطة منها، على الرغم من انه لم يدخل الى اعماق الحياة الاجتماعية كلها بما فيها من عادات وتقاليد، مكتفيا باعطاء لمحات عنها هنا وهناك. وكان يفتقر مجتمعه الى الامن والطمأنية، ولم يكن السكان يخشون المستقبل فقط بل ايضا ما كان ينتظرهم في يومهم  ويمكننا الوقوف على هذا الشعور من خلال وصفه مواقف العامة من اركان السلطة. فاحيانا كانت تؤيد، في الفتن غير المنتهية، السلطان المهدد بالعزل ان كان استجاب احيانا لبعض مطالبها [86]، او احد الامراء ان كان قد عطف عليها، وكان لهذا العطف اكثر من مظهر: نثر الاموال، والسلوك الحسن، او الاحسان. واحيانا لم تكن تأبه لأي من الفرقاء، بل كانت مصالحها تحتل المقام الاول فكانت تنهب بيوت الخاسر ايا يكن. وقد يكون مؤرخنا ركز على هذا المجتمع غير المطمئن لشدة الصراعات الدامية بين طوائف المماليك وامرائهم ما كان يؤدي الى غلاء الاسعار، واغلاق الاسواق ونهبها ، وخطف الناس من الطرقات، والتعدي على الرجال والنساء في الحمامات[87]. وكثيرا ما كان سبب الفتنة تافها كاشاعة كاذبة، او خلاف مؤقت بين اميرين لا يلبثان ان يتصالحا[88]. وكان المقريزي شديد الحساسية تجاه هذه التصرفات الخارجة على الاطر الدينية والاخلاقية، التي كانت تهدد حياة الناس ومصالحهم في كل وقت وتقض مضاجعهم، من دون ان يعمل يعمل المماليك على حلها جذريا، لأنهم كانوا مسببيها. ولم يكن لذلك المجتمع القلق هوية فكانت احداثه ومظاهره متشابهة ان لم نقل واحدة في كل مكان: القاهرة اوحلب او دمشق، على رغم تغيّر الظروف في كل منها. من هذا المنطلق رسم لنا مؤرخنا لوحات مخيفة وغير انسانية لمآسي الناس عندما اقتحم تيمور حلب فدمشق [89].

ب – مآسي اجتماعية اخرى: شكلت الحرائق احدى عوامل القلق الاجتماعي والامني بما كانت تسببه من اضرار بالغة من دون ان يُعرف اجمالا مسببوها[90]. وكذلك كانت حال المناسر التي كانت تشتد احيانا[91]. وعرض مؤرخنا للاوبئة والامراض ومسبباتها ونتائجها، ذاكراً بعض اسماء النباتات والفواكه المستخدمة كأدوية في معالجتها، محددا اسعارها متحسّرا بسبب عجز عدد وافر من الناس عن شرائها[92]. وكان الطاعون الاشد فتكا بين الاوبئة التي كانت تحصد العدد الوافر من الناس ما كان يؤدي احيانا الى زحمة في التوابيت[93]. وصوّر حالة الناس وارباب الدولة عندما كان يشتد الوباء ويعجز الاطباء عن الحد من انتشاره وعن شفاء المرضى، فكانوا امام هذا العجز يلوذون بالصلاة والصيام مدة ثلاثة ايام، او يخرجون للصلاة  في الصحراء [94].

ج – الملابس: واستكمالا للنظرة الكلية للمجتمع لم يغفل عن وصف الملابس، محددا مستوى وانواع ملابس كل فئة من فئات المجتمع المملوكي، ذاكرا اسباب منع ارتداء بعض الازياء واستبدالها بأخرى فتصبح(موضة )[95]. ويمكن للباس ان يشكّل بطاقة هوّية لبعض الموظفين، او تعريفا برتبهم. فاذا كانت للمماليك على اختلاف مراتبهم ألبسة محددة لكل فئة ومنزلة، فانه كان لكل درجة من المتعممين لباسها المميز:« خلع على شمس الدين محمد الهروي واستقر قاضي للقضاة…فغيّر زيّه، وهذه المرة الرابعة في تغيير زيّه، فانه كان اولا يتزيّ بزيّ العجم، فلبس عمامة عوجاء بعذبة عن يساره. فلما ولّي القضاء لبس الحبة، وجعل العمامة كبيرة، وأرخى العذبة بين كتفيه، فلما ولّي كتابة السر تزيّ بزيّ الكتاب وترك زيّ القضاة وضيّق اكمامه، وجعل عمامته صغيرة مدورة ذات اضلاع، وترك العذبة، وصار على عنقه طوق ولبس الذهب والحرير…»[96]

داللهو والاحتفالات: تناول «السلوك» انواع اللهو[97]، والاحتفالات الدينية والدنيوية التي كان يعبق بعضها بالفسق والفساد[98]، من دون ان يهمل  المغنين ونشاطاتهم[99]. ومدنا بنماذج عن مهر الزواج[100]. واعتبر مؤلفه  ان الخمر من المساوئ الاجتماعية متحدثا عن اسباب ابطال الخمّارات واهراق الخمور، التي قد يشمل امر اهراقها احيانا سائر ارجاء الدولة[101].

هالاعتراض على تدابير السلطة: نظر المقريزي الى المجتمع بكل ابعاده سيئها، وجيّدها وهذه كانت قليلة، فعرفنا الى اعمال البر والخير التي مارسها السلاطين او الامراء تقرّبا من الناس او من الله تكفيرا عن ذنوبهم وممارساتهم السيئة، وتحدث عن ومنشآتهم الدينية وتلك التي اوقفوها على جهات متنوعة[102]. وابرز موقف الناس، الذين رضوا بمصيرهم السيئ وخضعوا للمماليك الذين نهبوا خيرات البلاد، والوسائل التي اعتمدوها للاعتراض على الظلم بكل انواعه: ضرائب استثنائية، طرح، تحكير، مصادرات، كالتكبير في المساجد والطرقات على طريقة التظاهر في وقتنا الحاضر[103].

و – موقفه من الذمييّن: لم يقتصر مجتمع المقريزي على حياة المسلمين فقط انما أرّخ ايضا لعلاقة اهل الذمة بالمسلمين عامة واركان الحكم خاصة. وكان ينحاز الى جانبهم عندما يظلمون، ويهاجمهم عندما يلاحظ انهم اخطأوا، مبديا ملاحظات قيمة حول علاقاتهم الاجتماعية. فذكر ان الشروط العمرية طبّقت عليهم مرات عديدة[104]، وانهم منعوا مرات كثيرة من شغل الوظائف الحكومية او التي طردوا منها، متطرقا الى الاسباب الموجبة الى ذلك، وهي برأيه غير مطلقة بسبب تضارب مواقف الفقهاء منها بين مؤيد ومعارض[105]. وكان يأسف لهدم عدد كبير من الكنائس لأنه كان يتم مرارا، في غالب الاحيان، من دون مبرر او مسوّغ ديني او قانوني[106]. وتناول في مؤلفه تحول بعض المسيحيين الى الاسلام قسرا، وبعض الذين ارتدوا مجددا الى المسيحية تكفيرا عن ذنوبهم غير آبهين بالمصير المحتوم الذي ينتظرهم[107].

وهكذا نلاحظ ان نظرة المقريزي الى التاريخ تناولت معظم جوانب الحياة السياسية والعسكرية، والادارية، والاقتصادية، والاجتماعية؛ قبيحها وجيّدها. فيتبدّى لك ان مجتمع المماليك في ” السلوك” كان مجتمعا متحركا نابضا بالحياة. وقد يكون لرصيد ثقافة المقريزي الدينية، وحسّه الاجتماعي المرهف، واخلاقه الحميدة ما جنّبه الانجرار في مسار الفساد الجارف الذي ساد عصر المماليك، لا بل غدا ابرز سماته السيئة. ولست أغالي اذا اعتبرت ان هذا الرصيد برز في موقفه من ثقافة المماليك العامة في مختلف الميادين، ومن نقده اللاذع لممارساتهم غير المبررة دينيا وانسانيا. وازعم انه تناول كل ذلك من اجل تقويم المفاسد والمساوئ، لأن في التاريخ عبراً.

5 – موقفه من المماليك: لعل محور نظرته تركّز على موقفه من المماليك سلطانا وأمراء وأجنادا، فقد انصفهم عندما كانوا يستحقون الانصاف، وهاجمهم في غالب الاحيان لانه اعتبرهم مصدر المساوئ الادارية والاجتماعية والاقتصادية بسبب سوء تصرفاتهم، وشرههم للمال، وتصارعهم على المناصب الرفيعة، واهمالهم الرعية. وتعبيرا عن موقفه هذا، وسمهم بشتى انواع النعوت غير الحميدة. سأكتفي بالاشارة الى بعضها فقط: فقد ذكر في حوادث سنة 648/1251:” كثر ضرر المماليك البحرية بمصر، ومالوا على الناس وقتلوا ونهبوا الاموال، وسبوا الحريم، وبالغوا بالفساد، حتى لو ملك الفرنج ما فعلوا فعلهم”[108]. وتعليقاته على سوء تصرف المماليك كثيرة جدا، وقد اعتبرها غضبا من عند الله ليتم امره فيهم، كقوله بالامير يلبغا الجوباتي ابان صراعه مع الامير برقوق العثماني ( السلطان لاحقا ):” وكان الامير يلبغا لأمر يريده الله قد شحّت نفسه، وساءت اخلاقه…”[109]. وجاءت كثرة الفتن ومحاولة اخمادها وبالا على سكان المحلة او المنطقة التي كانت مسرحا لها: اذ كانت تنهب القرى نهبا قبيحا، ويسطى على المواشي، ويتم التعدي على النساء، وتعذيب من يظفر به المماليك حتى يطلعهم على ما عنده من علف وغيره[110]. ويغتنم المقريزي كل فرصة سانحة تعبر عن سوء تصرف اي سلطان او امير ليسمه باشد النقد قساوة ولذعا، شأن تعليقه على موت السلطان الناصر فرج بن برقوق الذي طرح على مزبلة عار الا من سروال يستر عورته:« وغوغاء العامة تعبث بلحيته ويديه ورجليه طوال نهار السبت، نكالا من الله، فإنه كان مستخفّا بعظمة الله سبحانه، فاراه الله قدرته فيه»[111]. واضاف معلقا على سوء حكمه وتدبيره، وجشع امرائه قائلا:« وكان الناصر هذا أشأم ملوك الاسلام، فانه خرّب بسوء تدبيره جميع اراضي مصر والشام…وَطرق ديار مصر الغلاء من سنة ست وثمان مائة، فبذل امراء دولته ومدبروها جهدهم في ارتفاع الاسعار…وأفسدوا مع ذلك النقود بإبطال السكة الاسلامية من الذهب…ورفعوا سعر الذهب حتى بلغ الى مئتين واربعين كل مثقال بعدما كان بعشرين درهما…وأخذت على نواحي مصر مغارم تجبى من الفلاحين في كل سنة، واهمل عمل جسور اراضي مصر…وأكثر وزرائه من رمى البضائع على التجار…بأغلى الاثمان…هذا مع تواتر الفتن واستمرارها بمصر والشام…»[112]. واعتقد ان رأيه هذا يحدد بكل دقة نظرته الى المماليك، كما يبرر دراسته للحياة الاجتماعية والاقتصادية، والادارية والسياسية للعهد المملوكي. وقد يكون رأيه في موت الامير تغري بردي- وهو غير الاتابك والد صاحب النجوم الزاهرة- تبريرا جديدا او تأكيدا آخر له اذ قال:« فمستراح منه، لا دين، ولا عقل، ولا مرؤة، ما هو إلا الظلم والفسق»[113]

وعليه، جاءت نظرته افقية عامة من جهة، وعمودية تحليلية من جهة ثانية؛ افقية لأنها تناولت كل النشاطات الانسانية في المجتمع المملوكي من دون ان تتعامى عن مساوئ المماليك، وعمودية لأن المقريزي درس حالات متعددة للموضوع الواحد قبل اصدار حكمه او رأيه به. ممّا اعطاه فرادة بين سابقيه ومعاصريه ليكون رائد مدرسة جديدة في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي المرتبط عضويا بالتاريخ السياسي والعسكري.

IIطريقة المعالجة في السلوك :

1 –   موقفه من المصادر: حاول المقريزي ،قدر المستطاع، ان يكون دقيقا بذكر اخباره، فاسندها الى مصادر مكتوبة خصوصا في الفترة السابقة على عصره؛ فذكر ابن حوقل في المسالك والممالك[114]، ووكيع القاضي[115]، وعبد اللطيف البغدادي[116]، والحافظ عبد العظيم المنذري[117]، وابن واصل[118]، وقطب الدين اليونيني[119]، وبيبرس المنصوري[120]، وغيرهم كالعمري، وابن الفرات، وابن الخطيب الناصرية. واسندها احيانا اخرى الى مشاهداته الشخصية التي يدل عليها بوضوح[121]، او الى من اخبره الحادثة ممن يثق به كقوله:« أخبرني من لا اتهم…ان الارضية أكلت… فكثر تعجبي من ذلك، وما زلت أفحص عنه على عادتي في الفحص عن احوال العالم حتى وقفت على ان ضرر الارضية تعدى…»[122]

   ولم تمنعه دقته من قبول بعض الخوارق والاساطير ما يطرح تساؤلا احيانا حول ثقته بمخبريه. وسأكتفي ببعض النماذج فقط؛ وقع برد بالدقهلية بلغ وزن الواحدة بين رطل الى رطلين، وسقطت واحدة على رأس ثور فقتلته[123]. واعتبر ان بعض الآبار إناث تحيض وبعضها الآخر ذكور[124]، وروى ان:« سحابة سوداء ارعدت شبه الزوبعة الهائلة تحمل الاحجار الكبار وترفعها في السماء مقدار رمية سهم وأزيد، وترفع الجمال بحمولتها…175[125]. وقال في مكان آخر: « وقع برد بصورة الآدميين من ذكر وأنثى، وفيه شبه صورة القرود»[126]، كما روي ان البحر ألقى:« دابة طولها خمسا وخمسين ذراعا، وعرضها سبع اذرع.»[127]

ولا تبخس هذه الاساطير مقدرة المقريزي في تقصي الحقائق التاريخية، وتتبع الاحداث ولا سيما العائدة الى عصره بحيث بلغ ببعضها دقة متناهية. وتعتبر مصادره دقيقة جدا اجمالا وشديدة التنوع. واذا قبل بعض الخوارق فمرد ذلك الى ثقافة عصره الاجتماعية، التي لم تكن على وجه العموم تستطيع الانفلات من تأثيرات رواسب الماضي، بما كان لها من رهبة ووقع في النفوس.

2 –   التأريخ الحولي وموقف المقريزي من الخبر:

أ- وفاؤه لصورة الخبر التقليدية: على الرغم من ان ابن الاثير خرج على الصورة التقليدية للخبر وطوّر مفهومه فجعله تاما بذاته ولذاته، متجاوزا الحول الى رؤية أكثر شمولا وتكاملا بنيت على عوامل اعطت الخبر اسبابه وجعلته يؤسس لنتائج اما تامة بذاتها، او سببية لخبر آخر، او للاثنين معا. فان المقريزي لم يطور هذا المنهج الخلاق، او يسر على منواله الا نادرا، وابن الاثير أرّخ قبله بما يزيد على القرنين، بل ظل وفيا عموما للمفهوم التقليديا للخبر، فحصره ضمن اجزائه السنوية الموزعة على ايام او اسابيع وربما شهور تبعا لمقتضى المدة الزمنية للحادثة-الخبر. واذا لم يكن تاما ضمن مدد وجيزة قطّعه الى اجزاء خصوصا اذا تجاوز السنة الواحدة،  رابطا بين هذه الاجزاء بالتعابير او بالحري المصطلاحات القديمة-الجديدة التالية:« وفيها حدث كذا» او « ورد الخبر من عكا»[128]، او «في اليوم كذا من شهر كذا فوّض القضاء الى»[129]، وغير ذلك من التعابير، لاتمام الخبر عينه من دون ان يربطه سببيا بما كان قد حدث الا في حالات يعود اليه وحده امر تقديرها، اما لأنها ترتبط بحدث مهم جدا، او تتعلق ببعض الامور الاقتصادية، كما سيتضح لاحقا.

أرّخ الاحداث من دون اعطاء الخبر عناوين رئيسة او ثانوية استكمالا لوضوح الرؤية ظنا منه انها تامة ضمن الصورة الكلية، على ما ازعم، بدليل انه يمكننا بسهولة اعطاء عناوين رئيسة لاخباره، وتقسيمها الى نقاط ثانوية. ونضرب مثلا على ذلك الصراع بين السلطان بيبرس والفرنجة: فيصبح العنوان الرئيس: قتال بيبرس الصليبيين، ويمكن اعطاؤه العناوين الثانوية من خلال تطور الاحداث:« ساق الى ارسوف وقيسارية» والبديل منه « سقوط قيسارية وارسوف»، وكقوله:« وفي سادس عشرينه سار السلطان جريدة الى عثليث» ويمكن استبداله ب «الهجوم على عثليث» وهكذا…[130]وقد يكون مرد ذلك الى منهج التأريخ الحولي الذي يمزق الحادثة.

ب- عطف الخبر على ما سبقه: ودوّن الخبر بطريقة اخرى، فعطفه على خبر او اكثر سابق عليه، ذاكرا احيانا اسبابه البعيدة، كما في ذكر أسباب هجوم السلطان قلاوون على عكا التي فنّدها كما يلي: خرق الصليبيون المعاهدة التي كانوا وقعوها مع السلطان بيبرس، وقتلوا التجار المسلمين وصادروا بضائعهم [131].

ويزداد هذا المنهج وضوحا باقتراب المقريزي من التأريخ لعصره، لأن الصورة، على ما أزعم، باتت أكثر جلاء في ذهنه والاحداث في متناول يده يتابعها عن كثب، اما بالاطلاع الشخصي المباشر، او باخذها من شهود عيان موثوقين.

  ج- استقلال الخبر لذاته: ونجد في السلوك نمطا آخر من الخبر، كالمستقل بذاته الهادف الى رؤية أحادية لموضوع محدد، كما في تعداده الاسباب التي ادت الى عزل الامير تنكز نائب الشام ومصادرة امواله على عهد الناصر محمد بن قلاوون، معددا خمسة منها[132]. وكذلك الاسباب الى ادت الى خلع السلطان احمد بن محمد بن قلاوون: كان صَحْبُه ورسله كلهم من اوباش الكرك، جاءوا معه الى القاهرة، وأكثروا من اخذ البرطيل، وتسلطوا على الوزير، وحجبوا السلطان عن الامراء. وجمعه الأغنام من الصيد بطريقة مريبة وتلك التي كانت لوالده ولبعض الامراء، واستيلاؤه على الحيوانات النادرة من الحوش السلطاني، واستيلاؤه ايضا على ذهب وفضة من شعائر السلطنة ومن اللجم…وسلبه ما كان لجواري والده من ذهب ومصاغ. ومصادرة نساء الامراء الذين أمر بقتلهم[133]. وهناك امثلة أخرى عن هذا النمط من التأريخ منتشرة على صفحات السلوك نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر اسباب مقتل غرلو شاد الدواوين[134].

د – تعليل الحوادث: على الرغم من تفتيته الخبر على الطريقة التقليدية اذا تجاوز اليوم الواحد، فانه حلل بعض الحوادث وعللها، كما في تأريخه لضَيَاع المماليك السلطانية في سلطنة الناصر محمد الثانية: قويت البرجية بقيادة بيبرس الجاشنكير الاستادار، وكانت تقابلها الاشرفية والمنصورية بقيادة نائب السلطنة الامير سلار، وشاركهما الامير برلغى الذي التفت الاشرفية حوله، فاصبح المماليك السلطانية ثلاثة معسكرات متناقضة ما سمح للناصر محمد بالعودة الى الحكم[135]. وانظر ايضا تعليله للتضخم النقدي. ويتكرر هذا المنهج التحليلي الاستنتاجي بوضوح عند المفاصل التاريخية المهمة كما في التحليل الرائع لشخصية الامير برقوق العثماني واسلوبه بالتمهيد لاعتلاء العرش المملوكي:« وخلا الجو للأمير الكبير، ورأى انه قد أمن، فانه لما أخذ الامرة في ايام أينبك كان معه في ضيق، لأن نفسه تريد منه ما لا يؤهل له. فلما زالت دولة اينبك، وتحكم الامير طشتمر العلاي، لم يكن له معه كبير أمر، فما زال بطشتمر حتى أزاله وصار هو والامير بركة يتنازعان الامور، ولا يقدر على عمل شيء الا بمراجعة بركة حتى كان من امره ما ذكر، فصارت المماليك الاسياد يريدون التوثب عليه وهو يداريهم جهده، حتى وثب بهم، وأخذهم، فلم يبق له معاند، وصار له من المماليك الجراكسة عدد كبير…فرقاهم الى ما لم يخطر لهم ببال، وانعم على جماعة بأمريات…»[136]. وانظر في السياق عينه تحليله الرائع لتصرفات الناصر فرج بن برقوق السيئة، وموقف منها[137].

استخدم المقريزي هذه الدراسات التحليلية لتوضيح الصورة السيئة للدولة، لأن الايجابيات المملوكية قليلة في السلوك. فقد ابدع بدراسة اوضاع الوزراء محللاً سلوكهم او اسلوبهم بالتقطير على المماليك السلطانية، جاعلا منه سببا رئيسيا باستقالة النظار الخاص والوزراء بسبب التمرّد المماليك المذكورين الدائم. واظهر بالطريقة عينها كيف تمكّن وزير سيئ من استبدال رواتب المماليك السلطانية العينية من اللحم بالمال، جاعلا قيمة رطل اللحم درهما اي ما يساوي 1/7 من قيمته الحقيقية، فاصاب الناس جراء هذا التدبير مآسي كبيرة وانواع البلاء[138]. وعوّل على نتائج الاحداث المهمة، من دون ان يذكر انها نتائج، فأتت مكملة للحدث وكأنها جزء منه، وهي نتائج اقتصادية، وعسكرية، وادارية وسياسية، واجتماعية، كما في ذكره لتطور معركة وادي الخازندار[139].

   ويحتل التحليل والتعليل منزلة مهمة في الحوادث التي عاصرها المقريزي، خصوصا تلك التي كانت تسيئه، وتؤذي الناس، ما جعل منهج “السلوك” فذا على هذا المستوى، خصوصا ان احكام المقريزي ومواقفه تلك، لم تقتصر على ما ورد في الاخبار الحولية بل تعدتها الى تراجم الشخصيات، فأنصف من يستحق، وحطّ من قدر من اساء الى الناس، كل الناس من دون ان يميز بينهم من حيث عرقهم او دينهم او مذهبهم.

أرّخ المقريزي وفقا للمنهج الحولي سنة بعد سنة، موزّعاً  الحادثة الى اجزاء تلاءمت مع تسلسلها الزمني، فكان يذكر قسمها الاول في بداية حدوثها، ويتمّ القسم الآخر في اليوم التالي او في اي يوم آخر استكملت فيه، وقل الامر عينه عن الحوادث الطويلة زمنيا التي كانت تستكمل خلال اسابيع وربما اشهر. ففي اخبار مصادرة الناصر محمد بن قلاوون لابن النشو متولي الديوان الخاص تأتي اخباره وكأنها يوميات من دون اي لحمة بينها سوى ارتباط بعضها بالمصادرة[140].

ه التمييز بين الخبر الرئيسي والفرعي: ميّز المقريزي بين الخبر الرئيسي والاخبار الفرعية التي تصح مقدمة له؛ فكان يذكر الاخبار الفرعية يوما بعد يوم، ثم يورد الخبر الرئيسي تاما، مراعيا فيه احيانا ضوابط التأريخ الحولي التقليدي، كما في اخبار الصراع بين السلطان عز الدين ايبك التركماني والناصر يوسف الايوبي:« في يوم السبت ثالث عاشره…وفي يوم الخميس …نزل الملك المعز من القلعة…» وهنا يبدأ الحدث الرئيسي فتمحى فيه الاخبار شبه اليومية، لتتآلف وتنحصر بالحادث الرئيسي[141]. وما ان ينتهي منه حتى يعود للأخبار شبه اليومية، وكأنها نتائج للخبر الرئيسي[142]، واحيانا لا ترتبط بأي موضوع واضح او مهم.

و- التركيز على وحدة الموضوع: نجد في السلوك نمطا آخر من التأريخ الحولي، هو التأريخ المبني على وحدة الموضوع حيث تضطرد الاحداث بشكل متلاحم وتتلاقى فيها الاسباب بالنتائج، متجاوزة المنهج الحولي التقليدي الذي يمزق الخبر بالاستطرادات المتكررة الناجمة عن ذكر الحوادث اليومية[143]. ومن ابرز نماذجه اخبار الناصر محمد بن قلاوون منذ خروجه من مصر وتنازله عن العرش، وحلول بيبرس الجاشنكير مكانه، وحتى عودته الى العرش، ونتائج هذه العودة. ويبيّن هذا النمط مهارة المقريزي التأريخية[144]. ويشكل تأريخه للفداوية، من حيث علاقتهم بالسلطان الناصر محمد بن قلاوون ونوابه، نموذجا صارخا لتماسك المعلومات وتمحورها حول موضوع واحد متماسك من دون ان يتوزّع على الايام والشهور[145]. ما يعني انه اعتمد بالتأريخ الحولي أكثر من نمط تبعا لمركزية الخبر وأهميته، من دون ان يمنعه ذلك من العودة الى الاستطرادات بعد اتمام الخبر الرئيسي، ليؤرخ ما جرى في السنة عينها من احداث اجتماعية او قضائية، او اقتصادية[146].

وعندما كانت تعوزه الاخبار في بعض السنوات اما لقلّتها، واما لأنها غير ذات اهمية، كان يختصر الاحداث، باخبار شديدة الاقتضاب، كما في حوادث السنوات الممتدة بين 755، و766 [147].

واعتبارا من سنة 755 صار المقريزي يستهل اخبار السنة الجديدة بذكر سلطان القائم وأكابر رجال دولته، ليعود الى متابعة الاحداث التي كان قد بدأها في السنة المنصرمة خلافا لما كان درج عليه باتمام الخبر عينه في زمن السنة الجديدة، من دون ان يستهل السنة بذكر السلطان القائم وكبار رجال دولته. وكان يستعرض احيانا، بعد ان يذكر في مطلع السنة السلطان وكبار الموظفين، الحالة العامة في الدولة، وهي ميزة لا نجدها الا عند المقريزي. فكان يصوّر الحالة العامة معبراً بها عن تمرّد نفسي على الحكام كل الحكام المماليك من شدة ظلمهم وسوء تدبيرهم، شأن ما استهلّ به اخبار سنة 828/ 1425:« واسواق القاهرة ومصر ودمشق في كساد، وظلم ولاة الامر من الكشاف والولاة فاشٍ، ونواب القضاة قد شنعت قالة العامة فيهم من تهافتهم. وارض مصر أكثرها بغير زراعة، لقصور مد النيل في أوانه، وقلة العناية بعمل الجسور، فان كشّافها انما دأبهم اذا خرجوا لعملها ان يجمعوا مال النواحي لأنفسهم واعوانهم. والطرقات بمصر والشام مخوفة من كثرة عبث العربان والعشير. والناس على اختلاف طبقاتهم قد غلب عليهم الفقر. واستولى عليهم الشح والطمع، فلا تكاد تجد الا شاكيا مهتما لدنياه. واصبح الدين غريبا لا ناصر له.»[148]، وكان يستهل بعض الاشهر بالتعريف بالحالة العامة وخصوصا بالاسعار التي كانت تشكّل بالنسبة له معيارا لتقويم الحكم سلبا او ايجابا متأثراً بنتائجها على الفقراء[149]

ز- طرائق ختم السنوات:كان يختم اخبار السنة بأكثر من طريقة؛ اما باخبار متقطعة تتناول مواضيع متنوعة مثل: وفاة بطريرك وخلو الكرسي البطريركي، او اخبار الغلاء، او القضاة [150]. او بتقويم عام لها، شأن ما ختم به عام 833/ 1430:« كانت ذات مكاره عديدة من اوبئة شنعة، وحروب وفتن، فكان بأرض مصر وبالقاهرة…وباء…وغرق ببحر القلزم … وغرق  بالنيل … وكان ببلاد المشرق بلاء عظيم وهو ان شاه رخ بن تيمور…وكان ببلاد السراي والدشت وصحارى القبجاق…قحط شديد …وكان ببلاد الحبشة بلاء لا يمكن وصفه…اما بلاد المغرب…»[151].

3- التراجم:كان مثل غيره من المؤرخين يترجم للسلطان او اية شخصية معروفة في سنة وفاتها ذاكرا ابرز صفاته، واخلاقه، ومستوى ورعه، وما الى ذلك، وعدد اولاده، وامواله المنقولة وغير المنقولة، وندماءه، وابرز انجازاته البنائية والاخلاقية والسياسية، والاشخاص الذين اعدمهم…[152]. وكان يتوسع بترجمة السلاطين الذي احسنوا ادارة الدولة شأن الناصر محمد بن قلاوون[153]، حتى باتت ترجمته تختصر عهده الزاهي.

    وترجم للسلطان برقوق متحدثا عن حسناته، واشاد به لأنه ألغى الكثير الكثير من المكوس، ولتقديره الفقهاء ورجال الدين عموما، ولإكثاره من المنشآت العمرانية، وبعد ان عدد جميع انجازاته البنائية اعتبر ان بعضها فريد من نوعه. ولشدة اعجابه به تناول موازنة الدولة في عهده، وقيّم موجوداته، وذكر كبار رجال دولته من اهل السيف ونوابهم ومساعديهم، والمتعممين الذين احتلوا مناصب حكومية بمن فيهم القضاة والوزراء بمصر، وكتّاب السر، وربما كل اصحاب الوظائف الديوانية[154]. ولم تمنعه تلك  الاشادة من ذكر سيئاته وتداعياتها كشدة حبه للمال حتى عمّت الرشوة البلاد لأن كبار أمرائه حذوا حذوه حتى صار البرطيل عرفا، وانتشار لواط الغلمان الذي اصبح عادة في عهده حتى تشبه بهم  البغايا[155].

ونجده مقلا بتراجم السلاطين الذين لم يرض عنهم شأن المؤيد شيخ، الذي قال فيه:« كان بخيلا مسيكا، يشحّ حتى بالاكل، لجوجا غضوبا، نكدا حسودا، معيانا، يتظاهر بانواع المنكرات، فحّاشا، سباباً، بذياً…وهو أكثر اسباب خراب مصر والشام لكثرة ما كان يثير من الشرور والفتن ايام نيابته بطرابلس ودمشق، ثم ما افسده ايام ملكه من كثرة المظالم، ونهب البلاد، وتسليط اتباعه على الناس يسومونهم الذلة، ويأخذون ما قدروا عليه بغير وازع من عقل، ولا ناهٍ من دين.»[156]. ولم يحكم احيانا على بعض السلاطين كما في كلامه على ططر:« ولم تطل ايامه حتى تشكر افعاله او تذم..»[157] والملفت للانتباه ان المقريزي لم يفرد للسلطان برسباي ترجمة حين وفاته، بل ذكر له ترجمة مقلة بين تراجم وفيات عام 841/1438، وقد يكون مرد ذلك الى الصفات السيئة التي اتصف بها ولا سيما احتكاراته وبخله:« كان له في الشح والبخل والطمع، مع الجبن والجور وسوء الظن ومقت الرعية…وسرعة التقلب بالامور وقلة الثبات اخبار لم نسمع بمثلها. وشمل مصر وبلاد الشام في ايامه الخراب، وقلت الاموال بها، وافتقر الناس، وساءت سيرة الحكام والولاة …»[158]. ويعكس مجموع هذه التراجم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية لعصر المماليك، وتشكل تاريخا مختصرا للحقبة التاريخية التي تناولها السلوك.

وتميّز المقريزي بالتأريخ وفق التقويم الهجري، وما يثير فضولنا هو معرفة السبب الذي دعاه لأن يقرنه احيانا بالاشهر القبطية:« يوم الخميس ثاني عشر رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة.»[159]، وهذا النمط كثير التكرار في السلوك، ويقرنه احيانا أخرى بتقويم الشهداء المسيحي كقوله:« ومات يوم الاحد أول كيهك سنة ثمان وسبعين وتسعماية للشهداء الموافق لثالث محرم سنة ستين وستمائة.»[160].

ان منهج تقي الدين احمد المقريزي من أكثر مناهج المؤرخين المسلمين تنوعا من حيث الشكل، تمتّع بخاصات طبعت السلوك وميزته من غيره من مؤلفات العصر المملوكي. وهي تتلاءم اجمالا مع نظرته التاريخية التي تشكل لبّ منهجه، وقد تفوّق بها على ما عداه من المؤرخين المعاصرين له والسابقين على عصره، ممّا أعطاه فرادة بينهم تنمّ عن عمق في التفكير قلما نجد له نظيرا، وشغفٍ بالنواحي الاقتصادية بمحاولات دؤوبة صوّرت واقع الحياة الاجتماعية. وقد قال فيه تلميذه ابن تغري بردي:« هو اعظم من رأيناه وادركناه في علم التاريخ ودروبه، مع معرفتي لمن عاصره من علماء المؤرخين، والفرق بينهم ظاهر، وليس في التعصّب فائدة» [161].

تقويم عام: سأكتفي برأي الدكتور محمد عبد الله العنان:« وليس فيما اخرجته الآداب التاريخية العربية عن مصر اثر في طرافته ونفاسته، كالاثر الذي خلّفه المقريزي عن حياة المجتمع المصري في عهد الدول الاسلامية المتعاقبة فهو المرجع  الفريد في نواح من تاريخنا لولاه لحجبتها الظلمات الى الابد[162]…» 


[1]  العمري ( شهاب الدين احمد) ، مسالك الابصار في ممالك الامصار، دراسة وتحقيق دوروتيا كراوفلسكي، المركز الاسلامي للبحوث، بيروت، 1986، المقدمة، ص 19

[2]  –  انظرها في حديثنا عن ابن طولون، ص340 وما بعد

[3]  -ابن تغري بردي (جمال الدين يوسف)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تحقيق ابراهيم علي الطرخان، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ج15 ، ص 490 و السخاوي، الضوء اللامع في اهل القرن التاسع، ج2، ص22

[4]  – كثيرون ترجمو لجدي المقريزي لأمه ولأبيه، ومنهم المقريزي نفسه، السلوك لمعرفة دول الملوك، طبعة القاهرة، تحقيق محمد مصطفى زيادة، ج2، ق1، ص 365 .وابن حجر العسقلاني ( احمد بن علي)، الدرر الكامنة في اعيان المائة الثامنة، دار الجيل، بيروت، دون تاريخ، ج2، ص 391 

[5]  – لمزيد من الاطلاع انظر: عز الدين علي ( محمد)، اربعة مؤرخين واربعة مؤلفات، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، 1992، ص 161-163 حيث اسهب في ذكر تراجم الاشخاص الذين تثقف عليهم

[6]  – سلوك، ج2، ق1، ص 365

[7]  – وقد توسع عز الدين علي بالترجمة لمن اخذ عنهم العلم، المرجع السابق/ ص 164- 168

[8]–   انظر حول ترجمة المقريزي : السخاوي، الضوء اللامع، ج2، ص 21-24 ، ابن تغري بردي، المنهل الصافي، ج1، 394-399 ،

[9]  – عز الدين علي، ص172

[10]  – انظر حول وظائف المقريزي الحاشية رقم 7 ولا سيما السخاوي، الضوء اللامع، 2/22

[11]  الضوء اللامع، 2/22

[12]  – المقريزي، اغاثة الامة بكشف الغمة، القاهرة، 1940، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال، ص 72-73

[13]  – المصدر عينه، ص 3-4، 21 وما بعد،

[14]  – نفسه، ص 37

[15]   – نفسه، ص 24-25، 29-30

[16]  – السخاوي، الضوء اللامع، 2/22 ، المنهل الصافي، 1/397

[17]  –  ابن تغري بردي، المنهل الصافي، 1/398

[18]  – انظر حاشيتا عز الدين علي رقم 116 و117 ، ص 193-194

[19] –   انظر الحاشية السابقة

[20]   – الضوء اللامع، 2/23

[21]  – اشار اليه في السلوك ، ج1، 28

[22]  – عز الدين علي، ص210-211

[23]  – انظر كتاب الدكتور عز الدين علي ” اربعة مؤرخين”

[24]  – انظر ترجمة المقريزي في الضوء اللامع، والمنهل الصافي، واربعة مؤرخين واربعة مؤلفات، ص 127- 218

[25]  – لمزيد من التفاصيل انظر: عز الدين علي، ص 178-180

[26]   – المرجع السابق، ص191

[27]  – المقريزي،( تقي الدين احمد ) اتعاظ الحنفاء ،ج1، ص 18 ، لقد ذكر الدكتور شيال هذا الكتاب في مقدمة التحقيق لمؤلف اتعاظ الحنفاء

[28]  – اربعة مؤرخين واربعة مؤلفات، ص 177-218

[29]  – سلوك، 2 ق3/567-580

[30]  – سلوك، 3، ق3/960 وما بعد ولا سيما 1136 وما يليها

[31]  – السلوك،  4 ، ق3 /1072- 1081

[32]  – المصدر عينه،  4 ، ق3/ 1090- 1094

[33]  – سلوك، 4، ق3 / 1127

[34]  – نفسه، 1، ق3/886-897

[35]   – سلوك، 4، ق2/955-957، 962-963

[36]  – نفسه 4، ق2/948 ، 979

[37]  – نفسه، 4، ق2، 895

[38]  – سلوك، 3،ق1/104-108، 149 ، و4، ق2/666 ، و822

[39]  – نفسه، 4، ق2/906

[40]  – شيني اي سفن كبيرة، قرقورة وهي سفن كبيرة تستخدم بتموين الاسطول، الغراب لأن رأس السفينة يشبه الغراب وهو يحمل المقاتلين ويسير بالقلع، وطريدة وهي مركب خفيف وسريع، وشختورة وهي سفينة ضخمة. سلوك، 3، ق1/149

[41]  – انظر نماذج عن هذه الاوضاع : سلوك، 1 ق3/920-922 و 2، ق3/804 ، 917 ، و4، ق1/319، 396 …

[42]  – سلوك، 1، ق2/620

[43]  – نفسه، 4،ق1/292

[44]  -نفسه،4، ق2/856-857

[45]  – سلوك، 2، ق1/205،  2، ق3 /669 وغيرها كثير جدا

[46] –  3، ق3/1131- 1132

[47] –  4،ق1/27-29

[48] –  4،ق1/27-29

[49]   – المكان عينه

[50]   – الروك الحسامي، 1، ق3/842-849

[51]  –  4، ق1/462

[52] – 4، ق1/305-306 . ويعلّق على غش النقود وعلى عدم التداول بها بان الادارة لم تكن تثبت على أمر فحينا تمنع امرا ما ثم لا تلبث ان تتغاضى عن المنع ضاربا مثلا على المقود الاشرفية :” فلما نودي بالمنع منها عاد الامر كما كان، فخسر الناسعدة خسارات، وأخذت الباعة وغيرها بجمعها – اي الاشرفية – لتتربص بها مدة، ثم تخرجها شيئا فشيئا، لعلمهم ان الدولة لا تثبت على حال وان أوامرها لا تمضى .” 4، ق2/ 852

[53]  – ان ابرز الرسوم التي ذكرها هي: ساحل الغلة، نصف السمسرة، مقرر الحوائص والبغال، مقرر السجون، طرح الفراريج، مقرر الفرسان، مقرر الاقصاب زالمعاصر، رسوم الافراح، حماية المراكب، حقوق القينات، وشد الزعماء، حقوق النوبة والسودان، متوفر الجراريف، مقرر المشاعلية، ثمن العبى التي كانت تستأدى من البلاد، مقرر الاقبان، زكاة الرجالة. 2، ق1/150-152

[54]  – سلوك، 2،ق2/439، 444 ، و3، ق2/55 ، و 4، ق2/801، 4، ق3/1127 وغيرها

[55]  – نفسه، 2، ق2/358، 361، 370، 384، 431 . وقد طالت هذه المصادرات مباشري المعاصر والدواليب بحجة زغل السكر والعسل 2،ق2/419 واموال الايتام وتمت معاقبة القضاة الذين كانوا يدافعون عن اموال الايتام 2،ق2/432 ، كما كانت المغنيات تصادر بذرائع متنوعة 2، ق2/836 ، وكان كبار الامراء يصادرون بدورهم بسبب تآمرهم او غير ذلك كما كانوا سيغرمون اموالا وهذا الامر يعتبر مصادرة 3، ق3/1141

[56]  – سلوك، 4، ق1/40

[57]   – كمباشري المعاصر بحجة زغل السكر، سلوك، 2، ق2/419

[58]  – نراوحت قيمة الاموال المصادرة للمغنيات ما بين ألفين الى 3 آلافدرهم، 2، ق2/491

[59]  – 2، ق3/836

[60]  – غرم الامراء احيانا بمبالغ وصلت قيمتها الى  مائة الف دينا، 3، ق3/1141

[61]  – 2، ق2/432

[62]  – 1، ق3/810، 814

[63] – 2، ق3/702

[64] –  4، ق3/1098

[65]  – 1،ق1/130-134، 200

[66] –  1، ق2/446 وق3/717-718

[67] – المعلومات وفيرة حول هذه الناحية واليك بعض الصفحات: 3،ق3/982، و1100، 1133-1135

[68]  – 3،ق3/1132-1135

[69]  – 4، ق2/647،654، 766

[70]  – 4، ق2/869

[71] –  2، ق3/665، 671

[72]  – فذكر فيها مقدار الذي تركه حين وفاته، وقيمة ومقدار المخزون عنده من مختلف الاصناف، وعدد الخيول والجمال في اصطبلاته، ومقدار جوامك مماليكه الشهرية، وعليق خيولهم 3، ق2/938

[73] –  2،ق3/918-919

[74]  –  وهذه بعض العينات: 2،ق2/309-312، 348-349، 372…

[75]  – 1،ق2/306-307

[76]  – 1، ق2/538 – 540، 542

[77]  – 2، ق2/439-443

[78]  – وقد حضر هذا المجلس ابن مغلي قاضي قضاة الحنابلة الذي سأل قاضي قضاة الشافعي عن اربع مسائل وهو يجيبه فيقول له اخطأت، وتدخل قاضي قضاة الحنفية لصالح الاول وراح يشتم الهروي قاضي قضاة الشافعية ثم قال:” يا مولانا السلطان اشهدك على اني حجرت عليه الاّ يفتي.” 4، ق1/479-485

[79]  – 4، ق1/11

[80] –  4، ق2/ 866-867

[81]  – 4،ق2/ 870-871

[82]  – 2،ق3/679

[83]  – 3، ق3/687

[84]   – يذكر ان عدد الامم سبعة، 1، ق1/9-10

[85]  – 1،ق1/16-17

[86]  – تمكن العامة مرات عديدة ارغام اصحاب القرار التراجع عن مواقفهم فقد ارغموا الاميرين سلار وبيبرس الجاشنكير التراجع عن عزل الناصر محمد للمرة الثانية 2، ق1/25 .او موقفهم من الصراع بين السلطان برقوق ويلبغا ومنطاش فهم على رغم المال الذي اخذوه من برقوق توزعوا احزابا وفرقا يقاتل بعضها البعض الآخر ما ادى الى تعطيل الاسواق 3، ق2/608

[87]  – سلوك، 1، ق2/38

[88]   – 3، ق3/1018 والنماذج كثيرة

[89]   – انظر وصفه لحلب 3، ق3/1033-1034

[90]  – 3، ق1/27-28 ، 4، ق2/892

[91] – تخوف الناس من منسر انعقد بالقاهرة، وكان اعضاؤه يكتبون اوراقا يطلبون فيها اموالا من الاغنياء :” ومتى لم تبعث لنا ذلك كنا ضيوفك” 2 ،ق3/644، 901_902

[92]  – 3، ق3/1124-1126

[93]  – 4،ق1/42-43 ، وانظر عن الطواعين : 4،ق2/821-828 ، وق3/1126 ، وايضا 2،ق3/774-786، 4،ق1/248-257

[94] – 4،ق1/487

[95]  – 2، ق3/810-811

[96]  – 4، ق2/670-671

[97]  – بحديثه عن لهو السلطان شعبان يتناول حضير الحمام ( تربيتهاوكشها)، والصراع، والتثاقف، والشباك، وجري السعاة، والنطاح بالكباش، ومناقرة الديوك والقماري. 2، ق3/739

[98]  – ويتحدث المقريزي عن احد الشيوخ الذي عمل المولد عام 790وقد حدث فيه انواع الفساد :« وفي هذه الليلة عمل الشيخ…المولد على عادته في زاويته …فكان فيه من الفساد ما لا يوصف، الا انه وجد من الغد في المزارع مائة وخمسون جرة فارغة من جرار الخمر التي شربت تلك الليلة، سوى ما حكي عن الزنا واللياطة.” 3،ق2/576 .ويذكر ان المراكب منعت من عبور خليج الحاكمي لكثرة ما كان يحصل هناك من فساد والتظاهر بالمنكر، وتبرج النساء وجلوسهن مع الرجال مكشوفات الوجوه…وشربهن الخمر 2،ق1/29 ، وتتبع محتسب القاهرة اماكن الفساد بنفسه فمنع النساء من النياح على الاموات، ومنع ايضا التظاهر بالحشيش، وكفّ البغايا عن الوقوف لطلب الفاحشة في الاسواق ومواضع الريب» 4،ق1/790

[99]  – 3، ق2/576 ابرز المقريزي الشهرة التي كان يحظى بها احد المغنين، وبالتالي يمكننا من خلال السلوك التعرف على مشاهير المغنين والموسيقيين2، ق3/715

[100] –  2،ق2/333

[101] – 2،ق1/53-54 ، 211، 4،ق1/486 وغيرها

[102]  – من النماذج على ذلك ما ذكره المقريزي من اعمال السلطان الظاهر بيبرس في سنة 662 اذ وقف عدة قرى من اعمال الشام والقدس ليصرف ريعها ثمن خبز ونعال لمن يريد القدس من المشاة، وانشأ خانا وفرنا وطاحونا بالقدس…1،ق2/521

[103]  – عندما فرض نائب دمشق على املاكها واوقافها مقرر الخيالة اي ان تعيل 1500 فارس، رفض الناس هذه الضريبة وتجمّعوا وكبّروا ورفعوا المصاحف والاعلام ووقفوا للنائب فامر بهم فضربوا وطردوا . 2،ق1/104

[104] – 1،ق3/909-913 ، 2،ق3/921-927 ، وذكر ان الشروط العمرية طبقت على اهل الذمة من دون ذكر السبب 3،ق3/1040

[105] – 1،ق3/909-913، 2،ق1/226-228

[106]  – افتى الفقيه نجم الدين بن رفعة بنهب الكنائس وبوجوب هدمها فعارضه فقيه آخر، وكان تم هدم بعض الكنائس والبيوت في الاسكندرية وبقيت الكنائس في مصر مغلقة مدة سنة كاملة، ولم يتم فتحها الا بشفاعة ملك أرغونة 1،ق3/950 ، كما ذكر الاعمال الاحتيالية من قبل بعض المتعصبين لهدم الكنائس ما أدى الى هدم عدد كبير منها وكأنه، على حد تعبيره، أمر سلطاني 2،ق1/216-218 .وأمر السلطان برقوق بهدم كنيسة بوالنمرس لأن نواقيسها ازعجت احد المسلمين على حد تعبير المقريزي وحولها الى مسجد 3،ق1/340-341

[107]  – بضغط من العامة وتعصبهم تحول عدد من المسيحيين الى الاسلام خوفا على انفسهم على حد تعبيره 2،ق1/226-228 ، وروي ان بعض المسلمين كان يشتكي للسلطان ان المسيحيين استجدوا بعض الكنائس فيأمر بهدمها، فيستغل هؤلاء الموضوع لنهب الكنائس= =والاديار وهدم بعضها الاخر وان كان غير مستجد،  ووجه المقريزي لوما للسلطان وغيره من ارباب الدولة على هذا التصرف الاخرق. وكانت هذه الاعمال تؤدي الى تحويل بعض المسيحيين الى الاسلام قسرا 2،ق3/921-927 . وروي ايضا عن قدوم جماعات من المسيحيين ممن كانوا تحولوا قسرا الى الاسلام يشهرون ارتدادهم الى المسيحية تكفيرا عن ذنوبهم لأنهم كانوا قد ارتدوا عنها، فعرض عليهم الاسلام  ولما رفضوه  قتلوا مع النساء المرافقات لهم 3،ق1/372-373

[108]  – 1،ق2/38

[109]  – 3، ق1/130

[110]  – 4، ق1 /105

[111]  – 4، ق1/ 224

[112] – 4، ق1/ 225-226

[113]  – 4، ق2 / 701

[114] – 1، ق1/4

[115]  – 1،ق1/8

[116]  – 1، ق1 / 94

[117]  – 1، ق1/ 106

[118]  – 1، ق2/378، 406

[119] – 1، ق2 /635

[120]  – 1، ق2/ 637

[121]  – روي الصراع بين السلطان فرج والامير شيخ المحودي ( السلطان لاحقا ) متحدثا عمّا فعله المماليك بالقرى نهبا وسرقة واعتداء على الناس قائلا :« فركب الامير تغري بردي…ومعظم الامراء فصعدوا الى قلعة صرخد…وكنت معهم.» 4، ق1/105

[122]  – 4، ق2/649

[123]  – 1، ق1/47

[124]  – 1، ق2 /612-613

[125]  – 1، ق3/ 731-732

[126]  – 1، ق3/731-732

[127]  – 4، ق2/738

[128]  – 1، ق2/447

[129] – 1، ق2/448

[130]  – 1، ق2/524-531

[131]  – 1، ق3/753-754

[132]  – 2، ق2/509

[133]  – 2، ق3/618-619

[134]  – 2، ق3/735-737

[135]  – 1، ق3/875-876

[136]  – 3،ق2/474

[137]  – 3، ق3/1176-1178

[138]  – 4، ق1/39-40

[139]  – 1،ق3/897-904

[140]  – 2،ق2/473-485

[141]  – 1، ق2/373-374

[142]  – 1، ق2/378-380

[143]  – انظر مثلا مقتل الاشرف خليل وتتابع الاحداث حتى اعلان سلطنة الناصر محمد بن قلاوون، 1،ق3/788-798 ، وانظر ايضا في السياق عينه سلطنة لاجين فهروبه حتى اعتلاء كتبغا العرش 1، ق3/820-827

[144]  – 2،ق1/53وما بعد

[145] – 2،ق3/554-558

[146]  – انظر مثلا موقف دمشق والكرك من عز الدين ايبك التركماني والاشرف موسى، 1،ق2/371-372

[147]  – 3، ق1/104

[148]  – 4، ق2 /678 ، وانظر نمازجا اخرى : 4، ق2/ 705 ، 734 …

[149]  – 4، ق2/804 وغيرها كثير

[150]  – 1، ق2/380، 382

[151]  – 4، ق2/ 836-841

[152]  – انظر مثلا ترجمة صلاح الدين الايوبي: 1،ق1/113 – 114 , ترجمة الصالح نجم الدين ايوب: 1، ق2/ 339 – 342، وايضا ترجمة بيبرس البندقداري: 1، ق2 / 637-641 ، والسلطان قلاوون بحيث ذكر نوابه في القاهرة وبلاد الشام، وعدد مماليكه واستخدامه الجراكسة 1، ق3 /755-756

[153]  – فذكر امه، وتاريخ مولده، وعمره عندما اعتلى العرش للمرة الاولى، وتاريخ خلعه، وكيفية عودته، ثم تخليه عن العرش، وعودته الى الحكم للمرة الثالثة. وانتقامه من الامراء البرجية، ومهابته= =عند الامراء. كما تحدث عن اكثاره من المماليك والجواري، وتدرج المملوك من 3 الى 7 ثم عشرة، وسبل ترقيته. وتحدث في هذا الصدد عن رغبة المغول ببيع اولادهم واسعار الرقيق فتراوح ثمن المملوك ما بين 20 الى 40 ألف درهم عندما يشتريه التاجر، ويدفع فيه السلطان مائة ألف درهم فما دون :2، ق2/ 524-525 . شغف بالخيل، وهو أول سلطان اتخذ ديوانا للخيل، ص526-527 ، ولكثرة شغفه بها حاز عربان آل مهنا، ومرا، وآل الفضل الاموال الكثيرة، واهدى السلطان نساءهم الاطواق الذهبية المرصعة، وبعث لهنّ البراقع المزركشة، والمسك، وانواع الطيب، ص528 .عني بالصيد: صقور وشواهين حتى عمّ هذا النمط بين الامراء، ص530. وكانت له حرمة ومهابة، جعلت الامراء اذا وقفوا بالخدمة لا يجسر احد ان يتحدث مع رفيقه بكلمة، وكان لا يجسر احد ان يجتمع مع خشداشه في نزهة او غيرها، ص 532، ابطل نيابة السلطنة، ص 534. كان يبهر ملوك الشرق بهداياه فيحصل منهم على ما يريده، ص 537. كان محبا للعمارة، وحسّن منشاءات الري.  ذكر جميع اولاده، ومن صار منهم سلطانا، كما ذكر جميع نوابه ووزرائه في مصر، وأكابر موظفيه. وتبدأ ترجمته في الصفحة 524 وتنتهي ص 548 .

[154]  – 3، ق2 /937-947

[155]  –  3، ق2/ 626 – 618

[156]  – 4، ق1 /550-551

[157]  – 4، ق2 /589

[158]  – 4، ق3/ 1066

[159] – 1، ق2/267، وايضا 3،ق3/977

[160]  – 1، ق2/380

[161]  – نجوم 15/491

 [162] – العنان(محمد عبد الله)، – مؤرخو مصر الاسلامية، مؤسسة مختار، القاهرة، 1991، ص86

التجديد في منهج تقي الدين احمد المقريزي (766-845/1364-14429)

اولا– البيئة السياسية والدينية والثقافية للتأريخ في القرن التاسع/الخامس عشر.

في العهد المملوكي شغلمعظم المؤرخين وظائف ديوانية مثل كتابة السر، والحسبة والتوقيع بديوان الانشاء… مما سمح لهم بالاطلاع على دقائق سجلات هذه الوظائف، وعلى ركائز النظامين العسكري والاقطاعي المملوكيين فازدهرت كتب الادارة مثل مسالك الابصار للعمري، ونهاية الارب للنويري، وصبح الاعشى للقلقشندي، والمواعظ والاعتبار للمقريزي، وزبدة كشف الممالك للظاهري… اضافة الى التواريخ العامة، التي لم يقتصر حضورها على السياسي والعسكري بل تعداهما الى النشاطات الاجتماعية والاقتصادية والادارية. فاكتملت بذلك صورة التاريخ بابهى حلله، واروع روآه، وصارت المؤلفات تنبض بالحياة وتتحدث عن الخاصة والعامة معا بعد ان كانت حكرا على الاولى.

تجاه هذا الازدهار المنقطع النظير للمؤلفات في ميدان التاريخ على تنوع مواضيعه، نلاحظ انحطاطا مخيفا ومربكا في بقية العلوم على مدى العصر المملوكي. وقد يكون مرد ذلك الى وعي المؤرخين للديني المرتبط بالسياسي الناتج عن احتضان المماليك للشرعية الدينية السنية الوحيدة، فصارت بنظرهم دولة المماليك وحدها الدولة الشرعية في العالم الاسلامي، وتحوّلت الدول الاخرى غير الخاضعة للخلافة العباسية الى دولٍ عاقّة، مما جعل التاريخ المحلي او الاقليمي يزدهر بامتياز، بحيث قلّما تجاوزت مضامين مؤلفات المؤرخين المشرقيين حدود الدولة التي يعيشون في كنفها اللهم الا ابتهاجا بفتح اسلامي، او نجاة المسلمين من هجوم الفرنجة.

وبذلك، غابت عن الساح التأريخية مؤلفات التاريخ العام الشامل، وان اطلقنا على بعضها هذه الصفة لان حضورها اقتصر على التاريخ الاقليمي الخاضع اصلا لنفوذ سياسي محدد، مما عكس الانقسام السياسي على الفكر الديني وعلى الوضعين الاجتماعي والاقتصادي. ولم يعد العالم الاسلامي كله مسرحا لأقلام المؤرخين المسلمين، بل تقوقع التوجه، خلال الحقبات التي نضجت فيهاالمناهج التأرخية عموما، ليحدّد السمات العامة للمراحل الاخيرة من العصور الوسطى. وقد حرمنا هذا المنظور السياسي الديني الضيّق من كنوز كثيرة لأنه لو توفّر للمقريزي وبعض زملائه المبدعين، بما تمتعوا به من نفاذ البصيرة والحس الاجتماعي، الاطلاع على اخبار الدول الاسلامية الاخرى ودوّنوا اخبارها لربما كانت المكتبة العربية قد اغتنت بمادة علمية تاريخية قلّ نظيرها، ولكن مع الاسف الشديد اقتصر حضورهم التأريخي على دولة المماليك خصوصا ان بعض المؤرخين شغل وظائف ديوانية، ممّا جعلهم قريبين من القرار السياسي، ومطلعين على معلومات كان متعذرا على غيرهم الوصول اليها، ومدركين بدقة بنية المؤسسات المملوكية بسلبياتها وايجابياتها.                      

ثانيا حياة المقريزي ومؤلفاته:

1-حياته: هو تقي الدين احمد بن علي العبيدي المقريزي[2]، وهذه الشهرة الاخيرة تعود الى احدى حارات بعلبك التي عاشت في كنفها اسرته قبل انتقال جده لأبيه من بعلبك الى دمشق[3]. ولد المقريزي في القاهرة في حارة برجوان عام 766/1364 في اسرة اشتهرت بتحصيل العلوم؛ فجده لأبيه نشأ في بعلبك وتثقف على عدد وافر من العلماء والفقهاء[4] ثم انتقل الى دمشق حيث ولد ابنه علي والد المقريزي. بعد دمشق ارتحل الى القاهرة واستقر فيها حيث تقلب في عدة وظائف ديوانية[5].

 وقد يكون جده لأمه، الذي احتضن المقريزي، اكثر ثقافة من جده لأبيه[6]. درس مؤرخنا في الازهر على الكثير من العلماء والفقهاء بلغ عددهم ستمائة[7] من ابرزهم: شمس الدين بن الصائغ جده لأمه، وابي اسحق التنوخي، وسراج الدين البلقيني، والعماد الحنبلي، وابن خطيب الناصرية المؤرخ المعروف، وابن خلدون بعد ان استقر في القاهرة منذ عام 784/1364 وقد تأثر به كثيرا ولا سيما بمقدمته المشهورة. كما اجازه عدد من اعلام عصره نذكر منهم: العماد ابن كثير (ت 774/1373، وابا البلقاء السبكي (ت 777/1375) وابا الفضل النويري (ت 786/1384)[8].

كان المقريزي على اتصال وثيق بالسلطان برقوق، وبابنه السلطان فرج، وبالامير يشبك الدوادار، مما سمح له اشتغال عدة وظائف حكومية. وكان مقربا جدا من الناصر فرج الذي تمنى عليه ان يكون رسوله الى تيمورلنك ولكنه اعتذر.[9]

ثم ما لبث ان اعتزل الوظيفة العامة لينصرف الى تدوين مؤلفاته جاعلا من بيته موئلاً لاهل العلم من تلاميذه واصدقائه. ولربما يكون قد وجد في هذا السلوك السلوى والسلوان عمّا آلت اليه اوضاع البلاد من انحطاط اقتصادي وفساد اداري ورعب عسكري، وعمّا فقده من وظائف، وعزاء ذاتيا لفقدانه ابنته فاطمة التي توفيت بالطاعون عام 826/1423 وذهب هو نفسه ضحية الوباء عينه عام 845/1441 مخلفا ثروة علمية ضخمة، ومدرسة تأريخية خاصة.

2مؤلفاته: ترك المقريزي عددا كبيرا من المؤلفات في مختلف ميادين العلوم الانسانية اربت على المائتين على ما ذكر السخاوي[10]، ويبدو ان معظمها قد ضاع، وما بقي طبع معظمه، وسنكتفي بذكر بعضها:

– اتعاظ الحنفاء باخبار الائمة الفاطميين الخلفاء.

– اغاثة الامة بكشف الغمّة، هو كتيب اقتصادي اجتماعي يعتبر من اجلّ الدراسات الاجتماعية والاقتصادية خلال العصور الوسطى.

– الاوزان والاكيال الشرعية، وهو يتمم الكتاب السابق، وباعتقادي ان المقريزي وضعه بعد تجربته المريرة في وظيفة الحسبة.

– التاريخ الكبير المقفى في تاريخ اهل مصر والواردين عليها،  وهو تراجم لأكابر المصريين ومن دخل الى مصر من العلماء والمشاهير، مرتب على حروف المعجم. صدر منه حتى الان ستة عشر مجلداً، ويبدو ان المقريزي اراد له ان يكون في حوالى ثمانين مجلدا على حد تعبير السخاوي وابن تغري بردي[11].

– درر العقود الفريدة في تراجم الاعيان المفيدة[12].

-شذور العقود في ذكر النقود، منشور.

-المنتقى من اخبار مصر لابن ميسّر، منشور

– المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار

– كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، وهو موضوع هذا البحث.

وهناك العديد من المؤلفات ذكرها السخاوي، وابن تغري بردي، واعطى الدكتور محمد كمال الدين عز الدين علي معلومات عنها وتوسع بمضمون بعضها خصوصا المخطوط منها الذي تمكن من الاطلاع عليه.[13]

ثالثا: التجديد في منهجه في كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك

ان التجديد هو ابداع يتجسّد في الخروج عن المألوف جزئيا او كليا، وبالتالي اعتماد نمط جديد قد يغدو لاحقا نموذجا يحتذى. ويتمظهر التجديد في التأريخ في المنهج على مستويين: الشكل، والمضمون. ونعني بمنهج المضمون موقف المؤرخ من الحدث الذي يؤرخ له، اي كيفية استقراء جزئياته ومن ثم اعادة تركيبها بما يوضح مدى عمق رؤيته العمودية. ويُظهر الجهدَ الذي بذله للوصول الى اكبر قدر ممكن من الحقيقة التاريخية التي هي مطلقة في الاساس. ويمكن اطلاق مصطلح: «النظرة التاريخية» على مجمل هذه الجهود.

ويرتبط اسلوب التجديد في العصور الوسطى بمقدار خروج المؤرخ على الصورة التقليدية للخبر التاريخي، لأن الخبر استمر بوجه عام مستقلا بذاته ولذاته عند معظم مؤرخي العصور الوسطى الاسلامية، وقلما اسس لخبر جديد، او استند الى خبر آخر سابق لينفذ الى اعماق الحدث الكلي. فبراعة المؤرخ تتجلى بمقدار اخراجه الاحداث التي تتداخل بعض وجوهها او تتقاطع في سياق شامل ومترابط تتجلى فيه كلية الحدث المقصود.

وعلى هذا سندرس نظرة المقريزي التاريخية على كل المستويات التي أرّخ لها، كما سنبيّن مدى خروجه على الصورة التقليدية للخبر او وفائه لها.

 

I-نظرته التاريخية في السلوك: المقريزي اول المؤرخين الذين نظروا الى الاجتماع الانساني نظرة عامة شاملة غير تنظيرية في المطلق، بل حكمتها ركائز من ذاتيته غدت قوانين خاصة به، وعامة لمؤرخين آخرين مثل ما طرحه ابن خلدون في مقدمة كتاب «العبر وديوان المبتدأ والخبر». فجاءت نظرة معرفية نابعة من خبرة التعاطي في الشأن العام، ومراقبة الاحداث وتطورها، ومن رؤيته الانسانية العامة المتأثرة من دون شك بنظريات استاذه ابن خلدون ومحاولته تطبيقها في التأريخ. وهي نظرة هادفة، غايتها تبديل سلوك الحكام نحو الافضل علّ الخلف يتعظ من السلف.

وتكمن اهمية نظرته بمعالجتها نواحي متعددة من النشاطات الانسانية في المجتمع المملوكي: سياسية، وعسكرية، وادارية، واقتصادية، وعمرانية، واجتماعية بمختلف ابعادها شأن الاوبئة والامراض، والجرائم، والحرائق… وتأثيراتها المتبادلة.

نظرته الى الوضع العسكري: شكل الصراع بين فئات المماليك على اختلاف مستوياتهم وتنوع انتماءاتهم محورا رئيسيا في حياة المماليك منذ تأسيس دولتهم وحتى عام 844/1441 الذي تتوقف عنده اخبار « السلوك ». وتستوقفنا في هذا المدى محطات صراعية بارزة، اخص منها ما حدث في سلطنتي الناصر محمد بن قلاوون الاولى والثانية. ولكن المشهد يبدو أكثر اضطرابا في عهود ابناء الناصر محمد بن قلاوون واحفاده بحيث صوّر المقريزي المجتمع المملوكي مجتمعا دمويا غادرا تلفه المؤامرات والفتن.[14]ويستمر المشهد عينه على امتداد معظم العهد الجركسي وفق محطات او مفاصل قد يكون من نماذجه النافرة ما حصل في بداياته بين برقوق ومنافسيه، ثم في معظم عهد الناصر فرج بن برقوق[15]: كالصراعات بين منطاش وشيخ المحمودي ونوروز الحافظي، وبين جقمق واينال[16]

لم يحصر المقريزي آثار ما كان يحصل بالمماليك فقط بل تناول تداعياته المدمرة على كل فئات المجتمع بقوله:«وحل بالقاهرة ومصر خوف شديد بسبب اختفاء الاشرفية – نسبة الى السلطان الاشرف برسباي- وتطلبهم، فاذا دخل المماليك جهة من الجهات للبحث عنهم حلّ بسكانها انواع البلاء ما لا يوصف من النهب والهدم والعقوبة والغرامة وجد فيها اشرفية ام لم يوجد. وكان يتبعهم بهجومهم غوغاء العامة فحلّ بالنساء بلاء لا يوصف، فهدمت بعض المدارس ونهب بعضها الآخر… »[17]

ولكي تتبلور الصورة العسكرية، وهي من معالم التجديد في نظرته التاريخية، وصف الفنون القتالية وطرقها، والخطط الحربية، وانواع الاسلحة المستخدمة. فتناول في حصار آمد عام 837/1434 المدفع النحاسي المستخدم فيه الذي بلغت زنته مائة وعشرين قنطارا مصريا، وزنة قذيفته 570 رطلا مصريا[18]. ووصف في هذا الاطار انواع السفن الافرنجية، والسفن المملوكية وسبل استخدامها[19].

وفي المسار عينه أرّخ المقريزي لعلاقة العربان العدائية بالسلطة المملوكية الناتجة اصلا عن ظلم الحكام [20]. ويتقاطع هذا الموضوع مع نواحي اخرى متعددة تتكامل جميعها معا، لتجعل المشهد العسكري تاما بأحداثه وتفاعلاته بما يفرز من نتائج او تداعيات حددت ابرز محطاط التجديد في نظرته.

ب -موقفه من الاقتصاد: يحتل الاقتصاد منزلة تأريخية مهمة جدا في «السلوك»، فهو المحرك الاساسي لكل نشاطات الدولة والمجتمع، ولكل الصراعات الداخلية. وانطلاقا من هذه الحركية كان الحكام المماليك يتوسّلون ظلم الشعب. ولعل هذا ما جعل المقريزي يدرس مجمل الركائز الاقتصادية افقيا وعموديا مستخلصا منها العبر.

1 -النقود: يعتبر النقد العصب الاساسي في كل عملية اقتصادية، والوضع النقدي يعتبر مقياسا لتطور الحالة الاقتصادية او لركودها. لذلك ركّز المقريزي على قيمة النقود من حيث جودتها وغشها، مظهرا دور الغش في افقار الناس[21]. مما دفعه الى دراسة تطور النقود منذ العهد الايوبي وحتى ايامه ذاكرا اسباب غشها وتداعياته على الاسعار والحياة الاجتماعية، دارسا بطريقة تركيبية نظرية متكاملة للتضخم النقدي[22]، وهي لعمري خطوة سبقت عصره بل نظرية الاقتصاديين العالميين. وهي تزداد وضوحا كلما اقترب بالتأريخ من عصره بسبب وفرة المعلومات؛ فقد درس تطور الرواتب، وازدياد ارباح التجار وانعكاس هذين الامرين على النظام الزراعي عموما، محملا المماليك المسؤولية:« وكل ذلك من سوء نظرة ولاة الامور »[23]. وتكتمل نظرية التضخم النقدي بدراسته أسبابه؛ اذ يرجعه الى كثرة ما كان يتوجب على الدولة من جوامك (رواتب شهرية) للمماليك السلطانية، محدداً مقاديرها النقدية والعينية من لحم وكسوة وعليق للدواب[24]. مبرزا سوء تصرف المماليك السلطانية من اجل الحصول عليها وعلى علاوات جاعلا منه ابرز اسباب افساد ادارات الدولة، “والى خراب اقليم مصر وزوال نعم اهله”[25].

ولفهم عملية غش النقود واثرها على التضخم النقدي قارن بين النقود الذهبية المملوكية ومثيلاتها الاوروبية المستخدمة في الديار المملوكية محدداً مستواها واقبال الناس عليها: الاول هو الهرجة وقد قلّ بأيدي الناس، والثاني يقال له الافرنتي والافلوري اي «الفلوران الهولندي» والبندقي او الدوكة، وقد وصفها جميعها. والثالث الدينار الذهبي الناصري. كما تحدث عن جميع انواع الفلوس[26]. وبذلك، يكون المقريزي اول مؤرخي العصور الوسطى الذين احاطوا باحوال النقود الايجابية والسلبية، وتناولوا تداعياتها على مجمل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية.

2 -الرسوم والضرائب: واستكمالا لنظرته الاقتصادية تحدث عن عمليات الطرح والتحكير، والاحتكارات، والرشوة، والمصادرات، والرسوم، وهي جميعها ضرائب استثنائية باتت بنظره عادية لكثرة ما فرضت. وتناول ايضا الغلاء ومسبباته، وتطور الاسعار. فقد تحدث عن الرسوم من حيث اصنافها، وكيفية فرضها، وتأثيرها على الناس[27]. وقد شرح بعض المصطلحات كالطرح وهو ان يشتري الوزير او الاستادار سلعا بأسعار بخسة او يصادر سلعا تحت عناوين جائرة متنوعة، ثم يعيد بيعها من التجار باسعار مرتفعة جدا. وازداد هذا النهج سوءا في العهد الجركسي حتى بات احدى سماته النافرة[28]. جعل من المصادرات عنوانا سيئا في سجل المماليك المثقل بالمظالم فابان مساوءها وتداعياتها على التجار وارباب الحرف وكبار الاداريين، وعلى تطور الحياة السياسية والعسكرية والادارية المملوكية[29]. كانت الرسوم والضرائب تثقل كاهل الناس حتى بلغ بعضهم مستوى الفقر والبعض الآخر ما دونه. وكان غشّ النقود يسبب غلاء بالاسعار وحال من الفوضى الاقتصادية، وللغلاء عند المقريزي اسباب اخرى؛ مثل قلة فيضان النيل او شدته، وان جاء الامران شديدي الوطأة كان الجوع والمرض يعمان حتى:«أكل الناس من شدة الجوع الميتات والقطط والكلاب والحمير، وأكل بعضهم لحم بعض»[30]، بالاضافة الى الجراد الذي كان يأتي على المزروعات[31]، والمطر المتساقط قبل الاوان الذي تعقبه فترة من الحر الشديد كان يخرج دودا كثيرا يتلف المزروعات[32].

3  – نتائج السياسة الاقتصادية: لم تكن نظرته مركّزة على الوضع الاقتصادي المتردي فحسب وان كان الاكثر تعبيرا عن سوء احوال الناس الذين يقنعون بالفتات[33]، ولم تكن تنظيرية نابعة من فراغ، بل امدنا باستمرار، وكلما توفرت له المعلومات، باسعار السلع ارتفاعا او هبوطا مقارنا احيانا بما كانت عليه اسعارها وكيف صارت.[34]ودرس غلاء الاسعار احيانا بشكل بياني من دون ان يجد سببا موضوعيا لإرتفاعها سوى فساد الادارة المملوكية[35]. ولعل من ابرزها دراساته لتطور سعر اردب القمح: فانه كان ينقص نصف سدسه بسبب كلفة سفره واجرة السمسرة، وحمولته، وغربلته، وطحنه[36].

 واعتبر الاحتكار احد ابرز اسباب الغلاء ولا سيما في عهد برسباي الذي فرض على التجار شراء السكر من المتجر السلطاني فقط، كما حظّر على المزارعين زراعة السكر لتبقى احتكارا سلطانيا[37]. وتعدى الامر السكر، الذي هو انتاج محلي، الى احتكار الفلفل المستورد اذ: «أوقعت الحوطة سنة 835/1432 على فلفل التجار بالقاهرة ومصر والاسكندرية…  ورسم بان يكون الفلفل مختصا بمتجر السلطان.»[38] وفي هذا الاطار درس احيانا موازنة الدولة كما في عهدي اسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون[39]، وبرقوق[40]. وهي لعمري دراسة مالية متقدمة جدا، تنمّ عن وعي تام للوضع الاقتصادي والفساد الاداري.

ان استنزاف المماليك للطاقات الاقتصادية من جراء فرض الرسوم والضرائب الجائرة، وطرح السلع على التجار، ومصادرة ممتلكات ارباب الاقتصاد والادارة واموالهم جعل ارباب المعرفة بالاقتصاد، يأنفون من تولي المناصب الادارية الاقتصادية كالوزارة وديواني الخاص والمفرد، والاستادارية[41]. والمقريزي، الى ذلك، درس بجلاء بنية الاقتصاد المملوكي المتردي محذّرا من ان استمراره سيؤدي الى اضعاف الدولة وسقوطها.

ج – موقفه من الادارة: لقد خبر المقريزي الادارة المملوكية عن كثب، اذ تولى الحسبة والقضاء، وادرك مدى اهتراء اهل الرأي في الادارة، ومدى ترددهم باتخاذ القرارات المسؤولة، ومن ثم التراجع عنها اكراما لهذا الامير او ذاك، او تقرب السلطان من مسببي القلق السياسي في دولته، علّه بهذا الاكرام يتّقي شرهم.

وما عاد معظم اصحاب الوظائف الديوانية او المتعممين على اختلاف مراتبهم بمن فيهم قضاة القضاة، والقضاة يمارسون وظائفهم بنزاهة، بل صاروا في خدمة السلطان وكبار امرائه، لأن وظائفهم صارت تشرى بمال حتى باتت الرشوة عنوان العهد الجركسي[42].  وساهمت معرفة بعض السلاطين الجركسة المتواضعة بالعلوم الدينية في افساد النظام القضائي كما حصل في المجلس الذي عقده المؤيد شيخ لقضاة القضاة الاربعة ومشايخ العلم، وقد تنّدر به المقريزي قائلا: « فكان مجلسا بغاية القبح، من اهانة الهروي وبهدلته. »[43] وهو يسوق مثالا على هذه الاوضاع الشاذة اسناد الحسبة عام 808/1406 الى احد باعة السكر، معلّقا على ذلك:« فكان هذا من اشنع القبائح وأقبح الشناعات ».[44] ويروي ان أقبغا الجمالي « سعى في الاستدارية على ان يحمل عشرة آلاف دينار »[45]. وأضاف السلطان عام 835/1432 الى كاتب السر الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ الوزارة ويعلّق على هذه الحادثة متحسرا:« ولم يقع مثل ذلك في الدولة التركية… وباشر مع بعده عن صناعة الانشاء وقلة دربته بقراءة القصص والمطالعات الواردة من الاعمال. غير ان الكفاءة غير معتبرة في زماننا، بحيث ان بعض السوقة ممن نعرف ولّي كتابة السر بحماه على مال قام به.»[46]

د -المجتمع:

1 -المجتمع القلق: لربما يكون مؤرخنا قد ركز على هذا المجتمع غير المطمئن لشدة الصراعات الدامية بين طوائف المماليك وامرائهم مما كان يؤدي الى غلاء في الاسعار، واغلاق للاسواق ونهبها، وخطف الناس من الطرقات، والتعدي على الرجال والنساء في الحمامات[47]. وكثيرا ما كان سبب الفتنة تافها كاشاعة كاذبة، او خلاف مؤقت بين اميرين لا يلبثان ان يتصالحا[48]. ولم يكن لذلك المجتمع القلق هوية فكانت احداثه ومظاهره متشابهة في كل مكان: في القاهرة اوحلب او دمشق، على الرغم من تغيّر الظروف في كل منها. وكان المقريزي شديد الحساسية تجاه هذه التصرفات الخارجة على الاطر الدينية والاخلاقية، التي كانت تهدد حياة الناس ومصالحهم في كل وقت وتقض مضاجعهم، من دون ان يعمل المماليك على حلها جذريا، لأنهم كانوا مسببيها.

وشكلت الحرائق احدى عوامل القلق الاجتماعي والامني لما كانت تسببه من اضرار بالغة من دون ان يُعرف اجمالا مسببوها[49]. وكذلك كانت حال المناسر التي تشتد احيانا[50]. وعرض مؤرخنا للاوبئة والامراض ومسبباتها ونتائجها، ذاكراً بعض اسماء النباتات والفواكه المستخدمة كأدوية في معالجتها، محددا اسعارها، متحسّرا بسبب عجز عدد وافر من الناس عن شرائها[51]. وكان الطاعون الاشد فتكا بين الاوبئة. وصوّر حالة الناس وارباب الدولة عندما كان الوباء يشتد فيعجز الاطباء عن الحد من انتشاره وعن شفاء المرضى، فكانوا امام هذا العجز يلوذون بالصلاة والصيام مدة ثلاثة ايام، او يخرجون للصلاة  في الصحراء [52].

2- الملابس: واستكمالا للنظرة الكلية الى لمجتمع لم يغفل عن وصف الملابس، محددا مستوى ملابس كل فئة من فئات المجتمع المملوكي وانواعها، ذاكرا اسباب منع ارتداء بعض الازياء واستبدالها بأخرى فتصبح (موضة)[53]. ويمكن للباس ان يشكّل بطاقة هوّية لبعض الموظفين. فاذا كانت للمماليك على اختلاف مراتبهم ألبسة محددة لكل فئة ومنزلة، فانه كان لكل درجة من المتعممين لباسها المميز:«خلع على شمس الدين محمد الهروي واستقر قاضي للقضاة… فغيّر زيّه، وهذه المرة الرابعة في تغيير زيّه، فانه كان اولا يتزيّ بزيّ العجم، فلبس عمامة عوجاء بعذبة عن يساره. فلما ولّي القضاء لبس الحبة، وجعل العمامة كبيرة، وأرخى العذبة بين كتفيه، فلما ولّي كتابة السر تزيّ بزيّ الكتاب وترك زيّ القضاة وضيّق اكمامه، وجعل عمامته صغيرة مدورة ذات اضلاع، وترك العذبة، وصار على عنقه طوق ولبس الذهب والحرير»[54]

3 -اللهو والاحتفالات: تناول «السلوك» انواع اللهو[55]، والاحتفالات الدينية والدنيوية التي كان يعبق بعضها بالفسق والفساد[56]، من دون ان يهمل  المغنين ونشاطاتهم[57]. ومدنا بنماذج عن مهر الزواج[58]. واعتبر ان الخمرة من المساوئ الاجتماعية متحدثا عن اسباب ابطال الخمّارات واهراق الخمور[59].

ه  – موقفه من الذمييّن: لم يقتصر مجتمع المقريزي على حياة المسلمين فقط انما أرّخ ايضا لعلاقة اهل الذمة بالمسلمين عموما واركان الحكم خصوصا. وكان ينحاز الى جانبهم عندما يظلمون، ويهاجمهم عندما كانوا يخطئون، مبديا ملاحظات قيمة حول علاقاتهم الاجتماعية. فذكر ان الشروط العمرية طبّقت عليهم مرات عديدة[60]، ومنعوا مرات كثيرة من شغل الوظائف الحكومية او التي طردوا منها، متطرقا الى الاسباب الموجبة، وهي برأيه غير مطلقة بسبب تضارب مواقف الفقهاء منها بين مؤيد ومعارض[61]. ويأسف لهدم عدد كبير من الكنائس لأنه كان يتم مرارا، من دون مبرر ديني او مسوّغ قانوني[62]. وتحدث عن بعض المسيحيين ممن تحوّل الى الاسلام قسرا، وبعض الذين ارتدوا مجددا الى المسيحية تكفيرا عن ذنوبهم غير آبهين بالمصير المحتوم الذي ينتظرهم[63].

وهكذا نلاحظ ان نظرة المقريزي الى التاريخ تناولت معظم جوانب الحياة السياسية والعسكرية، والادارية، والاقتصادية، والاجتماعية؛ قبيحها وجيّدها. فيتبدّى لك  مجتمع المماليك في ” السلوك” مجتمعا متحركا نابضا بالحياة. وقد يكون لرصيد ثقافة المقريزي الدينية، وحسّه الاجتماعي المرهف، واخلاقه الحميدة ما جنّبه الانجرار في مسار الفساد الجارف الذي ساد عصره، لا بل غدا ابرز سماته السيئة. ولست أغالي اذا اعتبرت ان هذا الرصيد برز في موقفه من ثقافة المماليك العامة في مختلف الميادين، ومن نقده اللاذع لممارساتهم غير المبررة دينيا وانسانيا. واعتقد انه تناول كل ذلك من اجل تقويم المفاسد والمساوئ، لأن في التاريخ عبراً.

د -موقفه من المماليك: لعل محور نظرته تركّز على موقفه من المماليك سلطانا وأمراء وأجنادا، فقد انصفهم عندما كانوا يستحقون الانصاف، وهاجمهم في غالب الاحيان لانه اعتبرهم مصدر المساوئ الادارية والاجتماعية والاقتصادية بسبب سوء تصرفاتهم، وشرههم للمال، وتصارعهم على المناصب الرفيعة، واهمالهم الرعية. وتعبيرا عن موقفه هذا، وسمهم بشتى انواع النعوت غير الحميدة، وسأكتفي بالاشارة الى بعضها: فقد ذكر في حوادث سنة 648/1251:” كثر ضرر المماليك البحرية بمصر، ومالوا على الناس وقتلوا ونهبوا الاموال، وسبوا الحريم، وبالغوا بالفساد، حتى لو ملك الفرنج ما فعلوا فعلهم”[64]. وتعليقاته على سوء تصرف المماليك كثيرة جدا، وقد اعتبرها غضبا من عند الله ليتم امره فيهم، كقوله بالامير يلبغا الجوباتي ابان صراعه مع الامير برقوق العثماني (السلطان لاحقا):” وكان الامير يلبغا لأمر يريده الله قد شحّت نفسه، وساءت اخلاقه… “[65].

وتحوّلت كثرة الفتن ومحاولة اخمادها وبالا على سكان المحلة او المنطقة التي كانت مسرحا لها: اذ كانت تنهب القرى نهبا قبيحا، ويسطى على المواشي، ويتم التعدي على النساء، وتعذيب من يظفر به المماليك حتى يطلعهم على ما عنده من علف وغيره[66].

ويغتنم المقريزي كل فرصة سانحة ليعبّر عن سوء تصرف اي سلطان او امير فيوجّه اليه اشد النقد قساوة، شأن تعليقه على موت السلطان الناصر فرج بن برقوق الذي طرح على مزبلة، عاريا الا من سروال يستر عورته:«وغوغاء العامة تعبث بلحيته ويديه ورجليه طوال نهار السبت، نكالا من الله، فإنه كان مستخفّا بعظمة الله سبحانه، فاراه الله قدرته فيه»[67]. واضاف مقوّما عهده السئء قائلا:« وكان الناصر هذا أشأم ملوك الاسلام، فانه خرّب بسوء تدبيره جميع اراضي مصر والشام… وَطرق ديار مصر الغلاء من سنة ست وثمان مائة، فبذل امراء دولته ومدبروها جهدهم في ارتفاع الاسعار… وأفسدوا مع ذلك النقود بإبطال السكة الاسلامية من الذهب… ورفعوا سعر الذهب حتى بلغ الى مئتين واربعين كل مثقال بعدما كان بعشرين درهما… وأخذت على نواحي مصر مغارم تجبى من الفلاحين في كل سنة، واهمل عمل جسور اراضي مصر… وأكثر وزرائه من رمى البضائع على التجار…  بأغلى الاثمان…  هذا مع تواتر الفتن واستمرارها بمصر والشام… »[68]. واعتقد ان رأيه هذا يحدد بكل دقة نظرته الى المماليك.

وعليه، جاءت نظرته افقية من جهة لأنها تناولت معظم النشاطات الانسانية في المجتمع المملوكي من دون ان تتعامى عن المساوئ، وعمودية تحليلية من جهة ثانية لأنه  درس حالات متعددة للموضوع الواحد قبل اصدار حكمه او رأيه به. ممّا اعطاه فرادة بين مؤرخي العصور الوسطى ليكون رائد مدرسة جديدة في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي المرتبط عضويا بالتاريخ السياسي والعسكري.

II- اسلوبه التأريخي:

أ–   التأريخ الحولي وموقف المقريزي من الخبر:

1 -وفاؤه لصورة الخبر التقليدية: جريا على منهج التأريخ ظل المقريزي غالبا وفيا  للمفهوم التقليدي للخبر، فحصره ضمن اجزائه السنوية الموزعة على ايام او اسابيع وربما شهور تبعا لمقتضى المدة الزمنية للحادثة-الخبر. واذا لم يكن تاما ضمن مدد وجيزة قطّعه الى اجزاء خصوصا اذا تجاوز السنة الواحدة،  رابطا بين هذه الاجزاء بالمصطلاحات التقليدية: « وفيها حدث كذا » او « ورد الخبر من عكا »[69]، او « في اليوم كذا من شهر كذا فوّض القضاء الى »[70] … لاتمام الخبر عينه من دون ان يربطه سببيا بما كان قد حدث الا في حالات يعود اليه وحده امر تقديرها، اما لأنها ترتبط بحدث مهم جدا، او تتعلق ببعض الامور الاقتصادية، كما سيتضح لاحقا.

2 -عطف الخبر على ما سبقه: فعلى الرغم من وفاء المقريزي بوجه عام للصورة التقليدية للخبر فانه عطفه على خبر سابق او اكثر، ذاكرا احيانا اسبابه البعيدة، كما في ذكر دوافع هجوم السلطان قلاوون على عكا: خرق الصليبيون المعاهدة التي كانوا قد وقعوها مع السلطان بيبرس، وقتلوا التجار المسلمين وصادروا بضائعهم [71].

ويزداد هذا المنهج وضوحا باقتراب المقريزي من التأريخ لعصره، لأن الصورة، على ما أعتقد، باتت أكثر جلاء في ذهنه والاحداث في متناول يده يتابعها عن كثب، اما بالاطلاع الشخصي المباشر، او باخذها من شهود عيان موثوقين.

3 –: ونجد في «السلوك» نمطا آخر من التدوين كالخبر كالمستقل بذاته والهادف الى رؤية أحادية متكاملة لموضوع محدد باسبابه البعيدة ونتائجه المباشرة، كما في تعداده الاسباب التي دفعت السلطان الناصر محمد بن قلاوون الى عزل الامير تنكز نائب الشام وما ترتب عليها من مصادرة امواله[72]. او تلك التي ادت الى خلع السلطان احمد بن محمد بن قلاوون: ومنها ان صَحْبُه ورسله كلهم كانوا من اوباش الكرك، جاءوا معه الى القاهرة، وأكثروا من اخذ البرطيل، وتسلطوا على الوزير، وحجبوا السلطان عن الامراء. ومنها ايضاجمعه الأغنام من الصيد بطريقة مريبة وتلك التي كانت لوالده ولبعض الامراء؛ واستيلاؤه على الحيوانات النادرة من الحوش السلطاني، واستيلاؤه ايضا على ذهب وفضة من شعائر السلطنة ومن اللجم… وسلبه ما كان لجواري والده من ذهب ومصاغ؛ ومصادرة نساء الامراء الذين أمر بقتلهم[73]. وهناك امثلة كثيرة على هذا النمط من التأريخ منتشرة على صفحات «السلوك» مثل اسباب مقتل غرلو شاد الدواوين[74]

4تعليل الحوادث: على الرغم من تفتيته الخبر على الطريقة التقليدية اذا تجاوز اليوم الواحد، فانه حلل بعض الحوادث وعللها، كما في تأريخه لضَيَاع المماليك السلطانية بعد عودة الناصر محمد الى العرش للمرة الثانية: قويت البرجية بقيادة بيبرس الجاشنكير الاستادار، وكانت تقابلها الاشرفية والمنصورية بقيادة نائب السلطنة الامير سلار، وشاركهما الامير برلغى الذي إلتفت الاشرفية حوله، فاصبح للمماليك السلطانية ثلاثة معسكرات متناقضة مما سمح للناصر محمد بالعودة الى الحكم[75]. والامثلة عديدة على هذا النمط كما في تعليله للتضخم النقدي.

 ويتكرر هذا المنهج التحليلي الاستنتاجي بوضوح عند المفاصل التاريخية المهمة كما في التحليل الرائع لشخصية الامير برقوق العثماني واسلوبه بالتمهيد لاعتلاء العرش[76].  وانظر في السياق عينه تحليله الرائع لتصرفات الناصر فرج بن برقوق السيئة، وموقفه منها[77]. واعتمد هذا النمط لابراز نتائج الاحداث المهمة، من دون ان يذكر انها نتائج، فأتت مكملة للحدث بل جزءا منه، وهي نتائج اقتصادية، وعسكرية، وادارية وسياسية، واجتماعية، كما في كلامه على تطور معركة وادي الخازندار[78].

ويحتل التحليل والتعليل منزلة مهمة في الحوادث التي عاصرها المقريزي، خصوصا تلك التي كان يستاء منها، وتؤذي الناس، من اجل توضيح الصورة السيئة للعهد الجركسي لأن الايجابيات المملوكية قليلة في « السلوك»؛ مما جعل منهجه فذا على هذا المستوى.

5 – التركيز على وحدة الموضوع: نجد في السلوك نمطا آخر من التأريخ الحولي، المبني على وحدة الموضوع حيث تضطرد الاحداث بشكل متلاحم وتتلاقى فيها الاسباب بالنتائج؛ فتجاوز المقريزي هكذا المنهج الحولي التقليدي الذي يمزق الخبر بالاستطرادات المتكررة الناجمة عن ذكر الحوادث اليومية[79]. ومن ابرز نماذجه اخبار الناصر محمد بن قلاوون منذ خروجه من مصر وتنازله عن العرش، وحلول بيبرس الجاشنكير مكانه، وحتى عودته الى العرش، ونتائج هذه العودة. ويبيّن هذا النمط مهارة المقريزي التأريخية[80]. ويشكل تأريخه للفيداوية، من حيث علاقتهم بالسلطان الناصر محمد بن قلاوون ونوابه، نموذجا صارخا لتماسك المعلومات وتمحورها حول موضوع واحد متماسك من دون ان يتوزّع على الايام والشهور[81].

6 – تقويم الحالة العامة في البلاد: وبدءا بالعام 755 صار المقريزي يستهل اخبار السنة الجديدة بذكر السلطان القائم وأكابر رجال دولته، ليعود الى متابعة الاحداث التي كان قد بدأها في السنة المنصرمة خلافا لما كان قد درج عليه باتمام الخبر عينه في السنة الجديدة، من دون ان يستهلها بذكر السلطان القائم وكبار رجال دولته.

ومن معالم التجديد البارزة عند المقريزي تقويمه الحالة العامة في الدولة في مستهل بعض السنوات، وهي ميزة رائعة لا نجدها عند سواه. وتنمّ في الوقت عينه عن تمرّد نفسي على الحكام المماليك وتقريظ لهم لشدة ظلمهم وسوء تدبيرهم، كما استهلّ اخبار سنة 828/ 1425:« واسواق القاهرة ومصر ودمشق في كساد، وظلم ولاة الامر من الكشاف والولاة فاشٍ، ونواب القضاة قد شنعت قالة العامة فيهم من تهافتهم. وارض مصر أكثرها بغير زراعة، لقصور مد النيل في أوانه، وقلة العناية بعمل الجسور، فان كشّافها انما دأبهم اذا خرجوا لعملها ان يجمعوا مال النواحي لأنفسهم واعوانهم. والطرقات بمصر والشام مخوفة من كثرة عبث العربان والعشير. والناس على اختلاف طبقاتهم قد غلب عليهم الفقر. واستولى عليهم الشح والطمع، فلا تكاد تجد الا شاكيا مهتما لدنياه. واصبح الدين غريبا لا ناصر له. »[82]. وكان يستهل بعض الاشهر بتقويم الوضع العام ولا سيما الاسعار التي كانت تشكّل بنظره معيارا لسلبيات الحكم او ايجابياته مظهرا تداعياتها على الفقراء[83]

ويشكل اختتام المقريزي لبعض السنوات بتقويم عام ميزة جديدة بل فرادة اختص بها، كما ختم عام 833/ 1430:« كانت ذات مكاره عديدة من اوبئة شنعة، وحروب وفتن، فكان بأرض مصر وبالقاهرة… وباء… وغرق ببحر القلزم… وغرق بالنيل… وكان ببلاد المشرق بلاء عظيم وهو ان شاه رخ بن تيمور… وكان ببلاد السراي والدشت وصحارى القبجاق… قحط شديد… وكان ببلاد الحبشة بلاء لا يمكن وصفه… اما بلاد المغرب… »[84].

ب – التراجم: كان يتوسع بترجمة السلاطين الذي احسنوا ادارة الدولة من امثال الناصر محمد بن قلاوون، حتى باتت ترجمته تختصر عهده الزاهي[85]. وترجم للسلطان برقوق متحدثا عن حسناته، واشاد به لأنه ألغى الكثير الكثير من المكوس، ولتقديره الفقهاء ورجال الدين عموما، ولإكثاره من المنشآت العمرانية. ولشدة اعجابه به تناول موازنة الدولة في عهده، وقيّم موجوداته[86]. ولم تمنعه تلك  الاشادة من ذكر سيئاته وتداعياتها كشدة نهمه للمال حتى حذا كبار أمرائه حذوه وصار البرطيل عرفا، بل عنوان عهده؛ وابرزانتشار لواط الغلمان الذي اصبح عادة في عهده حتى تشبهت بهم  البغايا[87].

والملفت للانتباه انه لم يفرد لبعض السلاطين ترجمة خاصة بهم في نهاية عهد كل منهم، بل ذكرها باقتضاب بين تراجم وفيات العام الذي توفي فيه كل واحد منهم، وقد تكون ترجمة السلطان برسباي ابرز هذا النمط الجديد. ولعل مرد ذلك الى الصفات السيئة التي اتصف بها بسبب احتكاراته وبخله:« كان له في الشح والبخل والطمع، مع الجبن والجور وسوء الظن ومقت الرعية… وسرعة التقلب بالامور وقلة الثبات اخبار لم نسمع بمثلها. وشمل مصر وبلاد الشام في ايامه الخراب، وقلت الاموال بها، وافتقر الناس، وساءت سيرة الحكام والولاة…  »[88]. ويعكس مجموع هذه التراجم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية في عصر المماليك، وتشكل تاريخا مختصرا للحقبة التي تناولها «السلوك».

ان منهج تقي الدين احمد المقريزي من أكثر مناهج المؤرخين المسلمين تنوعا من حيث الشكل، فقد تمتّع بخصائص طبعت «السلوك» وميزته من غيره من مؤلفات العصر المملوكي. وتتلاءمت اجمالا مع نظرته التاريخية التي شكلت لبّ منهجه، وقد تفوّق بها عموما على ما عداه من مؤرخي العصور الوسطى، ممّا أعطاه فرادة بينهم تنمّ عن عمق في التفكير قلما نجد له نظيرا، وشغفٍ بالنواحي الاقتصادية بمحاولات دؤوبة صوّرت واقع الحياة الاجتماعية. وقد قال فيه تلميذه ابن تغري بردي:«هو اعظم من رأيناه وادركناه في علم التاريخ ودروبه، مع معرفتي لمن عاصره من علماء المؤرخين، والفرق بينهم ظاهر، وليس في التعصّب فائدة» [89].


[1]

[2]– ابن تغري بردي (جمال الدين يوسف)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تحقيق ابراهيم علي الطرخان، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ج15، ص 490 و السخاوي، الضوء اللامع لاهل القرن التاسع، ج2، ص22

[3]– كثيرون ترجمو لجدي المقريزي لأمه ولأبيه، ومنهم المقريزي نفسه، السلوك لمعرفة دول الملوك، ، ج2، ق1، ص 365 .وابن حجر العسقلاني (احمد بن علي)، الدرر الكامنة في اعيان المائة الثامنة، دار الجيل، بيروت، دون تاريخ، ج2، ص 391 

[4]– لمزيد من الاطلاع انظر: عز الدين علي (محمد)، اربعة مؤرخين واربعة مؤلفات، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، 1992، ص 161-163 حيث اسهب في ذكر تراجم الاشخاص الذين تثقف عليهم

[5]-المقريزي، سلوك، ج2، ق1، ص 365

[6]– وقد توسع عز الدين علي بالترجمة لمن اخذ عنهم العلم، المرجع السابق، ص 164- 168

[7]– انظر حول ترجمة المقريزي: السخاوي، الضوء اللامع، ج2، ص 21-24، ابن تغري بردي، المنهل الصافي، ج1، 394-399،

[8]– عز الدين علي، اربعةمؤرخين، ص172

[9]– انظر حول وظائف المقريزي الحاشية رقم 7 ولا سيما السخاوي، الضوء اللامع، 2/22

[10]– السخاوي، الضوء اللامع، 2/22

[11]– السخاوي، الضوء اللامع، 2/22، المنهل الصافي، 1/397

[12]– انظر الحاشية السابقة

[13]– انظر ترجمة المقريزي في الضوء اللامع، والمنهل الصافي، واربعة مؤرخين واربعة مؤلفات، ص 127- 218

[14]– المقريزي، سلوك، 2 ق3/567-580

[15]– المصدر السابق، 3، ق3/960 وما بعد ولا سيما 1136 وما يليها

[16]– المقريزي، السلوك،  4، ق3 /1072- 1081

[17]– المقريزي سلوك، 4، ق3 / 1127

[18]– المقريزي، سلوك، 4، ق2/906

[19]– شيني اي سفن كبيرة، قرقورة وهي سفن كبيرة تستخدم بتموين الاسطول، الغراب لأن رأس السفينة يشبه الغراب وهو يحمل المقاتلين ويسير بالقلع، وطريدة وهي مركب خفيف وسريع، وشختورة وهي سفينة ضخمة.المقريزي سلوك، 3، ق1/149

[20]– انظر نماذج عنها في: السلوك، 1 ق3/920-922 و 2، ق3/804، 917، و4، ق1/319، 396 …

[21]– المقريزي، سلوك، 2، ق1/205،  2، ق3 /669 وغيرها كثير جدا

[22]– المقريزي، سلوك،3، ق3/1131- 1132

[23]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/27-29

[24]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/27-29

[25]– المكان عينه

[26]– المقريزي، سلوك 4، ق1/305-306 . ويعلّق على غش النقود وعلى عدم التداول بها بان الادارة لم تكن تثبت على أمر فحينا تمنع امرا ما ثم لا تلبث ان تتغاضى عن المنع ضاربا مثلا على النقود الاشرفية :” فلما نودي بالمنع منها عاد الامر كما كان، فخسر الناس عدة خسارات، وأخذت الباعة وغيرها بجمعها – اي الاشرفية – لتتربص بها مدة، ثم تخرجها شيئا فشيئا، لعلمهم ان الدولة لا تثبت على حال وان أوامرها لا تمضى .” سلوك، 4، ق2/ 852

[27]– ان ابرز الرسوم التي ذكرها هي: ساحل الغلة، نصف السمسرة، مقرر الحوائص والبغال، مقرر السجون، طرح الفراريج، مقرر الفرسان، مقرر الاقصاب والمعاصر، رسوم الافراح، حماية المراكب، حقوق القينات، وشد الزعماء، حقوق النوبة والسودان، متوفر الجراريف، مقرر المشاعلية، ثمن العبى التي كانت تستأدى من البلاد، مقرر الاقبان، زكاة الرجالة. سلوك، 2، ق1/150-152

[28]– المقريزي، سلوك، 2،ق2/439، 444، و3، ق2/55، و 4، ق2/801، 4، ق3/1127 وغيرها

[29]– المقريزي، سلوك، 2، ق2/358، 361، 370، 384، 431. وقد طالت هذه المصادرات مباشري المعاصر والدواليب بحجة زغل السكر والعسل 2،ق2/419 واموال الايتام وتمت معاقبة القضاة الذين كانوا يدافعون عن اموال الايتامسلوك،2، ق2/432، كما كانت المغنيات تصادر بذرائع متنوعةسلوك، 2، ق2/836، وكان كبار الامراء يصادرون بدورهم بسبب تآمرهم او غير ذلك كما كانوا سيغرمون اموالا وهذا الامر يعتبر مصادرة، سلوك، 3، ق3/1141

[30]– المقريزي، سلوك،1، ق3/810، 814

[31]– المقريزي، سلوك،2، ق3/702

[32]– المصدر السابق، 4، ق3/1098

[33]-المقريزي، سلوك، 1، ق1/130-134، 200

[34]–  المصدر السابق،1، ق2/446 وق3/717-718

[35]– المعلومات وفيرة حول هذه الناحية واليك بعض الصفحات:سلوك، 3،ق3/982، و1100، 1133-1135

[36]– المقريزي، سلوك، 3، ق3/1132-1135

[37]-المقريزي، سلوك، 4، ق2/647،654، 766

[38]– المقريزي، سلوك، 4، ق2/869

[39]–  المقريزي، سلوك، 2، ق3/665، 671

[40]– فذكر فيها مقدار الذي تركه حين وفاته، وقيمة ومقدار المخزون عنده من مختلف الاصناف، وعدد الخيول والجمال في اصطبلاته، ومقدار جوامك مماليكه الشهرية، وعليق خيولهم، سلوك، 3، ق2/938

[41] – المقريزي، سلوك،2، ق3/918-919

[42]– المصدر السابق، 1، ق2/538 – 540، 542، و2، ق2/439-443

[43]– وقد حضر هذا المجلس ابن مغلي قاضي قضاة الحنابلة الذي سأل قاضي قضاة الشافعي عن اربع مسائل وهو يجيبه فيقول له اخطأت، وتدخل قاضي قضاة الحنفية لصالح الاول وراح يشتم الهروي قاضي قضاة الشافعية ثم قال: ” يا مولانا السلطان اشهدك على اني حجرت عليه الاّ يفتي.” سلوك، 4، ق1/479- 485

[44]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/11

[45]– المقريزي، سلوك،4، ق2/ 866-867

[46]– المقريزي، سلوك، 4، ق2/ 870-871

[47]– المصدر السابق، 1، ق2/38

[48]–  نفسه،3، ق3/1018 والنماذج كثيرة

[49]– 3، ق1/27-28، 4، ق2/892

[50]– تخوف الناس من منسر انعقد بالقاهرة، وكان اعضاؤه يكتبون اوراقا يطلبون فيها اموالا من الاغنياء :« ومتى لم تبعث لنا ذلك كنا ضيوفك » سلوك، 2،  ق3/644، 901_902

[51]سلوك، 3، ق3/1124-1126

[52]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/487

[53]– المصدر السابق، 2، ق3/810-811

[54]– نفسه،4، ق2/670-671

[55]– بحديثه عن لهو السلطان شعبان يتناول حضير الحمام (تربيتها وكشها)، والصراع، والتثاقف، والشباك، وجري السعاة، والنطاح بالكباش، ومناقرة الديوك والقماري.سلوك، 2، ق3/739

[56]– ويتحدث المقريزي عن احد الشيوخ الذي عمل المولد عام 790وقد حدث فيه انواع الفساد :« وفي هذه الليلة عمل الشيخ…المولد على عادته في زاويته …فكان فيه من الفساد ما لا يوصف، الا انه وجد من الغد في المزارع مائة وخمسون جرة فارغة من جرار الخمر التي شربت تلك الليلة، سوى ما حكي عن الزنا واللياطة.” 3، ق2/576 .ويذكر ان المراكب منعت من عبور خليج الحاكمي لكثرة ما كان يحصل هناك من فساد والتظاهر بالمنكر، وتبرج النساء وجلوسهن مع الرجال مكشوفات الوجوه…وشربهن الخمر 2،ق1/29، وتتبع محتسب القاهرة اماكن الفساد بنفسه فمنع النساء من النياح على الاموات، ومنع ايضا التظاهر بالحشيش، وكفّ البغايا عن الوقوف لطلب الفاحشة في الاسواق ومواضع الريب» سلوك، 4،ق1/790

[57]– المقريزي، سلوك، 3، ق2/576 ابرز المقريزي الشهرة التي كان يحظى بها احد المغنين، وبالتالي يمكننا من خلال السلوك التعرف على مشاهير المغنين والموسيقيين2، ق3/715

[58]– المقريزي، سلوك، 2،ق2/333

[59]– المصدر السابق،،ق1/53-54، 211، 4،ق1/486 وغيرها

[60]– المقريزي، سلوك،1، ق3/909-913، 2، ق3/921-927، وذكر ان الشروط العمرية طبقت على اهل الذمة من دون ذكر السبب، سلوك، 3، ق3/1040

[61]– المقريزي،سلوك، 1، ق3/909-913، 2،ق1/226-228

[62]– افتى الفقيه نجم الدين بن رفعة بنهب الكنائس وبوجوب هدمها فعارضه فقيه آخر، وكان تم هدم بعض الكنائس والبيوت في الاسكندرية وبقيت الكنائس في مصر مغلقة مدة سنة كاملة، ولم يتم فتحها الا بشفاعة ملك أرغونة 1،ق3/950، كما ذكر الاعمال الاحتيالية من قبل بعض المتعصبين لهدم الكنائس ما أدى الى هدم عدد كبير منها وكأنه، على حد تعبيره، أمر سلطاني 2،ق1/216-218 .وأمر السلطان برقوق بهدم كنيسة بوالنمرس لأن نواقيسها ازعجت احد المسلمين على حد تعبير المقريزي وحولها الى مسجد. سلوك، 3،ق1/340-341

[63]– بضغط من العامة وتعصبهم تحول عدد من المسيحيين الى الاسلام خوفا على انفسهم على حد تعبيره، سلوك، 2،ق1/226-228، وروى ان بعض المسلمين كان يشتكي للسلطان من ان المسيحيين استجدوا بعض الكنائس فيأمر بهدمها، فيستغل هؤلاء الموضوع لنهب الكنائس= = والاديار وهدم بعضها الاخر وان كان غير مستجد،  ووجه المقريزي لوما للسلطان وغيره من ارباب الدولة على هذا التصرف الاخرق. وكانت هذه الاعمال تؤدي الى تحويل بعض المسيحيين الى الاسلام قسرا.سلوك، 2،ق3/921-927 . وروي ايضا عن قدوم جماعات من المسيحيين ممن كانوا تحولوا قسرا الى الاسلام يشهرون ارتدادهم الى المسيحية تكفيرا عن ذنوبهم لأنهم كانوا قد ارتدوا عنها، فعرض عليهم الاسلام  ولما رفضوه  قتلوا مع النساء المرافقات لهم.سلوك، 3،ق1/372-373

[64]– المقريزي، سلوك، 1، ق2/38

[65]– المصدر نفسه، 3، ق1/130

[66]– المقريزي، سلوك، 4، ق1 /105

[67]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/ 224

[68]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/ 225-226

[69]– المقريزي، سلوك، 1، ق2/447

[70]– المصدر نفسه، 1، ق2/448

[71]– المصدر نفسه، 1، ق3/753-754

[72]– المقريزي، سلوك، 2، ق2/509

[73]– المقريزي، سلوك، 2، ق3/618-619

[74]– المصدر نفسه، 2، ق3/735-737

[75]– المقريزي، سلوك، 1، ق3/875-876

«وخلا الجو للأمير الكبير، ورأى انه قد أمن، فانه لما أخذ الامرة في ايام أينبك كان معه في ضيق، لأن نفسه تريد منه ما لا يؤهل له. فلما زالت دولة اينبك… وصار هو والامير بركة يتنازعان الامور، ولا يقدر على عمل شيء الا بمراجعة بركة حتى كان من امره ما ذكر، فصارت المماليك الاسياد يريدون التوثب عليه وهو يداريهم جهده، حتى وثب بهم، وأخذهم، فلم يبق له معاند، وصار له من المماليك الجراكسة عدد كبير… فرقاهم الى ما لم يخطر لهم ببال، وانعم على جماعة بامريات المقريزي، سلوك، 3، ق2/474

[77]– المقريزي، سلوك، 3، ق3/1176-1178

[78]– المقريزي، سلوك، 1، ق3/897-904

[79]– انظر مثلا مقتل الاشرف خليل وتتابع الاحداث حتى اعلان سلطنة الناصر محمد بن قلاوون، سلوك،1،ق3/788-798، وانظر ايضا في السياق عينه سلطنة لاجين فهروبه حتى اعتلاء كتبغا العرش، نفسه، 1، ق3/820-827

[80]–  المقريزي، سلوك، 2، ق1/53وما بعد

[81]–  المصدر نفسه،2، ق3/554-558

[82]– المقريزي، سلوك، 4، ق2 /678، وانظر نمازجا اخرى: نفسه، 4، ق2/ 705، 734 …

[83]– المصدر السابق، 4، ق2/804 وغيرها كثير

[84]– نفسه، 4، ق2/ 836-841

[85]– المقريزي، سلوك، ج2، ق2، ص524-548

[86]– المقريزي، سلوك، 3، ق2 /937-947

[87]– المقريز،سلوك، 3، ق2/ 626 – 618

[88]–  المقريزي، سلوك، 4، ق3/ 1066

[89]– ابن تغري بردي، نجوم، 15/491

الاقطاع والارض في الاسلام.

لقد اوجد الاسلام مفاهيم جديدة لملكية الارض واقطاعها، وهي خضعت ، بوجه العموم ، لاهواء الحكام، على الرغم من محاولة الفقهاء الحد من تجاوزهم لمفاهيم الشرع وما تجدر ملاحظته ان ملكية الارض واقطاعها خضعت اجمالا للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتأثرة اصلا بالتحولات السياسية في دار الاسلام، لأن الارض شكلت المصدر الرئيسي للدخل لبيت المال بما كان يفرض عليها من ضرائب، وللسكان بما كانت تنتجه،  خصوصا بعد ان استقرت الدولة وتوقفت الفتوحات ونضب معين المغانم ونزع الحكام والارستقراطية الى حياة البذخ والترف.

1 – سياسة الرسول : اختطها ابان غزواته ونشر دعوته، ويمكن اجمالها بما يلي :

أ -مصادرة الاراضي التي اخذت عنوة لصالح بيت المال.

ب – تقسيم الاراضي او انتاجها بين المسلمين والذين خضعوا لهم.

ج – اقرار الذميين على اراضيهم بموجب عقود الصلح ، وتحديد الضرائب عليها.

أ – مصادرة الاراضي التي اخذت عنوة : كثيرون رفضوا الدعوة الاسلامية فاوجب الرسول قتالهم من دون ان يتخذ موقفا موحدا منهم : فاجلى بني النضير واحرق نخلهم ووهب اراضيهم للمهاجرين[1]، وجعل اموالهم حبسا لنوائبه[2]. وتقاسم مع يهود خيبر اراضيهم لتظل عامرة، ومن المرجح انه اقتسم الغلال معهم[3]. اما بنو قريظة فقد قتل رجالهم وسبى نساءهم وذراريهم وقسم اراضيهم على الاسهم بين المسلمين[4].

ب – صلح بلا قتال : وهي اراضي من قاتل المسلمين او من طلب الصلح منهم وقد عومل اصحابها ، في كلتي الحالتين، ما خلا بعض الاستثناءات، معاملة واحدة بحيث قسمت مناصفة بين المسلمين واصحابها، مثل يهود فدك[5]، ويهود وادي القرى والتيماء[6]، واراضي المسيحيين واليهود والمجوس في البحرين[7].

ج – اقرار ملكية الاراضي لاصحابها : وفي هذه الحال تظل الاراضي بيد اصحابها على ان يدفعوا عنها الخراج او العشر.

2 – سياسة الراشدين: سار بعضهم على خطى الرسول والبعض الآخر اجتهد مستعينا برأيه او بالصحابة، ويمكن توزيع سياستهم في نمطين :

أ – في جزيرة العرب : استند بعض الراشدين الى اقوال للرسول او ما نسب اليه ”  ( راجع سياستهم في ” الامة في الاسلام ” ).  فابو بكر استند الى قول للرسول ” انما هي طعمة اطعمنيها الله حياتي فاذا مت فهي بين المسلمين “[8] ، وتاليا قسم حصة الرسول، التي اعتبرت فيئا خالصا له، بين المسلمين.

   اما عمر فقد طبق مفاهيمه الدينية التي عهدناها في ” الامة في الاسلام ” على الذميين مستندا بدوره الى ما نسب للرسول :” لايجتمع دينان في جزيرة العرب ” فاجلاهم عن جزيرة العرب ” وقسم اراضيهم حصصا بين المسلمين بما فيها اراضي مسيحيي نجران وهم اصحاب عهد من الرسول نفسه. ولم يعدم وسيلة لتبرير سياسته، فهي حينا بسبب تفشي وباء بينهم، و من جهة ثانية اتهمهم بالنكث بالعهد، وثالثة بناء على توصية من الرسول ” اخرجوا المشركين من جزيرة العرب “[9] ، ورابعة لعدم الحاجة اليهم لتوفر الايدي العاملة الاسلامية على ما يزعم بعضهم، وبالتالي لم يعد من موجب لبقائهم بين ظهراني المسلمين[10].

    اما سياسة الراشدين خارج الجزيرة فقد خضعت ايضا لاجتهادات الصحابة ، وتركت الاراضي بيد اصحابها أكانت أخذت صلحا او عنوة على ان يؤدوا عنها الجزية، او الخراج ان تحوتوا الى الاسلام ، ما عدا بعض الاراضي التي استأثر بها الفاتحون بسبب مغادرة اصحابها البلاد.

     وهكذا فان الاراضي في المفهوم العام الاسلامي هي ملك بيت مال المسلمين، وللخليفة فقط او من ينتدبه الحق في توزيعها على المسلمين على ان يدفع عنها الخراج، ولا يحق له استرجاعها من شاغليها الا بناء على جرم او قلة العناية بها، كما يجوز لمن استصلح ارضا موات واستغلها ثلث سنوات من دون ان يعترض عليه احد امتلاكها او استغلالها تبعا لرأي الخليفة.

   وتبعا لذلك فان الاقطاع في الاسلام نوعان: تمليك واستغلال. وللتمليك شروط اذ يمكن اقطاع ارض موات لم يثبت صاحبها، واذا كانت الارض جاهلية جاز اقطاعها وتمليكها. اما اذا كانت اسلامية وبارت فلا تملك أعرف صاحبها ام لم يعرف[11]. اما الاراضي العامرة فلا يمكن تمليكها سواء كانت لذمي او مسلم في حال عرف مالكها، وان لم يعرف تصبح ملكا لبيت المال ووقفا مؤبدا، ويحق للخليفة او من يمثله اقطاعها لاي كان.

     اما اقطاع الاستغلال فهو جزية او اجر. وارض الجزية لا يجوز اقطاعها اكثر من سنة لأن صاحبها قد يسلم فتسقط عنه الجزية. وان كانت اجرا جاز اقطاعها لسنين عديدة[12]. ولاقطاع الاستغلال ثلاثة احوال: ان يقطع لسنين محدودة ومعلومة ويعين فيها رزق المقطع والخراج. ان توفي المقطع يعود الاقطاع حكما الى بيت المال. لا يجوز اقطاع الارض مدى حياة المقطع اذ يحق للخليفة استرجاعها بعد مرور سنة كاملة على تاريخ اقطاعها.

                        الاقطاع الاموي

 ارست سياسة الراشدين حق الخليفة وحده باقطاع الاراضي. وما ان استقر الحكم لمعاوية بن ابي سفيان حتى توسع في منح الاراضي لسببين: من اجل استصلاحها، وتوطيد دعائم حكمه. فقد اقطع بعض القبائل في الشام اراضي غير مملوكة في اماكن بعيدة عن المدن والقرى، وصارت بعد ان استصلحوها ملكا لهم. واختار من الاراضي التي كانت لملوك فارس  قسما لنفسه ووهب القسم الآخر لاقاربه. وحذا بعض خلفائه نهجه :فاصطفى عبد الملك بن مروان اراضي في السواد ( جنوب العراق ) اثر قضائه على ثورة مصعب بن الزبير ثم اقطعها لمناصريه. وفي عهد الوليد بن عبد الملك غمرت المياه مساحات واسعة في السواد قدرت قيمة استصلاحها بثلاثة ملايين درهم فاستكثر الخليفة الكلفة، لذلك منحها لاخيه مسلمة الذي عرض ان يدفع تكاليفها. وامتلك خالد القسري مساحات شاسعة في السواد بعد ان استصلحها، وقد قدرت اراداتها السنوية بملايين الدراهم ، حتى بات بمقدوره التأثير على اسعار السوق لكثرة محاصيلها. واكثر ايضا هشام بن عبد الملك من امتلاك الاراضي.

   وعلى الرغم من الدور الاجتماعي الايجابي لهذه الاقطاعات اذ ادت الى استقرار بعض القبائل الرحل ممن عملوا فيها، والى تحويل زعمائها الى ارستقراطية مدنية مالكة او مستغلة، فانها حددت معالم الاقطاع الاموي الذي يمكن اعتباره عشوائيا، غير خاضع اجمالا لقواعد الفقه، او أي تقليد سابق. كما كان لها من جهة ثانية دور سلبي اذ اوجدت ملكيات شاسعة اثرت بالضرورة على الملكيات الصغيرة. اذ بعد ان توقفت الفتوحات ، وصرف الناس مدخراتهم واموالهم التي نالوها من الغنائم من جهة ، ونتيجة للثورات والصراعات من جهة ثانية، انتشر اللصوص وقطاع الطرق وصاروا يغيرون على الملكيات الصغيرة ويعيثون فيها فسادا ونهبا. في حين ان اصحاب الملكيات الكبيرة انشأوا حرسا خاصا بهم ( ميليشيات ) لردع الناهبين ما حدا بالملاكين الصغار الى إلجاء ملكياتهم للملاكين الكبار ( طلب الحماية ) أكان اميرا ( ينتمي الى البيت الحاكم ) او قائدا عسكريا، او له سند قوي من الحكومة المركزية، لقاء مبالغ مالية. وبتعبير اوضح تحولت الملكيات الصغيرة ملكا للمالكين الكبار ويستردها المالكون الصغار عن طريق الاقطاع لقاء مقاسمة يحددها الطرفان لقاء حماية النافذ لاقطاعات المالكين الصغار من المغيرين، ويحد من جهة ثانية من تسلط الجباة عليهم. ولنا مثال صارخ على ذلك يتمثل بإلجاء جيران مسلمة بن عبد الملك اراضيهم له بعد ان وهبه اخوه الوليد مساحات شاسعة في السواد.

مساوئ الاقطاع الاموي : ادى التوسع في منح الاراضي وعملية الإلجاء الى مساوئ اجتماعية واقتصادية اذ شبه اختفت الملكيات الصغيرة، وخضع الفلاحون لتسلط اقطاعي قوي ونافذ، وقد يكون بيت المال اكثر الخاسرين خصوصا عندما صار بمقدور اصحاب الملكيات الكبيرة التهرب من دفع الضريبة او على الاقل التلاعب بقيمتها. واذا كانت هذه الخسائر المالية لم تظهر مباشرة بسبب وفرة الغنائم في البداية فانها برزت بحدة بعد توقف الفتوحات، ما ادى الى وقف عملية وهب الاراضي والاقطاع من دون مبرر كما فعل عمر بن عبد العزيز، والى رفع قيمة الخراج والجزية لسد العجز في موازنة الدولة. وذهب الذمّيون ضحية رفع قيمة الضرائب لان العشر غير قابل للتبديل، اما الخراج فكانت تتراوح نسبته بين 4/1 و2/1 المحصول. وقد تباينت نسبة جباية الجزية والخراج بين اقليم وآخر : ففي السواد تراوحت قيمة الجزية تبعا للمدخول بين 48 و 24 و12 درهما في السنة، ويمكن ان نطلق عليها في اصطلاح عصرنا الحاضر ” ضريبة تصاعدية ” واعتمد الجريب اساسا للخراج، وهو مكيال مساحي، فكان يدفع عن كل جريب حنطة ” قفيز ” ودرهم ، وفي جهات اخرى 4 دراهم عوضا عن الدرهم الواحد. وعن الشعير قفيز ودرهم او درهمين تبعا لجودة الاراضي، و10 دراهم على جريب الكروم ، و8 دراهم على النخيل، و6 على قصب السكر، وعلى الزيتون 12 درهما ، وعلى الخضار 3 دراهم.

   اما في الجزيرة الفراتية فكان مقدار الجزية ديناراً على الرأس ومدّي قمح، وقسطي زيت وخل، وتساوت الجزية فيها على كل الناس. وفي الشام حددت الجزية بدينار على الشخص في المدن، والخراج مقدار ضريبة الجريب على وحدة من الارض مقياسها ما يستطيع الرجل زرعه على حد تعبير عبد العزيز الدوري فضلا عن خل وزيت لقوات المسلمين، وبلغت قيمة الجزية  في مصر دينارين على كل شخص[13].

      الاقطاع لإاداري : بدأ دخول الاتراك في الجيش منذ بدايات العصر العباسي الاول، ويبدو ان المأمون زاد من اعدادهم وسجلهم في ديوان الجيش. واكثر المعتصم من الاتراك في الجيش حتى بلغت اعدادهم آلاف وسجلهم في الديوان وابعد العرب منه. وتعاظم شأن الاتراك حتى باتوا الحكام الفعليين في الدولة، وعمد المتوكل الى اتخاذ تدابير جديدة لتقوية السلطة المركزية وتوحيد البلاد.فعزل الوزير ابن الزيات وزملاءه التجار الاثرياء من مناصبهم الادارية لجمعهم بين وظائفهم واعمالهم التجارية بحيث استغلوا مناصبهم لزيادة ارباحهم على حساب بيت المال مسخّرين القوانين في هذا الاتجاه، واستعاض عنهم بخبراء في الادارة. وعمد الى رأب الصدع الداخلي في الدولة نتيجة تبنيها منذ عهد المأمون مذهب المعتزلة وممارسة الشدّة على الناس ليعتنقوه. فجعل المذاهب السنية الاربعة دين الدولة الرسمي، ومارس تدابير انتقامية تجاه الشيعة الرافضين لهذه السياسة الدينية الجديدة. وتبريرا لتصرفاته تلك انتقم من الذميين باحيائه الشروط العمرية، ففرض عليهم ضريبة على منازلهم ما كانت معهودة قبله، ما اثار ردات فعل، لا سيما انه طبق  تدابيره قسرا. وحاول تبديل بنية الجيش ليصبح موحدا لا يرتبط بقادته من دونه، بل لينصاع لأوامره وحده من دون وساطت القواد الكبار كالأفشين وغيره.كما قرر إلغاء سلطة آل طاهر في العراق وبلاد فارس او على الاقل تحجيمها، لأنهم شكلوا حكومة داخل الحكومة المركزية في بغداد بسيطرتهم على جباية الضرائب وتوليهم شرطة بغداد. ثم عمد الى حل الجيش التركي في سامراء وجزأه ثلاثة اقسام اناط كل قسم بأحد اولاده بعد ان قسم الدولة بينهم ثلاثة اقاليم اساسية.  وبما انهم كانوا قاصرين عين لكل واحد منهم مساعداً قادراً يرتبط بالخليفة مباشرة واناط به مهمات ادارية وضرائبية، وبالتالي نشأ اول اقطاع اداري في الاسلام. ومن اجل تنفيذ خطته عمد المتوكل الى انشاء جديد ” الشاكرية ” يكون ولاءه له وحده مستبعدا منه الاتراك. كما قرر دمج جيش سامراء ( الجيش التركي ) بالشاكرية منعاً للانقسام داخل الدولة، واضعافا لنفوذ الاتراك. ثم شرع يسترجع الاقطاعات الكبيرة من القادة الاتراك، وخاض معهم صراعا مكشوفاً ما ادى الى اغتياله.             

  ادت سياسة المتوكل الى ابعاد اجتماعية واقطاعية مهمة : 1 – قامت ثورات مسيحية في سوريا ولا سيما في حمص، وفي مصر ، وتمكن المسلمون من توسيع املاكهم في الارياف على حساب المسيحيين. وتفسخت البنية الاجتماعية في بغداد نتيجة سيطرة القادة الاتراك، بعد مقتل المتوكل، والصراع بين جيشي سامراء والشاكرية ما شجع نشوء الحركات الانفصالية.


[1] – الاموال ، ص 7 –8 ، ابو يوسف ، الخراج ، ص 68 – 69 ، البلاذري فتوح ، ص 31 – 32

[2] – البلاذري ، فتوح ، ص 33

[3] – سيرة ابن هشام ، ج2 ، ص 49 ، البلاذري ، فتوح ، ص 36 ، 41 ، الاموال ، ص 56 ، والوثائق السياسية ، ص 92 ، 95

[4] – الامكنة عينها

[5] – فتوح ، ص 42-43

[6] – المصدر عينه ، ص 47 -48

[7] – المصدر السابق ، ص 89-90

[8] – فتوح ، ص 45

[9] – الخراج ، ص 73-74 ، فتوح ، ص 36 ، 77 ، والاموال ، ص 99 ،198

[10] – نصرالله ، محمد علي ، نظام تطور ملكية الاراضي ، ص 60

[11] – القلقشندي ، صبح الاعشى في صناعة الانشاء ، ج13 ، ص113-114

[12] – المكان عينه

[13] – لمزيد من المعلومات حول الضرائب ، انظر : المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 77 ، والدوري ، مقدمة في التاريخ الاقتصادي ، ص30

المجتمع والاقتصاد في عهد المماليك

    استتب الوضع للماليك بعد انتصارهم على المغول في عين جالوت 1260، وقضائهم على بقايا البيت الايوبي، احياء السلطان بيبرس الخلافة العباسية في القاهرة عام 1261، وغدت دولتهم الفتية محور الاحداث الكبرى في المشرق العربي، وزاد باهميتها اخراجهم الفرنجة نهائيا من الشرق عام 1291، واستمر الوضع على هذا النحو حتى سقوطها نهائيا في الريدانية عام 1517. ولم يتوقف استقدام المماليك الاغراب الى مصر وبلاد الشام مدى العصر المملوكي كله، وعلى رغم اعتناقهم الاسلام استمرّوا متقوقعين في بيئتهم الخاصة ممارسين عادات وتقاليد ذات اصول تركية ومغولية. وشبه احتكروا موارد البلاد الاصلية، وحكموا وكأنهم اغراب عن البيئة المشرقية وان اكتسبوا بعضا من عاداتها، ما جعلهم منفصمين عن المجتمع المشرقي وفارضين مناخا اجتماعيا، وانماطا اقتصادية تركت بصمات خاصة على الحياة في مصر وبلاد الشام حددت سلوك الرعية الاجتماعي، وأثّرت على تطور الاوضاع الاقتصادية.

                      القسم الاول: المجتمع المملوكي 

اولا: المرتكزات المادية للتكوين الاجتماعي في العهد المملوكي:

    من العسير جدا دراسة المجتمع في العصور الوسطى بقسميه المديني والريفي نظرا لندرة المعطيات عن الوضع الريفي، ودراسة المجتمع المديني مرهونة بدورها بنسبة المعلومات التي توفّرها المصادر، لأنها اقتصرت اجمالاً على وصف العلاقات، بل المظاهر الخارجية للحدث من دون الخوض في شبكة العلاقات البنيوية المعقدة الرابطة للعلاقات بين الفئات (الطبقات) الاجتماعية، ما يعني ان الحركية الاجتماعية لا توفرها المصادر.

   وعلى هذا سندرس دور المدينة الاسلامية في ظل المماليك في التفريع الاجتماعي المرتبط اصلا بالوضع الاقتصادي، وبالتالي شبكة العلاقات بين الفئات المكونة للمجتمع بما فيها العسكري الاداري، والمدني ، والعلاقات الاقتصادية المتنوعة، ودور رجال الدين في كل ذلك. وباختصار حركية المجتمع المملوكي والعوامل التي أثّرت في تقلّباتها.

   درج المؤرخون بل المستشرقون على اعتبار المدينة المشرقية الاسلامية تعتمد نموزجا واحدا من الخطط يحدد وظائفها، وقد يكون من ابرز معالم هذه الخطط:

ا – السور: هو احد المعالم البارزة في المدينة الاسلامية، يحدد حجمها من حيث ازدهارها ونموّها، بل تطورها الديمغرافي، ويؤسس لخططها عبر الابواب التي تمركزت فيه. ويؤمّن الحماية للمدينة وسكانها في الحرب والسلم معا، وبالتالي قام بدورين اجتماعي واقتصادي، الى جانب دوره الامني عند تعرّض المدينة لأي هجوم، كما سيتبيّن ادناه.

2 –  شوارع المدينة وطرقها: اسست الابواب الكبرى للشوارع الرئيسة او المحورية، التي منها تفرعت شوارع ثانوية وطرقات فأزقّة. وعليها تمرّكز النشاط الاقتصادي، ومنها تفرّعت الاحياء والمحلاّت والحارات. فقد تمركزت احياء دمشق على شارع رئيسي مستقيم في وسطها يربط بين بابين: شرقي شرقا، والجابية غربا، ومنه تفرعت شوارع اخرى رئيسية مستقيمة  ينتهي كل واحد منها بباب[1]. ويمتد الشارع الرئيسي في القاهرة من باب زويلة الى بين القصرين حيث يتفرع منه طريقان احدهما يتجه شمالا والاخر يمينا، وتتفرّع منهما طرق وصولا الى الحارات والازقة.[2] كان للقاهرة عندما بنيت اربعة ابواب من الجهات الاربعة[3]، ما يعني انه كان لها شارع رئيسي آخر اقل اهمية من الاول الذي شيّدت فيه قصور الخلفاء، والمسجد الجامع، ومباني الادارة الرسمية، والبيمارستان،[4] وبالتالي فان التفرعات عليه تشبه تماما مثيلاتها على الشارع الرئيسي. ويبدو ان ابواب المدن كانت لها ابواب فرعية يصل عدد بعضها احيانا الى ثلاثة مثل الابواب المكمّلة لبابيْ الجابية والشرقي في دمشق.[5] وكذلك في القاهرة.[6] وكانت مهمة هذه الابواب الثانوية الفصل بين الاحياء،[7] ومن جهة ثانية انطلقت منها الأسواق الاخرى في المدينة. واذا كان هناك من استنتاج اولي لكثرة الابواب فانها دلالة على التطور العمراني المتلازم مع النموّ الديموغرافي، ما يؤشّر على حيوية ملحوظة.

3 – الاسواق: شكّلت الاسواق المنطلقات الرئيسة لخطط اية مدينة مملوكية ودليلنا على ذلك طريقة المقريزي بذكر خطط القاهرة اذ يستهل كلامه عنها قائلا:” وقبل ان نذكر خطط القاهرة فلنبتدئ بذكر شوارعها ومسالكها المسلوك منها الى الازقّة والحارات لتعرف بها الحارات والخطط والازقة والدروب وغير ذلك.”[8] وقد شُيّدت الاسواق على اطراف الشوارع الرئيسة ومتفرعاتها المتنوعة؛ ففي دمشق انتشرت على طرفي الشارع الرئيسي الاسواق المركزية ، والمساجد الكبرى، والحمامات العامة الرئيسية[9]. في حين توزعت على اطراف الشوارع الرئيسية المنطلقة من الشارع المركزي الانشطة التجارية والحرفية لكل حي، اضافة الى حماماته ومساجده[10]. وتوزعت من هذه الشوارع، وهي بوجه عام ضيقة نسبيا لانها رافقت المدينة منذ نشأتها ولم تطور، شوارع اخرى اقل اتساعا فجاءت احياء متلاصقة انتشرت فيها المحلات المكوّنة من  حارات شعبية مكتظة بالسكان[11]. وانتشرت في كل حارة ازقة شيدت عليها ابنية شعبية تفتقر الى ابسط الشروط الصحية. وقد انطلقت جميعها من شارع الحارة الرئيسي المعروف بالسويقة الذي يحوي الحمام العام، والفرن، والمسجد، والحوانيت التجارية والحرفية[12]. واسواق القاهرة تشابه من حيث البنى الاساسية والتركيب مثيلاتها الدمشقية.[13] فهناك السوق المركزي القائم على الشارع الاساسي او ما يسميه المقريزي” الشارع الاعظم او قصبة القاهرة”[14]. والشارع الرئيسي يشكّل نقطة الثقل الاقتصادي للمدينة وريفها، ففيه تجمّعت تجارة الجملة والمفرّق، والمؤسسات المصرفية ، والمحترفات.[15] ومن هذا السوق الاعظم تفرعت شوارع اقل اهمية، فاخرى ادنى منها قيمة واتساعا وصولا الى الدروب والازقة المتنوعة ومنها غير النافذ[16]. ويماثله شارع آخر:” هنا ابتداء خط بين القصرين.”[17] ويكمل المقريزي رسم خطط اسواق القاهرة بكل تفرعاتها كما في هذا النموذج:” فاذا السالك بدخول بين القصرين من جهة خان مسرور فانه يجد على يسرته درب السلسلة، ثم يسلك امامه فيلج على يمينه الزقاق المسلوك فيه الى سوق الامشاطيين المقابل لمدرسة الصالحية التي للحنفية والحنابلة، والى الزقاق الملاصق لسور المدرسة المذكورة…”[18]

   ويتبدى لنا من خلال كل ذلك ان اسواق المدن المملوكية متشابهة عموما من حيث البنية الاساسية، ووظائفها الاقتصادية والاجتماعية أكان في القاهرة، او في طرابلس[19]، او في دمشق، او غيرها. وكانت جميع الاسواق مسقوفة اما بقماش متين وسميك، او بالحجارة او الخشب حماية لشاغليها وزبائنها من الامطار وحر الشمس[20]، وتتيح فسحة محددة من الضوء كافية لإنارة السوق، وبإكتظاظ المحلات بالحارات غدا النور خافتا وغير كاف.[21]

   ويمكننا من خلال المصادر المملوكية التعرف الى انواع الاسواق في المدن المملوكية. فكان في دمشق ما يربو على العشرين سوقا متخصصا[22]، وفي طرابلس اسواق عديدة، وعدد المقريزي عددا وافرا من الاسواق في القاهرة[23]. ان اهمية هذه الاسواق تكمن في اختصاصاتها، فهي تدل اولا على تفرع طبقي ان جاز التعبير تبعا لاختصاص كل من الباعة، وعلى التجانس في ما بين باعة كل سوق. ما يدفعنا للاعتقاد ان ثمة ظاهرة اجتماعية بمعناها العلمي كانوا جميعهم يخضعون لها، وبالتالي يؤلفون فئة اجتماعية لها عاداتها وتقاليدها الخاصة. وتدل ثانيا، على رغم تمايز كل فئة، خضوعهم جميعهم الى عرف عام اوتقليد يحكمهم جميعهم بانتمائهم الى الباعة. ويدل ثالثا على مستوى تعامل كل فريق، تبعا لاختصاصه، مع نوع من الزبائن، وبالتالي على تمايز اجتماعي من حيث لا يدرون. ويدل رابعا على مستوى الدخل الذي ينعكس على مستوى الحياة الاجتماعية، على الاقل من حيث السكن، خصوصا ان بعض هذه الاسواق اقيم على حدود الحارت، وسنلاحظ لاحقا ان الحارات ، بوجه العموم كانت مقفلة بوجه الاغراب.

    ان المدن الاسلامية متشابهة عموما من حيث خططها ووظائفها الاساسية لأنه لغاية اليوم لم تبرز دراسات تناقض هذه الفرضية[24]. وكانت المدينة عبارة عن وحدات مدنية قائمة بذاتها لأهداف ادارية من جهة، ولمقتضيات اجتماعية من ناحية ثانية. وتتفرع الواحدة منها الى عدد من الاحياء تشكل وحدات اساسية للنواحي الاجتماعية والادارية والاقتصادية معا. ما جعل المدينة متداخلة فيما بين اجزائها كوحدة تامة، ومنقسمة على ذاتها من خلال الابواب والحارات الداخلية، بل كان كل حي والحارة الواحدة مكتفيا ذاتيا ويستمد روابطه الاجتماعية والاقتصادية والادارية من داخله من جهة، ذلك انه اُنشئت فيه ورشات من مختلف النشاطات الاقتصادية، ومن الظاهرة الاجتماعية العامة التي كانت تسود المدينة ضمن الاحياء المتجانسة من حيث الدخل والتركيب الداخلي من جهة ثانية. ولم يكن الحي ينغلق على ذاته الا ابّان الاضطرابات الامنية، وكانت كثيرة جدا خصوصا في العهد الجركسي، من اجل الحماية. ذلك ان الحي في دمشق وحلب، كما يعتبر لابيدوس، كان مساوياً لحجم القرى الصغيرة، ويضيف انه كان في دمشق وحدها خلال القرن الخامس عشر ما يقارب السبعين حياً، يبلغ متوسط عدد سكانه خمسمائة الى ستمائة نسمة[25]. ووجد في حلب في القرن عينه ما يقارب الخمسين حياً، بلغ معدل سكان الحي الواحد ألف الى ألف ومائتي نسمة، في حين ان مدينة القاهرة كانت تضم سبعا وثلاثين حارة على رغم ان مساحتها كانت أكبر بكثير من دمشق ومن حلب.[26] وازعم ان الحي كان في اساس التنظيم الاجتماعي لأن بعض الاحياء تميّزت بخصوصية اتنية، اودينية، واحيانا اقليمية؛ وقد ذكر القطار انه كان في طرابلس اقليات انضوت في احياء خاصة؛ كالتركمان والأكراد، والمغاربة، والمصريين، والنصارى (محلة عديمي النصارى) واليهود.[27] وكانت لهم ايضا محلتهم الخاصة بدمشق بالقرب من باب توما[28]. وخصصت حارات او احياء بالقاهرة للجاليات، وعلى سبيل المثال كان للشاميين حارتهم الخاصة في القاهرة،[29] شأن الروم [30] واليهود والمسيحيين،[31]        وغيرهم.

   بدت الحارة في دمشق مثلا وكأنها قرية صغيرة مستقلة بمساجدها، وحماماتها، وسقاية الماء فيها،[32] والفرن، والمدرسة، والمسجد والسويقة[33]. وجاءت ابنيتها متلاصقة، تمد افقيا، وتنعدم فيها النوافذ والشرفات تماشيا مع نظرية الحلال والحرام في الاسلام. وتألف حيّها من عدة بيوت ُشيّد لها باب خارجي مشترك يقفل في المساء وايام الاضطرابات، ويتوسطه باب خوخة ( صغير) يعبر منه سكان الحي كلٌ الى داره.[34] وترجع اسباب تلاصق الابنية الى رغبة رئيس الاسرة باسكان ابنائه واحفاده في المنزل عينه، وكلما ضاق المكان بهم اضافوا اليه غرفا حتى بات المسكن داخلا في بيوت الجيران. واذا اضفنا الى ذلك النمو الديمغرافي ادركنا بوضوح تحول تلك البيوت الى اكواخ[35]، خصوصا اذا علمنا ان الزقاق غير النافذ ما كان يضم سوى عدد قليل من البيوت او الاكواخ ربما[36].

   وكان الحي من حيث بناؤه عبارة عن تشكيل من الابنية غير المتوازية وغير المتوازنة  ايضا من حيث  التصميم الهندسي، بعضها ترتفع جدرانه الى اكثر من طبقة والبعض الآخر يشبه الاكواخ ان لم يكن عبارة عن مجموعة من الاكواخ مظلمة يتسرب اليها الهواء عبر الازقة وممرات منخفضة معتمة[37]. وضمّ الزقاق الواحد عائلة واحدة اجمالا تماشيا مع التجانس السكاني بل التركيب العائلي في المجتمعات العربية عبر العصور. علما :” ان العلاقة بين المجتمع والسكن لم تكن صورة متكررة عبر الزمن، بل كان خاضعا لمقتضيات الظروف المعيشية والاقتصادية والاجتماعية “.[38] ما جعل المسكن انعكاسا للحالة الاقتصادية، يتسع ويضيق تماشيا مع مردود الجماعة. وشكّلت التدابير الامنية، بل تصرّفات السلطة الحاكمة عاملا مؤثّرا آخر في شكل المساكن. هذا ناهيك ان العلاقات بين الجماعات عبر التجانس العائلي او الطائفي وحتى المذهبي كانت تفرز تضامنا داخليا دفاعا ضد اي اعتداء خارجي مهما كان نوعه حتى وان بدر عن السلطة. ولنا في مؤلفات ابن طولون العديدة، ولا سيما “مفاكهة الخلاّن” نماذج متكررة تشرح هذه الظاهرة بوضوح كلي.

   اما على الصعيد الاداري فقد ترأس الحي شيخ يعينه نائب السلطان من اجل حسن سير الاعمال المنوطة بالحي: حفظ النظام ،تمثيله في المناسبات العامة التي تقتضيها الدواعي السياسية والاجتماعية، مساعدة الشرطة في تنفيذ مهامها، او تولي هذه المهام بنفسه، كجمع الضرائب القانونية وغير القانونية مثل الرمي او الطرح[39]. لان الاحياء قد انتظمت في مناطق منعزلة ومنطوية على ذاتها لا يتمكن الغرباء من الدخول اليها.

ثانيا: البنى الاجتماعية:

 1 – التوزيع السكاني في المدن: ان التاريخ الاجتماعي يأخذ بالاعتبار المجموعة الكلية للتكوين الاجتماعي، ومن الصعب تحديد اطره ومعناه التام الا بدراسة جميع الاطر المعنوية المتعلقة بمختلف المجموعات، اضافة الى دراسة علاقة الفرد بالجماعة. وبما انه يتعذر علينا دراسة علاقة الفرد بالجماعة، بسبب قلة الوثائق، سأدرس هرمية المجتمع المملوكي المديني لأن معلوماتنا عن الارياف شبه معدومة، بادئا ببنية كل فئة من الفئات الاجتماعية، ثم حركيتها الذاتية من جهة، والخارجية من جهة ثانية اي علاقاتها بالفئات الاجتماعية الاخرى. وتبقى عمودية الدراسة مرهونة بما توفره المصادر من معلومات.

    تقتضي دراسة التاريخ الاجتماعي الحصول على المبدأ المنظّم للمجتمع الذي يفرّع السكان الى فئات (طبقات وفق المصطلح الحديث)، ويميّز بينها ويحدد بناها، ومن جهة ثانية يسمح بدراسة الحركية الداخلية والخارجية لكل منها. وقد اتخذت من الوظيفة مبدءا منظما للمجتمع المملوكي، وهي غير محصورة بالمناصب الحكومية فقط، بل تشمل كل المهن ايا يكن نوعها ومستواها، كما البطالة عند الارذال او الزعر او الحرافيش. وقد قسّم المقريزي المجتمع المملوكي الى سبع فئات هي ارباب الدولة، ومياسير الناس من التجار والفقهاء والمتعممين، ومتوسطي الحال من التجار والباعة واصحاب المعاش والسوقة، والفلاحون من اهل الزراعة، وسكان الارياف والقرى، وارباب الصناعات والحرف البسيطة، والمعدمون.[40]

 ان هذا التوزيع العام يشمل كل المجتمع المملوكي، اما في المدن فيمكن اعتماد تفريع آخر ينبثق منه ويأخذ بالاعتبار خصوصية المدينة والتجانس الاجتماعي الاكثر شمولا، وهو باعتقادي على الشكل التالي: الطبقة العسكرية الحاكمة، الاعيان الذين يضمون كبار رجال الدين والتجار وارباب الصناعة، او ما يطلق عليه بياض العامة، ثم سواد العامة، واخيرا الزعر والارذال والاوباش.

    لم يكن سكان المدن من عرق او جنس واحد، لأسباب مختلفة تراكمت عبر العصور.فكان سكان دمشق يتألفون من غالبية عربية كبرى، اضافة الى اقلية تنوّعت اجناسها، ووفدت اليها عبر تاريخها مثل بربر شمال افريقيا خلال العهد الفاطمي، والتركمان في العهد السلجوقي والاتابكي، والاكراد في العهد الايوبي[41]. هذا اضافة الى الشعوب المغلوبة من المناطق المجاورة خصوصا من تلك التي تعرضت للغزو المغولي ولا سيما العراق، كما لجأ اليها طائفة دينية كبيرة العدد من المغاربة لاسباب دينية[42].

   اما القاهرة فكانت عبارة عن سندس اثني بدءا من الاقباط، فالعرب، ثم موجات الاغراب العديدة والمتكررة التي حطت رحالها فيها منذ العصر العباسي الثاني. وتلا ذلك دخول المغاربة الفاطميين واستمر قدومهم اجمالا مدى العهد الفاطمي، ودخلها ايضا عدد وافر من الاتراك والاكراد في العهد نفسه كما السودان من النوبة والسودان. وتزايد عدد المشارقة من ديالمة واتراك واكراد في العهد الايوبي[43]، واكتمل السندس الاثني في العهد المملوكي الذي بني على استقدام الارقاء من مختلف الاعراق والجنسيات. هذا اضافة الى الجاليات التجارية المتعددة المشارب بين مشرقية واروبية. وكان لكل من هذه الجاليات عاداتها وتقاليدها  الذاتية، وتقيم في احيائها الخاصة تمارس ميزات خاصة بها، وفي الوقت عينه كانت تتشارك جميع هذه الاتنيات والفئات عادات منطلقة من التشريع الاسلامي واخرى متراكمة عبر العصور. وخضعت جميعها الى منطق القوة، المتمثل بقيادة المماليك المشكلين( طبقة) فئة ممتازة حاكمة.

    2 – الطبقة العسكرية الحاكمة: تألفت من المماليك، انقسمت من حيث وظائفها وتركيبها العسكري والاداري والاجتماعي الى ثلاث مستويات: السلطان، والامراء على اختلاف مراتبهم، والاجناد.

   كان السلطان هو رأس الجهاز العسكري والاداري المملوكي، ووظائف الامراء شكّلت بيوت خدمة له رغم ان الابعاد الاساسية لوظائفهم كانت مهامها حكومية بحتة. وليس ادل على ذلك من الاسماء او الالقاب التي اطلقت على بيوت الخدمة السلطانية مثل: امير مجلس، دوادار كبير، استاذ دار، امير آخور…[44]. هذا اضافة الى وظائفهم في النيابات المتعددة حيث كانوا يقومون مقام السلطان فيها ويلقب واحدهم بنائب السلطان. وكانت للامراء ايضا، بيوت خدمة على غرار السلطان ولكنها كانت ادنى منزلة ولا تتمتع باية صفة حكومية.[45]وتتدرّج بالدونية حتى ادنى رتب الامراء. اما الاجناد فكانوا عدة فئات: المماليك السلطانية، واجناد الحلقة، ومماليك الامراء[46]   

       لم يقل الشأن الوظائفي المملوكي في النيابات عمّ كان عليه في القاهرة؛ فقد عاش في دمشق مثلا عدد كبير من ارباب السيوف كان نائب السلطان اعلاهم رتبة، ويخصص بألقاب ونعوت لم يسمح بها لغيره[47]. وكانت تزين كل احياء المدينة وحاراتها لدخوله اليها، ومن عادته التطواف حول قلعتها سبع مرات، والصلاة ركعتين عند باب السر، ومن ثم يتوجه الى مقره في دار السعادة[48]. مركز اقامته فيخلع الخلع على قضاة القضاة الاربعة في دار العدل[49] تعبيرا عن اقراره بدورهم في الحياتين الدينية والاجتماعية.

    تمتع نائب دمشق بصلاحيات واسعة جدا ان من حيث التوظيف والعزل، او منح الاقطاعات[50]. كما توجب عليه اداء مهام ادارية وامنية وسياسية واجتماعية ودينية[51]. وعاش في دمشق الى جانبه ثمانية امراء مئة مقدمو ألوف، وواحد وعشرون امير اربعين او طبلخاناه، واثنان وعشرون امير عشرين، وواحد وخمسون امير عشرات، وثلاثة وعشرون امير خمسة[52]، عدا عن مقدمي الحلقة واجنادها وهم عدد كبير، اضافة الى عدد آخر من الموظفين لا يسعنا ذكرهم جميعهم بحيث يغدو الموضوع دراسة في الادارة المملوكية،[53] ونائب القلعة الذي لم يكن لنائب دمشق سلطة عليه[54]، واتابك العسكر ( قائد الجيش ) وبالتالي نشأ نظام عسكري بيروقراطي لتلبية متطلبات السلطان من جهة، ولتلبية حاجات النائب الذي كان شبه مستقل.

        اذا علمنا ان الجيش المملوكي النظامي اقتصر على الارقاء المشتروات، ناهيك بان كل امير حُق له بشراء عدد من المماليك لخدمته الخاصة تتناسب مع رتبته لأدركنا العدد الهائل للمماليك الاغراب في الحاضرة او في مراكز النيابات ما جعلهم يشكلون بالتأكيد طبقة قائمة بذاتها ولكنها ذات مستويات مختلفة داخليا تبعا للرتب والدخل. وقد تمايزت اجتماعيا بشكل لافت عن ابناء البلاد، وتدرجت نسبتها الاجتماعية والاقتصادية تبعا للمناصب من اعلى الى اسفل بدءا من السطان فأمراء المائة في الحاضرة، ثم النواب في النيابات وعلى رأسهم نائب دمشق، فامراء المئة فيها وفي غيرها من النيابات التي اقام فيها مقدمو ألوف، نزولا هرميا حتى الاجناد.

    يمكن اعتبار هذا التفرع اسرويا الى حد، بحيث شكل كل سلطان وامير نوعا من اسرة قائمة بذاتها بانتماء مماليكه اليه وحده بثلاث روابط على الاقل: الرق، والعتق، والوظيفة التي شغلوها لخدمته، وتبعهم بهذا الانتماء اسرهم، كما العاملون بخدمتهم في الاقطاعات المتنوعة. وعلى الرغم من انتماء افراد الطبقة العسكرية الحاكمة الى رجال السيف، فانهم لم يكونو متجانسين من حيث وظائفهم وانتماآتهم، فبعضهم ارتبط بالسلطان مباشرة والبعض الاخر بالنائب في النيابة، ما ادى الى تمايز وظيفي في القاهرة وفي النيابات، حتى ان بعض الموظفين في النيابات استغل ارتباطه بالسلطان وتجاوز كل الحدود[55].ان كل ذلك جعل الفئة العسكرية الحاكمة أكان في القاهرة او النيابات وحدات شبه مستقلة، ومرتبطة في آن بغيرها من حيث الوظيفة ونمط الحياة العام مع الاخذ بالاعتبار التمايز الاداري والوظيفي. وعلى رغم المميزات العسكرية والادارية والمالية[56] التي حازها المماليك على اختلاف رتبهم وفئاتهم ومستوياتهم فانهم لم يكتفوا بها بل تصارعوا فيما بينهم حتى باتت المدن المملوكية مسرحا لصراعات دامية غير منتهية كان لها تأثير كبير على تدهور الحياتين الاقتصادية والاجتماعية. على الرغم الثراء الفاحش الذي تمتع به السلاطين والامراء الكبار الذي بلغ مستويات اسطورية تذكرنا باخبار ألف ليلة وليلة[57]. مثلا وزّع الامير قوصون، الذي عين نائبا على الشام نفقة واموالا اخافت السلطان[58]. وقد احصي ما تركه ” تنكز ” نائب الشام فبلغ مليونين وسبع مئة ألف دينار، وسبع مائة وثلاثين ألف درهم فضي فضلا عن المجوهرات[59].

   وهكذا فقد شكل السلطان وامراؤه واجناده طبقة عسكرية حاكمة مغلقة عن الشعب. وحدد الانتماء اليها بشروط لم تتوفر بالسكان الاصليين: كالعرق، اي ان يكون مولودا خارج الاراضي المملوكية في الشرق العربي والاسلامي وبالتحديد في السهوب الآسيوية الاوروبية الممتدة من آسيا الوسطى حتى البلقان والبحر الادرياتيكي[60]. والرق[61]، واجادة اللغة التركية لان المماليك كانو يتحدثون بها في اجتماعاتهم ومجتمعاتهم[62]، وقليلون منهم من اتقنوا العربية، لا بل ان بعضهم لم يفقه منها شيئا[63]. و التربية في الطباق ( الثكنة العسكرية )، والعتق، والتدرج بالامرة[64]. وانحصر تزاوج امراء المماليك اما من نساء تركيات جيء بهن خصيصا لهذه الغاية، او من بنات امراء المماليك، وقليلون منهم من تزوجوا من بنات مياسير التجار او بنات المتعممين[65]. وكانت جميع اسماء الامراء تركية، ولم يجرؤ احدهم الخروج على هذه القاعدة مخافة القتل او العزل، فالسلطان جقمق ( 1438 – 1453م. ) اراد ان يتسمى محمدا تيمنا بالرسول (ًصلعم ) ولكنه خاف العزل فتسمى جقمق محمد[66]. انما حق لهم بالالقاب الدينية مثل ركن الدين او عز الدين… وانفردوا بلبس ثياب مميزة مطرزة الكمين تمييزا لهم من افراد الشعب. وارتدوا قباء طويلا ينتهي بأكمام ضيقة، واعتمروا كلوتة صفراء من دون عمامة، وشدوا على خصورهم احزمة من القطن البعلبكي، وتميزت ايضا ثياب الامراء من ثياب الجند[67]. وتميّزوا باقتناء الرقيق وركوب الخيل الذي لم يجز ركوبها لغيرهم [68]، وعلى رغم اسلامهم فلم يقض كبار الامراء في ما بينهم بالشرع الاسلامي بل ب ” الياسة او اليسق ” وهي مجموعة القوانين المغولية التي اصدرها جانكيز خان ( 1206 – 1227م.)[69]. وحاز المماليك وحدهم، سلطانا وامراء واجنادا، الاقطاعات الزراعية وشاركهم بقسم ضئيل نسبيا بعض المتعممين ممن اشرفوا على المؤسسات الدينية والتربوية والاجتماعية، وبعض العربان ممن اعتبروا من اجناد الحلقة [70]. كما توزعوا في ما بينهم المرافق الاقتصادية العامة الاخرى ولا سيما الجمارك التي حازوا عليها عن طريق الاقطاع.

   هكذا انفصل اجتماعيا رجال السيف عن ابناء البلاد بنظمهم وعاداتهم واخلاقهم وممارساتهم التي جاءت غالبا مجحفة بحق الرعية، وشكلوا فئة اجتماعية سياسية عسكرية مغلقة عن الدمشقيين، ولكن آليتها الداخلية كانت متحركة باتجاهين صعودا نحو القمّة، او انحدارا نحو القاعدة وصولا الى البطالة والعزل. وفي الحالين معا خضعت تلك الفئة لظاهرة اجتماعية واحدة لها خاصاتها وميزاتها في انها فئة ممتازة ومتميزة عن ابناء البلاد الاصليين، بل عن السكان كل السكان. وجاء تحول تلك الظاهرة بطيئا جدا بما اجازه القانون تدريجا لافرادها من الاختلاط بسكان المدن ضمن حدود ضيقة، دفعت ببعض السكان ان يحذوا حذوها وان جاء ذلك مخالفا للقانون، كما سنلاحظ بالحديث عن الزعر، كما تأثر السكان ايضا ببعض العادات المملوكية.

3 – اعيان المدنيين:

أ – رجال الدين المسلمين: كان الاعيان أكثر من فئة؛ رجال الدين، كبار التجار، وكبار الحرفيين او الصناعيين ان جاز التعبير. شكل رجال الدين المسلمين، بوجه عام ، صمام امان في المجتمع الاسلامي لانهم احتلوا المنزلة المدنية الارفع فيه، وظل الناس ينظرون اليهم باكبار حتى في فترات الانحطاط، لممارستهم شؤونا مدنية اجتماعية مثلت من حيث المبدأ دور الرقابة على اعمال الجهاز العسكري الحاكم، وان اختل هذا التوازن لصالح المماليك في العهد الجركسي عموما . حتى ان رجال الدين الذين تسرّب اليهم الفساد، وجروا وراء مصالحهم الذاتية، بخضوعهم لرغبات الطبقة العسكرية وتنفيذ مآربها على حساب الشعب، ظلوا جميعهم يحتلون منزلة مهمة عند الشعب، ليس على الصعيد الشخصي، انما على مستوى الوظيفة الجليلة التي شغلوها.

     اما ابرز الوظائف الدينية  في القاهرة وفي النيابات فكانت: قضاة القضاة وكان عددهم اجمالا اربعة، وقاضيي عسكر شافعي وحنفي، ومفتيي دار العدل شافعي وحنفي ايضا، والمحتسب، ووكيل بيت المال[71]. ويعتبر قاضي القضاة رئيس الادارة القضائية من حيث المبدأ، إليه يرجع تعيين القضاة وعزلهم، وتعيين نواب له، والفصل بين الخصوم، وتنفيذ الاوامر الشرعية[72]. والقضاء المملوكي استمر سليما معافى ما دام السلاطين كانوا يقظين ويهتمون بامور الرعية، فكانوا يعزلون من تسؤ سيرت[73]. وكان من المفترض ان يختار اهل كل مذهب قاضي قضاتهم بعد موافقة السلطان، ولكن ذلك سقط بعد ان عمّ الفساد الادارة المملوكية عموما، خصوصا ان العلوم الدينية لبعض السلاطين كانت متواضعة[74]، وخفّت اهتماماتهم بامور الرعية، وحرصوا على الحصول على المال بشتى السبل حتى صارت المناصب ومنها الدينية تشرى بالرشوة[75]. وتمكن بعض القضاة من جمع اموال طائلة بطرق مشبوهة، من دون ان يخجلوا، بل ان بعضهم راح يتباهى بسطوته ونفوذه غير آبه بتهكم الناس، وغير مكترث بأحكام الشريعة، فاحتقره زملاؤه والناس كلهم[76]. خصوصا ان بعض هؤلاء كان جاهلا اصول القضاء واحكام الشريعة، والعلوم الدينية الاخرى التي هي في اساس التربية في الاسلام ومنارة السلوك الاجتماعي[77]. ولم تكن حال حميع القضاة على هذا النحو اذ أُثر عن بعضهم الصلاح واعمال الخير والاجتهاد بتلاوة كتاب الله والاكثار من الصلاة والتفقه بالاحاديث النبوية[78]. ومارس قضاة القضاة والقضاة ضغوطا على الطبقة العسكرية الحاكمة لاطلاق من اعتقل ظلما وعدوانا، اوللشفاعة بمن اعتقل اثناء الصراع بين الاجناد المماليك والسكان، وما شابه هذه الحالات[79]   

الوظائف الدينية الاخرى: تنوعت مهام رجال الدين وشملت مختلف الحقول الاجتماعية لإرتباطها بالشرع الاسلامي، ولأن وظيفة رجال الدين تتصدر الحياة الاجتماعية. ونذكر منهم مفتيي دار العدل، وكلاء بيوت المال، وهم مؤتمنون على اموال  الدولة[80]. والمحتسب الذي يراقب الاسعار و المكاييل و الموازين والاخلاق العامة[81] ودوره اجتماعي بامتياز لأن من مهامه الاشراف على المرافق العامة، والاقتصاص من المخالفين للأنظمة العامة والاخلاق، وبالتالي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن الحسبة صارت منذ العهد الجركسي عموما تشرى بمال، وفسد اصحابها ، حتى انها اسندت مرة الى احد باعة السكر، فقرّظ المقريزي السلطة قائلاً:” فكان هذا من اشنع القبائح، وواقبح الشناعات.”[82]

 ومارس رجال الدين دورا اجتماعيا مهما جدا وهو التدريس بالمدارس، وادارة اوقافها واوقاف المؤسسات الدينية المتنوعة كالمساجد والجوامع والخوانق والربط وما الى ذلك، وبالتالي ارتبط بهم السكان بشكل اساسي بحياتهم اليومية والعادية، لأن الثقافة الدينية كانت محورا اساسيا في حياة الناس، ولم يكن من الضروري ان يتقن الفرد القراءة والكتابة لكي يحظى بثقافة دينية، بل كان يتم له ذلك عن طريق السماع والوعظ والارشاد. ما جعل المدرسة محورا اساسيا في التآلف الاجتماعي لاستنادها الى مذهب شرعي محدد، ولوجودها في مكان محدد من المحلات او الاحياء، وبما انها كانت تقوم اساسا على التوعية الدينية وتعليم اصول الدين من فقه واحاديث، وخصوصا تلقين القرآن، لان الدين الى جانب كونه عقيدة غالبية السكان فانه كان ايضا نظام حياة، وبالتالي اصبحت المدرسة النقطة المركزية في التوحيد الشامل لابناء المذهب المنتسبة اليه. ولم تكن غايتها التعليمية تخريج رجال دين على مختلف المستويات فقط، بل ايضا تثقيف المجتمع، فكان ينتسب اليها ابناء الفئات المتوسطة والغنية تقربا من الله وللتفقه باصول الدين للاكتفاء الذاتي على هذا الصعيد. حتى اذا تخرج الواحد منهم واشتغل بمهنة حرة ادرك اصول المعاملات الشرعية.[83] والجدير ذكره ان سلاطين وامراء المماليك أكثروا من تشييد وترميم المدارس، واوقفوا عليها الاقطاعات لدفع نفقات المدرسين والطلاب والقيام باكلافها، كمدرسة الظاهر برقوق التي شيدها عام 787/1386[84]، او مدرسة الاشرف قايتباي في مكة[85].

   لقد تفاوت عدد الجوامع في دمشق في العهد المملوكي بين مؤرخ وآخر[86]، وكذلك الامر بالنسب للقاهرة[87]، وبلغ عددها في حلب عشرون داخل الاسوار[88]. واهمية هذه الجوامع، الى جانب كونها اماكن عبادة وصلاة، قيامها بمهام المدارس، كما شكلت في آن مأوى للفقراء، وآوت الصوفية من جهة ثانية[89]. وكانت جميعها بادارة رجال الدين الذين شكلوا فئة اجتماعية خاصة، متميزة بثقافاتها ورتبها تبعا لوظائفهم. وجاءت ثيابهم متشابهة مع بعض الاختلاف[90]، ونالوا رواتب نقدية او اقطاعات، ما جعل احوالهم الاقتصادية جيدة الى مريحة. وقد شكلوا مع اتباعهم ومساعديهم نسبة لا بأس بها من عدد السكان، ما جعلهم فئة متميزة تماما بكل مقوماتها.

ب – رجال الدين المسيحيين: قادوا ابناء طوائفهم ومثّلوهم امام السلطان ونوابه لأنهم كانوا المسؤولين عنهم، وليست لدينا معلومات وافية عن احوالهم سوى الناحية الادارية التي ذكرها القلقشندي، وشأنها معروف حتى اليوم.[91] ومن المرجح، ان المسيحيين كانوا يعيشون في احيائهم الخاصة، ويتمتعون بنظمهم الخاصة ايضا، ما جعلهم فئة اجتماعية متميزة ببعض وجوهها من الفئات الاجتماعية الاسلامية بخاصات محددة نابعة من تقاليدها الدينية، علما ان الصفة العامة للمجتمع الاسلامي بما هي ظاهرة اجتماعية عامة شملتهم بدورهم، لانهم تشاركوا مع بقية السكان الاعمال عينها، واحتفلوا معهم بكل الاحتفالات والاعياد ، كما شاركهم المسلمون احتفالاتهم.

ج – رجال الدين اليهود: كان رئيس اليهود المسؤول، بوجه عام عن طائفتي اليهود القرائيين و الربانيين معا[92]، وكان وضعهم الاجتماعي مشابها الى حد بعيد لوضع المسيحيين.

   والجدير ذكره ان بعض السلاطين مارس على المسيحيين واليهود احكام اهل الذمة لدواعي داخلية احيانا، واخرى خارجية، مع اختلاف في مشروعية هذه التدابير بين الفقهاء احيانا، اذ كان يؤيدها بعضهم، ولا يجيزها البعض الاخر[93]، وتنوّعت الاسباب الداخلية كاشتغالهم وظائف ديوانية ما كان يسيئ بعض رجال الدين فيحرّضون السلاطين لعزلهم وتطبيق الشروط العمرية عليهم، او اتهام بعضهم بممارسات مخالفة للقوانين حقا او زورا[94]. وتأتت الاسباب الخارجية عن مهاجمة الاوروبيين احد الموانئ او المواقع المملوكية شأن ما حصل للاسكندرية عام 1366على عهد السلطان شعبان[95]. وتكررت هذه الحوادث في العهد الجركسي. 

د – اعيان التجار والصناعيين: لتحديد التفريع الاجتماعي ضمن فئة الاعيان لا بد من اعتماد المبدأ المنظم المبني في هذه الحالة على المستويين الاقتصادي والمنزلة الوظيفية. ان خلو مصادرنا العربية من الارقام تدفع بالباحث لاعتماد الصفة فقط بالنسبة للحالة الاقتصادية التي تعتمدها هذه المصادر كأن تقول فلانا من مياسير التجار او من كبارهم، كتجار الخانات والقيساريات، وارباب القوافل وتجار الجملة والسماسرة او الوسطاء التجاريين. وقد ضاهى هؤلاء كبار الامراء من حيث الاهمية وشاركوا بحضور الاحتفالات الرسمية، ونالوا احتراما مميزا من السلطات والشعب على حد سواء[96]، لان التجارة تحتل مركزا مرموقا في الاسلام[97]. ويدرج ضمن هذه الفئة اصحاب الصناعات المهمة وهم غير الحرفيين الصغار. ويصعب علينا اعطاء فكرة واضحة عن هؤلاء لان مصادرنا تحجم، غالبا، عن مدنا بالارقام عن غنى بعض التجار وغيرهم من الميسورين سوى بعض الحالات النادرة[98]. وشكل الاعيان طبقة برجوازية بالاصطلاح الحاضر لان الابناء توارثوا عمل الآباء خلافا للطبقة العسكرية الحاكمة، وجنى بعضهم ثروات مهمة جعلتهم عرضة اما للمصادرات او للطرح.[99] ما دفع ببعضهم لاخفاء ثرواتهم، فتقهقرت نسبيا الحركة الاقتصادية. ونحن نجهل نسبتهم الى عدد السكان، وبالتالي لا نعرف ان تمكّنوا من تشكيل فئة اجتماعية كبيرة لها مميزاتها الخاصة، ولكن من دون ادنى شك تمتع هؤلاء الاعيان بمنزلة مهمة عند السلاطين ونوابهم، وشاركوهم احتفالاتهم.

4-  العامة: ان تعبير العامة او اصطلاحه قديم جدا في المجتمع الاسلامي، تناوله الادباء والفقهاء والمؤرخون للدور البالغ الاهمية الذي مارسته العامة في المجتمع على الصعيدين الاجتماعي والسياسي: فهم عند الدينوري :”اصحاب الاهانات، وابناء الانذال…ومنهم الرعاع والهمج والغوغاء، واهل السفه.”[100] وهم عند الطبري: النطاف وباعة الطريق في محتقرات البيوع، وبائعو البطيخ والزجاج، والقصابون، والبقالون، والكناسون[101]. وهم عند”الصفدي” خلاف الخاصة”[102]. وبالتالي يمكن تعريف العامة المملوكية بأنها الفئات الشعبية التي لم تتلق تعليما، ولا حققت ثروة، ولم تشْغل منصبا حكوميا، بل هي جماعات دفعت الضرائب من دون ان تفيد منها اجمالا، وسميت العامة او عامة الناس لاضفاء عليها صبغة من الاحترام وتمييزا لها من الزعر والارذال. وهي  تألفت من اصحاب الحوانيت، والباعة المتجولين، وباعة المفرق، والعمال كالنجارين، والبنائين، والحرفيين[103]، واصحاب الصفقات التجارية المشبوهة، والمخادعين ،والسماسرة، والصيارفة.[104] ، واضاف اليهم المقريزي تجار النخاسة، وبائعي الخمور، والمغنين والنادبين، القصابين، واصحاب بيوت الدعارة، وضامني الافراح والمآتم، والمشاعلية[105]، ويضاف الى هؤلاء عمال الدباغة، وضاربي الرمل لكشف الغيب، وسائقي البغال والحمير وغيرهم[106]. وشمل هذا التصنيف مختلف الطوائف والمذاهب الاسلامية والمسيحية واليهودية.

     لقد تجانس جميع العامة من حيث طبيعة العمل، فمثلا: لم يكن ممنوعا على الذميين ممارسة اي مهنة يمارسها المسلمون. وتحجم مصادرنا عن مدنا بمعلومات لدراسة وضع العامة الاجتماعي بشكل صحيح، ولكنهم شكلوا معظم السكان، وكانت لهم عاداتهم وتقاليدهم المشتركة مع امتياز كل فئة منهم بمفردات خاصة واسلوب عمل تبعا لطبيعة مهنته. وقد عاش كل اصحاب حرفة او مهنة منهم في حيّهم الخاص، ومارسوا اعمالهم اجمالاً في سويقة الحي، واحيانا ضمن السوق المخصص لها. وبالتالي كانت لكل منهم عاداته وتقاليده وزبائنه الخاصين، ما جعل كل فئة منهم تخضع لظاهرة اجتماعية محددة، ويخضعون جميعهم للظواهر الاجتماعية العامة في مجتمعهم الكبير. وهناك ثمة ملاحظة اخرى هي ان المهن كان يتم توارثها سلاليا. وتأس كل حرفة نقيب ان جاز التعبير يعرف بشيخ المهنة يدافع عنها وعن المنضويين فيها بخاصة تجاه تعسف السلطة.

5 – الزعر: ان نشوء المعدمين في مختلف المجتمعات الانسانية نتج من الصراع على الثروة او على السلطة، او على الاثنين معا لتلازمهما في غائية جنوح الانسان الى العظمة. وفي خضم يأس المعدمين انبرت جماعات تدعي الدفاع عن مصالحهم، ونصّبت نفسها قادة عليهم باسم الانسانية. وتكونت هذه القيادات، في الغالب، من افرازات اوضاعهم البائسة المنبثقة من رفض الواقع المظلم والمرير، ومن جنوحها بدورها للاستغلال، ولشراسة في اخلاقها وطبائعها. فتكونت اذ ذاك احزاب عفوية اخذت على عاتقها تغيير الواقع المشكو منه، وفق اساليبها الخاصة، واقنعت المعدمين بأن ما تصبو وتسعى اليه، وفق وسائلها الخاصة، يمثل انجع السبل لتطوير احوالهم البائسة، وبالتالي نشأت منظمات الزعر لتقف بوجه ممارسات المماليك الظالمة. وأنشأوا حارات خاصة بهم في عدد من احياء المدن، وكانت عبارة عن احزمة بؤس في طفرات المدن الحالية[107] ،ساهمت بزيادة التدهور الاجتماعي والاقتصادي، لأن الزعر ومن شابههم عزفوا، عموما،عن القيام بأعمال شريفة. وكوّنوا خلايا خاصة بهم تمركزت كل خلية في احدى الحارات يتزعمها قائد عرف بكبير زعر محلته، وتزيّوا بلباس خاص تمييزا لهم من بقية الناس، فلبسوا “فرعاني” يلفونه على رؤوسهم، وثياب يقلبونها على أكتافهم، ومنها الابشات بأكمامها الطويلة والعريضة لتخفي سلاح الواحد منهم[108].

   اعتاش الزعر من موارد متعددة: فقد امتلك بعضهم الحوانيت، وفي هذه الحال فرضوا سطوتهم على الحوانيت المجاورة واحيانا على معظم حوانيت السوق او المحلة، بأن اقاموا في بعضها من يبيع لحسابهم باسعار مرتفع نسبيا لكي ينصرف المشترون الى محلاتهم. او انهم فرضوا الاتاوة “الخوة” على بعض الحوانيت، وذا رفض اصحابها الانصياع تعرضت حوانيتهم اما للسرقة او لاعتداءات اخرى. وكان تواجد حوانيتهم في محلة ما يشكل كارثة على اصحاب الحوانيت الاخرى، ليس بسبب ما ذكرت فقط، بل لان المحلة اذا تعرضت للرمي او الطرح فرضوا، بقوة السلاح او السطوة، المال المتوجب لتلك الضرائب على الحوانيت الاخرى،[109]. واذا ارادوا الاحتفال- وكانت احتفالاتهم باذخة – بسبب اقامة الهدنة العسكرية بين منظماتهم حمعوا الاموال من “المستورين او المحتاجين على وجه الحياء والقهر”[110].

   من المفارقات الغريبة، ان السلطة الحاكمة كانت تشجّع الزعر على التمادي بغيهم، لاسيماعندما كانت تحتاج الى خدماتهم: فأحيانا كان نائب دمشق وبعض كبار الموظفين العسكريين يحضرون عروضهم العسكرية، ومن ثم يخلع الخلع على اكابرهم[111]. وهذا يعني اعترافا ضمنيا بسلطتهم.  ومن المؤسف ايضا ان بعض الفقهاء اجازوا لهم قتل اعوان الظلم والمجرمين من البلاصين واللصوص وغيرهم من دون ان يدروا او ربما ادركوا انهم حاولوا استئصال الجريمة بجريمة اخرى قد تكون ابشع، لأن الزعر تسلّحوا بهذه الفتاوى[112]صاروا يخرجون باسلحتهم، ويسطون على اموال  الناس ومن امتنع عليهم قتلوه باسم الدفاع عن مساوىء المجتمع[113]  ولم يقف الامر عند هذا الحد بل صار الناس يدفعون لهم الاموال  لقاء القضاء على اعدائهم. واذا تجرأ احد وشكا امرهم للسلطات دفع حياته ثمنا بحيث انتشرت كمائنهم وكثرت الاغتيالات[114]. ولعل الظاهرة البارزة والنافرة هي مساهمة السلطة بدفع العامة الى ممارسة اعمال النهب والسرقة لسببين على الاقل: تعويضا لها عن وضعها البائس عموما، وثانيا انتقاما من السلطان او الامير المهزوم في معركة سياسية – عسكرية، بحيث كانت العامة تشارك المنتصر الذي كان يكافئها بالسماح لها بنهب بيوت واموال المهزوم، وما كانوا يكتفون بذلك بل كانوا ينقسمون على انفسهم احزابا تتقاتل فيما بينها ما كان يؤدي الى تعطيل الاسواق[115].

    وهكذا جاء تفرّع المجتمع المملوكي، وكأن فئاته متخاصمة، تعيش الواحدة منعزلة عن الاخرى ما عدا ما كان يقوم به رجال الدين من محاولات لحل المشاكل بين الفئات المتخاصمة، ولاسيما بين العامة والزعر او الشطار والحكّام. ولكن ثمة ظواهر اجتماعية مشتركة خضع لها الجميع وهي الدخول الى الحمامات العامة، لأنها شكّلت احدى ركائز حياتهم الاجتماعية، فهي كانت الى جانب عامل النظافة نوع من الترويح عن النفس تقام فيها احتفالات اجتماعية متنوعة. وتشارك الجميع ايضا الاحتفالات المتعددة مثل التي كانت تنظمها السلطة كمواكب السلاطين[116] او نوابهم في النيابات حيث كانت تزيّن المدن على نفقة السكان اجمالاً، والحوانيت التي ما كانت تشارك بالزينة كانت تختم.[117]  تزيّنت المدن ايضا لإسباب اخرى كمجيء قاصد من دولة اجنبية    [118]. وتشارك الناس الاحتفالات الدينية التي كثيرا ما خرج الناس فيها عن الهدف الاساسي ومارسوا الفسق على انواعه[119]. ولم تكن تقتصر على طائفة او مذهب معيّن بل شارك فيها كل الناس[120]. ويسجّل للماليك سلاطين وامراء ما كانوا يصرفونه من نفقات اجتماعية على الفقهاء، والفقراء، ونفقات شهر رمضان والاعياد الدينية، والترب والمشاهد، والمقامات، والمزارات.[121] وكانت تتزايد هذه الظاهرة الخيرية كلما مرض سلطان وخصوصا عندما يشتد عليه المرض[122]

   ولعل انتشار الاوبئة والامراض من السمات الاجتماعية البارزة التي طبعت العصور الوسطى باكملها، وربما جاء تأثيرها شديد النفور في العهد المملوكي من شدة وطأتها، ولأنها ضربت المجتمع مرات متوالية وبشكل مريع، حتى ان السلطان والامراء والناس جميعهم كانوا يتقربون من الله اما بالخروج الى الصحراء بالدعاء، او بالصيام والصلاة مدة ثلاثة ايام متوالية[123].

    ان هذا التراتب الاجتماعي حمل تمايزا بيّنا في طياته بين الفئات المكوّنة للمجتمع، وجعل الفواصل بينها واضحة، وجهد المماليك بما هم عليه من قدرة عسكرية وقيادة ادارية استغلال الفئات الاخرى لصالحهم بكل الوسائل المتاحة. ما جعل الناس في ظل قيادة بعض رجال الدين المسلمين الصالحين يتمرّدون على هذه الممارسات، ويعترضون عليها، بل يرفضون تطبيق بعضها بل تمرّدوا على الواقع المرير، وادركوا انهم مغلوبون على امرهم، وان اصلاح الحكام اصلاحا جذريا غير ممكن، فحاولو جاهدين تغيير المعادلات باللجوء الى الوسائل الدينية في معظم الاحيان، وعبّروا عن مواقفهم بما اوتوا من امكانات محدودة، وهرعوا الى رجال الدين، الذين كانوا ينطقون باسمهم بل ممثليهم، على اعتبار ان لهم منزلة مهمة قد يقدّرها الحكام، وقد نجحوا احيانا في رفع الحيف عن بعض المظلومين. وفي حال فشلت الوساطة اعتمدوا بدائل اخرى كالاحتجاج السلمي وهو المعروف بالتكبير- النزول الى الاسواق هاتفين الله اكبر- وهو تدليل على ان الله ينصر المظلومين وبالتالي دعوة الى اهل الظلم الى الثواب. وتم التكبير في الشوارع، باعترض مواكب السلاطين او نوابهم او مساعديهم، وفي الجوامع. وكان القضاة والعلماء يتقدمون المتظاهرين تأكيدا على استرجاع حق سليب ولاضفاء الصفة الشرعية على التظاهرة علّ الحكام يرعوون. وكانت تلك التظاهرات تخيف المماليك ،بوجه عام، بما تخلق من حالات عدم الاستقرار التي قد ينفذ من خلالها المصطادون بالماء العكر للاخلال بالامن او للتعدي على من يجدون من المماليك منفردين.[124]

      وكان لفشل تلك المساعي السلمية والحضارية آثار سيئة على الوضع العام في المدن ،ادى الى يأس العديد من متوسطي الحال، لان التعديات المتكررة حولتهم الى ما دون متوسطي الحال بل فقراء، وعجزوا بالتالي عن تأمين اود الحياة فسلكوا دروب الجريمة المتنوعة، فازدهرت اعمال اللصوصية والحرامية، وكثرت الجرائم، ومناسر الليل، والسرقات واعمال النهب[125]. وانخرط بعضهم في منظمات الزعر ما زاد في الطين بلة، وساءت، بوجه عام، احوال الناس. كما حفل المجتمع بانواع المفاسد الاخلاقية نتيجة ممارسات الحكام الجائرة وبسسب الفقر واليأس، ولعل ابرز تلك المفاسد الدعارة على انواعها،[126] والتحشيش[127] وما الى ذلك.

                       القسم الثاني: الاقتصاد المملوكي

  من الواضح ان دراسسة المجتمع تتأثر بنيويا بالاقتصاد بسبب التداخل بينهما، وتأثير الاقتصاد  على مستوى الاجتماعي، ولأن المستوى الاقتصادي يشكل احد مرتكزات التفرع الطبقي. وكما ان المماليك شكلوا فئة اجتماعية متميزة عن السكان بكل تدرّجات مستوياتها، فانهم احتكروا معظم مصادر الدخل بدأ بالقطاع الزراعي، وتدرّجوا بالسيطرة على القطاعات الاخرى.

شكّلت الزراعة والاقطاع، والصناعة، والتجارة المقومات الاقتصادية المملوكية الاساسية. وتأثرت بوضوح بعوامل اخرى مثل: الصراعات بين فئات المماليك، وغش النقود، والاحتكارات، والضرائب المتنوعة، فضلا عن نفقات الدولة الكثيرة ومحاولة موازنة الواردات معها.

أ – الاقطاع والزراعة: ارتبط النظام الاقطاعي عضويا بالنظام العسكري المملوكي، لأن السلطان  والامراء والاجناد توزّعوا الاراضي الزراعية كلها سوى ما افرد للمؤسسات الدينية والاجتماعية[128]. ويدخل ضمن النظام الاقطاعي كل موارد الدولة من الضرائب والمكوس المتنوعة بما فيها الاموال الخراجية، والهلالية[129]. والمال الهلالي هو ما كان يدفع شهريا، “وكان على عدة انواع كلها احدثها ولاة السوء شيئا فشيئا ” على حد تعبير المقريزي، مثل ضمان القراريط والبغاء، واجور الاملاك المسقفة من الآدر والحوانيت، والحمامات، والافران، والطواحين، وريع البساتين، ومصائد السمك، ومعاصر الشيرج والزيت، والزكاة، والجوالي، والمواريث الحشرية، والثغور، والمتجر، والشب والنطرون، والحبس الجيشي، ودار الضرب، ودار العيار، والجاموس، والمركب، ومقرر الجسور. وتعددت المكوس التي اقطعت وشملت احيانا معظم الضرائب في الدولة، اما اشهرها فكانت: ساحل الغلّلة، ومقررات: السجون والحوائص والفراريج والمشاعلية (تنظيف الاقنية)، ونصف السمسرة، ورسوم الولاية، وضمان المزر[130] والافراح والمغاني لأن المغنيات والنادبات اعتبرن موظفات ُسجلت اساؤهن عند ضامن هذا المكس لأنه توجب على المغنية والنادبة دفع مبلغ معيّن عن كل حفلة تؤديها[131]. وضرائب المراعي وصدقات الماشية[132]، وما يتحصّل على النقود من دار الضرب. ما يعني ان الطبقة العسكرية شبه احتكرت هذا القطاع؛ اذ وزّعت الاراضي وما تبعها من ضرائب على اربع وعشرين قيراطا، واستقرّت حصة السلطان منها في الروك الناصري عام1313- 1315 على عشرة قراريط، ونصيب الامراء والاجناد جميعهم اربعة عشر قيراطا [133]. واعتبر بعض العربان في مصر وبلاد الشام من ضمن اجناد الحلقة اي انهم حصلوا على اقطاعات لقاء بعض المهام الامنية والادارية[134].

     عمليا اعترضت الزارعة المملوكية عقبات متعددة تأتت عن سوء تطبيق النظام الاقطاعي، ولعل هذا السوء نتج عن الفساد الذي بدأ ينخر ادارات الدولة بعيد وفاة السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ثم استشرى في العهد الجركسي. ويمكن تحديد ابرز المصاعب  التي واجهته ب :

1 – سوء سلوك المقطعين: كان الاقطاع مخصصا للوظيفة، وبالتالي لم يكن وراثيا، وبما ان الوظيفة ما كان مضمون استمرارها بيد شاغلها، عمد  المقطع الى استنزاف المال من اقطاعه من دون التبصر بالوسيلة الناجعة. وكان لعدم سكنه في اقطاعه مساوئ كثيرة تأتت عن ممارسات مندوبيه في رعاية شؤون املاكه المؤقتة، اذ كانوا يتوسلون شتى انواع الظلم لإستخراج ما افترضوه حقا لسادتهم، اضافة الى عائدات اختصوا هم بها[135].

2 – قلة روْك الاراضي: ان روك الاراضي يعني استردادها من شاغليها واعادة توزيعها مجددا، بنسبة ملحوظة من العدالة. ولم ترك الاراضي المملوكية سوى مرتين عام 1298، وسنة 1313-1315. وكان الروك في بعض وجوهه يؤدي الى استصلاح الاراضي، واصلاح منشآت الري، كما الى عرض الجيش لمعرفة الصالح للخدمة وتسريح اصحاب العاهات والعاجزين[136]. وفي بداية عهد كل سلطان كانت تتم عملية الاسترداد الجزئي مكافأة للانصار واقتصاصا من الخصوم. وقد جعلت كثرة الانقلابات عهود السلاطين تتوالى بسرعة، وبالتالي تزايدت المناقلات الاقطاعية الامر الذي كان يجعل الفلاح يخضع لأكثر من سيد اقطاعي في السنة الواحد احيانا، ويؤدي ما عليه من إلتزامات اكثر من مرة في السنة الواحدة.[137]  وادت قلة الروك الى ازدياد في بوار اراضي، والى تهدم منشآت الري التي صارت، بسبب الفساد وقلة الرقابة، على عاتق الفلاحين، ما كان يزيد في بؤسهم وفي هجرتهم القرى والانخراط باعمال الشطار والزعر في المدن، وبالتالي انخفاضا في الانتاج الزراعي.

3 – المقايضات الاقطاعية: ساهم ضعف السلاطين واشتداد شكيمة المماليك السلطانية ولا سيما الجلبان منهم، اضافة الى الكوارث الطبيعية التي نجم بعضها عن عملية الفيضان زيادة او نقصانا ما كان يؤدي الى انتتشار الاوبئة والامراض التي كانت تفتك بالفلاحين كما حصل في عهد السلطان شعبان عام748/ 1348حتى اضطر الاجناد للخروج بغلمانهم لجمع محاصيلهم. ولم يكن الموسم جيدا انذاك فعدل بعض الامراء عن جني المحاصيل، وحذا الجند حذوهم فبارت الاراضي.[138] هذه الامور ادت الى ظهور المقايضات الاقطاعية، بل التنازل عنها وبيعها[139]. واستحدث المسؤولون ديوانا للبدل، وشجعوا التنازل عن الاقطاعات لقاء عمولة[140]، واضحى هذا الفساد قانونا عندما اقرّ الامير شيخو رأس نوبة النوب عام753/ 1353 ضريبة البدل في الديوان[141].

4 – تفتيت الاقطاعات ونشوء نظام الإلجاء: اعتبارا من عام715/ 1315عمل السلاطين على بعثرة اراضي المقطع بين عدة اماكن، ما جعل المقطع الصغير عاجزا عن الاشراف على كامل اقطاعه، فاضطر الى إلجاء بعضها لمن يحميها له من الغاصبين لقاء اتاوة، وهذا الحامي فرض على الفلاح ضريبة جديدة عرفت بضريبة الحماية.[142]

5 – وضع الفلاح: ولعل الوضع البائس الذي عاشه الفلاح شكّل السبب الرئيسي في انحطاط النظام الاقطاعي وتاليا الزراعة. واذا كانت الطبيعة ترحمه حينا وتقسو عليه حينا آخر تبعا لدور الفيضان، فان الادارة الاقطاعية والمقطعين على حد سواء لم يرحموه ابدا. فالادارة الاقطاعية نشأت اساسا لتضبط تصرف المُقطَعين والمقطِِعين، فبعد توزيعها الاراضي على اصحابها كانت تعمد الى فحص الاراضي ليس من اجل استصلاحها بل لتقدير الخراج الصحيح عليها،[143] وكان مباشر الخراج يصدر بيانات تحدد مبدئيا العلاقة بين الفلاح والمقطع[144]. ولكن الوضع على الارض كان مختلفا؛ فالفلاح كان ضعيفا في حينا كان صاحب الاقطاع قويا بشخصه؛ فقد كان يجمع من الفلاحين مقرر الجسور لتعمير الجسور وصيانتها، ولكن ذلك ما كان يحترم في غالب الاحيان، بل كان يصرف المال على النافذين ويُلْزم الفلاحون ببناء الجسور ومنشآت الري عسفا وعلى نفقتهم الخاصة[145].

   وقد فرض المسؤولون على اهل القرية الواحدة نظام المسؤولية المشتركة فيما كان يترتب على الفلاحين من اموال؛ فكانوا يتقاسمون مصاريف اقامة الشاد في قريتهم، وان هرب احد الفلاحين كانوا يلزمون جميعهم بدفع ما يتوجب عليه.[146] وغالبا ما كان يستغل موفدو اولي الامر الظروف للإيقاع بالفلاحين، كأن يضرب البلاد غلاء او يعمّ فيها وباء، لتغريمهم ايجارا مضاعفا[147]. ولم يحاول المقطعون تقديم العون لهم بالعمل على تحسين وتطوير وسائل الانتاج واستصلاح الاراضي، انما انحصر همّهم بزيادة الضرائب والمغارم، ما ادى الى نتائج عكسية بحيث عمد الفلاحون الى هجرة الارض وتفضيل تربية الماشية عليها[148]. وزادت ببؤسهم، الى جانب ما ذكرنا، الضرائب المتعددة ومنها ضريبة المراعي، التي كانت تقطع للأمراء بحيث كان يدفع شيئا معلوما عن كل رأس تبعا لتقدير الموظفين المختصين والشهود[149]. ناهيك بالامراض والاوبئة التي كانت تفتك بهم حتى صار يتناقص عددهم باستمرار[150].

   ان كل ذلك اضافة الى الفوضى العسكرية الداخلية التي عصفت بالبلاد بعيد وفاة الناصر محمد بن قلاوون والتي استمرت حتى نهاية العهد المملوكي، ناهيك بالصراعات الخارجية وما تطلبه كل ذلك من اموال فرضت من دون وجه حق على المكلفين جعلت الانتاج الزراعي يتراجع تدريجا، بل يضعف، ما ادى الى انعكاسات خطيرة على القطاعات الاخرى.

ب – الصناعة: ان الصناعة كبقية القطاعات الاقتصادية تتأثر بالمناخ السياسي العام، وبرعاية الدولة، وبالحركية الاجتماعية. ما يعني ان رعاية القطاعات الاقتصادية تتطلب ادراكا وحكمة، وترفّعا عن الانانية الشخصية للصالح العام. ولكن هل فعلا عمل المماليك على رعاية الشؤون الاقتصادية من هذا المنظور، ام ان افتقارهم لمبدأ الوراثة والانخراط الاجتماعي مع الشعب عسّر هذا التوجه وحوّل القطاعات الاقتصادية مصادر دخل للطبقة العسكرية من دون معرفة الوسيلة الناجعة لإستمرار تدفق الاموال؟

   بديهي التذكير ان عهد المماليك مرّ بعدد من الازمات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية المتداخلة فيما بينها والمتلاحقة، بدأ من عهود ابناء الناصر محمد بن قلاوون وصولا الى قيام الدولة المملوكية الثانية وما شهدته من صراعات غير منتهية في سلطنتي برقوق الاولى والثانية، وفي عهد ابنه فرج الشديد التعثّر[151]، واستمر الامر على هذا النحو عموما حتى سقوط الدولة. هذا اضافة الى الطواعين التي ضربت البلاد مرات متوالية. وكان لإنحطاط النظام الاقطاعي التأثير المباشر والفعال على تقهقر الصناعة، وأثر القطاعان سلبا بدورهما على تطور التجارة. والجدير ذكره ان المؤرخين العرب لم يتركوا لنا الكثير من المعلومات حول الصناعة، بل نتفا متفرقة بين دفات المجلدات الكثيرة، وهي تتناول احيانا المصادرات اوالضرائب المفروضة على بعض السلع، او في كلامهم عن الاسواق والمتاجر والمحارف.

    يمكن اعتبار الصناعة المملوكية حصيلة تطور تمّ في العهدين الفاطمي والايوبي على حد تعبير المقريزي الذي يستهل كلامه على اسواق القاهرة بالحسرة والاسى لكثرة ما لحقها من خراب شاهده بام عينه وقد ادركها عامرة؛ فالاسواق التي انحطت بين اراضي اللوق وباب البحر بالمقس بلغ عددها اثنان وخمسون سوقا، كان بعضها يضم ستين حانوتا تنوعت انتاجيتها، وقس على ذلك الجهات الثلاث الباقية.[152] ويقدر عدد حوانيت اسواق القاهرة باثني عشر ألف حانوت، وقسم منها كان حانوتا ومصنعا في آن، وتنوّعت سلعها: الاقمشة، السكر، الورق، المصنوعات الجلدية والخشبية والمعدنية، الشمع، الحصر، البسط والسجاد، الزيوت، والصابون[153]

   اما اشهر الصناعات فكانت:

 1 – النسيج: كانت احدى ابرز الصناعات المملوكية، وتعددت مراكزها: في القاهرة، والاسكندرية، دمياط، دبيق، تنّيس، اسيوط، الفيوم، الدلتا، دمشق، حلب، طرابلس، صور، القدس. وقد نسجت اقمشة متنوعة ومتعددة ذات جودة عالية جدا تباهى بلبسها الملوك والامراء في اروربا والشرق الاقصى[154]. اما اشهرها فكان الكتان المطرز والمخرّم، والاقمشة الحريرية المذهبة[155]، والثياب الصوفية الجيدة[156]، والخام الملّون، والاصناف القطنية[157]، واقمشة الدمقس التي انتجتها مدن بلاد الشام.

2 – صناعة السكر: كانت من الصناعات المهمة جدا وقد درّت اموالا طائلة في بداية الامر، وظل المماليك قادرين على تصدير السكر حتى نهاية القرن الرابع عشر.[158] ومن الادلة على ازدهاره حتى ذلك التاريخ وفرة مصانع السكر وكثرة المساحات المزروعة بقصب السكر،[159] وانتشار مصانع السكر في مناطق عديدة: كالاسكندرية، وجزيرة الذهب، ودمياط، والفسطاط، والقاهرة[160]، وهناك دليل آخر هو مصادرة خمسا وعشرين معصرة سكر من احد الوزراء[161]. ومن المؤسف حقا تخريب هذه الصناعات حتى بات المماليك يستوردون السكر الاوروبي.[162]

3 – صناعة الزيوت: انتشرت اشجار الزيتون في مختلف ارجاء بلاد الشام، وكذلك معاصر الزيتون، وكثرت في مصر النباتات الزيتية كالسمسم، والكتان، واللفت، وكذلك معاصر الزيوت[163]

4 – صناعة السفن: لم تكن صناعة مزدهرة لعدة اسباب: افتقار مصر للاخشاب، والتحريمات البابوية التي فرضت على التجار الاوروبيين لمنع تزويد المماليك بالمواد الاولية لصناعة السفن[164]، ولإعتماد المماليك على الفرسان. وقد اشتهرت عدة مدن بهذه الصناعة مثل: عكا، الاسكندرية، قوص، دمياط، جزيرة المقس…[165]. ويبدو ان السفن النيلية عرفت ازدهارا ملحوظا[166]. وتأثرت هذه الصناعة بغارات الاوروربيين على المدن الساحلية حيث كانوا يتلفون السفن الجاهزة كما المواد الاولية.[167]

5- صناعة لوازم الدواب: كثرت اماكنه في القاهرة[168]، كما في المدن الشامية[169] وصنعت بعض المهاميز من الذهب او الفضة الخالصة، او من الحديد المطلي بالذهب، وكذلك صنعت حوائص مذهبة ومرصعة بالجواهر[170].

6- صناعات مختلفة: كانت صناعة الورق آخذة بالانحطاط منذ جلاء الصليبيين عن الشرق، وزاد بمشاكلها كثرة الضرائب، ومصادرة السلاطين لأصحاب مصانعها. وكانت الصناعات المعدنية مزدهرة؛ كصنع الاقلام المذهبة والمطعمة بالجواهر، والسلاسل والخواتم والقلادات الذهبية والفضية، واساور وخلاخيل النساء، وقد سيطر اليهود على معظمها[171]. وراجت ايضا صناعة الكفت، وهي عبارة عن تطعيم الاواني النحاسية بالذهب او الفضة، او نقش آيات قرآنية عليها.[172] وعرفت مصر نوعا فريدا من الصناعة هو المشربيات وكانت عبارة عن محفورات خشبية يقوم بعض ذوي المهارات بحفرها باصابع اقدامهم فتجيئ آية بالروعة والدقة والتناسق[173]، وظلت مزدهرة الى ان اغتصب قسما من اسواقها الامير جمال الدين يوسف الاستادار.[174] وكانت هناك صناعات غير معدة للتصدير كالفراء، والاقفال الخشبية، والاخفاف، والسلاح، والشمع الذي قل استعماله على اثر الازمات الاقتصادية واستعيض عنه بالسرج.[175]

   وانتظم اصحاب الحرف في نظام خاص اذ ترأس كل حرفة عريف اوشيخ[176] لمنع الغش، وشكّل في آن وسيطا بين ابناء حرفته والمسؤولين الحكوميين. وكان القضاة يعينون هؤلاء العرفاء او الشيوخ، او ينتخبهم ابناء الحرفة، وقد لعبوا دورا باستقرار الاسعار[177]، وخضعوا هم واصحاب الحرف لرقابة المحتسب.

   لكن هذه الصناعات انحطت تدريجا لأسباب متنوعة، ولعل من ابرزها: اخطاء المماليك، والعوامل الطبيعية، والنهضة الاوروبية.

   كانت اخطاء المماليك اكثر من ان تحصى، فقد بلغ جهل واهمال بعض السلاطين والامراء حدا خطيرا من عدم التحسس بالمسؤولية، فقد ضحّى بعضهم بالصالح العام لمآربه الشخصية: فتملقوا الجلبان[178] الذين حوّلوا القاهرة والمدن التي حلّوا فيها الى ساحات صراع شبه دائم بسبب خلافاتهم المستمرة مع السلطان والمسؤولين الاخرين، وكذلك بسبب خلافاتهم الشخصية غير المنتهية النابعة من انتماآتهم اذ كان كل فريق منهم وحسب الاقدمية ينتمي الى احد السلاطين، فضلا عن قتالهم للحصول على اكبر قدر من المال والنفوذ،[179] ولشراسة باخلاقهم. وزاد بالامر سوءا تراخي المسؤولين تجاههم حتى قيل فيهم:” ليس لهم صنعة الا نهب البضاعة، يتقوون على الضعيف، ويشرهون بالرغيف، وجهادهم الاخراق بالرئيس.”[180]

كان لشره السلاطين بالمال دور رئيسي في تدهور الاقتصاد، ففرضوا ضرائب استثنائية، بل صارت دائمة. وولّوا المناصب المالية لغير مستحقيها، بل للجهلة من اجل مصادرة اموالهم[181]، ومارس بعضهم احتكار بعض السلع بدءا ببرسباي الذي تجاوز احتكار الشب والنطرون الى السكر فالبهارات، وتعسّف بتنفيذها[182]. وغشّوا النقود من اجل تأمين جوامك (رواتب) المماليك، فكان ذلك من ابرز اسباب التدهور الاقتصادي، لأن النقود عصب كل عملية اقتصادية. وذا عدنا الى مؤلفات المقريزي لوجدنا نظرية كاملة للتضخم النقدي، تظهر دور غش النقود وتداعياته على الحياة الاجتماعية والاقتصادية؛ كافقار الناس، واقفال المؤسسات الحرفية والتجارية.[183]ودفعت هذه النظرية المقريزي الى ان يقيم دراسة مقارنة وتطورية بين العملات المشرقية والاوروبية المستخدمة في الشرق مظهرا الفروق لصالح الاخيرة[184]. وزادت الضرائب الاستثنائية كالطرح، والتحكير، والرمي، اضافة الى المصادرات في الضعف الاقتصادي فتدنت القدرة الشرائية للنقود، وارتفعت الاسعار بشكل فاحش[185]. وادت المصادرات الى اقفال معظم المؤسسات الاقتصادية حتى ان بعض اصحابها دفن امواله بالارض خوفا من مصادرتها[186]. وابتدع المماليك ضرائب جديدة كالمجامعة (اسبوعية) والمشاهرة فرضت على ارباب الاقتصاد[187]، ناهيك بالطرح والرمي[188].

العوامل الطبيعية: كان من ابرزها والجفاف في بلاد الشام، والفيضانات في مصر، فضلا عن الجراد والَبَرْد ما كان يؤدي الى انتشار الاوبئة، وتعطيل المواسم، وهجرة الفلاحين، والى تحول المصانع او المحترفات الى اماكن سكنية او مخازن للغلال، بعد ان يكون تهدم معظم البيوت.[189]

   هذه الاسباب العامة طالت كل المرافق والقطاعات الاقتصادية، لأنها متداخلة فيما بينها، ووجدت عوامل اخرى خاصة بكل قطاع ساهمت بانحطاطه شأن ما سذكره عن الصناعة:

  ان السلاطين الجراكسة عموما زاحموا القطاع الخاص وتفوّقوا عليه لحصولهم على المواد الاولية من مردود اقطاعاتهم، ومن الضرائب العينية التي كان يؤديها لهم المقطعون، في حين كان اصحاب الحرف يشترونها بالسعر الرائج اي الذي يحدده عملاء السلاطين، وكان دائما لصالحهم. وما كان السلاطين يوظفون ارباحهم الصناعية بتأسيس محترفات جديدة او تطوير القديمة، او ان يعيدوا فتح تلك التي كان يفلس اصحابها اما لحسابهم الخاص او بتسليف المفلسين ما يحتاجون اليه بل كانوا يصرفونها على امرائهم واجنادهم وملذاتهم.[190] ونملك ادلة قاطعة على تدهور صناعة النسيج، مثل: نتاقص عدد الانوال في الاسكندرية بين عامي798/ 1395 و 838/1434 من اربعة عشر ألف الى ثمان مائة نول[191].وقد انخفض مستوى التصدير و تم الاعتماد على الاستيراد ،[192] هذا فضلا عن تداعيات هجوم تيمورلنك على بلاد الشام. وعانت صناعة السكر انحطاطا مأسويا، بسبب مصادرة المصانع وانتقال بعضها الى كبار الامراء.[193]ويذكر بولياك: ان من اصل ثمانية وخمسين مصنعا للسكر ظلّ تسعة عشر منها تنتج في القرن الخامس عشر، وخمسة تحوّلت الى انتاج غير السكر، سبعة عشراستعملت كمساكن، وخمسة اغلقت ابوابها نهائيا، والاثنا عشر الباقية ظلّت مجهولة المصير.[194] وما كان يسمح من جهة ثانية باستحداث معصرة للسكر الا بعد ان يدفع مؤسسها مائة ألف دينار ضريبة وسمسرة، وهو مبلغ تعجيزي، ما جعل الراغبين يتحوّلون الى عملاء للمتاجر السلطانية[195]. ومن جهة ثانية فرض المماليك مكسا خاصا على الاراضي التي تزرع قصبا، وضريبة على المعاصر اسموها “زكاة الدولبة” [196]، واقاموا في كل معصرة شاد ومباشر لاستيفائها[197]. ومن الادلة على خراب معاصر، اضافة الى ما ذكرنا، السكراعتماد المماليك على تصدير الانتاج الخام الى اوروبا، واستعاض الناس عن السكر ب”النيد”[198]. وهكذا انحطت الصناعة  في العهد المملوكي بعد ان كانت لها شهرة عالمية، وانخفض الانتاج بعد ان كان يصدّر قسم منه، واستعيض عن النقص من اجل الاستهلاك المحلي  بالاستيراد.

ج – التجارة:

1 – عوامل ازدهار التجارة: تمتعت دولة المماليك بموقع استراتيجي مهم جدا؛ فكانت معظم الطرق التجارية العالمية بين الشرق والغرب تمر باراضيها، او تنتهي باحد موانئها الشديدة الاهمية[199]، نذكر منها على المتوسط: الاسكندرية، دمياط، عكا، طرابلس، بيروت، وعلى البحر الاحمر:عدن، الطور، فضلا عن موانئ متعددة على النيل[200]. وكانت شبكة طرق الداخلية او القوافل شديدة الانتظام والحماية، وتنتشر عليها المحطاط التجارية المتنوعة[201]. ومع ذلك واجهتهم مصاعب في مطلع عهدهم اثّرت على الوضع التجاري؛ كتركيز دولتهم، وابعاد الخطرين المغولي والفرنجي. ومنها ايضا اهتمام المغول بالتجارة خصوصا في عهد غازان(694-703/ 1295-1304) فأمّنوا طرقها، وقطعوا دابر قطاعها، وخففوا الضرائب على السلع[202]. وحذت دولة ارمينيا الصغرى حذوهم حتى بات “اياس” ميناؤها على المتوسط، يزخر بحركة تجارية واسعة.[203] وتلا جلاء الفرنجة عن الشرق تطبيق التحريمات البابوية بحق كل من يتجر من الاوروبيين مع المماليك[204]. لم تشكل تلك العقبات الا مرحلة آنية لأن الصراعات بين دول إلخانات فارس ادت الى انقطاع الطريق البري الآتي من وسط آسيا. وزادت غارات المماليك على مملكة ارمينيا فاضعفتها لدرجة صارت كليكيا نيابة مملوكية[205]. هذه العوامل مجتمعة، اضافة الى مساهمات المماليك حوّلت التجارة لصالحهم، ولعل ابرز ما قدّمه المماليك:

11 – التسهيلات التجارية: عمد المماليك الى تشجيع انشاء الوكالات التجارية، فاكثروا من بناء الفنادق ووزعوها على التجار الاوروبيين[206]، واهتموا بالقيساريات والخانات التي افاد منها التجار العرب والمشارقة[207]. وُسمح للاوروبيين اقامة الصلاة في فنادقهم، بل تشييد كنائس فيها[208].

12 – غنى الاسواق وتنوّعها: ساهم تنوّع الاسواق بازدهار التجارة المملوكية اذ كان هناك ثلاثة انواع من الاسواق: الموسمية، والسنوية، والمحلية. ارتبطت الاسواق الموسمية بهبوب الرياح الموسمية وهي الفترة التي كانت ترد فيها التوابل من الشرق الاقصى، وفي الوقت عينه سفن المدة الاوروبية الى الموانئ المملوكية المتوسطية[209]. وكانت الاسواق السنوية تعقد في مواسم الاعياد الدينية، ولأن الاعياد الاسلامية غير ثابتة التوقيت، صارت تعقد هذه الاسواق في اوقات شبه محددة[210]. اما لااسواق المحلية فكانت دائمة خصوصا في القاهرة ودمشق والموانئ المتوسطية.

13– ازدهار التجارة الكارمية: تعود نشأة تجار الكارم او الكارمية الى العهد الفاطمي، ومنهم من يرجعها الى العهد الايوبي، وهم تجار التوابل وغيرها من سلع الشرق الاقصى بين محيط الهندي ومصر عبر البحر الاحمر[211]. وكانت محطاتهم الكبرى في عدن، وتعز، وزبيد، ومخازنهم التجارية في قوص، ومن هذه كلها كانوا يتجهون الى القاهرة والاسكندرية ودمياط[212]. وقد رعى المماليك تجار الكارم وحموهم من تعديات حكام اليمن[213]. وازداد نفزذ الكارم  بما يتناسب مع اضطراد تجارتهم، وجنوا ثروات ضخمة تنم عن مدى ازدهار تجارتهم،[214]. ومع اسهامهم الساسي بتنشيط تجارة المماليك فان بعض السلاطين اساء اليهم او اعتبرهم كالتجار الاجانب[215].

   ان كل ذلك جعل دولة المماليك مقصد التجار من مختلف انحاء العالم، واستغل المماليك التجارة الى ابعد حدود، فازدهرت ازدهارا شديدا، ولكنهم اساءوا اليها فيما بعد، شأنهم مع القطاعات الاقتصادية الاخرى، حتى اصابها الانحطاط تدريجا.

2- اشهر الدول التي تاجرت مع المماليك: كانت الجمهوريات الايطالية البندقية، وجنوا وبيزا قد باشرت الاتجار مع المماليك منذ قيام دولتهم انما بخفر وحذر. ولكن بعد حملة بطرس الاول ملك قبرص على الاسكندرية عام768/ 1366 بمشاركة من البندقية وجنوا، هاج الشعب واحرق عددا من فنادق التجار الاجانب[216]، ما ادى الى ضعف في الحركة التجارية مع كل الجاليات الاوروبية. ثم سرعان ما ادرك المعتدون خطأهم واسترضوا السلطان، وتم عقد اتفاقيات تجارية بين الاجانب والسلطان، وخَفّضت البابوية ضغط التحريمات بضغط من الجمهوريات الايطالية خصوصا البندقية[217]. فنشطت الحركة التجارية العالمية بين اوروبا والشرق الاقصى عبر المماليك الذين احتكروا التجارة العالمية ان جاز التعبير عبر سيطرتهم على تجارة العبور(الترانزيت). وشرعت الدول تعقد الاتفاقيات التجارية مع السلاطين للحصول على ضرائب مخفّضة والاعفاء من بعضها، وحق الحصول على فنادق او خانات، واقامة جالية ثابتة، حتى بلغت استثمارات البندقية وحدها حوالى نصف مليون دينار سنويا.[218]ولم تهتم جنوا كثيرا بتجارة البهارات والافاويه لأن ذلك كان يعني مزاحمة البندقية وبالتالي الصراع بينهما، فاعتمدت على الحرير والقطن المتوفران بكثرة في موانئ الساحل اللبناني، وبلغ عدد السفن الجنوية التي وردت الى بيروت بين 1399و1408 مايتين واربع وستين سفينة[219]. وعلى رغم عداء المماليك لقطالونيا فان تجارتها في الشرق كانت مزدهرة اذ بلغ عدد سفنها التي دخلت بيروت بين 1399و1408 مايتين واربعا وعشرين سفينة[220]. واذا كانت تجارة مرسيليا لا تقارن بتجارة الجمهوريات الايطالية فانها بدأت تزدهر بعد ان خلفت بيزا في موانئ البحر الاسود وفي الديار المملوكية، فقد استجاب السلطان برسباي لطلب سفارتها واعتبر الافرنتي نقدا رسميا، ومنحها فندقا[221]. وكانت تجارة كل من مرسيليا، وبرشلونة، ونابولي محدودة لأنها كانت تنقصها اسواق التصريف في اوروبا  ومع ذلك فقد كان للفرنسيين ثلاثة فنادق في الاسكندرية[222]

   وقد  تأثرت التجارة بالاوضاع السياسية والعسكرية وبغش النقد. وتواجهنا مشكلة اساسية في دراسة تطور التجارية تتمثل بافتقارنا للجداول التي تبيّن الحركة التجارية، والمؤسف ان مصادرنا العربية تحجم عن اعطاء جداول وارقام. في حين ان المراجع الاجنبية، التي اعتمدت على الارشيفات الايطالية لا تعطي الكثير من الارقام، التي تزخر بها الارشيفات الايطالية، وهي مدونة باللغة الايطالية القديمة ما يجعل دراسة البيانات عملية عسيرة

3- انحطاط التجارة: بدأت التجارة بالازدهار منذ اواسط القرن الرابع عشر وبلغت اعلى مستوياتها في اواخره ومطلع القرن الخامس عشر. ثم بدأت بالتراجع من دون ان تتقهقر لاسباب كثيرة من ابرزها الاسباب الرئيسة العامة التي ادت الى تدهور الاقتصاد المملوكي مضافا اليها عوامل اخرى لا تقل عنها اهمية، ولعل من اهمها:

 القرصنة الاوروبية: مارس بعض الاوروبيين القرصنة على السفن التجارية التابعة اما الى لدولة المماليك مباشرة، او السفن الاسلامية التي كانت تنقل سلعا الى الموانئ المملوكية. كما مارس بعض تجار الدول الاوروبية القرصنة بعضهم على البعض الآخر[223].

الاحتكارات السلطانية: منذ منتصف القرن8/15 تحوّلت التجارة الى شبه احتكار سلطاني، وشبه انعدمت المنافسة الحرة بين التجار الذين ارهقوا بالضرائب الاستثنائية والمصادرات المتعددة. اذ صارت مراكز الجمارك المتعددة في عيذاب، والقصير، والطور، والسويس بل في كل مركز جمركي اونقطة عبور تستوفى الضريبة عينها على السلعة نفسها قبل وصولها الى الاسكندرية او دمياط، او بيروت، او طرابلس. ودُفعت الضرائب ايضا في بدر، وحنين والطائف، وبويب، والقصبة، الخاضعة للسيطرة المملوكية. هذا عدا عن الضرائب المستحدثة التي كانت يدفعها التجار بوصول السلع الى الموانئ وتحديدا في اماكن التصدير. فارتفعت الضرائب بشكل مخيف، فعوضا عن العشر صار يدفع الخمس،[224] ما جعل سعر السلعة القادمة من الهند لصالح التاجر العادي، اي الذي غير العامل لدى المتجر السلطاني، يرتفع الى ثلاثة او اربعة اضعاف ثمنها الاصلي. ويفّصل هايد كل ذلك محددا قيمة الضريبة في جدة بعشرة بالمائة، عدا عن جور وعسف عمال السلطان ما كان يرفع نسبتها الى 15%، ثم تدفع عنها القيمة عينها في الطور، وفي القاهرة[225]. وما كان يحق للتجار الاوروبيين شراء سلع الشرق الاقصى الا من الاسكندرية او دمياط في مصر، لذلك كانوا يدفعون جميع تلك الضرائب البالغة خمسة وسبعين بالمائة، عدا عن عشرة بالمائة عند مغادرة التجار الميناء، ناهيك بضريبة السمسرة والشحن. لذلك اعتبر كل من هايد وصبحي لبيب ان المماليك كانوا يجنون حمولة سفينة كاملة من الضرائب المفروضة على كل اربعة سفن[226]. ويذهب هايد ابعد من ذلك اذ يعتبر ان التاجر الشرقي كان يرسل بضائع من الهند بقيمة عشرة آلاف دينار، وبعد مرورها في الموانئ ومراكز الجمارك المملوكية في البحر او البر وصولا الى الاسكندري تصبح قيمتها ثلاثين ألف دينار.[227] وضبطا لعملية الضرائب استخدم المماليك جوازات المرور بحيث كان يتم تسجيل اسماء جميع المسافرين ومعرفة تاريخ دخولهم وخروجهم. فجنى السلاطين ارباحا طائلة من تجارة العبور، ولكن اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح، ووصولهم بحرا الى الهند حيث دمّروا المراكز التجارية المملوكية، بل مراكز التجار المشارقة، ومن ثم سدوا مداخل البحر الاحمر باساطيلهم بعد ان قضوا على الاسطول المملوكي[228]. هذا اضافة الى احتكارالمماليك مع التجار البنادقة التجارة العالمية ادى بالنهاية ليسس الى انحطاط تجارتهم فحسب، بل الى سقوط دولتهم.

     ان المماليك الذين استمر جلبهم الى مصر مدى العصر المملوكي لم يستطعوا فهم عقلية المجتمعات الشرقية، ولا تركيب بناها الاجتماعية، ولا حاولوا هم الاندماج في هذا المجتمع بل عاشوا ابدا طبقة مميزة بعيدة عن مآسي الشعب، ومن دون ان يدركوا، او ربما ادركوا ولم يبالوا، وطأة المظالم التي كانوا ينزلونها به، فصار المجتمع مجتمعات متجانسة داخليا، ومتناقضة خارجيا. سادتها انواع المظالم الاقتصادية والسياسية والادارية، وافتقرت الى الامن. حتى ان المماليك حاولوا تطويع رجال الدين واستخدامهم لتحقيق مآربهم، وان نجحوا نسبيا من خلال الرشوة في المناصب خصوصا الرفيعة الشأن، فانهم فشلوا في حمل كل رجال الدين على مجاراتهم، حتى بات بعضهم الرقيب الفعلي على تصرفات الطبقة العسكرية الحاكمة. وانعكس سوء ادارة المماليك على المستويات السياسية والامنية والادارية اضافة الى النوازل الطبيعية تدهورا في الاحوال الاقتصادية؛ فبدأت الزراعة بالانحطاط متأثرة بالمساوئ التي نخرت النظام الاقطاعي العسكري المملوكي. اذ عمد المماليك سلاطين وامراء واجنادا الى استنزاف طاقات الفلاحين الاقتصادية من دون التبصّر بواقع الاحوال، ما ادى الى هجرة قسم من الفلاحين الى المدن حيث انخرطوا بمنظمات السوء المتنوعة. وتأثرت الصناعة بنيويا باحوال الزراعة، وبتطور الحركة الصناعية في اوروبا وبجمودها في الشرق عموما وفي دولة المماليك خصوصا. وانعكس وضع القطاعين المذكورين على التجارة التي تحول قسم كبير منها الى احتكارات حكومية. كما تحوّلت التجارة العالمية الى احتكار مملوكي بندقي ارهق الاسواق العالمية واضعف حركتها التجارية بسبب الارتفاع المخيف لأسعار السلع ارضاء لطمع المماليك وشركائهم البنادقة. الامر الذي ادى الى سقوط دولة المماليك. وليس ادل على جهلهم للبعد الاجتماعي والانخراط في المجتمع والدفاع عنه تجاه الاخطار الخارجية سوى مواقفهم المتخاذلة في مرج دابق 1516، وخصوصا في الريدانية عام 1517، وموقف الشعب الذي كان مؤيدا العثمانيين وكاراه المماليك.

                                                              الدكتور انطوان خليل ضومط

                                   مصادر البحث ومراجعه

اولا المصادر العربية:

*ابن ابي اصيبعة،احمد بن القاسم،عيون الانباء في طبقات الاطباء، تحقيق اوغست مللر ،القاهرة ،1822

*ابن اياس، ابو البركات محمد بن احمد، بدائع الزهور في وقائع الدهور،بولاق ،1311ه، ج1 والاجزاء الا ربعة الاخرى تحقيق، محمد مصطفى زيادة، القاهرة، 1960

* ابن بطوطة، محمد بن عبد الله، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار، جزءان، المطبعة الاهلية، باريس،1874-1879.

* ابن تغري بردي،جمال الدين يوسف ابو المحاسن، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الاجزاء5-12 طبعة دار الكتب ،القاهرة،1930-1956، ج14 تحقيق جمال محرز وفهيم شلتون، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972، ج16 تحقيق جمال الدين الشيال وفهيم شلتون، الهيئة المصرية العامة، 1972 

*ابن جبير، ابو الحسين محمد  بن احمد، رحلة ابن جبير، دار صادر بيروت،1961.

*ابن جماعة،بدر الدين محمد، تذكرة السامع والمتكلم في آداب العلم والمتعلم، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر اباد الدكن،1353ه.

*ابن الشحنة، محمد كمال الدين، الدر المنخب في تاريخ مملكة حلب، دار الكاتب العربي، سوريا، 1986

*ابن الصيرفي، علي بن داوود، نزهة النفوس والابدان في تواريخ الزمان، 3 اجزاء، تحقيق حسن حبشي، القاهرة، 1974

*ابن طولون، شمس الدين محمد،-  مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، نشر محمد مصطفى زيادة،القاهرة، 1962-1964، ج1

-اعلام الورى بمن ولي من الاتراك بدمشق الشام الكبرى،تحقيق محمد احمد دهمان،دار الفكر ،دمشق،1984.

– نقد الطالب لزغل المناصب، حققه محمد احمد دهمان وخالد محمد دهمان، دار الفكر المعاصر بيروت،1992.

الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء  الشام، تحقيق صلاح الدين المنجد، دمشق، 1956.

11 القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، تحقيق محمد احمد دهمان، دمشق ،198.

*ابن كثير،عماد الدين اسماعيل، البداية والنهاية في التاريخ، مكتبة المعارف، بيروت،1966

*ابن كنان،محمد بن عيسى، – المواكب الاسلامية في الممالك والمحاسن الشامية، جزءان، تحقيق حكمت اسماعيل، وزارة الثقافة، دمشق، 1993

حدائق الياسمين في ذكر قوانين الخلفاء والسلاطين، تحقيق عباس صباغ، دار النفائس، بيروت، 1991

*ابن الفرات، محمد بن عبد الرحيم، تاريخ الدول والملوك، تحقيق قسطنطين زريق ونجلاء عز الدين، المطبعة الاميركية، بيروت، 1936-1938، ج9

*ابن قاضي شهبة، ابو بكر بن احمد، تاريخ ابن قاضي شهبة، تحقيق عدنان درويش، المعهد الفرنسي، دمشق، 1977،ج2

*ابن المبرّد، يوسف بن عبد الهادي، ” نزهة الآفاق في حالة الاسواق “، نشره حبيب الزيات، مجلة المشرق، بيروت، 1939

*ابو الفدا، اسماعيل بن علي، تقويم البلدان، باريس، 1840 

*البدري، ابو البقاء عبد الله، نزهة الانام في محاسن الشام، القاهرة،1341ه.

*البصروي، علاء الدين علي بن يوسف الدمشقي، تاريخ البصروي، تحقيق اكرم العلبي ، دار المأمون للتراث، دمشق ، 1988.

* الخالدي، مجهول الاسم الاول، المقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا، مخطوط حققه خليل شحادة، اطروحة دكتوراه غير منشورة باشراف الاب الدكتور جان فييه ،جامعة القديس يوسف، بيروت، 1988.

* الدينوري، نصر بن يعقوب، التعبير في الرؤية، مخطوط في متحف بغداد،رقم 598.

*السبكي،تاج الدين علي، معيد النعم مبيد النقم، دار الحداثة، بيروت،1983.

*الصفدي، صلاح الدين خليل بن ايبك، تحفة ذوي الالباب، وزارة الثقافة، دمشق، 1991.

* الصولي،محمد بن يحي، اخبار الراضي بالله والمتقي بالله، مطبعة الصاوي، مصر،دون تاريخ.

* الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1960-1969. الجزء الثامن

*الظاهري،خليل بن شاهين،زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، اعتنى بتصحيحه بولس راويس، المطبعة الجمهورية، باريس، 1891.

*لبيب، صبحي، ” التجارة الكارمية وتجارة مصر في العصور الوسطى” المجلة التاريخية المصرية للدراسات التاريخية، مايو 1952، العدد الثاني، المجاد الرابع

*العصامي، عبد الملك بن حسين، سمط النجوم العوالي في انباء الاوائل والتوالي، ج4، المطبعة السلفية، القاهرة، 1380ه.

*العمري،ابن فضل الله،- مسالك الابصار في ممالك الامصار، تحقيق دوروتيا كراوفولسكي ،المركز الاسلامي للبحوث، بيروت، 1986.

– التعريف بالمصطلح الشريف، مطبعة العاصمة، بمصر، 1894

القلقشندي، ابو العباس احمد، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، 14جزءا، القاهرة 1913 *المقريزي، تقي الدين احمد بن علي- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار،بولاق،1270ه جزءان

– السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد مصطفى زيادة، دار الكتب، القاهرة ،1934-1936، 4 1جزاء

– اغاثة الامة بكشف الغمّة ، تحقيق محمد مصطفى زيادة، وجمال الدين الشيّال، القاهرة،1940

*النعيمي، محي الدين عبد القادر محمد، الدارس في تاريخ المدارس، مطبعة الترقي، دمشق،1948.

*النويري، شهاب الدين احمد، نهاية الارب في فنون الادب، دار الكاتب المصري، القاهرة، 1929، ج8

     المراجع العربية

*بولياك، أ. ن.، الاقطاعية في مصر وسوريا ولبنان، ترجة عاطف كرم، منشورات وزارة التربية والفنون الجميلة، بيروت، 1949

*البيومي، اسماعيل، النظم المالية في مصر والشام زمن سلاطين المماليك، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998.

*حطيط، احمد، قضايا من تاريخ المماليك السياسي، الفرات للنشر والتوزيع، بيروت،2003

*الدوري، عبد العزيز، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، دار الطليعة، بيروت، 1978

*الربيع، محمد سليمان، النفقات المالية في دولة المماليك الجراكسة، رسالة دبلوم غير منشورة، باشراف الدكتور احمد حطيط، الجامعة اللبنانية، بيروت، 2001

*عاشور، سعيد عبد الفتاح، بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى، دار الاحدب البحيري، بيروت، 1977

*العلبي،اكرم، دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق،1986

*سوفاجيه، جان، دمشق، نقله الى العربية فؤاد افرام البستاني، حققه اكرم العلبي،دار الوارف، دمشق، 1989.

*زيادة، نقولا، دمشق في عصر المماليك، مؤسسة فرانكلن للطباعة والنشر، بيروت-نيويورك،1966.

*سعد، فهمي، العامة في بغداد في القرنين 3و4 الهجريين، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت

1983

*ضومط،(انطوان)، – الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، دار الحداثة، ط1، بيروت،1981

-” دمشق الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية”، ضمن كتاب المؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام، دمشق 10-12 تشرين الثاني-نوفمبر 2001

*ضومط، انطوان، وآخرون، الشرق العربي في القرون الوسطى، الجامعية للنشر، بيروت، 1996

*الطرخان، ابراهيم علي، – النظم الاقطاعية في الشرق الاوسط في العصور الوسطى، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1968

  • مصر في عصر دولة المماليك الجراكسة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1960

*فهمي، نعيم زكي، طرق التجارة الدولية ومحطاطها بين الشرق والغرب، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، 1973

*فييت، غاستون، القاهرة مدينة الفن والتجارة، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، بيروت-نيويورك، 1968

*القطار، الياس، نيابة طرابلس في عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1998

*كرد علي،(محمد)، خطط الشام، مطبعة الترقي دمشق، 1927.

*كيال،( منير)، الحمامات الدمشقية، مطابع ابن خلدون، دمشق، 1986

*غاوبه، هانس، “المدينة الشرقية-الاسلامية وسكانها”، في كتاب الآثار السورية، باشراف عفيف البهنسي، ترجمة نايف بللوز، فيّنا، 1985

*اليوزبكي، توفيق سلطان، تاريخ تجارة مصر في العصر المملوكي، جامعة الموصل، دار الطباعة والنشر، 1975

*لابيدوس،(ايرا مارفين)، مدن الشام في عصر المماليك، نقله الى العربية سهيل زكار، دار حسان، دمشق، 1985.

*نصار،(اندريه)، العامة بدمشق المملوكية،رسالة دبلوم دراسات عليا غير منشورة باشراف الدكتور انطوان ضومط، الجامعة اللبنانية، كلية الآداب، الفرع الثاني -الفنار، 1997

                                      Bibliographies

*Abdel-Nour , A, Introduction à l’histoire urbaine de la Syrie ottomane, publication Université Libanaise, Beyrout, 1982

*Ashtor,E., – Histoires des Prix et des Salaires dans l,Orient Medieval , Ecole pratique des Hautes Etudes, Paris , 1959

– “Venitian supremacy in the Levantine trade or procolonisation”, Journal of European Economic History, III ,(Rome 1974), pp.5-53

*Ayalon,D,” The Muslim City ahd the Mamluk aristocacy”,Proceeding of the  Israel Academy of Sciences and Humanities,2(Jerusalem 1968),pp. 311-329

*Clerget,M, Le Caire étude de géographie urbaine et d’histoire économique, le Caire, 1930

Depping, G,B, Histoire du commerce entre le Levant et l’Europ depuis les Croisades jusqu’à la fondation des colonies d’Amérique, tI et II, Paris, 1865

*Divers historiens et archeologues, Precis d’Histoire d’Egypte ,Institut francais d’archéologie orientale du Caire, , 1932.

*Demombine,M.G.,La Syrie à l’époque des Mamlouk d’après les auteurs arabes, Paris,1923

*Goiten, – “The main industries of the mediterraean area as reflected in the rectds of the Cairo Geneza”, JESHO  ,IV, part II, 1961

  • A Mediterranean society, Economic fondation, press Berkeley and Los Angelos, California, 1967

Heers,J, Gêne au XV siècle, Paris, 1961

*Heyd,W, histoire du Commerce du Levant au Moyen-Age,2 tomes,Leipzig, 1885-1886

*Lapidus,  I ,” Muslim cities and islamic societies “in Middle Eastern cities, Harvard,1967

*Poliak, A,N, “les révoltes populaires en Egypte à l’époque Mamlouk et, le leurs causes éconpmiques” R.E.I., 8,(1934),pp.251-273

*Wiet,G, L’Egypte arabe de la conquète arabe à conquète  la conquète musulmane Le Caire, 1937


[1]  – هذه الابواب هي بالتسلسل من الجنوب الى الشرق فالشمال فالغرب:الباب الصغير، باب كيسان، الشرقي، توما، السلامة، الفراديس ، الفرج، الحديد، الجناز، والجابية، انظر:ابن طولون ( محمد بن علي )، الشمعة المضية في اخبار القلعة الدمشقية ، مطبعة الترقي ، دمشق ، ص 17 ؛ ابن بطوطة ( محمد بن ابراهيم ) ، رحلة ابن بطوطة ،دار صادر ، بيروت ، 1960 ، ص 97؛

البدري ( ابو البقاء عبد الله )، نزهة الانام في محاسن الشام ، القاهرة ، 1341 ه.، ص 25-28 ؛  العلبي ( اكرم حسن )، دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين ، الشركة المتحدة للتوزيع ، دمشق ،ص 49-50

[2] – المقريزي،(تقي الدين احمد)، المواعظ والاعتباربذكر الخطط والآثار، دار صادر، بيروت، دون تاريخ، ج1، ص 373

[3] – المقريزي، خطط، ج1، ص361

[4] – المقريز، خطط، ج1، ص362

[5] – ابن كنان( محمد بن عيسى)، المواكب الاسلامية في الممالك والمحاسن الشامية، تحقيق حكمت اسماعيل، وزارة الثقافة ، دمشق، 1993، ج1، ص211-212

[6] – المقريزي، خطط، ج1، ص380-382

[7] – القطار، نيابة طرابلس في عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1998، ص 546

[8]  – المقريزي، خطط، ج1، ص373

[9]  – القطار(الياس)، نيابة طرابلس، ص 546

– نصار ( اندريه طانيوس ) ، العامة بدمشق المملوكية ، رسالة دبلوم دراسات عليا غير منشورة ،الجامعة اللبنانية ،كلية الاداب ،الفرع الثاني – الفنار- ،ص 22 .

[10] – مفردها محلة وهي حي ينفتح على ازقة ضيقة تعرف بالحارات

[11] – لابيدوس ( ايرا مارفين )، مدن الشام في عصر المماليك ، نقله الى العربية سهيل زكار، دار حسان، دمثق، 1985 ، ص 81 .

[12] – لابيدوس ، المرجع السابق ، ص 142

[13]  – المقريزي، خطط، ج1، ص 373-377

[14] – المقريزي، خطط، ج1، ص373

[15] – غاوبة(هانس) المدينة الشرقية-الاسلامية وسكانها، في كتاب الاثار السورية، باشراف عفيف البهنسي، ترجمة نايف بللوز، فينا، 1985، ص 307

[16] – المقريزي، خطط، ج1، ص373-376

[17] –  المصدر السابق ، ج1، ص374

[18] – المكان نفسه

[19] – القطار، نيابة، ص546

[20] – المكان نفسه

[21]  ضومط( انطوان)،” دمشق-الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية “، ضمن كتاب المؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام، 10-12تشرين الثاني-نوفمبر 2001، جامعة دمشق، ،2001 ص390

[22] – ابن المبرّد، (يوسف بن عبد الهادي)، نزهة الآفاق عن حالة الاسواق، نشره حبيب الزيات،مجلة المشرق، بيروت، 1939، ص18 وما بعد                                                                                                                                                                      

[23] –  المقريزي، خطط، ج1، ص373-377، وج2، ص106-107

[24]  – انظر على سبيل المثال:

Abdel-Nour , A, Introduction à l’histoire urbaine de la Syrie ottomane, publication de l’Université Libanaise, Beyrouth. 1982; Lapidus, I,” Muslim cities and islamic societies “ in Middle Eastern cities, Harvard, 1967

[25] – لابيدوس، مدن، ص142

[26] – لابيدوس، مدن، ص142-143

[27] –  القطار،نيابة طرابلس، ص548

[28] –  النعيمي ( محمد بن عبد القادر)، الدارس في تاريخ المدارس، دار الكتب العلمية بيروت، 1990، ج2، ص244، ومفاكهة، ج1، ص124

[29]  – المقريزي، خطط، ج2، ص16والامثلة على ذلك كثيرة.

[30] – المقريزي، خطط، ج1، ص373

[31] – لابيدوس، مدن، ص 143

[32] – كيّال (منير)، الحمامات الدمشقية، وزارة الارشاد القومي، دمشق، 1966، ص212

[33] – غاوبه، المدينة، ص307

[34] – الكيال، حمامات، ص 212 ، وغاوبه، المدينة، ص307

[35] – الكيال، حمامات، 212

[36] – غاوبه، المدينة، ص 307

[37] – نصّار، العامة، ص22

[38]  – القطار، نيابة، ص557

[39] – الرمي هو ان ترمى على حارة ما مبالغ من المال لصالح السلطان او نائبه في النيابة، او لإقتراف احد ابناء المحلة جريمة، او اتهامها بالجريمة، وهي فتاوى انتزعها المماليك من بعض رجال الدين، انظر ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص 227، 249، 309، 363، 366…

[40] – المقريزي،(تقي الدين احمد)، اغاثة الامة بكشف الغمّة، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال، القاهرة، 1940، ص72-73

[41] – زيادة، دمشق، ص131

[42] – ابن جبير،( محمد بن احمد)، الرحلة، دار صادر، بيروت، 1980، ص 257؛ – ابن بطوطة، تحفة النظار، ج1، ص63

[43] – ضومط(انطوان) وآخرون، الشرق العربي في القرون الوسطى، الدار الجامعية للنشر، بيروت، 1996، ص135، 137-138، 182-183220-221، 279-284…

[44] – العمري، ابن فضل الله، مسالك الابصار في مسالك الامصار، تحقيق دوروتيا كرافولسكي، المركز الاسلامي للبحوث، بيروت، 1986 ص 117-119 ؛ القلقشندي، ابو العباس احمد، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، القاهرة، 1919-1922، ج4، ص19- 20؛ المقريزي،خطط، ج2، ص219،222

[45] – العمري مسالك، ص 117-119؛ القلقشندي، صبح، ج4، ص19-20 ؛ المقريزي، خطط، ج2، ص 219، 222 ؛ ضومط، الدولة المملوكية، ص67-73

[46] – انظر حول تركيب الجيش المملوكي ولا سيما الاجناد:القلقشندي، صبح، ج3، ص15-16، 347–348، 435، وج4، ص472؛ المقريزي، سلوك، ج3، ق3، ص982، وخطط، ج2، ص 215-216؛ الظاهري،(خليل بن شاهين)،زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، اعتنى بتصحيحه بولس راويس، باريس، المطبعة الجمهورية، 1891، ص115-116،

[47] – العمري،(ابن فضل الله)، التعريف بالمصطلح الشريف، مطبعة العاصمة بمصر، 1894، ص84 ؛ القلقشندي، صبح، ج4، ص184؛ الخالدي،(مجهول الاسم الاول، المقصد الرفيع المنشأ الهادي لديوان الانشاء، مخطوط حققه خليل شحادة، اطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة القديس يوسف، بيروت، 1988، ص272

[48] –  ابن طولون، اعلام الورى، ص82، 186

[49] -الخالدي، المقصد، ص273 ؛ ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص224

[50] – لن ادخل بتفاصيل صلاحيات نائب السلطان كلها، ولمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع انظر: العمري، مسالك، ص115

– القلقشندي، ج9، ص253، 259

[51] – لمزيد من الاطلاع ،انظر: السبكي،تاج الدين عبد الوهاب، معيد النعم مبيد النقم، دار الحداثة، بيروت، 1983، ص23؛ القلقشندي، صبح، ج13، ص124، 194، 197؛ ابن طولون، اعلام، ص59، 61، 70، 83، 115….؛ المقريزي، سلوك، ج4، ق1، ص136-137

[52] – الظاهري، زبدة، ص113 ؛ القلقشندي، صبح، ج4، ص13-14؛ الخالدي، 272

 [53]  – نخص منهم:امير حاجب وهو مقدم ألف، ويلي نائب دمشق رتبة وينوب عنه اثناء غيابه، واستادار، ونقيب الجيش، والمهمندار، وشاد المهمات، ووالي الشرطة، انظر: الظاهري، زبدة، ص113 ؛ القلقشندي، صبح، ج4، ص185 ؛ الخالدي، ص272 ؛ ابن كنان، المواكب، ج2، ص12

[54] – القلقشندي، صبح، ج9، ص253 ؛ المقريزي السلوك، ج4، ق1، ص422، 452

[55] –  ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص50، 155ن 157، 164…

[56] – انظر ادناه الحياة الاقتصادية

[57] –  توفي الامير سلار تاركا كنوزا مذهلة خمسة وعشرين رطلا احجار كريمة من زمرد وياقوت، وثلاث مائة قطعة ألماس، ومائة وخمسين حبة لؤلؤ كبيرة زنة الواحدة منها مثقالا، ومائتي ألف دينار ذهب عين، واربع مائة ألف دينار من الفضة، واربعة قناطير من المصاغ الذهبي، عدا عن الخيل و غيرها من الماشية؛ ويزعم ابن اياس ان دخله اليومي بلغ من اقطاعاته وحماياته مائة ألف دينار[57]. وبلغت قيمة اموال نائب الشام التي صادرها السلطان الناصر محمد بن قلاوون ( 1309 _  1340م.) حوالى المليون ونصف المليون من الدنانير الذهبية ؛ ابن تغري بردي، جمال الدين يوسف، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، دار الكتب، القاهرة، 1930-1956 ج9، ص153 ؛ ابن اياس، محمد بن احمد، بدائع الزهور في وقائع الدهور، القاهرة، 1961 ج1، ص156

[58]. ووزع الامير قوصون، الذي عين نائبا على الشام ، النفقة على الامراء على غرار السلاطين منها ثمانين جارية، واثني عشر ألف اردب غلة، وكثيرا من الذهب و الجواهر، ولكثرة عطاءاته توجس السلطان منه خيفة فاوقع به، وصادر له العامة اربع مائة ألف دينار ذهب عين، وعددا كبيرا من الكلفتاه المزركش والاواني الفضية والذهبية، فضلا عن ثلاثة اكياس اطلس كبيرة مليئة بالجواهر قدرت بمائة ألف دينار[58].وقد احصي ما تركه ” تنكز ” نائب الشام فبلغ مليونين وسبع مئة ألف دينار، وسبع مائة وثلاثين ألف درهم فضي فضلا عن المجوهرات – ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص6-8، 44

[59] – العلبي، دمشق، ص145

[60] – القلقشندي،  صبح الاعشى ، ج4، ص472

[61] – خرق هذا الشرط احيانا قليلة عندما كان ينعم بعض السلاطين على اولادهم وابناء الامراء بالأمرة، انظر: ابن تغري بردي، نجوم ج9، ص99-100، وابن اياس، ، بدائع ، ج1، ص225، وج2، ص5

[62] – Ayalon, D,” the Muslim City and the Mumluk Military Aristicracy”, proceeding of the Academy of Sciences and Humanities, 2 ,Jerusalem, 1968, p323

[63] – ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص51-52

[64] – ضومط،(انطوان)، الدولة المملوكية، التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، ط1، دار الحداثة، بيروت، 1980، ص86

[65] – Ayalon, Muslim city, p323

[66] – Ayalon, Muslim city, p323

[67] – القلقشندي، صبح، ج4، ص40-41 ؛  المقريزي، خطط، ج2، ص98

[68] – ضومط، الدولة المملوكية، ص88

[69] – القلقشندي، صبح، ج4، ص310-312 ؛ – المقريزي،خطط، ج1، ص357-358

[70] – القلقشندي، صبح، ج4، ص50-51، وج3، 458، وج6، ص158، انظر فصل الوضع الاقتصادي ؛ المقريزي، خطط، ج1، ص87، 90 ؛ ابن تغري بردي، نجوم، ج8، ص52؛ ابن اياس، بدائع، ج1، ص90

[71] – القلقشندي، صبح، ج4، ص234

[72] – القلقشندي، صبح ج4، ص34-36

[73] – المقريزي، سلوك، ج2، ق2، ص439-443

[74][74] – يروي المقريزي ان السلطان المؤيد الشيخ عقد مجلسا لقضاة القضاة الاربعة في مصر ومشليخ العلوم، وسأل فيه قاضي قضاة الحنابلة قاضي قضاة الشافعية عن اربع مسائل وهو يجيبه، فيقول له الاول اخطأت من دون ان يكون مخطئا، وتدخل قاضي قضاة الحنفية لصالح الحنبلي وراح يشتم الهروي قاضي قضاة الشافعية ثم قال:” يا مولانا السلطان اشهدك على اني حجرت عليه الا يفتي.” ويعلّق  المفريزي على ذلك قائلاً:” فكان مجلسا بغاية القبح، من اهانة الهروي وبهدلته.”  سلوك، ج4، ق1، ص479-485

[75] – المقريزي، سلوك، جج3، ق3، ص1073، 1168، ابن طولون (شمس الدين محمد)، الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء الشام، تحقيق صلاح الدين المنجد، دمشق، 1956، ص130، 165، 219، 255؛ ابن طولون، (شمس الدين محمد)، نقد الطالب لزغل المناصب، تحقيق محمد احمد دهمان، وخالد دهمان، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1992، ص45

[76] – ابن طولون، الثغر البسام، ص128، 130

[77] – ابن طولون، الثغر البسام، ص155 ولمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع، انظر: نصار، العامة، ص354-355

[78] – البصروي،(علي بن يوسف)، تاريخ البصروي، تحقيق اكرم العلبي، دار المأمون للتراث، دمشق، 1988، ص41، 43، 85، 86

– ابن طولون، الثغر، ص124-125، 160، 164، 180…

[79] – الامثلة كثيرة على هذا الموضوع سنذكرها في مكانها المناسب اي بالعلاقة بين العامة والسلطة المملوكية، وانظر على سبيل المثال فقط: ابن طولون، مفاكهة، ج1، 158، 160، 162…

[80] –  القلقشندي، صبح، ج4، ص193

[81] – القلقشندي، صبح، ج4، ص193، الخالدي، المقصد، ص273

[82] – المقريزي، سلوك، ج4، ق1، ص11

[83] – ضومط،(انطوان)،” دمشق الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية”، ضمن كتاب المؤتمر الدولي السادس لتاريخ بلاد الشام، 10-12 تشرين الثاني- نوفمبر،( ص384-434) ص404-405

[84] – المقريزي، سلوك، ج3، ق2ن ص949، ابن تغري بردي،  نجوم، ج12، 86

[85] – العصامي،( عبد الملك بن حسين)، سمط النجوم العوالي في انباء الاوائل والتوالي، 4اجزاء، المطبعة السلفية، القاهرة، 1380ه، ج4، ص 44 . وانظر حول رواتب الطلبة: سلوك، ج4، ق1، 78، وبدائع الزهور، ج1، ق2، ص791، وج3، ص329

[86] – انظر هذ التفاوت عند:ابن شداد،(عز الدين محمد)، الاعلاق الخطيرة في ذكر امراء الشام والجزيرة، دمشق، 1956، ص92، 121، وابن عبد الهادي(يوسف بن المبرد)، ثمار المقاصد في ذكر المساجد، تحقيق اسعد طلس، بيروت، 1943، ص59-143، والنعيمي (عبد القادر محمد)، الدارس في تاريخ المدارس، تحقيق جعفر الحسني، مكتب الثقافة الديني، لا ذكر لمكان النشر، 1988، ج2، ص304-305

[87] – قال الظاهري:” ان بمصر والقاهرة…ألف خطبة ونيف.” زبدة، ص 131، والمساجد التي تقام فيها الخطبة بلغت عند المقريزي مائة وواحد وثلاثون، المقريزي، خطط، ج2، ص409-413

[88] – ابن الشحنة(محمد كمال الدين)، الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب، دار الكتاب العربي، سورية، 1986، ص71

[89] – الربيع(محمد سليمان)، النفقات المالية في دولة المماليك الجراكسة، رسالة دبلوم غير منشورة، الجامعة اللبنانية، بيروت، 2001،ص163

[90] – العمري، مسالك، ص112-113

[91] – القلقشندي، صبح، ج0، ص 473 ، والخالدي، المقصد، ص 275

[92] – القلقشندي، صبح، ج4، ص194؛ الخالدي، المقصد، ص275

[93] – المقريزي، سلوك، ج1،ق3، ص950و ج2، ق1، ص216-218

[94] – سلوك، ج1، ق3، ص913، وج2، ق1، ص226-228،وج2ن ق3، ص921-927، وج3، ق1، ص372-372؛ ابن تغري بردي، نجوم،ج 4، ص 34-54، ج14، ص81-83

[95] – المقريزي، سلوك، ج3، ق1، ص106-107

[96]– لابيدوس، مدن الشام، ص136

[97] – سعد (فهمي)، العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع الهجريين، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1983، ص121

[98] – يذكر الظاهري ان احد تجار الكارم استطاع بناء مدرسة من مدخول يوم واحد، انظر، زبدة كشف الممالك، ص41، ويذكر القلقشندي ان بعض التجار ديّن السلطان مائة ألف درهم فضة، صبح، ج4، ص32، ويكرر الحادثة ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص279، سيتوضح جزئيا دورالتجار في كلامنا على الحياة الاقتصادية

[99] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص41،44، 45، 91، 119، 164، 231…واعلام، ص194، 203، 22…

[100] – الدينوري،(نصر بن يعقوب)، التعبير في الرؤية او القادر في التعبير، مخطوط، متحف بغداد، رقم 598، نقلا عن فهمي سعد (العامة في بغداد)، ص66

[101] – الطبري،(محمد بن جرير)، تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، القاهرة، 1960-1969، ج8، ص448 وما بعد

[102] – الصفدي،(خليل بن ايبك)، نكت الهيمان في نكت العميان،  ص10، نقلا عن العامة في بغداد، ص66

[103] – المقريزي، خطط،ج1، ص89

[104] – السبكي، معيد النعم، ص9-10

[105] –  المقريزي،خطط، ج1، ص89

[106] – لابيدوس، مدن، ص138

[107] – ان دلالات تطور حركة الزعر وصراعهم فيما بينهم ومع السلطة حفظتها مؤلفات المؤرخين الدمشقيين خصوصا ابن طولون وابن عبد الهادي، انظر حول الحارات: ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص275، 289، 316، 342…واعلام، ص171، 178، 205، 22، 208…والامر الملفت للانتباه ان المقريزي وهو مؤرخ اجتماعي بامتياز لا يحدثنا عن حارات الزعر، ولا عن علاقاتهم فيما بينهم.

[108] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص268، اعلام، ص174، 195…

[109] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص292، 293، واعلام، 195

[110] –  ابن طولون،مفاكهة، ج1، 180

[111] – المصدر السابق، ج1، 185

[112] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص160

[113] – ابن طولون،اعلام الورى، ص118، 119، 127، ومفاكهة، ج1، ص177ن 204، 213…

[114] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص204

[115] – النماذج كثيرة جدا، سنكتفي بهذ ه الوقائع: المقريزي، سلوك، ج3، ق2، ص608

[116] – ان خطط المقريزي، ومواكب ابن كنان مليئة بهذه الشواهد

[117] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص9، 139، 167

[118] –  ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص138

[119] – المقريزي، سلوك، ج2، ق1، ص29، وج3، ق2، ص576

[120] –  المقريزي،خطط، ج1، ص68، 264، 490، 492، 493، 494

[121] – ابن الفرات،(محمد بن عبد الرحيم)، تاريخ الدول والملوك، تحقيق قسطنطين زريق ونجلاء عز الدين، بيروت، المطبعة الاميركانية، 1936-1938، ج9، ق1، ص8، 443 بدائع الزهور، ج1، ق2، ص 336، وغيرها كثير

[122] –  ابن قاضي شهبة،( ابو بكر بن احمد)، تاريخ ابن قاضي شهبة، تحقيق عدنان درويش، المعهد الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، 1977، ج2، ص666، ابن حجر العسقلاني(شهاب الدين احمد)، انباء الغمر بابناء العمر، دار الكتب العلمية، بيروت، 1986،ج3، ص395، وابن الصيرفي(علي بن داوود)، نزهة النفوس والابدان في تواريخ اهل الزمان، تحقيق حسن حبشي، دار الكتب، مصر، 1970، ج1، 474، 491، 493 ؛ المقريزي، سلوك، ج3،ق2، ص 937 ، 945، ؛ابن تغري بردي،نجوم، ج12، ص 74،83 هذه بعض النماذج

[123] –  المقريزي، سلوك، ج3، ق3، ص1124-1126، وج4، ق2، ص821-828، ج2، ق3، 774-796…

– ابن تغري بردي، نجوم، ج8، ص68، وج10، ص195-209، وج11، ص275، وج14، 337-344، وج16، 146-147

[124] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص41، 65، 79، 125، 178، 215، 227…واعلام الورى، 79،96،97، 119

[125] – البصروي، تاريخ، ص183، 207، 219، 239؛ و ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص92، 164، 177، 204، 225، …

[126] – المقريزي، سلوط، ج4، ق3ن ص1066-1067؛ السبكي، معيد النعم، ص35-36،؛ ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص93-94، 142-143،204

[127] – البصروي، تاريخ، ص101-102؛ وابن طولون، مفاكهة، ج1، ص7، 9، 65

[128] – العمري، مسالك الابصار، ص94-95 ، ؛ المقريزي، خطط، ج1، ص97، القلقشندي، صبح، ج3، ص455

[129] – المقريزي، خطط، ج1، ص103-106

[130] – انظر حول هذه الضرائب ما كتبه المقريزي في الخطط: ج1، ص89

 [131]  – المقريزي،خطط، ج1، ص 89؛ابن تغري بردي،نجوم، ج8، 150، 166، وج9، ص45-46 ابن اياس، بدائع ، ج1، ص230

[132] – المقريزي،  سلوك ، ج3، ق2، ص345، والقلقشندي، صبح، ج3، ص529

[133] – المقريزي، خطط، ج1، ص87-88، والقلقشندي، صبح، ج4، ص50، وابن تغري بردي، نجوم، ج8، 52 وابن اياس، بدائع، ج1، ص137، وعرف العهد المملوكي روكين هما: الحسامي 1298، والناصري، والروك يعني استرداد كل الاقطاعات واعادة توزيعها مجددا. 

[134] – الطرخان،(ابراهيم علي)، النظم الاقطاعية في الشرق اوسط في العصور الوسطى، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1968، ص144

[135] – ضومط، الدولة المملوكية، ص133-134

[136] – ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص52

[137] – Demombine, M,G, La Syrie àl’époque des Mamlouks d’après les auteurs arabes, Paris, 1923, p50

[138] – القلقشندي، صبح، ج4، ص16

[139] – المقريزي، خطط، ج2، ص219

[140] – المكان نفسه، و الظاهري، زبدة، ص109

[141] – ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص324

[142] – بولياك،( أ.ن،) ، الاقطاعية في مصر وسوريا ولبنان، نقله عن الانكليزية عاطف كرم، منشورات وزراة التربية الوطنية والفنون الجميلة، مطابع نصار، بيروت، 1949، ص77 

[143] – النويري،(شهاب الدين احمد)، نهاية الارب في فنون الادب، دار الكتاب المصري، القاهرة، 1929، ج8، 246-247

[144] – النويري، نهاية،ج8، ص248 ، والقلقشندي، صبح، ج3، ص458

[145] –  المقريزي،خطط، ج1، ص162-163، وابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص190-192

[146] – عاشور(سعيد عبد الفتاح)، بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى، دار الاحدب البحيري، بيروت، 1977، ص149

[147] – المقريزي( تقي الدين احمد)، اغاثة الامة بكشف الغمّة، ص45-47

[148] – ASHTOR. E. ,Histoire des prix et des salaires dans l’Orient médiéval, Raris, 1959, p267-268

[149] – النويري، نهاية الارب، نشر وزارة الثقافة، القاهرة، دنتز، ج8، ص262، والقلقشندي، صبح ج3، ص529

[150] –  المقريزي،سلوك، ج3، ق3، ص 644، 901-902، ج4، ق1، ص42-43..ابن تغري بردي،.نجوم، ج10، ص195-209

[151] – لمزيد من التفاصيل الدقيقة حول هذا الموضوع، انظر: ضومط، الدولة المملوكية، ص264 وما بعد

[152] –  المقريزي،خطط، ج2، ص95-97

[153] – نفسه، ج2، ص94-95

[154] – الظاهري، زبدة، ص39  

-Depping, G. B, Histoire du commerce entre le Levant et l’Europe depuis les Croisades jusqu’à la fondation des colonies d’Amerique, Paris, 1865, T I, p 71

[155] – Wiet, G, L’Egypte arabe de la conquète arabe à la conquète musulmane, le Caire, 1937 p.498

Goiten,” The main industries of the Mediterranean area as reflected in the recotds of the Cairo Geneza,”,JESHO, IV, part II, 1961,p177. – Goiten, Amediterranean Society, Economic foundation, Press Berkeley and Los Angelos, California, 1967, p 103 

[156] – ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار، القاهرة، 1933، ج1، ص39

[157] – المقريزي، خطط، ج2، 101

[158] – Ashtor,E, “ Venitian supremacy in the Levantinet trade or precolonialism “ Journal of European Economic History “ III, (Rome 1974), pp 5-53, p25

[159] – كان شيخ مدينة ملدي من اعمال الصعيد يزرع خمسمائة فدان من القصب، وصودر منه اربعة عشر ألف قنطار من السكر، انظر، ابن اياس، بدائع الزهور،  طبعة بولاق، ج1، 169

[160] –  Depping, I, p 66; Heyd,W, Histoire du commerce du Levant au Moyen Age,Leipzig,1885-1886,I,p427; Poliak, A. N, “les révoltes populaires en Egypte à l’époque des Mamlouk et leurs causes économiques” R.E.I. ,8(1934), ( pp251-273 ), p 254 

المقريزي، خطط، ج2، ص100، وابن دقماق، الانتصار، ج4، ص41، 108زيادة(محمد مصطفى)، دراسات عن المقريزي، الهيئة المصرية العامة، وزارة الثقافة، 1971، 103؛ الظاهري، زبدة، ص35

[161] – ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص279

[162] – Heyd, I, p427

[163] – Heyd, I, p 441; Ashtor, prix , p 268                                               دراسات، ص 103 زيادة،   محمد مصطفى  

[164] – Heid, II, p500

[165] – المقريزي، خطط، ج2، ص189-196

[166] – فييت،(غاستون)، القاهرة مدينة الفن والتجارة، مؤسسة فرانكلين، بيروت-نيويورك، 1968، ص103-104

[167] –  اتلف الجنويون السفن وموادها الاولية على طول الساحل اللبناني و السوري ، انظر، المقريزي، سلوك، ج3، ق3، ص1114

[168] –  المقريزي،خطط، ج2، ص95

[169] – العمري، مسالك، ص181؛ ونصار، العامة، ص11

[170] – المقريزي، خطط، ج2، 97-98، 99؛  ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص44

[171] Goetein. Main industries, pp. 183-187 ;المقريزي،  خطط، ج2، ص105؛ الوقاد(محاسن )، اليهود في مصر المملوكية، الهيئة  المصرية العامة، 1999، ص172-173

[172] – المقريزي، خطط، ج2، ص105

[173] – فييت، القاهرة، ص161

[174] – المقريزي، خطط، ج2، ص103

[175] – المقريزي، خطط، ج2، ص96

[176] – المقريزي، اغاثة، ص81

[177] – الدوري(عبد العزيز)، مقدمة في تاريخ الاقتصاد العربي، دار الطليعة، بيروت، 1978، ص43

[178] – الجلبان ويسمون ايضا الاجلاب وهم فرقة من المماليك السلطانية استقدموا كبارا في السن ولم يخضعو للتدريب والتربية في الطباق

[179] – انظر حول هذه المواضيع: المقريزي،سلوك ج2، ق3، ص567-580، ج3، ق3، ص960وما بعد خصوصا 1136، ج4، ق3، ص1090-1094، 1127 وغيرها كثير؛ ابن تغري بردي، نجوم، ج7، ص327-329، ج10، ص140، ج15، ص50-54، 410-413، ج16، ص114، 130، 143…

[180] – ابن تغري بردي، نجوم، ج7، ص 329، ويقول فيهم ايضا:”في هذه السنة 962هجري قد انحل امر حكام الديار المصرية وارباب الشرع الشريف والسياسة لعظم شوكة المماليك الاجلاب، وصار من له حق من الناس قصد مملوكا من المماليك الاجلاب في تخليص حقّه…فيرسل خلف ذلك الرجل المطلوب ويأمره باعطاء حق ذلك المدعي حقا كان ام باطلا بعد ان يهدده بالضرب والنكال، فان اجاب والا ضرب في الحال ونكّل به، فصار كل واحد يستعين بهم…وترك الناس الحكام…وتلاشى امرهم الى الغاية.”ج16، ص53-54

[181] – المقريزي، سلوك، ج4، ق2، ص866-867، 870-871 ؛ ابن تغري بردي، نجوم،ج14، ص42، ج16، ص340-341

[182] –  المقريزي،سلوك، ج4،ق2، ص647، 654، 766، 869؛ ابن تغري بردي، نجوم، ج16، 340-341

[183] – المقريزي، سلوك، ج2، ق1، ص205وق3، ص669، وج3، ق3، ص1131-1132، ج4، ق1، ص27-29؛ابن تغري بردي، نجوم، ج16، ص115-116

[184] –  المقريزي، سلوك، ج4،ق1، ص305-306، وج4، 2، ص852

[185] – المقريزي، سلوك، ج2، ق1، ص150-151، ج2،ق2، ص439، 444، ج3،ق2،ص55، ج4، ق2، ص801، ج4، ق3، 1127؛ ابن طولون، مفاكهة،ج1ص78، 91، 108، 146، 180-181، 191، 209

[186] – Poliak, Revoltes populaires, p252قدشملت المصادرات اموال الايتام، والمغنين، والنادبين وغيره، المقريزي،سلوك، ج2، ق2،ص56، ج2، ق2، ص419 

[187] – ابن طولون ،مفاكهة، ج1، ص287، 374، اعلام، ص187

[188] – ان المصادر المملوكية مليئة بالحديث عن هذه الضرائب خصوصا في العهد الجركسي، لمزيد من المعلومات انظر:،المقريزي، سلوك، ج2، ق1، ص150-152، وق2، ص439، 444، ج3، ق2، ص55، ج4، ق2، ص801، … ضومط، دمشق –الشام، ص416-419

[189] Ashtor, Prix et salaires, p 270 ;                                                                                      الظاهري، زبدة، ص39

[190]  – Poliak, revoltes populaires, p 253 ;                                                                     المقريزي، خطط، ج2، ص94

[191] سلوك، ج4، ق2، ص909؛ ابن حجر، انباء الغمر، ج3، ص516، نجوم، ج16، ص714

[192] – Heyd, II, p441 Depping, I, p 68; prix et salaires, p.p. 270,385;ابن بطوطة، ج1، ص195؛ فييت، القاهرة، ص167

[193] – Poliak. Revoltes, p 254                     فقد تحوّل في مطلع القرن الخامس عشر 23 معصرة للسكر الى ايدي كبار الامراء

[194] – Poliak, révolte, p 253

[195] – Depping, I , p66

[196] – البيومي، اسماعيل، النظم المالية في مصر والشام زمن سلاطين المماليك، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، ص202

[197] – ابن دقماق، الانتصار، ج4، ص41-46

[198] – Heyd, I, p427 ; ابن بطوطة،  تحفة النظار، ج1، ص37                                                                                                           

[199] – الطريق الاول بحري ينطلق من الصين الى الهند فالخليج العربي حيث تبدأ فروعه، والثاني، بحري ايضا ينطلق من الشرق الاقصى الى المحيط الهندي فالبحر الاحمر حيث تبدأ فروعه عبر الاراضي المملوكية، والثالث بري من وسط آسيا عبر الهند حيث تبدأ فروعه الى اوروبا، او جنوبا الى  العراق وبلاد الشام.  لمزيد من الاطلاع، انظر: ضومط، الدولة المملوكية، ص180-184

[200] – لمزيد من الاطلاع، انظر فهمي(نعيم زكي)، طرق التجارة الدولية ومحطاطها بين الشرق والغرب، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، 1973، ص132 وما بعد

[201] – ضومط، الدولة ، ص184 وما بعد

[202] – ضومط، الدولة المملوكية، ص202-203

[203] – Heyd, II, p86; عاشور، بحوث ودراسات، ص 247                                                                                        

[204] – Wiet, nation egtptienne, p490

[205] – ابن تغري بردي،  نجوم، ج11، ص66،  388؛ عاشور، بحوث، ص253، 274-275

[206] – Depping, II, pp48-50 ; Heyd, II, pp433-434

[207] – Heyd, II, pp. 430-431, 433-434; Depping, II, p50 ;         خطط، ج1، ص91-92                          المقريزي،

    اليوزبكي(توفيق سلطان)،تاريخ تجارة مصر في العصر المملوكي، جامعة الموصل، دار الكتب للطباعة والنشر، 1975، ص 64-65

[208] –  Heyd, II, pp.462-463                        فقد كان للبنادقة كنيسة في الاسكندرية، وكنائس في دمشق للجنويين وغيرهم، انظر

[209] – Depping, I, p60; Heyd, 453; Clerget,M, Le Caire étude de géographie urbaine et d’histoire  économique, Le Caire, 1934, p309 ; وسفن المدة عبارة عن اسطول تجاري بندقي يترك البندقية في رحلته الاولى في كانون الثاني باتجاه الموانئ المملوكية المتوسطية، ويعود في حزيران، والرحلة الثانية في السنة عينها تبدا في ايلو ويعود الاسطول في كانون الاول.

[210] – فهمي، طرق التجارة، ص284

[211] – لمزيد من الاطلاع انظر: ضومط، الدولة المملوكية، ص212-214؛ حطيط( احمد)، قضايا من تاريخ المماليك السياسي، الفرات للنشر والتوزيع، بيروت، 2003، ص190-194

[212] – ابو الفدا( اسماعيل بن علي)، تقويم البلدان، باريس، 1840، ص92-93 ؛ لبيب(صبحي)، “التجارة الكارمية وتجارة مصر في العصور الوسطى”، المجلة التاريخية المصرية للدراسات التاريخية، مايو 1952، العدد الثاني، المجلد الرابع، ص19

[213] – المقريزي،سلوك، ج2، ق1، ص7، 32-33؛ ابن تغري بردي، نجوم، ج8 ص226.

[214] – فقد سلّفوا السلاطين اموالا احيانا، لمزيد من الاطلاع، انظر: ضومط، الدولة، ص217-218؛ حطيط، قضايا، ص201 وما بعد

[215] – Wiet, nation, p489;                                                                                                   حطيط، قضايا، 206-207

[216] – Heyd, II, p51 ;                               المقريزي، سلوك، ج3، ق1، ص105-106؛ ابن تغري بردي، نجوم، ج11، ص29-30

[217] – Wiet, nation, p508; Heyd,II,p50;                                                          المقريزي،سلوك، ج3، ق1، ص122-123

[218] – Heyd.I, pp. 453-454,467,II, p49; Ashtor,levantine, p582;                                 ضومط، الدولة، ص228-239

[219] – Heers,J, Gênes au XV siècle, Paris, 1961 p373 ; Ashtor, “Venitian supremacy in the levantane trade or precolonisation” Journal of European Economic History’, IV, Rome, 1975. pp.5-53,p8

[220] – Ashtor, Monopoly, p 7

[221] – Heyd, II, pp. 125-126

[222] –  Depping, Histoire du commerce, II, pp. 49-50

[223] – Wiet, nation, p 490;Heyd, Histoire du commerce, I,pp470; المقريزي، سلوك، ج3،ق2، ص581، وق3، ص1114

[224] Depping, I, pp. 77-78 ;                                                                               القلقشندي ، صبح، ج3، ص463-468

[225] –  لبيب، التجارة الكارمية، ص35-38؛ ضومط، الدولة المملوكية، ص247-249

[226] – Heyd, II, p 448; لبيب، التجارة الكارمية، ص35-36                                                                                         

[227] – Heyd, II, p. 448

[228] – الطرخان(ابراهيم علي)، مصر في عصر دولة المماليك الجراكسة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1960، ص291-292، 296

البنى الاجتماعية المملوكية

   منذ عام 648/1250 جهد المماليك ليخلفوا سادتهم الايوبيين في حكم مصر وبلاد الشام، واستجدّ عليهم خطر الزحف المغولي المدمّر الذي قضى على الخلافة العباسية عام656/1258. واذا كانوا قد تمكّنوا من ابعاد هذا الخطر في معركة عين جالوت658/1260 فقد توجّب عليهم تثبيت اركان دولتهم بالقضاء على بقايا البيت الايوبي، واخضاع عرب مصر بمنعهم من استرداد سلطة طالم حلموا بها واعتبروها من حقهم.

     بعد ان استتبّ الامر للماليك وضمّوا بلاد الشام الى مصر، وبسطوا سيطرتهم على الاماكن الاسلامية المقدسة، بل على الحجاز عموما، واجلوا الصليبيين نهائيا عن الشرق عام 690/1291 صار لدولتهم موقعا استراتيجيا مهما جدا بعد ان استوثق الساحل للمسلمين على حد تعبير ابن كثير[1]؛ اذ بسطوا سلطانهم على ثلاثة بحار اساسية: المتوسط، والاحمر، وبحر العرب المدخل الرئيسي الى المحيط الهندي والشرق الاقصى. وباتوا يسيطرون سياسيا واقتصاديا وعسكريا على كل موانئ الحوض الشرقي للمتوسط باستثناء ميناء اياس الارمني[2]، كما على معظم الموانئ في البحر الاحمر.

    اما على الصعيد الديني فقد بدا المماليك وكأنهم الحماة الحقيقيون للمسلمين، والحاضنون الفعليون للشرعية الاسلامية الوحيدة بعد ان احي السلطان الظاهر بيبرس عام 659/1261 الخلافة العباسية في مصر. انما عمليا لم يقم بيبرس الا بما يخدم مصالحه الذاتية، فقد كان بحاجة الى عطاء شرعي لأكثر من سبب. وبالتالي صارت دولة المماليك محور الاحداث الكبرى في الشرق على مستويات متنوعة.

    اتبع المماليك نظاما اداريا خاصا بهم يمكن تسميته، جوازاً تبعا للأنظمة الحالية، باللامركزية، بحيث كانت القاهرة مركز الحكم لأنها تحتضن السلطان الذي اقام نوابا عنه في النيابات المنتشرة في مصر وفي بلاد الشام، اضافة الى عدد وافر من الموظفين الاداريين والعسكريين على رأسهم نائب القلعة ومهمته التجسس على نائب السلطان في النيابة والاستماتة في الدفاع عنها ولا يستسلم مهما صعبت الظروف[3]. وكان يساعد النائب عدد من المتعممين يشغلون وظائف ديوانية ودينية.

    انما معالجة المعادلة الاجتماعية الاساسية في المجتمع المملوكي اي العلاقات بين المماليك والرعية تقتضي الاجابة على عدد من الاسئلة: هل انصهر المماليك مع الشعوب في مصر وبلاد الشام؟ وهل تمّ تفاعل حقيقي بين الحكام والرعية؟ هل تمت المساواة بين ابناء البلاد والارقاء المجلوبين الذين صاروا او كوّنوا الجيش المملوكي؟ ما كان نصيب الشعب من الانتاج الاقتصادي؟ وهل كان له دور فاعل في الجهاز الاداري؟

انها معادلات دقيقة واساسية، وبمقدار التبحر فيها وثبر غورها وتحليل مرتكزاتها، نتمكن من فهم المجتمع المملوكي.

اولا: المرتكزات المادية للتكوين الاجتماعي في العهد المملوكي:

    من العسير جدا دراسة المجتمع في العصور الوسطى بقسميه المديني والريفي نظرا لندرة المعطيات عن الوضع الريفي. وكما هو معروف فان دراسة المجتمع المديني مرهونة بدورها بنسبة المعلومات التي توفّرها المصادر. ومعظم معطيات المصادر اقتصرت اجمالاً على وصف العلاقات، بل المظاهر الخارجية للحدث الاجتماي من دون الخوض في شبكة العلاقات البنيوية المعقدة الموضحة للعلاقات بين الفئات (الطبقات) الاجتماعية. ما يعني ان الحركية الاجتماعية لا توفرها معظم المصادر الا بمقدار ضيق. ومن جهة ثانية بنيت غالبية المدن _مركز النيابات- في فترات مجهولة التاريخ الصحيح او التقريبي، باستثناء طرابلس التي ما يزال النقاش غير محسوم فيما اذا كانت قد شيدت على عهد المماليك ام لا ؟ وبالتالي جاء الطابع الاسلامي المديني متأخرا على هذه المدن كلها، وان ترك بصمات واضحة عليها، تمظهرت بنظمه وتشريعاته.

1 – مفهوم المدينة الاسلامية المشرقية في العصور الوسطى: نموزجا المدينة المملوكية:

    درج المستشرقون وتبعهم مؤرخون مشرقيون على اعتبار المدينة المشرقية الاسلامية تعتمد نموزجا واحدا من الخطط يحدد وظائفها. ولعل ابرز الوظائف التي ركزوا عليها هي:

ا – السور: هو احد المعالم البارزة في المدينة الاسلامية، يحدد بوجه عام نسبة ازدهارها ونموّها وتطورها الديمغرافي. وفيه عدد غير محدد من الابواب[4]تسهيلا للانتقال والاتصال بين داخل المدينة وضواحيها وريفها والاقاليم الاصقاع. ويعتبر غاوبة ان قلعتها كانت مركز السلطة الحاكمة[5] من دون ان يميّز مثلا بين دار السعادة في دمشق مركز نائب السلطان[6] وقلعة المدينة مركز نائب القلعة الذي لم يكن لنائب دمشق سلطة فعلية عليه.[7] وكذلك بين دار السعادة في طرابلس مركز نائب السلطان وقلعتها[8].

  تتماثل سمة السور اجمالا على معظم المدن المملوكية الرئيسة التي كانت مركزا لنواب للسلطان، ما عدا طرابلس[9]. وكان لكل منها عدد معين من الابواب فكان لطرابلس اثنا عشر بابا[10]، ولدمشق تسعة ابواب كبار[11]، واربعة صغار،[12] وللقاهرة عشرة ابواب[13]، هذا عدا الابواب الصغار. تميّز السور بتأمين الطمأنينة للسكان والحكام على حد سواء، كما للتجار الاجانب[14]، فكان يؤمن الحماية ابان الحروب، والطمأنينة بوجه عام؛ فكانت تقفل ابوابه ليلا وكلما دعت الحاجة.

2 –شوارع المدينة وطرقها: اذا كنّا لن نتوسّع بالحديث عن دور الاسوار امنيا، فاننا سنركّز على دورها بخطط المدن لأن الابواب الرئيسة فيها ارتبطت بشكل عام بشوارع المدينة الاساسية التي انطلقت من الابواب المذكورة، ومنها تفرعت شوارع ثانوية وطرقات فأزقّة. ما يعني ان الشوارع الكبرى المنطلقة من الابواب الرئيسة شكلت المحاور الاساسية في المدينة بوصفها سبل الاتصالات الرئيسة فيها، وعليها تمرّكز النشاط الاقتصادي، ومنها تفرّعت الاحياء والمحلاّت(جمع محلة) والحارات.

 تمركزت احياء دمشق على شارع رئيسي مستقيم في وسطها، كان يربط بين بابين: شرقي  شرقا، والجابية غربا. ومنه كانت تفرعت شوارع اخرى رئيسية مستقيمة ينتهي كل واحد منها بباب[15]. والملفت للانتباه ان دمشق قد تكون المدينة العربية الوحيدة التي كانت تفتقر الى شارع رئيسي آخر مستقيم يخترقها من الشمال الى الجنوب. وكان يمتد الشارع الرئيسي في القاهرة من باب زويلة الى بين القصرين حيث يتفرع منه طريقان احدهما يتجه شمالا والاخر يمينا. وكانا ينفرجان على طرق اقل اهمية وصولا الى الحارات والازقة.[16] ذكر المقريزي ان القاهرة عندما بنيت كان لها اربعة ابواب من الجهات الاربعة[17]، ما يعني انه كان لها شارع رئيسي آخر اقل اهمية من الاول الذي شيّدت فيه قصور الخلفاء، والمسجد الجامع، ومباني الادارة الرسمية، والبيمارستان،[18] وكانت تفرعاته تشابه مثيلاتها على الشارع الرئيسي الاساسي.

 ويبدو ان ابواب المدن كانت لها ابواب فرعية يصل عدد بعضها احيانا الى ثلاثة شأن القاهرة،[19] او دمشق حيث كانت الابواب الفرعية مكمّلة لبابيْ الجابية والشرقي.[20] وكان لهذه الابواب الثانوية دوران اساسيان: الفصل بين الاحياء من جهة،[21]، وتأسيس المنطلق الرئيسي للأسواق الاخرى في المدينة. ومن الواضح ان كثرة الابواب تدل على التطور العمراني اللازم للنموّ الديموغرافي، ما يؤشّر على حيوية ملحوظة.

3 – الاسواق: من الواضح ان الابواب شكلت محاور  الأسواق الرئيسة ، وهذه  بدورها اسست خطط اية مدينة مملوكية. وليس ادل على ذلك من استهلال المقريزي خطط القاهرة بقوله:” وقبل ان نذكر خطط القاهرة فلنبتدئ بذكر شوارعها ومسالكها المسلوك منها الى الازقّة والحارات لتعرف بها الحارات والخطط والازقة والدروب وغير ذلك.”[22]

شُيّدت الاسواق على اطراف الشوارع الرئيسة ومتفرعاتها المتنوعة؛ ففي دمشق انتشرت على طرفي الشارع الرئيسي الاسواق المركزية، والمساجد الكبرى، والحمامات العامة الرئيسية[23]. في حين توزعت على اطراف الشوارع الرئيسية المنطلقة من الشارع المركزي الانشطة التجارية والحرفية لكل حي، اضافة الى حماماته ومساجده. وتوزعت من هذه الشوارع، وهي بوجه عام ضيقة نسبيا لانها رافقت المدينة منذ نشأتها ولم تطور، شوارع اخرى اقل اتساعا خصص وسطها للفرسان واطرافها للمشاة. فجاءت احياؤها ومحلاتها[24] متلاصقة، وما زاد في سوء وضعها الديمغرافي، اختناقها بالحارات الشعبية المكتظة بالسكان[25]. وانقسمت كل حارة الى ازقة شيدت عليها ابنية شعبية تفتقر الى ابسط الشروط الصحية. وجميعها انبثقت من شارع الحارة الرئيسي المعروف بالسويقة الذي كان يحوي الحمام العام، والفرن، والمسجد، والحوانيت التجارية والحرفية[26]. وكانت اسواق القاهرة تشابه من حيث البنى الاساسية والتركيب مثيلاتها الدمشقية.[27] فكان السوق المركزي قائما على الشارع الاساسي او ما يطلق عليه المقريزي” الشارع الاعظم او قصبة القاهرة”[28]. والشارع الرئيسي للمدينة الاسلامية يشكّل نقطة الثقل الاقتصادي لها ولريفها: ففيه كانت تتجمّع تجارة الجملة والمفرّق، والمؤسسات المصرفية، والصناعات.[29] ومن هذا السوق الاعظم توزعت شوارع اقل اهمية، فاخرى ادنى منها قيمة واتساعا وصولا الى الدروب والازقة المتنوعة التي كان بعضها غير نافذ[30]. وعندما ينهي المقريزي وصف القصبة الرئيسة بما اقيم عليها من اسواق وما استجد مكان بعضها واندثار بعضها الآخر، يشرع بوصف الشارع الرئيسي الثاني مستهلا كلامه ب:” هنا ابتداء خط بين القصرين.”[31] ويكمل رسم خطط اسواق القاهرة بكل تفرعاتها كما في ما يلي:” فاذا السالك بدخول بين القصرين من جهة خان مسرور فانه يجد على يسرته درب السلسلة، ثم يسلك امامه فيجد على يمينه الزقاق المسلوك فيه الى سوق الامشاطيين المقابل لمدرسة الصالحية التي للحنفية والحنابلة ، والى الزقاق الملاصق لسور المدرسة المذكورة…”[32]واذا لم يكن لدينا وصفا مشابها لخطط المقريزي فان المؤرخين الشاميين تحدثوا عن اسواق دمشق بما يشبه كلام المقريزي من دون ان يأتي كلامهم متسلسلا.

   ويتبدى لنا من خلال كل ذلك ان اسواق المدن المملوكية متشابهة عموما من حيث البنية الاساسية، ووظاؤفها الاقتصادية والاجتماعية ونماذجها واضحة على الاقل في القاهرة  وطرابلس وفي دمشق. وبالتالي فهي تتماثل عموما من حيث الخطط ووظائف الاسواق.

  كانت جميع الاسواق مسقوفة اما بقماش متين وسميك، او بالحجارة، او بالخشب. حماية لشاغليها وزبائنها من الامطار وحر الشمس[33]، وتتيح فسحة محددة من الضوء كافية لإنارة السوق، وتميزت ايضا بإكتظاظ المحلات السكنية بالحارات حتى غدا النور خافتا وغير كاف.[34]

    ويمكننا من خلال المصادر المملوكية التعرف على انواع الاسواق في المدن المملوكية. فكان في دمشق ما يربو على العشرين سوقا متخصصا، كان من ابرزها: الحرير، الدهشة ( الثياب الجاهزة)- وهو امر ملفت للانتباه انذاك ويدل على بحبوحة عند بعض السكان- الكوفيين، الذهبيين، الوراقين، الذراع، السرامجيين ( الاحذية)، السلاح ، الوراقين، السقطية ( الالبسة المستعملة)، البزوريين، القطانيين، الجواري والرقيق، جقمق – نسبة الى السلطان الظاهر جقمق- كان مخصصا لبيع الثياب، السروجيين، اللحامين، والخيل…[35] وشهدت طرابلس اسواق عديدة: العطارين، الدبّاغين، المسلخ، الحلاويين، السوق الشرقي، السلاح، الحدادين، سويقة القاضي، البازركان، الجديد، النحّاسين، الصيّاغين (المعروف قديما ب عديمي المسلمين)، والكندرجية…[36]. اما اسواق القاهرة التي ذكرها المقريزي فهي: الفتوح، المرحليين، الروّاسين، الشماعين، حارة برجوان، الدجاجين، بين القصرين، السلاح، القفيصات، الزهومة، المهمازيين، اللجميين، الجوخيين، الشرابشيين، الحوائصيين، الحلاويين، الشواّيين، الجملون الصغير، المحايريين، الصاغة، الكتبيين، الصنادقيين، الحريريين،  العنبريين، الخراطين، الجملون الكبير، الفرّايين، الخلعيين، البندقائيين، الاخفافيين[37]. هذا عدا عن السويقات الكثيرة كالكفتيين، الاقباعيين، والسقطيين…[38]

    ان اهمية تعداد هذه الاسواق تكمن في تبيان اختصاصاتها، وهي تدل اولا على تفرع طبقي ان جاز التعبير تبعا لاختصاص الباعة، وعلى التجانس في ما بين باعة السوق الواحدة. ما يدفعنا للاعتقاد ان سمة ظاهرة اجتماعية بمعناها العلمي كان  جميع ارباب الاسواق يخضعون لها، وبالتالي يؤلفون فئة اجتماعية لها عاداتها وتقاليدها الخاصة تبعا لنوع ومستوى السوق. وتدل ثانيا، على رغم تمايز كل فئة، انهم جميعهم كانوا يخضعون الى عرف عام اوتقليد هو انتماؤهم الى الباعة. ويدل ثالثا على مستوى تعامل كل فريق، تبعا لاختصاصه، مع نوع من الزبائن. وبالتالي وجد في العصور الوسطى الاسلامية والمملوكية منها تمايز اجتماعي غير ارادي. ويدل رابعا على مستوى الدخل ونمط الحياة الاجتماعية لكل فئة، الذي كانت تعبر عنه اماكن السكن. فبعض الاسواق اقيم على حدود الحارت التي كانت بوجه العموم مقفلة بوجه الاغراب وتحتضن فئة محددة من الناس.

4 – المحلات والاحياء والحارات: ان اصطلاح المقريزي يختلف عن تعريفاتنا اليوم، بل عن اصطلاحات بلاد الشام في عصره، فهو ميّز بين الحارة والمحلة:” الحارة كانت محلّة دنت منازلها، والمحلة منزل القوم.”[39] مكتفيا بهذا القدر من التمايز، وهو يميّز ايضا بين الحارة والدرب، والخط. وتبعا لتعريف  حارة بهاء الدين؛ حيث يقول،  بعد ان يحددها جغرافيا،: ” وكان فيها دور عظيمة وحوانيت عديدة.”[40] ما يعني أنها تشبه المحلّة في دمشق التي ميّزها ابن طولون وابن كنان عن الحارات،[41] في حين ان لابيدوس يوازي بين الحارة والمحلة والخط.[42] وقد حسم انطوان عبد النور الامر معتبرا ان المدينة في العهد العثماني كانت موزعة الى عدة اقسام، وكل واحد الى حيّ او محلّة، وكل حي الى حارات، وكل حارة الى دخلات او ازقّة[43]. بالتأكيد يقتضي التمييز بين هذه التسميات – وهي تتطلب دراسة قائمة بذاتها- ولكننا سنعتمد هذا التفريع، مركّزين على الدور الاجتماعي الذي لعبه الحي و الحارة و المحلة.

   لا يمكننا في هذا البحث دراسة التطور المديني والديمغرافي لأكثر من مدينة واحدة هي دمشق، وسنعتمدها كنموذج للمدينة الاسلامية وتحديدا المملوكية، لأنه لغاية اليوم لم تبرز دراسات تناقض هذه الفرضية،[44] هذا، اضافة الى اطلالات على المدن المملوكية الاخرى كلما اقتضى الامر.

   كانت المدينة عبارة عن وحدات مدنية قائمة بذاتها لأهداف ادارية، ومقتضيات اجتماعية، وكانت تتفرع الى عدد من الاحياء، ويصبح الحي مرتكزا للنواحي الاجتماعية والادارية والاقتصادية معا. وكثرة الاحياء جعلت المدينة متداخلة فيما بين اجزائها، ومنقسمة على ذاتها من خلال الابواب والحارات الداخلية، بل كان كل من الحي والحارة الواحدة مكتفيا ذاتيا ويستمد روابطه الاجتماعية والاقتصادية والادارية من داخله، فهو كان مركزا لورشات من مختلف النشاطات الاقتصادية. وكانت تسوده ظاهرة اجتماعية عامة محددة ببناها الخاصة، ويمكن القول انها، على رغم خصوصية الحي، اكتسبت الصفة العامة لأنها كانت تسود ايضا في الاحياء المتجانسة من حيث الدخل والتركيب الداخلي. وبالتالي فان الحي على رغم انغلاقه الداخلي الجغرافي لم يكن ينغلق على ذاته اجتماعيا وامنيا واقتصاديا الا ابّان الاضطرابات الامنية – وهي كانت جمّة خصوصا في العهد الجركسي- من اجل الحماية الذاتية. والحي في الدمشق وفي حلب ساوى حجم القرى الصغيرة على ما يفترض لابيدوس، الذي يعتقد ان دمشق وحدها حوت، خلال القرن الخامس عشر، ما يقارب السبعين حياً. وهو يحدد متوسط عدد سكان الحي الواحد بخمسمائة الى ستمائة نسمة[45]. وحوت حلب في القرن عينه ما يقارب الخمسين حياً، بمعدل وسطي ألف الى ألف ومائتي نسمة للحي الواحد. واعتبر ان مدينة القاهرة كانت تضم سبع وثلاثين حارة على رغم ان مساحتها كانت أكبر بكثير من دمشق ومن حلب.[46] وازعم ان الحي كان اساس التنظيم الاجتماعي لأنه تميّز بخصوصية محددة: اتنية، او دينية، واحيانا اقليمية. وقد ذكر القطار انه كان في طرابلس اقليات انضوت في احياء خاصة؛ كالتركمان والأكراد، والمغاربة، والمصريين، والنصارى (محلة عديمي النصارى) واليهود.[47] وكانت للمسيحيين محلتهم الخاصة بدمشق في الزاوية الشمالية الشرقية للمدينة بالقرب من باب توما[48]. كان كل من اليهود والمسيحيين حيّهم الخاص في القاهرة.[49]و افردت حارات او احياء خاصة بالقاهرة للجاليات التي استقرت فيها مثل: حارة الشاميين ،[50] حارة الروم[51]وغيرهم.

    لم تكن جميع حارات واحياء المدن المملوكية متشابهة من حيث الهندسة البنائية والفخامة، وان كانت تتشارك في البنية العامة. ويمكننا من خلال المصادر تبيان التمايز بين الشعبي، وبعض المحلات التي سكن فيها المماليك من دون سواهم، التي كانت مميّزة من غيرهاعلى الاقل بامرين: نوعية المساكن من حيث  الهندسة البنائية والفخامة، واتنية سكانها لأنها اقتصرت عموما على المماليك الذين تمايزوا عن السكان الاصليين بالكثير من عاداتهم وتقاليدهم. مثلا كان الشرفان في دمشق بقسميه الاعلى والادنى مخصصا للفئة العسكرية الحاكمة. وقد انتشرت في الاعلى، الذي عرف ايضا” بدار الامراء”،  قصور الامراء ومساكنهم وضمّ مدارس ومساجد.[52] وتوزّعت في الشرفان الادنى قصور للنزهة وعدد من المساجد من ابرزها جامع تنكز وعدد من المدارس والخوانك والعمائر والمحلات العامرة[53]. وضمّت الربوة الواقعة في اسفل جبل قسيون والمشرفة على الغوطة قصورا ومباني شريفة ( مُلْك السلاطين) سكن فيها امراء من المماليك، ومساجد من بينها مسجد خطبة، فضلا عن عدد من الطِباقات ( الثكنات العسكرية)، ومرابط للدواب، وسويقتان، وحمام فريد من نوعه على حد تعبير ابن كنان.[54] ونحن لا نعلم بالضبط من خلال خطط المقريزي ما هي المحلات التي استجدت تماما واستمر تطوّرها، لأنه يقول ان هذه المحلة خطت لقبيلة كذا او فلان، ثم صار اسمها كذا. ويدل تغيير التسمية، على الارجح، على تطور بنائي من دون ان ندري نسبة التطور واهميته.

 ومن الثابت ان عددا من المساكن والقصور قد استحدثها السلاطين ونوابهم من دون ان ندري بالضبط اذا كان السكن في تلك المحلات كان حكرا على الامراء فقط، وان كنّا نرجحه، بيد ان بعض المحلات بنيت لغايات معينة وتطورت ثم تراجعت وخربت تدريجا[55]. ومن الامثلة على ذلك :” والقصر الصغير ومكانه الآن المارستان المنصوري وما في صفّه من المدارس والحوانيت.”[56] ” وكان داخل هذا الزقاق- المعروف بقصر امير سلاح- مكان يعرف بالسودوس فيه عدة مساكن صارت كلها اليوم دارا واحدة…”[57]

       بدت مدينة دمشق داخل سورها مجموعة حارات قائمة بذاتها، وكأن الواحدة منها قرية صغيرة مستقلة بمساجدها، وحماماتها، وسقاية الماء فيها،[58]والفرن، والمدرسة، والمسجد والسويقة[59]. وجاءت ابنيتها متلاصقة، تمد افقيا، وتنعدم فيها النوافذ والشرفات تماشيا مع نظرية الحلال والحرام في الاسلام. ويرجح الكيال انتشار هذا النمط البنائي لقلة الاطمئنان ولاتساع الرقعة الجغرافية. وكان الحي فيها عبارة عن عدة بيوت ُشيّد لها باب خارجي مشترك يقفل في المساء وايام الاضطرابات، ويتوسطه باب خوخة ( صغير) يعبر منه سكان الحي كلٌ الى داره.[60] ويرجع اسباب تلاصق الابنية الى رغبة رئيس الاسرة باسكان ابنائه واحفاده في المنزل عينه، وكان كلما ضاق المكان بهم اضافوا اليه غرفا حتى بات المسكن الواحد داخلا في بيوت الجيران. وحوّل النمو الديمغرافي  تلك البيوت المتداخلة في ما بينها الى شبه اكواخ[61]، لأن الزقاق كان غير نافذ، وما كان يتسع  سوى لعدد قليل من البيوت او الاكواخ[62].

   وكان الحي من حيث بناؤه عبارة عن تشكيل من الابنية غير المتوازية وغير المتوازنة  ايضا من حيث  التصميم الهندسي. فبعضها كانت ترتفع جدرانه الى اكثر من طبقة والبعض الآخر يشبه الاكواخ ان لم يكن عبارة عن مجموعة من الاكواخ شبه مظلمة يتسرب اليها الهواء عبر الازقة والممرات المنخفضة المعتمة[63]. وضمّ الزقاق الواحد عائلة واحدة اجمالا تماشيا مع التجانس السكاني بل التركيب العائلي في المجتمعات العربية عبر العصور. علما :” ان العلاقة بين المجتمع والسكن لم يكن صورة متكررة عبر الزمن، بل كان خاضعا لمقتضيات الظروف المعيشية والاقتصادية والاجتماعية ” .[64] ما جعل المسكن انعكاسا للحالة الاقتصادية، يتسع ويضيق تماشيا مع مردود الجماعة. وشكّلت التدابير الامنية، بل تصرّفات السلطة الحاكمة عاملا مؤثّرا اضافيا في شكل المساكن، لأن تلاصق بعضها بالبعض الآخر كان عاملا مهما في تآزر السكان وتماسكهم للدفاع عن انفسهم. هذا ناهيك ان العلاقات بين الجماعات عبر التجانس العائلي او الطائفي وحتى المذهبي كانت تفرز تضامنا داخليا دفاعيا ضد اي اعتداء خارجي مهما كان نوعه حتى وان بدر من السلطة. ولنا في مؤلفات ابن طولون العديدة، ولا سيما “مفاكهة الخلاّن” نماذج متكررة تشرح هذه الظاهرة بجلاء تام.

   اما على الصعيد الاداري فقد ترأس الحي شيخ كان يعينه نائب السلطان المملوكي في المدينة التي هي مركز النيابة من اجل حسن سير الاعمال المنوطة بالحي: حفظ النظام ،تمثيله في المناسبات العامة التي تقتضيها الدواعي السياسية والاجتماعية، مساعدة الشرطة في تنفيذ مهامها، او تولي هذه المهام بنفسه: كجمع الضرائب القانونية وغير القانونية مثل الرمي او الطرح[65]. لان الاحياء كانت قد انتظمت في مناطق منعزلة ومنطوية على ذاتها لا يتمكن الغرباء من الدخول اليها، لاسيما ان سكانها كانوا متداخلين في ما بينها في حياتهم الرتيبة، ويتآزرون ابان الاضطرابات العسكرية ،ويدافعون جميعهم بعضهم عن البعض الآخر اذا تعرض احدهم لاي اعتداء خارجي.

5 – تطور الحركة العمرانية: شهدت المدن المملوكية حركة عمران مزدهرة منذ مطلع القرن الرابع عشر وحتى بدايات نصفه الثاني، ولعل مرد ذلك الى عدة عوامل:

  – لعب إستقرار البلاد خلال الولاية الثالثة لحكم السلطان الناصر محمد بن قلاوون (1309-1340) دورا كبيرا في استتباب الامن، وثبوت نوابه في مراكزهم من دون حدوث حركات تمرّد تذكر، فلذلك يعتبر عهده  العصر الذهبي لدولة المماليك.

– ادى انحسار الخطرين المغولي والصليبي، الاول بعد عين جالوت ومرج الصفر والثاني بعد اجلاء الفرنجة نهائيا عن الشرق عام 1291، الى نوع من الاستقرار النفسي والطمأنينة الذاتية. فازداد عدد السكان من وطنيين، وقادمين الى المدن ومستقرين فيها، وتاليا الى تطور الحركة التجارية، وازدهار في الانتاج الصناعي.

–  ادى سوء تصرف المقطعين تجاه الفلاحين الى هجرات متكررة من الريف نحو المدن، بل الى نزف شبه دائم.

    كان للإنفصام بين الشعب والحكام دور بارز في تطوير الحركة العمرانية، ولردم هذه الهوة تقرّب السلاطين ونوابهم من السكان بتشييد المنشآت الدينية والتعليمية والطبية وما الى ذلك. حتى كثرت المدارس فوجد في دمشق وحدها ما يزيد على المائة وثلاثين مدرسة على حد تعبير النعيمي[66]، ووجد عدد غير ضئيل من المدارس في طرابلس[67]، وذكر المقريزي ستا وسبعين مدرسة في القاهرة[68]. ويؤشر ازدياد عدد المدارس ولا شك الى نمو ديموغرافي مرتبط اصلا بنمو عمراني. ويتأكّد ذلك بما اورده منير الكيال من بلوغ عدد الحمامات في دمشق على عهد ابن عبد الهادي المعاصر لاواخر الدولة المملوكية 167 حماما عدا حمامات الغوطة[69]. واذا اخذنا بعين الاعتبار ما ذكره ابو علي الاربلي المتوفي عام 726 / 1326 بأن تعداد حمامات دمشق بلغ خمسة وسبعين حماما، واذا سلمنا بصحة هذه الارقام تكون حمامات دمشق المملوكية قد زادت على ما يربو على الضعف وما يشكل دليلا قاطعا على نمو عدد السكان. واورد المقريزي ستا واربعين حماما في القاهرة[70] من دون ان ندري المستجد منها، علما ان عددا لا بأس به كان قد اندثر[71]. اما المساجد والجوامع في دمشق فقد بلغ عددها وفق ما ذكره الدكتور نقولا زيادة واحد وسبعين مسجدا[72]، ولكننا لا نعرف المستجد منها خلال العهد المملوكي، ما يجعلنا نفتقد الى معيار لتقدير النمو السكاني وبالتالي التطور العمراني. في حين ان هذا الامر واضح في القاهرة فقد استحدث فيها على الاقل عشرة جوامع غير تلك التي رممت.[73]

    لقد ازدادت الحركة العمرانية في دمشق المملوكية؛ فعلى صعيد الابنية الحكومية تم بأمر من السلطان الظاهر بيبرس بناء القصر الابلق غربي المدينة  سنة 659/1260م[74] ، وشيد نائب دمشق عز الدين ايدمر بناء على رغبة السلطان السعيد بركة خان المدرسة الظاهرية بالقرب من الجامع الاموي[75]. كما شيد نائبها تنكز سنة 739/ 1339 خارج سور المدينة دارا لتعليم الحديث النبوي الشريف، ومسجدا[76]. وبنى الامير مكي بن حيوط مسجدا شرقي الشويكة في وسط بستان وأوقف عليه ” جهات عديدة “[77]. وانتشرت اسماء السلاطين المماليك ونوابهم في دمشثق منقوشة على عدد كبير من الابنية خصوصا خارج اسوار المدينة[78]. ما يدل على ازدياد في عدد السكان، قد لا يكون التزايد السكاني ناتجا عن تطور طبيعي داخل المدينة فقط، انما ايضا عن هجرة سكانية من الارياف الى المدن بشكل عام نتيجة لسؤ استغلال الارض المرتبط اساسا بالانحطاط الذي اصاب النظام الاقطاعي[79]. وعن انتشار الابنية الخاصة والحكومية خارج اسوار المدينة وفي داخلها.

        ان هذه الامور توضح بدون ادنى لبس ان دمشق تطورت سكانيا وعمرانيا بشكل ملحوظ، ويزيد في قناعتنا هذه ما اورده العمري عن ازدياد عدد الاجناد بدمشق. وقد ادت حاجاتهم للوازم الخيل وغير ذلك الى نشوء الاسواق المتخصصة، فاتسعت الاسواق وما عادت قادرة على استيعاب الطلب، فانتقل المختصون ببيع لوازم الخيل الى خارج المدينة حيث اقيم سوق الخيل، وتبعهم اصحاب بعض حوانيت الخضار والمواد الغذائية الاخرى فصار يقام بقرب السوق المذكور سوق خاصة عرف باسم ” دار البطيخ “[80]. وما يعزز رأي تطور المدينة السكاني والبنائي ما اورده كل من “سوفاجيه “وابن بطوطة، فيتحدث الاول عن انشاء ضاحيتين جديدتين السويقة في الجنوب الغربي، وسويقة ساروجا في الشمال[81]. ويصف ابن بطوطة ضاحيتين جديدتين شيدتا في العصر المملوكي: الربوة الواقعة في اسفل جبل قاسيون” وبها القصور المشيدة والمباني الشريفة”[82] وتعبير المباني الشريفة هي صفة المباني السلطانية ما يدفعنا للاعتقاد ان السلاطين ساهموا بانشائها او انها اوقفت لصالحهم على غرار الاراضي الاقطاعية. والضاحية الثانية هي الصالحية التي شيدت خارج” باب شرقي” بدمشق وهي ” مدينة عظيمة” على حد تعبير ابن بطوطة فيها سكك واسعة ومدرستان[83]، وصار فيها في اواخر العهد المملوكي سبع دور للحديث، وستة عشر رباطا، وثمان وثلاثون حارة وواحد وسبعون مسجدا[84].         

   ان هذا التطور الملحوظ لم يرافق دمشق المملوكية عبر كل تاريخها، فهي تعرضت لازمات متعددة احيانا متسارعة واحيانا اخرى متباعدة، نتيجة التكوين الاجتماعي من جهة، او بسبب اعتداء خارجي من جهة ثانية. فالحالة الاولى تكررت مرات عديدة وفي ظروف متقاربة من حيث علاقة الحكام بافراد الشعب على مختلف فئاتهم، او من حيث علاقة هذه الفئات بعضها بالبعض الآخر. اما الحالة الثانية فليست سوى تغيير شبه جذري نتج من تعرض المدينة لغزوات المغول خصوصا غزوة تيمور سنة 1400م. التي ادت الى تهديم البنى الاجتماعية والاقتصادية.[85]

   اذا عدنا الى خطط المقريزي نلاحظ ان نسبة الهدم في القاهرة فاقت نسبيا نسبة العمران، ونلمس ذلك من تأسفه على الاسواق التي تهدمت بفعل الصراعات غير المنتيهية بين الفرق المملوكية.[86] ولا تمدنا  الخطط بالضبط بالضواحي التي شيدت خارج القاهرة ولا بنسبة التطور.

ثانيا: البنى الاجتماعية:

 1 – التوزيع السكاني في المدن: ان التاريخ الاجتماعي يأخذ بالاعتبار المجموعة الكلية للتكوين الاجتماعي، ومن الصعب تحديد اطره ومعناه التام الا بدراسة او التطرق الى جميع الاطر المعنوية المتعلقة بمختلف المجموعات، اضافة الى دراسة علاقة الفرد بالجماعة. وبما انه يتعذر علينا دراسة علاقة الفرد بالجماعة، بسبب قلة الوثائق، سأدرس هرمية المجتمع المملوكي المديني لأن معلوماتنا عن الارياف شبه معدومة، بادئا ببنية كل فئة من الفئات الاجتماعية، ثم حركيتها الذاتية من جهة، والخارجية من جهة ثانية اي علاقاتها بالفئات الاجتماعية الاخرى. وتبقى عمودية الدراسة مرهونة بما توفره المصادر من معلومات.

    ان دراسة التاريخ الاجتماعي تقتضي الحصول على المبدأ المنظّم للمجتمع الذي يفرّع السكان الى فئات (طبقات وفق المصطلح الحديث)، ويميّز بينها ويحدد بناها، ومن جهة ثانية يسمح بدراسة الحركية الداخلية والخارجية لكل منها. وقد اتخذت من الوظيفة مبدءا منظما للمجتمع المملوكي. وهي غير محصورة بالمناصب الحكومية فقط، بكل المهن ايضا ايا يكن نوعها ومستواها، كما البطالة عند الارذال او الزعر او الحرافيش.

     كان المجتمع المملوكي مغلقا اجمالا، بل جامدا لأن حقوق الفرد كانت مرهونة بحقوق الجماعة التي ينتمي اليها وظيفيا. ولم يغفل بعض مؤرخي العصور الوسطى عن تحديد التراتب الاجتماعي المملوكي المستند الى الوظيفة؛ فقد قسّم المقريزي المجتمع المملوكي ،بوجه عام، الى سبع فئات :      

  -ارباب الدولة.

  • مياسير الناس من التجار والفقهاء والمتعممين.
  • متوسطو الحال من التجار والباعة واصحاب المعاش والسوقة .
  • الفلاحون من اهل الزراعة .
  • سكان الارياف والقرى .
  • ارباب الصناعات والحرف البسيطة .
  • والمعدمون[87]

         ان هذا التوزيع العام الذي اورده المقريزي يشمل كل المجتمع المملوكي، اما في المدن فيمكن اعتماد تفريع آخر ينبثق من توزيع المقريزي يأخذ بالاعتبار خصوصية المدينة والتجانس الاجتماعي الاكثر شمولا، وهو باعتقادي على الشكل التالي: الطبقة العسكرية الحاكمة، الاعيان الذين يضمون كبار رجال الدين والتجار وارباب الصناعة، او ما يطلق عليه بياض العامة، ثم سواد العامة، واخيرا الزعر والارذال والاوباش.

    كان سكان دمشق يتألفون من غالبية عربية كبرى، اضافة الى عدد من اجناس مختلفة وفدت اليها عبر تاريخها مثل بربر شمال افريقيا خلال العهد الفاطمي، والتركمان في العهد السلجوقي الاتابكي، والاكراد في العهد الايوبي واستمروا يشكلون اقلية[88]. هذا اضافة الى الشعوب المغلوبة من المناطق المجاورة خصوصا من تلك التي تعرضت للغزو المغولي ولا سيما العراق، كما لجأ اليها طائفة دينية كبيرة العدد من المغاربة لاسباب دينية[89].

   اما القاهرة فهي عبارة عن سندس اثني بدءا بالاقباط، فالعرب، ثم موجات الاغراب العديدة والمتكررة التي حطت رحالها فيها خصوصا منذ العصر العباسي الثاني وتحديدا منذ بدايات العهد الطولوني. وتلا ذلك دخول المغاربة الذين جاءوا مع الفاطميين واستمر قدومهم اجمالا مدى العهد الفاطمي، ودخلها ايضا عدد وافر من الاتراك والاكراد في العهد نفسه كما السودان من النوبة والسودان. وتزايد عدد المشارقة من ديالمة واتراك واكراد في العهد الايوبي[90]، واكتمل السندس الاثني في العهد المملوكي الذي بني على استقدام الارقاء من مختلف الاعراق والجنسيات. هذا اضافة الى الجاليات التجارية المتعددة المشارب بين مشرقية واروبية. وكان لكل من هذه الجاليات عاداتها وتقاليدها  الذاتية، وتقيم في احياؤها الخاصة، وكانت جميعها تتشارك عموما عادات مشتركة منطلقة من التشريع الاسلامي واخرى متراكمة عبر العصور.

    2 – الطبقة العسكرية الحاكمة: شكل السلطان وامراؤه واجناده طبقة عسكرية حاكمة مغلقة عن الشعب. وحدد الانتماء اليها بشروط لم تتوفر بالسكان الاصليين: كالعرق، اي ان يكون مولودا خارج الاراضي المملوكية في الشرق العربي والاسلامي وبالتحديد في السهوب الآسيوية الاوروبية الممتدة من آسيا الوسطى حتى البلقان والبحر الادرياتيكي[91]. والرق[92]،  واجادة اللغة التركية لان المماليك كانو يتحدثون بالتركية في اجتماعاتهم ومجتمعاتهم[93]، وقليلون منهم من اتقنوا العربية، لا بل ان بعضهم لم يفقه منها شيئا[94]. و التربية في الطباق ( الثكنة العسكرية )، والعتق، والتدرج بالامرة[95]. وانحصر تزاوج امراء المماليك اما من نساء تركيات جيء بهن خصيصا لهذه الغاية، او من بنات امراء المماليك، وقليلون منهم من تزوجوا من بنات مياسير التجار او بنات المتعممين[96]. وكانت جميع اسماء الامراء تركية، ولم يجرؤ احد منهم الخروج على هذه القاعدة مخافة القتل او العزل، فالسلطان جقمق ( 1438 – 1453م. ) اراد ان يتسمى محمدا تيمنا بالرسول (ًصلعم ) ولكنه خاف العزل فتسمى جقمق محمد[97]. انما حق لهم بالالقاب الدينية مثل ركن الدين او عز الدين… وانفرد المماليك بلبس ثياب مميزة مطرزة الكمين تمييزا لهم من افراد الشعب. وارتدوا قباء طويلا ينتهي بأكمام ضيقة، واعتمروا كلوتة صفراء من دون عمامة، وشدوا على خصورهم احزمة من القطن البعلبكي، وتميزت ايضا ثياب الامراء من ثياب الجند[98].

     ومن مميزات الطبقة العسكرية الحاكمة اقتناء الرقيق وركوب الخيل الذي لم يجز ركوبها[99] لغيرهم، وعلى رغم اسلامهم فلم يقض  الامراء في ما بينهم بالشرع الاسلامي بل ب ” الياسة او اليسق ” وهي مجموعة القوانين المغولية التي اصدرها جانكيز خان ( 1206 – 1227م.)[100]. وحاز المماليك وحدهم، سلطانا وامراء واجنادا، الاقطاعات الزراعية وشاركهم بقسم ضئيل نسبيا بعض المتعممين ممن اشرفوا على المؤسسات الدينية والتربوية والاجتماعية[101]، كما توزعوا في ما بينهم المرافق الاقتصادية العامة الاخرى ولا سيما الجمارك التي حازوا عليها عن طريق الاقطاع.

        ان هذه المميزات تشمل كل المماليك خصوصا من كان يسكن منهم في القاهرة وهي تنسحب على تواجدهم في كل المدن، لان نائب السلطان في نيابته شكل سلطانا مصغرا، وتميز بخاصات السلطان من حيث الصلاحيات وبيوت الخدمة، انما على مستوى ادنى، فالاول كانت تنعت بيوت خدمته بالشريفة والثاني بالكريمة.

    وانقسمت الفئة-الطبقة العسكرية الحاكمة من حيث وظائفها وتركيبها العسكري والاداري والاجتماعي الى ثلاث مستويات: السلطان، الامراء على اختلاف مراتبهم، والاجناد على تنوّع انتماءاتهم.

    كان السلطان هو رأس الجهاز العسكري والاداري المملوكي، وشكلت وظائف الامراء بيوت خدمة له، على رغم ان الابعاد الاساسية لوظائفهم كانت مهاما حكومية بحتة. وليس ادل على ذلك من الاسماء او الالقاب التي اطلقت على بيوت الخدمة السلطانية مثل: امير مجلس، دوادار كبير، استاذ دار، امير آخور…[102]. هذا اضافة الى وظائفهم في النيابات الموزعة على ارجاء الدولة خصوصا في بلاد الشام حيث كانوا يقومون مقام السلطان فيها ويلقب واحدهم بنائب السلطان. وكانت للامراء بدورهم، ولا سيما امراء المائة، بيوت خدمة على غرار السلطان ولكنها كانت ادنى منزلة من حيث المهام الحكومية، وضاهت احيانا نظيراتها السلطانية من حيث الفعالية والغنى.[103]وتمتع امراء الطبلخاناه او الاربعين ايضا ببيوت خدمة ادنى رتبة من مثيلاتها عند امراء المائة وتقدمة ألف، وهكذا نزولا حتى ادنى رتب الامراء[104].

    اما الاجناد فكانوا عدة فئات: المماليك السلطانية وكانوا بدورهم موزّعين الى عدة اقسام: الكتابية او المشتروات، القرانصة وهم مماليك السلطان السابق وصاروا في خدمة السلطان القائم ريثما يتم تربية مماليكه الاجلاب، السيفية وهم مماليك الامراء المتوفين او المعزولين. ثم اجناد الحلقة وهم عدة فئات: مماليك سلطانية عزلوا من الطباق( الثكنة العسكرية)، وسيفية، واولاد الناس اي اولاد السلاطين والامراء. والفئة الاخيرة هي مماليك الامراء[105].

       لم يقل الشأن الوظائفي المملوكي في النيابات عمّا كان عليه في القاهرة؛ فقد عاش في دمشق مثلا عدد كبير من ارباب السيوف كان نائب السلطان اعلاهم رتبة، يعينه السلطان بمرسوم شريف ويعبر عنه لاهميته بكافل السلطان ويخصص بألقاب ونعوت لم يسمح بها لغيره[106]. وكانت تزين كل احياء المدينة وحاراتها عند دخوله اليها، ومن عادته التطواف حول قلعتها سبع مرات، والصلاة ركعتين عند باب السر، ومن ثم يتوجه الى مقره في دار السعادة[107]. وللدور الديني اهمية اساسية في تولية النائب كون الدولة اسلامية، خصوصا ان  السلطان يستمد شرعية حكمه من الخليفة وقضاة القضاة والعلماء والفقهاء، لذلك كان النائب يخلع الخلع على قضاة القضاة الاربعة في دار العدل[108] تعبيرا عن اقراره بدورهم في الحياتين الدينية والاجتماعية وان نظريا.

    تمتع نائب دمشق بصلاحيات واسعة جدا ان من حيث التوظيف او العزل، او منح الاقطاعات[109] . كما توجب عليه اداء مهام ادارية وامنية وسياسية واجتماعية ودينية[110]. وتمتع بمنازل خدمة كريمة على غرار منازل الخدمة الشريفة السلطانية: فكان له دواداره، وخازنداره، وامير مجلسه، وامير آخوره، وشاد الشرابخاناه، ومهاتر بيوته…[111]

    وعاش في دمشق الى جانبه ثمانية امراء مائة ومقدمو ألوف، وواحد وعشرون امير اربعين او طبلخاناه، واثنان وعشرون امير عشرين، وواحد وخمسون امير عشرات، وثلاثة وعشرون امير خمسة[112]، عدا عن مقدمي الحلقة واجنادها وهم عدد كبير، اضافة الى عدد آخر من الموظفين لا يسعنا ذكرهم جميعهم بحيث يغدو الموضوع دراسة في الادارة المملوكية ،[113] ونائب القلعة الذي لم يكن لنائب دمشق سلطة عليه[114]، واتابك العسكر ( قائد الجيش ) وبالتالي نشأ نظام عسكري بيروقراطي لتلبية متطلبات السلطان من جهة، ولتلبية حاجات النائب الذي كان الى حد بعيد مستقلا في نيابته.

        اذا علمنا ان الجيش المملوكي النظامي اقتصر على الارقاء المشتروات، ناهيك بان كل امير حُق له بشراء عدد من المماليك لخدمته الخاصة تتناسب مع رتبته لأدركنا العدد الهائل للمماليك الاغراب في الحاضرة او في مراكز النيابات ما جعلهم يشكلون بالتأكيد طبقة قائمة بذاتها ولكنها ذات مستويات مختلفة تبعا للرتبة والدخل. وقد تمايزت اجتماعيا بشكل لافت عن ابناء البلاد، وتدرجت نسبتها الاجتماعية والاقتصادية تبعا للمناصب من اعلى الى اسفل بدءا بالسطان فأمراء المائة في الحاضرة، ثم النواب في النيابات وعلى رأسهم نائب دمشق، فامراء المائة فيها وفي غيرها من النيابات التي اقام فيها مقدمو ألوف، نزولا هرميا حتى الاجناد. ويمكن اعتبار هذا التفرع اسرويا الى حد، بحيث شكل كل سلطان وامير نوعا من اسرة قائمة بذاتها بانتماء مماليكه اليه وحده بثلاث روابط على الاقل: الرق، والعتق، والوظيفة التي شغلوها لخدمته، وتبعهم بهذا الانتماء اسرهم، كما تبعهم ولاءً العاملين بخدمتهم في الاقطاعات المتنوعة. وعلى الرغم من انتماء افراد الطبقة العسكرية الحاكمة الى رجال السيف، فانهم لم يكونو متجانسين من حيث وظائفهم وانتماآتهم، فبعضهم ارتبط بالسلطان مباشرة والبعض الاخر بالنائب في النيابة، ما ادى الى تمايز وظيفي في القاهرة وفي النيابات، حتى ان بعض الموظفين في النيابات استغل ارتباطه بالسلطان وتجاوز كل الحدود[115].

    ان كل ذلك جعل الفئة العسكرية الحاكمة أكان في القاهرة او النيابات وحدات شبه مستقلة، ومرتبطة في آن بغيرها من حيث الوظيفة ونمط الحياة العام مع الاخذ بالاعتبار التمايز الاداري والوظيفي الذي سبق الكلام عليه.

   على الرغم من المميزات العسكرية والادارية والمالية[116] التي حازها المماليك على اختلاف رتبهم وفئاتهم ومستوياتهم فانهم لم يكتفوا بها بل تصارعوا فيما بينهم بشكل شبه دائم للحصول على المزيد منها وعلى مراتب اعلى، حتى باتت المدن المملوكية مسرحا لصراعات دامية غير منتهية كان لها تأثير كبير على تدهور الحياتين الاقتصادية والاجتماعية.   

    وقد تمتع السلاطين والامراء المماليك الكبار بثراء فاحش بلغ مستويات اسطورية تذكرنا باخبار ألف ليلة وليلة، واليك بعض النماذج: عندما توفي الامير سلار ترك كنوزا مذهلة ذكر ابن اياس بعضا منها: خمسة وعشرين رطلا احجار كريمة من زمرد وياقوت، وثلاث مائة قطعة ألماس، ومائة وخمسين حبة لؤلؤ كبيرة زنة الواحدة منها مثقالا، ومائتي ألف دينار ذهب عين، واربع مائة ألف دينار من الفضة، واربعة قناطير من المصاغ الذهبي، عدا عن الخيل و غيرها من الماشية؛ ويزعم ابن اياس ان دخله بلغ من اقطاعاته وحماياته مئة ألف دينار[117]. وبلغت قيمة اموال نائب الشام التي صادرها السلطان الناصر محمد بن قلاوون ( 1309 _  1340م.) حوالى المليون ونصف المليون من الدنانير الذهبية[118]. ووزع الامير قوصون، الذي عين نائبا على الشام ، النفقة على الامراء على غرار السلاطين، منها ثمانين جارية، واثني عشر ألف اردب غلة، وكثيرا من الذهب و الجواهر، ولكثرة عطاءاته توجس السلطان منه خيفة فاوقع به، وصادر له العامة اربع مائة ألف دينار ذهب عين، وعددا كبيرا من الكلفتاه المزركش والاواني الفضية والذهبية، فضلا عن ثلاثة اكياس اطلس كبيرة مليئة بالجواهر قدرت بمائة ألف دينار[119].وقد احصي ما تركه ” تنكز ” نائب الشام فبلغ مليونين وسبع مئة ألف دينار، وسبع مائة وثلاثين ألف درهم فضي فضلا عن المجوهرات[120].

     قد تكون في هذه الارقام مبالغة، علما انها استُقيت من مؤرخيْن مملوكيين يتحدران من الطبقة العسكرية الحاكمة هما ابن تغري بردي وابن اياس، ولكنها تدل على مدى الثراء الفاحش الذي اصابته الطبقة العسكرية المملوكية الحاكمة، التي لم يكن لها  مبرر لظلم الفئات الشعبية، لا سيما انها اصابت بعض ثرائها من اعمال الظلم التي مارسته على الرعية.

   انصب اهتمام المماليك على تنظيم الجيش _ بمعناه الواسع اي السلطان والامراء ايضا-وتدريبه وتأمين رفاهيته، وبالتلي الحصول على الضرائب لتحقيق هذه الغاية. وبما ان اهتمام الحكومة المركزية تركّز على الانجازات في القاهرة التي ساهمت الرعية بالعديد منها من طريق دفعها ضرائب استحدثت خصيصا لتنفيذ المشاريع، وبما انها ايضا ما كانت مسؤولة عن الخدمات المدنية التي اضحت عرفا على عاتق نوّاب السلطان في مراكز النيابات بشكل رئيسي، وبدرجة اقل على عاتق الامراء الكبار المتواجدين فيها. وبما ان هذا الامر لم يكن ملزما قانونيا، فان هذه الخدمات ارتبطت بهمتهم وبقدر حاجتهم للتقرب من الشعب، وبقدر الضعط الذي مارسه عليهم الشعب من خلال رجال الدين، او باعمال الضغط المشروعة _ ان جاز التعبير _ كالتكبير في المساجد، او التظاهر مكبيرين ايضا في الشوارع الرئيسية[121]. وهكذا انفصل اجتماعيا رجال السيف عن ابناء البلاد بنظمهم وعاداتهم واخلاقهم وممارساتهم التي جاءت غالبا مجحفة بحق الرعية، وشكلوا فئة اجتماعية سياسية عسكرية مغلقة عن الدمشقيين، ولكن آليتها الداخلية كانت متحركة باتجاهين صعودا نحو القمّة، او انحدارا وصولا الى مستوى البطالة والعزل. وفي الحالين معا خضعت تلك الفئة لظاهرة اجتماعية واحدة لها خاصاتها وميزاتها في انها فئة ممتازة ومتميزة عن ابناء البلاد الاصليين، بل عن السكان كل السكان. وجاء تحول تلك الظاهرة بطيئا جدا بما اجازه القانون تدريجا لافرادها بالاختلاط بالدمشقيين ضمن حدود ضيقة، دفعت ببعض السكان ان يحذوا حذوها وان جاء ذلك مخالفا للقانون، كما سنلاحظ بالحديث عن الزعر، كما تأثر السكان ايضا ببعض العادات المملوكية.

3 – اعيان المدنيين:

أ – رجال الدين المسلمون: كان الاعيان أكثر من فئة؛ رجال الدين، كبار التجار، وكبار الحرفيين او الصناعيين ان جاز التعبير. شكل رجال الدين المسلمون، بوجه عام ، صمام امان في المجتمع الاسلامي لانهم احتلوا المنزلة المدنية الارفع فيه – علما انهم شكلوا احيانا ركائز فساد فيه-، وظل الناس ينظرون اليهم باكبار حتى في فترات الانحطاط، لممارستهم، من حيث المبدأ، شؤونا مدنية اجتماعية مثلت دور الرقابة على اعمال الجهاز العسكري الحاكم. حتى ان رجال الدين الذين تسرّب اليهم الفساد، وجروا وراء مصالحهم الذاتية، بخضوعهم لرغبات الطبقة العسكرية وتنفيذ مآربها على حساب الشعب، وحتى ايضا الذين تندّر بهم الناس، ظلوا  جميعهم يحتلون منزلة مهمة، ليس على الصعيد الشخصي، انما على مستوى الوظيفة الجليلة التي شغلوها بما كان لها من منزلة رفيعة وتقدير عند مختلف فئات  المجتمع.

     اما ابرز الوظائف الدينية  في القاهرة او في النيابات فقد حددها القلقشندي ولعل ابرزها: قضاة القضاة وكان عددهم اجمالا اربعة، وقاضيي عسكر شافعي وحنفي، ومفتيي دار العدل شافعي وحنفي ايضا، والمحتسب، ووكيل بيت المال[122]. اهتم المماليك في بداية عهدهم بالنظام القضائي فاستحدث السلطان بيبرس البندقداري منصب قاضي قضاة لكل من المذهب السنية الاربعة[123] كان اهمهم الشافعي.[124] ويعتبر قاضي القضاة رئيس الادارة القضائية من حيث المبدأ، إليه يرجع تعيين القضاة وعزلهم، وتعيين نواب له، والفصل بين الخصوم، وتنفيذ الاوامر الشرعية[125]. والقضاء المملوكي استمر سليما معافى ما دام السلاطين كانوا يقظين ويهتمون بامور الرعية، فكانوا عادة يعزلون من تسؤ سيرته من القضاة[126]. وكان من المفترض ان يختار اهل كل مذهب قاضي قضاتهم بعد موافقة السلطان، ولكن ذلك سقط بعد ان عمّ الفساد الادارة المملوكية عموما، خصوصا ان العلوم الدينية لبعض السلاطين كانت متواضعة[127]، وخفّت اهتماماتهم بامور الرعية، وحرصوا على الحصول على المال بشتى السبل وصارت المناصب تشرى بالرشوة[128]. وتمكن بعض القضاة من جمع اموال طائلة بطرق مشبوهة، من دون ان يخجلوا، بل ان بعضهم راح يتباهى بسطوته ونفوذه غير آبه بتهكم الناس، وغير مكترث بأحكام الشريعة، فاحتقره زملاؤه والناس كلهم[129]. خصوصا ان بعض هؤلاء كان جاهلا اصول القضاء واحكام الشريعة، والعلوم الدينية الاخرى التي هي في اساس التربية في الاسلام ومنارة السلوك الاجتماعي[130]. ولم تكن حال حميع القضاة على هذا النحو اذ أُثر عن بعضهم الصلاح واعمال الخير والاجتهاد بتلاوة كتاب الله والاكثار من الصلاة والتفقه بالاحاديث النبوية[131].

ب – رجال الدين المسيحيين:

     كما مارس احيانا قضاة القضاة والقضاة ضغوطا على الطبقة العسكرية الحاكمة بدمشق لاطلاق من اعتقل ظلما وعدوانا، اوللشفاعة بمن اعتقل اثناء الصراع بين الاجناد المماليك والسكان، وما شابه هذه الحالات[132]   

الوظائف الدينية الاخرى: تنوعت مهام رجال الدين وشملت مختلف الحقول الاجتماعية لإرتباطها بالشرع الاسلامي، ولأن وظيفة رجال الدين تتصدر الحياة الاجتماعية. ونذكر منهم مفتيي دار العدل وكان من مهامهم حسن تطبيق الشريعة الاسلامية، وبلغ عددهم، بوجه عام، اثنين: شافعي وحنفي، ويتم تعيينهما من قبل السلطان[133]. ووكلاء بيوت المال، وهم مؤتمنون على اموال  الدولة[134]. والمحتسب الذي يراقب الاسعار و المكاييل و الموازين والاخلاق العامة[135] ودوره اجتماعي بامتياز لأن من مهامه الاشراف على المرافق العامة، والاقتصاص من المخالفين للأنظمة العامة والاخلاق، وباختصار فان دوره يتمحور على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن الحسبة صارت منذ العهد الجركسي عموما تشرى بمال، وفسد اصحابها، وحادوا عن السراط المستقيم، ما جعل المقريزي الذي سأه اسناد الحسبة الى احد باعة السكر ان يقرّظ السلطة قائلاً:” فكان هذا من اشنع القبائح، وواقبح الشناعات.”[136]

 ومارس رجال الدين دورا اجتماعيا مهما جدا وهو التدريس بالمدارس، وادارة اوقافها، واوقاف المؤسسات الدينية المتنوعة كالمساجد والجوامع والخوانق والربط وما الى ذلك، وبالتالي ارتبط بهم السكان بشكل اساسي بحياتهم اليومية والعادية، لأن الثقافة الدينية كانت محورا اساسيا في حياة الناس، ولم يكن من الضروري ان يتقن الفرد القراءة والكتابة لكي يحظى بثقافة دينية، بل عن طريق السماع والوعظ والاراشاد.

   لهذا لعبت المدرسة دورا اساسيا في التآلف الاجتماعي لاستنادها الى مذهب شرعي محدد، ولوجودها في مكان محدد من المحلات او الاحياء، وبما انها كانت تقوم اساسا على التوعية الدينية وتعليم اصول الدين من فقه واحاديث، وخصوصا تلقين القرآن، لان الدين الى جانب كونه عقيدة غالبية السكان فانه كان ايضا نظام حياة، وبالتالي اصبحت المدرسة النقطة المركزية في التوحيد الشامل لابناء المذهب المنتسبة اليه. ولم تكن غايتها التعليمية تخريج رجال دين على مختلف المستويات فقط، بل ايضا تثقيف المجتمع، فكان ينتسب اليها ابناء الفئات المتوسطة والغنية تقربا من الله وللتفقه باصول الدين، وللاكتفاء الذاتي على هذا الصعيد. حتى اذا تخرج الواحد منهم واشتغل بمهنة حرة ادرك اصول المعاملات الشرعية [137]

على رغم الدور الديني- الاجتماعي الذي مارسه المتعممون الدمشقيون فقد شكلوا فئة اجتماعية خاصة، فاذا اخذنا فقط بالاعتبار قضاة القضاة ومساعديهم من القضاة، وارباب الوظائف الديوانية، والمدرسين ندرك تماما العدد الكبير لهؤلاء الذين شكلوا فئة متميزة وان على درجات تبعا لوظائفهم. فقد كانوا جميعهم من المتفقهين بعلوم الدين على مختلف انواعها وان بمستويات متفاوتة، وجاءت ثيابهم متشابهة مع بعض الاختلاف[138]، وفرضوا احترامهم على الدمشقيين والحكام على حد سواء، ونالوا رواتب نقدية او اقطاعات، وبالتالي كانت احوالهم الاقتصادية جيدة الى مريحة تبعا للوظائف التي كانوا يشغلونها. كما كانت لهم منزلة وكلمة مسموعة عند الفئة العسكرية الحاكمة.    

رجال الدين المسيحيين: اعترفت السلطات الاسلامية بالهرمية الكنسية عند المسيحيين، ويذكر كل من القلقشندي والخالدي ان البطريرك رأس الكنيسة والقائم بامور الدين، ويليه الاسقف وهو نائب البطريرك، فالمطران الذي يتولى القضاء بين رجال الدين ممن هم دونه، فالقسيس، ثم صاحب الصلاة المعروف بالجاثليق وهو القيم على الكنيسة ويأتي في المرتبة الاخيرة الراهب المتعبد في خلوته.[139]

بعد انتقال بطريركية اليعاقبة من انطاكيا الى دمشق غدت ابرشية دمشق تابعة للبطريرك القائم عليها وصار، منذ ذلك التاريخ، يتم انتخابه من قبل مطارنة الابرشيات الاخرى[140]. وللانتخاب دلالات مهمة على الاستقلال الداخلي للجسم الكنسي خلافا لاوضاع السلطات الروحية الاسلامية التي كان السلطان ينفرد بتعيين كبار رجالها. اما بطريرك اليعاقبة فكان نائب البطريرك في مصر.[141]

 قاد رجال الدين المسيحيون ابناء طوائفهم ومثلوهم امام السلطان ونوابه لأنهم كانوا المسؤولين عنهم، وليست لدينا معلومات وافية عن احوالهم سوى الناحية الادارية التي ذكرها القلقشندي، وشأنها معروف حتى اليوم.[142] ومن المرجح، ان المسيحيين كانوا يعيشون في احيائهم الخاصة، ويتمتعون بنظمهم الخاصة ايضا، ما جعلهم فئة اجتماعية ميميزة ببعض وجوهها من الفئات الاجتماعية الاسلامية، علما ان الصفة العامة للمجتمع الاسلامي بما هي ظاهرة اجتماعية عامة شملتهم بدورهم، لانهم تشاركوا مع بقية السكان الاعمال عينها، واحتفلوا معهم بكل الاحتفالات والاعياد ، كما شاركهم المسلمون احتفالاتهم.

رجال الدين اليهود: كان رئيس اليهود المسؤول، بوجه عام عن طائفتي اليهود القرائيين و الربانيين معا[143]، وكان وضعهم الاجتماعي مشابها الى حد بعيد لوضع المسيحيين.

ج – اعيان التجار والصناعيين: لتحديد التفريع الاجتماعي ضمن فئة الاعيان لا بد من اعتماد المبدأ المنظم المبني في هذه الحالة على المستويين الاقتصادي والمنزلة الوظيفية. ان خلوّ مصادرنا العربية من الارقام تدفع بالباحث لاعتماد الصفة فقط بالنسبة للحالة الاقتصادية التي تعتمدها هذه المصادر كأن تقول فلانا من مياسير التجار او من كبار التجار، كتجار الخانات والقيساريات، وارباب القوافل وتجار الجملة والسماسرة او الوسطاء التجاريين

    لقد ضاهى هؤلاء كبار الامراء من حيث الاهمية وشاركوا بحضور الاحتفالات الرسمية، ونالوا احتراما مميزا من السلطات ومن الشعب على حد سواء[144]،لان التجارة تحتل مركزا مرموقا في الاسلام[145]. ويندرج ضمن هذه الفئة اصحاب الصناعات المهمة وهم غير الحرفيين الصغار. ويصعب علينا اعطاء فكرة واضحة عن هؤلاء حتى وان اعتمدنا على دراسة المصادرات التي كانت تقوم بها السلطات الحاكمة بدمشق لسد عجز موازناتها او لزيادة مداخيلها، لأن المصادر الدمشقية تحجم، غالبا، عن مدنا بالارقام عن غنى بعض التجار وغيرهم من الميسورين سوى بعض الحالات النادرة[146]. وهناك صعوبة اخرى تتمثل بتحديد نسبتهم الى مجموع تجار مصر وبلاد الشام من جهة، والى مجموع السكان من جهة ثانية.

4 العامة: ان تعبير العامة او اصطلاحه قديم جدا في المجتمع الاسلامي، تناوله الادباء والفقهاء والمؤرخون للدور البالغ الاهمية الذي مارسته العامة في المجتمع على الصعيدين الاجتماعي والسياسي؛ فهم عند الدينوري :”اصحاب الاهانات، وابناء الانذال…ومنهم الرعاع والهمج والغوغاء، واهل السفه.”[147] وهم عند الطبري: النطاف وباعة الطريق في محتقرات البيوع، وبائعو البطيخ والزجاج، والقصابون، والبقالون، والكناسون[148]. والعامة عند “الصفدي”خلاف الخاصة”[149].

  وعلى هذا ، يمكن تعريف العامة في العهد المملوكي بأنها الفئات الشعبية التي لم تتلق تعليما، ولا حققت ثروة، ولم تشغل منصبا حكوميا، بل هي جماعات دفعت الضرائب من دون ان تفيد منها اجمالا، وسميت العامة او عامة الناس لاضفاء عليها صبغة من الاحترام وتمييزا لها من الزعر والارذال.

   وتألف العامة في العهد المملوكي من: اصحاب الحوانيت، والباعة المتجولين، وباعة المفرق، والعمال كالنجارين والبنائين، والحرفيين[150]، وضمت ايضا اصحاب الصفقات التجارية المشبوهة،

والمخادعين، والسماسرة، والصيارفة.[151]واضاف اليهم المقريزي تجار النخاسة، وبائعي الخمور، والمغنين والنادبين، والقصابين، واصحاب بيوت الدعارة، وضامني الافراح والمآتم، والمشاعلية اي منظفي الاقنية والبيوت[152]. كما يضاف الى هؤلاء عمال الدباغة، وضاربي الرمل لكشف الغيب، وسائقي البغال والحمير وغيرهم[153]. وشمل هذا التصنيف مختلف الطوائف: الاسلامية من سنة وشيعة، والمسيحية من نساطرة ويعاقبة، ويهود قرائيين وربانيين وسامرة.

     لقد تجانس جميع العامة من حيث طبيعة العمل، فمثلا: لم يكن ممنوعا على الذميين ممارسة اي مهنة يمارسها المسلمون. وتحجم مصادرنا عن مدنا بمعلومات لدراسة وضع العامة الاجتماعي بشكل صحيح. ويمكن القول: انهم شكلوا معظم السكان، وكانت لهم عاداتهم وتقاليدهم المشتركة مع امتياز كل فئة منهم بلغة خاصة، واسلوب عمل تبعا لطبيعة المهنة التي يمارس.

5 – الزعر: ان نشوء المعدمين في مختلف المجتمعات الانسانية نتج من الصراع على الثروة او على السلطة، او على الاثنين معا لتلازمهما في غائية جنوح الانسان الى العظمة. وفي خضم يأس المعدمين انبرت جماعات تدعي الدفاع عن مصالحهم، ونصبت نفسها قادة عليهم باسم الانسانية. وتكونت هذه القيادات، في الغالب، من افرازات اوضاعهم البائسة المنبثقة من رفض الواقع المظلم والمرير، ومن جنوحها بدورها للاستغلال، ولشراسة في اخلاقها وطبائعها. فتكونت اذ ذاك احزاب عفوية اخذت على عاتقها تغيير الواقع المشكو منه، وفق اساليبها الخاصة، واقنعت المعدمين بأن ما تصبو وتسعى اليه، وفق وسائلها الخاصة، يمثل انجع السبل لتطوير احوالهم البائسة، وبالتالي نشأت منظمات الزعر لتقف بوجه ممارسات المماليك الظالمة. وأنشأوا حارات خاصة بهم في عدد من الأحياء المملوكية وهي عبارة عن احزمة بؤس في طفرات المدن الحالية[154]، ساهمت بزيادة التدهور الاجتماعي والاقتصادي الدمشقي، لأن الزعر ومن شابههم عزفوا، بوجه العموم، عن القيام بأعمال شريفة.

لقد كون الزعر خلايا خاصة بهم تمركزت كل خلية في حارة من الحارات يتزعمها قائد عرف بكبير زعر محلته، وتزيّوا بلباس خاص تمييزا لهم من بقية الناس، وهو كناية عن “فرعاني” يلفونه على رؤوسهم، وثياب يقلبونها على أكتافهم. وارتدوا ايضا الأبشات بأكمامها الطويلة والعريضة لتخفي ما يحملونه من سلاح[155].

   اعتاش الزعر من موارد متعددة: فقد امتلك بعضهم الحوانيت، وفي هذه الحال فرضوا سطوتهم على الحوانيت المجاورة واحيانا على معظم حوانيت السوق او المحلة، بأن اقاموا في بعضها من يبيع لحسابهم باسعار مرتفع نسبيا فينصرف المشترون الى محلات الزعر فازدهرت محلاتهم. او انهم فرضوا الاتاوة “الخوة” على بعض الحوانيت، وذا رفض اصحابها الانصياع تعرضت حوانيتهم اما للسرقة او لاعتداءات اخرى. وكان تواجد حوانيتهم في محلة ما يشكل كارثة على اصحاب الحوانيت الاخرى، ليس بسبب ما ذكرت فقط، بل لان المحلة اذا تعرضت للرمي او الطرح فرضوا، بقوة السلاح او السطوة، المال المتوجب لتلك الضرائب على الحوانيت الاخرى، وبالتالي ينجون هم من دفع الضرائب[156]. واذا ارادوا الاحتفال- وكانت احتفالاتهم باذخة – بسبب اقامة الهدنة العسكرية بين منظماتهم حمعوا الاموال من “المستورين او المحتاجين على وجه الحياء والقهر”على حد تعبير ابن طولون[157].

   من المفارقات الغريبة، هوتشجيع السلطة الحاكمة للزعر على التمادي بغيهم، لاسيما عندما كانت تحتاج الى خدماتهم: فأحيانا كان نائب دمشق وبعض كبار الموظفين العسكريين يحضرون العرض العسكري الذي يقيمه الزعر، ومن ثم يخلع الخلع على اكابرهم[158]. وهذا يعني اعترافا ضمنيا بسلطتهم. والمؤسف ان نائب المدينة ساهم بطريقة فعالة بالاعتراف بالزعر وبتنظيمهم عسكريا وتدريبهم والاستعانة بهم[159].

  ومن المؤسف مساهمة بعض الفقهاء بطريقة غير مباشرة بازدياد اعمال الزعر الشائنة حينما اجازوا لهم قتل اعوان الظلم والمجرمين من البلاصين واللصوص وغيرهم من دون ان يدروا او انهم كانوا يدركون انهم حاولوا استئصال الجريمة بجريمة اخرى قد تكون ابشع، لان الزعر استندوا لتبرير جرائمهم على فتوى دينية وعلى مساندة بعض رجال الدين اذا اراد نائب المدينة او غيره من المسؤولين الاقتصاص منهم[160]. والافدح من ذلك كله انهم صاروا يخرجون باسلحتهم، ويسطون على اموال  الناس ومن امتنع عليهم قتلوه باسم الدفاع عن مساوىء المجتمع[161]  ولم يقف الامر عند هذا الحد بل صار الناس يدفعون لهم الاموال  لقاء القضاء على اعدائهم .واذا تجرأ احد وشكا امرهم للسلطات دفع حياته ثمنا بحيث انتشرت كمائنهم وكثرت الاغتيالات[162].

ان انحياز السلطة المملوكية الى نفسها على مختلف المستويات باستثناء التعليم والثقافة ساهم الى حد بعيد بنشوء تركيب اجتماعي محدد المعالم. احتل السلطان وامراء المائة واحيانا المظيين من امراء الاربعين مركزا رفيعا ومميزا في المجتمع المملوكي.

احدث خضوع معظم رجال الدين المسلمين الى قرارات ورغبات السلطان ونوابه كما الى النافذين من امراء المائة شرخا اجتماعيا كان من العسير ردمه في مجتمع اسلامي، كان من المفترض بكبار رجال الدين كالخليفة، الذي بات ألعوبة بيد السلطان، وقضاة القضاة …، ان يكونوا حماته وصمام امانه. ولكن معظمهم آثر نفسه وحب الارتقاء في المناصب على واجباته الاساسية. فراحت فئات الشعب بخاصة العامة والمعدمين ضحية انانية من كان يفترض بهم حمايتهم.

خضع  كبار التجار واصحاب الصناعات الى رغبات السلطة الحاكمة، وكان حروج عليها يهدد مصالحهم، ويذهبون ضحية المصادرات والطرح وغير ذلك من المساوئ الضريبية.


[1] – ابن كثير (ابو الفداء الحافظ)، البداية والنهاية، مطبعة السعادة، مصر، لا تاريخ، 14 جزءا، ج13، ص321

[2] – ضومط (انطوان)، الدولة المملوكية، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1980، ص203

[3] – سيرد تفصيل كل ذلك بدراسة الطبقة العسكرية الحاكمة.

[4]  – غاوبه (هانس)، “المدينة المشرقية-الاسلامية وسكانها” ضمن كتاب الاثار السورية، مجموعة ابحاث اثرية تارخية، باشراف الدكتور عفيف البهنسي، ترجمة، نايف بللوز، فينا، 1985، (305-310)، ص305

[5] – غاوبه ،المدينة الشرقية – الاسلامية ، ص 305-307

[6] – ابن طولون ( شمس الدين محمد)، اعلام الورى بمن ولي نائبا من الاتراك بدمشق الشام الكبرى، تحقيق محمد احمد دهمان، دار الفكر، دمشق، 1984، ص 82، 186

[7] – الصفدي (خليل بن ايبك)، تحفة ذوي الالباب فيمن حكم من دمشق من الخلفاء والملوك والنواب، وزارة الثقافة، دمشق، 1991، ق2، ص182

 القلقشندي ( احمد بن علي)، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1913، ج9، ص 253

المقريزي (تقي الدين احمد)، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد مصطفى زيادة، دار الكتب، القاهرة، 1934-1936، ج4، القسم 1، ص425، 442 

[8] – المقريزي، سلوك، ج2،ق1،ص40

  [9]  – لن ندخل في نقاش هذا الامر في هذا البحث، لمزيد من المعلومات انظر: القطار(الياس) نيابة طرابلس في عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1998، ص543

[10]  – كان لها وفق دراسة الدكتور عمر تدمري 12 باباً نقلاً عن  القطار (الياس)، نيابة طرابلس في عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1998، ص543

[11] – ابن كنان (محمد بن عيسى الصالحي الدمشقي)، المواكب الاسلامية في الممالك والمحاسن الشامية، تحقيق حكمت اسماعيل، وزارة الثقافة، دمشق، 1992، ص208-210 ، وايضاً : البدري ( عبد الله بن محمد)، نزهة الانام في محاسن الشام، المطبعة السلفية القاهرة، 1341ه، ص26، وايضا : العلبي(اكرم)، دمشق بين عصري المماليك والعثمانيين، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق، 1986، ص50

[12] – ضومط (انطوان)، ” دمشق الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية” ضمن كتاب المؤتمر الدولي السادس لتاريخ بلاد الشام، 10-12- 2001، ص384-434، ص387

[13] – المقريزي (تقي الدين احمد)، المواعظ الاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار صادر، بيروت لا تاريخ، ج1، ص380

[14] –  انظر فصل التجارة

[15]  – هذه الابواب هي بالتسلسل من الجنوب الى الشرق فالشمال فالغرب :الباب الصغير ، باب كيسان ، الشرقي ، توما ، السلامة ، الفراديس ، الفرج ، الحديد ، الجناز ، والجابية ، ابن طولون ( محمد بن علي )، الشمعة المضية في اخبار القلعة الدمشقية ، مطبعة الترقي ، دمشق ، ص 17 .

ابن بطوطة ( محمد بن ابراهيم ) ، رحلة ابن بطوطة ،دار صادر ، بيروت ، 1960 ، ص 97

البدري ( ابو البقاء عبد الله )، نزهة الانام في محاسن الشام ، القاهرة ، 1341 ه.، ص 25-28 .

 العلبي ( اكرم حسن )، دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين ، الشركة المتحدة للتوزيع ، دمشق ،ص 49-50 .

[16] – المقريزي، خطط، ج1، ص 373

[17] – المصدر نفسه، ج1، ص361

[18] – نفسه، ج1، ص362

[19] – خطط، ج1، ص380-382

[20] – ابن كنان، المواكب، ج1، ص211-212

[21] – القطار، نيابة طرابلس، ص546

[22]  – المقريزي، خطط، ج1، ص373

[23]  – القطار، نيابة، ص 546

– نصار ( اندريه طانيوس ) ، العامة بدمشق المملوكية ، رسالة دبلوم دراسات عليا غير منشورة ،الجامعة اللبنانية ،كلية الاداب ،الفرع الثاني – الفنار- ،ص 22 .

[24] – مفردها محلة وهي حي ينفتح على ازقة ضيقة تعرف بالحارات

[25] – لابيدوس ( ايرا مارفين )، مدن الشام في عصر المماليك ، نقله الى العربية سهيل زكار ، دار حسان ، دمثق ، 1985 ، ص 81 .

[26] – لابيدوس ، المرجع السابق ، ص 142

[27]  – المقريزي، خطط، ج1، ص 373-377

[28] – خطط، ج1، ص373

[29] – غاوبة، المدينة، ص 307

[30] – المقريزي، خطط، ج1، ص373-376

[31] – خطط، ج1، ص374

[32] – خطط، ج1، ص374

[33] – القطار، نيابة طرابلس، ص 546

[34] – ضومط، دمشق-الشام، ص390

[35] – ابن المبرّد، (يوسف بن عبد الهادي)، نزهة الآفاق عن حالة الاسواق، نشره حبيب الزيات،مجلة المشرق، بيروت، 1939، ص18 وما بعد

[36]  – القطار، نيابة، ص 546

[37] – خطط، ج2، ص95-106

[38] – خطط،  ج1، ص 373- 377 ج2، ص106-107

[39] – المقريزي، خطط، ج2، ص 2

[40] – المقريزي، خطط، ج2 ، ص2

[41] – ابن طولون، (شمس الدين محمد)، القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، تحقيق محمد احمد دهمان، مكتب الدراسات الاسلامية، دمشق، 1956، ج1 ، ص 10 وغيرها

ابن كنان (محمد بن عيسى)، حدائق الياسمين في ذكر قوانين الخلفاء والسلاطين، تحقيق عباس صبّاغ، دار النفائس، بيروت، 1991، 147، 149…

[42] – لابيدوس،(ايرا مارفين)، مدن الشام في العصر المملوكي، تعريب سهيل زكّار، دار حسّان، دمشق، 1985، ص142

[43] -Abdel –Nour, introduction, p159    وتجدر الاشارة الى ان انطوان عبد النور تحدث عن المدينة العثمانية منذ القرن 16 ما يعني عن المدينة المملوكية

[44]  – انظر على سبيل المثال:

Abdel-Nour , A, Introduction à l’histoire urbaine de la Syrie ottomane, publication de l’Universite Libanaise, Beyrouth. 1982

Lapidus, I,” Muslim cities and islamic societies “ in Middle Eastern cities, Harvard, 1967

[45] – لابيدوس، ص142

[46] – لابيدوس، مدن، ص142-143

[47] –  القطار،نيابة طرابلس، ص548

[48] –  النعيمي ( محمد بن عبد القادر)، الدارس في تاريخ المدارس، دار الكتب العلمية بيروت، 1990، ج2، ص244، ومفاكهة، ج1، ص124

[49] – لابيدوس، ص 143

[50]  – المقريزي، خطط، 2/16 والامثلة على ذلك كثيرة.

[51] – خطط، ج1، ص373

[52]  – المواكب الاسلامية، ج1، ص2510-252

[53] – المواكب، 1،252

[54] – المصدر عينه، 1، 292-293، ونحن تمكنا من معرفة تطور مدينة دمشق من طريق ما ذكره مؤرخيها في مطلع العهد العثماني.

[55] – انظر ما كتبه المقريزي عن اللوق :” اما الجانب الغربي… المعروف اليوم …فانه مستحدث عمّر بعد سنة سبعمائة فانزلهم _ جماعة من التتر-  في دور كان قد امر بعمارتها من اجلهم بارض اللوق…فتزايدت العمائر في اللوق وما حوله وصار هناك عدة احكار عامرة آهلة الى ان خربت شيئا بعد شيئ ” خطط، ج1 ، ص 117-118 وانظر ايضا بمواضيع مشابهة :ج2، ص68،70،71

[56] – خطط، ج1، ص 374

[57] – خطط، ج1، ص375

[58] – كيّال (منير)، الحمامات الدمشقية، وزارة الارشاد القومي، دمشق، 1966، ص212

[59] – غاوبه، المدينة، ص307

[60] – الكيال، حمامات، ص 212 ، وغاوبه، المدينة، ص307

[61] – الكيال، حمامات، 212

[62] – غاوره، المدينة، ص 307

[63] – نصّار، العامة، ص22

[64]  – القطار، نيابة، ص557

[65] – الرمي هو ان ترمى على حارة ما مبالغ من المال لصالح السلطان او نائبه في النيابة، او لإقتراف احد ابناء المحلة جريمة، او اتهامها بالجريمة، وهي فتاوى انتزعها المماليك من بعض رجال الدين، انظر ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص 227، 249، 309، 363، 366…

[66] –  لقد اوردها في اماكن متعددة من مؤلفه انظر: النعيمي،(محي الدين عبد القادر محمد)، الدارس في تاريخ المدارس، مطبعة الترقي، دمشق، 1948، ج1، ص 161، 159، 215، 225، 229، 253، 277، 301، 373، 429، 431، 438، 455، 459، 467، 474، 488ن 496، 498، 537، 542، 555، 569، 588، 592، 599، 600، 604، 607 وج2، ص59، علما انه ذكر احيانا المدرسة الواحدة اكثر من مرة.

[67] – تدمري،(عمر)، تاريخ طرابلس، ج2، ص285، 286، 317، 324-325، 326، 329

[68] – خطط، ج2، ص362-403

[69] – كيال،(منير)، الحمامات الدمشقية، وزارة الارشاد القومي، دمشق، 1966، ص43

[70] – المقريزي، خطط، ج2، ص79-83

[71] – المصدر عينه، ج2، ص83

[72] – زيادة،(نقولا)، دمشق في عصر المماليك، مؤسسة فرنكلن للطباعة والنشر، بيروت-نيويورك، 1966، ص117-118 

[73] – خطط، ج2، ص317-331

[74] – العمري،(ابن فضل الله)، مسالك الابصار في ممالك الامصار، تحقيق دوروتيا كراوفلسكي، المركز الاسلامي للبحوث، بيروت، 1986، 181، وانظر ايضا ابن طولون (محمد)، اعلام الورى بمن ولي نائبا من الاتراك بدمشق الشام الكبرى، تحقيق محمد احمد دهمان، دار الفكر، دمشق، 1984، ص89 

[75] – المقريزي (تقي الدين احمد)، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد مصطفى زيادة، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1934-1936، ج1، القسم الثامي، ص 162

[76] – العمري، مسالك، ص181-182

[77] – Elissef (N), in EI2, Dimashk, vol2, pp- 286

وانظر ايضا، نصار، العامة، ص9

[78] – الصفدي،(خليل بن ايبك)، تحفة ذوي الالباب فيمن حكم بدمشق من الخلفاء والملوك والنواب، وزارة الثقافة، دمشق، 1991، ص 170-171

نصار، العامة، ص10

[79] – Ashtor,E, Histoire des prix et des salaires dans l’Orient medieval, Ecole Pratique des hautes etudes, Paris, 1959, pp 167, 268

[80] – العمري، مسالك، ص181

سوفاجيه،(جان)، دمشق، نقله الى العربية فؤاد افرام البستاني، حققه احمد العلبي، دار الوارف، دمشق، 1989، ص93-94

نصار، العامة، ص11

[81]  – سوفاجيه، دمشق، ص94-95

[82] – ابن بطوطة،(محمد بن عبد الله)، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار، المطبعة الاهلية، باريس، 1874-1879، ج1، ص235

[83]  – المصدر السابق، ج1، ص229-230

[84] – زيادة، دمشق، ص117-118

[85] – ابن تغري بردي،(جمال الدين يوسف)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، دار الكتب، القاهرة، 1930-1956، ج12، ص 239 وما بعد

ابن اياس،(محمد بن احمد)، بدائع الزهور في وقائع الدهور، بولاق، 1311هجري، ج1، ص 232وما بعد

[86] – لنا عودة مفصّلة لهذا الموضوع بحديثنا عن البني الاجتماعية

[87] – المقريزي،(تقي الدين احمد)، اغاثة الامة بكشف الغمّة، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال، القاهرة، 1940، ص72-73

[88] – زيادة، دمشق، ص131

[89] – ابن جبير،( محمد بن احمد)، الرحلة، دار صادر، بيروت، 1980، ص 257

– ابن بطوطة، تحفة النظار، ج1، ص63

[90] – ضومط(انطوان) وآخرون، الشرق العربي في القرون الوسطى، الدار الجامعية للنشر، بيروت، 1996، ص135، 137-138، 182-183220-221، 279-284…

[91] – القلقشندي، (احمد بن علي)، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، دار الكتب المصرية، القاهرة ، 1913، ج4، ص472

[92] – خرق هذا الشرط احيانا قليلة عندما كان ينعم بعض السلاطين على اولادهم وابناء الامراء بالأمرة، انظر: ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص99-100، وابن اياس، بدائع، ج1، ص225، وج2، ص5

[93] – Ayalon, D, the Muslim City and the Mumluk Military Aristicracy, proceeding of the Academy of Sciences and Humanities, 2 ,Jerusalem, 1968, p323

[94] – ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص51-52

[95] – ضومط،(انطوان)، الدولة المملوكية، التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، ط1، دار الحداثة، بيروت، 1980، ص86

[96] – Ayalon, Muslim city, p323

[97] – Ayalon, Muslim city, p323

[98] – القلقشندي، صبح، ج4، ص40-41

– المقريزي، خطط، ج2، ص98

[99] – ضومط، الدولة المملوكية، ص88

[100] – القلقشندي، صبح، ج4، ص310-312

– خطط، ج1، ص357-358

[101] – القلقشندي، صبح، ج4، ص50-51، وج3، 458، وج6، ص158، انظر فصل الوضع الاقتصادي

خطط، ج1، ص87، 90

ابن تغري بردي، نجوم، ج8، ص52،

ابن اياس، بدائع، ج1، ص90

[102] – العمري، مسالك، ص 117-119

  • القلقشندي، صبح، ج4، ص19- 20
  • خطط، ج2، ص219،222

[103] – العمري مسالك، ص 117-119

  • القلقشندي، صبح، ج4، ص19-20
  • خطط، ج2، ص 219، 222
  • ضومط، الدولة المملوكية، ص67-73

[104] – لمزيد من التفاصيل انظر: ضومط، الدولة، ص60-73

[105] – انظر حول تركيب الجيش المملوكي ولا سيما الاجناد:القلقشندي، صبح، ج3، ص15-16،347-348، 435، وج4، ص472

  • المقريزي، سلوك، ج3، ق3، ص982، وخطط، ج2، ص 215-216
  • الظاهري،(خليل بن شاهين)،زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، اعتنى بتصحيحه بولس راويس، باريس، المطبعة الجمهورية، 1891، ص115-116،

[106] – العمري،(ابن فضل الله)، التعريف بالمصطلح الشريف، مطبعة العاصمة بمصر، 1894، ص84

  • القلقشندي، صبح، ج4، ص184
  • الخالدي،(مجهول الاسم الاول)، المقصد الرفيع المنشأ الهادي لديوان الانشاء)، مخطوط حققه خليل شحادة، اطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة القديس يوسف، بيروت، 1988، ص272

[107] – اعلام الورى، ص82، 186

[108] -الخالدي، المقصد، ص273

مفاكهة، ج1، ص224

[109] – لن ادخل بتفاصيل صلاحيات نائب السلطان كلها، ولمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع انظر: العمري، مسالك، ص115

– القلقشندي، ج9، ص253، 259

[110] – لمزيد من الاطلاع ،انظر: السبكي،(تاج الدين عبد الوهاب)، معيد النعم مبيد النقم، دار الحداثة، بيروت، 1983، ص23

  • القلقشندي، صبح، ج13، ص124، 194، 197
  • ابن طولون، اعلام، ص59، 61، 70، 83، 115….
  • المقريزي، سلوك، ج4، ق1، ص136-137

[111] – القلقشندي، ج4، ص182-183

[112] – الظاهري، زبدة، ص113

  • القلقشندي، صبح، ج4، ص13-14
  • الخالدي، 272

 [113]  – نخص منهم:امير حاجب وهو مقدم ألف، ويلي نائب دمشق رتبة وينوب عنه اثناء غيابه، واستادار، ونقيب الجيش، والمهمندار، وشاد المهمات، ووالي الشرطة

انظر: الظاهري، زبدة، ص113

  • القلقشندي، صبح، ج4، ص185
  • الخالدي، ص272
  • المواكب، ج2، ص12

[114] – الصفدي، ق2، ص182

القلقشندي، صبح، ج9، ص253

السلوك، ج4، ق1، ص422، 452

[115] – مفاكهة، ج1، ص50، 155ن 157، 164…

[116] – انظر ادناه الحياة الاقتصادية

[117] – ابن اياس، بدائع الزهور، ج1، ص155-156

[118] – ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص153

– بدائع، ج1، ص156

[119] – نجوم، ج10، ص6-8، 44

[120] – العلبي، دمشق، ص145

[121] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص8-9، 240، 245

[122] – صبح، ج4، ص234

[123] – المقريزي، سلوك، ج1، ق2، ص306-307

[124] – ابن كنان، المواكب الاسلامية، ج2، 16-17

[125] – القلقشندي، ج4، ص34-36

[126] – سلوك، ج2، ق2، ص439-443

[127][127] – يروي المقريزي ان السلطان المؤيد الشيخ عقد مجلسا لقضاة القضاة الاربعة في مصر ومشايخ العلوم، وسأل فيه قاضي قضاة الحنابلة قاضي قضاة الشافعية عن اربع مسائل وهو يجيبه، فيقول له الاول اخطأت، وتدخل قاضي قضاة الحنفية لصالح الحنبلي وراح يشتم الهروي قاضي قضاة الشافعية ثم قال:” يا مولانا السلطان اشهدك على اني حجرت عليه الا يفتي.” ويعلّق  المفريزي على ذلك قائلاً:” فكان مجلسا بغاية القبح، من اهانة الهروي وبهدلته.”  سلوك، ج4، ق1، ص479-485

[128] – سلوك، جج3، ق3، ص1073، 1168

  • ابن طولون (شمس الدين محمد)، الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء الشام، تحقيق صلاح الدين المنجد، دمشق، 1956، ص130، 165، 219، 255
  • ابن طولون، (شمس الدين محمد)، نقد الطالب لزغل المناصب، تحقيق محمد احمد دهمان، وخالد دهمان، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1992، ص45

[129] – ابن طولون، الثغر البسام، ص128، 130

[130] – المصدر عينه، ص155 ولمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع، انظر: نصار، العامة، ص354-355

[131] – البصروي،(علي بن يوسف)، تاريخ البصروي، تحقيق اكرم العلبي، دار المأمون للتراث، دمشق، 1988، ص41، 43، 85، 86

– ابن طولون، الثغر، ص124-125، 160، 164، 180…

[132] – الامثلة كثيرة على هذا الموضوع سنذكرها في مكانها المناسب اي بالعلاقة بين العامة والسلطة المملوكية، وانظر على سبيل المثال فقط: مفاكهة، ج1، 158، 160، 162…

[133] – القلقشندي، صبح، ج4، ص192

الخالدي، المقصد، ص273

ابن كنان، المواكب، ج2، ص17

[134] – صبح، ج4، ص193

[135] – المكان عينه

الخالدي، المقصد، ص273

[136] – سلوك، ج4، ق1، ص11

[137] – ضومط،(انطوان)، دمشق الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية، ضمن كتاب المؤتمر الدولي السادس لتاريخ بلاد الشام، 10-12 تشرين الثاني- نوفمبر،( ص384-434) ص404-405

[138] – العمري، مسالك، ص112-113

[139]  –  القلقشندي، احمد بن علي، صبح الاعشى في صناعة الانشا، القاهرة، دار الكتب، 1913، ج5، ص 443-445، الخالدي، المقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا، اطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة القديس يوسف، بيروت، 1988، ص 266- 265

[140]  – نصّار، المرجع السابق، ص 46-47.

[141] – الخالدي، ص 275

[142] – صبح، ج0، ص473

الخالدي، ص 275

[143] – صبح، ج4، ص194

الخالدي، المقصد، ص275

[144]– لابيدوس، مدن الشام، ص136

[145] – سعد (فهمي)، العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع الهجريين، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1983، ص121

[146] – يذكر الظاهري ان احد تجار الكارم استطاع بناء مدرسة من مدخول يوم واحد، انظر، زبدة كشف الممالك، ص41، ويذكر القلقشندي ان بعض التجار ديّن السلطان مائة ألف درهم فضة، صبح، ج4، ص32، ويكرر الحادثة ابن تغري بردي، نجوم، ج10، ص279

[147] – الدينوري،(نصر بن يعقوب)، التعبير في الرؤية او القادر في التعبير، مخطوط، متحف بغداد، رقم 598، نقلا عن فهمي سعد (العامة في بغداد)، ص66

[148] – الطبري،(محمد بن جرير)، تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، القاهرة، 1960-1969، ج8، ص448 وما بعد

[149] – الصفدي،(خليل بن ايبك)، نكت الهيمان في نكت العميان،  ص10، نقلا عن العامة في بغداد، ص66

[150] – خطط،ج1، ص89

[151] – السبكي، معيد النعم، ص9-10

[152] – خطط، ج1، ص89

[153] – لابيدوس، ص138

[154] – ان دلالات تطور حركة الزعر وصراعهم فيما بينهم ومع السلطة حفظتها مؤلفات المؤرخين الدمشقيين خصوصا ابن طولون وابن عبد الهادي، انظر حول الحارات: مفاكهة، ج1، ص275، 289، 316، 342…واعلام، ص171، 178، 205، 22، 208…والامر الملفت للانتباه ان المقريزي وهو مؤرخ اجتماعي بامتياز لا يحدثنا عن حارات الزعر، ولا عن علاقاتهم فيما بينهم.

[155] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص268، اعلام، ص174، 195…

[156] – مفاكهة، ج1، ص292، 293، واعلام، 195

[157] – مفاكهة، ج1، 180

[158] – مفاكهة، ج1، 185

[159] – نفسه، ج1، 185، 200، 201

[160] – نفسه، ج1، ص160

[161] – ابن طولون،اعلام الورى، ص118، 119، 127، ومفاكهة، ج1، ص177ن 204، 213…

[162] – مفاكهة، ج1، ص204

جوانب من الحياة الاجتماعية في دمشق المملوكية

1382 – 1516م./  784 – 922                 

   لقد احتل بوجه عام التاريخ العسكري والسياسي وما يزال، مركز الصدارة في التأريخ لمختلف العصور والحقبات التاريخية للذاكرة العربية، واعتمد فيه على النمط التقليدي المبني على توالي العهود من دون الاخذ بعين الاعتبار التطور المنهجي المستند على المفاصل التاريخية لتحديد تطور مفهوم السلطة ايجابا او سلبا.كما لم يعن كفاية بالتاريخ الاجتماعي، الذي ظل يدرس بمقدار ما يتيحه المؤرخ السياسي والعسكري من مساحات ضيقة.او انه استند بشكل رئيسي على دراسة نظم الحكم كما صورتها كتب الادارة، من دون الاخذ بعين الاعتبار الواقع العملي الذي، يتباين ، احيانا، مع النظري.او صور هذا التاريخ على انه دراسة المباني على تنوعها. واضيف اليه احيانا وصف بعض المظاهر الاجتماعية كالحفلات او الاعياد وما شابه، من دون التطرق الى صلب التاريخ الاجتماعي كدراسة الفئات المكونة للمجتمع من حيث علاقة افراد كل منها في ما بينهم من جهة، وعلاقات الفئات كافة في ما بينهم من جهة ثانية. واذا كان التاريخ السياسي والعسكري يحدد المفاصل التاريخية ولكنه يصعب عليه توضيحها بمعزل عن قراءة متأنية للعوامل الاقتصادية والاجتماعية التي قد تكون احيانا في اصل تلك التحولات اوالعامل الاساسي في دفع التاريخ السياسي والعسكري وتوجيهه، فان التاريخ الاجتماعي يجهد لتوضيحها.    

      من هنا يعطي معظم المؤرخين اليوم اهمية قصوة للدراسات الاجتماعية الماضوية لاعادة تركيب الماضي بكل ابعاده بما في ذلك التداخل بين السياسة والاجتماع والاقتصاد .”لأن الزمان يكتسب فعاليته ويمر بتحولات طويلة او متقطعة ،او يستمر تراتبيا، من خلال الفعاليات البشرية. ومما يعانيه الانسان في مجتمعه وبيئته.”[1]

     يتكون المجتمع من اعداد من الناس تعيش على رقعة جغرافية محددة، لها عاداتها، وتقاليدها ، ونظمها، التي تشكل القواسم المشتركة في كل مجتمع، ويتفرع اناس المجتمع الى فئات متميزة من حيث العمل الذي يؤدونه ،وانماط العيش التي يمارسونها.

  ان هذه الخاصات ،على اهميتها، لا تؤمن آلية دراسة التاريخ الاجتماعي ،لان دراسة البنية الاجتماعية تؤمن هذه الآلية[2]، ولاسيما ان كل مجتمع يتألف من عدد من البنى الاحتماعية قد نجد بينها قواسم مشتركة و تباينا. وتتبدى صعوبة دراسة التاريخ الاجتماعي، في العصور الوسطى، اذا ادركنا ان البنية الاجتماعية هي مجموعة عضوية من التقارير الشديدة التماسك، في آن، اجتماعيا واقتصاديا ونفسيا، واقل ما يمكن قوله فيها :انها تتكامل في تقليد، وفي نظام خلقي، وهي تحدث اعادات ولا تتجدد، لان الحدث التاريخي هو الذي يحدث التجديد والابداع، اذ يحول بعض البنى ولا يقضي كليا على تماسكها الداخلي .[3]

 على هذا، تصعب كثيرا دراسة التاريخ الاجتماعي في العصور الوسطى، لافتقارنا، في الشرق العربي والاسلامي، للتقارير الاقتصادية الدقيقة، ولاقتصار الحوليات على لمحات اجتماعية لان اصحابها اعتادوا التأريخ للخاصة من دون ايلاء العامة ما يستحق دورها من اهمية في تطور الاحداث. وقد ذللت بعض هذه العقبات بالاعتماد على يوميات المؤرخ الدمشقي محمد بن طولون الغنية باخبار العامة والاعيان و الخاصة على حد سواء. هذا فضلا عن مؤلفات اخرى، وان كانت اقل غنى، سيرد ذكرها في البحث.

     وترتبط دراسة التاريخ الاجتماعي بالتطور المدني اوانحطاطه ،ذلك ان انتشار الابنية  الحكومية ،او تلك التي تتم بأمر منها ،  وان كانت غايتها اجتماعية او دينية صرفة ، على نطاق واسع ،فضلا عن الابنية الخاصة التي تشيدها فئات المجتمع. ان كل ذلك يحدد مستوى التطور، كما ويصب في الغاية عينها ازدحام المدينة بالسكان ،وازدهار الحركتين الصناعية والتجارية، اضف الى ذلك مستوى الثقافة من حيث المدارس والمؤسسات الدينية المرتبطة بشكل ما بالثقافة

      ولا بد في دراسة التاريخ الاجتماعي من تحديد الفئات الاجتماعية من حيث مستوياتها ، وتحديد الظواهر الاجتماعية التي تخضع لها، ودراسة التطور البطيء او السريع لهذه الظواهر بهدف تحديد مستوى التطور ايجابا اوسلبا.ولا بد ايضا من القاء الضؤ على نظام الحكم ودراسة بنية العلاقة بين الحكام وفئات الشعب لما لذلك من دور اساسي في فهم الدينامية الاجتماعية.

  اولا خطط دمشق وابرز ابنيتها المملوكية :                                             

    1 – خطط دمشق: ان مدينة دمشق تمثل تراكما حضاريا بنائيا وسكانيا لا يمكننا تحديد تاريخ بداياته  بالضبط ، ويصعب في الوقت عينه اعطاء فكرة واضحة عن تطور خططها عبر العصور ، وساكتفي في هذا البحث بذكر خططها تبعا للمصادر المملوكية .

       تمركزت احياء دمشق على شارع رئيسي مستقيم في وسطها يربط بين بابين : شرقي  شرقا، والجابية  غربا ، ومنه تفرعت شوارع اخرى رئيسية مستقيمة  ينتهي كل واحد منها بباب.[4]والملفت للانتباه ان دمشق قد تكون المدينة العربية الوحيدة التي تفتقر الى شارع رئيسي آخر مستقيم يخترقها من الشمال الى الجنوب.[5]اما ابواب دمشق فهي بدورها نتيجة تراكم بنائي عبر العصور نشأ الواحد منها لضرورات امنية بالدرجة الاولى. وابوابها تحدد اوضاعها الامنية والتجارية والاجتماعية، وقد جاءت على الوجه الآتي:الصغير ويقع جنوبيها[6]، وكيسان وهو ايضا في جنوبيها[7]0ولها في شرقها بابان: باب شرقي، وباب توما[8]، ولها في الشمال ثلاثة ابواب:السلام وسمي كذلك لصعوبة دخول الاعداء الى المدينة من خلاله لانه يؤدي الى منطقة كثيرة الغابات والانهار[9]والفراديس والفرج[10]، وفي الغرب باب النصر او الجنيز وباب السر[11].وكان يحيط بالمدينة سوران:الاول خارج الخندق ويبلغ ارتفاعه حوالى ثلاثين ذراعا، والثاني داخل الخندق بارتفاع حوالى اربعين ذراعا[12].وفي السور اربعة ابواب صغار تفتح عند الحاجة ينفتح كل منها على ” باشورة” وهي طريق صغيرة فيها منعطفات تعرقل دخول الاعداء، وهي كالسوق مليئة بالحوانيت، ولها بابان احدهما داخلي والآخر خارجي[13].

    ان كثرة الابواب الرئيسة تدل على تطور الحركة البنائية في المدينة لانها لم تنشأ جميعها دفعة واحدة بل جاءت تراكما عبر العصور، كما تدل ايضا على تطور ديموغرافي – سنعود للحديث عنه – خصوصا اذا ادركنا ان بعض الابواب كانت له ثلاثة ابواب فرعية مثل باب الجابية وباب شرقي، وقد خصص الباب الفرعي الاوسط للمشاة ، وآخر لمن يشرق بدابته والاخير لمن يغرب بدابته حتى لا يلتقي راكبان[14]، ما يدل على ان هذه الابواب الداخلية لم تكن واسعة ربما لضرورات امنية.وتكمن اهمية هذه الابواب التي اربت على العشرين بابا في انها شكلت المنطلق الرئيس لاسواق المدينة كلها التي شيدت على اطرافها، وعلى شوارعها الفرعية وصولا الى الازقة، وبالتالي يمكن تصور الرسم المديني لدمشق من حيث الكثافة في الشوارع الرئيسة، والمتوسطة، والفرعية والازقة.ما يدفعنا ، باستنتاج اولي، الى القول انها مدينة كانت زاخرة بالحياة.

2 – اسواق المدينة:  وانتشرت على طرفي الشارع الرئيسي الاسواق المركزية ،والمساجد الكبرى ،والحمامات العامة الرئيسية .[15] في حين توزعت على اطراف الشوارع الرئيسية المنطلقة من الشارع المركزي الانشطة التجارية والحرفية لكل حي ، اضافة الى حماماته ومساجده .[16] وتوزعت من هذه الشوارع، وهي بوجه عام شوارع ضيقة نسبيا لانها رافقت المدينة منذ نشأتها ولم تطور، شوارع اخرى اقل اتساعا خصص وسطها للفرسان واطرافها للمشاة، فجاءت احياء متلاصقة انتشرت فيها المحلات [17]، ومنها توزعت الحارات الشعبية المكتظة بالسكان [18].وانتشرت في كل حارة ازقة شيدت عليها ابنية شعبية تفتقر الى ابسط الشروط الصحية .انطلقت جميعها من شارع الحارة الرئيسي المعروف بالسويقة الذي يحوي الحمام العام ،والفرن ، والمسجد ، والحوانيت التجارية والحرفية [19].

      ويمكننا من خلال المصادر المملوكية تعداد ما يربو على العشرين سوقا متخصصا لعل ابرزها:الحرير، الدهشة ( الثياب الجاهزة)- وهو امر ملفت للانتباه انذاك ويدل على بحبوحة عند بعض السكان- الكوفيين، الذهبيين، الوراقين، الذراع، السرامجيين ( الاحذية)، السلاح، الوراقين، السقطية ( الالبسة المستعملة)، البزوريين، القطانيين، الجواري والرقيق، جقمق – نسبة الى السلطان الظاهر جقمق وكان مخصص لبيع الثياب- السروجيين، اللحامين، الخيل…[20]ان اهمية تعداد هذه الاسواق تكمن في اختصاصاتها، وهي تدل اولا على تفرع طبقي ان جاز التعبير تبعا لاختصاص كل من الباعة، وعلى التجانس في ما بين باعة كل سوق. ما يدفعنا للاعتقاد ان سمة ظاهرة اجتماعية بمعناها العلمي يخضعون لها جميعهم، وبالتالي يؤلفون فئة اجتماعية لها عاداتها وتقاليدها الخاصة.وتدل ثانيا، على رغم تمايز كل فئة، خضوعهم جميعهم الى عرف عام اوتقليد يحكمهم جميعهم بانتمائهم الى الباعة.ويدل ثالثا على مستوى تعامل كل فريق ، تبعا لاختصاصه، مع نوع من الزبائن، وبالتالي على تمايز اجتماعي من حيث لا يدرون.ويدل رابعا على مستوى الدخل الذي ينعكس على مستوى الحياة الاجتماعية، على الاقل من حيث السكن، خصوصا ان بعض هذه الاسواق اقيم على حدود الحارت، وسنلاحظ لاحقا ان الحارات ، بوجه العموم كانت مقفلة بوجه الاغراب.

   3 – حارات دمشق :وعلى ذلك، يمكن الانطلاق الى دراسة المحلات والحارت الدمشقية لارتباطها بشكل وثيق بالاسواق وبفئات الناس الاجتماعية، لا سيما ان كل محلة تفرعت الى عدد من الاحياء والحارات.اما ابرز الحارات الدمشقية التي وفرتها لنا المصادر التي اطلعنا عليها فهي:الصالحية، الجسر الابيض، الميدان، برج الروس، الربوة، الخلخال، المنيع، والشرفان،[21]القصاعين، مسجد القصب، حجر الذهب، العقيبة [22]. اما احياء دمشق فهي كثيرة جدا سنذكر بعضها مثل: السنانية، باب البريد، المناخية، الشاغور، العمارة، ومسجد القصب، السويقة، المصلى، ميدان الحصى، القبيبات، القراونة، المزار، المزابل، العقيبة…[23]

       والسؤال المطروح :هل كانت جميع محلات المدينة متشابهة ؟ من العسير ان نجيب عليه لان المصادر لم توفر لنا معلومات كافية، بل لمحات.ويمكننا من خلالها تبيان التمايز بين الشعبي، وبعض المحلات التي سكن فيها المماليك من دون غيرهم، وبالتالي فقد كانت مميزة من غيرهاعلى الاقل بامرين: نوعية المساكن والابنية الاخرىمن حيث  الهندسة البنائية والفخامة، ونوعية السكان التي اقتصرت بوجه العموم على المماليك الذين تميزت عاداتهم وتقاليدهم من السكان الاصليين.مثلا كان الشرفان مخصصا للفئة العسكرية الحاكمة، وهو قسمان: الاعلى، والادنى.كانت تنشرت في الاعلى قصور الامراء ومساكنهم، وكان يعرف ايضا “بدار الامراء” وفيه ايضا مدارس ومساجد[24]، وتوزعت في الشرف الادنى قصور للنزهة، وعدد من المساجد من ابرزها جامع تنكز[25]وعدد من المدارس، والعمائر، والمحلات العامرة، والخوانك[26].وكان الشرفان يطلان على الميدان، وعلى منتزه الشقرا[27].وكانت الربوة، الواقعة في سفح جبل قسيون والمشرفة على الغوطة، ايضا مسكن الامراء” لان فيها القصور والمباني الشريفة[28]، وتعني كلمة “شريفة” سلطانية، ونتساءل بالتالي هل كانت تلك الابنية ملكا للسطان، وسمح لبعض الامراء السكن فيها ؟ او انه كان يستغلها ؟ وكان فيها عدة مساجد احدها مسجد خطبة[29]، وفيها ايضا اطباق ( ثكنات للماليك السلطانية)، ومرابط للدواب، وسويقتان، وحمام فريد من نوعه على حد تعبير ابن كنان[30].

     لا يمكننا دراسة جميع محلات دمشق بالتفصيل لان ذلك يتطلب مجهودا جبارا، ويحتاج لكتاب وليس لبحث، انما الغاية من هذه العينة الوصول الى التمايز الاجتماعي بين السكان الاصليين في دمشق وحكامه المماليك0لان المحلات الشعبية كانت كثيرة، وخالية من القصور، ومكتظة بالسكان، وتتفرع الى عدد من الاحياء انغلقت على نفسها، خصوصا ان جميع اسواق المدينة كانت مسقوفة تتيح فسحة محددة من الضؤ كافية لانارة السوق، وباكتظاظ المحلات بالحارات غدا النور غير كاف وبالتالي خافتا.

       وبدت دمشق داخل سورها مجموعة حارات مستقلة، وكأن الواحدة منها قرية صغيرة مستقلة بمساجدها، وحماماتها، وسقاية الماء فيها[31].وجاءت ابنيتها متلاصقة، تمد افقيا، ويرجح الكيال اسباب ذلك لعدم الاطمئنان ولاتساع الرقعة الجغرافية[32]، وتنعدم فيها النوافذ والشرفات وقد يكون مرد ذلك الى نظرية الحلال والحرام في الاسلام. وتألف الحي فيها من عدة بيوت شيد لها باب خارجي مشترك يقفل في المساء وايام الاضطرابات، ويتوسطه باب خوخة ( صغير) يعبر منه سكان الحي كل الى داره.[33]ويرجع اسباب تلاصق الابنية الى ان رغبة رئيس الاسرة بان يسكن ابناؤه واحفاده في المنزل عينه، وكلما ضاق المكان بهم اضافوا اليه غرفا حتى بات المسكن داخلا في بيوت الجيران[34].واذا اضفنا الى ذلك النمو الديمغرافي ادركنا بوضوح تحول تلك البيوت الى اكواخ.

   وكان الحي من حيث بناؤه عبارة عن تشكيل من الابنية غير المتوازية وغير المتوازنة  ايضا من حيث  التصميم الهندسي ، بعضها ترتفع جدرانه الى اكثرمن طبقة والبعض الآخر يشبه الاكواخ ان لم يكن عبارة عن مجموعة من الاكواخ مظلمة يتسرب اليها الهواء عبر الازقة وممرات منخفضة معتمة.[35]وتميزت ازقة دمشق بأنها كانت مرصوفة ولكل واحد منها رصيفان خصصا للمشاة،ويمر بينهما الراكبون[36].لقد شكل الحي وحدة ادارية مستقلة على مستويين حكومي ومحلي اي شعبي.

       اما على الصعيد الاداري المحلي فقد ترأس الحي شيخ يعينه نائب السلطان المملوكي في نيابة دمشق من اجل حسن سير الاعمال المنوطة بالحي :حفظ النظام ،تمثيل الحي في المناسبات العامة التي تقتضيها الدواعي السياسية والاجتماعية في المدينة ، مساعدة الشرطة في تنفيذ مهامها ،او تولي هذه المهام بنفسه ، كجمع الضرائب القانونية وغير القانونية مثل الرمي او الطرح [37]. لان الاحياء قد انتظمت في مناطق منعزلة ومنطوية على ذاتها لا يتمكن الغرباء من الدخول اليها ، ولاسيما انها كانت متداخلة فيما بينها في حياتها العادية ، كما انها تتآزر ابان الاضطرابات العسكرية ،وتدافع جميعها بعضها عن البعض الآخر اذا تعرض احدها لاي اعتداء خارجي [38]. وكل حي انغلق اجتماعيا وسكانيا على نفسه فقط ابان الاضطرابات العسكرية والفتن الداخلية [39].

      وهكذا يتبدى التمايز واضحا بين محلات التي سكنها الحكام المماليك بابنيتها الفخمة والمشرفة على المناظر الخلابة، وغير المكتظة بالسكان، والمحلات التي سكنها العامة في دمشق.ويصعب علينا دراسة الابنية التي شغلها رجال الدين لان المصادر لا توفر لنا معلومات كافية.وثمة ظاهرة اخرى مهمة توضح لنا التطور الديموغرافي لدمشق وهي تتمثل بعدة امور:تطور حركة البناء، وفرة عدد المدارس والمساجد والجوامع، وتنامي عدد الحمامات.وان كنا لن ندرس كل ذلك في هذا البحث، ولكننا سنعطي فقط فكرة عن عددها الذي يعكس بشكل تقريبي عدد السكان. فقد بلغ عدد المدارس كما ذكرها ابن كنان 111 مدرسة توزعت على المذاهب السنية الاربعة[40].وقد اورد منير الكيال ان عدد الحمامات في دشق على عهد ابن عبد الهادي المعاصر لاواخر الدولة المملوكية بلغ 167 حماما عدا حمامات الغوطة[41]، وذكر ابو علي الاربلي المتوفي عام 726 / 1326 ايضا ان تعداد حمامات دمشق بلغ خمسة وسبعين حماما.واذا سلمنا بصحة هذه الارقام تكون دمشق المملوكية قد زادت حماماتها على ما يربو على الضعف ما يعكس تطورا ديموغرافيا وبنائيا ملحوظين، لان الحمامات الخاصة كانت قليلة جدا انذاك.

       ولا يمكننا اغفال قلعة دمشق لانها كانت مركزا حكوميا مهما، ويعود بناؤها الى العهد السلجوقي بحيث شيدها اتسز بن اوق الخوارزمي المتوفي عام 471 / 1078م.[42]وكان فيها خمسة ابواب:الجديد، السر، النصر، السلامة، والفرج[43]، وجميع هذه الابواب شيدت في العهدين السجوقي والايوبي.وكان يحيط بالقلعة خندق دائري عمقه خمسين ذراعا يحميها ابان الحصار جرت اليه المياه من نهر بانياس على جسر عريض محفور ومخفي[44].ويحيط بها سور ايضا فيه ابواب تفتح عند الحاجة فقط، على كل واحد منها مئذنة لجامع، وينفتح الباب على باشورة انتشرت عليها الحوانيت، وضمت القلعة ايضا حمام وطاحون – ما يدل على قلة عدد المماليك فيها- ودار للضرب، ودور حواصل، ومخازن لمختلف انواع العتاد، وآبار.ما يمكنها ابان الحصار من الاكتفاء الذاتي ولمدة طويلة[45].وبالتالي شكلت مجتمعا مملوكيا خاصا انغلق على ذاته الى حد، خصوصا اذا ادركنا انه كان يمنع على نائب القلعة ومساعديه الاساسيين الاتصال باي شكل من الاشكال بنائب دمشق، كما كان يمنع على اي كان الدخول اليها الا بمسوغ قانوني.ولا ندري بالضبط اذا كان الامر عينه فرض على الاجناد فيها وان كنا نرجحه.

   2 – تطور حركة البناء : شهدت دمثق المملوكية  تطورا ملحوظا على هذه المستويات ، فعلى صعيد الابنية الحكومية تم بأمر من السلطان بيبرس بناء القصر الابلق غربي المدينة  سنة 659/1260م [46]، وشيد نائب دمشق عز الدين ايدمر بناء على رغبة السلطان السعيد بركة خان المدرسة الظاهرية بالقرب من الجامع الاموي [47]. كما شيد نائبها تنكز سنة 739/ 1339م. خارج سور المدينة دارا لتعليم الحديث النبوي الشريف، ومسجدا ،[48]وكان الامراء يتقربون من الناس بتشييد المباني الدينية كبناء الامير مكي بن حيوط مسجدا شرقي الشويكة في وسط بستان واوقف عليه ” جهات عديدة ” [49].وانتشرت اسماء السلاطين المماليك ونوابهم في دمشثق منقوشة على عدد كبير من الابنية خصوصا خارج اسوار المدينة[50]. مما يدل على ازدياد في عدد السكان، قد لا يكون التزايد السكاني بهذا الشكل ناتجا عن تطور طبيعي داخل المدينة، انما ايضا عن هجرة سكانية من الارياف الى المكدن بشكل عام نتيجة لسؤ استغلال الارض المرتبط اساسا بالانحطاط الذي اصاب النظام الاقطاعي.[51] وعن انتشار الابنية الخاصة والحكومية خارج اسوار المدينة وفي داخلها.

   ان هذا الامور توضح بدون ادنى لبس ان دمشق تطورت سكانيا وعمرانيا بشكل ملحوظ ،ويزيد في قناعتنا هذه ما اورده العمري عن ازدياد عدد الاجناد بدمشق ، وقد ادت حاجاتهم للوازم الخيل وغير ذلك الى نشوء الاسواق المتخصصة، فاتسعت الاسواق وما عادت قادرة على استيعاب الطلب ،فانتقل المختصون ببيع لوازم الخيل الى خارج المدينة حيث اقيم سوق الخيل ،وتبعهم اصحاب بعض حوانيت الخضار والمواد الغذائية الاخرى فصار يقام بقرب السوق المذكور سوق خاصة عرف باسم ” دار البطيخ “.[52]ومما يعزز الرأي بتطور المدينة السكاني والبنائي ما اورده كل من “سوفاجيه “وابن بطوطة،فيتحدث الاول عن انشاء ضاحيتين جديدتين السويقة في الجنوب الغربي ،وسويقة ساروجا في الشمال [53].ويصف ابن بطوطة ضاحيتين جديدتين شيدتا في العصر المملوكي:الربوة الواقعة في اسفل جبل قاسيون” وبها القصور المشيدة والمباني الشريفة”[54]وتعبير المباني الشريفة هي صفة المباني السلطانية مما يدفعنا للاعتقاد اما ان السلاطين ساهموا بانشائها او انها اوقفت لصالحهم على غرار الاراضي الاقطاعية. والضاحية الثانية هي الصالحية التي شيدت خارج” باب شرقي” بدمشق وهي مدينة “عظيمة” على حد تعبير ابن بطوطة فيها سكك واسعة ومدرستان،[55]وصار فيها في اواخر العهد المملوكي سبع دور للحديث، وستة عشر رباطا، وثمان وثلاثون حارة وواحد وسبعون مسجدا.[56]          

   ان هذا التطور الملحوظ لم يرافق دمشق المملوكية عبر كل تاريخها ، فهي تعرضت لازمات متعددة احيانا متسارعة واحيانا اخرى متباعدة ، نتيجة التكوين الاجتماعي من جهة ، او بسبب اعتداء خارجي من جهة ثانية . فالحالة الاولى تكررت مرات عديدة وفي ظروف متقاربة من حيث علاقة الحكام بافراد الشعب على مختلف فئاتهم ، او من حيث علاقة هذه الفئات بعضها بالبعض الآخر. اما الحالة الثانية فليست سوى تغيير شبه جذري نتج من تعرض المدينة لغزوات المغول خصوصا غزوة تيمور سنة 1400م. التي ادت الى تهديم للبنى الاجتماعية والاقتصادية.[57]

 ثانيا :  البنى الاجتماعية  ان التاريخ الاجتماعي يأخذ بالاعتبار المجموعة الكلية للتكوين الاجتماعي ،ومن الصعب تحديد اطره ومعناه التام الا بدراسة، او التطرق الى جميع الاطر المعنوية المتعلقة بمختلف المجموعات، اضافة الى دراسة علاقة الفرد بالجماعة. وبما انه يتعذر علينا دراسة علاقة الفرد بالجماعة، بسبب قلة الوثائق، سأتناول في هذه الدراسة، حركية كل فئة اجتماعية، وبنيانها وعلاقة الفئات الاجتماعية بعضها بالبعض الآخر بحسب ما توفره المصادر التاريخية .

    ان من المبادىء الاساسية في التاريخ الاجتماعي تحديد المبدأ المنظم للمجتمع ، وبالتالي تحديد الفئات في التفرع الطبقي التي منها نحصل على المبدأ المنظم للمجتمع، الذي منه تنتج البنى، وكذلك العلائق بين الفئات الاجتماعية التي ستكون جد مختلفة[58]. واعتمدت على الوظيفة مبدأ للتفريع الطبقي او المبدأ المنظم.

    كان المجتمع المملوكي طبقيا – ان جاز التعبير كون الموضوع يرتبط بالعصور الوسطى ولأن استعمال ” طبقة ” مصطلح حديث- جامدا الى حد بعيد، وغالبا مغلقا، بحيث لم ينظر لحقوق الفرد فيه الا من خلال انتمائه الوظيفي – وظيفي بمعناها الواسع -. وكانت هذه الفئات ( الطبقات ) متفاوتة من حيث الدخل، والطمأنينة، والاستقرار واشتغال المناصب الحكومية والدينية والاقتصادية والاجتماعية.

     قسم المقريزي المجتمع المملوكي الى سبع فئات :      

  -ارباب الدولة.

  • مياسير الناس من التجار والفقهاء والمتعممين.
  • متوسطو الحال من التجار والباعة واصحاب المعاش والسوقة .
  • الفلاحون من اهل الزراعة .
  • سكان الارياف والقرى .
  • ارباب الصناعات والحرف البسيطة .
  • والمعدمون [59].

 ان هذا التوزيع العام الذي اورده المقريزي يشمل كل المجتمع المملوكي، اما في المدن، وخصوصا في بلاد الشام، فيمكن اعتماد تفريع آخر ينبثق من توزيع المقريزي يأخذ بالاعتبار خصوصية المدينة والتجانس الاجتماعي الاكثر شمولا، فيصبح على الشكل التالي: الطبقة العسكرية الحاكمة، الاعيان الذين يضمون رجال الدين والتجار وارباب الصناعة، او ما يطلق عليه بياض العامة، وسواد العامة، اضافة الى الزعر والارذال والاوباش. وكان سكان دمشق يتألفون من غالبية عربية كبرى، اضافة الى عدد من اجناس مختلفة وفدت اليها عبر تاريخها مثل بربر شمال افريقيا خلال العهد الفاطمي، والتركمان في العهد السلجوقي الاتابكي، والاكراد في العهد الايوبي واستمروا يشكلون اقلية[60]. هذا اضافة الى الشعوب المغلوبة من المناطق المجاورة خصوصا من تلك التي تعرضت للغزو المغولي ولا سيما العراق، كما لجأ الى دمشق طائفة دينية كبيرة العدد من المغاربة لاسباب دينية[61]

    1 – الطبقة العسكرية الحاكمة : شكل السلطان وامراؤه واجناده طبقة عسكرية حاكمة مغلقة عن الشعب. وحدد الانتماء اليها بشروط لم تتوفر بالسكان الاصليين: كالعرق، اي ان يكون مولودا خارج الاراضي المملوكية في الشرق العربي والاسلامي وبالتحديد في السهوب الآسيوية الاوروبية الممتدة من آسيا الوسطى حتى البلقان والبحر الادرياتيكي.[62]، والرق[63]، واجادة اللغة التركية لان المماليك كانو يتحدثون بالتركية في اجتماعاتهم ومجتمعاتهم[64]. وقليلون منهم من اتقنوا العربية ،لا بل ان بعضهم لم يفقه منها شيئا[65]. و التربية في الطباق ( الثكنة العسكرية )، و العتق ، و التدرج بالامرة[66]. وانحصر تزاوج امراء المماليك اما من نساء تركيات جيء بهن خصيصا لهذه الغاية، او من بنات امراء المماليك، وقليلون منهم من تزوجوا من بنات مياسير التجار او بنات المتعممين[67]. وكانت جميع اسماء الامراء تركية ، ولم يجرؤ احدهم الخروج على هذه القاعدة مخافة القتل او العزل، فالسلطان جقمق ( 1438 -1453م.) اراد ان يسمى محمدا تيمنا بالرسول (ًصلعم ) ولكنه خاف العزل فتسمى جقمق محمد[68]. انما حق لهم بالالقاب الدينية مثل ركن الدين او عز الدين… وانفرد المماليك بلبس ثياب مميزة مطرزة الكمين تمييزا لهم من افراد الشعب.[69]وارتدوا قباء طويلا ينتهي بأكمام ضيقة ، واعتمروا كلوتة صفراء من دون عمامة، وشدوا على خصورهم احزمة من القطن البعلبكي ، وتميزت ايضا ثياب الامراء من ثياب الجند[70].

 ومن مميزات الطبقة العسكرية الحاكمة اقتناء الرقيق وركوب الخيل الذي لم يجز ركوبها[71]لغيرهم، وعلى رغم اسلامهم فلم يقض الامراء في ما بينهم بالشرع الاسلامي بل ب”الياسة او اليسق ” وهي مجموعة القوانين المغولية التي اصدرها جانكيز خان ( 1206 – 1227م.)[72]. وحاز المماليك وحدهم ، سلطانا وامراء واجنادا ، الاقطاعات الزراعية وشاركهم بقسم ضئيل نسبيا بعض المتعممين ممن اشرفوا على المؤسسات الدينية والتربوية والاجتماعية[73]، كما توزعوا في ما بينهم المرافق الاقتصادية العامة الاخرى ولا سيما الجمارك التي حازوا عليها عن طريق الاقطاع.

 ان هذه المميزات تشمل كل المماليك خصوصا في القاهرة وهي تنسحب على تواجدهم في كل المدن ، لان نائب السلطان في نيابته شكل سلطانا مصغرا ، وتميز بخاصات السلطان من حيث الصلاحيات وبيوت الخدمة، انما على مستوى ادنى ، فالاول كانت تنعت بيوت خدمته بالشريفة والثاني بالكريمة .

   11 – وظائف الطبقة العسكرية الحاكمة في دمشق :

   عاش بدمشق عدد كبير من ارباب السيوف كان نائب السلطان اعلاهم رتبة، يعينه السلطان بمرسوم شريف ويعبر عنه، لاهميته، بكافل السلطان ويخصص بألقاب ونعوت لم يسمح بها لغيره،[74]كانت تزين كل احياء المدينة وحاراتها لدخوله اليها ، بحيث يطوف حول قلعتها سبع مرات ، ويصلي ركعتين عند باب السر[75]. ومن ثم يتوجه الى مقره في دار السعادة[76]. وللدور الديني اهمية اساسية في تولية النائب كون الدولة اسلامية، خصوصا ان  السلطان يستمد شرعية حكمه من الخليفة وقضاة القضاة و العلماء والفقهاء، لذلك كان النائب يخلع الخلع على قضاة القضاة الاربعة بدمشق في دار العدل[77] تعبيرا عن اقراره بدورهم في الحياتين الدينية والاجتماعية وان نظريا.

 تمتع نائب دمشق بصلاحيات واسعة جدا من حيث التوظيف والعزل، ومنح الاقطاعات.[78]وتوجب عليه اداء مهام ادارية وامنية وسياسية واجتماعية ودينية.[79]وتمتع بمنازل خدمة كريمة على غرار منازل الخدمة الشريفة السلطانية: فكان له دوادار، وخزندار، وامير مجلس، وامير آخور، وشاد الشرابخاناه، ومهاتر البيوت…[80]

 وعاش في دمشق الى جانب نائبها ثمانية امراء مئة مقدمو ألوف[81]، واحد وعشرون امراء اربعين او الطبلخانة[82]، واثنان وعشرون امراء عشرين، وواحد وخمسون امراء عشرة، وثلاثة وعشرون امراء خمسة. عدا عن مقدمي الحلقة واجنادها الكثر، والعديد من الموظفين لا يسعنا ذكرهم جميعهم كي لا يغدو الموضوع دراسة في الادارة المملوكية[83]. نذكر منهم:امير حاجب وهو مقدم ألف، ويلي نائب دمشق رتبة وينوب عنه اثناء غيابه، واستادار[84]، ونقيب الجيش[85]، والمهمندار، وشاد المهمات، ووالي الشرطة[86] ونائب القلعة الذي لم يكن لنائب دمشق سلطة عليه[87]، واتابك العسكر ( قائد الجيش ) وبالتالي نشأ نظام عسكري بيروقراطي لتلبية رغبات السلطان من جهة، وحاجات النائب شبه ال مستقلا من جهة ثانية. وتوزعوا الوظائف الاساسية، والاراضي الزراعية بنيابة دمشق اقطاعات كل على قدر الوظيفة التي يشغلها، وحصلوا ايضا على المعاصر المتنوعة و الطواحين وما الى ذلك من المرافق الاقتصادية. وبالتالي فقد اربتطت بهم فئات المجتمع بطريقة مباشرة خصوصا من استخدم من المتعممين في الادارة _ سيأتي الحديث عنهم بدراسة المتعممين- ، واحيانا اخرى غير مباشرة، وكانت تلك العلائق فوقية لصالح الطبقة العسكرية الحاكمة، حتى ان الصراع بين افراد هذه الطبقة اثر سلبا على تطور الحياة الاجتماعية الدمشقية، ناهيك بنهمها للمال غير المرتوي وهو اقتضى من الفئات الشعبية بكل مستوياتها تلبيته.

 واذا علمنا ان مقدم الالف حق له باقتناء من ماله الخص مائة مملوك وقد تجاوز هذا الحق الى مئة وعشرين، واجيز لأمير الطبلخاناه باربعين، وجوازا بسبعين او ثمانين، وهكذا نزولا حتى امير خمسة، ادركنا العدد الكبير لمماليك الامراء، ومن جهة ثانية كان في دمشق عدد من الطباقات مما يدفعنا للاعتقاد انه كان يعيش فيها عدد من المماليك السلطانية ممن يأتمرون بالسلطان فقط او من ينيبه عنه، هذا اضافة الى اجناد الحلقة. وتأمينا لسلامة الاوضاع فيها، وخوفا من الانقلابات العسكرية، عمد السلاطين الى تدابير احترازية: فمنع نائب القلعة، المعين من قبل السلطان، تسليمها او الاجتماع بنائب دمشق الا بامر سلطاني. وكان السلطان يرسل الى دمشق دوداره الثاني رقيبا على نائبها، وغير ذلك من الموظفين العسكريين المخلصين له. وبالتالي تضاربت مصالح العسكريين الاداريين العسكريين وتصارعوا في ما بينهم، صراعات غير منتهية اجمالا، ما اثر سلبا على اوضاع الناس الامنية والاقتصادية تنعكس باستمرار والاجتماعية.

شكل هذا العدد الكبير من رجال السيف فئة( طبقة) اجتماعية مميزة جدا عن ابناء البلاد، وتدرجت نسبتها الاجتماعية والاقتصادية تبعا للمناصب من اعلى الى اسفل بدءا بنائب المدينة، فامراء المئة نزولا حتى الاجناد. وهو تفرع اسروي الى حد، فكل امير شكل بجهازه الاداري والعسكري نوعا من اسرة قائمة بذاتها لانتماء مماليكه اليه وحده بثلاث روابط على الاقل:الرق، والعتق، والوظيفة، وارتبط به اسرهم، والعاملون في اقطاعاته المتنوعة. وعلى الرغم من انتماء افراد الطبقة العسكرية الحاكمة بدمشق الى رجال السيف، فانهم لم يكونو متجانسين من حيث وظائفهم وانتماآتهم، فبعضهم ارتبط بالسلطان مباشرة والبعض الاخر بنائب المدينة، ما ادى الى تمايز وظيفي، حتى ان بعضهم استغل ارتباطه بالسلطان وتجاوز كل الحدود[88].ان كل ذلك جعل الفئة العسكرية الحاكمة بدمشق وحدات شبه مستقلة، ومرتبطة في آن بغيرها من حيث الوظيفة ونمط الحياة العام.

  12 – ثراء الطبقة العسكرية :هيمن المماليك بسلطتهم السياسية والادارية والاقتصادية شبه تامة على الحياة المدنية جعلت الدمشقيين ينصاعون قسرا لهم، بما في ذلك ارباب الاقتصاد كالتجار وارباب الصناعة، طلبا للحماية. ومع ذلك لم تتوقف الصراعات في ما بين المماليك بغية الحصول على اكبر قدر ممكن من الثراء والنفوذ. وقد يجد الباحث عذرا لهذه لهم لو لم تكن امكاناتهم المادية هائلة، فالمصادر المملوكية تحدثنا عن ثراء الامراء بما يعيد الى الاذهان اساطير ألف ليلة وليلة. واليك بعض النماذج: عندما توفي الامير سلار ترك كنوزا مذهلة ذكر ابن اياس بعضا منها: خمسة وعشرين رطلا احجار كريمة من زمرد وياقوت، وثلاث مئة قطعة ألماس، ومئة وخمسين حبة لؤلؤ كبيرة زنة الواحدة منها مثقالا، ومئتي ألف دينار ذهب عين، واربع مئة ألف دينار من الفضة، واربعة قناطير من المصاغ الذهبي، عدا عن الخيل و غيرها من الماشية. ويزعم ابن اياس ان دخله بلغ من اقطاعاته وحماياته مائة ألف دينار.[89]وبلغت قيمة اموال نائب الشام التي صادرها السلطان الناصر محمد بن قلاوون ( 1309 _  1340م.) حوالى المليون ونصف المليون من الدنانير الذهبية .[90]ووزع الامير قوصون المعين نائبا على الشام النفقة على غرار السلاطين، منها ثمانين جارية، واثني عشر ألف اردب غلة[91]، وكثيرا من الذهب و الجواهر. ولكثرة عطاءاته توجس السلطان منه خيفة فاوقع به، فصادر له العامة اربع مئة ألف دينار ذهب عين، وعددا كبيرا من الكلفتاه المزركش والاواني الفضية والذهبية، فضلا عن ثلاثة اكياس اطلس كبيرة مليئة بالجواهر قدرت بمئة ألف دينار[92]. وقد احصي ما تركه “تنكز”الذي حكم الشام بضع سنوات مليونين وسبع مئة ألف دينار، وسبع مئة وثلاثين ألف درهم فضي فضلا عن المجوهرات.[93]

 لعلها ارقام مبالغ بها، وهي مستقاة من مؤرخين مملوكيين ثقة ويتحدران من الطبقة العسكرية الحاكمة[94]، انما تدل على مدى الثراء الفاحش للطبقة العسكرية المملوكية الحاكمة، التي لم يكن لها مبرر لظلم الفئات الشعبية، بخاصة انها جمعت بعض ثروتها ظلما.

  وقد انصب اهتمام المماليك على تنظيم الجيش وتدريبه وتأمين رفاهيته، من تحصيل الضرائب. ولم الحكومة المركزية مسؤولة عن الخدمات المدنية التي اضحت، عرفا، على عاتق نائب المدينة بشكل رئيسي، وبدرجة اقل على الامراء الكبار فيها، فهي ارتبطت بهمتهم وبقدر حاجتهم للتقرب من الشعب، وبمقدار ضعوط الشعب عليهم بقيادة بعض رجال الدين، او باعمال الشغب المشروعة _ ان جاز التعبير _ كالتكبير في المساجد، او التظاهر مكبيرين في الشوارع الرئيسية.[95]

وهكذا انفصل رجال السيف عن ابناء البلاد بنظمهم وعاداتهم واخلاقهم وممارساتهم المجحفة بحق الرعية، وشكلوا فئة اجتماعية سياسية عسكرية مغلقة عن الدمشقيين. وكانت آليتها الداخلية متحركة اما نحو القمة، او الى البطالة والعزل. وفي الحالين معا خضعت لظاهرة اجتماعية واحدة ممتازة ومتميزة عن الدمشقيين. وجاء تحولها بطيئا جدا بما اجازه القانون، تبعا، لافرادها بالاختلاط بالدمشقيين ضمن حدود ضيقة، دفعت ببعض السكان ان يحذوا حذوها متأثرين ببعض العادات المملوكية خلافا القانون، كما في كلامنا لاحقا عن الزعر.

     وتطلب تامين الخدمات العامة ، وادارة املاك نائب دمشق وامرائها واجنادها عدد كبير من الموظفين على اكثر من مستوى : فكان بعضهم من بياض العامة،  والبعض الآخر من سوادها ، اضافة الى رجال الدين الذين كان دورهم اساسي قي المجتمع الدمشقي على مستويين اجتماعي ووظيفي.

   2 – الاعيان

   21- رجال الدين المسلمون : شكل رجال الدين ، بوجه عام ، صمام امان في المجتمع الاسلامي لانهم احتلوا المنزلة الارفع فيه، وظل الناس ينظرون اليهم باكبار حتى في فترات الانحطاط ، لممارستهم شؤونا مدنية اجتماعية مثلت دور الرقابة على ممارسة الجهاز العسكري الحاكم. حتى ان رجال الدين الذين تسرب اليهم الفساد، وجروا وراء مصالحهم الذاتية، بخضوعهم لرغبات الطبقة العسكرية وتنفيذهم مآربها على حساب الشعب، وحتى ايضا الذين تندر بهم الناس ظلوا يحتلون منزلة مهمة ، ليس على الصعيد الشخصي، انما على مستوى الوظيفة الجليلة التي شغلوها بما كان لها من تقدير عند مختلف فئات  المجتمع. اما ابرز الوظائف الدينية فكانت :

قضاة القضاة :عرفت دمشق اربعة قضاة قضاة تبعا للمذاهب الاسلامية الاربعة، كان اهمهم الشافعي[96] الذي اشرف على دور الايتام والاوقاف التابعة لها ، والمدارس التي اما يتولى التدريس فيها او يشرف عليها، وهو الذي يقيم النائب في نيابة الشام اي يثبته فيها، وله اوقاف خاصة يعتاش منها.[97]ويليه اهمية الحنفي ، ثم الحنبلي واخيرا المالكي، ولكل واحد اوقافه ومدارسه واختصاصاته الاجتماعية والسياسية[98]. ويعتبر قاضي القضاة رئيس الادارة القضائية من حيث تعيين القضاة وعزلهم ، وتعيين نواب له ، والفصل بين الخصوم، وتنفيذ الاوامر الشرعية.[99]كما توجب عليه افهام نائب دمشق الصحة بالاحكام واصول الشريعة كي لا يقع بالخطأ ، كون النائب صاحب ولاية المظالم[100]ويجهل احيانا كثيرة اللغة العربية قراءة وكتابة وبالتالي القواعد الشرعية واحكامها.

     وكان من المفترض ان يختار اهل كل مذهب قاضي قضاتهم بعد موافقة السلطان،[101]لكن هذا الامر لم يراع باستمرار خصوصا على عهد الدولة الجركسية[102]،ولا سيما بعد ان صارت المناصب القضائية تشرى بالرشوة،وبالتالي فسد معها،بوجه عام، معظم النظام القضائي المملوكي، وغدت تصدر بعض الاحكام بالرشوة[103]. وتمكن بعض القضاة من جمع اموال طائلة بطرق مشبوهة، من دون ان يخجلوا لا بل ان بعضهم راح يتباهى بسطوته ونفوذه غير آبه بتهكم الناس، وغير مكترث بأحكام الشريعة،فاحتقره زملاؤه والناس كلهم.[104]خصوصا ان بعض هؤلاء كان جاهلا اصول القضاء واحكام الشريعة ،والعلوم الدينية الاخرى التي هي في اساس التربية في الاسلام ومنارة السلوك الاجتماعي.[105]ولم تكن حال حميع القضاة على هذا النحو اذ أثر عن بعضهم الصلاح واعمال الخير والاجتهاد بتلاوة كتاب الله والاكثار من الصلاة والتفقه بالاحاديث النبوية الشريفة.[106]كما مارس قضاة القضاة والقضاة ضغوطا على الطبقة العسكرية الحاكمة بدمشق لاطلاق من اعتقل ظلما وعدوانا، اوللشفاعة بمن اعتقل اثناء الصراع بين الاجناد المماليك والسكان، وما شابه هذه الحالات[107]   

مفتون دار العدل : ومن مهامهم حسن تطبيق الشريعة الاسلامية ، وكان عددهم ،بوجه عام ، اثنين : شافعي وحنفي، ويتم تعيينهما من قبل السلطان [108].

 ومن الوظاءف الديوانية التي شغلها رجال الدين: وكيل بيت المال ، وهو مؤتمن على اموال النيابة ، و المحتسب الذي يراقب الاسعار و المكاييل و الموازين والاخلاق العامة .[109]وشيخ الشيوخ الذي يوليه نائب دمشق للاشراف  على جميع الخوانق والفقراء الصوفية[110]، وكاتم السر الذي يعينه السلطان لاسداء النصح والارشاد للنائب، وكان يعاونه موظفون متعممون معينين ايضا من قبل السلطان مثل:كتاب الدست الذين يجلسون في دار العدل لمعاونة كاتم السر في رفع القضايا الى النائب ليتم اتخاذ القرارات بشأنها[111]، وكتاب الدرج ويعينهم السلطان ايضا.[112]

   قام رجال الدين، اضافة الى وظائفهم الشرعية،بدور مهم جدا على صعيد الحياة اليومية والدينية، اذ كان لبعضهم انصار في توجههم الديني خصوصا من سلك طريق الصوفية، بحيث كثر هؤلاء الانصار وانصاعوا الى تدابير رجال الدين، الذين مارسوا ضغوطا كبيرة على اهل السلطة لاحقاق الحق ،الذي كان يتنافى احيانا مع مصالح السلطة،وبالتالي شكلوا ازعاجا حقيقيا لها.[113]

  دور رجال الدين التعليمي:

بما ان موضوع التفريع الطبقي يتعلق بالوظيفة فلا بد من ان نتحدث عن دور العلم في دمشق التي عمل فيها قسم مهم من رجال الدين علماء وفقهاء وغيرهم اضافة الى عدد من الموظفين المدنيين.

أ -تأسيس المدرسة: كانت تؤسس المدارس لبعض الائمة الكبار ممن تعمقوا وتفقهوا بالعلوم الدينية لكي يمارسوا دورهم التعليمي بأمان وباحترام ،وبالتالي تمكين الطلاب من الحصول على الثقافة الضرورية من اجل تطوير المجتمع ليس على الصعيد الديني فقط انما ايضا في مختلف انواع العلوم الاخرى وان لم تلق الاهتمام الذي خظيت به المدارس الدينية.

  كانت المدارس في دمشق على نوعين ما يشاد خصيصا للتدريس،وفي هذه الحال جاء تصميمها على الشكل التالي: صحن مكشوف غير مسقوف تتوسطه نافورة محفورة من الرخام،تحيط به اروقة من جهاته الاربعة، احدها يؤدي الى الجامع الملاصق بها، وآخر الى قبر من اسسس المدرسة وهو عبارة عن مقصورة تعلوها قبة.اما الرواقان الآخرن فيحازيان الايوانات المعدة للتدريس،التي تعلوهما غرف اعدت لمنامة الطلاب[114].او ان تكون منزلا وتحول الى مدرسة فيأخذ في هذه الحالة طابعا خاصا.[115]ويذكر النعيمي ان عدد المدارس بدمشق قد جاوز المئة وثلاثين مدرسة ، انما يجب الاخذ بالاعتبار انه كان يذكر المدرسة اكثر من مرة احيانا[116].

كانت معظم المدارس المذكورة ذات اختصاصات دينية وادبية باستثناء ثلاث اختصت بتدريس الطب وهي: الدنسرية،الدخوارية،واللبودية النجمية[117]،وهي مدارس خاصة.والى جانبها اختصت البيمارستانات بتدريس الطب نظريا وعمليا لان المدارس الخاصة اقتصر عملها على الدروس النظرية فقط[118]،وكان في دمشق المملوكية اربعة بيمارستانات هي:الصغير اوالعتيق،باب البريد او الدقاقي،النوري الكبير،والقيمري[119].

وكي نتمكن من اعطاء فكرة عن الوظائف في المدرسة سأدرس الاختصاصات في مدرسة  واحدة هي العادلية[120]، بما في ذلك اقسامها والمدرسون فيها .قسم الفقه : درس فيه اشهر فقهاء دمشق وقضاتها من امثال:ابن خلكان،والقزويني،وتاج الدين السبكي…وكان يؤمها العلماء واللغويون ويتناقشون بكل ما له علاقة بالفقه واللغة.[121]وقسم اللغة العربية والقراءات الذي اعتنى بلهجات القبائل العربية،ومذاهب النحاة واللغويين.وسكن في هذه المدرسة المدرس المختص هو وعائلته.وكانت لها ايضا مشيخة كبرى.[122]

   حظيت كل مدرسة بهيئة تدريس تألفت من:رأس المدرسة وهو من كبار المدرسين، يتولاها بتوقيع اما من السلطان او من نائبه  في دمشق لانه ضم احيانا ،الى جانب مشيخة المدرسة،مشيخة اختصاصها ( الحديث او الفقه او اللغة العربية)[123]،وتعني المشيخة بتأمين حسن سير التدريس فيها من حيث الاشراف وتأمين الاساتذة ودفع المرتبات.وتألف الجهاز التعليمي في المدرسة ،الى جانب شيخها،من ناظرها،ومدرسيها، ومعيديها[124]– وتفاوت عددهم نسبة الى اتساع المدرسة وعدد طلابها ومساحة اوقافها- ومن امامها،ومؤذنها،وقيمها[125].

ب-الاوضاع المادية للجهاز التعليمي: تقاضى مدرسو المدارس والخوانق والربط رواتب جيدةعموما أمنت لهم مستوى لائق من العيش،خصوصا اذا كان ناظر المدرسة كريما صالحاومتقيدا بشروط الواقف[126].اما مدرسو المساجد فكانوا لا يطلبون اجرا اجمالا سوى الثواب عند الله وما اوقفه بعض الامراء واهل الخير من اوقاف على التعليم في المساجد.[127]وكانت رواتب مدرسي الكتاتيب زهيدة وتكاد لا تقوم بأودهم.

  وقد شكلت المدرسة الركن الاساسي للتآلف الاجتماعي لاستنادها الى مذهب شرعي محدد، ولوجودها في مكان محدد من المحلات او الاحياء، وبما انها كانت تقوم اساسا على التوعية الدينية وتعليم اصول الدين من فقه واحاديث، وخصوصا تلقين القرآن الكريم، لان الدين كان الى جانب كونه عقيدة غالبية السكان فانه كان ايضا نظام حياة، وبالتالي اصبحت المدرسة النقطة المركزية في التوحيد الشامل لابناء المذهب المنتسبة اليه.ولم تكن غايتها التعليمية تخريج رجال دين على مختلف المستويات فقط، بل ايضا تثقيف المجتمع، فكان ينتسب اليها ابناء الفئات المتوسطة والغنية تقربا من الله وللتفقه باصول الدين، وللاكتفاء الذاتي على هذا الصعيد.حتى اذا تخرج الواحد منهم واشتغل بمهنة حرة ادرك اصول المعاملات وفقتضيات الاحوال.وقد يكون هذا الامر دفع ايرا مارفين لابيدوس بالاستناد الى كتب السير والتراجم الى القول ان العديد من ابناء المهن الحرة كانوا من العلماء مثل:” البنائين، وعمال الحجارة والنجارين والنحاسين، وصناع الصابون والصيادلة… كما كان عدد من صناع الحبال والاسرجة والاقواس والنساج والقصابين وتجار الصوف… مطلعين على الشريعة الاسلامية، وتقلدوا العضوية في مدارس الفقه[128].

    وهكذا تصبح المدرسة راعية الحي ، والاساس في التفريع الطبقي، والرائدة في تعميم الظواهر الاجتماعية، ليس للدور التثقيفي الديني فقط انما للدور الاجتماعي والسياسي احيانا الذي كان يمارسه القيمون او المشرفون عليها.لانهم شغلوا مناصب جلية الى جانب التدريس ، فكانوا قضاة، ومحتسبين، ورجال ادارة، وأئمة مساجد، وكتاب سر وغير ذلك من موظفي الادارة المدنية.وبالتالي لعبت المدرسة دورا رئيسا في التآلف والتجانس الاجتماعيين.    

والى جانب المدرسة اختصت مؤسسات اخرى بالتعليم سأكتفي بذكرها فقط كي لا ادخل في كامل تفاصيل النظام التعليمي الدمشقي المملوكي،وهي: الجوامع، دور القرآن الكريم،والكتاتيب، والخوانق ،الربط ،وبعض الترب التي نص صاحبها بوقفه على هذا الامر.

    وعلى الرغم من الدور الاجتماعي المهم الذي مارسه المتعممون الدمشقيون فقد شكلوا فئة اجتماعية خاصة، فاذا اخذنا فقط بالاعتبار قضاة القضاة ومساعديهم من القضاة، وارباب الوظائف الديوانية، والمدرسين ندرك تماما العدد الكبير لهؤلاء الذين شكلوا فئة متميزة وان على درجات تبعا لوظائفهم.فقد كانوا جميعهم من المتفقهين بعلوم الدين على مختلف انواعها وان بمستويات متفاوتة، وجاءت ثيابهم متشابهة مع بعض الاختلاف[129]، وفرضوا احترامهم على الدمشقيين والحكام على حد سواء، ونالوا رواتب نقدية او اقطاعات، وبالتالي كانت احوالهم الاقتصادية جيدة الى مريحة تبعا للوظائف التي كانوا يشغلونها.كما كانت لهم منزلة وكلمة مسموعة عند الفئة العسكرية الحاكمة.    

22 – رجال الدين المسيحيون : ان الكنيسة المسيحية هرمية ، تتدرج الرتب فيها من اعلى الى اسفل كما يلي: البطريرك [130] وهو صاحب اعلى سلطة يأتمر به اصحاب الرتب الاخرى وعامة المسيحيين ، وهو المسؤول عن رعاياه بدمشق امام النائب. يليه نائبه الملقب بالاسقف ، ثم المطران المسؤول عن المسيحيين في ناحية جغرافية محددة ، ويمارس فيها سلطة قضائية ، ثم الكهنة الذين يرتبهم القلقشندي كالآتي : القسيس ، والجاثليق والشماس .[131] ان هذا الترتيب الكنسي ينطبق على طائفتي اليعاقبة والملكيين معا.ويبقى السؤال هل شكل هؤلاء فئة متميزة عن بقية السكان؟ تصعب الاجابة على ذلك نظرا لقلة المعلومات التي وفرتها لنا المصادر التي اطلعنا عليها، انما المرجح، بما ان المسيحيين كانوا يعيشون في احيائهم الخاصة، ويتمتعون بنظمهم الخاصة ايضا، انهم فئة اجتماعية ميميزة ببعض وجوهها من الفئات الاجتماعية الاسلامية، علما ان الصفة العامة للمجتمع الدمشقي بما هي ظاهرة اجتماعية عامة شملتهم بدورهم، لانهم تشاركوا مع بقية الدمشقيين الاعمال عينها، واحتفلوا معهم بكل الاحتفالات والاعياد ، كما شاركهم المسلمون احتفالاتهم.

رئيس اليهود : وهو المسؤول ، بوجه عام عن طائفتي اليهود القرائيين و الربانيين معا .[132]اما السامرة فقد كان لهم نائب رئيس بدمشق وهو المتحدث باسمهم [133]، وكان وضعهم الاجتماعي مشابها الى حد بعيد لوضع المسيحيين.

       على ان دور رجال الدين خصوصا المسلمين لم ينحصر فقط بما ذكرت ، بل مارسوا مهمات اخرى كالتدريس والافتاء وارشاد الناس والخطابة في دور العبادة مما قربهم من العامة ، كما مارسوا ضغوطا على الطبقة العسكرية الحاكمة بدمشق لحل المشاكل الناجمة عن سؤ اداء افرادها تجاه مختلف الفئات الشعبية

23  – الاعيان الآخرون: لتحديد التفريع الاجتماعي ضمن فئة الاعيان لا بد من اعتماد المبدأ المنظم وهو مبني في هذه الحالة على المستويين الاقتصادي والمنزلة الوظيفية.ان خلو مصادرنا العربية من الارقام تدفع بالباحث لاعتماد الصفة فقط بالنسبة للحالة الاقتصادية التي تعتمدها هذه المصادر كأن تقول فلانا من مياسير التجار او من كبار التجار،كتجار الخانات والقيساريات، وارباب القوافل وتجار الجملة والسماسرة او الوسطاء التجاريين.

 لقد ضاهى هؤلاء كبار الامراء من حيث الاهمية وشاركوا بحضور الاحتفالات الرسمية،ونالوا احتراما مميزا من السلطات ومن الشعب على حد سواء[134]،لان التجارة تحتل مركزا مرموقا في الاسلام [135].ويدرج في هذه الفئة اصحاب الصناعات المهمة وهم غير الحرفيين الصغار. ويصعب علينا اعطاء فكرة واضحة عن هؤلاء حتى وان اعتمدنا على دراسة المصادرات التي كانت تقوم بها السلطات الحاكمة بدمشق لسد عجز موازناتها اولزيادة مداخيلها،لان المصادر الدمشقية تحجم،غالبا، على خلاف المصادر المصرية التي تعطي ارقاما عن غنى بعض التجار وغيرهم من المياسير[136].وهناك صعوبة اخرى تتمثل بتحديد نسبتهم الى مجموع تجار دمشق من جهة ،والى مجموع سكان دمشق من جهة ثانية.

اما المبدأ الاخر المنظم للتفريع الطبقي للاعيان فهو السلم الوظيفي :فالى جانب الجهاز القضائي كان هناك العلماء، والمحتسب، وشيوخ الاسواق ( النقباء)،[137]والاطباء،والمهندسون،وجباة الضرائب. ان بياض العامة ممن ذكرنا شكلوا الطبقة البرجوازية بالاصطلاح الحاضر لان الابناء توارثوا عمل الآباء،وجنى بعضهم ثروات مهمة جعلتهم عرضة اما للمصادرات او للطرح[138]،ما دفع ببعضهم لاخفاء ثرواتهم،ما ادى لتقهقر نسبي في الحركة الاقتصادية عامة

 3- العامة [139]: من الواضح جدا ان الاسلام دعا الى المساواة بين المؤمنين بهدف الغاء التفاوت في المجتمعات الاسلامية وتحقيق العدالة على المستويات كافة . انما سير الفتوحات السريعة وما نتج عنها من غنائم مذهلة مادية وبشرية ، وخضوع مساحات جغرافية شاسعة للسلطة الاسلامية بسقوط الامبراطرية الساسانية ، وانحصار رقعة الدولة البيزنطية ، واعتناق بعض سكانها الاسلام دينا والبعض الآخر ظل على ديانته السابقة وفق مفهوم الذمة ، فترتب على كل ذلك ظهور اول ترتيب اجتماعي عفوي ، الذي يصنفه عبد العزيز الدوري كما يلي : الفاتحون العرب ، المسلمون من غير العرب ، الذميون والارقاء ( العبيد )[140] وزاد برسوخ هذا الترتيب جنوح الانسان بطبعه الى السلطة وما افرزه من  صراعات لم تترك آثارا سلبية على المستوى السياسي فقط ، انما ايضا على المستوى الاقتصادي، بالاضافة الى نشوء المذاهب في الاسلام الذي ادى الىتحولات اجتماعية استمرت تتراكم عبر العصور حتى اربكت التوازن الاجتماعي ، وبالتالي نجم منها تمزق شديد .

ولم يحاول القيمون على دول الخلافة رأب صدعه ، ولا سيما عندما تصدر السلطة السياسية الاغراب عن المجتمع العربي بدءا بالاتراك خلال العصر العباسي الثاني وصولا الى العهد المملوكي ، فازدادت الهوة بين الحكام والمحكومين ، ونشأ فراغ في الولاء ، حتى باتت شرائح كبيرة تعيش على هامش الحياة ، خصوصا في المدن.

 واشد ما نلادظ ذلك في العهد المملوكي بحيث تقاسم السلطان وامراؤه الخيرات الاقتصادية في الدولة ، وهي وفيرة جدا. ونشأ نوع من العداء بين الحكام والرعية، على الرغم من محاولة الحكام التقرب من الشعب عن طريق بناء المؤسسات الدينية والاجتماعية كالمساجد، والبيمارستينات ( المستشفيات ) والمدارس. انما الضرائب الفادحة وغير المنتظمة، اضافة الى السخرة، ومختلف انواع المصادرات، افرغت كل محاولات التقرب من مضمونها. وراح بعض افراد الطبقات الاجتماعية ( الفئات ) ينحدرون من طبقة الى اخرى ، وبتعبير اوضح كان تحولهم ينحدر باستمرار نحو القاعدة ، حتى تفرع على عهد الدولة المملوكية الثانية فئة اصطلح على تسميتها ب” الزعر” ، وهي عرفت في ما مضى بالعيارين والارذال والاوباش وتحديدا في العصور العباسية [141]، ولكنها لم تنحو الى التطرف في الفساد كما اصبح عليه الحال  مع  الزعر .

وتعبير العامة او اصطلاحه قديم جدا في المجتمع الاسلامي،تناوله الادباء والفقهاء والمؤرخون للدور البالغ الاهمية الذي مارسته العامة في المجتمع على الصعيدين الاجتماعي والسياسي: فهم عند الدينوري :”اصحاب الاهانات،وابناء الانذال…ومنهم الرعاع والهمج والغوغاء،واهل السفه والخفة…والدهماء.”[142]وهم عند الطبري:النطاف وباعة الطريق في محتقرات البيوع، وبائعو البطيخ والزجاج ،والقصابون ،والبقالون،والكناسون.[143]والعامة عند “الصفدي”خلاف الخاصة”[144]

وعلى هذا ، يمكن تعريف العامة في العهد المملوكي بأنها الفئات الشعبية التي لم تتلق تعليما ، ولا حققت ثروة ، ولم تشغل منصبا حكوميا ، بل هي جماعات دفعت الضرائب من دون ان تفيد منها اجمالا ، وسميت العامة او عامة الناس لاضفاء عليها صبغة من الاحترام وتمييزا لها من الزعر والارذال.[145]

وتألف العامة في العهد المملوكي من: اصحاب الحوانيت ، والباعة المتجولين ، وباعة المفرق ، والعمال كالنجارين والبنائين، والحرفيين[146]،وضمت ايضا اصحاب الصفقات التجارية المشبوهة، والمخادعين،والسماسرة،والصيارفة،[147]وتجار النخاسة،وبائعي الخمور،والمغنين والنادبين[148]، واضاف اليهم المقريزي القصابين،واصحاب بيوت الدعارة، وضامني الافراح والمآتم،والمشاعلية اي منظفي الاقنية والبيوت[149]،ويضاف الى هؤلاء عمال الدباغة،وضاربي الرمل لكشف الغيب،وسائقي البغال والحمير وغيرهم[150]. وشمل هذا التصنيف مختلف الطوائف: الاسلامية من سنة وشيعة ، والمسيحية من نساطرة ويعاقبة ، ويهود قرائيين وربانيين وسامرة.

لقد تجانس جميع العامة من حيث طبيعة العمل ، فمثلا: لم يكن ممنوعا على الذميين ممارسة اي مهنة يمارسها المسلمون، فامتلك المسيحيون محلات كثيرة غصت بمختلف انواع الملابس ، والاواني النحاسية وغيرها .[151]ويعتبر “اندريه نصار” ان تجارة الاقمشة شكلت واحدا من القطاعات التجارية الرئيسية للنشاط التجاري اليهودي في القرون الوسطى ، وتاجر يهود دمشق بالالبسة ، ومارسوا ايضا بعض الحرف .[152]واشتهروا باعمال الصيرفة وبالربى عن طريق اقراض الناس الاموال [153].كما تولوا وظائف كتابة السر ، ودار الضرب.[154]

واختلفت اوضاع اليهود والمسيحيين عن المسلمين بدفع ضريبة الخمر، والجزية او الجوالي عملا بأحكام اهل الذمة ،واجحف احيانا جباة الضرائب بحق الذميين ، فكانت تصدر بسبب ذلك، ووفقا لهوى السلطان،مراسيم سلطانية شريفة تأمر النائب بجباية الجزية وغيرها بالمعروف،وتطلب ممن ظلم من الذميين التوجه الى الابواب الشريفة اي السلطانية.[155]كما طبقت عليهم احيانا شروط الذمة[156].وعوقبوا جماعيا مرات اخرى بسبب استيلاء القراصنة الاوروبيين على السفن التجارية المملوكية في المتوسط ،او اعتداء دولة اروربية او اكثر على دولة اسلامية[157]، او بناء لرغبة السلطان ومن دون اسباب حقيقية[158].ولم يكن اليهود محبوبين من السكان، وتعرضوا مرات عدة للاهانات والضرب حتى في المواكب الرسمية او احتفالات النائب[159]

واختلفت ايضا اوضاع المسيحيين واليهود عن اوضاع المسلمين من حيث السكن، بحيث كان للمسيحيين حيهم الخاص في الزاوية الشمالية الشرقية للمدينة بالقرب من باب توما،وسكن اليهود بالمحلة التي عرفت باسمهم[160]، وكانت للطائفتين مقابر خاصة معروفة باسمهما على مقربة من اسوار المدينة.[161] ويصعب اعتبار ذلك اختلافا دقيقيا اومهما لان الاحياء عموما ،والحارات خصوصا انتظمت وفق ترتيب عائلي ، فكان لكل عائلة حيها اجمالا على حد تعبير لابيدوس[162]، الذي يصنف الاحياء وحدات اجتماعية قائمة على التجانس الديني_ من دون ان يحدد الطائفة_ والعرق، وهي، برأيه، مماثلة للوحدات القروية داخل التكتل المديني[163].

4-الزعر: ان نشوء المعدمين في مختلف المجتمعات الانسانية نتج من الصراع على الثروة او على السلطة،او على الاثنين معا لتلازمهما في غائية جنوح الانسان الى العظمة.وفي خضم يأس المعدمين انبرت جماعات تدعي الدفاع عن مصالحهم،ونصبت نفسها قادة عليهم باسم الانسانية.وهذه القيادات، في الغالب،تكونت من افرازات اوضاعهم البائسة المنبثقة من رفض الواقع المظلم والمرير،ومن جنوحها بدورها للاستغلال،ولشراسة في اخلاقها وطبائعها.فتكونت اذ ذاك احزاب عفوية اخذت على عاتقها تغيير الواقع المشكو منه ،وفق اساليبها الخاصة،واقنعت المعدمين بأن ما تصبو وتسعى اليه، وفق وسائلها الخاصة، يمثل انجع السبل لتطوير احوالهم البائسة،وبالتالي نشأت منظمات الزعر.

ولنا امثلة  في التاريخ العربي والاسلامي الوسيط على انتظام الشطار او العيارين بما يشبه الاحزاب،فضلا عن انتظامهم العسكري،فقد حفظ لنا المسعودي هذا التراتب.[164]

وقد تألف الزعر اجمالا من الشطار(سليلي العيارين على الارجح)،والبلاصين،والغوغاء،والاوباش ،والحرامية – وهم غير اللصوص)،والاوغاد ومن شابههم[165].ولم ينتج هؤلاء من الافراز الاجتماعي الدمشقي فقط بل ان بعضهم كانوا دخلاء عليها اذ لجأوا اليها على اثر الغزو المغولي للعراق وما جاوره.[166]وأنشأوا حارات خاصة بهم في عدد من احياء المدينة من اشهرها:الغوطة،الشاغور،القبيبات،ميدان الحصى،القراونة،حارة المزابل، الشويكة،زقاق البركة،باب السريجة وغيرها. وهي عبارة عن احزمة بؤس في طفرات المدن الحالية[167]،ساهمت بزيادة التدهور الاجتماعي والاقتصادي الدمشقي،لأن الزعر ومن شابههم عزفوا،بوجه العموم،عن القيام بأعمال شريفة.

لقد كون الزعر خلايا خاصة بهم تمركزت كل خلية في حارة من الحارات التي ذكرتها اعلاه يتزعمها قائد عرف بكبير زعر محلته،ولقب نفسه احيانا بلقب يستشف منه المنزلة العالية او النبيلة تدليلا على كرم في المحتد: مثل “قريش” او ابن “الاستاذ”، ولكي ايضا يجعل من  تنظيمه تنظيما محترما ظنا منه ان التسمية تمحو الصفات السيئة التي طالما اتصفت بها منظمات الزعر، [168]اومثلا للتدليل على القوة والمهابة لاخافة الاعداء فتسمى بعضهم الآخر ب” أبي طاقية”[169]،او “الجاموس”[170] للدلالة على ضخامة الجثة والقوة البدنية.

    وتمييزا لهم من بقية الناس تزي الزعر بلباس خاص هو كناية عن”فرعاني” يلفونه على رؤوسهم،وثياب يقلبونها على أكتافهم،وارتدوا ايضا الابشات بأكمامها الطويلة والعريضة لتخفي سلاح الواحد منهم [171].وبما ان تنظيمهم يقوم على القتال اما للدفاع عن انفسهم او مهاجمة الآخرين كالاعتداء على الناس بأموالهم، او مهاجمة الاسواق،[172]فقد اشترطوا على المريد الذي ينوي الانخراط بتنظيمهم حسن استعمال الخناجر والسيوف وغير ذلك من الاسلحة التي كانو يقتنونها[173].

-موارد رزقهم:  اعتاش الزعر من موارد متعددة:فقد امتلك بعضهم الحوانيت،وفي هذه الحال فرضوا سطوتهم على الحوانيت المجاورة واحيانا على معظم حوانيت السوق او المحلة،بأن اقاموا،في بعضها،من يبيع لحسابهم او باسعار مرتفع نسبيا فينصرف المشترون الى محلات الزعر فتزدهر محلاتهم،او انهم فرضوا الاتاوة “الخوة” على بعض الحوانيت،وذا رفض اصحابها الانصياع تعرضت حوانيتهم اما للسرقة او لاعتداءات اخرى،وكان تواجد حوانيتهم في محلة ما يشكل كارثة على اصحاب الحوانيت الاخرى، ليس بسبب ما ذكرت فقط،بل لان المحلة اذا تعرضت للرمي او الطرح فرضوا،بقوة السلاح او السطوة، المال المتوجب لتلك الضرائب على الحوانيت الاخرى،وبالتالي ينجون هم من دفع الضرائب.[174]واذا ارادوا الاحتفال- وكانت احتفالاتهم باذخة – بسبب اقامة الهدنة العسكرية بين منظماتهم حمعوا الاموال من “المستورين او المحتاجين على وجه الحياء والقهر”على حد تعبير ابن طولون.[175]

تمادي الزعر : ان من المفارقات الغريبة،تشجيع السلطة الحاكمة الزعر على التمادي بغيهم، لاسيماعندما كانت تحتاج الى خدماتهم:فأحيانا كان نائب دمشق وبعض كبار الموظفين العسكريين يحضرون العرض العسكري الذي يقيمه الزعر،ومن ثم يخلع الخلع على اكابرهم[176].وكان الزعر يستقبلون نائب دمشق الجديد ، كبقية السكان،انما بعدتهم الكاملة،[177]وهذا يعني اعترافا ضمنيا بسلطتهم. واذا اعلم نائب دمشق احدى منظماتهم انه سيمر بموكبه في محلتهم اخذوا اموال الناس قهرا وزينوا له عند زاوية المحلة[178]، وكأني به يشجع ممارساتهم ،وبالتالي يشجع الجريمة.وكثرا ما عمد الحكام المماليك الى كنائب المدينة، او اتابك العسكر الى ملاطفة الزعر، واقامة الصلح بين فئاتهم المتنازعة من دون ان يردعوهم او يقتسوا منهم بسبب تعدياتهم[179]، علما انهم ابدوا قلة احترام لاهل السلطة بمن فيهم من يحتل مناصب رفيعة[180]، بعد ان كانوا تعدوا مرات عديدة على المماليك السلطانية[181].والمؤسف ان نائب المدينة ساهم بطريقة فعالة بالاعتراف بالزعر وبتنظيمهم عسكريا وتدريبهم والاستعانة بهم[182].وبالتالي تم الاعتراف بهم رسميا، واعطوا صفة معنوية، على الرغم من عن الظاهرة الاجتماعية التي كانت تحكم تصرفهم كانت التعديات على اختلاف انواعها اضافة الى مختلف انواع الجريمة واللصوصية. 

ومن المؤسف ايضا ان بعض الفقهاء ساهموا بطريقة غير مباشرة بازدياد اعمال الزعر الشائنة حينما اجازوا لهم قتل اعوان الظلم والمجرمين من البلاصين واللصوص وغيرهم من دون ان يدروا او انهم كانوا يدركون انهم حاولوا استئصال الجريمة بجريمة اخرى قد تكون ابشع،لان الزعر استندوا لتبرير جرائمهم على فتوى دينية وعلى مساندة بعض رجال الدين اذا اراد نلئب المدينة او غيره من المسؤولين الاقتصاص منهم[183].والافدح من ذلك كله انهم صاروا يخرجون باسلحتهم ،ويسطون على اموال  الناس ومن امتنع عليهم قتلوه باسم الدفاع عن مساوىء المجتمع[184].ولم يقف الامر عند هذا الحد بل صار الناس يدفعون لهم الاموال  لقاء القضاء على اعدائهم[185].واذا تجرأ احد وشكا امرهم للسلطات دفع حياته ثمنا بحيث انتشرت كمائن الزعر وكثرت الاغتيالات.[186]

والاغرب من كل ذلك انه جرت العادة اذا وجد قتيل في محلة ما ،مجهول قاتله، غرم اصحاب حوانيت المحلة او سكانها  بديته،وتختم حوانيتهم ريثما يتم تسديد الدية[187].ان كل ذلك يدفعنا للاعتقاد ان (طبقة) فئة احتماعية تم الاعتراف بها رسميا من اعلى سلطتين في دمشق المملوكية: السلطة العسكرية ، ورجال الدين.وهذا يدل من دون ادنى شك على انتشار الجريمة والمساوئ الاجتماعية المتنوعة على نطاق واسع، وعلى عجز السلطة العسكرية والجهاز الحاكم.  

العلاقات بين فئات المجتمع الدمشقي :دخل معظم المماليك الى مصر وبلاد الشام صغارا،وتربوا تربية اسلامية من حيث اعتناق الدين فقط لانهم عاشوا في الطباق [188]،واشرف على تربيتهم الطواشية ،ومقدموهم[189]،الذين هم بدورهم يتحدرون من المماليك،فضلا عن بعض رجال الدين. وقد جهدوا كي يتخرج طلابهم منضبطين طائعين لرؤسائهم،  ومنعوا في بداية العهد المملوكي من التزاوج من بنات البلاد والاختلاط بالسكان فانعكس الامر سلبا على الانصهار الاجتماعي. وشعر المماليك باستمرار بانفة واستعلاء بما حظوا على مختلف الاصعدة المادية والاجتماعية والحظوة عند امرائهم وعند السلاطين ايضا.

وازداد في الوضع سوءا عندما جيء بالمماليك كبار السن، اي”الجلبان” ممن ثقل عليهم العيش في بلادهم،او كانوا قد امتهنوا حرفة او مهنة، فانخفض مستوى تعليم المماليك في الدين والتدريب على حد تعبير المقريزي.[190]

لقد ادى كل ذلك الى انفصام بين الحكام الاغراب وجهازهم العسكري من جهة، والسكان من جهة ثانية. فلم يدرك السلاطين اهمية السكان في منعة الدولة وتطور المجتمع ،ولم يشذ نائب دمشق عن هذه القاعدة ،وحذا الجهاز العسكري الدمشقي الخطى عينها.فاعتبروا السكان كل السكان مصدرا ماليا لاينضب،وخدما لرفاهيتهم،فاعتمدوا اساليب لا يقرها لا الشرع الاسلامي ولا اي شرع آخر، ولعل ابرز تلك الاساليب الملتوية:

الرمي : وأصله ان تفرض على حارة او حي بأكمله مبالغ من المال دية لقتيل وجد فيها لم يعرف قاتله عملا بالمذهب الحنفي[191]،ولكن المذهب المذكور اجاز دفع الدية لاهل القتيل انما بدمشق صار النائب او من ينوب عنه يستوفي مبالغ طائلة يدفع – ان دفع- قسما ضئيلا منها دية ويحتفظ ببقية المال. حتى غدا الامر سياسة مالية اجتماعية انتهجتها الطبقة العسكرية الحاكمة وافتن المماليك باختلاق الذرائع تبريرا لهذا الاساليب الملتوية.فتذرع نائب دمشق بفقدان الاشخاص بمحلة ما من دون التثبت من ان الغائب قتل او انه غاب في المحلة موضوع الرمية ليفرض الرمي على سكانها[192].وغدا الرمي آفة مادية اجتماعية بحيث تذرع نائب دمشق بمختلف الاجتهادات ليفرض المال على اهل دمشق مثل ملاقاة قافلة الحج[193]،او ليسدد من تولى وظيفة برشوة مالا للنائب الذي كان يشترط عليه لقبوله في المنصب الجديد الرمي على الحارات والاحياء[194]، او بسبب الصراع بين مملوك واحد الاهالي[195]،وبات الرمي مصدرا ماليا شبه ثابت اذ فرض لتسديد نفقات الحملات العسكرية[196]، وغير ذلك من انماط الاحتيال التي ابتدعها نائب دمشق ومعاونوه.[197]ومن الامثلة الصارخة على الضرر الذي كان يلحقه الرمي بالناس ان تاجرا دمشقيا شنق نفسه لعجزه دفع مال الرمي ، الذي قرره السلطان على تجار دمشق في ربيع آخر من عام 894 ه، ولما جاء والده يشتكي للنائب امر بشنقه بعد ان اتهمه برفض اقراض ابنه المال المتوجب عليه لدفع بدل الصابون المرمي عليه[198]    

الطرح : وهو بيع قسري يفرضه نائب دمشق على التجار وبأسعار يرتئيها كأن يملك سلعا يريد التخلص منها او ان يشتري سلعا من الاسواق بالسعر الذي يرتئيه ثم يعيد بيعه قسرا بثمن اغلى،او نهب سلع ما يمكن ان تكون فاسدة ويلزم التجار بشرائها[199].ومؤلفات لبن طولون مليئة بالنماذج على الطرح سنكتفي بذكر بعضها:بناء على مرسوم سلطاني طرح على تجار دمشق عام 886 ه كمية كبيرة من السكر بزيادة ثلاث دراهم على السعر الرائج للرطل الواحد[200]،وفي عام 904 ه طرح نائب دمشق جمالا على اهالي دمشق، كان نهبها من عرب حوران فشكا اهالي القبيبات فقرهم وعجزهم عن شرائها، فما كان من النائب الا ان طلب المشاعلية وامرهم بضرب المشتكين، ومن ثم غرمهم امالا كثيرة اضافية، وطرح بقية الجمالا باثمان مضاعفة على اهالي دمشق[201]  

المصادرة : وهي مصادرة اموال الناس من دون حجة شرعية. وقد بررها السلاطين ونواب دمشق كيفيا ،حينا من دون سبب وجيه كحاجة السلطان الى المال فيرسل قاصدا من عنده ويحدد قيمة المبلغ الذي تجب مصادرته،[202]او لسبب لا يمكن الركون الى صوابيته وهو تسديد نفقات الحملات العسكرية للدفاع عن الاطراف الشمالية لبلاد الشام ،او حملات تخدم النائب نفسه خصوصا عندما يثور على السلطان بقصد احتلال منصبه.[203]والمصادر المملوكية عامة والدمشقية خاصة مليئة باسباب المصادرات وانواعها،التي غدت عادة يلجأ ايها الحكام للحصول على الاموال من دون مشقة ،وكأنهم لم يكفهم استيلاؤهم على معظم مصادر الدخل في دمشق .

المشاهرة والمجامعة :وهي كناية عن مال شهري يفرض على الاسواق لصالح السلطان او نائب دمشق.فيعمد التجار الى رفع اسعار سلعهم كي يتمكنوا من تسديد المتوجب عليهم،وكانوا يستغلون الامر لزيادة الاسعار اكثر مما تقتضيه المشاهرة وبالتالي وقع سكان دمشق ضحية للتجار والحكام معا.[204]

تعديات معتنوعة:مارس المماليك تعديات متنوعة،لا يمكن دراستها كلها في هذا البحث لانها وحدها تشكل بحثا قائما بذاته،وسأكتفي بذكر ابرزها او عناوينها:كالنهب التي طالما تعرضت له دمشق في مناسبات عديدة من دون ان يلقى المنكوبون انصافا في أكثر الاحيان[205].

تجاوزات الاجناد:تعرضت دمشق لانواع رهيبة من التعديات الناتجة من ممارسة الجند أكان الذين اقامو فيها او الذين قدموا اليها لاكثر من سبب،وفي الحاليين معا سام الجند الدمشقيين انواع الاعتداءات في املاكهم وارزاقهم ونسائهم،اضافة الى زهق الانفس.[206]

ثالثا: موقف الدمشقيين:لم يتقبل الدمشقيون الواقع المرير بسهولة، وادركوا انهم مغلوبون على امرهم،وان اصلاح الحكام اصلاحا جذريا غير ممكن،فحاولو جاهدين تغيير المعادلات باللجوء الى الوسائل الدينية في معظم الاحيان،وعبروا عن مواقفهم بما اوتوا من امكانات محدودة، وهرعوا الى رجال الدين،الذين ينطقون باسمهم ان لم نقل انهم ممثلوهم، على اعتبار ان لهم منزلة مهمة قد يقدرها الحكام،وقد نجحوا احيانا في رفع الحيف عن المظلومين.[207]وفي حال فشلت الوساطة اعتمدوا بدائل اخرى كالاحتجاج السلمي وهو المعروف بالتكبير- النزول الى الاسواق هاتفين الله اكبر- وهو تدليل على ان الله ينصر المظلومين وبالتالي دعوة الى اهل الظلم الى الثواب.وتم التكبير في الشوارع باعترض مواكب النائب او احد مساعديه، وفي الجوامع،وكان القضاة والعلماء يتقدمون المتظاهرين تأكيدا على استرجاع حق سليب ولاضفاء الصفة الشرعية على التظاهرة عل الحكام يرعوون.وكانت تلك التظاهرات تخيف المماليك ،بوجه عام،بما تخلق من حالات عدم الاستقرار التي قد ينفذ من خلالها المصطادون بالماء العكر للاخلال بالامن او للتعدي على من يجدون من المماليك منفردين.[208]

      وكان لفشل تلك المساعي آثار سيئة على الوضع العام في دمشق،ادى الى يأس العديد من متوسطي الحال،اذ ان التعديات المتكررة حولتهم الى ما دون متوسطي الحال بل الى فقراء،وعجزوا ،بالتالي عن تأمين اود الحياة فسلكوا دروب الجريمة المتنوعة،فازدهرت اعمال اللصوصية والحرامية ،وكثرت الجرائم،ومناسر الليل ،والسرقات واعمال النهب[209]. وانخرط بعضهم في منظمات الزعر ما زاد في الطين بلة ،وساءت ،بوجه عام،احوال الدمشقيين. كما حفل المجتمع الدمشقي بانواع المفاسد الاخلاقية نتيجة ممارسات الحكام الجائرة وبسسب الفقر واليأس والكفر ان جاز التعبير، ولعل ابرز تلك المفاسد الدعارة على انواعها[210]والتحشيش.[211]وما الى ذلك.

من المؤسف حقاان تنتهك القيم المشرقية عامة والاسلامية خاصة في المجتمع الدمشقي،فالمماليك هم في واقع الامر اغراب اكتسبوا حديثا الاسلام دينا ولم يتثقفوا بعمق بمبادئه وقيمه الاخلاقية،ولا هم انخرطوا اجتماعيا في مظاهر الحياة التي عاشها كل الدمشقيين المدنيين او تحسسوا روعتها وانسانيتها،وبالتالي لم يدركوا ان الدمشقيين هم الاساس لرئيسي للحياة المرفهة التي عاشها المماليك ولم يقدروا الانسان فيهم،انما، ابدا، نظروا اليهم بامتهان واستعلاء.وقد تأتت كل تلك العلل من سوء تدبير القادة لتأصل عاداتهم الاصلية في نفوسهم،ولامتناعهم عن فرض عقوبات صارمة على من يعتدي ممن كانوا يحمونهم،ولاعتمادهم “الياسة”قانونا عوضا عن الشرع.ويعوزني التعبير الصحيح لشرح تلك المعادلة بين الاغراب والاهلين.

         لقد غدا الفقر والظلم وعدم الاطمئنان الظاهرة الاجتماعية لمعظم احياء دمشق، وعلى الرغم من تنوع الاحياء وتمايز بعضها عن البعض الآخر بالسلوك الاجتماعي احيانا المتأتي عن الوظيفة بوجه العموم، فان اللصوصية ، والنهب، وتعديات المماليك الفردية احيانا، والمنظمة احيانا اخرى، ناهيك بالصراع بين المماليك انفسهم نوابا، وارباب ادارة آخرين، فضلا عن الصراعات بين طوائف الجند، وقد تطرقت المفاسد الاجتماعية على اختلاف انواعهاالى الجهازين الاداري العسكري، والى بعض المتعممين، ولا سيما التنافس على المناصب وشراؤها، وشرب الخمر، وحماية الخمارات[212] ، والدعارة[213] .ان كل ذلك شكل السمات الاجتماعية لدمشق على عهد المماليك.ولم تكن اعمال البر والخير النادرة[214]، فضلا عن بناء المؤسسات الدينية العديدة على اختلاف انواعها سوى تكفيرا عن ممارسات الظلم غير المبررة، وتقربا من الله من جهة ثانية.وعلى الرغم من العقوبات المتعددة التي انزلت ببعض اهل الظلمة من ابناء دمشق، وببعض المماليك احيانا، فان سلوك الحكام الفاسد، بدا سلوكا عاما في اواخر عهد المماليك، حتى ان بعض المناصب الادارية العسكرية فضلا عن معظم مناصب المتعممين صار يشرى بمال.فانعكس هذا السلوك الملتوي على المجتمع الدمشقي وحول بنيته الاجتماعية.

                          الدكتور انطوان ضومط استاذ التاريخ الاسلامي الوسيط في الجامعة اللبنانية

    مصادر البحث ومراجعه :

اولا المصادر العربية:

-ابن ابي اصيبعة،(احمد بن القاسم)،عيون الانباء في طبقات الاطباء،تحقيق اوغست مللر،القاهرة ،1822،

ابن اياس،بدائع الزهور في وقائع الدهور،بولاق ،1311هجري

ابن بطوطة،(محمد بن عبد الله)،تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار،المطبعة الاهلية،باريس،1874-1879.

ابن تغري بردي،(جمال الدين ابو المحاسن)،النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة،طبعة دار الكتب ،القاهرة،1930-1956

ابن جبير،(حسين)، رحلة ابن جبير،دار صادر بيروت،1961.

ابن جماعة،(بدر الدين محمد)،تذكرة السامع والمتكلم في آداب العلم والمتعلم،مطبعة دائرة المعارف العثمانية،حيدر اباد الدكن،1353ه.

ابن طولون،( شمس الدين محمد)،-  مفاكهة الخلان في حوادث الزمان،نشر محمد مصطفى زيادة،القاهرة، 1962-1964

اعلام الورى بمن ولي من الاتراك بدمشق الشام الكبرى،تحقيق محمد احمد دهمان،دار الفكر ،دمشق،1984.

ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر،مجلة المشرق ،بيروت،1937،

نقد الطالب لزغل المناصب،حققه محمد احمد دهمان وخالد محمد دهمان،دار الفكر المعاصر نبيروت،1992.

الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء  الشام،تحقيق صلاح الدين المنجد،دمشق،1956.

القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية،تحقيق محمد احمد دهمان،دمشق،198.

ابن كثير،(عماد الدين اسماعيل)،البداية والنهاية في التاريخ،مكتبة المعارف،بيروت،1966.

ابن كنان،(محمد بن عيسى)، المواكب الاسلامية في الممالك والمحاسن الشامية، جزءان، تحقيق حكمت اسماعيل، وزارة الثقافة، دمشق، 1993

حدائق الياسمين في ذكر قوانين الخلفاء والسلاطين، تحقيق عباس صباغ، دار النفائس، بيروت، 1991

البدري،(ابو البقاء عبد الله)،نزهة الانام في محاسن الشام،القاهرة،1341ه.

البصروي،( علي بن يوسف الدمشقي)،تاريخ البصروي،تحقيق اكرم العلبي،دار المأمون للتراث،دمشق ،1988.

الخالدي،(مجهول الاسم الاول)،المقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا،مخطوط حققه خليل شحادة،اطروحة دكتوراه باشراف الاب الدكتور جان فييه غير منشورة،جامعة القديس يوسف،بيروت،1988.

الدينوري،(نصر بن يعقوب)،التعبير في الرؤية،مخطوط في متحف بغداد،رقم 598.

السبكي،(تاج الدين)،معيد النعم مبيد النقم،دار الحداثة،بيروت،1983.

الصفدي،(خليل بن ايبك)، تحفة ذوي الالباب،وزارة الثقافة ،دمشق،1991.

الصولي،(محمد بن يحي)،اخبار الراضي بالله والمتقي بالله مطبعة الصاوي،مصر،دون تاريخ.

الطبري،(محمد بن جرير)،تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، دار المعارف بمصر،القاهرة،1960-1969.

الظاهري،(خليل بن شاهين)،زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك،اعتنى بتصحيحه بولس راويس،المطبعة الجمهورية،باريس،1891.

العمري،(ابن فضل الله)،مسالك الابصار في ممالك الامصار،تحقيق دوروتيا كراوفولسكي،المركز الاسلامي للبحوث،بيروت،1986.

المسعودي،(ابو الحسن)،مروج الذهي ومعادن الجوهر،تحقيق شارل بلا،منشورات الجامعة اللبنانية،بيروت،1973.

المقريزي،(تقي الدين احمد)- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار،بولاق،1270 ه.

– السلوك لمعرفة دول الملوك،تحقيق محمد مصطفى زيادة،دار الكتب ،القاهرة،1934-1936.

النعيمي،(محي الدين عبد القادر محمد)،الدارس في تاريخ المدارس،مطبعة الترقي ،دمشق،1948.

     المراجع العربية

 الدوري،(عبد العزيز)،مقدمة في تاريخ صدر الاسلام،المطبعة الكاثوليكية،بيروت،1960.

العلبي،(اكرم)،دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين،الشركة المتحدة للتوزيع،دمشق،1986.

سوفاجيه،(جان)،دمشق،نقله الى العربية فؤاد افرام البستاني،حققه اكرم العلبي،دار الوارف،دمشق،1989.

زيادة،(نقولا)،دمشق في عصر المماليك،مؤسسة فرانكلن للطباعة والنشر،بيروت-نيويورك،1966.

سعد،(فهمي)،العامة في بغداد في القرنين 3و4 الهجريين،الاهلية للنشر والتوزيع،بيروت،1983

ضومط،(انطوان)،الدولة التاريخ السياسي والعسكري ، دار الحداثة،ط2،بيروت،1981

كرد علي،(محمد)،خطط الشام،مطبعة الترقي دمشق،1927.

كيال،( منير)، الحمامات الدمشقية، مطابع ابن خلدون، دمشق، 1986

عزب،(خالد)،”الاحياء السكنية”،مجلة الوعي الاسلامي،العدد 327،السنة 30.

لابيدوس،(ايرا مارفين)،مدن الشام في عصر المماليك، نقله الى العربية زكار،دار حسان،دمشق،1985.

نصار،(اندريه)،العامة بدمشق المملوكية،رسالة دبلوم دراسات عليا باشراف الدكتور انطوان ضومط،الجامعة اللبنانية،كلية الآداب،الفرع الثاني -الفنار،1997

                               Bibliographies

-Ashtor,E., Histoires des Prix et des Salaires dans l,Orient Medieval , Ecole pratique des hautes etudes, Paris , 1959

-Ayalon,D,” The Muslim City ahd the Mamluk aristocacy”,Proceeding of the  Israel Academy of Sciences and Humanities,2(Jerusalem 1968),pp. 311-329

-Heyd,W, histoire du Commerce du Levant au Moyen-Age,T2,Leipzig, 1885-1886

Institut francais d,archeologie orientale du Caire,Precis d,Histoire d,Egypte,par divers historiens et archeologues, 1932.

Soboul,A, L,Histoire sociale- Sources et Methodes,Colloque de l,Ecole Normale Superieure de Saint-Cloud,15-16 mai 1965,Paris, 1965.


[1] – شرف (جان )،الايديولوجية المجتمعية ، منشورات الجامعة اللبنانية،بيروت،1996، ص 100

[2] -Soboul, Albert, L’histoire sociale_ Sources et Méthodes, Colloque de l’Ecole Normale supérieure de Saint-Cloud, 15-16 MAI 1965, Paris 1965, p.10.

[3] – ibid  , p.  15

[4] – هذه الابواب هي بالتسلسل من الجنوب الى الشرق فالشمال فالغرب :الباب الصغير ، باب كيسان ، الشرقي ، توما ، السلامة ، الفراديس ، الفرج ، الحديد ، الجناز ، والجابية ، ابن طولون ( محمد بن علي )، الشمعة المضية في اخبار القلعة الدمشقية ، مطبعة الترقي ، دمشق ، ص 17 .

ابن بطوطة ( محمد بن ابراهيم ) ، رحلة ابن بطوطة ،دار صادر ، بيروت ، 1960 ، ص 97

البدري ( ابو البقاء عبد الله )، نزهة الانام في محاسن الشام ، القاهرة ، 1341 ه.، ص 25-28 .

العلبي ( اكرم حسن )، دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين ، الشركة المتحدة للتوزيع ، دمشق ،ص 49-50 .

[5]  – عينه ، ص 51

[6] – ابن كنان ( محمد بن عيسى الصالحي الدمشقي )، المواكب الاسلامية في الممالك والمحاسن الشامية ، تحقيق حكمت اسماعيل ، وزارة الثقافة، دمشق، 1992 ، ج1 ، ص208 

7- عينه ، ص209

8- المكان عينه

9- البدري ( عبد الله بن محمد )، نزهة الانام في محاسن الشام ، المطبعة السلفية ، القاهرة، 1341 ه. ، ص26

[10] – المواكب الاسلامية ، ج1 ص 211-212

[11] – العلبي ، ص 50

[12] – زيادة ( نقولا ) دمشق في عهد المماليك ، بيروت، 1966 ، ص 96

[13] -المواكب الاسلامية ، ص 215 ، وانظر حاشية رقم 7

[14]  – عينه ، ص 210

[15] – عزب ( خالد )، ” الاحياء السكنية “، مجلة الوعي الاسلامي ،العدد ، 327 ،السنة 30 ،ص 86-91 .

[16] – المكان نفسه

– نصار ( اندريه طانيوس ) ، العامة بدمشق المملوكية ، رسالة دبلوم دراسات عليا غير منشورة ،الجامعة اللبنانية ،كلية الاداب ،الفرع الثاني – الفنار- ،ص 22 .

[17] – مفردها محلة وهي حي ينفتح على ازقة ضيقة تعرف بالحارات

[18] – لابيدوس ( ايرا مارفين )، مدن الشام في عصر المماليك ، نقله الى العربية سهيل زكار ، دار حسان ، دمثق ، 1985 ، ص 81 .

[19]  – لابيدوس ، المرجع السابق ، ص 142

– بدرو ( شالميتا )، “الاسواق ” مجلة المدينة الاسلامية ، ص 109- 119 .

[20] – ابن المبرد ( يوسف بن عبد الهادي)، نزهة الآفاق عن حالة الاسواق ، نشر حبيب الزيات ، مجلة المشرق ، بيروت، 1939 ، ص 18 وما بعد

وانظر العلبي، دمشق، ص 251-253

[21] – ابن طولون ( شمس الدين محمد بن علي)، القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، تحقيق محمد احمد دهمان، نشر مكتب الدراسات الاسلامية، دمشق، 1956 ،ج1، ص 10 ، 74 ، ونزهة الانام، ص 82 ، والمواكب الاسلامية، ص 380-381

[22]  –  ابن كنان ، حدائق الياسمين في ذكر قوانين الخلفاء والسلاطين ، تحقيق، عباس صباغ، دار النفائس بيروت، 1991 ، ص 147، 149 156 ، 206

[23] – المواكب، ج1 ، ص 281 –  282، مفاكهة، ج1، ص 298، 358 ، اعلام الورى، 116 ، العلبي ،  ص 61-63

[24] – المواكب ، ج1 ، ص251-252

[25]  – عينه ، ج1 ، 252

[26]  – المكان عينه

[27] – المكان عينه ، وانظر الحاشية رقم 6 التي استند فيها المحقق على الاعلاق الخطيرة ، ونزهة الانام

[28]  – ابن بطوطة (محمد بن عبد الله )، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار ،المطبعة الاهلية ،باريس ، 1874 – 1879 ، ج1 ، ص235

[28] – نفسه ، ج1 ، ص 229 – 230

[29] – المواكب، ج1، ص292-293

[30] – عينه ، ج1 ، ص 293

[31] – كيال ( منير)، الحمامات الدمسقية، وزارة الارشاد القومي، دمشق،  1966 ، ص212

[32] – المكان عينه

[33]  عينه

[34] – الكيال، ص 212

[35]  – نصار ، المرجع السابق ، ص 22 .

[36] ابن جبير ( حين ) ، رحلة ابن جبير ، دار صادر، بيروت ، 1961 . ص 238 .

[37]  – الرمي هو ان ترمى على حارة معينة مبالغ من المال لصالح السلطان او نائب دمشق او لاقتراف احد ابناء الحي جرم او جريمة او اتهامه باحداهما ، وذلك بعدما بعدما تمكن الحكام المماليك من انتزاع فتاوى شرعية بشأن الرمي والطرح وما شابههما .انظر حول هذاه المواضيع : ابن طولون ، مفاكهة الخلان في حوادث الزمان ، نشر محمد مصطفى زيادة ، القاهرة ، 1962 – 1964 ، ج1 ، ص 227، 249 ، 309 ، 363 ، 366 ، وغيرها .

اما بالنسبة لتنظيم الاحياء فانظر ايضا ابن طولون ، المرجع السابق ، ج1 ، ص 213 ، 274 ، 282 ، 289، 330 ، 374 ، وايضا لابيدوس ، مدن الشام ، ص 152 .

[38] – ابن طولون ، المصدر السابق ، ص 227، 234 ، 267 ، 287 ، 363 ، 366 و377 .

[39] – لابيدوس ، المرجع السابق ، ص 145 وما بعد .

[40] – حدائق الياسمين ، ص 146 –157  

-38  كيال( منير)، الحمامات [41] الدمشقية، وزارة الارشاد القومي، 1966 ، ص43

[42] – ابن الاثير ( عز الدين)، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، دون تاريخ، ج10، ص 68، 98 ، و نزهة الانام ، ص 27 ، والمواكب الاسلامية، ج1 حاشية رقم5

[43] – المواكب، ج1، ص 214-215

[44]  – المكان عينه

[45]  –  المواكب ، ص 215 -216

[46]  – العمري ( ابن فضل الله ) ، مسالك الابصار في ممالك الامصار ، تحقيق دوروتيا كرافولسكي ، المركز الاسلامي للبحوث ، بيروت ، 1986 ، ص 181- 182 . وانظر ايضا ابن طولون ، اعلام الورى بمن ولي نائبا من الاتراك بدمشق الشام الكبرى ، تحقيق محمد احمد دهمان ، دار الفكر ، دمشق ،1984 ،ص 89 ، وايضا ابن طولون ،ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر ،مجلة المشرق ، بيروت ، 1937، ص 33 .

[47]  – المقريزي ( تقي الدين احمد ) ، السلوك لمعرفة دول الملوك ، تحقيق محمد مصطفى زيادة ، مطبعة دار الكتب ، القاهرة ، 1934 – 1936 ، ج1 ، القسم الثاني ، ص 162 .

[48]  – العمري ، المصدر السابق ، ص 181 – 182 ، elisseff , ( N), “DIMASHK” EI2, VOL2, pp 286, 293  ، و نصار ، المرجع الذكور ، ص 9  

[49] –  مفاكهة ، ص 20 .

[50]  – الصفدي ( خليل بن ايبك )، تحفة ذوي الالباب فيمن حكم من بدمشق من الخلفاء و الملوك والنواب ، وزارة الثقافة ، دمشق ، 1991 ، ص 170 – 171 ، Elisseff , ibid , p 294 , ، ونصار ، ص 10 .

[51] – Ashtor, Eliahu, Histoire des prix et des salaries dans l’orient medieval, Ecole pratique des hautes etudes, Paris, 1959, pp. 167,268

وانظر، ضومط ( انطوان)، الدولة المملوكية، دار الحداثة، بيروت ، ط2 ، 1981  ، ص 150

[52]  – العمري ، مسالك الابصار ، ص 181 ، و سوفاجيه ( جان ) ، دمشق ، نقله الى العربية فؤاد افرام البستاني ، حققه احمد العلبي ،دار الوارف ، دمشق ، 1989 ،ص 93 – 94 ، و نصار ، العامة الدمشقية ، ص  11 .

[53]  – سوفاجيه ، المرجع السابق ، ص 94 – 95 .

[54] – ابن بطوطة (محمد بن عبد الله )، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار ،المطبعة الاهلية ،باريس ، 1874 – 1879 ، ج1 ، ص235

[55] – نفسه ، ج1 ، ص 229 – 230

[56] – زيادة ( نقولا )، دمثق في عصر المماليك ،مؤسسة فرانكلن للطباعة والنشر ، بيروت – نيويورك، 1966 ، ص117 – 118

[57]  – ابن تغري بردي ( جمال الدين ابو المحاسن ) ، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، طبعة دار الكتب ، القاهرة ، 1930 – 1956 ، ج 12 ، ص 239 وما بعد ، وابن اياس ( محمد بن احمد ) ، بدائع الزهور في وقائع الدهور ، بولاق ، 1311 ه. ، ج1 ، ص 232 وما بعد .

[58]  – L’Histoire Sociale- Sources et Méthodes p.19 ,28 .

[59]  – المقريزي ( تقي الدين احمد ) ، اغاثة الامة بكشف الغمة ، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال ، القاهرة ، 1940 ، ص 72 – 73 .

[60] – زيادة ، دمشق ، ص 131

[61] – ابن جبير( محمد بن احمد)، الرحلة، دار صادر ، بيروت، 1980، ص 257 وابن بطوطة( شمس الدين محمد)، تحفة النظار في غرائب الامصار، جزآن، القاهرة، 1964،ج1، ص63

[62] – القلقشندي ( احمد بن علي )، صبح الاعشى في صناعة الانشاء ، مطبعة دار الكتب المصرية ،القاهرة ، 1913 ، ج4 ، ص 472 .

[63] – لم يعتبر الرق شرطا لدخول الفرد الى الطبقة العسكرية الحاكمة الا في احيان نادرة مثل انعام السلاطين على اولادهم احيانا او على اولاد الامراء الكبار احيانا اخرى . انظر : ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة ، ج 9 ، ص 99 -100 ، وابن اياس ، بدائع الزهور ، ج1 ، 227 ، و ج2 ، ص 5 .

[64] – – Ayalon ( david ), “the Musgim City and the Mamluk Mititary Arhstocracy “ , Proceeding of the Israel Academy of Sciences and Humanities, 2 ( Jerusalem 1968 ) , p. 323

[65] – النجوم الزاعرة ، ج9 ، ص 51 -52 .

[66] – ضومط ( انطوان ) الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي و العسكري ، دار الحداثة ، بيروت ، ط2 ، 1981 ، ص 86

[67] – Ayalon , ibid .

[68] – ibid

[69] – القلقشندي ، ج4 ، ص 40 – 41 .

[70] – المصدر نفسه ، ج4 ، ص 6 ، 10 ، و 40 ، وانظر المقريزي ، المواعظ والاتبار بذكر الخطط والآثار ، بولاق ، 1270 ه. ، ج2 ، ص 98 .

[71] ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 88

[72] – القلقشندي ، ج4 ، ص 310 – 312 ، وقد اورد المقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار- المعروف بالخطط – ، مطبعة الساحل ، بيروت ، 1959 ، ج3 ، ص 357 – 358 .

[73] – القلقشندي ،صبح الاعشى ، ج4 ، ص 50 – 51 ، وج3 ، ص 485 ، وج6 ، ص 185 ، المقريزي خطط ، بولاق ،ج1 ، ص 87 و90 ، ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة ، ج8 ، ص 52 ، ابن اياس ، بدائع ، ج1 ، ص 90، ج

[74] – العمري ( ابن فضل الله ) ، التعريف بالمصطلح الشريف ، مطبعة العاصمة بمصر ، 1894 ، ص 84 ، القلقشندي ، ج4 ، ص 184 ، الخالدي ، ( مجهول الاسم الاول )، المقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا ، مخطوط حققه خليل شحادة ، اطروحة دكتوراه غير منشورة ، جامعة القديس يوسف ، بيروت ، 1988 ، ص 272 . وهو مؤلف في الادارة على غرار التعريف بالمصطلح الشريف للعمري ، وصبح الاعشى للقلقشندي . وهو يعتبر احدث المصادر المملوكية في هذا الشأن .

[75] – المقريزي ، السلوك ، تحقيق سعيد عاشور ، دار الكتب القاهرة ، 1972 – 1973 ، ج4 ، القسم الاول ، ص 174 . ابن طولون ، اعلام الورى ، ص 73 – 75 ،92 ، 99 ، 121 ، 186 وغيرها .

[76]  – اعلام الورى ، ص 82 ، 186 .

[77] – ابن طولون ، مفاكهة ، ج1 ، ص 224 . كان بدمشق اربع قضاة قضاة للمذاهب السنية الاربعة ، الخالدي ، المصدر السابق ، ص  273 .

[78] – لن ادخل في تفاصيل صلاحيات نائب دمشق لان الموضوعي ينحصر بالتاريخ الاجتماعي ، ولمزيد من الاطلاع على صلاحياته انظر : العمري ،مسالك الابصار ، ص 115 ، والقلقشندي ، ج9 ، ص 253 – 259 .

[79] – لمزيد من الاطلاع انظر  : السبكي ، ( تاج الدين عبد الوهاب ) ، معيد النعم مبيد النقم ، دار الحداثة ، بيروت ، 1983 ، ص 23، و  القلقشندي ، ج13 ، ص 124 ، 194 – 197 ، وابن طولون ، اعلام ، ص  59 ، 61 ، 70 ، 83 ، 115 – 116 ، 122 ، 153 ، 165 – 166 ، 200، 203 ، 220 و غيرها ، والسلوك ، ج4 ، ق1 ، ص 136 – 137

[80] – القلقشندي، ( ابو العباس احمد)، صبح الاعشى في صناعة الانشا ، القاهرة،ج ،4 , ص182 -183

[81] – الخالدي ، المصدر السابق ، ص 272 . بلغ عدد اراء المئة في الدولة المملوكية 24 اميرا بوجه عام ، وكان ينقص عددهم احيانا الى 18 ويزيد الى 26 او 28 اميرا ، انظر الظاهري ( خليل بن شاهين ) ، زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك ، اعتنى بتصحيحه بولس راويس ، المطبعة الجمهورية ، باريس ، 1891 ، ص 113 ، والقلقشندي ، ج4 ، ص13 – 14، و الطرخان ( ابراهيم علي ) ،مصر في عهد دولة المماليك الجراكسة ، القاهرة ، 1960 ، ص 229 .

[82] – الخالدي ، ص 272 . كان من حق امير المئة اقتناء مئة مملوك يشتريهم من ماله الخاص ، وحق لامير اربعين اقتناء اربعين مملوكا ، وسمي ” طبلخاناه ” لانه حق له بقرع الطبول على بابه كل يوم ،اما تسمية الامراء الاخرين فتنبع من عدد المماليك الذين سمح لكل واحد منهم باقتنائهم ، لمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع انظر : ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 63 – 65 .

– الخالدي ، ص 272 .[83]، والمواكب، ج2ن ص 12

[84] – القلقشندي، ج4، ص 185 ، والمواكب، ج2، ص13

[85] – القلقشندي، ج4، ص185 ، والمواكب، ج2 ، ص15

[86] – المواكب، ج2، ص16

[87] – الصفدي ، ق2 ، ص 182 ، القلقشندي ، ج9 ، ص 253 ، السلوك ، ج4 ، ق1 ، 425 ، 442 ،والخالدي ، ص 272 .

[88] –  ابن طولون ( شمس الدين محمد)،  مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، تحقيق محمد مصطفى، الؤسسة المصرية العامة، القاهرة، 1962 ، ص50، 155، 157، 164، 183 وغيرها

[89] – ابن اياس ، بدائع ، ج1 ، ص 155 – 156

[90] – ابن تغري بردي ، نجوم ، ج9 ، ص 153 . ابن اياس ، بدائع ، ص 156

[91] – الاردب وحدة كيل مصرية ، يساوي 1\3 غرارة او 24 مدا ، القلقشندي ، ج3 ، ص 441 ، وج4 ، ص 181

[92] – نجوم ، ج10 ، ص 6 – 8 ، 44 .

[93] – دمشق في عهد المماليك ، ص 145 .

[94] – كان والد ابن تغري بردي امير مئة ومقدم ألف وتولى نيابة دمشق ، وكذلك ابن اياس .

[95] –  ابن طولون ، مفاكهة ، ج1 ،ص 8 – 9 ، 240 ، 245 .

[96] – المواكب، ج2 ، ص 16-17

[97] – الخالدي ، ص 273 .

[98] – المكان نفسه .والمواكب، ج2 ، ص 16

[99] –  القلقشندي ، ج4 ، ص 34 – 36 .

[100] – السبكي ، 56 ، القلقشندي ، ج11 ، ص 408 – 414 ، ابن طولون ، نقد الطالب لزغل المناصب ، دار الفكر المعاصر ، بيروت ، 1992 ، ص 46 ، ونصار ، العامة ، ص 356 – 357 .

[101] – البصروي ( علي بن يوسف الدمشقي ) ، تاريخ البصروي صفحات مجهولة من تاريخ دمشق في عصر المماليك من سنة 871ه. – لغاية 904 ه. ،نحقيق اكم العلبي ، دار المأمون للتراث ،دمشق ، 1988 ، ص 136.

[102] – ابن طولون ، مفاكهة الخلان ، ج1 ، ص 36 ، 37 ، و 50 وغيرها .

[103] – ابن طولون ( شمس الدين محمد الصالحي الدمشقي )، الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء الشام ، تحقيق صلاح الدين المنجد ،دمشق 1956، ص 130، 165، 219، 255 ،  وابن طولون ، نقد الطالب لزغل المناصب ، حققه محمد احمد دهمان وخالد محمد دهمان ، دار الفكر المعاصر ،بيروت ، 1992 ، ص 45 والمقريزي ، السلوك ، ج3، ق3، 1073 و 1168 ، والبصروي ، ص 174

[104] – ابن طولون ، الثغر البسام ، ص 128 – 130

[105] – ابن طولون ، الثغر البسام ، ص 155 . ولمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع انظر انريه نصار ، العامة ، 354 – 355 .

[106] – البصروي ، تاريخ البصروي ، ص 41، 43، 85- 86 ، وابن طولون ، الثغر البسام ، 124-125،160، 164، 180 وغيرها.

[107] – مفاكهة ،ص 115،158، 160 ، 162 وغيرها كثير

[108] – الخالدي ، ص ، 273، المواكب، ج2، ص 17

[109] – الخالدي ، ص 273 .

[110] – القلقشندي، ج4 ، ص 193

[111] – عينه، ج4 ، ص 30 ، والمواكب، ج2 ، ص 19

[112] – المكانان عينهما

[113] – لمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع انظر:انريه نصار ، العامة في دمشق ، ص 360- 364

[114] – ابن طولون ، القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية،تحقيق محمد احمد دهمان، دمشق ،1980، ج1، ص 110

[115] – ابن كثير ، ( عماد الدين اسماعيل ) ، البداية والنهاية في التاريخ ، مكتبة المعارف ، بيروت ، 1966، ج13 ، ص 351 ، و النعيمي ، ( محي الدين عبد القادر محمد )، الدارس في تاريخ المدارس، مطبعة الترقي دمشق ، 1948 – 1951 ، ج1 ، ص 56

[116] – النعيمي ، المصدر السابق ، في اماكن متعددة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ،ج1 ، ص 131 ، 159 ، 215، 225 ، 229، 301 ،253، 277 ، 326، 373 ، 429، 431، 438،  455 ، 459 ، 467 ، 474، 488، 496، 498، 537، 542، 555، 560، 569،  588،  592،594، 599، 600، 604، 607،  و ج2 ، ص 59

[117] – ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج13 ، ص 262، والنعيمي الدارس ، ج2 ، ص 129 – 133،و135

[118] – ابن ابي اصيبعة ، ( احمد بن القاسم )، عيون الانباء في طبقات الاطباء ، تحقيق اوغست مللر ، القاهرة ، 1822 ، ج2 ، ص 155

[119] – كرد علي ، (محمد )،خطط الشام ،مطبعة الترقي ، دمشق ، 1927 ، اما ج6 ، فطبع في مطبعة المفيد ، دمشق ، 1928 ، ج6 ، ص 161.لن اتوسع بدراسة البيمارستانات لانها لا تتعلق اجمالا بالوظائف الدينية

[120] – اسسها نور الدين زنكي ، ابن كثير ، البداية والنهاية، ج13 ، ص 58، والنعيمي ، الدارس ، ج1 ، ص 359

[121] – النعيمي ، ج1 ، 365 – 367 .

[122] – المصدر السبق ، ج2 ، ص 261 – 270 .

[123] – البداية والنهاية ، ج13 ، ص 339 ، والقلقشندي ، ج4 ، ص 192 .

[124] – كان المدرسون بوجه عام من القضاة والفقهاء ، والمعيدون من القضاة احيانا ومن العلماء انظر حول هذا الموضوع :ابن جماعة ، تذكرة السامع ، ص 150، 201، 204، والسبكي ، معيد النعم ، ص 108، والنعيمي، الدارس ، ج1 ، ص 297

[125] – القلقشندي ، ج5 ، ص 465 .

[126] – البداية والنهاية، ج14، ص 84، 321

[127] – ابن كثير ،المصدر السابق ، ج14، ص 71، 321

[128] – لابيدوس ، مدن الشام، ص 176

[129] – لمزيد من التفاصيل عن ازياء المتعممين انظر : العمري ، مسالك الابصار ص 112-113

[130] – الخالدي ، ص275 . القلقشندي ، ج5 ، ص 473 .

[131] – القلقشندي ، ج5 ، ص 473 – 474 .

[132] – الخالدي ، ص 275 .

[133] – القلقشندي ، ج4 ، ص 194 . الخالدي ، ص 275 .

[134] – لابيدوس ،المرجع السابق ، ص 136.

[135] – سعد،( فهمي عبد الرزاق )، العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع الهجريين، الاهلية للنشر والتوزيع،بيروت ، 1983، ص 121 .

[136] – الظاهري ،زبدة كشف الممالك ، ص41 فهو يقول ان احد تجار الكارم استطاع بناء مدرسة من مدخول يوم واحد،ويقول القلقشندي ان بعض التجار دين السلطان مئة الف درهم فضة ،ج4،ص 32 وما بعد. ابن تغري بردي ، نجوم ، ج10، ص279، وابن اياس  ،ج1 ،ص 197 وانظر ايضا Ashtor , Eliahu ,Histoire des Pix et Salaires dans  l Orieht Medieval , Ecole Pratique des Hautes etudes ,Paris ,1959 , p 271

[137] – مفاكهة ، ج1 ، ص 100 وغيرها

[138] – مفاكهة ، ج1 ، ص 41، 44 – 45، 78 ، 89 ، 91 ، 119، 231، 164 وغيرها، اعلام ص194، 203 ، 222.

[139] – لن اتحدث عن بياض العامة اي مياسير التجار واصحاب الحرف الكبرى بتفصيل لان هذا الموضوع يتطلب دراسة قائمة بذاتها .

[140] – الدوري ( عبد العزيز ) ، مقدمة في تاريخ صدر الاسلام ، المطبعة الكاثوليكية  ، بيروت ، 1960 ، في صفحات متعددة منها .

[141] – الصولي ( محمد بن يحي ) ، اخبار الراضي لله والمتقي بالله ، مطبعة الصاوي ، مصر ، دون اتريخ ، ص 202 – 211 وغيرها ، المسعودي ( ابو الحسن ) ، مروج الذهب و معادن الجوهر ، تحقيق شارل بلا ، منشورات الجامعة اللبنانية ، بيروت ، 1973 ، ج2 ، ص 307 – 308 وغيرها .

[142] – الدينوري،( ابو سعد نصر بن يعقوب )،التعبير في الرؤية،او القادر في التعبير،مخطوط متحف بغداد رقم 598 ، نقلا عن سعد ( فهمي)،العامة في بغداد، ص 66.

[143] – الطبري،( محمد بن جرير)،تاريخ الرسلوالملوك،دار المعارف، القاهرة،1960- 1969،ج8،ص448 – 468

[144] – الصفدي ، ( خليل بن ايبك) ، نكت الهميان في نكت العميان ، ص 10 ، نقلا عن العامة في بغداد لفهمي سعد ،ص66 .

[145] – لابيدوس ، مدن الشام ، ص ، 137.

[146] – خطط ج1، ص 89 ، لابيدوس ، المرجع السابق ، ص 137 – 138 .

[147] – السبكي ، معيد النعم ، ص 9 – 10

[148] – لابيدوس ن مدن الشام ، ص 138 .

[149] – المقريزي ، خطط ، ج1، ص  89

[150] – لابيدوس ، ص 138 .

[151] – ابن طولون ، مفاكهة ، ج1 ، ص 35 ، 68 ، 100 ، نصار ، العامة ، ص 88

[151] – نصار ، العامة ، ص 88 ، يستمد رأيه من Goitein  , S. D . , “Artisans en Méditerrannée orientale au haut Moyen-Age “in annales E.S.C., n 5 (1964), PP.847-868, P.852.

[152] – نصار المكان نفسه

[153] – مفاكهة ، ج2 ، ص  10

[154] – المصدر نفسه ،ج1 ،ص 115 .

[155] – المصدر نفسه ،ج1، ص 16 و 198 .

[156] – ابن طولون ،اعلام الورى ،ص 118  ، ومفاكهة، ج1، ص16 ، 87

[157] – المقريزي ، السلوك ،ج3 ، ق1 ، ص106 – 107 .Heyd .W , Histoire du commerce du Levant au Moyen -Age ,T2 , Leipzig , 1885 – 1886 ,p. 52 . 

[158] – مفاكهة، ج1، ص 130

[159] – مفاكهة، ج1، ص87

[160] – النعيمي ( عبد القادر بن محمد )،الدارس في تاريخ المدارس ،دار الكتب العلمية ، بيروت، 1990،ج2 ،ص 244.وابن طولون ،مفاكهة،ج1 ،ص 124 .

[161] – زيادة ، ( نقولا ) ، دمشق في عصر المماليك ،مؤسسة فرانكلن ،بيروت – نيويورك،1966، ص 131 – 133.

[162] – مدن الشام ، ص ، 157.

[163] – المكان نفسه .

[164] – المسعودي ، مروج الذهب ، ج2 ، ص 318 . وانظر ايضا: ضومط (انطوان )،بالاشتراك مع آخرين : الشرق العربي في العصور الوسطى ، الدار الجامعية للنشر، بيروت ، 1995 ، ص 208 – 209 .

[165] – ابن طولون ، مفاكهة، ج1 ، ص 3 ، 166 ، 168 ، 186 ،191، 195 ، 204 ، 261 – 262 ، واعلام الورى، ص 108 ، 127 ، 183 ، وغيرها .

[166] – ابن طولون ، مفاكهة ، ج1، ص 212 واعلام،ص 51 ، ونصار ،العامة ، ص 97 .

[167] – ابن طولون ،مفاكهة ، ج1 ، ص 27،92، 137، 153،160، 179- 185 ، 212 – 214 ، 224- 225، 250-252 وغيرها، واعلام،ص 101- 102 ،121 – 122 وغيرها .

[168] – ابن طولون ،مفاكهة ، ج1 ، ص 65 -66 ، 196 ، 224- 225، 258 – 259 ،295 وغيرها ، و اعلام الورى ، 121- 122 ، 167 – 168 ، 196 – 197 ، وغيرها . الاستاذ في الاصطلاح المملوكي هو من يشتري المماليك ، وتعني ايضا من اشترى المماليك وتربوا بعهدته ،ومن ثم اعتقهم وظلوا ابدا يرتبطون به برابط الولاء والطاعة عموما ، من هنا تأتي اهمية لقب ابن الاستاذ . اما لقب قريش فهو ادعاء نسبي للدلالة على ان صاحبه يتحدر من آل قريش

[169] – مفاكهة ، ج1 ، ص 283 .

[170]  المصدر نفسه ، ج1 ، ص247 .

[171] – نفسه ، ج1 ، ص 268 ، واعلام الورى ، ص 174، 195، 199، 203

[172] – ان مؤلفي ابن طولون :مفاكهة الخلان واعلام الورى مليئة بهذه الاخبار وسأكتفي فقط بذكر بعض الصفحات ، مفاكهة ، ج1 ،ص 179، 180، 182، 183، 247، 283..

[173] – مفاكهة ،ج1 ، ص 238- 239 ، 292 – 293 ،و314

[174] – مفاكهة ، ج1 ، ص 292 – 293 ، واعلام ، 195 ، ونصار ، العامة، ص 101

[175] – ابن طولون ، مفاكهة ، ج1 ، ص 180 .ويقول كانت بالغة ولم يسعدوا بها لانها نهبت.

[176] – نفسه ، ج1 ، ص 185 ، 247 ويسنهجن ابن طولون ،وكان قاضيا بدمشق، هذا الامر

[177] – مفاكهة ، ج1 ، ص  247

[178] – نفسه ، ج1 ن ص 225

[179] – مفاكهة، ج1، ص 179، 182-183،

[180] ، عينه ص 232، 200 ،

[181] -مفاكهة، ج1، ص219

[182] – مفاكهة، ج1، ص 185، 201 ، 200

[183] – عندما قتل الزعر احد الظالمين غرمهم نائب دمشق بخمس مئة دينار فتدخل لصلحهم قاضي القضاة ابن الفرفور لدى النائب فعفا عنهم ، مفاكهة ، ج1 ، ص 160

[184] – اعلام الورى ، ص 118 – 119 ، 127 و مفاكهة، ج1 ، ص 177، 204، 213-214، 238-239و181.

[185] – مفاكهة ،ج1 ، ص 181، 207 ، 278 -279، 293، واعلام ، ص 175و 181، ونصار ، ص 102 .

[186] – مفكهة ، ج1 ، ص 204

[187] – نفسه ، ص 238 – 239 .

[188] القلقشندي ،ج3، ص 375 – 376 ، Preؤprecis de l Histoire d Egipte , par divers historiens et rcheologues ,P240 t 2  , Istitut Francais De Damas ,1932   

[189] – الظاهري ، زبدة ، ص 122

[190] – خطط، ( بولاق ) ، ج3 ، ص 347 – 348 ، ولمزيد من التفاصيل حول تربية المماليك ومميزاتهم انظر : ضومط ،الدولة المملوكية ، ص 28 – 38 .

[191] – البصروي ، ص 198 ، هامش رقم1 ،ونصار ، العامة ، ص 320 .

[192] – البصروي ، ص 179

[193] – اعلام ، ص 157 ، ومفاكهة، ج1 ، ص 275

[194] – مفاكهة ، ج1 ، ص 247

[195] – نفسه ، ص 249

[196] – مفاكهة، ج1 ، ص 261

[197] – انظر ابن طولون في اماكن متعددة من كتابيه : مفاكهة،ج1 ، ص 275 ،289، 316 ، 342-343 وغيرها،واعلام، 171، 178، 205، 208،222 وغيرها

[198] – مفاكهة ، ج1 ، ص118-119

[199] – البصروي، ص 110  مفاكهة ، ج1 ، ص 41 ، 44 – 45 ، 119 ،231،292، 

[200] –  مفاكهة، ج1 ، ص44

[201] – مفاكهة، ج1، ص 213

[202] – مفاكهة، ج1 ، ص 78، 91،

[203] – المقريزي، السلوك، ج3، ق3، ص1145، مفاكهة، ج1، ص 108، ، 146 ، 180- 181 ، 209، 291،

[204] – مفاكهة، ج1، ص 287، 374، اعلام، ص 187، ونصار ن العامة، ص 326

[205] – البصروي، ص 125، 176، مفاكهة ، ج1، ص132 167،، 158،199 222، اعلام الورى، ص79، 99،119، 187، 209،

[206] – مفاكهة، ج1 ،17،92،100،101،127،208، 214،222،260،286،وغيرها،اعلام الورى، ص 79،119، وانظر نصار ،العامة، ص 327 – 331

[207] – مفاكهة، ج1، ص 6، 41، 62،  64، 65، 79،  124-125 ، 146 ، 147 ، 160، 178، 215، اعلاو الورى، ص 96، 97،

[208] – ابن طولون ، مفاكهة الخلان، ج1، ص 8-9،41، 65،124 79، – 125، 227، 299، 234،

[209] – البصروي، ص183،207،219،239، اما مفاكهة الخلان فهو مليء باخبار الجرائم واللصوصية وغيرها من المفاسد سأكتفي بذكر بعض الصفحات فقط:ج1،17، 92، 153،164،177،204،225،234،257، واعلام، ص،122، 136،164،181،وغيرها كثير

[210] – سلوك، ج4،ق3، ص 1066- 1067، السبكي، معيد النعم، ص 35-36، وفاكهة، ج1، ص 93-94، 142-143، 204- 205، 297

[211] – البصروي، ص 101- 102، ومفكهة،ج1، ص 7-9،65

[212] – مفاكهة، ج1، 30، 84، 158، 215، 248-249

[213] – مفاكهة، ج1 ، ص20-21

[214] – مفاكهة، ج1، ص 42، 203