علاقة الفاطميين بمن جاورهم في بلاد الشام في عهدي المعزوالعزيز 358-386/969-996

ان تاريخ العصور الوسطى الاسلامية يتجاوز المفهوم السياسي التقليدي المبني على الصراع على السلطة في المنظومة السياسية والاتنية والدينية الواحدة، فقد تجاذبته اطراف عديدة ذات مذاهب واتنيات متنوّعة، وديانات مختلفة. فمنذ قيام دولةالخلافة في العصر الراشدي كانت سيطرة السنة واضحة، واستمرت فعاليتها حتى اواخر العصر العباسي الثاني. ولم يكن الشيعة انذاك مستكيني المواقف، اومتخلفين عن الركب السياسي، فقد عملوا سرا وجهرا لانشاء دول خاصة بهم تبعا لمقتضيات الظروف وتقلبات الاحوال: فكلما كانت تضعف السلطة المركزية العباسية كانوا يغتنمون الفرصة لانشاء دولة او دويلة لا تلبث ان تزول.

    ولم يسر الوضع السياسي والاداري العباسي على وتيرة متصاعدة من النجاح، بل شاخت الدولة وهي بعد شابة، فاعتراها الوهن والتخلف عن مواكبة تطور الاحداث السياسية العاملة على الحط من هيبتها منذ اواخر العصر العباسي الاول، بل من اواسطه عندما قسّم الرشيد الدولة بين اولاده الثلاثة المأمون والامين والمعتصم، وتلا ذلك الصراع بين الاخوين الامين والمأمون المغلف بابعاد سياسية عنصرية ان جاز التعبير، او على الاقل عصبية بين العرب والفرس، مما انهك قدرة الدولة حتى عجزت عن الامساك ببعض الاطراف ولا سيما خراسان التي استقل بها طاهر بن الحسين قائد جيوش المأمون الفارسية.

    ولم يكن عهد المعتصم بافضل، اذا استُهلك جيشه الفارسي الجنسية بالحروب ضد الزنادقة، فاستعاض عنه بعناصر فارسية دخلت جماعات جماعات كل واحدة بامرة قائدها، فانعدم ولاء الجيوش الجديدة للخليفة وانحصر بالقادة[1]. وزاد في الامر سوءا عندما شرع هؤلاء ينازعونه السلطة السياسية والادارية[2]. ومنذ ذلك التاريخ بدأت مسيرة السلطة المركزية للدولة العباسية بالانحدار السياسي والاداري والعسكري، ففقدت سلطانها على معظم الاقاليم، وصار الخليفة صورة دينية، بوجه عام، ورمزا اجوف من كل سلطة سياسية وعسكرية فاعلة.

   في حمأة هذه الصراعات في المشرق العربي كانت الخلافة الفاطمية تأخذ طريقها الى الظهور العلني في عام 297/909 بفضل جهود ابي عبد الله الشيعي، الذي اظهر امامة سعيد بن الحسين، ثم اعلنه خليفة من سلالة الامام علي وفاطمة الزهراء. ولكن ذلك لم يؤد ابدا الى تخط المصاعب الكثيرة التي حبل بها المغرب، فقد كانت حقول الالغام المتنوعة تعترض سبيل استقرار الفاطميين فيه لدواعي متنوّعة بعضها مذهبي بحيث كانت الدويلات التي سبقتهم الى المغرب قد ركزت اقدامها فيه مثل دولتي الخوارج المدرارية والرستمية، ودولة الادارسة الشيعية، ودولة الاغالبة السنية[3]. ناهيك بطبيعة المغرب الوعرة ولا سيما في المناطق الداخلية، اضف الى ذلك مشاكل التركيب البنوي السكاني المبني على الولاء القلبلي. وقد تقاطعت بعض هذه العقبات فيما بينها حتى كادت تودي بالخلافة الفاطمية في ثورت الخوارج المتكررة ولا سيما ثورة ابي يزيد مخلد بن كيداد[4]، مما ادى الى وضع غير مستقر، وحالة استحضار عسكري دائمة الجهوزية.

    على ان عهد المعز لدين الله ( 341-365/953-975 ) هو الذي ارسى بفعالية ركائز حكم الفاطميين في المغرب باقامة علاقات وطيدة مع قبيلتي كتامة وصنهاجة، واخلصت له صنهاجة بحصولها على دور في السلطة[5]، وتمكن ايضا من مد صلاة ود او عدم اعتداء مع القبائل الاخرى. ولكن طموحه لم يكن الاستئثار بالمغرب، وهو الامام الاسماعيلي الفقيه الذي كتب رسائل عديدة في العقيدة الاسماعيلية[6]، بل رغب بتصدير المذهب الاسماعيلي الى كل العالم الاسلامي على الاقل. ولكن اصطدامه بالمقاومة الاموية الشرسة في الاندلس، واقتناعه ان الهدوء في المغرب ليس الا وقتيا بسبب العقلية القبلية وعداء القبائل بعضها للبعض الآخر، هذا فضلا عن ان نفوذ الفاطميين انحصر في المناطق الساحلية اجمالا، من دون ان ينسى المعز تداعيات ثورة ابي يزيد مخلد بن كيداد التي كادت تودي بالاسماعيلية زمن اجداده.

الفاطميون في المشرق: اذا كانت الصعاب التي نشأت في المغرب اقلقت الفاطميين، فان عوامل اخرى تقاطعت فيما بينها وعملت على توجيه انظار الفاطميين الى المشرق العربي وتحديدا الى مصر نقطة الانطلاق نحو العالم المشرقي الرحب. ان سيطرة الفاطميين على صقلية بعد انتزاعها من بني الاغلب، وكذلك بسط نفوذهم على طرق الواحات التجارية كانت تجعل من احتلالهم لمصر محورا مركزيا للسيطرة على  تجارة العبور بين الشرق الاقصى والغرب الاوروبي كون مصر تشكل اقصر حلقة اتصال بينهما، ولأن موقعها المشرف على البحر المتوسط في الشمال وعلى البحر الاحمر في الشرق، بما فيه من موانئ، امتدادا الى المحيط الهندي، يجعل حاكم مصر يسيطر على احد اهم الطرق التجارية القادمة من الشرق الاقصى. وكان حكامها منذ العهد الطولوني يبسطون نفوذهم على الاماكن الاسلامية المقدسة، وهذه النقطة كانت محورية بالنسبة للفاطميين وهي شكلت دافعا رئيسا لهم  لسلب العباسيين احد اهم اسلحتهم الدينية بعد ان كان القرامطة سلبوهم محورا آخر شديد الاهمية بسيطرتهم على طريق الحج الذي قطعوه مرارا وسلبوا قوافل الحجيج تكرارا. ولعل التشرزم السياسي والعسكري الذي حاق بالدولة العباسية ساهم بفعالية ليتوجه الفاطميون الى المشرق، فنجحوا في عهد الخليفة المعز لدين الله  وبقيادة جوهر الصقلي بالاستيلاء على مصر المتداعية امنيا واقتصاديا وعسكريا بفعل الازمات المتنوّعة التي اصابتها بعد وفاة كافور الاخشيدي.

   ويبدو من خلال ما اوردته المصادر المتنوّعة عن اعداد الجيش الفاطمي وعدته وصناديق الاموال التي حملها جوهر معه التي اربت على الألف ومائتي صندوق[7] ان الفاطميين ارادوا التأثير نفسيا واخلاقيا على المصريين اولا، وعلى سائر القوى السياسية والعسكرية في بلاد الشام في مرحلة ثانية، وبالتالي التأثير المعنوي السلبي على الخلفاء العباسيين.

  وازعم ان الخليفة المعز لدين الله درس المصوّر السياسي العسكري الجغرافي في المشرق العربي فوجد الظروف مناسبة للحول مكان العباسيين في مناطق عديدة؛ فقد كان البويهيون الشيعة يسيطرون سياسيا وعسكريا على العراق وبلاد فارس، وبدا الخلفاء العباسيون معهم فاقدي كل دور قيادي[8]. وكان القرامطة منذ زمن بعيد قد قضّوا مضجع العباسيين وانهكوا جنوب العراق بغاراتهم المتكررة التي احتلوا فيها البصرة مرارا وخلّفوا فيها دمارا كثيرا، كما كانت لهم سيطرتهم على قسم كبير من بلاد الشام: في دمشق، وفي البحرين. وكانت تجمعهم بالفاطميين صلاة المذهب الواحد عموما فتوقعوا منهم المساعدة لاضعاف القدرة العباسية السياسية والمعنوية على الاقل. وكان الحمدانيون الشيعة يسيطرون على شمال بلاد الشام في الموصل وحلب وينازعون الاخشيديين السنة السيطرة على قلب بلاد الشام. فكان ذلك المصوّر يؤشر الى انقسام العالم الاسلامي الى فريقين مذهبيين: سني وشيعي. وكانت المعطيات تؤشّر بدورها الى غلبة الشيعة على مراكز القرار حتى في بغداد حاضرة العالم الاسلامي السني، واذا اتحدوا جميعهم قد ينتصرون على السلطة العباسية ويحلون مكانها.

 ومع ارجحية هذا الرأي الذي قال به مؤرخون كثر ازعم ان التاريخ لا يدرس او يفسّر على اساس ديني اومذهبي فقط، على رغم ما لهما من تأثير في تقلب الاحوال وتطور الاحداث وتأثير على الناس، لأن تاريخ العصور الوسطى حافل بالمواقف والتوجهات التي طالما خالفت النظرة الدينية والمذهبية في تفسير الاحداث. فالمصالح الفردية غالبا ما كانت تتفوّق على ما كان يفترضه السلوك المذهبي او الديني من اجل الصالح العام باعتبار ان الغاية الشخصية تبرر الوسيلة، وبالتالي فالتضحية بالمذهب لم تكن وليدة تلك الظروف والمرحلة وان شكلت سمتها، اذ تُبرز لنا الذاكرة التاريخية للعصور الوسطى السابقة على مجيء الفاطميين الى الشرق نماذج كثيرة جدا على التضحية بالديني او المذهبي لصالح السياسي الشخصي، ان لم نقل الاناني الفردي. مما يجعل معادلة او جدلية العلاقة بين الولاء المذهبي والولاء السياسي جديرة بالبحث للخلوص منها بالعبر. 

   وسنحاول في هذا البحث التبحر في التطورات السياسية في المشرق العربي وربطها بالتوجهات المذهبية والدينية للوقوف على سير الاحداث بشكل بياني في مقاربة لدراسة جدلية العلاقة بين الولاء المذهبي والولاء السياسي خلال الفترة الممتدة من 358/ 969 الى 386/ 996

1- علاقة الفاطميين بالبويهيون: خلف البويهيون اتراك العصر العباسي الثاني ( 232-334/847-945) في حكم العراق، وامتد سلطانهم على معظم بلاد فارس مشكلين قوة عسكرية بالغة القوة والخطورة، وسمح توّزع قواهم بين قادتهم الاساسيين واستقلال كل منهم في قسم من البلاد الشاسعة التي سيطروا عليها باضعاف جبهتهم. وما كان ممكنا ابدا لحكمهم ان يستمر ويستقر في العراق بوجود امارات تركية فيه، خصوصا في واسط والبصرة والبطيحة وغيرها[9]. وبعد اخضاعها عملوا على دمج قواتها ولا سيما الفرسان بجيشهم المفتقر الى هذا العنصر الفعال[10].

    اما مواقفهم من الخلفاء العباسيين فقد تأرجحت بين العزل والسيطرة التامة، الى ان استقر الرأي على الابقاء عليهم كرمز ديني اسلامي وتجريدهم من كامل صلاحياتهم المدنية لأنهم افتقروا في مذهبهم الزيدي لبدائل عنهم، اذ يذكر البيروني ان :” معز الدولة … كان يفرط في التشيّع وانه اشخص من بلاد فارس احد كبار العلويين- محمد بن يحي الزيدي- مشتهرا بالديانة وحسن السيرة والصيانة…وانه انما استحضره ليوصل الحق الى ذويه ويسلم الملك والخلافة الى اهليه…- فرد العلوي- ان عامة الناس في الاقطار والامصار قد اعتادوا الدعوة العباسية ودانوا بدولتهم وطاعوهم كطاعة الله ورسوله…”[11] مما يعني ان معز الدولة اقتنع بفشل تحويل الخلافة الى الشيعة او حاول اقناع نفسه بهذا الامر. ويؤيد ما ذهبنا اليه ما اورده ابن الاثير عن بعض خواص معز الدولة حينما اقترح هذا الملك عزل الخليفة العباسي واسناد مركزه الى الخليفة المعز لدين الله الفاطمي قائلا:” ليس هذا برأي فانك اليوم مع خليفة تعتقد انت واصحابك انه ليس من اهل الخلافة، ولو امرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه، ومتى اجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد انت واصحابك صحة خلافته، فلو امرهم بقتلك لفعلوا [12] “. لهذا ابقى البويهيون على الخلفاء العباسيين وجعلوهم رموزا دينية فارغة من اي مضمون حقيقي وفعال[13].

   فهل هذا يعني ان البويهيين اكتفوا بهذه المواقف من الخلافة ام انهم عملوا على اضعاف الفاطميين ليظلوا هم سادة متوّجين في ظل خلافة عباسية ضعيفة لا بل منهكة سياسيا وعسكريا؟

واستطرادا ماذا توّقع المعز لدين الله من البويهيين: هل الوقوف على الحياد امام المد الفاطمي القادم الى بلاد الشام، ام التحالف معه من اجل اسقاط الخلافة العباسية؟

   للاجابة على هذه التساؤلات يقتضي دراسة علاقتهم بالقوى السياسية الاخرى في بلاد الشام التي كانت على تماس مع الفاطميين كالقرامطة والحمدانيين، ومن ناحية ثانية دراسة مواقف هذه القوى الشيعية من الخلافة الفاطمية.

     كان القرامطة يشكلون سدا بشريا وجغرافيا بين البويهيين والفاطميين المرتقب قدومهم الى مصر، ومخافة ان يسقط البويهيون في احضان القادمين الجدد مالءوا القرامطة، وربما من هذا المنظار يمكن تفسير الحالة المهادنة التي طغت على العلاقة بينهما. رغم انها تأرجحت بين المهادنة والصراع، فلم يعتبر البويهيون القرامطة هراطقة خطرين على حد تعبير محمد شعبان، بل تسامحوا معهم شأن موقفهم من كل المذاهب.[14] ولكن احتلال البويهيين البصرة عام 336/948 وسيطرتهم على مينائها ادى الى فرار متوليها او مغتصب سلطتها “البريدي” الى البحرين ملتجئا الى القرامطة، الذين غضبوا من تصرّف البويهيين واعتبروه تعديا على مصالحهم الحيوية، فبعثوا رسولا الى معز الدولة البويهي ليدين تصرّفهم غير المبرر قَرْمَطيا، فاستقبله معز الدولة بكثير من الاحتقار، وهزئ من ادعاء اسياده، فرد القرامطة بحملة فاشلة على البصرة[15]. ومن ثم تمّ الاتفاق بين الجانبين على ترتيبات اقتصادية، كانت اشد فعالية من الصراع العسكري الذي كان من المفترض ان يحقق الغايات الاقتصادية للمنتصر، ارضتهما فاجاز البويهيون للقرامطة اقامة مركز جمركي على مقربة من مركز الجمارك البويهي في البصرة، واجتهد محمد شعبان انطلاقا من الاتفاق المذكور ليسوّغ اتخاذ ترتيبات مماثلة على طريق الحج تقاسم بموجبها الطرفان العائدات المالية[16]، وخففت مفاعيل الصراع العسكري. مما يعني ان الدور المذهبي في تلك العلاقة احتل المرتبة الدنيا، وفاقته اضعافا المصالح الاقتصادية المقرونة بالقوة العسكرية. وازعم انه بدافع من تلك الترتيبات لم يعمد البويهيون للحط من منزلة القرامطة المذهبية او التوسع في محاربتهم، بل اكتفوا بتبيان مقدرتهم العسكرية عليهم، وارضوهم بالحوافز الاقتصادية المذكورة.

   ولعل التفسير لتطوّر الاحداث يظهر نوعا من الرؤية المستقبلية اللاعنفية التي اعتمدها البويهيون، اذ اجتهدوا لمساعدة القرامطة ليبقوا سدا منيعا بينهم وبين اشقاهم في المذهب عنيت بهم الفاطميين، لأنهم على حد تعبير شعبان كانوا:” على استعداد لتقديم تسهيلات كبيرة لكسب القرامطة، وكانوا كذلك على استعداد لمعارضة التجارة عبر ميناء سيراف وتحويل التجارة كلها الى البصرة حيث يتسنى للطرفين اقتسام المكاسب.”[17] ويمكن تفسير مواقف البويهيين من القرامطة تصرفا احترازيا ضد الفاطميين المتوقع قدومهم الى مصر بسبب الحملات المتكررة التي ارسلوها اليها، ومن جهة ثانية اعتبروا ان استقرار الوضع العسكري سيسهم من دون شك بتطوّر القوة الاقتصادية للفريقين مستفيدين من العلاقة المذهبية التي تجمع بينهما وان ظاهريا. وقد نجد تعليلا لهذه المعادلة بما حصل لاحقا بين الفاطميين والقرامطة وبالموقف المعادي الذي اتخذه البويهيون من الفاطميين.

    وعلى هذا لا يمكن اعتبار ان الولاء المذهبي احتل مرتبة عالية عند البويهيين، فهم وان نجحوا بممارسة بعض الشعائر الشيعية كذكرى كربلاء وغيرها في بغداد عاصمة العباسيين والسنة، فانهم في الوقت عينه ما كانوا على استعداد للتنازل عن سلطانهم لأي قوة شيعية مهما بلغ مستواها الديني. وستتضح هذه المعادلة بدراسة علائق الفاطميين بالقوة الشيعية الاخرى في بلاد الشام.

2-  العلاقة الفاطمية القرامطية:

أ- فبل مجيء الفاطميين الى مصر: قد تكون العلاقة بين الفاطميين والقرامطة من اشد العلائق تعقيدا لما كان بين الاثنين من صلاة القربى المذهبية، بل لتحدرهما من جذر مذهبي واحد وعقيدة واحدة. ومن الواضح انه على الرغم من انشقاق حمدان قَرْمَط ومن بعده صهره عبدان داعي دعاة الاسماعيلية عن الاسماعيلية، فان ابا سعيد الجنّابي قائد قرامطة البحرين ظل وفيا للامام الاسماعيلي الفاطمي في المغرب[18]، ويضيف مادلونغ ان الصلاة اشتدت قربا في ظل قيادة ابنه ابي طاهر الذي كان ينفّذ اوامر الخليفة الفاطمي عبيد الله المهدي، واستمر الامر على هذا النحو من التقارب والتفاهم حتى مقتل سابور قائد القرامطة وتولّي الحسن الاعصم مكانه.[19]

    ويشوب دراسة العلاقة بين الفريقين بعد ذلك التاريخ الكثير من التعقيدات بسبب الآراء والاجتهادات المتعددة التي انتهجها المؤرخون المحدثون[20]، ونحن لن ندخل بكل تلك الاجتهادات بل سنكتفي بالاشارة الى ان القرامطة فرضوا وجودهم حتى على السلطة العباسية السياسية المتمثلة بامراء الامراء الاتراك، والملوك البويهيين، وعلى الامراء الحمدانيين، من اجل تأمين طريق الحج الذي صار سلوكه خطرا نظرا لهجمات القرامطة وسيطرتهم على معظم مسالكه، مما حدا بتلك القوى السياسية التفاهم المادي معهم فدفعوا لهم اتاوات لقاء مرور آمن للحجيج، حتى ان سيف الدولة قدم لهم احمالا من الحديد لهذه الغاية[21].

   على هذا، بات القرامطة قوة اساسية بل لاعب سياسي رئيسي في التحولات التي كانت تحصل في بلاد الشام وجنوب العراق، فقد صارت سطوتهم مخيفة، وجهد الحكام الى اجتناب مواجهتهم. وما يهمنا في هذا الاطار هو تطوّر قوة القرامطة عشية دخول الفاطميين الى مصر بظل قيادة الحسن الاعصم، وهل حَسِب لها الفاطميون التقدير الكافي، ام اعتبروا ان توأمهم سينسى الخلافات الجانبية ويؤيّد مواقفهم وينحاز اليهم عسكريا من اجل سيادة الشيعة على العالم الاسلامي المشرقي؟

   لا بد من الاشارة هنا الى ان القرامطة كانوا حوالى عام 313/925 قد انقسموا على انفسهم: فبعضهم كان دعا، على الارجح تقية، الى الخليفة العباسي المقتدر واعلنوه اماما لهم، اذ بعد القبض على حوالى ثلاثين شخصا منهم في مسجد براثا في بغداد وجدوا معهم اختاما نقش عليها: محمد بن اسماعيل الامام المهدي.[22] ولهذا النقش دلالة مذهبية بالغة الاهمية، وهي الدعوة الى الامام محمد بن اسماعيل وليس الى عبيد الله المهدي الامام الفاطمي والخليفة لاحقا، الذي كان قد ادعى انه المهدي. واذا اضفنا الى هذه الحادثة هجوم القرامطة على سلمية بغية قتل جميع الذكور فيها بهدف القضاء على سعيد بن الحسين “عبيد الله المهدي” ندرك كم كان عمق الخلاف المذهبي بين الفريقين. واذا كانت العلاقات عادت بعد ذلك الى الوئام بين الفاطميين والقرامطة فهذا لا يعني ان كل القرامطة كانوا يعتبرون الخلفاء الفاطميين ائمتهم، لانهم استمروا يخصصون خمس غنائمهم ” لصاحب الزمان”، مما يعني عدم انصياعهم للتعاليم الفاطمية، وبالتالي الى بروز ازمة ثقة مذهبية بين الفريقين[23]، انما على الارجح ان قلة من القرامطة انشقت عن الفرع الرئيسي في حين ان البقية كانوا يراسلون الامام المنصور بن القائم الفاطمي ويدعون ان دعوتهم اليه[24].

     ومن الواضح ان القرامطة صاروا قوة مخيفة بل محورية في بلاد الشام يخطب ودها عدد من حكام الدويلات، ففي اواخر عام 354/965 نهب عرب بني سليم قوافل الحاج الشامي والمصري واستولوا على ما كان معهم من امتعة وبضائع، فتدخل القرامطة واسترجعوا المسلوب وقدموه لكافور الاخشيدي حاكم مصر[25] نظرا للتفاهم الذي كان حصل بينهما ومؤداه ان يدفع الاخشيديون ثلاث مائة ألف دينار سنويا للقرامطة[26] مقابل حماية تجارتهم وعدم تعرضهم عسكريا الى بلاد الشام الاخشيدية وتحديدا دمشق، مما جعل بلاد الشام ولا سيما دمشق مجالا ماليا حيويا لهم، ناهيك بعمقهم المذهبي فيها، وبالتالي ما كان ممكنا التخلي عنها بسهولة.

   ونحن لا نعلم ما الذي بدّل العلاقة الجيدة بين الفاطميين والقرامطة قبيل دخول المعز لدين الله الى مصر. ويعزز صحة اعتقادنا، ان الفريقين كانا متفاهمين وئاميا، الكتابُ الذي وجهه هذا الخليفة الى الحسن الاعصم بعد هجوم القرامطة على القاهرة عام 358/969 [27]. فقد اشار فيه بوضوح الى ان القرامطة كانوا، قبل تسلم الحسن الاعصم قيادتهم، يخضعون الى سلطة الامام الخليفة الاسماعيلي، وينفذون اوامره، ومن ذلك قوله للحسن :” فاما انت الغادر الخائن، الناكث البائن، عن هدى آبائه واجداده، المنسلخ عن دين اسلافه وانداده…فعرفنا على اي رأي أصلت، واي طريق سلكت: اما كان لك بجدك ابي سعيد اسوة، وبعمل ابي طاهر قدوة…”[28] فهل كانت المشكلة محصورة بالقائد فقط، ام ان تحوّلا طرأ على سلوك القرامطة المذهبي والسياسي خصوصا بعد الضربات التي انزلها بهم البويهيون، ومن ثم التفاهم المادي الذي تم بينهما، وبالتالي لم يعد لهم مجالا استراتيجيا سوى بلاد الشام؟

  يمكن الاجتهاد بان القرامطة قاموا بانقلاب داخلي في شهر رمضان 358/969 على قائدهم سابور بن ابي طاهر الذي كان يكّن عداء مخيفا للعباسيين وودا للفاطميين وقتلوه بعد مرور شهر واحد على دخول جوهر الصقلي، ولأنه كان ازعج الخلافة العباسية كثيرا بغاراته المتكررة على سواد العراق[29]، ولعل مرد ذلك عدم رغبة القرامطة بالتخلي عن استقلالهم الذاتي والذوبان في الخلافة الفاطمية، والابقاء على الدرع العباسي الذي يعيشون في كنفه من دون كبير مشقة.

ب- بعد دخول الفاطميين الى مصر وبلاد الشام: كانت بلاد الشام محور تنازع بين عدد من القوى الاساسية: الحمدانيون كانوا يريدون الاستيلاء عليها بقصد توسيع امارة سيف الدولة ليستطيع منافسة القوى الاخرى، وكافور الاخشيدي كان يعتبرها امتدادا طبيعيا لمصر وخط دفاع اولي عنها، والقرامطة يعتبرونها مجالا حيويا لهم على عدة مستويات: مذهبي واقتصادي وسياسي وعسكري. فبعد وفاة كافور الاخشيدي ضعفت سلطة الاخشيديين على بلاد الشام، فاغتنم الفرصة القرامطة بمبادرة شخصية منهم ومن دون علم المعز لدين الله الفاطمي عام 353/964 وهاجموا دمشق واحتلوها فصالحهم الحسن بن عبيد الله بن طغج على جزية سنوية مقدارها ثلاث مائة ألف دينار، وأكملوا طريقهم واستباحوا الرملة.[30]وبذلك تأمّن لهم مدخولا ماليا مهما بعد ان كانوا قد تفاهموا مع البويهيين على الارباح التجارية في البصرة وعلى طريق الحج، مما كان يجعل تنازلهم عن السيطرة المالية والسياسية العسكرية في الشام امرا بالغ الصعوبة.

    ادت حملة جوهر على مصر عام 358/969 الى سقوط مصر بايدي الفاطميين بعد ان استسلم معظم الاخشيديين وفرّ القسم الباقي من الاخشيدية الى بلاد الشام. وكان للأمان الذي اعطاه جوهر للمصريين على اموالهم، ودينهم، والتعهّد بالضرب على ايدي المخربين والمفسدين والمحتكرين، والذود عن المصريين، كبير الأثر في قبول المصريين بالحكم الفاطمي.[31] ولما لم تجابهه مقاومة تذكر شرع بتنظيم الادارة وتنفيذ عهده، وبناء القاهرة المعزية، وتطلّع الى بلاد الشام الامتداد الطبيعي لمصر، ولعلّه اعتبر اسياده ورثة الاخشيديين السياسيين حتى في الرقعة الجغرافية التي كانت لهم. ولا ندري اذا كان رغب جوهر، في المغامرة التي خاضها القائد الفاطمي جعفر بن فلاح المرسل من قبله لفتح بلاد الشام، بامتحان جيشه عسكريا، الذي لم يخض معركة عسكرية حقيقية في مصر، وبامتحان آخر لموقف القوى السياسية والعسكرية المتزاحمة على بلاد الشام من الفاطميين، وجس نبض السلطة البويهية في العراق. في مطلق الاحوال كانت مغامرة غير مدروسة لأن جعفر بن فلاح كان منافسا وحاسدا لجوهر ومتعاليا في مواقفه مستهينا باخصامه[32]، وكان يجهل ايضا عقلية السكان المشرقيين ولا سيما الشاميين بل طبائعهم، ومعتادا على الذهنية القبلية المتأصلة بقبائل البربر في شمالي افريقيا. فما كان مصير تلك المغامرة؟

   توجّه جعفر بن فلاح الكتامي عام 359/969 الى الرملة وانتصر على متولّيها الحسن بن طغج واسره، ودخل المدينة عنوة واستباحها، وجبى خراجها وقطع الخطبة العباسية فيها لصالح المعز لدين الله[33]. ثم اكمل طريقه الى طبرية التي خضعت للفاطميين من دون قتال، ثم فتح دمشق بعد ان قاومه اهلها مدة وجيزة واقام الخطبة فيها للمعز بعد ان فرّ منها ظالم بن موهوب العُقيْلي زعيم بني عقيل ملتجئا الى الحسن الاعصم في الاحساء. [34]ونرجّح، قياسا على ما جرى فيما بعد، ان المغاربة _جيش جعفر بن فلاح- اساؤا التصرف تجاه الدمشقيين، مما حدا بالشريف ابو القاسم بن ابن يعلي الهاشمي، بما توفّر لديه من احداث المدينة، الى مقاومة الفاطميين والى اعادة الخطبة للمطيع العباسي، وجرى قتال عنيف بين الفريقين كانت كفته راجحة الى جانب المغاربة. وبعد مشاورات تم الصلح بين الدمشقيين وجعفر بن فلاح، فدخل المغاربة المدينة وعاثوا فيها فسادا ونهبوا قسما كبيرا منها فثار الاهالي، واشتد القتال، فاحرق المغاربة قسما من دمشق. وبعد ان توقف القتال بسعي من الخيّرين، قبض على الشريف الهاشمي وارسل الى القاهرة، وعلى مجموعة من الاحداث، فهدأت الحال في الشام[35].

هجوم القرامطة على دمشق: يرجع بعض المؤرخينسبب هجوم القرامطة على دمشقلانقطاع الجزية الاخشيدية عنهم. قد يشكل هذا السبب دافعا، ولكن ما الذي جعل القرامطة يسوّدون اعلامهم ويكتبوا عليها ” السادة الراجعون الى الحق”، ويعملون باسم الخليفة العباسي المطيع[36]؟ فهل هذا يعني طلاقا تاما بين اهل العقيدة الواحدة، ولماذا حاد القرامطة عن الخط الذي كانوا ساروا عليه لمدة طويلة؟ اسئلة كثيرة لا نجد لها جوابا شافيا الا بدراسة معمقة لتطوّر العلاقة القرمطية الفاطمية منذ اعلان سعيد بن الحسين نفسه مهديا وحتى دخول المعز لدين الله الى مصر. وقد حاول عدد من المؤرخين المشهود لهم القيام بمثل هذه الدراسة من دون التوصل الى جواب نهائي.

    وما نطرحه للبحث في هذا المجال هو تصرف القرامطة المغاير كليا لمواقفهم السابقة بحيث سارعوا الى الهجوم على دمشق، فاستهان بهم جعفر بن فلاح، فانقضوا عليه وقتلوه، واستردوا دمشق وكامل بلاد الشام التي كان اخضعها جعفر، وخطبوا في كل مدنها الى المطيع العباسي[37] ويقول المقريزي في هذا الصدد:” واقام القرامطة الدعوة للمطيع لله العباسي في كل بلد فتحوه، وسوّدوا اعلامهم…واظهروا انهم كأمراء النواحي الذين من قبل الخليفة العباسي.”[38] 

    لم يكتف القرامطة بما انجزوه في بلاد الشام، بل بدا وكأنهم يريدون استئصال شأفة الفاطميين في المشرق، وكأن عداوة دفينة ذرت قرنها بين الفريقين، حتى بات الامر مسألة شخصية. فهاجموا القاهرة وحاصروها بما اجتمع اليهم من العرب والاخشيدية. وتمكّن جوهر بعد جهد جهيد من صد الهجوم وارغام القرامطة على التراجع الى بلاد الشام.[39] وكتب الى المعز يستدعيه على جناح السرعة ليجد حلا لمعضلة القرامطة، فحاول المعز اعتماد السياسية الدبلوماسية بان ارسل الى الحسن الاعصم كتابا طويلا يذكر فيه نفسه وفضل اهل بيته، وان الفاطميين والقرامطة على مذهب واحد مشيدا بالعلاقة التي جمعت بينهما ايام ابيه واجداده، ومهددا الحسن من جهة ثانية[40]، وعتب عليه بل قرّظه لأنه دعا للعباسيين قائلا:” بئس الاسم الفسوق بعد الايمان، وعصيانك مولاك، وجحدك ولاك، حتى انقلبت على الابار وتحملت عظيم الاوزار، لتقيم دعوة درست، ودولة طمست…”[41] فرد الحسن:” وصل الينا كتابك الذي كثر تفصيله، وقلّ تحصيله، ونحن سائرون على اثره والسلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل[42].” مما يعني انه رفض حتى النقاش العقائدي، او ان يقترح لقاء، او يطلب امرا محددا، بل كان مدفوعا بحمية وحقد بالغين، قد يكونان غير مبررين مذهبيا، الا اذا كان الحسن اراد الحصول على مصر وبلاد الشام من العباسيين ليحكمهما باسم الخليفة العباسي: فلماذا لا يحل مكان الاخشيديين، وتاليا مكان الفاطميين، ما دامت املاك الدولة العباسية معروضة للاغتصاب، وكل قادر يقتطع منها رقعة يقيم عليها دويلته؟!

    سار الحسن الى مصر يرافقه اميران عربيان هما حسان بن الجراح الطائي امير عرب بلاد الشام، وظالم بن موهوب العقيلي وحاصروا القاهرة. وكانت القوات الفاطمية عاجزة عن مجابهة هذا الجيش المتعدد المشارب، فعمد المعز الى الحيلة فاستمال حسان بن المفرج الطائي بالمال ما ادى الى هزيمة القرمطي. فاستعاد المعز بلاد الشام وعيّن عليها ظالم بن موهوب العقيلي واليا[43].

   ان انتصار المعز على القرامطة لا يؤشّر ابدا الى ارجحية قوته، بل يوضح العجز الفاطمي عن التصدي لهذه المجموعة، ما يطرح تساؤلا اساسيا بل مركزيا : هل فعلا كان الفاطميون بوارد مهاجمة العباسيين، ام كانوا يعتمدون على القوى الشيعية الاخرى المنتشرة في بلاد الشام والعراق وبلاد فارس لتعاونهم عسكريا ومذهبيا ؟!

لم يكن اختيار ظالم بن موهوب العقيلي واليا لدمشق خيارا صائبا، لسببين: لأن الجيش الفاطمي كان بقيادة  ابي محمود بن جعفر بن فلاح الكتامي غير الكفوء” ولم يكن صاحب رأي سديد ولا تدبير حميد ولا حسن سياسة”[44]، ولازدواجية، من ناحية ثانية، في السلطة والرأي والسلوك بين ظالم وابي محمود.

      كان الدمشقيون قد كرهوا المغاربة منذ حملة جعفر بن فلاح، واعتاد الجيش الفاطمي الغريب الدار على النهب والسلب من دون الإلتفاة الى المصلحة العامة. وكان نشوب الصراع بين الغرباء والدمشقيين شبه حتمي لأسباب متعددة: انحصر هم ظالم بجباية الخراج لأنه كان موقنا قصر ولايته على المدينة، ورغب الاحداث بالثأر من المغاربة، وجنح المغاربة الى السلب والنهب. وكان اشراف دمشق في مأزق كبير لأنهم كانوا عاجزين عن كبح جماح الاحداث والعامة الشامية، وعاجزين ايضا عن انتزاع تعهّد من ابي محمود يكبح جماح الجيش المغربي او السيطرة عليه، لأنه فعلا كان غير جدير بالمسؤولية لقلة دربته، ولافتقاره للمال لأن الخراج كان يجبيه ظالم ويتصرف به[45]

   وهكذا اندلع الصراع بين الاطراف المتنازعة على مدى ما يقرب الثلاثة اشهر بين كر وفر، فاعتدى المغاربة على اسواق القاهرة واهلها واضرموا النار فيها وفي العديد من احيائها، واستولوا على القوافل التجارية والتموينية القادمة اليها او المارة بالقرب منها، وانتهبوا القرى. ولم يؤدِ انحياز ظالم بن موهوب العقيلي الى جانب الدمشقيين الى توازن في القوى المتحاربة، بل استمرت الغلبة للجيش المغربي.[46]ويوجز ابن القلانسي الحال قائلا:” وانتشر الفساد في سائر الضياع والجهات، وطرحت النار في الاماكن والحارات، وثارت الفتنة واشتدت النار، وعظم الخوف وفني العدد الكثير من الفريقين.”[47]

   نتائج السياسة العسكرية الفاطمية في الشام:

1- على المستوى المدمشقي الداخلي: لما علم المعز بالاوضاع الدمشقية طلب من ريّان الخادم والي طرابلس التوجه الى دمشق لحفظ الامن فيها والنظر باحوالها، وصرف ابي محمود عنها، خوفا من تزايد الهوة بين الدمشقيين والسلطة الجديدة الطارحة نفسها حلاً للمشاكل الاسلامية، التي عجزت عن تنفيذها الخلافة العباسية بوجود الاغراب على رأس السلطتين العسكرية والسياسية في العراق. وارسل المعز الى القائد المعزول كتاب توبيخ وتقريظ.[48]  اما الدمشقيون فقد ذهولوا من هول ما جرى، واستاكنوا آنيا بانتظار الفرصة المناسبة للانقضاض على الحكم الفاطمي، الذي صار بنظر معظمهم قمعيا.

2-على المستوى الاقليمي: كانت الصراعات في العراق على اشدها بين البويهيين بزعامة بختيار بن معز الدولة والاتراك الجدد وتحديدا حركة سبكتكين الذي كان أفتكين التركي احد ابرز قادته، وكان قد انهزم امام القوة البويهية واستقر في جوسية احدى اعمال دمشق ومعه حوالى ثلاث مائة جندي من الطراخنة.[49]ولعبت المصالح الشخصية والاقليمية دورا بارزا في توجيه كفة الصراع: فقد كان البويهيون يريدون القضاء على القوة التركية الجديدة في جيشهم، وفي آن ما كانوا يودون النجاح للفاطميين والاستقرار في بلاد الشام حفاظا على مصالحهم. وجهد الحمدانيون لابعاد الخطر الفاطمي عن دويلتهم في حلب ومارسوا سياسات عدائية ضمنية ضدهم. وكان الامراء العرب في فلسطين يقومون بدور المستفيد من الرياح من اين هبت، فارتأى  ظالم العقيلي متولي بعلبك من قبل الفاطميين ان يحارب افتكين ليرتفع مركزه عند الفاطميين.

   وتلاحقت المواقف والاحداث سريعا، وحولت افتكين الى بيضة قبان في الصراعات: فارسل له ابو المعالي بن حمدان ثلاث مائة جندي بقيادة بشارة الخادم نكاية بظالم الذي كان يريد قتاله تقربا من السياسية الفاطمية، ورجاه  الدمشقيون ليقودهم ويساعدهم لردع تعديات الاحداث، وقتال المغاربة اذا اقتضى الامر[50]، وقال ابن القلانسي الدمشقي في هذا الصدد:” فنزل بظاهرها-اي دمشق- خرج اليه شيوخها واشرافها وخدموه، واظهروا السرور به، وسألوه الاقامة عندهم، والنظر في احوالهم، وكف الاحداث الذين بينهم، ودفع الاذية المتوجهة عليهم منهم…”[51] مما يعني ان الوضع الداخلي في دمشق كان غير مستقر، واهلها منقسمين فريقين: الاحداث الذين بدفاعهم عن مدينتهم آذوا الدمشقيين انفسهم بممارساتهم الشاذة، والخاصة الدمشقية الدينية والاقتصادية الراغبة بالهدوء باي ثمن.

    وارتفعت منزلة افتكين عند الدمشقيين لأنه قطع الخطبة الفاطمية، وقمع حركات الاحداث وشغبهم، واسترد ضواحي دمشق من العرب الذين كانوا استولوا عليها ابان الفوضى العسكرية، ولأن مقدرته الدبلوماسية نجحت بدرء خطر حملة ابن الشمشقيق عنها، فقد اكرم وفادة الامبراطور البيزنطي بان قدم له كل ما كان حمله معه من بغداد، ولعب امامه ضروبا مدهشة من الفروسية، فاعفى دمشق من الجزية التي كان فرضها على اهلها[52].

   وحاول افتكين تمكين مركزه في المدينة بطلب المساعدة من القرامطة، الذين سارعوا الى الرملة واستولوا عليها بعد ان هرب ابراهيم بن جعفر واليها الفاطمي[53]. واطمأن افتكين الى هذا الحاجزا الذي شكلوه بينه وبين الفاطميين من دون ان يقدر الموقف الفاطمي حق تقديره، منتهزا الفرصة للاستيلاء على الساحل الفاطمي في بلاد الشام والداخل اللبناني، بقصد الاستقلال ببلاد الشام بعد تفاهمه مع القرامطة، مما افشل جهود المعز لدين الله الهادفة الى جعل افتكين واليا فاطميا على بلاد الشام.

ولما أمن افتكين جنوب بلاد الشام بواسطة القرامطة وعلم بوفاة المعز بدأ بتنفيذ مشروعه الاستقلالي: فاحتل صيدا وطرد منها ابن الشيخ واليها الفاطمي، واكمل طريقه الى عكا. ولما فشل العزيز، الذي خلف والده المعز باصطناع افتكين الذي رد على كتابه بانفة وجفاء :” هذا بلد اخذته بالسيف وما ادين فيه لاحد بطاعة ولا اقبل منه امرا.”[54] ارسل جوهر الصقلي على رأس جيش جرار لاستعادة بلاد الشام كلها، فتراجع افتكين الى دمشق بعد ان حمل معه المؤن من حوران وغيرها من المناطق الزراعية استعدادا لحصار فاطمي مرتقب. ولما كان تعداد القرامطة غير كاف في الرملة لمجابهة جوهر انكفؤا الى الاحساء، من دون ان يخرجوا نهائيا من المعادلة العسكرية.

    في عام 975 هاجم جوهر دمشق وحاصرها وضيّق على افتكين واضطرّه للاستنجاد بالقرامطة بقيادة الحسن بن احمد الاعصم الذي اسرع لنجدته حفاظا على مجالهم الحيوي واضغافا للموقف الفاطمي في بلاد الشام. ومخافة ان يصبح جوهر بين نارين تراجع الى طبرية فالى الرملة وتحصّن بها بعد ان اودع احماله في عسقلان، ولاحقه افتكين والقرامطة. وبعد مناوشات وحروب عديدة انهزم جوهر بنهايتها، وبعد محادثات شاقة تم الصلح بينهما وسمح بموجبه لجوهر الانسحاب الى القاهرة شرط ان يمر تحت سيف أفتكين ورمح القرمطي تدليلا على الهزيمة بل على الذل والمهانة. فعاد الى القاهرة عام 368/978 وتذرّع للعزيز بان تخاذل الجيش المغربي وتحديدا الكتاميين بالقتال ادى الى هذه النتائج الكارثية.[55]

  لم يُخفِ العزيز غضبه لان مهابة الفاطميين كانت في الميزان، رافضا النتائج المذلة التي اسفرت عنها حملة جوهر، فقاد جيشا جرارا وتوجه الى بلاد الشام وهزم افتكين والقرامطة معا. ولما قُبض على افتكين ومثل بين يديه عفا عنه واكرمه، وتلك سياسة اتبعها الفاطميون في معظم مراحل تاريخهم من دون ات تعطي ثمارا، فاسطناع المتمردين، او العفو عنهم كانت نتائجه باستمرار كارثية.

    وانتهى بذلك فصلا اساسيا من مراحل الصراع بين القرامطة والفاطميين بمشاركة فعالة من القوى المتضررة من دخول الفاطميين المعترك السياسي في بلاد الشام مظهرا ان الروابط المذهبية، كانت على صعيد الواقع وتضارب المصالح، اقل قوّة وفاعلية مما كانت تبذو عليه على المستوى التنظيري. لأن السياسة كانت تتقمص تلاوين دينية ومذهبية لتحقيق اغراض اقل ما يقال فيها شخصية بل انانية، ولكن الصراع لم ينته بين توأمي المذهب الاسماعيلي، فعاد باشكال اقل حدة فيما بعد خصوصا في عهد الحاكم بامر الله الفاطمي.

3-العلاقة مع الحمدانيين:

أ – في الموصل: كان الحمدانيون العرب شيعة ويتأثرون قوة وضعفا بولاءات القبائل العربية في بلاد الشام، وتمكنوا من تأسيس امارتين: الاولى في الموصل وكانت، في المرحلة التي ندرس، بقيادة ابي تغلب، والثانية في حلب بقيادة ابي المعالي ابن سيف الدولة. وعندما قدم جوهر الى مصر كاتبه جماعة منهم يبذلون له الطاعة، ويضعون قوتهم في خدمته، فارسل يستشير سيده. ولكن المعز لدين الله كان له موقف صارم من الحمدانيين،  فكان يعتبرهم وصوليين، وممارسي التقية السياسية تحقيقا لمآربهم، فكتب الى جوهر ينير سبيله قائلا:” احذر ان تبتدئ احدا من بني حمدان بمكاتبة –ترهيبا له ولا ترغيبا- ومن كتب اليك منهم فاجبه بالحسن الجميل، ولا تستدعه اليك، ومن ورد اليك منهم فاحسن اليه، ولا تمكّن احدا منهم من قيادة جيش ولا ملك طَرَف، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة اشياء عليها مدار العالم، وليس لهم فيها نصيب: يتظاهرون بالدين وليس لهم فيه نصيب، ويتظاهرون بالكرم وليس لواحد منهم كرم في الله؛ ويتظاهرون بالشجاعة، وشجاعتهم للدنيا وليست للآخرة؛ فاحذر كل الحذر من الاستنامة الى احد منهم.”[56] محددا بهذا الموقف سياسته تجاههم، ومحذرا جوهر من التعاطي معهم، او دعوتهم لاقامة الخطبة للفاطميين.

   انما العلاقة التنافرية بين جوهر والقائد جعفر بن فلاح جعلت الاخير يخالف وصية المعز – وقد يكون لم يطلع عليها – بان حاول اخضاع ابي تغلب بن حمدان بالقوة او ان يرهبه، اذ بعد احتلاله الرملة ثم طبرية ارسل اليه رسولا ليقول له:” اني سائر اليك فنقيم الدعوة.” فرد ابو تغلب وكان في الموصل:” هذا ما لايتم لأنا في دهليز بغداد، والعساكر قريبة منا، ولكن اذا قربت عساكركم من هذه الديار امكن ما ذكرتم.”[57]  واضح ان في الجواب هزءا واحتقارا من استكبار جعفر، وحضّا للقدوم الى الموصل ليدخل بصراع مع البويهيين اصحاب السلطة العسكرية الفعلية في العراق، وكان على يقين ان جعفر لم يقدم على هكذا مشروع من دون موافقة المعز لدين الله.

    وكان ابو تغلب شارك بفعالية بمقتل جعفر بن فلاح وبسقوط دمشق بيد القرامطة بان امدّهم بالمال والسلاح والرجال بطلب من عز الدولة بختيار البويهي[58]. ولما تدخل ابو نغلب بسياسة البويهيين الداخلية هاجمه عضد الدولة وطرده من امارته ولم يسمح له بالعودة اليها، مما اضطره للالتجاء الى دمشق الفاطمية التي كان يتولاها قسّام الحارثي[59]، الذي كان يخشى من ان يستميل ابو تغلب الخليفة العزيز ليوليه على دمشق بدلا منه، لذلك اثار الخليفة على هذا الخصم المرتقب.[60]

   وبفشل مشروعه مع قسّام حاول مجددا مع القائد الفاطمي الفضل بن صالح المنتدب من قبل العزيز للاتفاق مع بني الجراح في الرملة وقسّام الحارثي للتخلص من مناورات ابي تغلب. ووقع الحمداني في الفخ الذي نصبه له الفضل بن صالح مع بني الجراح وبني عقُيْل، فاشترك في القتال لاخراج بني الجراح من المعادلة السياسية في فلسطين، وانتهى الامر بانقلاب الفضل عليه خلال المعركة، ثم اسره واعدامه.[61]

ب – في حلب: شهدت حلب الحمدانية عصرها الذهبي في ظل سيف الدولة، وبوفاته عام 356/966 خلفه ابنه سعد الدولة ولم يكن على قدر من الحنكة السياسية والمقدرة العسكرية، والدربة الادارية. فاستغل مولاه قرعويه نقاط ضعفه هذه وتمرد عليه وسلبه الحكم[62] قبل دخول الفاطميين الى مصر بعام واحد اي سنة 358/968.

 ولم تسلك حلب سياسة واضحة المعالم تجاه القوى السياسية الاساسية المتصارعة: فحينا كان حاكمها يوالي الخلافة العباسية وحينا آخر الخلافة الفاطمية، ومرة ثالثة الامبراطورية البيزنطية، تبعا لتقلب الاحوال ومقتضيات الظروف جريا وراء مصالحه الشخصية. وفي عام 360/970 اصطلح الحال بين سعد الدولة وقرعويه بمباركة فاطمية من دون ان يتمكن سعد من استرجاع امارته ربما لأنه لم يكن يملك القوات الكافية، ولأن الفاطميين ما كانوا يريدون الدخول في سياسة المحاور الداخلية بين الاثنين لعدم ثقتهم بهما، ولجعل حلب خط دفاع اولي ضد البيزنطيين، واكتفوا بخضوعها الاسمي لخلافتهم[63]. ولم يبذل العباسيون  جهدا ايضا لمساعدته للعودة الى امارته[64] ربما لأنهم لم يتوسموا فيه القيادي البارز.

   ولم يطل الامر بقرعويه حتى انتزع منه الحكم مولاه بكجور بمباركة سعد الدولة[65]، ثم دخل بصراع مع سعد الدولة الذي تمكن من العودة الى حلب واعطى بكجور ولاية حمص[66]. ويبدو جليا ان الفاطميين بعد ان شبه استقر لهم الوضع في الشام الجنوبي عموما، وجّهوا انظارهم لاستكمال اخضاع بقية بلاد الشام وتحديدا شماله رغم المخاطر، التي كان يمكن ان تتأتى عن مجاورة البيزنطيين المباشرة. ويبدو ايضا ان جعفر بن فلاح اخاف الحمدانيين في كامل بلاد الشام عندما طلب منهم بتهديد مبطن اقامة الخطبة الفاطمية.

   وعجز سعد الدولة عن اقامة توازن بين القوى الثلاث الاساسية المحيطة به، او الاخلاص لاحداها ليأمن بمساعدتها خطر القوتين الاخريين، وحاول اعتماد الولاء المزدوج للفاطميين وللعباسيين الممثلين بالبويهيين اصحاب السلطة الفعلية[67].

   وتمكّن بكجور بحسن ادارته وحزمه من تطوير حمص على المستويين الاداري والاقتصادي التجاري بتأمين الطرقات اليها من اللصوص وقطاع الطرق[68]، اذ ضرب القبائل العربية التي كانت تعيث فسادا ليس فيها فحسب بل في محيط دمشق، فارتفع شأنه عند الخليفة الفاطمي العزيز بالله.

    وضاع دغفل بن الجراح الطائي رغم قوة قومه في هذا الخضم من الصراع المتنوع الاتجاهات والولاءات، حتى اضطر بعد ان هزمه رشيق الحمداني الى اللجوء الى انطاكيا ملتمسا النجدة من الامبراطور البيزنطي باسيل الثاني، وبعد حصوله على الصلة عاد الى الشام والتمس الصفح من الخليفة العزيز[69]. وكان بكجور يجتهد للتقرب من الفاطميين فدعا للعزيز وهو في حمص، ثم طلب منه جيشا لاحتلال حلب وضمها للفاطميين مما ادخل الفاطميين، للمرة الاولى، بصراع مكشوف مع الحمدانيين[70]. واثناء حصار بكجور للمدينة خرج الامبراطور البيزنطي نقفور فوكاس على رأس جيش كبير يرافقه دغفل بن الجراح في غزوة على بلاد الشام. وكما ان حملة ابن الشمشقيق  Iohannès Tzimiskès(969-979) اعادت خلط الاوراق السياسية والعسكرية في بلاد الشام ايام المعز لدين الله، فان حملة نقفور فوكاس Niképhoros Phokas (963-969)  عام 373/983 اعادت الكرة: فتراجع بكجور عن حصار حلب بعد ان حذّره ابن الجراح[71]، واتفق مع سعد الدولة على اربعين ألف دينار جزية سنتين، ثم اكمل طريقه الى حمص وسباها واحرق قسما منها بعد ان نهبها ليحقق هدفين معا: الحصول على غنائمها، واضعافا لبكجور عدو حليفه سعد الدولة ،[72] ثم اكمل طريقه باتجاه طرابلس.

    واذا كانت هذه الحملة البيزنطية حققت المصالح البيزنطية الاساسية اضافة الى تعزيز موقع حليفها الآخذ بالانحدار، فانها ايضا شددت قبضتها عليه بالتأكيد على معاهدتها السابقة او الهدنة المؤبدة كما يسميها الانطاكي[73] التي  كان عقدها البيزنطيون مع الحلبيين عام359/ 969، ومما جاء بابرز بنودها: يحمل الحلبيون الى الروم عن حلب وحمص واعمالهما ثلاثة قناطير ذهب عن حق الارض، وسبعة قناطير ذهب ايضا بدل خراجها، ودينار واحد سنويا عن كل رجل حالم، ويكون للروم نائبا فيها[74]. ويمكن اضافة دافع آخر لهذه الحملة البيزنطية المفاجئة وهو وقف المد الفاطمي المتنامي الذي بدأ يتدخل بامور الحمدانيين الآخذ دورهم بالضعف في حلب ليحلوا مكانهم فيها، مخافة ان يصبح البيزنطيون في مواجهة مباشرة معهم. وفعلا حققت هدفها لأن بكجور تراجع عن حصار حلب وتوجّه نحو الشام وطلب من الخليفة العزيز ولايتها، فتم له ذلك عام 373/983 على رغم معارضة الوزير الفاطمي يعقوب بن كِلِّس[75] الذي رأى في بكجور مشروع استقلال في دمشق ونزاع مستقبلي مع الخلافة الفاطمية.

    حاول بكجور الافادة ماليا قدر المستطاع من ولايته على دمشق، وجهد لابتزاز الوزير ابن كلس بان قتل احد جواسيسه المدعو ابن ابي العود اليهودي، ودارت حرب باردة بين الاثنين كانت ارجحيتها لبكجور المؤيَّد من الخليفة العزيز. واشتد ظلم بكجور على الدمشقيين في انفسهم، واموالهم. وضاق به ذرعا العزيز لكثرة ما خالف اوامره، [76]وارسل حملة للقضاء عليه بقيادة القائد منير الخادم في رجب من عام 378/988. وادرك بكجور ان العزيز لن يرض عنه فسار عن دمشق بامواله نحو الرَقّة يرافقه دغفل بن الجراح[77] بعد ان سدت كل الابواب بوجهه: ومنها انهزام الكردي المتغلّب على ميّافارقين امام الجيوش العباسية وكان كاتبه طالبا ان يجيره وان يخطب للعزيز على غراره معللا النفس بصفح العزيز، وخوفه من المؤامرات التي كان يحيكها الوزير ابن كلّس ضده، ومنها ايضا فشله في الحصول على ملجأ عند البويهيين، وخشيته من وصول نزّال والي طرابلس عونا لمنير الخادم الذي ارسله العزيز واليا على الشام. عند ذلك ترك دمشق لمنير الخادم، وطلب من سعد الدولة الحمداني اعادته الى ولاية حمص، فاجابه[78] ليأمن شره من جهة، وليستخدمه لابعاد خطر الفاطميين عن حلب من جهة ثانية، هذا على الاقل ما اعتقده سعد الدولة صوابا، والا لم يكن هناك دافع حقيقي يرغمه على اعطائه ولاية حمص. لأنه بغبائه كاد يدخل مجددا بصراع مباشر مع الفاطميين، وعن طريق بكجور بالذات، الذي فشل في الاستيلاء على حلب رغم الرشوة التي قدمها لجماعة من مماليك سعد الدولة ليساعدوه  بالانقلاب على سيدهم، ولكنه انتهى اسيرا في حلب، وتم اعدمه فورا.[79]

    ويبدو ان سياسة الفاطميين واصطناعهم القادة لم يكن دائما يوتي ثماره، فمعظم القادة الذين كانوا  يتولون دمشق كانوا يعمدون للاستقلال فيها، فيرسل الخليفة قائدا آخر لازاحة المتغلّب عليها، فلا يلبث ان يستقل بها بدوره. وحاول العزيز توحيد بلاد الشام كلها بعد ان اضعف القرامطة واستولى على معظم بلاد الشام سوى اطرافه الشمالية وبعض جنوبه، فبعث رسولا الى سعد الدولة الحمداني يدعوه لاقامة الخطبة الفاطمية، وكان الامير الحمداني على دراية بواقع الحال الفاطمي المتردي في دمشق، فاهان الرسول واطعمه الكتاب، وارسل معه تهديدا للعزيز متوعدا بالهجوم على دمشق[80]. ولكن الموت فاجأه لتنتهي بذلك مرحلة ثانية من الصراع بين الحمدانيين والفاطميين، رغم ان حالة العداء لم تنته، وظل الحمدانيون مكابرين، يستظلون الحماية البيزنطية كلما احدق بهم الخطر، الى ان انتهى امرهم عام 1002 في عهد الحاكم بامر الله الفاطمي(996-1021)

     لقد نشأت الخلافة الفاطمية على المذهب الاسماعيلي وهدف مؤسسها الى نشره في العالم الاسلامي كلّه، واعتقد ابناؤه واحفاده ان العمل على الاساس الديني بل المذهبي قد يمكنهم من تطوير خلافتهم واضعاف نظيرتها العباسية عدوتهم المذهبية بفعل انتشار الدويلات الشيعية في المشرق العربي. ولعلّ افتراض الخلفاء الفاطميين ووزرائهم وقادتهم في عهدهم الاول في مصر وبلاد الشام اي في عهدي المعز والعزيز ان الولاء المذهبي قد يوحّد بين الدويلات الشيعية المتعددة في بلاد الشام والبويهيين في العراق تحت المظلة الفاطمية، فتسود خلافتهم على كامل الرقعة الجغرافية المشرقية. ولكن سوء تقديرهم للاطماع الشخصية المغلّفة بغطاء مذهبي، وقلة دربة قادتهم وسوء سلوكهم تجاه الحمدانيين والدمشقيين، وعدم أخذهم بالاعتبار مصالح القرامطة، بل حسن قراءة العلاقات القرمطية الفاطمية منذ اعلان سعيد بن الحسين نفسه مهديا مما كان يتنافى والعقيدة القرمطية، وتاليا قلّة التبحّر بحالات العداء والوئام بين الفريقين، وعدم تنسيق الفاطميين سياسيا مع القرامطة واشراكهم في الحكم، كان له كبير الاثر في فشل المشروع الفاطمي المذهبي. ويجب الا يغيب عن بالنا دور البويهيين المناهض للتوسع الفاطمي الذي كان سيضعف من قدراتهم السياسية وتطلعهم الاستقلالي، مما جعلهم يغذّون كل الحركات الاستقلالية في بلاد الشام ماليا واحيانا عسكريا، بل كانوا هم وراء معظم تحركات القرامطة المعادية للفاطميين، وضغطوا سياسيا وعسكريا على الحمدانيين للغاية عينها.

    واذا كان من خلاصة نسترشد بها من خلال كل ذلك المسرح السياسي العسكري والديني والمذهبي، نقول ان التلطي وراء الاقنعة الدينية والمذهبية لم يكن سوى بداية مرحلة استقلالية، لا تلبث ان تتحوّل مشروعا عسكريا يهدف للقضاء على كل القوى التي تعترضه حتى وان كانت من مذهبه، وبالتالي فان عملية الدفاع عن النفس اعتبرها اصحابها عملا مشروعا يقتضي انجاحها بكل الوسائل من دون التطلع الى المصالح العليا التي طالما حلم بها فرقاء ما، وبالتالي فان الولاء المذهبي خرّ صريعا امام الولاء والسياسي والطموح الشخصي.


[1] – ابن الاثير، عز الدين ابو الحسن علي، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1965، ج7، ص32، 64،

– المسعودي، علي بن الحسن، التنبيه والاشراف، مكتبة خياط، بيروت، 1965، ص361

– شعبان، محمد عبد الحي محمد، الدولة العباسية –  الفطميون، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1981، ص98

[2] – انظر حول تفكك الخلافة العباسية الى دويلات وامارات: مؤلف مجهول، العيون والحدائق في اخبار الحقائق، تحقيق عمر السعيدي، دمشق، المعهد الفرنسي للدراسات الاسلامية، 1973، ص 298-299

  • ابن الاثير، ج8، ص322-324
  • ضومط، انطوان وآخرون، الشرق العربي  في القرون الوسطى، الدار اللبنانية للنشر الجامعي، بيروت، 1966، ص112-114

[3] – العبادي، احمد مختار، في التاريخ العباسي والفاطمي، دار النهضة العربية، بيروت، 1971، ص226-2229

[4] – القاضي النعمان، محمد بن حيّون، المجالس والمسايرات، تحقيق ابراهيم شبّوخ وآخرين، الجامعة التونسية، تونس، 1978، ص55، 73، 114، 214، وغيرها، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص 422 وما بعد، ابن عذاري، ابو عبد الله محمد المراكشي، البيان المغرب في اخبار الاندلس والمغرب، تحقيق كولان وليفي بروفنسال، ليدن، 1948، ج1، ص216-220

المقريزي، تقي الدين احمد بن علي، اتعاظ الحنفا باخبار الائمة الفاطميين الخلفا، تحقيق جمال الدين الشيال، ط2، القاهرة، 1996، ج1، ص78-79

[5] – المقريز، تقي الدين احمد بن علي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، طبعة دار صادر، بيروت، بدون تاريخ، ج1، 8

[6] – دفتري، فرهاد، مختصر تاريخ الاسماعيلية، نقله الى العربية سيف الدين القصير، دار المدى، دمشق، 2001، ص140

[7] –  المقريزي ، اتعاظ الحنفا ، ج1، 113

– ابن تغري بردي، جمال الدين ابو المحاسن، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، طبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1929، ج4، ص 29، 41

[8] – البيروني، احمد بن محمد، الآثار الباقية عن القرون الخالية، ليبزك، 1913، ص132

[9] – فوزي، فاروق عمر،الخلافة العباسية، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، 1998، ص92-93

– شعبان ، المرجع السابق، ص195-196

[10] – شعبان، الدولة العباسية، ص196-197

[11] – البيروني، ابو الريحان محمد بن احمد، كتاب الجماهر في معرفة الجواهر، عالم الكتب، بيروت، دون تاريخ، ص 22-23

[12] – ابن الاثير، الكامل، ج8، ص452

[13]  – مسكويه، تجارب الامم، طبعة امدروز، ج2، ص86

[14] – المرجع السابق، ص 196

[15] – مسكويه، ج2، ص 113، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص351

[16] – شعبان، ص200-201

[17] – المرجع السابق، ص 201

[18] – مادلونغ، ورفيلد، ” الفاطميون وقرامطة البحرين” ضمن كتاب الاسماعيليون في العصر الوسيط، جمعه فرهاد دفتري، ترجمة سيف الدين القصير، دار المدى، دمشق، 1999، ص 37، وسنشير اليه ب: الاسماعيليون

[19] – المرجع السابق، ص 37

[20] – لعل من ابرزها دراسة دي غويه، وبرنارد لويس، وحسن شرف، وحسن ابراهيم حسن…

[21] – مسكويه، تجارب، ج2، 215 ، شرف،( حسن)، و ابراهيم، (حسن)، المعز لدين الله، القاهرة، 1948، ص100، الاسماعيليون، ص49

[22] – ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والامم، حيدر آباد، 1938، ج6، ص195

[23] – مادلونغ، الاسماعيليون، ص67

[24] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص189

[25] – مادلونغ، الاسماعيليون، ص49

[26] –  ابن القلانسي، حمزة بن اسد التميمي، ذيل تاريخ دمشق، تحقيق سهيل زكار، دار حسان، دمشق، 1983، ص1 المقريزي، ابن الاثير، تاريخ، ج8، ص615 اتعاظ، ج1، ص187

[27] – مادلونع، الاسماعيليون، ص 67 ، انظر نص الكتاب كاملا في المقريزي، اتعاظ، ج1، ص189-201

[28] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص195

[29] –  الازدي، ابن ظافر، الدول المنقطعة، او اخبار الزمان في تاريخ بني العباس، مخطوط مصوّر بدار الكتب المصرية، رقم 890 تاريخ، نقلا عن امينة بيطار، مواقف امراء العرب، ص54

[30] – الانطاكي، يحي بن سعيد، تاريخ الانطاكي، تحقيق عمر تدمري، جروس برس، طرابلس لبنان، 1990، ص 128، المقريزي اتعاظ، ج1، 186-187

[31] – الانطاكي، ص 130

المقريزي، اتعاظ، ج1، ص 103-106

[32] –  ابن القلانسي، ص1

[33] – الانطاكي، ص143، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص591

[34] – ابن الاثير،  الكامل، ج8، ص 591، اتاعظ، ج1، ص186، ابن تغري بردي، نجوم، ج4، ص33

[35] – ابن الاثير، ج8، ص591-592

[36] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص188، ابن تغري بردي،، نجوم، ج4، ص74

[37] – الانطاكي، تاريخ، ص146-147، ابن القلانسي، ذيل، ص1-3، ابن الاثير، الكامل، ج8، 615-616 المقريزي

[38] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص189

[39] – ابن القلانسي، ذيل، ص3- 4

[40] – انظر الكتاب في اتعاظ الحنفا، ج1، ص189-201

[41] – المقريزي، اتعاظ، ص197

[42] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص202

[43] – ابن القلانسي، ذيل، ص3-5-9، ابن الاثير، الكامل، ج8، 638، المقريزي، اتعاظ، ج1، 202-206، ابن تغري بردي، ج4، ص74-75

[44] – ابن القلانسي، ذيل، ص16

[45] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص211

[46] – ابن القلانسي، ذيل، ص10-18، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص640- 641،  واتعاظ، ج1، ص211-214

[47] – ابن القلانسي، ذيل، ص18

[48] – ابن القلانسي، ص20، الكامل، ج8، ص643، اتعاظ، ج1، ص214

[49] – ابن القلانسي، ص21،  المقريزي، اتعاظ، ج1، ص219 ، والطرخان هو الجندي البطال لأكثر من سبب اما لتقدمه بالعمر، او لعزله لسبب سياسي…

[50] – الانطاكي، ص161، مسكويه، تجارب الامم، ج2، ص384 ، ابن القلانسي، ص 21 ، ابو الفدا، المختصر باخبار البشر، ج2، ص 121، المقريزي، اتعاظ، ج1، ص219-220

[51] – ابن القلانسي، ذيل، ص22

[52] – الانطاكي، ص162 ابن القلانسي، ذيل، ص22، 25،  المقريزي، اتعاظ، ج1، ص220-221

[53] –  الانطاكي، ص180 ابن القلانسي، ذيل، ص 28، المقريزي، اتعاظ، ج1، ص238

[54] – ابن القلانسي، ص29

[55] – الانطاكي، ص181، ابن القلانسي، ص 33-34، اتعاظ، ج1، 242-244

[56] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص98

[57] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص187

[58] – ابن القلانسي، ذيل، ص1، الدواداري، الدرة المضيئة في اخبار الدولة الفاطمية، ج6، تحقيق صلاح الدين المنجد، القاهرة، 1961، ص 134

[59] – مسكويه، تجارب، ج2، ص401

[60] – ابن القلانسي، ذيل، ص38-39، الدواداري، ج6، ص192

[61] – مسكويه، تجارب، ج2، ص402، ابن القلانسي، ذيل، ص41-42، الدواداري، ج6، ص 193

[62] – ابن القلانسي، ذيل، ص48-49

[63] – ابن تغري بردي، نجوم، ج4، ص58

[64] – CANARD, M, Histoire de la Dynastie de Jazira et de Syrie, Paris, 1951, p. 667

[65] – الانطاكي، ص 186، ابن القلانسي، ص48

[66] – الانطاكي، ص187، ابن العديم، زبدة الحلب في تاريخ حلب، تحقيق سامي الدهان، المعهد الفرنسي، دمشق، 1954، ج1، ص172

[67] – الانطاكي، ص 187

[68] – ابن القلانسي، ص49

[69] – الانطاكي، ص199-200، الكامل، ج9، ص7، اتعاظ، ج1، ص256

[70]  – الانطاكي، ص200، ابن القلانسي، ص50

[71] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص258

[72] – الانطاكي، ص200-201، ابن القلانسي، ص50-51

[73] – الانطاكي، ص205

[74] – الانطاكي، ص135، ابن العديم، زبدة، ج1، ص161-168، الكامل، ج8، ص603-604

[75] – الانطاكي، ص201، ابن القلانسي، ص51، اتعاظ،ج1، ص259

[76] – ابن القلانسي، ص52، الكامل، ج9، ص18، اتعاظ، ج1، ص259

[77] – الانطاكي، ص220، ابن القلانسي، ص55، اتعاظ، ج1، ص259 – 260

[78] – الانطاكي، ص220، ابن القلانسي، ص55،

[79] – ابن القلانسي، ص61-63، ابن الاثير، الكامل، ج9، ص86-88، اتعاظ، ج1، ص269

[80] – ابن القلانسي، ذيل، ص65-66، اتعاظ،ج1، ص270

نظرة جديدة في اسباب الحملات المملوكية على كسروان.

نظرة جديدة في اسباب الحملات المملوكية على كسروان.

ان موضوع الحملات المملوكية على كسروان اشبع درسا، ومع هذا يستوقفني في هذه المداخلة ثلاث نقاط نقاط اساسية لا بد من ابراز دورها في هذا الشأن:

1 – اهمية اثبات المماليك جدارتهم بحكم مصر والشام عن طريق طرد كل القوى الغريبة غير المسلمة. تبيان دور معركة عين جالوت كنقطة تحول في تاريخ المشرق العربي عامة، وعند المماليك خاصة. اوبالتالي العمل على السيطرة على السواحل كونها مصدر خطر اساسي على الدولة الفتية.

2 –  استناد الجيش المملوكي على اجناد الحلقة كعنصر اساسي في بداية عهدهم، وعلاقته في ما بعد بالمماليك السلطانية، ودورها في الحملات على كسروان.

3 – فساد المماليك منذ نشأتهم والصراع المستمر في ما بين كبار الامراء.

1 – اثبات جدارة المماليك: وحد الخطر المغولي الامراء المماليك آنيا في معركة عين جلوت، من دون ان يتناسوا الاحقاد والاطماع الدفينة، لأن مصيرهم كان على المحك. وما كان مقتل السلطان قطز بطل عين جالوت على يد بيبرس الذي تبوأ العرش مكانه، الا دليلا على الوفاء الغادر.

اراد بيبرس اثبات جدارته، وتأمين حدود الدولة بازالة ما يمكنه من الخطرين المغولي والصليبي. فجهد يسترد المدن الساحلية في بلاد الشام من الصليبيين من دون ان يتمكن منها كلها. ونجح قلاوون ومن بعده ابنه الاشرف خليل بالاستيلاء على مدن السواحل كلها واجلاء الصليبين نهائيا عن المشرق عام 1291م، وبقيت مناطق داخلية حليفة للاعداء عصية على الدولة كان لابد من اخضاعها. وهنا تداخلت اسباب كثيرة في ما بينها حتمت على المماليك اخضاع الكسروانيين، لن اكررها بل سأربطها بالنقطة الثانية اي بدور اجناد الحلقة في حماية الدولة.

من الواضح ان الشعور الديني والمذهبي بلغ مستويات عالية جدا منذ دخول الصليبيين الى الشرق، وازداد حدة بهجوم المغول على البلاد الاسلامية بما في ذلك القضاء على الدولة الخوارزمية، ودولة سلاجقة الروم، ومن ثم القضاء على الخلافة العباسية في بغداد 1258م. فبات المسلمون في ضياع ديني ان صح التعبير. وزاد في الامر سوءا استغلال هولاكو الصراع السني الشيعي الذي ظل محتدما في تلك الاوقات الحرجة بل المصيرية، فاتخذ احتياطات امنت سلامة قبر الامام علي بالنجف من التدمير. وتشير بعض المصادر الى مساعدة الشيعة للمغول. ما اجج الصراع المذهبي الاسلامي الاسلامي.

اجتهد المماليك للاقتصاص من كل من ساعد اعداء الاسلام او يعتقدون انه سيساعدهم. وباعتقادي انهم كانوا يحاولون حفظ انفسهم من السقوط اكثر من التزامهم الديني. بات المماليك بنظر معظم  المسلمين حماة الاسلام، وما كان ممكنا لهم العمل ضد بعض رجال الدين السنة ممن كانوا يرغبون بتحويل كل السكان على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم الى الدين الحنيف. ولكن هل كانت هذه الدوافع وحدها هي التي حدت بالمماليك للتصرف بوحيشية قاتلة ضد الكسروانيين ؟!!والسؤال الذي يطرح نفسه الى اي حد كانت قوة الكسروانيين فاعلة او قادرة على لخروج على السلطة المملوكية، وهل كانوا على درجة عالية من الغباء للوقوف بوجه السلطة التي تمكنت من المغول، واستولت على الكثير من المدن والابراج الصليبية ؟!

يستوقفني امر في غاية الاهمية: لماذا اصر ابن تيمية على الكسروانيين التحول الى السنة، ولم يعرض عليهم االخضوع للسلطة الجديدة والانخراط في الحلقة، ويفيدوا من المميزات الاقطاعية على ان يظلوا على مذهبهم؟!

هذا اضافة الى سؤال آخر قد يكون اكثر اهمية: لماذا لم تعط المناطق الكسروانية بعد اخضاعها، بالوحشية التي صوّرتها المصادر، والتي افقدت الكسروانيين كل مقدرة قتالية، امكانية للعيش البسيط عموما، لماذا  تعط للتنوخيين حلفاء المماليك، وهم اجناد في الحلقة المملوكية التابعة الى نيابة دمشق؟! على الرغم من ان هناك من يزعم ان عدد اجناد الحلقة من التنوخيين لم يجاوز الخمسة وستين جنديا، وهذا صحيح لأن المماليك لم يرغبوا بزيادة هذا العدد كونه كان كافيا للمهمة التي اوكل بها التنوخيون، ما يدفعني للكلام على النقطة الثانية: اي علاقة اجناد الحلقة بالجيش المملوكي، وبالسلطان والامراء. 

ضمّت الحلقة في العهد المملوكي ثلاثة انواع رئيسة: الاجناد الاساسيين ممن حق لهم قانونا بالاقطاعات، وكانوا يشكلون في بداية العهد المملوكي عماد الجيش، بل كانوا جند السلطان المختارين. ثم قدمت الوافدية وضمّت الى الحلقة ونالوا اقطاعات فيها.ثم نافسهم المماليك السلطانية على بعض اقطاعاتهم، على الى جانب جوامكهم (رواتب) ما اثار اجناد الحلقة الاساسيين على الوافدية والمماليك السلطانية.

اما الفريق الثاني من اجناد الحلقة فتشكل عموما من العربان على اطراف الصحراء، والقبائل في ارجاء الدولة، ولا سيما في الثغور،  وكان منهم التنوخيون، الذين اعطوا اقطاعات وارزاق مقابل خدمات يؤدونها، كتأمين طرق البريد، والدفاع عن مناطقهم تجاه الغزاة، والخلود الى السكينة، من دون ان يتمتعوا بمناصب ادارية التي استمرت حكرا على المماليك والمتعممين. وحرص المماليك على الا يرتقي هؤلاء سلم الامرة الا بدرجات متدنية، وقلما حصل احدهم على امرة اربعين او طبلخاناه.

اما الفريق الثالث (لا يعنينا في هذه الدراسة ) فتشكل من المتعممين وبعض المدنيين ممن اشتروا حقوق بعض اجناد الخلقة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هل تصرف الكسروانيون بعد معركة وادي الخازندار بداعي العداء المطلق للمماليك ام بقصد الربح المادي؟ وهي عادة كانت متبعة في كل ارجاء المشرق العربي، بل في كل العالم وهي الافادة المادية من الجيوش المنهزمة. بخاصة ان المماليك ما كانوا بعد قد بسطوا سيطرتهم على كسروان؟! وبالتالي لا يعتبر سكانه من رعاياهم.

ويتجلّى الصراع بالاضافة الى ما ذكرت سابقا عن اوضاع المماليك منذ تأسيس دولتهم، بما ارساه السلطان بيبرس اذ استقدام اعداد كبيرة من الارقاء القبجاق وجعلهم من مماليكه الخاصكية، وصار يعتمد عليهم في معظم مهامه خوفا من غدر البحرية، وبالتالي صار الجيش موزع الولاء بين المماليك السلطانية الجدد، والبحرية، واجناد الحلقة بمن فيهم الوافدية.

ولما اغتصب قلاوون العرش من سلامش ابن بيبرس سنة 1279 ناصبه المماليك الظاهرية (نسبة الى الظاهر بيبرس) العداء. فاسس سنة 1281 فرقة المماليك الجراكسة واسكنها ابراج القلعة فعرفت بالبرجية، وجعلها مميزة عن بقية الجيش، فاخلصت له. وسار ابنه الاشرف خليل على خطاه حتى بلغت اعداد البرجية في نهاية عهده 5700 مملوك. وصار الجيش قسمان الاتراك بزعامة بيدرا، والبرجية الجراكسة بزعامة السلطان.وبانت علامات الغدر في اكثر من مناسبة، وصار الاشرف خليل هدفا للاتراك، حتى تمكن بيدرا من قتله غدرا سنة 1293.

صارت البرجية بدون هدف، وثائرة على كل الامراء وتقتل كل من يعترض طريقها، ما حتم اعطاء العرش الى الناصر محمد بن قلاوون وهو بعد طفل، ولم تهدأ البرجية الا بعد ان قتلت بيدرا زعيم المماليك الاتراك. ومع ذلك استمر الانقسام بين البرجية والاتراك واستغله امراء المائة النافذؤن، وتوالى على العرش في هذه الفترة العصيبة والوجيزة 1293 – 1308 خمسة سلاطين.

اذا الصراع على العرش شكل الهدف الاكبر انذاك، وفي الوقت عينه شكل تنافس الامراء على الاقطاعات والمراكز الاسياسية في الادارة سببا وجيها في ولائهم للسلطان او لمنافسه. ما يعني ان الولاء خلا من اي بعد انساني.

اذا استعرضنا قادة حملة 1292 نجد من ابرزها الامير بيدرا قاتل الاشرف خليل، والامير سنقر الاشقر الذي لا تخلو مؤامرة من اشتراكه بها، وقل الامر عينه عن الامير بدر الدين بكتوت. ويضيف ابن كثير قائلا: وخرج الشيخ ابن تيمية ومعه كثير من المتطوعة والحوارنة، وهم في حقيقة الامر اجناد في حلقة دمشق. اما في حملة 1300 حسب رواية المقريزي فقد شارك فيها نواب البلاد الشامية باجنادهم وهم من اجناد الحلقة.

يمكن اضافة الى اسباب حملات 1292 و1300، 1305  التي تناولها معظم مؤرخي المماليك والمؤرخين المحدثين، سببين اضافيين: ابعاد بعض الامراء ممن كانوا يشكلون خطرا على السلاطين اما بسبب زعامتهم على فريق من المماليك، لأنهم قد يقتلون في المعارك، وتخلو الساحة على الاقل بغيابهم من المؤامرات. السبب الثاني التخفيف قدر المستطاع من اجناد الحلقة الذين باتوا يشكلون عامل عدم ارتياح في القاهرة على الاقل، بخاصة بعد ان منح السلاطين مماليكهم اقطاعات على حساب الحلقة لا سيما في الروك الحسامي 1298. هذا فضلا عن ان كثرة تغيير السلاطين وانتساب مماليك سلطانية الى كل منهم، سبب ازعاجا كبيرا للسلاطين الجدد. بحيث كان يتوجب على كل سلطان جديد الاعتماد على قسم من مماليك السلطان السابق ممن يطلق عليهم قراصنة، ريثما يكبر مماليكه.

بالعودة الى تاريخ صالح بن يحي نلاحظ: ان التدمير الذي لحق بالكسروانيين وبممتلكاتهم كان رهيبا، ومع ذلك تم استخدام بعضهم في حلقة طرابلس أكان بوظائف مدنية ولا ندري ماذا يقصد بالمدنية لأن الوظائف المدنية كانت من حق المتعممين وحدهم. فهل هذا يعني ان من لجأ الى طرابلس بدل مذهبه؟!! واعطي قسم منهم اقطاعات في حلقة طرابلس، وهل هذا يعني انهم خضعوا للسلطة المملوكية وبدلوا مذاهبهم.

على هذا، ألم يكن اجدر بالمماليك اغراء الكسروانيين بوظائف في حلقة طرابلس اي حماية الخط الساحلي الممتد من المعاملتين حتى مغارة الاسد الذي اعطي سنة 1305 الى الامير علاء الدين بن معتب البعلبكي وابن صبح، ثم استرد منهما واعطي للعسافيين التركمان.

مداخلة الدكتور انطوان ضومط في المركز الثقافي الفرنسي في نيسان 2014

ملامح من الاقطاع العسكري في العصور الوسطى

نشر في مجلة المسرة في العددين 719-720 تشرين الثاني- كانون الاول 1985

1-الاقطاع في الاسلام

 الاقطاع ظاهرة حضارية تنظم العلائق الاقتصادية الزراعية بين فئات المجتمع باشراف الدولة ورعايتها. لم يغفل الاسلام هذه الظاهرة بل عززها ونظمها وفق اصوله التشريعية. ويعتبر الرسول اول المشترعين في هذا المجال حدته على ذلك عدة امور: التآلف على الدين والعون الاجتماعي والاستثمار المادي المتمثل باستصلاح الاراضي الموات. ويمكن ادراج جميع هذه العوامل في اطار الجهاد الذي لم ينحصر معناه في القتال في سبيل الدين فقط بل ايضا من اجل خير المسلمين جميعهم على مختلف الصعد، الدينية والاجتماعية والاقتصادية الخ… وان كان نصيب المجاهدين (المقاتلين) اوفر من غيرهم.

وقد حدد الرسول سياسته الاقطاعية بالنسبة الى الاراضي المزروعة[1]والاراضي المستصلحة[2]، والمراعي[3]التي اعتبرها من المنافع العامة، ومعادن الارض. وبذلك يكون قد حدد الاطر العامة للسياسة الاقتصادية الاسلامية، التي اكملها من بعده الخلفاء الراشدون، انما بنسب متفاوتة في التوسع في الاقطاع، وفي شروط استصلاح الاراضي، وتحديد قيمة الخراج والجزية. وما تجدر مىحظته عدم اجازة الشرع الاسلامي اقطاع الضرائب. ويمكن ايجاز مفهوم الاقطاع في الاسلام بما اورده الماوردي: “الاقطاع ضربان اقطاع استغلال واقطاع تمليك، والثاني ينقسم الى موات وعامر. والثاني هو ضربان احدهما ما يتعين مالكه ولا نظر للسلطان فيه الا بتلك الاراضي في حق بيت المال اذا كانت في دار الاسلام. فان كانت في دار الحرب حيث لم يثبت للمسلمين عليها يد فاراد الامام ان يقطعها ليملكها المقطع عند الظفر بها فانه يجوز.”[4]وكذلك بما حدده القلقشندي في شروط الاقطاع:” يمكن اقطاع ارض موات لم يثبت صاحبها، وان كانت الارض جاهلية جاز اقطاعها وتمليكها، وان كانت اسلامية وبارت لا تملك عرف صاحبها ام لم يعرف. اما الارض العامرة فلا يمكن تمليكها سواء كانت لذمي او مسلم في حال عرف مالكها. وان لم يعرف تصبح ملكا لبيت مال المسلمين ووقفا مؤبدا ويحق للخليفة او السلطان اقطاعها لاي كان. اما اقطاع الاستغلال فهو جزية او اجر فالجزية لا يجوز اقطاع الارض لاكثر من سنة فصاحبها قد يسلم فتسقط الجزية عنه. وان كان اجرا جاز اقطاع الارض لسنين عديدة”.[5]

من المفيد التوضيح ان ملكية الاراضي واقطاعها في الدولة الاسلامية خضع بالوجه العموم للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتأثرة اصلا بالتحولات السياسية، لأن الانتاج الزراعي شكل الدعامة الاقتصادية الرئيسة للافراد وخصوصا لبيت مال المسلمين بعد ان استقرت الدولة وتوقفت الفتوحات ونضب معين المغانم.

على الرغم من التقلبات في السياسة الاقتصادية التي شهدتها الدولة العربية الاسلامية حتى منتصف القرن 3/9 فقد ظلت اصول الاقطاع فيها، على الرغم من بعض التجاوزات، مراعية اسس الاقطاع وفق الشريعة[6].

2-الخلفية الساسية والاقتصادية لنشوء الاقطاع العسكري.

أ – الخلفية السياسية: كان للصراع على السلطة (الخلافة) بين العرب كبير الاثر في تفكك الوحدة الساسية والدينية للدولة العربية الاسلامية، ناهيك عن الصراع الاثني الثنائي حينا، والثلاثي حينا آخر بين العرب والفرس والاتراك والبربر وغيرهم. فتعددت الفرق والمذاهب الاسلامية، وتفسخت الدولة ونشأ على اطرافها وفي قلبها دويلات عرقية[7]، واخرى مذهبية كدولة القرامطة والحمدانية والبويهية واخرى في بلاد فارس. قوضت هذه الدويلات سلطة الخليفة واضعفت السلطة المركزية لا سيما في فترة النفوذ التركي او عصره 232-334/847-945 وخير دليل على ذلك قول ابن طباطبا:”واستولى الاتراك منذ مقتل المتوكل عل الخلافة، فكان الخليفة في ايديهم كالاسير ان شاءوا ابقوه، وان شاءوا خلعوه، وان شاءوا قتلوه.”[8]  

ب-الخلفية الاقتصادية: انعكست الصراعات السياسية سلبا على الحياة الاقتصادية، فقل دخل بيت المال نتيجة صراعات الدويلات في ما بينها من جهة ومع السلطة المركزية من ناحية ثانية، وتقهقرت التجارة والصناعة بفعل المصادرات وجراء خراب العديد من الاراضي الزراعية بفعل سيطرت الاغنياء من الحكام على الولايات[9]. ومن الاسباب المباشرة لنشوء الاقطاع العسكري تضمين موارد الدولة الذي بدأ في عهد الخليفة المعتضد 279-2289/892-901[10]، وغدا الامر سابقة خطيرة سار على نهجها المتنفذون العسكريون[11]. واوجد الخليفة المقتدر 295-317/908-932 سابقة ثانية تجسدت باسترجاع الاقطاعات، على مختلف انواعها، من الناس، وخصص ديوانا للمرتجع[12]. ومع ذلك افلس بيت المال، فعمد الوزراء لتغطية النفقات من اموال الخاصة عن طريق المصادرات[13]، فانغمست الدولة في اضطراب مزدوج سياسي-عسكري واقتصادي.

3-البويهيون ونشوء الاقطاع العسكري 334-447/945-1055.

أ-عوامل قيام الاقطاع العسكري: في خضم الفوضى السياسية والاقتصادية في اواخر عصر النفوذ التركي، احتل العراق جماعة من الديالمة كانوا يعيشون في بلادهم حياة بداوة، ويخضعون لعدد من الامراء وشيوخ القبائل، وفي وضع حضاري متخلف يعتمد على اقطاع شيوخ القبائل.[14]

اصطدم دخول البويهيين الى العراق بمصاعب عدة[15]ادت في ما بعد الى قيام الاقطاع العسكري، وهي اولا وجود قوى عسكرية متنوعة في بغداد ونواحي العراق كان لا بد من القضاء عليها، ثانيا افتقار البويهيين الى الفرسان في جيشهم، ما دفعهم الى تجنيد بعض الاتراك ممن اخضعوهم في النواحي، وثالثا مشكلة دفع الرواتب نظرا لشح المال في خزينة الدولة.

من هنا طبق البويهيون نظامهم الاقطاعي المتخلف على العراق وقد اشتمل بالاضافة الى الاراضي الزراعية مردود الضرائب على التجارة في الولايات[16]. فاقطعوا في بداية الامر امراء الولايات الارض والضرائب، ويعتبر اقطاع الضرائب مخالفا لمقتضيات الشرع الاسلامي، واحتفظوا لانفسهم برواتب من خزينة الدولة على غرار الخليفة[17]. ولكن المشكلة المالية لم تحل نتيجة فراغ الخزينة من المال. وقد حدد مسكويه هذه المعضلة وروحية الاقطاع البويهي بقوله:”شغب الديلم على معز الدولة سنة 334/946 شغبا قبيحا…فاضطر الى خبط الناس واستخراج الاموال من غير وجوهها، واقطع قواده وخواصه واتراكه ضياع السلطان وضياع المستترين، وضياع ابن شيرزاد، وحق بيت المال في ضياع الرعية، وصار اكثر السواد مغلقا.”[18]

ويعتبر الدوري خلو الخزينة من المال لم يكن وحده وراء هذه لتدابير، انما ايضا جهل البويهيين الناجم عن ارثهم القبلي بما ألفوه في بلادهم من اقطاع[19].

على هذا النحو اعطيت الاقطاعات اما استغلالا لوارد الارض بما يتحصل عليها من ضرائب، او ضمانا لقاء مبالغ من المال. في كلا الحالين ابرمت الصفقات بموجب عقود. ولم يكن لا الضامن ولا المستغل راضيا تمام الرضى عن وضعه وانتاجه، فجهد كل فريق لاستبدال نمط اقطاعه، لا سيما ان الاقطاع البويهي لم يكن مستقرا على مبدأ يلزم الجميع، نتيجة عجز السلطة عن اعتماد نمط اقطاعي موحد.

ب- الادارة الاقطاعية: ساهم عجز السلطة السياسية (الملك البويهي) والسلطة الدينية (الخليفة) في شلل الادارة بوجه عام، والاقطاعية منها بشكل خاص. فكان المنشور الاقطاعي من حيث المبدأ يلزم المقطع دفع قسم من الخراج لبيت المال، انما لم تعد الحسابات تمر بالدواوين، فساب الخراج. وان دفع المقطع شيئا يكون على الجزء الذي صح من اقطاعه، وليس على كامل مساحة الاقطاع[20]. وكان المقطع مسؤولا ايضا عن صيانة اعمال الري وتحسينها، غير ان نظار الدواوين لم يجرؤوا على سؤال المقطعين عن صيانة منشآت الري وتحسينها التي اهملت فتهدمت، ولا عن الرسوم الاضافية التي يجبونها من الفلاحين خلافا لمندرجات العقد الاقطاعي[21]ما شكل ربحا اضافيا لهم، لا بل تعويضا لهم عن ارباحهم المفترضة نتيجة اهمالهم اقطاعاتهم، وانهاكا لطاقة الفلاحين الاقتصادية والاجتماعية والصحية. فجاء الضرر مزدوجا: خراب القرى وبيت المال، فساء وضع الجند ففسدوا.

ج- آثار الاقطاع البويهي: ازاء سوء التصرف بالاقطاعات كادت الاراضي تبور، وقل انتاجها ومردودها المالي. فعمد المقطعون الى ارجاعها الى بيت الدواوين واستبدالها باخرى كانت ما تزال عامرة، وغدا الامر سابقة انتهجها الجند فصاروا يخربون اقطاعاتهم ويعمدون الى استبدالها حينا بالرضا وحينا آخر قسرا. ومن الامثلة على ذلك ما جرى عام 334/945 اذ ثار بعض الجنود الديالمة على رئيسهم وسلبوه اقطاعه[22].

اشترط على الجنود ممن اقطعوا اراض في السواد التوجه اليها لقبض رواتبهم، غير انهم تقاعسوا غالبا وطلبوا رواتبهم في العاصمة، فعمد المسؤولين الى تدبير جديد زاد في الوضع سوءا بحيث رتبوا لهم مخصصات يومية وضيافة مجانية في الطريق[23]، فانعكس الامر سلبا على الفلاحين والزارعين معا.

انف كبار المقطعين السكن في اقطاعاتهم وادارتها بطريقة مباشرة، واسندوا هذه المهمة الى وكلائهم وغلمانهم[24]، فظلموا جيرانهم وصادروا غلالهم، فاضطر الاهلون الى طلب حماية المتنفذين، ما ادى الى ازدياد قوة مركز المقطعين الذين استشروا في ظلمهم ولم يحموا. فتخلى معظم اصحاب الملكيات الصغيرة عن املاكهم، واستمر فلاحون آخرون بالعمل فدفعوا الضرائب ولبوا رغبات المقطع وغدوا مستأجرين الارض منه وليس من الدولة[25].

ظل نظام جباية الضرائب ساريا الى ان استشرى نفوذ المقطعين الكبار، فاستحال بوجودهم جمع الضرائب، وتخلى النظار عن هذه المهمة[26].

لم يكن الحال على هذا النحو طيلة العهد البويهي، وان شكلت سمته البارزة. ففي عهد عضد الدولة البويهي (338-373/949-983) اعيد بناء المرافق الزراعية لتنشيط الانتاج، وحذفت الزيادات الرمزية على الاقطاع[27]، وغدت الرسوم صحيحة. لكن الفساد كان قد نخر جسم الدولة والادارة معا، فاعيد العمل، وفي عهد عضد الدولة نفسه، بالتجاوزات “فزاد في المساحة واحد بالعشرة بالقلم واضافه الى الاصول، وجعله رسما جاريا، واستمر الى هذه الغاية في جميع السواد-جنوب العراق-، واحدث جنايات لم تكن ورسوم ومعاملات لم تعهد، وادخل يده في جميع الارجاء، وجبى ارتفاعها وجعل لاهلها شيئا منه وكثرت الظلامة من ذلك.”[28]

د- تقويم الاقطاع البويهي: على ضوء ما ورد يمكن الخلوص الى الملحوظات التالية:

-مهد العصر العباسي الثاني للعهد البويهي ببعض التجاوزات في جباية الضرائب وسبل انفاقها، فكان ضمان الموانئ اول هذه المظاهر، وباتت في العهد البويهي قاعدة، فضمنت الضرائب كرواتب لارباب الدولة والجند.

-حصل تجاوز حد السلطة والشرع عن طريق اقطاع حقوق بيت مال المسلمين وتضمينها، وبالتالي اعتماد نمطين لدفع الرواتب: الضمان واستغلال وارد الارض (الخراج وغيره من واردات بيت المال)، علما ان الاقطاع في الاسلام، كما اسلفنا، ضربان اجر او استغلال.

-تأصل التخلف الفكري والاقتصادي في المجتمعات البويهية الاصيلة (بلاد الديلم). فلم يستطعوا الانعتاق من تخلفه، ولم يأخذ بمدنية العراق وحضارته، ولم يتفاعلوا معهما، انما فرضوا نمط تخلفهم عليهما فتقهقر الاقتصاد، وشلت الادارة، وازداد ضعف السلطة المركزية في بغداد.

-كان الهدف من العطاء في الاسلام الجهاد في سبيل الدين وخير المسلمين. اما في العهد البويهي فصار من نصيب الجنود البويهيين (ديالمة واتراكا) الذين تقاعسوا عن الجهاد لا سيما ان الاخطار كانت جمة: البيزنطيون  القرامطة، ومصر الفاطمية…

وعليه يمكن القول ان مرحلة حكم الاجانب للدولة العربية الاسلامية قد تركز وامتد قرونا طويلة، حصل خلالها زوال للاسس الرئيسة للاقطاع واصول الشريعة في تطبيقه، واستعيض عنه بما اصطلح على تسميته الاقطاع العسكري.

4-الاقطاع السلجوقي:

أ-مفهمومه: من الواضح ان النهج الاداري السيئ الذي وصم به العهد البويهي اربك الوضع الاقتصادي، لا سيما الزراعي منه، ما دفع الحكام الاجانب الجدد اي السلاجقة الى اعادة تنظيم الادارة بوجه عام، على الاخص التنظيم الاقطاعي، وقد حظوا بشخصية فذة هي الوزير نظام الملك الطوسي برعت في هذا الشأن.

اعتمد السلاجقة في جيشهم، بعد فشل القوات التركمانية، على الرقيق الابيض الذين جلبوا صغار في السن من بلاد القبجاق على وجه العموم، وعمل على تربيتهم للخدمة العسكرية والاخلاص لسادتهم[29]. وقد حدد الاصفهاني رتب اولئك المماليك وطرق تربيتهم[30].

يعتبر نظام الملك وزير السلطان ملك شاه (ملكشاه) (465-485/1072-1092) اول من اكثر من شراء المماليك البيض وتربيتهم، فقوي بهم نفوذه كثيرا[31]، ويعتقد انه اول من اقطع مماليكه الاقطاعات[32].

يعتبر عبد العزيز الدوري ان الاقطاع السلجوقي انطلق من الرؤية القبلية السلجوقية للملكية المشتركة للارض وقدطوره السلاجقة على ضوء المفاهيم الايرانية المحلية لتلائم متطلبات سلطان مطلق يستند الى قوات عسكرية غازية[33].

من حيث المبدأ يعتبر الاقطاع العسكري او الحربي بمعناه العام اقطاع لوارد الارض لسنين معدودة ومحددة في المنشور الاقطاعي. ومن المسلم به ان نظام الملك هو اول من نظم الاقطاع في العهد السلجوقي، فقد لاحظ ان الخراج لا يجبى بالمقدار المحدد نتيجة الخراب الذي اصاب البلاد[34]، فاستعاض عن دفع رواتب الجند نقدا باقطاعهم الاراضي[35]معتبرا انه الحل الامثل لعمارة البلاد، وبالتالي لزيادة دخل بيت المال.ومنعا للوقوع بالاخطاء التي شابت الاقطاع البويهي عمد نظام الملك الى تدابير احترازية ووقائية، فوزع اقطاع الجندي الواحد في اماكن بعيدة ومتباعدة[36].

ب-الاقطاع الاداري: يتمثل الاقطاع الاداري بولاية والٍ او امير على منطقة تقطع له ويكون حر التصرف بها، ويوزع بدوره الاقطاعات على اجناده[37]. وقد اقطع السلاطين السلاجقة الولايات والقلاع والحصون والمدن امراء جيشهم واهل بيتهم، وخواصهم، بعد الاطلاق عليهم لقب “اتابك”[38]. والوزير نظام الملك هو اول من تلقب به بعد ان فوض اليه السلطان ملكشاه تدبير شؤون دولته[39].

هكذا قسمت اراضي السلطنة السلجوقية الى عدد من الاتابكيات الاقطاعية[40]، ليس فقط من اجل تربية ابن السلطان ورفاهيته، انما لغايات حربية ايضا، فكان من واجبات الاتابك اقطاع جنوده اقطاعات والمجيئ بهم الى حضرة السلطان كلما دعت الحاجات الحربية الى ذلك[41]. ما جعل الاقطاع يقاس من حيث الاهمية بعدد الجند الذي يقدمه صاحبه ابان الحرب.

لم يُرد من اقطاعات الاتابك ان تورث سلاليا على الرغم مما تمتع به صاحبها من استقلال اداري شبه تام. انما مع انحطاط السلطنة السلجوقية تطور هذا النموذج الى اقطاع عسكري حربي وما عاد مقتصرا على الافادة من وارد الاقطاع فقط، انما بات وراثيا سلاليا مارس فيه المقطع صلاحيات ادارية وعسكرية واسعة مقابل الخدمة العسكرية للسلطان. وعندما قلة او ضعفت رقابة السلطة المركزية تجاوز الجند مفهوم نظام الملك للاقطاع الذي تمثل بحقوق على الناس مالية فقط، وفرضوا على الزارعين رسوما اضافية، واعمال سخرة، ما اضطر بعضهم الى طلب الحماية من الاقطاعي الاقوى، وتدريجا بدأت الملكيات الصغيرة بالزوال لصالح الحماة الجدد[42].

هكذا توزعت السلطنة السلجوقية على عدد من الاتابكيات المستقلة اداريا وسياسيا واقتصاديا ورثت النظام الاقطاعي السلجوقي وعممته في المشرق العربي، ومن ثم نهج على منواله الايوبيون. وسيجد الاقطاع العسكري كل مقوماته في عهد المماليك.

ج- تقويم الاقطاع السلجوقي: على ضوء ما تقدم يمكن تسجيل الميزات التالية:

كان الاقطاع السلجوقي ضربين اداري وعسكري تمثل الاول بحكم الاتابك لمنطقة محددة مارس فيها صلاحيات ادارية واقطاعية واسعة. ويتميز الثاني بحصول الاجناد على رواتبهم من اقطاعاتهم، وبالتالي سقطت نظرية نظام الملك التي وجدت اصلا لمنع نشوء المقاطعات المستقلة ضمن السلطنة.

بدا هذا النمط الاقطاعي تراتبيا هرميا: الجندي تابع لقائده، والقائد للسيد الاقطاعي اي الاتابك، والاخير للسلطان، وتحول لا مركزيا وحربيا. ولم يقتصر على الجنود الاغراب وحدهم انما شارك فيه بعض العرب مثل محمد بن مسلم بن سالم العقيلي[43].

بني الاقطاع السلجوقي على الجهاد العسكري واقتصر بوجه العموم على وارد الارض ضمن المفهومين الرئيسيين الاستغلال والضمان، ومن دون ان يشتمل على اقطاع الضرائب الخاصة ببيت مال المسلمين.

حصل تطور من اقطاع اداري مؤقت الى سلالي وراثي، وعم هذا النوع جميع الاتابكيات السلجوقية، وورثه عنهم الايوبيون. ما يعني استمرار الاقطاع العسكري بعد سقوط السلطنة، ومن ثم توارثته الدول اللاحقة وطوعته بما يتلاءم مع مفهومها.

5- الاقطاع المملوكي 649-9232/1250-1517

أ-مفهومه: ورث المماليك دولة اساتذتهم الايوبيين وانتهجوا خطتهم الاقطاعية وعدلوها بما يتلاءم مع توجهاتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية. وتلازم النظامان الاقطاعي والعسكري المملوكيان تلازما عضويا بل كمل واحدهم الآخر. وبالتالي انعكس العسكري على الاقطاعي مقدارا اقطاعيا، ومنزلة اجتماعية وسياسية ومنعة داخلية وخارجية.

يمكن ترجمة مفهوم النظام الاقطاعي المملوكي بكل ما يحصل من الارض من غلة ومال، اضافة الى انتاجية بعض الاقطاعات التي تجري عليها المكوس. ويحدد المقريزي كيفية توزيع الاقطاعات  المملوكية[44] على النحو التالي: قسم يعود الى الديوان السلطاني، وقسم اقطع للاجناد والامراء، وقسم وقف على الجوامع والمدارس والخوانق وجهات اكثر، وقسم عرف بالاحباس، وقسم خامس اصبح يشرى ويباع ويورث ويوهب لأنه اشتري من بيت المال، وقسم لا يزرع للعجز عن زراعته فاصبح مراعي للمواشي، وقسم قفر. ويؤكد القلقشندي هذا التقسيم ويزيد عليه قسما ضئيلا اقطع لبعض العرب والتركمان لقاء خدمات معينة[45]. واعتمد على القيراط كوحدة اقطاعية، فقسمت الاراضي على 24 قيراطا، ووزعت على السلطان والامراء والاجناد[46] وخضعت لاكثر من عملية تغيير[47].

لم تقتصر الاقطاعات على الاراضي الزراعية وحدها انما تعدتها الى المعادن والضرائب والمكوس. وكانت الضرائب نوعين: اموال خراجية واخرى هلالية. فالهلالية دفعت شهريا وكانت على عدة انواع احدثها ولاة السوء شيئا فشيئا على حد تعبير المقريزي[48].

ب-المستفيدون من الاقطاع ومقادير اقطاعاتهم: تألف المجتمع المملوكي من ثلاثة عناصر: رجال السيف، رجال القلم والمتعممين، وعامة الناس. اما الذين شملهم الاقطاع فكانوا جميع رجال السيف وبعض رجال القلم والمتعممين.[49]

في بداية الدولة بلغت حصة السلطان اربع قراريط، وباتت نتيجة الروك الحسامي عام 1298 اربع قراريط واضيف اليها تسعة قراريط الى مماليكه[50]. واجري تعديل آخر على هذه الحصص في الروك الناصري 1313-1315 فبلغت حصة السلطان وحده عشرة قراريط[51]. وزيادة عليها كان السلطان يشتري من ماله الخاص اقطاعات اضافية[52]، واستحدث بعضهم دواوين جديدة لادارة شؤون اقطاعاتهم وغلالهم واموالهم كالديوان الخاص الذي استحدثه الناصر محمد بن قلاوون سنة 1323، فاضاف اليه الاقطاعات التي توفرت من روكه المشهور[53]. والديوان المفرد الذي انشأه السلطان برقوق (1382-1388)) وقد بلغ مردوده 400ألف دينار و300ألف اردب من قمح وشعير وفول[54]، هذا عدا عن الضرائب العقارية، والجمارك، والمصانع في البلاد، والضرائب غير العادية على التجارة، وشراء السلع ومن ثم بيعها من التجار باسعار مرتفعة المعروفة ب(الطرح) ناهيك بزياراته لكبار الامراء في اقطاعاتهم ما كان يوجب عليهم تقديم الهدايا والاموال ليظل راضيا عنهم[55].

كان يلي السلطان في الرتبة العسكرية امراء المائة وقد تراوح عددهم بين 11و26 اميرا وشغلوا المناصب الادارية والعسكرية الرئيسة في الدولة. ولا شك تفاوتت هذه المناصب من حيث الاهمية[56]. وكان الاقطاع يعطى لشاغل الوظيفة من دون ان تكون له صفة شخصية، ويسقط عنه بقتله او اعتزاله او نقله او طرده. من هنا تفاوتت انصبة الامراء الاقطاعية تبعا للوظيفة التي شغلوها، ناهيك بمدى حظوتهم عند السلطان او بسطوة الامير وتمادي نفوذه.

في مطلع العهد المملوكي كانت حصة الامراء عشرة قراريط[57]، عدلها الروك الحسامي وصارت مع حصة اجنادهم واجناد الحلقة 11 قيراطا.[58]وعدلت في الروك الحسامي مرة جديدة وباتت مع جميع الاجناد غير السلطانية 14 قيراطا[59]. لكن قيمة مداخيل الامراء لم تخضع لأي عرف او قانون انما تأثرت بالعوامل السابقة اعلاه، ناهيك بنصيب الامير نتيجة الصراعات الداخلية الدموية غير المنتهية طيلة العهد المملوكي. ويقول ابن تغري بردي :”فاق انتاج الامير عز الدين الافرم ثمن الديار المصرية”[60]

اتى امراء الطبلخاناه او الاربعون في المنزلة الثالثة بعد السلطان وامراء المائة، ولم تكن لاقطاعاتهم قيمة مالية ثابتة فتراوحتت حصصهم بين 23و40 ألف دينار جيشي[61]. ومنح امير العشرة اقطاعا يتناسب ورتبته واعداد مماليكه تراوحت بين 7و9 آلاف دينار جيشي[62]. وبلغ انتاج  امير الخمسة ثلاثة آلاف دينار جيشي وما دون[63]، واعتبر على وجه العموم زعماء بعض القبائل العربية ممن انخرطوا باجناد الحلقة من هذه الفئة[64].

كان نصيب اجناد الحلقة في مطلع العهد المملوكي وافرا جدا ما اشر على اهميتهم في الشأن الحربي، اذ بلغ عشرة قراريط من اصل اربعا وعشرين، وتراوح نصيب الجندي الواحد بين قرية ونصف قرية[65]. وتراجع نصيبهم في الروك الحسامي ليصبح 11 قيراطا مع الامراء، وفي الروك الناصري 14 قيراطا مع الاجناد جميعهم، فحصل المماليك السلطانية على افضل الاقطاعات، وما فضل اعطي لاجناد الحلقة.

هكذا اقتسم السلطان والامراء والاجناد مقدرات البلاد الاقطاعية بما في ذلك انتاج الارض، ومردود الضرائب والمكوس متجاوزين الشرع الاسلامي. وفرض على المقطعين واجبات لقاء ما حظوا به من حقوق.

ج-واجبات المقطعين: تعددت واجبات الامراء واستهلت باداء يمين الولاء للسلطان[66]، وكثرا ما حنثوا بها لا سيما منذ اواسط القرن 7/14، وترتب عليها المحافظة على الامن في الداخل، والذود عن الحدود في الخارج او شن الحرب على الاعداء. واوجبت عليهم ايضا تأمين سبل النقل ووسائله والتقادم للسلطان، ودفع الخراج على المحصول. والتزم المقطعون ايضا عمارة الجسور واستصلاح الاراضي نتيجة الفيضان وغيره من العوامل الطبيعية، ومساعدة الفلاحين لا سيما حينما تجدب المواسم[67].

توجب على الامراء اعالة مماليكهم اما باعطائهم ثلثي الاقطاع او المحصول[68]انما كعادتهم لم يحترموا كل هذه الالتزامات[69]ما سيكون له الاثر السيئ على الوضع الاقتصادي في البلاد كلها.

د- الادارة الاقطاعية: تدخل السلاطين شخصيا في توزيع الاقطاعات ووزعوا المناشير الاقطاعية بايديهم على الامراء، واستحدثوا ادارات مالية جديدة لتخدم مآربهم كما اسلفنا. لم تكن للسلاطين مهابة واحدة فاثر انواع لقوى السلاطين، فتسلط الامراء على الضعفاء منهم وحاولوا ايضا الاطاحة بالقوي منهم، ما جعل الادارة الاقطاعية متحركة تخدم الاقوياء من السلاطين والامراء على حد سواء.

كان ديوان الجيش اهم او ابرز الادارت الاقطاعية، من مهامه تسلم الاوراق (المناشير) الاقطاعية، والتدقيق في مقادير الاقطاعات في كامل ارجاء الدولة، واستيفاء الخراج المتوجب عليها، وتسجيل النقص الحاصل في مدخولها[70]، ليصار الى معاقبة المقصرين من حيث المبدأ الذي لم يتماش كثيرا مع الواقع العملي. ويليه ديوان الانشاء الذي تصدر عنه المناشير الاقطاعية  والمربعات بالارزاق بناء على احالة ديوان الجيش[71].

اختص ديوان المرتجع باستعادة الاقطاعات التي يتخلى عنها اصحابها اما نتيجة وفاتهم، او ترقيتهم او لحصولهم على اقطاعات جديدة[72]. وتولى مهمة ادارة الاقطاعات المرتجعة ريثما يقطعها السلطان مجددا ديوان الذخيرة[73]. واعتنى بادارة املاك الاوقاف ديوان الاحباس التي بلغت قيمتها، في اواسط القرن 7/14 مائة وثلاثين ألف فدان، وكثيرا ما كان يصادرها السلطان لصالح الامراء استرضاء لهم[74].

في مطلع العهد المملوكي قيدت هذه الادارات جميع المقطعين بمن فيهم السلاطين، انما عندما تعرض النظام العسكري للخلل تفشى الفساد فيها، وخضعت لاصحاب النفوذ، فخفت فعاليتها.

ه- فساد النظام الاقطاعي: بني النظام الاقطاعي المملوكي ليكون مكسبا للمقطعين وبيت المال والزارعين والفلاحين. وكانت الادارات التي نظمته وادارته فعالة وصارمة من حيث المبدأ، انما اصاب الخلل تدريجا اجهزة الدولة وموظفيها بمن فيهم القيمون على المؤسسات الاقطاعية بحيث تفشى الفساد فيها واستشرى تدريجا ايضا، فتعاضدت مع المقطعين لاستنزاف الفلاحين الذين باتوا بمنزلة الاقنان يقومون بالمتوجب عليهم لقاء ما يكاد يكفي اودهم. ولم ينحصر الظلم بالاعمال الزراعية فقط بل تجاوزها الى التزامات عديدة لم يشر اليها المنشور الاقطاعي ارهقت كواهلهم، ناهيك بعوامل اخرى تجمعت وترسبت واسهمت جميعها في انهاك النظام الاقطاعي وفساده، ولعل من ابرزها:

-قلة روك الاراضي: الروك هو عملية استرجاع الاقطاعات من اصحابها ومسح الاراضي واعادة توزيعها بطريقة ترضي السلطان القائم، ما يدفع بالمقطع الجديد العناية بالارض واستصلاحها ليحصل على مردود جيد. على ان الروك الجزئي كان يتم في مطلع عهد كل سلطان جديد مكافأة للانصار واقتصاصا من الخصوم.وكثرة الانقلابات العسكرية في الدولة قصّرت عهود معظم السلاطين، وبالتالي ازدياد المناقلات الاقطاعية الجزئية او الروك الجزئي، ما ارهق الفلاح وجعله يخضع في السنة الواحدة احيانا الى اكثر من سيد اقطاعي، ويؤدي المتوجب عليه للسابق والجديد.

كان الروك على وجه العموم يريح الفلاحين من شدة المغارم، نتيجة توزيع الاقطاعات بالتساوي ولو نسبيا، ما كان يخفف الفروقات الاقتصادية. ولكن مع الاسف لم ترك الاراضي سوى مرتين الاولى في عهد لاجين 1298 والثانية في عهد الناصر محمد بن قلاوون 1313-1315.

-المقايضات الاقطاعية: اسهمت قلة روك الاراضي وكذلك الكوارث الطبيعية كانتشار الاوبئة وشح المياه او ازدياد نسبة فيضان نهر النيل في ضعف النظام الاقطاعي. ففي سنة 1348 على عهد السلطان شعبان اطاح وباء بعدد كبير من الفلاحين، ما اضطر الاجناد للخروج بغلمانهم لجمع المحاصيل. وبما ان الموسم انذاك لم يكن جيدا عدل يعض الامراء عن استغلال اقطاعاتهم وحذا الجند حذوهم، فبارت اراضي كثيرة، وقل المحصول[75].

ادت هذه الامور مجتمعة الى ظهور المقايضات الاقطاعية والتنازل عن الاقطاعات، فكان الجندي يتخلى عن اقطاعه لقاء مبلغ من المال، فاشترى السوقة والارذال الاقطاعات حبا بالظهور والتباهي، وعجزوا عن استغلالها بشكل جيد، فخربت البلاد على حد تعبير المقريزي[76]. في عهد السلطان الكامل شعبان شجع شاد الدواوين الامير شجاع الدين اغرلو التنازل عن الاقطاعات والمقايضات الاقطاعية ايضا لقاء رسم، فانتشرت الرشوة وجمعت اموال بطرق مريبة[77]. والادهى من ذلك كله تنظيم الادارة الاقطاعية نفسها عملية التنازل والتبادل، كاستحداث الامير اغرلو ديوان البدل[78].

في سنة 1352 ظهرت طائفة دعيت بالمهيسين تقاضت 10% من ثمن الاقطاع المتنازل عنه، وبلغ عددهم حوالى ثلاثمائة مهيس طافوا على الاجناد وزينوا لهم التنازل عن الاقطاعات[79]. واضحى هذا الفساد قانونا عندما اقر البدل في ديوان البدل سنة 1353 بقيمة عشرة دراهم[80]. استغل العربان هذا الفساد وعدم قدرة المقطع من غير العسكر على التصدي لهم فاغاروا على القرى، فسرقوا وهدموا الجسور وخربوا المحاصيل[81].

في العهد الجركسي ازدادت عملية انتقال الاقطاعات، حتى قل عدد الرجال في الجيش، وازداد مدخول قوم وقل انتاج آخرين، فخربت البلاد من كثرة المغارم وعجز مقطعيها عن تأدية واجباتهم[82].

-تفتيت الاقطاعات والاعتماد على الحماية: اعتبارا من عام 1315 شرع السلاطين يبعثرون اراضي المقطع ربما مخافة استقلال الامراء الكبار بها او تقوية نفوذهم، فصاروا يعطون المقطَع من كل ضيعة قسما حتى اذا جمعت الاقسام ساوت مقدار الاقطاع[83]. وما كان باستطاعة المقطع الصغير الاشراف الشخصي على كل اقسام اقطاعه، ولم يملك ايضا الاجناد الكافية لحمايتها، ما اضطره الى طلب حماية المقطعين الكبار لقاء ضريبة استجدت او استجدها اصحاب النفوذ عرفت بضريبة الحماية [84].

-انحطاط اجناد الحلقة: انعكست عمليات التنازل والبدل وتفتيت الاقطاعات ونظام الحماية، كما تطور انصبة حصص السلطان والامراء الاقطاعية سلبا على اوضاع اجناد الحلقة. وشكل هؤلاء في مطلع الدولة المملوكية عماد جيشها، انما بسبب عدم العناية بهم لصالح المماليك السلطانية، كما لاشتداد نفوذ الامراء، وهم بدورهم ولاسباب كثيرة تخاذلوا وابدوا قلة مهارة عسكرية لا سيما في العهد الجركسي[85]. لدرجة ما عاد ينتخب منهم الى الحرب الا عدد قليل، فبات دورهم شبه ثانوي وتناسب مع مقدار اقطاعاتهم.

-سؤ وضع الفلاحين: شكلت كثرة المغارم والتزامات الفلاحين تجاه اولي الامر عوامل رئيسة بانحطاط النظام الاقطاعي، ناهيك بالكوارث الطبيعية مثل قلة الفيضان او ازدياده عن المعدل المطلوب، كما تفشي الاوبئة والامراض. اضف اليها فرض نظام المسؤولية المشتركة على القرية بكاملها بما يتوجب عليها من ضرائب ومغارم[86]. وان هرب احد الفلاحين الزم اولاده وزوجته بتسديد ما توجب عليه[87]. وغالبا ما استغل اولي الامر الظروف غير الطبيعية كأن يضرب البلاد غلاء، او يعم فيها وباء، للايقاع بالفلاحين وتغريمهم ايجارا مضاعفا تقربا من اساتذتهم (امرائهم) وحبا بالترقية[88].

لم يعمل المقطعون، بوجه عام، على تحسين وسائل الانتاج ولا صيانة اعمال الري، ولا استصلاح الاراضي التي بار بعضها تدريجا، انما انحصر همهم بجمع الاموال عن طريق زيادة الضرائب والمغارم، فهجر عدد كبير من الفلاحين زراعة الارض وفضلوا عليها رعاية الماشية[89].

هذه الامور جميعها اسهمت بانحطاط النظام الاقطاعي المملوكي، وبما ان موارد اخرى كانت متوفرة في الدولة كالتجارة والصناعة، تحول اليها ارباب الاقطاع من دون التنبه الى اهمية الاقطاع ودوره المحوري بالامرين معا.

تقويم عام: انعكست التحولات السياسية في بنية الدولة العربية والاسلامية على المقومات الاقتصادية واتجاهاتها خصوصا على الصعيد الاقطاعي الذي يحول تدريجا الى عسكري منذ وصول البويهيين الى السلطة في بغداد، بحيث شمل وارد الارض من الضرائب وحقوق بيت المال بما فيها العائدات الضرائبية، تحت ستار مفهوم الجهاد العسكري في الاسلام وحقوقه على الرغم من تقوقع البويهيين وعزوفهم قدر المستطاع عن الحروب الخارجية. وخفت حدة هذا النوع من الاقطاع بكل اساليبه الملتوية في العهد السلجوقي حين وزعت الاراضي اقطاعات على افراد الجيش تطبيقا لنظرية نظام الملك في الاقطاع. ثم تحول الى اداري عسكري بتوزع الدولة الى اتابكيات، ونحا اكثر نحو الصفة الحربية في اواخر ذلك العهد بتحول الاتابكيات الى دويلات وراثية شبه مستقلة.

لم تكتمل ملامح الاقطاع العسكري الا بتولي المماليك السلطة بحيث شمل اضافة الى الاراضي المكوس والضرائب التي انحصرت جميعها برجال السيف ما خلا الجزء اليسير الذي اقطع للمتعممين والمؤسسات الدينية والتعليمية. ما جعله يتفلت تدريجا من المفهوم الاسلامي الصحيح للاقطاع، ويرتبط كليا بالاقطاع العسكري الذي افرزته الذهنية المملوكية وطوعته وفق تطلعاتها ومكاسبها.

قد يجد الباحث عذرا لهم كونهم رجال سيف يدافعون عن المسلمين لو لم يستنزفوا المقومات الاقتصادية كلها، ويشلوا الادارت الاقطاعية تدريجا من دون العناية الاجتماعية والاقتصادية بالمسلمين، اذ عمت الرشوة والمحسوبيات واستشرى الفساد، وسحق المواطنون من كثرة الظلم والمغارم.

الجدير بالملاحظة التشابه في الانظمة الاقطاعية التي بحثناها، فكان للبويهيين شبه اقطاع اداري، استكمل في العهد السلجوقي وبات وراثيا سلاليا، وهو تشابه جزئيا من حيث الادارة في نظام النيابات المملوكية من دون ان يتخذ الصفة الوراثية، بحيث حق للنائب توزيع الاقطاعات على الاجناد من دون الامراء الذي اقتضى موافقة السلطان[90]، وانشاء بيوت خدمة على غرار السلاطين[91].

تشابهت الانظمة المذكورة من حيث بوار الاراضي نتيجة اهمال المقطعين العناية بها واستصلاحها، وترميم منشآت الري، وتقاطعت ايضا بنشوء نظام الحماية الذي ظلم الفلاحين وصغار رجال السيف من الاجناد، ولم يسلم منه الزارعون الذين اجتهدوا كثيرا للحفاظ على ملكياتهم الخاصة. والغريب بهذا الشأن تحول الحماية الى ضريبة رسمية خىلافا لاحكام الشرع الاسلامي. انما انفرد المماليك بانشاء ديواني التنازل والبدل ما اضر كثيرا بالاجناد والفلاحين وادى الى اضعاف الجيش.

الدكتور انطوان ضومط استاذ التاريخ العربي والاسلامي في العصور الوسطى في الجامعة اللبنانية


[1] – لم تكن نسبة الخراج على الاراضي المزروعة واحدة، لمزيد من الاطلاع انظر: ابو يوسف (يعقوب بن ابراهيم) كتاب الخراج، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر، 1978، ص 41، 68-69، البلاذري، (يحي بن جابر)، فتوح البلدان، بيروت، دار الكتب العلمية، 1978، ص 31-33، 36، 42-44، 47-48، 89-90، وابن سلام، (ابو عبيدة القاسم )، الاموال، بيروت، مؤسسسة ناصر الثقافية، 1981، ص 7-8، 56، وابن هشام، السيرة النبوية، بيروت، دار الكنوز الادبية، لا. ت.ج2، ص49

[2] – اجتهد بعض الفقهاء في شروط استصلاح الاراضي ومدة بقائها في ايدي اصحابها، انظر: الخراج، وابن تغري بردي،(جمال الدين ابو المحاسن، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، القاهرة، طبعة دار الكتب 1930-1956، ج2، ص 233-244

[3] – منع الرسول اقطاع الاراضي بوجه عام، وما سمح به كان مشروطا:” لا يأكلون علافها ويرعون فيها” وقال ايضا:”المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلاء والنار”، انظر الماوردي(علي بن محمد بن حبيب، الاحكام السلطانية، القاهرة، ط2، ص 176-178

[4]الاحكام السلطانية، ص 188

[5] – القلقشندي(احمد بن علي)، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1913، ج13، ص 110و113، 114، 116-117

[6] – في العهد الاموي والعصر العباسي الاول كانت تجبى اموال الخراج وتوزع على الامراء والولاة والاجناد على قدر رتبهم، وعرف هذا الامر بالعطاء. انظر: الدوري، عبد العزيز، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1978، ص153-154.

[7] – نذكر من الدويلات العرقية: الطاهرية والصفارية والسامانية والطولونية والاخشيدية

[8] – ابن طباطبا، محمد بن علي، الفخري في الآداب السلطانية والدول الاسلامية، مصر، 1938، ص220

[9] – انظر حول المصادرات ابن الاثير، عزالدين، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1979، د8، ص 110 وغيرها، وايضا مسكويه، احمد بن محمد، تجارب الامم، مطبعة التمدن، القاهرة، 1914، ج1، ص 43، 217، ولمزيد من الاطلاع حول المصادرات وسوء تصرف الادارة راجع: سعد، فهمي، العامة في بغداد، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1983، ص 332-34، 37

[10] -الصابئ، هلال بن محسن، الوزراء، دار احياء الكتب العربية، القاهرة، 1958، ص13-14

[11]العامة، ص 34-35

[12] – مسكويه، ج1، ص 8، 200-201

[13] -سعد، ص 36-37

[14] – الديالمة نسبة الى اقليم الديلم من بلاد فارس الواقع في سلسلة جبال البورز، انظر: ابن حوقل، صورة الارض، ليدن، 1938، ص376-377، وعن اصلهم وكيفية دخولهم الى العراق راجع: الفخري في الآداب السلطانية، ص144، نجوم، ج3، ص245-246

[15] – لمزيد من الاطلاع انظر: شعبان، محمد عبد الحي، الدولة العباسية –الفاطميون، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1981، ص196-197

[16] – الصابئ، ابو اسحق ابراهيم بن هلال، المختار من رسائل الصابئ، دار النهضة الحديثة، بيروت، لا. ت. ص 343 وما بعد

[17] – مسكويه، ج2، ص87

[18] -المصدر السابق، ج2، ص97-98، اما حقوق بيت المال فكانت الخمس والزكاة والفيئ، واشتمل الفيئ على الخراج والجزية والضريبة على التجار المشركين، والخمس والزكاة على المعادن والغنائم، والزكاة على المواشي والزرع والثمار والذهب والفضة والضرائب على  بضائع التجار المسلمين. انظر سعد، العامة، 39-40

[19] – الدوري، مقدمة، ص 86

[20] – مسكويه، ج2، ص 97-98

[21] – المصدر السابق، ج2، ص99، 172، 175

[22] -مسكويه، ص 96-97

[23] – خصص يوميا للغلام 10 دراهم، وللنقيب 20 ، تجارب، ج2، ص 173-175

[24] -الطرخان، ابراهيم علي، النظم الاقطاعية في الشرق الاوسط في العصور الوسطى، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1968، ص23

[25] – الدوري، مقدمة، ص89-90

[26] – ابن حوقل، ص239-240

[27] – انظر ما يلي

[28] -مسكويه، ج2، ص99

[29] -القلقشندي، صبح، ج4، ص 458

Heyd,histoire du commerce du Levant au moyen age,Leipzig,1936,t.II, p559

[30] -الاصفهاني، الفتح بن علي البنداري، دولة آل سلجوق، مصر، 1318ه، ص 113

[31] – ابو شامة،  شهاب الدين عبد الرحمن الدمشقي، كتاب الروضتين في اخبار الدولتين النورية والصلاحية، القاهرة، 1378 ه ، ج1، ص 26

[32] – الاصفهاني، ص 55

[33] – الدوري، مقدمة، ص 95

[34] – الاصفهاني، ص 55

[35] – المكان عينه

[36] – الاصفهاني، ص 55-56

[37] – الدوري، ص ص 95

[38] – الاتابك لفظ تركي معناه الامير الاب او العم، فكان السلطان السلجوقي يعهد الى احد الامراء الكبار تربية احد اولاد السلطان وقد يزوجه امه ويمنحه اقطاعا كبيرا. واطلق هذا اللقب تشريفا في ما بعد على الامراء والقواد. انظر: ابن الاثير الكامل، ج10 ص 29-30 و القلقشندي، ج4، ص 18

[39]الكامل، ج 10، ص 29-30

[40] – ابو شامة، الروضتين، ج1، ص 25، 35، 125، نجوم، ج 5، ص6-7، 125…

[41] – الاصفهاني، ص 55-57 ، حسن، حسن ابراهيم، تاريخ الاسلام، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1967، ج4، ص 60-67، والعبادي، احمد مختار، في التاريخ العباسي والفاطمي، دار النهضة العربية، بيروت، 1971، ص 166-167

[42] – الدوري، ص 96

[43] – الطرخان، ص 27

[44] – المقريزي، تقي الدين احمد، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، بولاق، 1270 هج.، ج1، ص97

[45] – القلقشندي، ج3، ص 455-458

[46]نجوم، ج8، ص 92

[47] – انظر المقادير لاحقا

[48]خطط، ج1، ص 103-106، وانظر انواع المكوس في المصدر عينه ج1، ص 103-107، ومنها على سبيل المثال: السجون، ساحل الغلة، الحوائص، الفراريج، نصف السمسرة، رسوم الولاية، الافراح والمغاني، والمشاعلية…

[49] – تألف رجال السيف من السلطان والامراء جميعهم والاجناد على اختلاف فئاتهم، اما المتعممون فتألفوا من قضاة القضاة، والقضاة، واصحاب المناصب الدينية وبعض الديوانية. وتألف رجال القلم من الذين تولوا وظائف ديوانية على اختلاف انواعها ورتبها.

[50]خطط، ج1، ص 87، بدائع، ج1، ص 137

[51]خطط، ج1، ص 90، بدائع، ج1، ص 137

[52]النظم الاقطاعية، ص 146

[53] – الظاهري، خليل بن شاهين، زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، باريس، 1891، ص 107-108

[54] – الظاهري، ص 106-107، القلقشندي، ج3، ص 457

-[55] Cahen, Claude, “Ikta’” EI2,t.3.p116

[56] – انظرهذه المناصب فيof the American oriental society, 69/3 New haven, 1949, p 468   Ayalon.”Mamlouk army: the Circassians in the Mamlouk Kingdom” Journal

[57]خطط، ج1، ص 87، ابن تغري بردي، ج8، ص 52، صبح، ج4، ص 50

[58] – المكانين السابقين عينهما

[59]خطط، ج1، ص90، صبح، ج4، ص 50

[60]نجوم، ج8، ص 80-81، ولمزيد من الاطلاع على ثراء الامراء انظر المصدر السابق، ج9، ص 153، ج10، ص 6-8، 44، وابن اياس، ج1، ص155-156 اضافة الى العديد من المصادر المملوكية

[61] – فقد الدينار الجيشي قيمته النقدية اعتبارا من سنة 1375، وظل مقياسا حسابيا نظريا لمدخول الاقطاعات عن طريق التخمين، بولياك، الاقطاعية في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان، منشورات وزارة التربية والفنون الجميلة، نقله عن الانكليزية عاطف كرم، مطابع نصار، بيروت، 1949، ص 67

[62]صبح، ج4، ص 50

[63] – المكان عينه

[64]صبح، ج4، ص 68

[65] – بولياك، الاقطاعية، ص 68

[66] – القلقشندي، ج12، ص 319

[67] – المصدر السابق، ج3، ص 481

[68] -بولياك، ص 27، mamlouk army, p459

[69]سلوك، ج3، ق1، ص130-132، الاقطاعية، ص 28، mamlouk army, 460

[70] – القلقشندي، ج4، ص185-192، وج6، ص 30-31، ج13، ص153، الاقطاعية، ص 28،  الظاهري، ص 103 mamlouk army, p460

[71]زبدة، ص 100

[72] – بولياك، ص 70

[73] – ابن اياس، ج2، ص 277، 305

[74] – المصدر السابق، ج1، ص 206

[75] -القلقشندي، ج4، ص16

[76] – خطط، ج2، ص 219

[77] – المكان عينه

[78]خطط، ج2، ص219، زبدة، ص 109

[79]خطط ، ج2، 219، نجوم، ج10، ص 194، 262، 272.

[80]نجوم، ج10، ص 324

[81]نجوم، ج10، ص 232-233

[82]سلوك، ج3، ق1، ص 33-34

[83] -Ashtor,E.,histoire des des et des salaires dans l’orient medieval,Paris. 1969. P 267

[84] – بولياك، ص77

[85] – لمزيد من الاطلاع انظر: ضومط، انطوان، الدولة المملوكية التاريخ الاقتصادي والسياسي والعسكري، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1980، ص 56-58

[86] – عاشور، سعيد عبد الفتاح، بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى، بيروت، دار الاحدب البحيري، 1977، ص149

[87] – المكان عينه

[88] – المقريزي، اغاثة الامة بكشف الغمة، القاهرة، 1940، ص 45-47

[89] – Ashtor, op. cit. p 167, 268

[90] -القلقشندي، ج4، ص 184

[91] – المصدر عينه، ج4، ص 60-63

المماليك

  الصالح نجم الدين ايوب: كان الصالح نجم الدين ايوب ابن الكامل قد دخل بصراع مرير مع اخوته وابناء عمومته في بلاد الشام على احقية عرش مصر، وبالتالي الخضوع له او الاعتراف به سلطانا على الايوبيين. ومن اجل الانتصار عليهم، وتأمين جيش يكون ولاؤه له وحده، عمد كغيره من الملوك الايوبيين الى شراء اعداد من المماليك وعمل على اعدادهم عسكريا ودينيا. واختار جزيرة الروضة مكانا لاقامته فبنى فيها قصرا وطباقات لمماليكه في شباط 1241/639. وبنى في الوقت عينه مدينة عسكرية على طرف الصحراء اسماها الصالحية تيمنا بلقبه.

    لم يحسم الصراع بين الايوبيين الذي كانت بلاد الشام مسرحا له، وشارك فيه الصليبيون وحققوا مكاسب من دون قتال لأنهم تعهدوا مساعدة الصالح اسماعيل لقاء حصولهم على صفد وشقيف ارنون: فقد حاصر الصالح اسماعيل صاحب دمشق قلعة شقيف ارنون واستولى عليها وقدمها لمتولي صيدا الصليبي سنة 638/1240، وقدم للصليبيين طبرية وعسقلان في العام التالي 639/1241.

   وهكذا تحالف الصالح اسماعيل مع الصليبيين والناصر داوود ملك الكرك، وصلاح الدين شيركوه امير حمص وهاجموا جميعهم مصر وانهزموا في تشرين الاول 1244 امام الصالح نجم الدين وحلفائه الخوارزمية الذين كانوا هاجموا القدس واستولوا عليها في 11 تموز 1244 /642، مما ادى الى اعتراف الملوك الايوبيين في الشام بسلطنة الصالح نجم الدين الذي دخل دمشق عام في 26 آذار 1247، وبعلبك، والقدس، ثم عاد الى القاهرة وامر باعدام اخيه العادل في سجنه مخافة ان يعود بطريقة ما الى الحكم.

الحملة الصليبية السابعة: ادى سقوط القدس الى ارسال حملة صليبة جديدة بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع او القديس لويس التي ابحرت من مرسيليا عام 1248/646، وامضت الشتاء في قبرص مما اضعف من زخم مقاتليها، ثم توجهت الى مصر ووصلت الى دمياط في 4 حزيران 1249 وكان الصالح نجم الدين ايوب مريضا، وعجز الايوبيون بقيادة الوزير فخر الدين يوسف عن حماية دمياط التي سقطت بايدي الصليبيين، وتوفي الصالح نجم الدين خلال المعركة، وكتمت زوجته شجر الدر الخبر عن جيشه الذي تمكن من تحويل نصر الصليبيين الى هزيمة لسوء تصرف الفرنسيين.

 الدولة بعد بيبرس: كان بيبرس يدرك تماما ذهنية المماليك، ورفضهم الشديد لمبدأ وراثة العرش، ومع ذلك جهد ليقنع نفسه بقدرته على تغيير تلك الذهنية فعهد لابنه السعيد بركة خان بالعرش سنة 660/1262 في حياته، واقسم كبار الامراء يمين الولاء له. ومارس السعيد بركة الحكم في غياب والده الذي طالما غاب عن مصر بسبب كثرة حروبه مع المغول والارمن والصليبيين والحشاشين ( الفداوية). وفي سنة 1264 اقام بيبرس احتفالا حضره الخليفة والعلماء وكبار القضاة فوّض فيه العرش الى ابنه السعيد بركة. وطلب الى ابنه، وهو في حالة النزاع الاخير سنة 1277 ، الحذر من كبار الامراء ” فهؤلاء الامراء يرونك بعين الصبي” ونصحه بقتل كل امير يشك بولائه او اذا قويت شوكته كثيرا.

   ولما اعتلي السعيد بركة خان العرش شرع الامراء يسببون له المشاكل ويدسون له الدسائس: فقد اتهموه بدس السم للامير بدر الدين بليك نائب السلطنة، وكلما عيّن نائبا جديدا للسلطنة عمدت بطانة السلطان الى تخويفه منه. حتى صار يقرّب منه صغار الامراء، فابتعد الكبار عنه وشرعوا بالتآمر عليه. وفي عام 1278 اراد السلطان زيارة بلاد الشام لتفقد احوالها فظن نوابها انه يريد بهم شرا، فهربوا منه من دون ان يتمكن من استمالتهم او طمأنتهم. ولما عاد الى القاهرة دخلها بصعوبة فحاصره الامراء بالقلعة حتى الزموه بالتنازل عن العرش سنة 1279. فعرض العرش على الامير قلاون اقوى الامراء والعقل المدبر لخلع السلطان فرفضه لأن الفرصة لم تكن قد نضجت بعد، وقدّمه الى سلامش الابن الثاني لبيبرس البالغ السابعة من العمر وصار وصيا عليه. وبعد مضي ثلاثة اشهر مهّد الطريق الى العرش بان احدث تشكيلات جديدة ابعد بها المؤيدين لبيت بيبرس واحل مكانهم جماعة من مناصريه، ثم خلع سلامش بالطريقة التقليدية واعتلى العرش مكانه عام 1279.

اسرة قلاوون: نشأ مجتمع المماليك على التحاسد والخديعة والغدر، ولم يكن من فضل لأحد الامراء على الاخر الا كثرة دهائه وشدة حذره وغدره. ولم يكن الامراء يعتقدون باحقية احدهم على الاخر وينظرون الى السلطان على انه اول بين متساوين، واذا كان ليّن العريكة واحتجب عنهم يصبح من الضروري خلعه ليخلفه في معظم الاحيان اقوى الامراء الذي غالبا ما يكون وراء عزله. ولم ينظر قلاوون الى بيبرس الا من هذه الزاوية، وكان يرتقب الفرصة لينتزع العرش. وكان امراء المائة في العرف المملوكي متساوين من حيث المنزلة، ولا يمتاز واحد عن الاخر الا بالوظيفة التي يشغلها، وكان كل واحد يجهد الى الوصول الى اعلى المراكز، ونظروا الى اولادهم نظرة استعلاء، ولم يعتبروهم من المماليك لأن الرق لم يمسهم، وسمحوا لهم بالانضمام الى الجيش المملوكي تحت اسم اولاد الناس، وكانت رتبة الواحد منهم امير خمسة، مما جعل فكرة وراثة العرش بعيدة عن اقتناعات المماليك. وعلى رغم اقتناع بيبرس بهذه الذهنية فانه اراد الخروج عليها معتمدا وسائل بدائية مثل تزويج ابنه السعيد بركة من غازية خاتون ابنة قلاوون معتقدا ان قلاوون لن يضحي بصهره. واثبت الوقائع ان قلاوون ترك صهره يهوي من دون ان يرشده،  وكان احد الذين اتهموه بدس السم لنائب السلطنة.

   تعرّضت بداية عهد قلاوون الى مثل ما كانت تتعرض له بدايات عهود السلاطين من امتناع بعض النواب عن تأييد ما حصل خصوصا من قبل نائب دمشق. فقد خرج نائب دمشق الامير سنقر الاشقر على قلاوون ونادى بنفسه سلطانا معتبرا ان لا شيئ يميز السلطان عنه. ولما فشل مشروعه عام 1280 اثر الحملة العسكرية الكبرى التي ارسلها قلاوون الى بلاد الشام إلتجأ الى المغول وزيّن لهم الهجوم على بلاد الشام، وتآمر في العام التالي مع بعض الامراء الظاهرية والصليبيين للانقضاض على الدولة المملوكية، ولكن المؤامرة كشفت واعدم المتآمرون سوى سنقر الذي فر الى المغول في العراق.

   وشعر قلاوون بسوء نية المماليك الظاهرية، وخاف على نفسه من كثرتهم، فانشاء فرقة من المماليك الجراكسة ليكون ولاؤها له وحده، وجهد يزيد تعداد اعضائها حتى بلغوا في نهاية عهده حوالى 3700 مملوك. وواجهته الى جانب الثورات الداخلية مشاكل اخرى لها علاقة بها في بعض جوانبها اذ عمد سنقر الاشقر الى احتلال بعض القلاع في بلاد الشام مثل قلعة صهيون واتصل بالمغول والصليبيين لمساعدته ضد السلطان، الامر الذي شجع المغول للهجوم على تخريب بعض قلاع بلاد الشام عام 1280 ثم الدخول الى حلب وتخريبها واحراق قسم منها. وفشل الصليبيون بالاستيلاء على حصن الاكراد عام 1280. فعمد قلاوون الى مهادنة الصليبيين المتمثلين بفرسان الداوية والهيكليين وبوهيموند السابع كونت طرابلس وعقد معهم هدنة لمدة عشر سنوات للانصراف الى محاربة المغول ووضع حد لاعمالهم التخريبية بل لردعهم عن بلاد الشام. وتمكن في تشرين الاول من العام 1281 من انزال الهزيمة بالمغول المتحالفين مع مملكة ارمينيا في معركة حمص اجبرتهم الى الفرار الى العراق.

  واستمر الصليبيون كعادتهم يتنازعون فيما بينهم على الملكيات ووراثة العرش على تنوّعها، فاستغل قلاوون النزاع بين الصليبيين واستولى سنة 1287 على اللاذقية آخر مدن امارة انطاكيا. وتوفي في السنة عينها كونت طرابلس من دون ان يترك وريثا فتنازع الصليبيون على وراثة الكونتية واستنجد بعضهم بقلاوون، الذي اغتنم الفرصة وجهّز جيشا كبيرا واحتل طرابلس في نيسان 1289. ثم سقطت المدن الساحلية المتممة لطرابلس مثل جبله وبيروت، ولم يبق للصليبيين سوىصيدا وصور وعكا وعثليث.

اولاد قلاوون: وقع قلاوون بالخطأ نفسه الذي ارتكبه بيبرس اذا عهد سنة 1280 بالعرش الى ابنه علاء الدين علي بحياته وبايعه سلطانا وليس وريثا كما فعل بيبرس قاطعا بذلك الطريق على الامراء الى العرش بعد موته. ولكن علاء الدين مات عام 1288 مسموما في حياة ابيه، ويعتقد عدد من المؤرخين ان اخاه خليل هو الذي دسّ لهم السم. ورفض قلاوون توقيع العهد بالعرش لابنه خليل من بعده لأنه لم يكن رجل دولة بل فاسقا يحب سفك الدماء.

   تعرض مطلع عهد الاشرف خليل الى ثورة الامير حسام الدين طرانطاي نائب السلطنة اعتقادا منه بانه احق من خليل بالعرش متآمر على السلطان الذي كشف المؤامرة وقبض على المتآمرين وقتلهم وصادر ممتلكاتهم، وجعل الامير بيدرا نائب للسلطنة. وتمكن في مطلع نيسان 1291 من الاستيلاء على عكا آخر الحصون الصليبية في الشرق، وبالتالي جلا الصليبيون نهائيا عن المشرق.

   ازداد الاشرف خليل بعد هذا الانجاز المهم تعاليا على الامراء وانفة، من دون ان يترقب العواقب، او ان يفهم العقلية المملوكية المتمحورة على الغدر والخديعة، او انه فهمها واعتبر نفسه اقوى من يصاب بمكروه خصوصا انه زاد باعداد المماليك البرجية ألفي مملوك وبالتالي صار عدد البرجية كبيرا 5700 مملوك ارعبت الامراء. لكن ذلك لم يمنع بيدرا نائب السلطنة مع الامراء وعلى رأسهم حسام الدين لاجين من التآمر على السلطان وقتله وهو في الصيد عام 1293. بايع القتلة الامير بيدرا قاتل السلطان بالعرش في مسرح الجريمة، وعجزوا عن الوصول الى القاهرة لأن المماليك البرجية بزعامة الامير زين الدين كتبغا طاردوا المجرمين وقتلوا بيدرا ونصّبوا محمد الابن الثالث لقلاوون سلطانا وعمره لم يجاوز التسع سنوات من دون ان يجرؤ احد على الوقوف بوجهها، وجعلوا الامير كتبغا التركي زعيم البرجية وصيا عليه. لم يكافئ كتبغا البرجية بل اتهمهم باثارة الفتن فشتت قسما منهم، فقاموا بثورة فاشلة استغلها كتبغا لصالحه فخلع الناصر محمد واعتلى العرش مكانه عام 1294.

      ومن سوء طالعه جاء فيضان النيل متدنيا فارتفعت الاسعار وعمت المجاعة وانتشر الوباء. كان كتبغا قصير النظر اذ عفا عن حسام الدين لاجين المشارك بمقتل الاشرف خليل وجعله نائبا للسلطان من دون الاخذ بعين الاعتبار شعور البرجية او الانتباه الى مصالحها. وزاد في الطين بلة انه استقدم جماعة من المغول المعروفين بالاويراتية – وهو من اصول مغولية اسر في معركة حمص على عهد قلاوون- وكانوا وثنيين وقرّبهم منه مما اثار عليه نقمة الشعب. واستمر ينكل بالبرجية حتى ساءت اوضاعهم الاقتصادي والاداري، فتآمروا عليه مع لاجين وخلعوه واعتلى لاجين العرش مكانه عام 1296. ولضعفه رضي كتبغا بالتنازل عن العرش والاقامة في صرخد احدى بلدات دمشق، وهو السلطان الوحيد الذي رضي بترك عرشه من دون بذل جهود لاسترداده.

  تميّز عهد لاجين بالفوضى الادارية: فقد انصاع كليا لمنكوتمر أحد مماليكه الذي صار عمليا سلطانا، فتعالى على الامراء، واهان بعضهم. ومن ثم قام بالروك الحسامي فساوى فيه حصص المماليك الجراكسة بالمماليك الاتراك مما ادى الى ارتفاع منزلة الجراكسة مجددا. واستبد منكوتمر بامور الدولة من دون رادع او وازع او يحترم اي امير مهما بلغت منزلته مما ادى الى قتله على يد كرجي احد زعماء البرجية. وكان الصراع على اشده بين البرجية والاتراك من دون ان يجرؤ اي من الفريقين تقديم العرش لأحد الامراء، وكحل للمشكلة اعيد الناصر محمد الى الحكم للمرة الثانية (1298 –1308) وصار الامير سلار التركي نائبا له.

    استغل المغول بقيادة غازان الوضع غير السوي عند المماليك واغاروا على بلاد الشام وانتصروا على المماليك سنة 1298 في معركة مجمع المروج بين حمص وحماه، واستباحوا دمشق، ثم عاد غازان الى بلاده لما علم بالحملة الكبيرة التي اعدها السلطان الى بلاد الشام. وتجددت المعارك بين الفريقين الى ان انتصر المماليك على غازان انتصارا ساحقا في معركة مرج الصفر سنة 1302 ابعدت خطرهم الى اجل طويل جدا مما قوّى مركز البرجية لأنها كانت قلب الجيش المملوكي.

     كان وضع الناصر محمد حرجا جدا، لأنه عجز عن مجابهة كبار الامراء، وكان ان اشتد الصراع بين البرجية بزعامة بيبرس الجاشنكير، وسلار زعيم الاتراك، ومنعوه حتى عن الاتصال بالناس، وضيقوا عليه، فضاق ذرعا بالوضع، ثم استقال سنة 1308 متذرعا انه يريد الحج واعتصم بالكرك. واعتلى العرش مكانه زعيم البرجية سيدة الموقف. ولم يكن المظفر بيبرس الجاشنكير رجل الساعة، وتدخل الشعب للمرة الاولى وسار في تظاهرة في شوارع القاهرة مطالبا بعودة الناصر محمد لتشاؤم الناس من انخفاض مستوى الفيضان، فكانوا يرددون في تظاهرتهم: سطاننا ركين ( تصغير لركن الدين) ونائبن دقين ( يقصدون سلار شبه اجرد الزقن) يجينا المي منين، جيبون الاعرج. ولم يرض نواب بلاد الشام بما حصل ورفض قسم منهم الاعتراف ببيبرس الجاشنطير سلطانا، وكاتب نواب حلب وحماه وطرابلس الناصر محمد واستأذنوه بالقدوم الى الكرك. وحاول بيبرس ترهيب الناصر محمد بتهديده بمصير ابناء الظاهر بيبرس، وحاول تجريده من مماليكه وما عنده من خيول وسلاح، مما دفع الناصر الى طلب معونة حلفائه في بلاد الشام، وتوجه الى دمشق، والتف الناس والامراء والمماليك حول الناصر. فلم يجد السلطان بدا من الرضوخ، وطلب الغفران من الناصر فاعيد النصر محمد الى العرش للمرة الثالثة سنة 1309 واستمر في الحكم حتى عام 1340.

    يعتبرعهد الناصر الثالث ابهى عهود المماليك، واكثرها هدوءا ورخاء، فحكم البلاد بيد من حديد: فقتل بيبرس الجاشنكير، وسجن سلار حتى مات، وشتت افراد البرجية الذي جهد بانشائها وتمييزها عن بقية الفرق المملوكية ابوه واخوه خليل. وكلما شك بامير قتله، واذا اجتمع اميران من دون اذنه كان يأمر بقتلهما، وكلما كبر مستوى احد الامراء عزله او قتله. وامتدت رقعة الدولة في عهده من المغرب غربا الى الشام والحجاز شرقا، ومن النوبة جنوبا الى آسيا الصغرى شمالا.

عهود اولاد واحفاد الناصر😦 1340-1382) لم يتمتع اي من السلاطين الاثني عشر الذين خلفوا الناصر من سلالته باي مأثرة تستحق الذكر او التوقف للكلام على صاحبها. فحكم في العشرين سنة الاولى لوفاته( 1341-1361) ثمانية من اولاده، وفي الواحد والعشرين سنة الثانية اربعة من احفاده. وجدير بالذكر ان بعض هؤلاء حكم وله من العمر سنة واحدة، وبعضهم الاخر لم يستمر حكمه اكثر من شهرين. اما الكبار في السن الذين تولوا العرش ما استطاعوا ممارسة صلاحياتهم بشكل سليم لأن كان كبار الامراء كانوا يحكمون من خلالهم. وكانت عهودهم من اسوأ مراحل السلطنة المملوكية سفكا للدماء، ووفرة في الثرات، واخلالا في النظام العام، وخروجا على الاعراف والتقاليد. ومما يلفت الانتباه في عهود هؤلاء السلاطين ان: ستة منهم اقيلوا، واثنين توفيا طبيعيا، واربعة قتلوا. وقد تميزوا اجمالا بشرب الخمر، والانغماس باللهو والمجون، والانعام على المحظيات والخدم بالاموال والاملاك والهبات المتنوّعة.

    واستنزفت في عهودهم الحروب غير المنتهية بين فئات المماليك المتنوعة طاقات البلاد الاقتصادية. غدا بامكان بعض الامراء الاقوياء زيادة تعداد مماليكهم اضعاف الاضعاف التي يسمح بها النظام العسكري فبلغ تعداد مماليك يلبغا العمري ما يزيد على 3500 مملوك. واكتفى كبير الامراء او اشدهم نفوذا بالحكم الفعلي من خلال السلطان بتوليه منصب اتابك العسكر، ولم يجرؤ على عزل السلطان خوفا من امراء آخرين كبار

كان الضعف قد تسرب الى قلب الدولة خصوصا في مطلع منتصف القرن الرابع عشر فاستبيح النظامان العسكري والاقطاعي المملوكيان.

    ان كل ذلك سمح لوراثة العرش في الدولة الاولى خصوصا في اسرة قلاوون بالنجاح من دون ان يعني ذلك نجاحا في الحكم بل انهيارا.   

ندوة مناقشة كتاب د. وجيه كوثراني ولاية الفقيه

في اطار نشاطاتها في مهرجان اللبناني للكتاب تعقد الحركة الثقافية – انطلياس مجموعة ندوات ثقافية ومن بينها ندوتنا هذه التي يناقش فيها الزملاء الدكاترة الكرام وليد خوري ورضوان السيد ومنذر جابر كتاب الزميل الصديق الدكتور وجيه كوثراني المعنون:” بين فقه الاصلاح الشيعي وولاية الفقيه- الدولة والمواطن”. وقد تكون ندوتنا الاكثر حرارة ومتعة في النقاش بما يطرحه موضوعها من محاور تتقاطع مع تجاذبات سياسية لبنانية داخلية راهنة، وصراع فقهي وآخر سياسي اقليمي.

ايها الاصدقاء تتنازع راهنا شعوب العالم الاسلامي ازدواجية ولاء؛ بعضهم يتوق الى دولة مدنية تراعي المقتضيات الدينية، والبعض الآخر الى دولة شرعية دينية توجهها اجتهادات فقهية. ولعل معادلات الدولة الدينية وفق ولاية الفقيه وما يعادلها تشددا او اعتدالا في المذاهب الفقهية السنية انتعشت وازدهرت في اواخر القرن الماضي لاسباب كثيرة لا مجال للخوض فيها الآن. واذا اردنا العودة الى التاريخ نستلهم منه العبر والسلوك السياسي لتبين لنا ان العصور الوسطى التي اطلق عليها بعض المؤرخين عصور الايمان وبعضهم الآخر عصور الظلام لخضوع الدول شرقا وغربا لسيطرة الفكر الديني على الافكار وعلى مناحي الدولة السياسية والعسكرية والاجنماعية والدينية وحتى الاقتصادية. وقد عاشت دول اوروبا ازمة مزاوجة السياسي بالديني مدة طويلة، ومن ثم انتهت لصالح الدولة المدنية بعد ان تم حسم ادوار الصراع بين البابوية والامبراطورية وتلاه الصراع الديني في اوروبا الذي دعا خلاله مارتن لوثر الى فصل الزمني عن الروحي. واكتملت سيادة الدول المدنية بعد الثورة الفرنسية 1789.

واُعتمد في الاسلام، منذ حكومة الرسول في المدينية وحتى سقوط دولة المماليك سنة 1517 التشريع الاسلامي نهجا بل دستورا سياسيا واسلوب حياة. وشهد هذا المدى الطويل احداثا مفصلية كثيرة وجّهت تاريخ المسلمين وتركت بصمات ما تزال فاعلة في احداثهم حتى اليوم. ولعل من ابرزها الصراع على منصب الخلافة التي استبعد عنه الامام علي ثلاث مرات. وادى مقتله ومن ثم استشهاد الحسين في كربلاء 61 هجرية الى نشوء نظرية الامام المعصوم التي لم تكن واحدة عند جميع الفرق الشيعية. لتقابل منصب الخلافة عند السنة مع فارق التقديس او القداسة للائمة الاثني عشر عند الامامية، والائمة السبعة عند الاسماعيلية اضافة الى الامام الاكثر اهمية وقداسة عندهم عنيت به محمد بن اسماعيل او المكتوم. وجهد الشيعة للوصول الى الحكم فنجحوا على الاقل في مرحلتين واضحتي المعالم: الخلافة الفاطمية في المغرب سنة 909 ثم انتقالها الى مصر سنة 969 التي اسسها سعيد ابن الحسين الملقب بالمهدي وتلاه خلافاء ائمة تبعا للنظرية الاسماعيلية في الالوهية(ليس الآن موضوع بحثها). والثانية كانت الدولة البويهية في العراق وبلاد فارس. فاذا كان الشيعة الاسماعيلية عملوا على تطبيق نظريتهم في الخلافة الفاطمية ومارسوا ما يشبه ولاية الفقيه لأن الخليفة عندهم كان اماما فقيها، ومن اكثر نماذجه وضوحا الخليفة المعز لدين الله الذي نظّر للعقيدة الاسماعيلية. فانهم صادفوا مشاكل وعقبات كادت تودي بدولتهم من الدويلات الشيعية نفسها كالقرامطة والحمدانيين والبويهيين الذين شكلوا رأس حربة في هذا الموضوع علما ان ولاية الفقيه ستتمأسس في عهدهم. ولم تعمّر النظرية الاسماعيلية حتى في العهد الفاطمي عينه بحيث فقدت الامامة مضمونها.

وفي القرن الرابع الهجري واجه البويهيون اشكالا اساسيا: تمثّل بازدواجية الولاء السياسي والديني، كانوا شيعة متغلّبين على دولة الخلافة العباسية، وكحل لذلك الاشكال اوجدو ولاية الفقيه، اذ دعا ركن الدولة البويهي الشيخ محمد بن بابويه المعروف باسم “الصدوق” ليكون مرشدا له في السياسة والمجتمع والدين، وبالتالي تمأسست ولاية الفقيه وتحوّل التشيّع وللمرة الاول، بعد غيبة الائمة المعصومين، الى مجال ايديولوجي-سياسي استمد منه البويهيون شرعيتهم في مواجهة الخلفاء العباسيين وافقدوهم كل قدرة سياسية وعسكرية، حتى باتوا يملكون ولا يحكمون.

وتمأسست ولاية الفقيه مرة ثانية بوضوح اكثر جلاء بقيام الدولة الصفوية في بلاد فارس سنة 1501 وهي تختلف عن وضع الدولة البويهية لأنها لم تعرف ازدواجية الولاء ولم تكن دولة متغلّبة. وادعى الشاه اسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية ان المهدي ألبسه في طريقه الى مكة التاج الاحمر وعلّق به السف وقال له:” اذهب قد أذنت لك“، ما يعني ان المهدي اعطى الشاه ولاية خاصة، وصار يؤكّد لمريديه انه لا يتصرّف الا بناء على اوامر الائمة الاثني عشر، لذلك صار معصوما مثلهم. وهكذا بات الحاكم السياسي يخضع لسلطة الامام او لنائبه. وع ذلك فان التمأسس الحقيقي لولاية الفقيه عند الصفويين تم في عهد طهمسب ابن الشاه وخليفته الذي استدعى الشيخ علي بن عبد العالي الكركي ليقيم مؤسسة تبث التشيّع عملا بنيابة الفقيه الامام المهدي وولايته العامة في عصر الغيبة، وبالتالي صار للشيخ الكركي حرية التصرف بشؤون الدولة الشيعية الجديدة كونه نائبا عاما عن المهدي نفسه وبوصف الملك او الشاه نائبا عنه. وهكذا صار الديني يسيّر الزمني ويسيطر عليه.

اما في العالم السياسي السني فقد مورست ولاية الفقيه بطرق غير مباشرة منذ الخلفاء الراشدين، فهم كانوا يعتبرون فقهاء لأن المذاهب الفقهية لم تظهر قبل اواسط القرن الثاني/الثامن، واستعانوا بآخرين لهم معرفة بشؤون الشرع لادارة شؤون دولة الخلافة. واستعان الامويون بالائمة والفقهاء تبريرا ديدنيا لشرعية دولتهم. وفي مرحلة لاحقة استعار الخلفاء العباسيون سلطات دينية بلغت حد التقديس ردا على مواقف الشيعة وآرائهم وثوراتهم بان جعلوا انفسهم ممثلين لله على الارض. اضف الى ذلك ان الشرع الاسلامي كان مطبقا في مناحي الحياة كافة، وكان الديني مسيطرا على المدني. وقد خضع الخلفاء والسلاطين والحكام السنة عامة في العصور الوسطى الى سلطة الفقهاء في امور كثيرة، حتى ان بعض الفقهاء فرضوا آراءهم على السلاطين شأن الماوردي الذي حدد سلوك الحكام في كتابه “الاحكام السلطانية”، وابن تيمية الذي افتى للمماليك قتال الشيعة والدروز والموارنة في لبنان، والاسماعيلية في بلاد الشام لأنه واجب شرعي … (لن نخوض كثيرا في هذا الموضوع) وعندما انتصر العثمانيون على المماليك في معركتي مرج دابق 1516 والريدانية في مصر عام 1517 انتزعوا الخلافة من العباسيين وصار السلاطين خلفاء يجمعون السلطتين الدينية والزمنية باشخاصهم، فمارسوا بذلك ولاية الفقيه التي اكتملت بالسلطات التي انيطت بشيخ الاسلام او مفتي اسطنبول الذي كان باستطاعته، على الاقل نظريا، عزل السلطان العثماني.

وقابل نظرية ولاية الفقيه الشيعية النظرية الجهادية عند بعض السنة المعروفة ب” الحاكمية لله” وهي تتصوّر الامام او الخليفة نائبا لله او خليفة له على الارض، وهو مسؤول امامه وحده فقط. ولا يؤذن للبشر بالتشريع لأنه امر مختص بالله وحده، حتى ان القاضي لا يتولى منصبه كونه نائبا عن الخليفة بل لانه نائب عن الله وعليه تنفيذ القانون الالهي. واصحابها يكفّرون كل المجتمعات الاسلامية التي لا تطبق الحاكمية لله، ويعتبرون المجتمعات الاسلامية الحاضرة وتلك غير الاسلامي مجتمعات جاهلية كافرة.

وما تجدرملاحظته ان فقيها واحدا فقط في العالم الاسلامي كله يتمتع بسلطة نائب الامام المعصوم الغائب وبسلطات مركزية وسلطان كامل على كل المسلمين الشيعة ، ما يعني ان نائب الامام هذا يتمتع بهالة دينية وعند بعضهم بهالة قدسية ويدعوا من ضمن التطلعات الكبرى او الاهداف البعيدة الى دولة اسلامية شيعية موحدة تسيّرها سياسته. وبالتالي تتجاوز دعوته وسلطاته القوميات والكيانات السياسية الحديثة المعترف بها من قبل الامم المتحدة، ويمثله فيها نواب له يأتمرون به وحده.

ايها الاصدقاء فشلت ولاية الفقيه عند البويهيين والصفويين، و ما تزال تجربتها في ايران بين اخذ ورد، بين معتدلين مصلحين وآخرين متشددين. وقد حارب عدد وافر من علماء الدين السنة نظرية الحاكمية لله. وانا وان كنت على معرفية في موضوع الاصلاح السياسي الاسلامي لن ادخل في تفصيلاته لأنه موضوع المحاضرين الكرام. هذا الاصلاح الذي اطلع به متنورون من الفقهاء الشيعة في ايران ولبنان، ورواد الجامعة الاسلامية في القرن التاسع عشر، وغيرهم من المصلحين السنة في ارجاء العالم الاسلامي ممن قاربوا بين الدولة المدنية والدولة الدينية، وعالجوا مصطلحات وافكارا غربية وقاربوها بمثيلات لها اسلامية، او شرحوا مدلولاتها وافتوا بها، شأن الديمقراطية، والجنسية، والمواطنة، والتعددية. او وجدوا لها صدى في المفردات والممارسات الاسلامية. في حين كان بعض الفقهاء وعلماء الدين المتزمتون يعتبرونها دخيلة بل غريبة ومرذولة. ونحن وان كنا نأمل بقيام الدولة المدنية في لبنان حرصا منا على المجتمع التعددي، فاننا نتوخى حصول اصلاح سياسي يوفر للمواطنين حدا ادنى من الطمأنين والعيش الكريم، ويبعد شبابنا عن الهجرة 

ادارة ندوة المدارس ونظام التعليم في العهد المملوكي.

تميّز العهد المملوكي عن غيره من عهود العصور الوسطى بخاصات فريدة، ويعجز الباحث اذا لم يقف على بنية النظام العسكري، عن فهم تلك الخاصات التي ادت الى تقلبات في الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعمرانية خلال حكم المماليك. لأن نظامهم العسكري شكل المحور الاساسي لحكمهم؛ فقد كان على رأسه السلطان، يليه الامراء الكبار او مقدمو الألوف، الذين منهم ينتقى السلاطين، ثم امراء الاربعون، فصغار الامراء. ويقبع في اسفل سلمه الاجنادُ الذين انتظموا بدورهم من حيث الاهمية وفق الهرمية التالية: المماليك السلطانية على اختلاف مراتبهم، ثم فرسان الحلقة، فمماليك الامراء.

لقد حمل هذا التقسيم في طياته بذور الفساد والانحطاط، لأنه تلاءم مع مصالح جماعة عسكرية غريبة عن مصر وبلاد الشام، وحوّل مجتمعها الى مجتمع عسكري مغلق عن ابناء البلاد وجامد على وجه العموم، حتى بات الانتقال بين فئاته نادرا، وانحصر اجمالا بارتقاء عدد محدود جدا من الامراء والمماليك السلطانية ليشغلوا المراكز الشاغرة التي كانت تعلو رتبهم،  في غالب الاحيان تمتع الانتهازيون بهذه الامتيازات. ومن ناحية ثانية ترك النظام العسكري العرش مشاعا ليتبوؤه كل قادر، بل، على وجه العموم، أكثر الامراء الكبار حنكة ودهاء، وغدرا، وخيانة.

 والى ذلك، ومن اجل حصول الامراء على المراكز الاكثر مردودا اقتصاديا ومنزلة عسكرية، تحوّل العهد المملوكي الى سلسلة غير منتهية من الصراعات العسكرية الدامية والمدمرة للحياة الاجتماعية والاقتصادية،  بحيث كان ينقسم فيها معظم الامراء على اختلاف مراتبهم، وغالبية الاجناد، الى فريقين متحاربين، متخذين اسواق وساحات المدن الرئيسة كالقاهرة ودمشق وحلب وغيرها مسرحا قتاليا، الامر الذي كان يدمرها ويستنزف طاقاتها الاقتصادية والحياتية، ويعرّض السكان الى ابشع انواع المظالم. ومن المؤسف حقا ان حالات انضباط المماليك نلحظها بعهود عديد ضئيل جدا من السلاطين الاقوياء.

وارتبط النظام العسكري عضويا بالنظام الاقطاعي الذي غدا عسكريا بامتياز، واستغل المماليك بموجبه كل مقدرات البلاد الاقتصادية بما فيها الزراعية والصناعية، وصولا الى مردود الجمارك البرية والبحرية، وتقاسموا كل تلك الخيرات الوفيرة جدا وفق ترتيبهم العسكري، فعاشوا فئة مميزة غريبة عن ابناء البلاد، بعاداتها، وتقاليدها، ولغتها، وقوانينها.

وتكفيرا عن ذنوبهم الاقتصادية، وبما تسببوا به من خراب ودمار نتيجة صراعاتهم الداخلية شبه الدائمة، تقرّب السلاطين وكبار امراء من الشعب، بالاكثار من الابنية الدينية المتنوعة، وتشييد المدارس، التي لم يبنوا معظمها بدافع ديني بل رغبة بالحفاظ على ثروات السلاطين والامراء الكبار المنقطعة النظير، متوسلين نمط الوقف الذري ملاذا لاستمرارها بذريتهم، التي جعلوا منها شريكا للمؤسسات الخيرية، ولا سيما المدارس، بادارة املاكهم واستغلال مردودها. لان الوراثة كانت غير جائزة في نظام المماليك، ما ادى الى اطراد في دور التعليم، وليس ادل على ذلك من اسماء المدارس التي تنتسب الى مؤسسيها في مصر وبلاد الشام.

شكل الوقف المرتكز الاقتصادي الاساسي للتعليم، لأن الواقف كان يحدد رواتب المعلمين، وعدد طلاب المدرسة، ورواتبهم، وما يحتاجون اليه من اقلام ودفاتر… ومكان اقامتهم. ولم يكن التعليم وقفا على المدارس وان شكلت عموده الفقري، لأن المساجد، والجوامع، ودور الحديث، والخوانق، والربط، والزوايا، والترب، والبيمارستانات ساهمت بدورها بالحركة التعليمية.

اما هيئة التدريس فقد تألفت من الشيخ وهو على العموم من مشاهير العلماء، ومن المقرئ اي من يقرأ القرآن، والمحدث. وكان يحظى بعض المدرسين بلقب تشريف ( الاستاذ)، ويساعده معيد، وهو احد الطلاب النجباء الذي كان يعيد الدرس بعد انصراف المدرس ليركز باذهان من لم يستوعبه.

اما طرائق التدريس فكانت متنوعة: الالقاء او المحاضرة، وما كان مسموحا للطلاب مقاطعة المحاضر، بل كانت تطرح اسئلتهم في نهاية المحاضرة. والسماع او السماعات، وهو الاستماع الى المحدث او الفقيه يقرأ في مؤلف محدد على الطلاب، ويستمر يسمعهم حتى يتأكد له انهم حفظوا الدرس. والتلقين، والاملاء، والمناظرة او المحاورة.

ويحصل الطالب في نهاية تعليمه على اجازة من شيخه تثبت كفايته في حقله، وكانت الاجازات متنوعة: العامة، او بالفتيا، والتدريس، والتحريرية، وبعراضة الكتب، وبالمرويات…ولم يكن التعليم الديني المتنوع الاختصاصات يختلف كثيرا بين مدينة واخرى من حيث المضمون، انما انحصر التمايز بالمستوى الثقافي للمدرسين.

ايها الحضور الكريم، لن اتوسع في هذا الموضوع فاسحا في المجال للمحاضريْن الكريمين العميد احمد حطيط، والدكتور عمر تدمري التعمّق بالكلام عليه. وانما اريد اضافة ملاحظة اخيرة وهي اننا اذا تفحصنا بامعان نظام التدريس من حيث اسماء المدرسين والشهادات، لوجدنا فيها تقاطعا مهما مع ما يماثلها في حاضرنا: فالاستاذ لقب عالمي متعارف عليه، يماثله “بروفسور” في اللغات الاجنبية، ويتقاطع مع لقب محاضر او الاستاذ الدكتور، وكان يساعده شيوخ اقل منزلة منه تضاهي رتبهم في ايامنا رتبة الاستاذ المساعد، اما المعيد فهو المبتدئ في سلم التعليم العالي، وباتت جميع هذه الالقاب موحدة عالميا. والاجازة مصطلح ما يزال معمول به حتى اليوم في كل جامعات العالم.

ايها الحضور الكريم كان التعليم في العصور الوسطى رسالة اجمالا، فهل ما يزال كذلك في ايامنا؟ وربما يشكل هذا السؤال عنوانا لمؤتمر جديد.    

التجارة الصليبية في المدن اللبنانية.

  • مفهوم الحملات الصليبية: ما يزال الباحثون ينظرون الى الحروب الصليبية من زوايا مختلفة ان من حيث اسبابها ودوافعها ، او من حيث تطورها وجدواها ،وبالتالي نتائجها.ولايتطلب موضوعنا الخوض في كل ذلك ، اوانه لايتسع لها. انما من المفيد التأسيس له بالمنطلقات التالية: شكلت الغاية الدينية احدى اهم منطلقاتها ، واسست للمناخ ، الذي شحن العواطف الدينية في غرب اوروبا فانضوت تحت لوائها وتلبية لرغبة البابا جموع غفيرة متناقضة الاهداف والغايات. فانخرط فيها بعضهم مدفوعا بحب المغامرة ، ولاسيما النبلاء وحاشياتهم ، كما توسلها البعض الآخر من الفئة عينها ، ومعظمهم من الوصوليين ، للحصول على اقطاع ، او امارة في المشرق العربي كان عسيرا عليهم تحقيقه في بلادهم الاصلية. وهدفت الفئات الشعبية الكثيرة العدد ، من خلالها ، الغفران والتكفير عن الذنوب ومرضاة لله تبعا للفكر السائد انذاك ، فضلا عن انها توخت الهروب من وضعها المتردي ، ان لم نقل المأسوي.وتوخت البرجوازية ، ان جازت التسمية في ذلك الوقت ، اكتناز ثروات المشرق العربي مدفوعة بحمية مادية فاقت الحمية الدينية.

        ولم يكن بمقدور الفرنجة ، الذين شكلوا غالبية الجيش البري ان لم يكن كله ، تحقيق المشروع بفردهم لافتقارهم على الاقل للاساطيل الضرورية في هكذا مشروع ، الذي تعرف بدايته ولا تدرك نهايته.فكان ان تم الاستنجاد باساطيل الجمهوريات الايطالية وعلى الاخص : جنوا ، والبندقية ، وبيزا.وكان بعض تجار هذه الجمهوريات قد اقاموا علائق تجارية خجولة مع حكام المشرق عامة ، في مصر وبعض الساحل اللبناني وتعرفوا الى ما يمكن ان يقدمه المشرق العربي من ثروات فاقتنص “برجوازيوها” الدور العسكري البحري لتحقيق مشاريع البرجوازية المتعطشة الى الربح الوفير ، خصوصا ان جمهوريتي جنوا وبيزا كانت قد تطورت فيهما الحياة السياسية بطريقة جعلت من العسير جدا وقف تطورهما العسكري ، الذي كانت قد نعمت به البندقية قبل ذلك[1].ومع ذلك جاء انخراط الجمهوريات المذكورة في المشروع الصليبي متفاوتا ، اذ لب بعضها الطلب العسكري مباشرة ، وتريث بعضها الآخر

    وازعم ان تطور العلاقات المادية الناتج عن الحروب الصليبية وتطوره انما يرجع بالدرجة الاولى الى القوى العسكرية ، التي لم تكن تؤمن اجمالا الا بكسب الثروات المالية ، الذي سيطور وضعها الاقتصادي ولاسيما التجاري ، وتاليا قدراتها العسكرية ، التي ستدفعها للسيطرة على غالبية الاسواق التجارية في المشرق العربي وفي اوروبا.

     ويصعب فهم التجارة الصليبية في المدن اللبنانية بمعزل عن مفهوم التجارة الصليبية عامة في حوض المتوسط ، اومن دون التوقف عند العلاقات بين المدن او الجمهوريات الايطالية في ما بينها عداء ووئاما ، كما من دون التطرق للعلاقات عينها بين الحكام الصليبيين انفسهم من جهة ، ومع حكام الداخل المشرقي على تنوعهم في المدى التاريخي[2].كما يفترض فهمها دراسة تطور التجارة المشرقية العربية والاسلامية خصوصا مع الشرق الاقصى ومع بلاد فارس ، التي سيقتصرها هذا البحث على دراسة الطرق التجارية ودورها في تنمية التجارة العالمية.

     وساحاول في هذا البحث التمييز قدر المستطاع بين عدة مراحل شكلت ، بحسب تقديري ، مفاصل الحركة التجارية الصليبية :

  • منذ تأسيس الممالك والامارات الصليبية ، ولاسيما تطورها في القرن الثاني عشر حتى مجيء السلطان صلاح الدين الايوبي .
  •  العهد الايوبي خصوصا عهد صلاح الدين .
  •  واخيرا العهد المملوكي.

آخذا في الاعتبار تطور اساطيل الجمهوريات الايطالية ، وتنوع نقودها ، والمعهادات التجارية مع الحكام الصليبيين من حيث مراعاة تنفيذها وتأثيراتها ، كما تلك التي ابرمت مع حكام المشرق العربي.

      وما تجدر الاشارة اليه بايجاز ، قبل ولوج الحركة التجارية في المدن اللبنانية خلال العهد الصليبي ، هو وضع الفرنجة العسكريين من جهة ، ووضع المدن او الجمهوريات الايطالية المتنافسة تجاريا من جهة ثانية ، فضلا عن حاجة الفرنجة للاساطيل الايطالية ، ما فرض تنازلات من قبلهم لصالح الايطاليين.

الامتيازات التجارية:

  1. حاجة الفرنجة للايطليين: ويبدو ان الحكام الصليبيين ادركوا اهمية المواقع السترتيجية للمدن الساحلية اللبنانية والسورية والفلسطينية والدور التجاري الذي يمكن ان تطلع به ، وكانوا على معرفة بينة بان قدراتهم العسكرية والتجارية كفرنجة غير كافية ابدا للقيام بدور الوسيط في التجارة العالمية ، وكانوا يدركون ايضا حاجتهم الملحة للقدرة العسكرية الايطالية للاستيلاء على الثغور الساحلية اللبنانية والفلسطينية ولاسيما انهم ما كانوا يملكون الاساطيل العسكرية الضرورية لفتحها من جهة ، وللمحافظة عليها من جهة ثانية.

     وبديهي القول ان  الاستيلاء على الثغور المذكورة شكل مسألة حياة او موت بالنسبة للفرنجة على حد تعبير المؤرخ هايد :” فكان امتلاكها وحده يضمن لهذه الدول – أي الفرنجة – اتصالها بالغرب حتى تصلها منه المعونات البشرية والمالية الضرورية لبقائها “[3] .

  • اوضاع الجمهوريات الايطالية عشية الحروب الصليبية : وكان يبرز انذاك في الميدانين العسكري والتجاري معا ثلاث جمهوريات ايطالية يحكمها برجواريون هي : البندقية ، وجنوا ، وبيزا.وادركت كل مدينة ، لشدة التنافس التجاري في ما بينها ، اهمية بناء الاساطيل التجارية واولوية حمايتها من القراصنة من جهة ، ومن منافسيها التجاريين من ناحية ثانية.كما ادركت ايضا اهمية تنظيم الرحلات التجارية . وهكذا اعتمدت البندقية على نوعين من السفن: المستديرة المخصصة للشحن التي تعتمد  كليا على الاشرعة وتستخدم في الشحنات الثقيلة ، والطويلة التي خصصت لاغراض حربية صرفة[4]. اما جنوى فقد اعتمدت ثلاثة انواع : السفن الشراعية فقط ، والشراعية ذات مجذاف او اثنين ، والثالث المخصص للحمولة الثقيلة ويعتمد على عدد من الاشرعة والمجاذيف[5].غير ان هذه النماذج ستتطور خلال القرنين الثاني والثالث عشر لتلائم ازدهار الحركة التجارية المضطرد.كما ان  الوضعين السياسي والتجاري في الجمهوريات الايطالية قبيل الحروب الصليبية اثرا على دور كل منها من حيث الناحيتين الحربية والتجارية. 

أ جنوا : في اواخر القرن الحادي عشر ، كان يحكم جنوا قناصل انتخبهم البرجوازيون الاحرار[6]، ثم شهدت هذه الجمهورية حربا اهلية ادت الى الغاء النظام القديم ، حتى بدت بلا حكام شرعيين.وما كان بوسع برجوازييها تفويت فرصة المشاركة بالحروب الصليبية ، لذلك انتظم بعضهم فيما بينهم ، وتولوا تجهيز السفن الضرورية ، وكان ابرزهم بلا شك ، على حد تعبير “هايد ” الاخوان امبرياكو وبريمس امبرياتشي Embriaco Guillaume et Primus ، الذان سيكون لهما شأن في كونتية طرابلس.[7]وعادت الاوضاع بعد ذلك في جنوا الى ما كانت عليه ونشأت فيها حكومة جديدة شبيهة بحكومة القناصل ، رغم معارضة الاحزاب السياسية ورجال الدين.[8]ما دفعها للمشاركة الفعالة في الحروب الصليبية.وما تجدر ملاحظته ان تجارا جنويين كانوا قد قدموا الى بلاد الشام في العهد الفاطمي ، كما ان بعضهم كان اتى الى الاسكندرية والفسطاط بعد عقود على قدوم الفاطميين الى مصر في عام 969، ويؤكد ذلك نصوص ديوان التجارة الذي يشير الى رسوا سفن جنوية عام 1.7. في ميناء الاسكندرية.[9]مما يعني ان الجنويين تعرفوا الى اهمية التجارة المشرقية ، ما زاد باندفاعهم للمشاركة بالمشروع الصليبي.

   ب-  بيزا : كان وضعها مماثلا لوضع جنوا السياسي اذ بعد عدة صراعات بين الفيكونت ، الذين انضموا الى الكومون ، مع بعض الاسر البرجوازية ، اعترفت كل القوى المتنازعة في بيزا بسلطة القومون البرجوازيين بموجب ميثاق للسلام[10].

      وهكذا انتظم الوضع السياسي في الجمهوريتين جنوا وبيزا ، وصار بامكانهما دخول حلبة الصراع الاقتصادي والسياسي ، الذي كانت البندقية قد مارسته قبل ذلك التاريخ واقامت علاقات اقتصادية في اماكن عديدة في غربي المتوسط ، واخرى خجولة في المشرق العربي على ما يعتقد ” بالار ” [11] ، وعلاقات تجارية بارزة في القسطنطينية.

  ج- امالفي : لاتشير المعلومات التي تمكنت من الاطلاع عليها الى دور عسكري مهم لأمالفي كالادوار ، التي اطلعت فيها الجمهوريات الايطالية الاخرى ، انما دورها التجاري السابق للحروب الصليبية كان ، على مايبدو ، مهما.فهي كانت تربطها بالفاطميين علائق تجارية مهمة تعود الى عام 969 ، ويشير احد نصوص ديوان التجارة الى  وجود مئتي تاجر امالفي في القاهرة على حد تعبير كلود كاهين.[12]

   د- البندقية : كانت احدى اهم الجمهوريات الايطالية ، ووضعها السياسي مستقرا اجمالا قياسا بزميلاتها ، يحكمها دوق ، ويساعده مجلس – من البرجوازيين – ، وكانت تربطها علاقات تجارية مميزة بالدولة البيزنطية ، ولها اسواق فيها.ويرجح ميشال بالار ، انها كانت على علاقة تجارية مع الفاطميين او مع المشرق العربي عامة قبل عام 1095 [13].وقد يكون مرد تريثها بالمشاركة بالمشروع الصليبي الى عدم ترجيحها نجاحه الامر الذي قد يفقدها مركزها التجاري او يضعفه.

   ان التنافس التجاري بين الجمهوريات الايطالية ، وحاجة الفرنجة الملحة لقدراتها العسكرية البحرية جعلا العنصر البرجوازي الايطالي يدخل مسرح الحروب الصليبية من بابه الكبير. فانطلقت السفن الايطالية الاولى باتجاه المشرق العربي تحمل من ثغورها المؤن واسلحة الحصار والجنود الصليبيين[14] متوخية  ان يحتل الايطاليون المركز الاول في العملية التجارية بين الشرق والغرب. ان كل ذلك باعتقادي دفع الحكام الصليبيين لتقديم تنازلات مهمة للجمهوريات الايطالية ، التي كان حكامها مقتنعين بحاجة القادة والحكام الصليبيين لخدماتهم  لذلك كانوا يشترطون ، قبل الاقدام على تنفيذ اية مهمة ، ثمنا لمساعدتهم.وهكذا عقدوا معهم معاهدات لتحفظ لهم حقوقا مشروعة.وما يهمنا في موضوعنا هذا هي المعاهدات التي ابرمها حكام المدن اللبنانية الصليبيين ولاسيما طرابلس وصور وبدرجة اقل بيروت ، وجبيل ، وصيدا.

  • امتيازات الجنويين: ان معظم الابحاث التاريخية التي تناولت الحروب الصليبية تعتبر ان كل الجمهوريات الايطالية شاركت بالحروب الصليبية منذ انطلاقها ، انما الباحث المدقق يلاحظ تفاوتا بين تاريخ ودور وفعالية كل منها ، اذ لبت جنوا الدعوة مباشرة ، وتلتها بيزا ، وتريثت كل من البندقية وامالفي.ويبدو جليا ان العقدين الاولين من الوجود الصليبي في الشرق قد تميزا بالحروب ، التي ادت الى اقامة الحدود بين مدن الساحل – كل الساحل الفلسطين ، واللبناني والسوري – والمنطقة الداخلية التي كان يسيطر عليها الحكام المسلمون ، ما اعاق انطلاق الحركة التجارية في الثغور [15]. وقد يكون لذلك الامر دوره الفعال في حصول الايطاليين على امتيازات واسعة ومهمة ، وقد يفسر ايضا ما ذهبت اليه آنفا أي التباين في مباشرة الجمهوريات الايطالية الاشتراك بالحملات الى الشرق.

      حاولت جنوا ان تكون السباقة لتقطف ثمار مجهودها على حساب زميلاتها ، فلبت الدعوة مباشرة من خلال بعض برجوازييها ، انما حكومة ” الكومبانيا ” القناصل التي نشأت عقب ذلك اتخذت التدابير الضرورية لوضع الاساطيل الجنوية بخدمة الفرنجة.وقام الاخوان امبرياتشي بدور حاسم في هذا المجال ، وجهزا الات حصار بعض مدن الساحلية من خشبهما الخاص.ويمكن التأكيد مشاركة الجنويين الفعالة في العمليات الحربية ما بين 1098 و 1110 ما ادى الى حصولهم على امتيازات تجارية مهمة في الثغور الساحلية التي يهمنا منها طرابلس وصور وبيروت وجبيل وصيدا ، أي المدن الساحلية اللبنانية.[16]

   وقد وقع ملك القدس معهادة اولية مع الجنويين عقب احتلال يافا عام 1110، انما المعاهدة الاساسية ، التي اعتبرت المستند الرئيسي لكل الامتيازات الجنوية في المشرق العربي ، هي التي وقعت بين الجانبين المذكورين سنة 1104 ، مكافأة للجنويين ، الذين وضعوا اسطولا حربيا كبيرا في خدمة الملك بلدوين الاول ساهم بفعلية باحتلال عكا الميناء الذائع الصيت من حيث اهميته العسكرية والاستراتيجية ، وفي احتلال بيروت ايضا ، وقد اجازت للجنويين امتلاك كنيسة في عكا وثلث المدن التالية: ارسوف وقيسارية وعكا ، والتمتع بالسيادة الكاملة على شارع واحد في عكا وفي القدس ، وباعفاءات تامة من الضرائب والمكوس ، كما وعد الملك بتسليم الجنويين ممتلكات وسلع كل جنوي يتوفى في ارجاء مملكة القدس[17].وقد حرص الجنويون على نقش مضمون الامتيازات ، التي نالوها من بلدوين الاول ، خلف مذبح كنيسة القيامة ، بحروف مذهبة [18]، على الارجح كي لا يقدم الحكام الصليبيون في قابل الايام على التنصل منها.

    وقد تجددت هذه المعاهدة واضيفت اليها ملحقات او اضافات حتى بات الجنوييون يتمتعون باعفاءات ضرائبية على البضائع المستوردة من الاراضي الاسلامية ، كما حصلوا على محاكمهم الخاصة خصوصا في صور وفي عكا.[19]

    وحصل الجنويون في عهد يوحنا ابيلين حاكم بيروت على امتيازات مشابهة لما تمتعوا بها في عكا وصور اذ اعفوا من الضرائب والرسوم على الصادرات والواردات ، كما حصلوا على  محكمة خاصة بهم  , [20]  ، وسوق في بيروت نفسها[21]، مستثنيا بعض السلع من الاعفاآت الضرائبية مثل الخزف والزيت.[22] اما  الامتيازات الجنوية في طرابلس فقد تكون الاهم بين الامتيازات الاخرى التي منحها الصليبيون لهم ، بحيث ان الاخوين امبرياتشي مكنوا الصليبيين من احتلال مدينة جبيل سنة 1104 ، فمنحهم ريمون دي سانجيل ثلثها. ثم في عام 1109وقع خلاف بين برتران ابنه وابن اخيه وليم Guillaume كونت سردينيا ، وشارك الجنويون في هذا النزاع وآزروا الاول مشترطين عليه الحصول على جبيل كاملة ، وعلى ثلث مدينة طرابلس.وبانتصاره حصل على الارث ، واتم فتح المدينة ، ولكنه رفض تنفيذ المعاهدة فاحتل الجنويون كامل مدينة جبيل [23]. ولكن هايد يذكر ان برتران اعطى الجنويين ، عوضا عن ثلث طرابلس ، منطقة تعرف باسم ” جبل القائد العام – الهري-Puy de Connetable .[24] وفي سنة 1168 قدم آل امبرياتشي وتحديدا هيو امتيازات تجارية للجنويين تقوم على حرية التجارة والاعفاءات الضرائبية والجمركية[25].ولم يحصل الجنويون على امتيازات تجارية وضرائبية في طرابلس الا في مطلع القرن الثالث عشر في عهد بوهيمون الرابع بدءا من سنة 1205 الذي اعفاهم من ضريبة البيع في اسواق المدينة ، وسمح لهم بمحكمة خاصة بهم[26]

    على الرغم من مساهمة الجنويين في احتلال السواحل اللبنانية والفلسطينية فانهم لم يحصلوا في صور على امتيازات تجارية ، في بداية الامر ، على غرار امتيازات البنادقة ، لانهم لم يساهموا في احتلال المدينة. ولكن الصليبيين احتاجوا الى الخدمات العسكرية الجنوية لتحصين المدينة بعد هزيمتهم في حطين وخسارتهم القدس عام 1187 ، وبالتالي فقد حصلوا تدريجا على امتيازات شبيهة بما حصل عليه البنادقة في بداية العهد الصليبي ، اذ نالوا في بداية الامر محكمة خاصة بهم وسوق وابنية ، كما منحوا  حرية التجارة برا وبحرا. ويذكر الامير موريس شهاب ان كونراد دي مونتفرات ثبت الامتيازات المذكورة وعزز امتيازات الجنويين بمعاهدة جديدة من ابرز بنودها: الاعفاء من الضرائب على المكاييل والموازين ، وحصولهم على حقول متعددة ، وحمامين احدهما للنساء والآخر للرجال ، وفرن ، وسوق ، وعدد من المنازل فضلا عن ثلث عائدات مرفأ المدينة.[27]ويقول الياس القطار ، مستندا الى دسيموني  Desimoni ، انه بفضل دو شمباني حاكم صور اصبح للجنويين في صور محاكمهم الخاصة يتقاضون فيها  بكل ما يتعلق بشؤونهم بما في ذلك الجرائم ، ونالوا جزءا من مكوس الجمارك المفروضة على سلع العبور ( الترانزيت ) ، ولا يدفعون الضرائب على البضائع المعروضة في مخازنهم او المرسلة بطريق البر.[28]كما صار لهم مراكز صيرفة خاصة بهم ، وحمام ، ومجرى ماء لحاجياتهم.[29]ويعتبر انهم تمتعوا بكل تلك الحقوق مقابل حماية حاكم المدينة ، وترميم المرفأ ، وعلى الا يزيدوا طبقات منازلهم او يستحدثوا مسامك وملحمات في حيهم من دون ترخيص مسبق[30].

    البيازنة: من الواضح ان بيزا هي الجمهورية الايطالية الثانية التي وضعت قدراتها العسكرية في خدمة الفرنجة بعد جنوا ، وجاءت امتيازاتهم الاولى في امارة انطاكيا.[31] ومنحوا  امتيازات تجارية وضرائبية في مملكة القدس ، معظمها في المدن الفلسطينية [32].اما في عهد بلدوين الثاني ( 1118- 1131) فقد حصلوا على خمسة بيوت في صور، ووكالة تجارية قرب المرفأ[33] وفي عهد بلدوين الثالث وتحديدا في سنة 1156 على محكمة خاصة ،[34]ونالوا في المدينة عينها فرنا وخمسة افدنة من الاراضي خارجها[35].وكلما كانت تتعرض احدى المدن الصليبية الى خطر محدق يعمد حكامها الى تقديم تنازلات جديدة للايطاليين ، كما يحيون العمل بالمعاهدات السابقة التي كانوا قد اختزلوا عددا من مضامينها.ويتبدى ذلك عندما احدق الخطر بصور في عهد صلاح الدين الايوبي ، ولاسيما قبيل عام 1187  وخلاله ، بخاصة عندما  خسرالصليبيون القدس.لذلك يمكن ان يتوضح دور البيازنة التجاري في المدن اللبنانية من خلال معاهدة 1187 التي ابرمها مع كونراد دي مونتفرات حاكم مدينة  صور، وتضمنت ابرز بنودها :”منح البيازنة قطعة ارض لبناء البيوت قرب الموانىء فضلا عن حمامات وافران ، تعيين موظفين من قبلهم للاشراف على جميع المعاملات التي يقوم بها تجارهم[36] ، واعفاؤهم من الضرائب والرسوم ، ومنح القناصل البيازنة الاستقلال في ادارة كل ما يتعلق بشؤون المستوطنة البيزاوية ، منحهم ايضا سلطات قضائية على مستوطنيهم في كل الحالات ، ما عدا الجرائم الموجهة ضد غير البيازنة[37] ، حماية بضائعهم وممتلكاتهم في حال غرق سفنهم او تحطمها قرب السواحل الصليبية. كما نالوا فرنا وحماما وعدة منازل مع حقولها داخل المدينة.[38] مقابل تقديمهم المساعدة العسكرية لاسترداد مدينتي يافا وعكا من السلطان صلاح الدين الايوبي والدفاع عن مدينة صور ضد محاولات صلاح الدين للاستيلاء عليها[39].  كما حصلوا على حق استعمال المكاييل والموازين الملكية المعفاة من الضرائب .ويضيف القطار بان كونراد دي مونتفرات عزز امتيازاتهم بسماحه لهم العمل على ابواب المدينة وفي مرفئها وفي سوقها لمراقبة حسن استيفاء الضرائب ، واعفاهم ايضا من الضرائب على السفن الغارقة [40].وبذلك اضحت امتيازاتهم في صور تضاهي الى حد ، من حيث الاهمية ، مثيلاتها التي تمتع بها البنادقة والجنويين.

  ولم يحصل البيازنة على امتيازات  في مدينة طرابلس الا سنة 1179 حين وهبهم ريمون الثالث بيتا ،ثم حصلوا على محكمة خاصة بهم كما اعفوا من الضرائب الجمركية[41]

      البنادقة : منذ بداية حروب الفرنجة في الشرق تريث البنادقة فترة [42].ولما وقع امير انطاكيا في الاسر ، وازدادت هجمات الزنكيين ضد الفرنجة ارسل هؤلاء الى دوق البندقية يطلبون النجدة العسكرية على جناح السرعة ، كما تدخل البابا لدى البنادقة للغية عينها [43]، فلبوا  النداء، وقاد دوقها بنفسه اسطولا قوامه مئتا سفينة وانقذ موقف الصليبيين الحرج ، واحتلوا مدينة صور [44]، وبالتالي وقعت معاهدة 1124 بين البنادقة والبطريرك غورمون نيابة عن الملك المأسور، وهي تعتبر اساسا لكل المعاهدات والامتيازات البندقية في مملكة القدس ، وقد فصلها وليم الصوري بكل دقة : يمتلك البنادقة ملكا خالصا كنيسة وحيا وفرنا وطاحونة وساحة في كل مدينة وبارونية خاضعة لبلدوين الثاني وخلفائه.ولهم حق استخدام مكاييلهم وموازينهم ، الا اذا اشتروا سلعا من تجار آخرين ، ومنحتهم المعاهدة استخدام محاكم خاصة بهم يحتكمون اليها الا في حال حصول خلاف بين البنادقة وآخرين فيخضعون عندها لمحاكم الملك.واعفتهم ايضا من الرسوم والضرائب على انواعها في التصدير والاستيراد والمكوث في المملكة ، واستثنت منها الضرائب على نقل الحجاج .كما اقرت لهم بوراثة كل تاجر يتوفى في المملكة ، كما سلع السفن التي تغرق او تتحطم في موانئ مملكة القدس. ومنحتهم ايضا ثلث مدينة صور  وملحقاتها ملكا تاما ، واوجبت على الملك دفع مبلغ 3.. دوكة لدوق البندقية من عائدات مرفأ صور.[45] اما اولى المعاهدات التي وقعت بين الجانبين فكانت في عهد غودفروا دي بيون في تموز عام 1100 عندما قدم اسطول بندقي الى الشواطئ الفلسطينية وتوقف قبالة شواطئ يافا ، وطالب البنادقة مقابل خدماتنهم التي قاربت الشهر عقد معاهدة حصلوا فيها على اعفاء من الرسوم والضرائب الجمركية في مملكة القدس ، وثلث كل مدينة يساهمون في احتلالها، فضلا عن سوق وكنيسة   [46]

بيروت والبنادقة منحهم حنا ابلين حاكم بيروت تشجيعا لتجارة المدينة حقوقا تجارية وامتيازات نصت على الاعفاء من الضرائب الجمركية على بعض السلع.[47]

 جاليات اخرى : حصلت بعض الجاليات الافرنجية والايطالية على بعض الامتيازات التجارية انما في وقت متأخر اذ منح منح كونراد دي مونتفرات الكتلانيين ، وتجار مرسيليا ومونبليه اعفاء من الضرائب على تجارتهم ، وكذلك على موازينهم ومكاييلهم[48] .

 التنافس التجاري وعلاقة الجاليات الايطالية بالحكام الافرنج: ومن الواضح ان الايطاليين لم يتمتعوا بكامل الامتيازات التي نالوها من الفرنجة اذ عمد هؤلاء الى المراوغة للتملص من تنفيذ بنود المعهدات ولا سيما في الفترة التي تلت الاحتلال الفرنجي للمدن الساحلية على امتداد الشواطئ من فلسطين الى اعالي سورية ، وعمد بعض الملوك والحكام في طرابلس وصور وجبيل وبيروت وصيدا – وهي المدن التي تعنينا في هذا البحث- الى التلاعب بمضامين المعاهدات المتعاقبة تحصينا لمواقعهم الاقتصادية وكي يقاسموا الايطاليين الارباح.[49] وتعتبر الامتيازات التي نالها الفرنجة في القرن الثالث عشر تكملة لما كانوا قد حصلوا عليه سابقا منذ مساهمتهم العسكرية الاولى في القرن الحادي عشر انما طرأعليها تحول اثناء حملات صلاح الدين الايوبي التي استرد خلالها بعض المدن وهدد المدينتين اللبنانيتين الرئيسيتين طرابلس وصور [50]، وبالتالي عمد الايطاليون الى الابتزاز كي يعيد الفرنجة العمل بالمعاهدات الاولى وللحصول ايضا على امتيازات جديدة كي يمكن تأمين الحماية العسكرية ليس للمدينتين المذكورتين فحسب بل ايضا لاسترداد المدن التي استولى عليها صلاح الدين.

   ويمكن تسجيل اكثر من ملاحظة في هذا الشأن: ادراك الفرنجة خطورة مشاركة الايطاليين لهم في حكم المدن الساحلية عموما ومنها المدن اللبنانية على اسس فيودالية مما كان يفقدهم دور الريادة والقيادة السياسية ، وقد ادت الامتيازات الى قيام نوع من حكم اقليات ضمن مملكة القدس واماراتها ولا سيما في جبيل ،وفي احياء طرابلس وصور وبيروت التي تقاسمتها الجاليات الايطالية الجنوية والبيزية والبندقية.[51]وان نظرة على الجهازالاداري للجاليات ايطالية في المدن اللبنانية الرئيسية تعطينا فكرة واضحة عن فعالية ذلك الجهاز ، وعن دوره في تقاسم السلطة مع الحكم الصليبي الفرنجي. خصوصا ان الجمهوريات الايطالية ، بعد ان انتزعت الامتيازات من الفرنجة ولاسيما امتلاك الاحياء والمشاركة بالاشراف على الجمارك ، والحصول على محاكم خاصة الخ…، ادركت اهمية ادارة جالياتها في المشرق العربي ،فعينت كل منها مديرا يشبه عمل القنصل اليوم ولقب بلقب خاص. فعرف البندقي بلقب بايلو Bailo وكان مركزه في عكا ويساعده مساعدون في المدن الصليبية الاخرى عرف الواحد منهم بلقب فيكونت [52] ، اذ توجب على كل جالية تملك ثلث المدينة ان تعين عليها حاكما ، وقاضيا ، كانت الدجمهورية التابع لها تدافع عن الحاكم ضد اية اعتدآت[53].ولينا نموذج واضح علىذلك ، اذ عينت جنوا ، عندما امتلكت ثلث جبيل ، اسمه انسالدو كارسو[54]. وقد تمتع البايلو بصلاحيات واسعة جدا: مثل عقد المعاهدات بالنيابة عن دوق البندقية ، والاحتجاج لدى المراجع الصليبية كلما دعت الحاجة الى ذلك ،  وكان يعتبر المرجع الرئيسي لكل الموظفين البنادقة في صور وطرابلس وبيروت وغيرها من المدن الصليبية [55]، ويجهد كي لا يتلقى رعاياه امرا او يلتمسوا عدالة من موظفي الدولة الفرنجية[56].  وكان للبيازنة موظف كبير يدير شؤونهم عرف بالقنصل وكان مركزه في عكا.[57]اما الجنويون فقد احتكر آل امبيرياتشي ادارة جالياتهم لمدة طويلة اي لغاية عام 119. وكان مقرهم في مدينة جبيل.[58]وثم مارس الحكام الجنويون هذا الدور فعينوا قنصلا لتولي المهام الادارية كلها وفيكونتا لتولي الامور القضائية[59] ، وبما ان طرابلس شكلت مركز الثقل التجاري للجنويين ، عينت فيها جنوا فيكونتا تلي رتبته الفيكونت الاعلى[60]. ومنذ عام 1274 استبدل القنصل ب بودستا وحل مكانه في جميع صلاحياته واستقر في مدينة صور.وكان عمل ممثل الجاليات يشبه الى حد كبير دور البايل البندقي ، وبالتالي تعددت الصلاحيات في المدينة الواحدة ، وتضاربت مع الوظيفة الاساسية للحاكم الصليبي ، وادى الى مشاكل جمة ، وكادت السلطة الرئيسية تضيع في خضم تلك الصلاحيات المتداخلة ، ولاسيما ان كل جالية جهدت لتأمين مصالحها التجارية والسياسية.

 ان كل ذلك ، فضلا عن السيطرة الايطالية العسكرية وحاجة الفرنجة المستمرة لهذ القوة العسكرية افقدت الصليببين القدرة على رعاية التجارة بحيث انهم فقدوا السيطرة على التجار الذين ،وفقا لاحكام المعاهدات التجارية، احتكموا الى محاكمهم الخاصة ، وعاشوا في احيائهم الخاصة ، التي كانت ادارتها محض ايطالية  ، وبالتالي فقدوا القدرات الاقتصادية ، التي كان يمكن لو تمتعوا بها بطريقة صحيحة الاستغناء تدريجا عن الوصاية الايطالية.ولعب ايضا في هذا الشأن تصادم مصالح الحكام الصليبيين في ما بينهم من جهة ، ومع ملك القدس من جهة ثانية ، مما زاد الارباك السياسي ، والحاجة الماسة للقدرة العسكرية الايطالية ، التي تماهت في ذلك الصراع جريا وراء مصالح كل جالية ، ما ادى للاحتكام للسيف ، وتاليا تعرض الجالية المنهزمة لفقدان امتيازاتها.

  وعليه يصعب ادراك ابعاد الحركة التجارية الايطالية في المشرق العربي عموما وفي المدن اللبنانية خصوصا الا من خلال التنافس التجاري والعسكري المنوه عنه آنفا. ومن الامثلة على ذلك الصراع الذي حصل ما بين  1190 و1192 بين غي دي لوزنجيان وكونراد دي مونتفرات على عرش مملكة القدس بحيث جهد كل منهما للتحالف مع القوى العسكرية التجارية الايطالية عن طريق تقديم امتيازات جديدة لمن يؤازره. فدعم البيازنة غي ، في حين آزر الجنويون كونراد ، وبانتصار الاخير طرد البيازنة [61]من صور. وتجدد الصراع على العرش عينه ما بين 1193و 1195 بين غي دي لوزنجيان حاكم قبرص وهنري شمبانيا متولي صور الذي آزره الجنويون فما كان من هنري الا ان طرد البيازنة من صور ولم يتمكنوا من العودة الى احيائهم الا بعد ان وقع الصلح بين الطرفين عام 1195[62]

طرابلس:لم تتمركز الجاليات الايطالية بالمدينة فعليا الا في مطلع القرن الثالث عشر او بعيده، ومرد ذلك الى ان حصول الايطاليين على الامتيازات فيها جاء متأخرا قياسا بالمدن الاخرى.

جبيل : سقطت جبيل عام 1187 بيد صلاح الدين واسر صاحبها (من آل امبرياتشي)،وتم استرداد المدينة عام 1193 وعلى الرغم من بقائها تحت سيطرة آل امبرياتشي ،وعلى الرغم ايضا من ان الجاليات الايطالية فيها كانت معفية من كامل الرسم والضرائب ،الا ان تلك الاسرة غدت تابعة لحكام طرابلس.

صور: كان ميناؤها افضل من ميناء عكا لانه يتسع لمعظم انواع السفن[63].وعلى الرغم من ان فيليب دي مونتفرات طرد البناقة منها وعلى الرغم انهم لم يتمكنوا من العودة اليها الا عام 1277 فانهم استمروا في سك الدنانير الذهبية التي تحمل شعائر اسلامية لانها تجلب التجار المسلمين اليها وتسهل التعامل التجاري[64]. وازدادت اعداد الجاليات الايطالية فيها بعد عام 1187 حين حصل الجنويون والبيازنة على امتيازات تجارية وفيرة. وغدا الجنويون اكثر الجاليات الاخرى نشاطا واهمية بسبب مساعدتهم لحكام صور واستمر الامر على هذا النحوا الى حين الجلاء الصليبي عن الشرق

الطرق والسلع التجارية

الطرق التجارية الرئيسة: كان في العصور الوسطى ثلاث طرق رئيسة تربط الشرق الاقصى بالمشرق العربي تراوحت المخاطر عليها تبعا للظروف السياسية والعبات الطبيعية. كان الطريق الاول بحري ينطلق من الصين مرورا بالهند فالخليج العربي حيث يتفرع باتجاهين: غربا الى دمشق، وشمالا الى ديار بكر[65]. اما الثاني فيأتي ايضا من الشرق الاقصى عبر المحيط الهندي الى البحر الاحمر، ثم يسلك اتجاهين: عبر سيناء الى دمشق فموانئ الساحل الشامي، او الى القاهرة[66]. وكان الثالث بريا عبر الهند وجبالها وهو لا يعنينا اجمالا في هذا البحث.

وقد تعددت المحطات التجارية البحرية والبرية على هذه الطرق مما سهّل عبور القوافل عليها[67]. وقد أمّنت تلك الطرق والمحطات بانتظام وصول سلع الشرق الاقصى الى موانئ ساحل بلاد الشام ومدنها الداخلية، وكذلك السلع الاوروبية باتجاه الشرق الاقصى. وحرص الحكام في منطقة الخليج العربي ومنطقة الحجاز على ان تبقى الطرق الرئيسة خفية على التجار الافرنج على اختلاف جنسياتهم، ومنعوا على الحكام الافرنج ايضا عبور تلك المنطقة.

طرق القوافل او الداخلية : ان الطرق الداخلية التي كانت تربط المدن الداخلية في بلاد الشام والمشرق العربي عموما بالمدن الساحلية كانت متعددة سنركز على ابرزها. الطريق الآتي من الفسطاط( مصر القديمة) الى دمشق مارا بالرملة وطبرية ومنها الى الموانئ الرئيسة على الساحل التي يعتبرها ابن خرداذبه المخرج الطبيعي لتجارة بلاد الشام[68]. وكانت حلب وفق ناصر خسرو ملتقى الطرق التجارية الواصلة اليها من مناطق مختلفة ومنها الى دمشق فبيروت، او الى حمص فطرابلس، لأن حمص كانت بدورها محطة إلتقاء عدد من القوافل القادمة اليها من الرقة والفرات بمحاذاة الصحراء [69]. ويتفرع طريق حماه باتجاهين: احدهما باتجاه الساحل غرب الشام الى عرقة فطرابلس، والآخر جنوبا الى دمشق[70]. ولشدة اهمية الطريق الذي ينطلق من حلب الى دمشق او بالعكس فقد خصّه ابن جبير المعاصر للافرنج بوصف مهم لشدة ازدهاره:” تقيّد اسواقها – اي حلب- الابصار حسنا وعجبا، ومليئة بالحوانيت، واكثر حوانيتها من خشب بديع الصنعة…ومنها الى قنسرين، فمرواحين وفيها خان كبير…يعرف بخان التركمان،  وخانات هذا الطريق كأنها القلاع امتناعا وحصانة، وابوابها حديد…ومنها الى ثمنى وفيها ايضا خان…فبلاد معرّة النعمان فجبال لبنان او الى اللاذقية…ومن معرة النعمان الى حماه…ثم الى حمص فبعلبك…الى بيروت…والطريق من حمص الى دمشق قليل العمارة…”[71].

يمكن الخلوص من وصف ابن جبير الى كثرة الخانات[72]، وسهولة عبوره بسبب التسهيلات الكثيرة عليه هو ومتفرعاته، وامكانية التبادل التجاري في خاناته، او التزود بسلع جديدة، وتؤشر كثرة الخانات الى شدة ازدهار الطرق المذكورة. وقد وصف ابن جبير الطرق البرية التي تصل الى صيدا وصور وعكا: فالقوافل كانت تنطلق من مصر عبر طبرية الى دمشق ومنها الى دارية، فبانياس، ثم الى تبنين حيث كانت السلع تمكس، ومنها الى عكا، ثم الى اسكندرونة فالى صور[73].

ويتبيّن من دراسة طرق القوافل ان دمشق وحلب كانت تزخران بمختلف انواع السلع، ومن ابرز المراكز التجارية الداخلية التي كانت مستودع السلع القادمة اليها عن طريق مصر أكانت مصرية المصدر او من الشرق الاقصى. وكانت الموانئ بخاصة اللبنانية منها ولا سيما صور وطرابلس وصيدا من ابرز الموانئ التجارية والعسكرية على حد سواء. ولعل صور وفق معظم المؤرخين كانت الاهم والاوسع بينها، اذ كان لها ميناآن داخلي وخارجي، الاول لاستقبال السفن الصغيرة لأن الكبيرة قد تتعرض للعواصف من دون امكانية حمايتها، على عكس الثاني الذي كان يفوق ميناء عكا اتساعا ويستقبل السفن من مختلف الاحجام، وكان يشكل مأوى امينا لها.[74]

كانت تخضع لكونتية طرابلس عدة مرافئ ما كان يسهل الاعمال التجارية فيها تتلائم مع كبر السفن واحجامها مثل طرطوس[75] ، وجبيل المخصص لاستقبال السفن الصغيرة ،[76] وميناء طرابلس نفسها تلك المدينة الشديدة التحصين باسوارها العالية الذي كان يستقبل السفن من مختلف الانواع والاحجام[77]. ولم يكن ميناء بيروت من الاهمية الكبرى ليضاهي موانئ طرابلس وصور وعكا، بل كان يستقبل السفن المتوسطة الكبر و، وكانت تكمن منزلته بانه كان ملتقى التجار من حلب ودمشق وبعلبك[78].

وهكذا لعبت الموانئ المشرقية المتوسطية التي كان يسيطر عليها الافرنج دورا اساسيا وبارزا في التجارة التي مارسها الايطاليون بوجه الخصوص مستفيدين من الامتيازات التجارية التي حازوها اثناء تكوين مملكة القدس والكونتيات والامارت الاخرى او السنيوريات التي كانت خاضعة لمملكة القدس اللاتينية. فقد فريدة من حيث قرب بعضها من البعض الآخر اذ كان النجدة تأتي لاي ميناء يتعرض الى الخطر من الموانئ الاخرى، ولسهولة وصول التجار اليها اما بحرا او عبر القوافل، اما وسطاء للتجار الايطاليين وغيرهم من الاوروبيين، او للتجار المشارقة او للقيام باعمالهم التجارية الخاصة. ناهيك بالامان الطبيعي الذي حبته لها الطبيعة من شمالي لبنان حتى مشارف عكا اذ تحيط بها الجبال مكونة لها حصونا طبيعية صعبة الاختراق.

الصادرات : كان طلب الاوروبيين على السلع في المشرق العربي شديدا أكانت منتجة فيه او مصدرة اليه من الشرق الاقصى وبلاد فارس.وقد اورد بيرين Pirenne ثبتا بابرز السلع المشرقية : الارز ، الليمون ، المشمش ، الزبيب ، العطور ن الادوية ن الاصباغ ، الاخشاب الممتازة كالصندل … والقطن الذي اعطى اسمه العربي الى كل اللغات ، والحرير الخام . هذا اضافة الى انواع من الملبوسات ، التي عرفت باسماء مصادرها ، مثل الدمسق نسبة الى دمشق ، و بلدكان BALDAQUIN نسبة الى بغداد ، والموسلين نسبة الى الموصل ، وgaz  نسبة الى غزة [79].هذا فضلا عن اقمشة  Samit و Camelot وانسجة سميكة من وبر الجمال او الماعز او الصوف ، والصابون والاواني النحاسية المكفتة.[80]ناهيك عن المسك ، وخشب الصبر ، والبهار ، والهال ، والقرفة ، والخولخان[81]، وجوز الطيب ، والكافور ، والقرنفل ، والتين واللوز ، وقصب السكر ، والنبيذ ، والسمسم ، والثمار الزيتية ، والنيلة ، والفوة[82]، والخزف والزجاج.[83]

اما سلع الشرق الاقصى التي كانت تصدر الى اوروبا فقد ذكرها كل من ابن خرداذبة والادريسي. وهي مواد طبية مثل القسط والبقم[84]، والبهار والقنا [85]، والخيزران ، والعود[86]، والعنبر الطيب الرائحة تزن الواحدة منه ما يقارب القنطار احيانا ، واللؤلؤ ، والياقوت ، والماس ، والزمرد ، والاحجار الكريمة ، واصناف عدة من العطر والبلور[87].  كانت المنسوجات الحريرية من ابرز الصادرات الى الغرب الاوروبي، وقد تميزت طرابلس بهذه الصناعة خلال العصور القديمة و الاسلامية والبيزنطية وخلال العصر الصليبي ايضا [88].وكان في طرابلس وحدها حوالى اربعة آلاف شخص يعملون في صناعة الحريرخلال القرن الثالث عشر [89].وكان في صورمصانع للحرير شهيرة ولاسيما صناعة الحرير الابيض الذي شكل مصدرا رئيسا للحي البندقي فيها الذي كان يصدر الى الغرب الاوروبي [90]،   ونقلت الى المدن الصليبية وبخاصة اللبنانية منها الاقمشة الحريرية والمنسوجات الاخرى على اختلاف انواعها من المدن السورية ولاسيما دمشق وصدرت منها الى اوروبا[91] . وقد احتل الزجاج الصوري المرتبة العالمية الاولىمن حيث جودته [92]. ، ولاسيما ان صور اشتهرت بمصانع الزجاج التي كان يديرها اليهود ، وقد خصص فيها ربض لصناعة الزجاج الجيد والفخار ايضا على حد تعبير الادريسي.[93] وقداشتهرت صور بصناعة متنوعة للزجاج كالزهريات الشفافة والفائقة الجودة لاستخدام الصوريين مواد اولية ممتازة مستخرجة من المدينة عينها كالرماد مثلا[94] ، وقد كان يصنع ايضا في طرابلس وصيدا بطريقة ممتازة وان لم يكن يضاهي الزجاج الصوري[95] ، وكان قصب السكر يزرع بكميات وافرة في بساتين صيدا وصور وفي طرابلس[96] وصناعة السكر كانت من الصناعات الرئيسية في صور. وكانت معاصره منتشرة داخل المدينة يملك بعضها الملك وبعضها الآخر البنادقة والجنويين[97] ، كما دخلت صناعته في تركيب الادوية. وصدرت المدن اللبنانية زيت الزيتون الذي كان يطلق عليه الصليبين الزيت الطيب والذي كان يجلب اليها من مناطق متعددة كالخليل ونابلس.[98] وتميزت صور ايضا بصناعة الاقمشة البيضاء الممتازة الصنع والباهظة الثمن ولايصنع شبيه لها في سائر البلاد المحيطة بصور وكانت تحمل الى كل الآفاق.[99]وقد اشتهرت صور بعدد آخر من الصناعات ذكرها الامير موريس شهاب مثل صناعة المصاغ والحلي على انواعها.[100]

  الواردات:  ان السلع التي صدرها الايطاليون الى المدن الصليبية كان قسم منها للاستهلاك المحلي والقسم الاخر لاعادة التصدير للداخل المشرقي الى اسواق مصر وسوريا وفلسطين بواسطة الصليبيين انفسهم او بواسطة تجار مشرقيين[101].وبعض هذه السلع تولى تصديرها تجار مشرقيين الى الشرق الاقصى.اما اهم السلع التي صدرها التجار الايطاليون الى الشرق فهي: الاخشاب والاسلحة ولاسيما الخوذ[102] والسيوف [103]،والرقيق وقد شكلت صور احد اهم اسواقه [104]، والاقمشة على اختلاف انواعها ومن مصادر متعددة :ايطالية وفرنسية.[105]     الصادرات الصليبية: نقل الصليبيون السلع المشرقية الى الغرب الاوروبي ولاسيما الصناعات التي اشتهرت بها المصانع في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان.فقد نقلوا من مصر اما عبر الاسكندرية او من الموانئ اللبنانية المنسوجات الكتانية التي اشتهرت بصناعتها المدن المصرية مثل تنيس ودمياط والاسكندرية والفرما وغيرها[106] اضافة الى المنسوجات الحريرية والقطنية والصوفية.[107] وتعرف الايطاليون الى اهمية الشب في الصباغة وغدا استخدامه ضروريا في الصناعة الاوروبية.[108] كما نقلوا ايضا من مصر الزمرد[109] ، كما جلبوا منها قصب السكر والسكر.[110]

  الضرائب : ان مسألة دفع الضرائب في الموانئ الفرنجية خضعت لعملية مد وجذر تبعا لحاجة الفرنجة الى الخدمات الايطالية العسكرية،وبالتالي لم تنفذ بنود المعاهدات التي تحدثنا عنها الا كيفيا ان جاز التعبير.انما من الواضح وفق المصادر والمراجع الصليبية كانت السفن عندما تصل الى قبالة اي ميناء صليبي تخضع للتدابير التالية : تقرع الاجراس اعلانا لوصولها،ويتوجه نحوها قارب صغير لارشادها للمكان المخصص لرسوها ، او تعمد عدة قوارب صغيرة لتفريغ حمولتها ونقلها الى الشاطئ. اي يكن التدبير التي كانت تخضع له السفينة من التدابير التي ذكرت ،كان يتبعها المراحل الاربع التالية: انزال البضائع، ثم تسجيلها في الدوائر المختصة منعا للتلاعب ،وبعد ذلك تخزن البضائع، واخيرا تتم عملية البيع ،وهذه العمليات الاربع ادت الى تنوع الضرائب وتعددها بحيث دفع التجار الايطاليون الضرائب التالية : الرسو، والميناء ،والمبادلات التجارية او حركة السوق من بيع وشراء واخيرا ضريبة العودة او مغادرة السفينة الميناء[111] .وقد عمد المؤرخ البريطاني الحديث ماير Mayer  بالاستناد الى مصادرة متعددة الى تحديد الى حد بعيد قيمة الضرائب التي دفعها الايطاليون في الموانئ الفرنجية وهو ميز بين الضرائب على السلع بحيث استوفى الصليبيون ضرائب مرتفعة على السلع المعدة للاستهلاك المحلي فوصلت قيتها الى 15% ،في حين تراوحت قيمة الضرائب المعدة لاعادة التصدير والتي جلبها الايطاليون بين 6،4 و2،11 % من قيمتها الاصلية.

  وكما ذكرنا سابقا فان اهم مرفأين لبنانيين في العهد الفرنجي تمثلا بطرابلس وبصور، ولم يكن فيهما على ما يبدو مراكز للضرائب على السلع المشرقية ،فالسلع القادمة الى صور كانت تخضع للضرائب في حصن هونين التابع  لملك القدس[112].

     التنظيمات التجارية :


[1] – هايد ، تاريخ التجارة في الشرق الادنى في العصور الوسطى ، تعريب احمد محمد رضا ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة ، 4اجزاء ،  ج1 ، ص 146

[2] – سلاجقة ، فاطميون ، ايوبيون ومماليك

[3]  – هايد ، تاريخ التجارة في الشرق الادنى في العصور الوسطى ، تعريب احمد محمد رضا ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1985 ، 4اجزاء ، ج 1 ، ص 149

[4] – زيتون عادل ، العلاقات الاقتصادية بين الشرق والغرب في العصور الوسطى ، دار دمشق ، دمشق ، 1098 ، ص 55 – 56

4-0Byrne , E. H. , Genosese Shipping in the twelfth and thirteenth centuries , Cambridge , 1930 , pp. 5-6

[6]  – هايد ، المرجع السابق ، ج 1 ، ص 146

[7] – المكان عينه

[8] – بالار ( ميشال ) ، ” الجمهوريات البحرية الايطالية والتجارة في الشام- فلسطين ، من القرن الحادي عشر الى القرن الثالث عشر ” ضمن كتاب الصراع الاسلامي – الفرنجي على فلسطين في القرون الوسطى ، تحرير هادية الدجاني شكيل و برهان الدجاني ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت ، 1994 ، ص 182- 183 

[9] – Ashtor , E. , A Social an Economic History of the Near East in the Middle Ages , London , 1977 , pp. 196, 353

[10]  – هايد ، ج 1 ، ص 146

[11] – بالار ، الجمهوريات البحرية ، ص 183

[12]   Cahen , C.,” Le commerce d’Amalfi avant pendant et apres la croisade “Comtes-rendus de l’Academie des Inscriptions et Belles Lettres , Paris , 1977 , pp. 29 – 31. , p. 295

[13] – بالار ، الجمهوريات البحرية ، ص 184

[14] – Recuil des Historiens des croisades , Lois , 2 T. , T.I , Assises de Jerusalem , publie par le conte

Deugnot , T.I , pp. 276 , 29.

[15] – Cahen , C. , Orient et Occident : au temps des croisades , Paris , Aubier , 1983 , p. 1.7

[16] – Ibid , p.p. 78 – 79 

[17] – Wiilliame of Tyre , A History of deeds done beyond the sea , II vols , translated by Bebcok and Kery , Newyork , 1943 , v I , p. 434 – 438 , 454 – 456

[18] – هايد ، ج 1 ، ص 152

[19] – Lamonte , J. L. ,Feudal monarchy in the Latin Kingdom of Jerusalem 11.. – 1291 , Cambridge , Massachusetts . 1932 , p. 264 – 265

[20]   Novar , Philip de , The wars , of Frederick II , against the Ibelins in Syria and Cyprus , translated by Lamont J. I. , New york , 1936 , pp. 136 , 144

[21] – William of Tyr, op. Cit 456

[22] – Novar , op. Cit. P 136

 [23] Lamonte , J. L., Feudal minarchy in the latin kingdom of Jerusalem , 11.. to 1291 , Cambridge , Massachusetts , 1932 , p 229

[24] –    هايد ، تاريخ التجارة ،  ج 1 ، ص 162

  [25] Lamont , feudal , p. 269

[26] – القطار، الياس ، المجتمع في صور في العهد الفرنجي ، ضمن كتاب وثائق المؤتمر الثاني لتاريخ مدينة صور ، 1998 ، ص 123

[27] Chehab,M., Tyr ‏à l’époque des croisades histoire religieuse et economique, ed. Maisonneuve, T2, Paris,1979,pp. 362-372 

[28] – القطار ، الياس ، المجتمع في صور ، ص 124 – 125

[29] – المكان عينه

[30] – القطار ، المرجع السابق ، ص 125

[31] – بما ان بحثي لا يتناول الا المدن اللبنانية فلن اتحدث عن الامتيازات التي نالها البيازنة في امارة انطاكيا التي فصلها كل من : Nicholson , R. . L. , Tancrad , Chicago , 194. , pp. 166.  و Lamonte , Feudal , p. 27. ، وهايد ، ج1 ، ص 154 – 155

[32] – لمزيد من التفاصيل انظر : زيتون ، العلاقات الاقتصادية ، ص 135

[33] – القطار ، المجتمع في صور ، ص 125

[34] – Lamonte , Feudal monarchy , p 269

[35] – القطار ، المجتمع ، ص 126

[36] – Chehab , Tyr , tII , p 362-372

[37] – زيتون ، المرجع السابق ، ص 137 – 138

[38] – القطار ، المجتمع ، ص 126

[39] – هايد ، ج1 ، ص 148 ، و زيتون ، المرجع السابق ، ص 137 – 138

[40] – القطار ، المجتمع ، ص 126

[41] –     – Lamonte , Monarchy , p 271

[42] – انظر ما سبق

[43] – هايد ، ج1 ، ص 155

[44] – هايد ، ج1 ، ص 157

[45] – Guillaume of Tyr , op. Cit. , I , 552 – 556 ، وليم الصوري ، تاريخ الحروب الصليبية ، ج1 ، 702 ، وهايد  ، ج1 ، ص 166

[46] – الصوري ،( وليم ) ، تاريخ الحروب الصليبية ، ترجمة سهيل زكار ، بيروت ، 199. ، جزءان ، ج1 ، 6.1 ، وانظر ايضا ،

Nicholson , r. l. , Tancred , Chicago , 1940 , p 113

[47] – Riley- Smith ,” Governent , in latin Syria and the commercial privileges of foreign merchants “, in the relathons beween east west , Edinburgh , 1973 , p 11.

[48] Richard , J. ,Le Royaume gatin de Jerusalem , Paris . 1953 , p. 225

[49] -Riley-Smith , The feudal nobility and the kingdom of Jerusalem 1174- 1277, London , 1973 ,pp. 67-68

[50] – ابن الاثير ، عز الدين ، الكامل في التاريخ ، ج9 ، ص 179-182

[51] – Riley-Smith , feudality , pp. 67-68

[52] – Novar , op. Cit. , pp. 205

[53] – هايد ، ج1 ، ص 17.

[54] – المكان نفسه

[55] -Lamonte , Feudal , p. 234

[56] – بلار ، الجمهوريات البحرية ، ص 194

[57] – Riley-Smith , nobility , p. 7.

[58] – Mayer , H. E., The crusades , Oxford , 1972 , p 175

[59] – Novar , op. Cit. , p 208

[60] – Brousset , R. , L’Empire du Levant , Payot , Paris , 1979 , p 53.

[61] – Flemhng , W, B. , The history of Tyr , Cogombia , 1915 , pp. 1.7- 11.

[62] – ibid

[63] – ابن بطوطة ، الرحلة ، ص 62

[64] – Mayer , Crusades , p 163

[65] – فهمي، نعيم زكي، طرق التجارة الدولية ومحطاتها بين الشرق والغرب، الهيئة المصرية العامة العامة للكتاب، القاهرة، 1973، ص 124 .

ضومط، انطوان، الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، دار الحداثة، ط1 بيروت، 1980، ص182

[66] – فهمي، طرق، ص 124

ضومط، الدولة، ص 182

[67] – لمزيد من التفاصيل انظر:                                                                                           Heyd, T I, p. 457, II p.58

Depping, Histoire du commerce entre le Levantet l Europedepuis les Croisades des colonies d Amerique, t II, Paris, 1865, pp. 76-77, 102-103

اليوزبكي، توفيق اسكندر تاريخ تجارة مصر في عصر المماليك، الموصل، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، 1975، ص 73-77

ضومط، الدولة، المملوكية، ص 184-189

[68] – ابن خرداذبه، المسالك والممالك، تحقيق محمد مخزوم، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1988، ص74-76 

[69] – خسرو، سفر نامة، 46-47

الادريسي، ابو عبد الله محمد، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، طبعة نابولي-روما، ج2، ص137

[70] – خسرو، سفر، ص46-47

[71] – ابن جبير، محمد بن احمد، الرحلة، دار صادر، بيروت، 1983، ص227- 233

[72]  – والخان هو محطة تجارية للتجار الشرقيين، وهو يتألف من مجموعة ضخمة من الحوانيت والمستودعات التجارية، في وسطها بهو كبير مسقوف معد لحفظ سلع التجار. وفي الخان يرتاح التاجر ويريح دوابه، ويمكنه المبيت فيه، وان اراد اكمال رحلته مباشرة ان يفيد من سبيل الماء والحانوت الواقعين خارج الخان حيث يستطيع التزود بما يشاء. انظر ابن بطوطة، محمد بن عبد الله، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاقطار، المطبعة الاميرية، القاهرة، 1923، ج1، ص 43.

ضومط، الدولة المملوكية، ص210-211   

[73] – ابن جبير، الرحلة، ص 272-274، 282

ابن بطوطة، عجائب، ص 62

[74] – المصدر السابق، ص 62

رانسيمانز، ستيفن، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة السيد الباز العريني، بيروت، 1967-69، ج3، ص61

Ziadeh,N, Urban life in Syria under the early Mamluk, Beyrut, 1953, pp. 135-136

[75] – الادريسي، ج1، ص358 -359

[76] – المصدر السابق، ج1، ص 365

[77] – المكان عينه

[78] – Heyd, t I, pp.459-460

Depping, T I, p. 96

Pirenne , H. , Histoire economique et sociale du Moyen-Age , Presse universitaire , Paris , 1969 , p 122

[80] –  Grousset , op. Cit. , pp. 323 – 324

[81] هو نبات طبي من فصيلة الزنجبيل

[82] – هي عشبة يستخرج من جذورها مادة عشبية تستعمل في صناعة الصوف والحرير

[83] – هايد ، تاريخ النجارة ، ج1 ، ص 176 – 177 و 188 – 189 و 191

[84] – دواء يستخرج من سم الافاعي

[85] – قصب يصنع منه الحصر

[86] – ابن خرداذبه ، المسالك والممالك ، تحقيق محمد مخزوم ، دار احياء التراث العربي ، بيروت ، 1988 ، ص 62 – 63

[87] – الادريسي ( ابو عبدالله محمد ) ، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ، طبعة نابولي-روما ، دون تاريخ ، ج1 ، ص 64 – 66 ، 68 –69 ، 73 – 74 ، 77 ، 81 – 82 ، 84 ، 88 ، 91 – 92 ، 99

[88] – Prawer , J. , The latin , kingdom of Jerusalem , London , 1972 , p 393

[89] – زيتون ،  ص 172- 173

[90] – الطليطلي ، بنيامين ، رحلة الطليطلي ، ترجمة عازار حداد ، بغداد ، 1945 ، ص 92

[91] – زيتون ، المكان عينه

[92] – Riley-Smith , nobility , pp. 63-64

[93] – الطليطلي ، الرحلة ، ص 92 ،

– الادريسي ، ( محمد بن عبد الله ) ، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ، جزءان ، عالم الكتب ، بيروت ، 1989 ، ص 365 – 366

[94] – هايد ، تاريخ التجارة ، ج1 ، ص 191

[95] – Riley- Smith , nobility , pp. 64 – 65

[96] – Fleming , p 95

[97] – القطار ، ( الياس ) ، الحياة الاقتصادية في صور ، ضمن كتاب وثائق المؤتمر الاول لتاريخ مدينة صور ، 1996 ، ص 79

[98] – ابن بطوطة ،  ج1 ، ص 6.

[99] – الطليطتلي ، الرحلة ، ص 92 ، والادريسي ، نزهة ، ج1 ، ص 366

[100] – Chihab , op , cit. , p 34.

[101] – زيتون ، ص 178

[102] – Riley-Smith , nobility , p 64

[103] – Prawer , op, cit. , p 1..

[104] – Fleming , op. Cit., pp. 113-114

[105] – Prawer , op cit. P 1..

[106] – المقريزي ، ( تقي الدين احمد ) ، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار صادر، بيروت ، لا تاريخ ، جزءان ، ج1 ، ص 1.1 – 1.2

[107] – المقريزي ، ( تقي الدين احمد ) ، كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك ، تحقيق سعيد عاشور، القاهرة ، 197. ، ج1 القسم 2 ، ص 449 ، وايضا: الظاهري ، ( خليل بن شاهين  ) ، زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك ، تحقيق ، بولس راويس، باريس ن 1894 ، ص 41

[108] – ابن مماتي ، ( اسعد بن الخطير ) ، قوانين الدواوين ، جمعه وحققه عزيز عطية ، القاهرة ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، ط1 ، 1991 ن ص 328 ، والمقريزي ، خطط ، ج1 ن ص 1.8

[109] – ابن مماتي ، ص 81 ن

[110] – المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 1.2 ، والظاهري ، ص 35

[111] – Riley-Smith , nobility , pp. 7.-72

[112] – ابن جبير ، الرحلة ، ص 1.2

العلاقات المسيحية الاسلامية فيى نيابة دمشق المملوكية بين سلطة متعسفة ورجال دين متشددين.

مقدمة:احتل التاريخ العسكري والسياسي وما يزال، مركز الصدارة في التأريخ لمختلف عصور وحقبات الذاكرة العربية. ولم يُعن كفاية بالتاريخ الاجتماعي، الذي ظل يُدْرس بمقدار ما يتيح له المؤرخ السياسي والعسكري من مساحات ضيقة. كما صُوّر انه دراسة المباني على تنوعها، ووصف بعض المظاهر الاجتماعية كالحفلات والاعياد وما شابه، من دون التطرق الى صلبه كدراسة الفئات المكونة للمجتمع، من حيث علاقة كل جماعة في ما بينها من جهة، وعلاقة كل الفئات في ما بينها من ناحية ثانية. فانه يصعب عليه توضيحها بمعزل عن قراءة متأنية للعوامل الاقتصادية والاجتماعية، التي قد تكون احيانا في اصل تلك التحولات، وفي توجيه التاريخ السياسي والعسكري، فتصبح الاستعانة بالتاريخ الاجتماعي من مهامه الاساسية. وبالتالي يعطي، اليوم، معظم المؤرخين اهمية قصوة للدراسات الاجتماعية، لاعادة تركيب الماضي بكل ابعاده، بما في ذلك التداخل بين السياسة والاجتماع والاقتصاد.”لأن الزمان يكتسب فعاليته ويمر بتحولات طويلة او متقطعة، او يستمر تراتبيا، من خلال الفعاليات البشرية، ومما يعانيه الانسان في مجتمعه وبيئته”.[1]  

تتبدى صعوبة دراسة التاريخ الاجتماعي، في العصور الوسطى، لأفتقارنا الى عناصر البنية الاجتماعية، المكوَّنة من مجموعة عضوية من التقارير الشديدة التماسك، اجتماعيا واقتصاديا ونفسيا،التي تحتزنها الاصول والمصادر. واقل ما يقال في البنية: انها تتكامل في تقليد، وفي نظام خلقي، وتحدث اعادات ولا تتجدد، لان الحدث التاريخي هو الذي يحدث التجديد والابداع، ويحوّل بعض البنى ولا يقضي كليا على تماسكها الداخلي.[2] فمن واجب التأريخ الاجتماعي اذا تحديد الظواهر، التي تخضع لها المكونات الاجتماعية، ودراسة تطورها البطيء والسريع، بهدف تحديد مستوى التطور ايجابا اوسلبا. كما دراسة بنية العلاقة بين الحكام وفئات الشعب، لأهميتها في فهم الدينامية الاجتماعية.

في الربع الاخير من القرن العشرين حظي هذا النمط من التأريخ، في المشرق العربي، بعدد ضئيل من الابحاث، لأن العلائق بين المكونات الاجتماعية، في العصور الوسطى، كانت شديدة التشابك وئاما واختلافا، ومنها المسيحية الاسلامية، التي قلما بحثها المؤرخون بجدية، لأن السواد الاعظم من شعوب المشرق العربي مسلمون. وبنشوء الدول الحديثة، التي تساوى فيها المسيحيون والمسلمون امام القانون، تمت دراستها من مناظير مختلفة؛ فكتبها بعضهم بمشاعر ذاتية، املا بشد اللحمة بين الفريقين، واختزلوا الاحداث التاريخية التامة تسويغا لاهدافهم، مفترضين انها كانت سليمة اجمالا، من دون الاستناد الى مسوّغات مصدرية صلبة. وطوّع آخرون الحوادث لتوافق اهوائهم الاحادية للاحداث، فتماهوا بطريقة او باخرى مع المواقف السابقة، بهدف اعلاء شأن الاسلام، من دون ان يميزوا بين احكام الاسلام، وتدابير واجرآت الحكام على اختلاف تسمياتهم، كما بين التدابير، التي اتخذها بعض رجال دين مسلمين متشددين، مدفوعين بحمية تبرر الاساءات الاسلامية للمسيحيين. فهم غير مساوين للمسلمين، ويجب ان يتميزوا عنهم في السلوك، والثياب…ومعظمهم عملاء لأعداء الاسلام، ومشكوك بصحة ولائهم، ومتهمون بانتهاك شروط العهد. من دون ان يحددوا ماهية هذا العهد، وكيف ابرم ومدى توافقه مع مضامين القرآن، لائذين بالشروط “العمرية” التي اكتسبت لقب عهد الذمة، بعد ان باتت جزءاً من السنة، من دون ان يدرسوا مدى قانونيتها، مستندين فقط على ممارسات خلفاء واجتهادات فقهاء.

اولا: السلطات الاسلامية والمجتمع الفاضل:

1-الحكم واحكام الشريعة:

أ- في العهدين الراشدي والاموي:يعتقد معظم المسلمين ان المجتمع الاسلامي افضل المجتمعات، لأن نظمه مستمدة من كلام الله، ويؤدي تطبيقها الى جعله افضل من غيره فحسب، بل ساميا. هذا على المستوى النظري والايماني او العقائدي، انما عمليا عجز العصر الراشدي عن جعله فاضلا ومغايرا لكل نظائره في العالم، بفعل التنازع الخافت والظاهر بين قيادييه على السلطة، والمكاسب المادية على تنوعها. ولم يفلح ابو بكر، ومن بعده عمر بن الخطاب، بالتصدي لها، فاجّلا حلّها لاسباب كثيرة ( ليست موضوع دراستنا)، وفشلا بتحقيق المجتمع الفاضل. ودفع الخليفة عثمان بن عفّان حياته ثمنا لتجاوزه حدود الدور الديني المرسوم له، بابقائه على القرآن المعروف باسمه، واحراق المصاحف الاخرى، ولاسباب رئيسة اخرى[3]. ما يعني ان العصر الراشدي لم يفشل فقط بتحقيق المجتمع الاسلامي الامثل، انما حدث فيه الانشقاق الكبير بين المسلمين(صراع علي ومعاوية)، واصاب منه مقتلا ما يزال فاعلا حتى اليوم. فكيف بالتالي تعتبر تدابير عمر بن الخطاب جزءا من السنة وسبيلا الى المجتمع الفاضل؟! وسقط الاموييون في فخ التحزّب بين المسلمين، فصنّفوهم درجات وفق قرب كل فريق من السلطة، بل كل قبيلة، فاختل توازن الدولة وسقطت.

والجدير بالملاحظة انه كلما ابتعدنا زمنيا عن عهد الرسول، تبتعد الدول الاسلامية عن الهداية الايمانية الحقة، فالمذاهب السنية الاربعة لا تتطابق تفاسيرها لكل الاحاديث النبوية، ومنها ما يتعلق بمعاملة المسيحيين. ومن المفترض ان تكون السنة هداية ونبراسا لكل مسلم، ترشده سوي السبيل، لا عامل اخلال في المجتمع تفقده تلاحمه وتوازنه.

ب- العصور العباسية: افتقد العباسيون الى تطبيق المساواة، ابرز شعائر دعوتهم، بوقوعهم في فخ الصراع مع الشيعة، ومع بعض العرب. ومنذ اواخر العصر العباسي الاول، ضمرت هيبة دولتهم تدريجا في العصور التي تلته:( التركي المعروف بالفوضى العسكرية، والبويهي، ثم السلجوقي، فالايوبي، حتى سقوط الخلافة العباسية في مستهل العهد المملوكي على يد المغول( 656/ 1258). حيث صارت صلاحيات الخلفاء السياسية والدينية باهتة، وبعضهم لم يكن ضليعا في علوم الدين ولا بشؤونه، ما افسح في المجال للقادة العسكريين المتغلبين على الحكم، من امراء، وامراء الامراء، وبعضهم كان رقيقا، ومن ثم الملوك البويهيين، فالسلاطين السلاجقة، ليقتل الخليفة او يعزله او يعذبه حتى الموت[4]. وشكّل المجون وحياة الترف والبذخ، الخارجة على كل النظم الاسلامية، عناوين انماط عيش معظم الخلفاء وسلوك حواشيهم[5]. وبالتالي لم تنجح السلطة في الاسلام حتى ذلك التاريخ 1258/656 بالتحول الى سلطة سياسية دينية، او تتكامل فيها السلطتان الزمنية والدينية، لتحقيق العدالة الاسلامية وفق الشريعة. بل باتت سلطة زمنية بامتياز، ظاهرها ديني وحقيقتها خاوية منه، وبدت شبيهة باية سلطة زمنية اخرى. وسيست الرعية بالتسلط والقهر والعنف حينا، وبجباية الضرائب الفادحة، وزرع الشقاق بين المكونات الاجتماعية حينا آخر. وغدا الفساد عنوان المجتمع الاسلامي، الذي تحوّل مجتمعات متدرجة واضحة المعالم، على رأسه الحاكم من دون ان تلصق به اية صفة دينية، نزولا حتى القاعدة او سواد العامة. ما افرغ المجتمعات الاسلامية من مقوماتها الاساسية الصحيحة.

2-اهل الذمة:

أ- عهد الذمة بين جدلية النص والتطبيق في العهد الراشدي: منذ عهد الرسول وحتى اواخر العصور الوسطى لم يشكل عهد الذمة بين السلطة الاسلامية والمسيحيين علاقة سياسية، لأنه عقد اجتماعي يجيز للمسيحيين العيش في المجتمع الاسلامي بشروط الذمة، التي استحدثها خلفاء وفقهاء، مستعينين بالآية 29 من سورة التوبة :{ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون بدين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}، وبغيرها من الآيات، وبفتاوى واجتهادات، تعارضت بنسبة عالية مع عهد الرسول المبرم مع مسيحيي نجران،[6] المفترض ان تؤسس عليه العلائق المسيحية الاسلامية،[7] ما افرغه من جوهره.

لم يرد ابدا مصطلح أهل الذمة في القرآن، الذي يشير الى المسيحيين واليهود ب”اهل الكتاب”. وتُعرّف المعاجم العربية “الذمة”: بالعهد او الكفالة، والذمي هو رجل عهد، ولهذا اسمي المعاهد “ذميا”لحصوله على امان المسلمين لقاء الجزية، التي تؤخذ منه، والواجبات الاخرى…[8] وتعتبر الجزية احد اهم شروطه، لأنها امّنت للدولة الاسلامية مداخيل رئيسة وشبه ثابتة، وشكلت باستمرار علامة فارقة بين الذمي والمسلم في المواطنة، فكان الاول معفيا منها، في حين كان الثاني ملزما بأدائها، وفي حال تخلّفه عن دفعها يباح دمه. ويجيز معظم الفقهاء، سوى المتشددين منهم، تولي اهل الذمة الوظائف في الدولة الاسلامية، سوى التي لها الصفة او الطابع الديني، كالقضاء، والحسبة، وقيادة الجيوش، ورئاسة ديوان الجند، ووزارة التنفيذ، لأن وزير التنفيذ ينفذ ما يأمر به الخليفة، على عكس وزير التفويض، الذي يقرر الامور بنفسه وينفذها…[9]  على الرغم مما ورد في كتاب نجران، اعتبرت  تدابير عمر بن الخطاب بحق المسيحيين جزءا من السنة، فكرر فرضها خلفاء آخرون، لاسيما حفيده عمر بن عبد العزيز الاموي[10]،  واضاف بعضهم اليها موجبات اخرى، فعرفت كلها ب” الشروط العمرية“. ولعل اهمها: يحظر على المسيحيين بناء كنائس جديدة او ترميم القديمة منها، واظهار صلبانهم في الطرق والاسواق العامة، التي يسلكها المسلمون، وحمل السلاح وركوب الخيل، والزواج من مسلمات.  ويجاز لهم مرة واحدة فقط، الخروج  بزياح خارج المدينة مع حمل الصلبان، شرط الا يمروا بين المسلمين، وإلزامهم ارتداء ملابس مغايرة لثياب المسلمين، واعتبرت شهاداتهم محدودة امام القضاء. فرضت الشروط العمرية على الذميين عموماً ليتميزوا من المسلمين على اكثر من مستوى؛ في اللباس، بارتداء لباس خاص يشير إلى نوعية الذمي (نصراني ، يهودي، صابئة). وفي آداب الحياة اليومية؛ فلا يتناولوا طعاما وشرابا علنا خلال شهر رمضان، ولا يرفعوا الصوت أمام مسلم، والا يقتنوا خدما مسلمين، ولا رقيقا سباه مسلم، ولا يحوّلوا مسلما الى المسيحية، او يدرّسوا اولادهم القرآن. ولا يدخلوا الحمامات مع المسلمين احيانا، وان دخلوها تفرض عليهم علامات فارقة: وضع اجراس، او صلبان ثقيلة في الاعناق[11]، وان يفسحوا الطريق للمسلم. ودفعوا ضرائب تفوق ما كان يدفعه المسلمون على التجارة، وعلى الارض، فدفعوا الخراج عنها بقيمته غير المحددة، في حين كان المسلمون يدفعون عشر المحصول. ويعتبر سورديل ان الخراج والجزية ارسيا ركيزة النظام المالي الاسلامي في كل الدول الاسلامية المتعاقبة.[12]

وعليه، لا بد من عودة سريعة الى عهد الرسالة الاسلامية لتبيان مدى صحة عهد الذمة ( الشروط العمرية) باحكامه. لأن دراسة الحدث معزولا عن ظروفه البعيدة والقريبة، تأتي مبتورة من دون التبحر بالاحداث الكبرى الماضوية ذات الصلة، المؤثرة في صيرورته التاريخية والاجتماعية، لأنها تبلوره، وتظل مشروطة بمقدرة الباحث في تعليل الحوادث وتحليلها واعادة تركيبها.

ينسبها بعض فقهاء وعلماء الدين ومؤرخين مسلمين الى احد الخليفتين عمر بن الخطاب، او حفيده عمر بن عبد العزيز الاموي. وهي موضوع نقاش من حيث شرعيتها، وتطابقها مع الاحكام القرآنية، لاسيما ان الاثنين ما كانا فقيهين او عالمي دين، وجل ما فرضاه لا يعدو تدابير سياسية لأحداث آنية، وغير مستمدة من القرآن. فذمة الله ورسوله محددة بالكتاب، الذي حرره الرسول الى مسيحيي نجران، وبموقفه من عامة المسحيين[13].

تجاوزت، مضمون كتاب نجران، ممارسات واجتهادات فقهية متشددة، اسس لها بعض الخلفاء، وتراكمت عبر الزمن التاريخي لتصبح جزءاً من السنة، على رغم تعارض بعضها مع احكام قرآنية، وتَشدّد بعض الفقهاء واغروا الحكام من اجل تطبيقها. والجدير بالملاحظة، ان الدولة الاسلامية عندما اشتدت قوتها، ألغى الحكام عهود الامان التي ابرمها قادة الفتوح مع المسيحيين، واستعاضوا عنها بما اصطلح على تسميته” الشروط العمرية”. ولكي لا نغرق في التفاصيل، سأشير الى ابرز محطاتها السابقة على العهد المملوكي موضوع البحث. فقد تجاوز الخليفة عمر بن الخطاب مضمون عهد الرسول لمسيحيي نجران: فطردهم من بلادهم الى الشام، [14]زاعما انه: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب[15]، فلماذا اذا كتب الرسول عهده لمسيحيي نجران؟ وامر ايضا :” لا تبنى كنيسة في الاسلام، ولا يبنى ما خرب منها.”[16]واجتهد لتحويل المسيحيين الى الاسلام؛ فكتب الى امراء الاجناد بوجوب ختم رقاب اهل الذمة”.[17] وحذّر مسيحيي بني تغلب “الا ينصّروا وليدا”[18]، ورفض قبول الجزية منهم، زاعما انهم نقضوا عهد الذمة لأنهم يعمدون اطفالهم[19]. وآزره علي بن ابي طالب في موقفه، وبدا اكثر تشددا بقوله:” ان تفرغت لبني تغلب ليكونن لي فيهم رأي:” لأقتلن مقاتلتهم، فقد نقضوا العهد، وبرئت منهم الذمة، حين نصروا اولادهم”.[20] وقلّل عمر من شأنا المسيحيين، مفترضا تواجودهم في الدولة الاسلامية ليس الا لخدمة المسلمين[21]، فمنعهم من حمل السلاح، والتقلد بالسيوف، وركوب الخيل والبغال، وقصر ركوبهم على الحمير فقط وبالاُكُف (البرادع الخشبية) وعرضا[22] اي لجهة واحدة. وقال فيهم ” لا اكرمهم بعد ان اهانهم الله، ولا اعزهم بعد ان اذلهم الله، ولا ادنيهم بعد ىان اقصاهم الله”.[23]واشترط في عهود الامان، مواد صارت ركنا مهما في الشروط العمرية، بل جزءا عضويا منها.[24] وفي السياق عينه عزلهم في مناطق خاصة، فكتب الى عماله في الامصار: على اهل الكتاب “ان يجزوا نواصيهم، وان يربطوا الكستيجات (الزنانير العريضة) في اوساطهم، ليعرف زيهم من زي اهل الاسلام”[25]، واضاف:” ايّما مصر مصرته العرب فليس لاحد من اهل الذمة ان يبنوا فيه بيعة… ولا يضرب فيه ناقوس”[26]، ومنع ايضا اظهار الصلبان بين المسلمين[27]. وتحدث الى جنوده قائلا:” ادبو الخيل، وإياي واخلاق الاعاجم، ومجاورة الخنازبر، وان يرفع الصليب بين اظهركم”[28]. وعندما تم فتح سواد العراق عنوة ، كتب الى امراء الاجناد ان يفرضوا على المسيحيين الجزية، ويختموا رقابهم[29]. فهل من مذلة اعظم من ذلك؟! وكأنهم موبوؤن ويجدر بالمسلمين تجنبهم. وزاد في احتقارهم عندما رفض اقتسامهم اذ اجاب احد القادة الملح على اقتسامهم كغنائم:” أرأيت لو اخذنا اهلها فاقتسمناهم، ما كان يكون لمن يأتي بعدنا من المسلمين، والله ما كانوا يجدون انسانا يكلمونه، ولا ينتفعون بشئ من ذات يده، وان هؤلاء ما يأكلهم المسلمون ما داموا احياء. فاذا هلكنا وهلكوا اكل ابناؤنا ابناءهم ابدا ما بقوا. فهم عبيد لاهل دين الاسلام.”[30] واستمر يذلهم ” ولجعل الكفار يُعرفون بسيماتهم- ان يعتمد كل من اليهود والنصارى ما يصيرون به مستذلين ممتهنين…وليفرّق بين المسلمين وبينهم في الشبه والزي…وليوسموا بالغيار وشد الزنار وازالة ما على المسلمين من تشبههم به من العار.”[31]واجرآته تلك، اسست لما عرف بصراط السلف الصالح، التي توسلها معظم المتشددين في تدابيرهم واجتهاداتهم، بل تذرعوا بها لاضطهاد المسيحيين.

ونسأل: لماذا استبدل عهد الذمة بما اصطلح على تسميته” الشروط العمرية”؟ فعهد الرسول لمسيحيي نجران، ومن خلاله الى كل المسيحيين، واضح ومما جاء فيه” ” …ولا يهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم. ولا يدخل شيئ من مال كنائسهم في بناء مسجد ولا في منازل المسلمين. فمن فعل ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله…ويكفّ عنهم ادب المكروه حيثما كانوا وحيثما حلّوا. وان صارت النصرانية عند المسلمين فعليه – صاحب السلطة في الاسلام- برضاها وتمكينها من الصلوات في بيعها. ولا يحيل بينها وبين هوى دينها…”[32] وقد حصّنهم الرسول، في العهد عينه، مخافة اعتداء المسلمين عليهم اذ ورد فيه ما حرفيته:”ما لأحد نقضه – اي العهد- ولا تبديله، ولا الزيادة فيه، ولا الانتقاص منه، لأن الزيادة فيه تفسد عهدي، والانتقاص منه ينقص ذمتي.”[33] مع ذلك لم يلتزم المسلمون به، واستعاضوا عنه بالشروط العمرية!!! 

اما الشروط العمرية فنوعان: مستحق ومستحب[34]. “يتضمن المستحب ستة شروط:1- عدم ذكر الاسلام بذم له او قدح فيه، 2- عدم ذكر الله بطعن له او تحريف فيه، 3- عدم ذكر الرسول بتكذيب له او ازدراء، 4- الاّ يصيبوا مسلمة بزنى او باسم نكاح، 5- الا يفتنوا مسلما عن دينه، او يتعرضوا لماله، 6- الاّ يعينوا اهل الحرب”

يعتبر ابن الاخوة، وهو احد الفقهاء المتشددين، عدم التقيد بهذه الشروط نقضا لعهد الذمة[35]. وكان المماليك يحيلون من يخالفها، على قضاة من المذهب المالكي المأثور عنهم التشدد في تطبيقها، فلم يكن يقبل من المتهم لا توبة، او اي امر آخر، سوى اعتناق الاسلام، او قطع رأسه.[36]

اما المستحبة فما كانت تنقض العهد، وهي بنيت على ستة احكام او شروط هي: 1″- لبس الغيار، 2- الاّ تعلو ابنيتهم فوق ابنية المسلمين، 3- الاّ تعلو اصوات نواقيسهم وتلاوة كتبهم، 4- الاّيجاهروا بشرب الخمر واظهار صلبانهم، 5- ان يخفوا دفن موتاهم، ولا يجاهروا بندب عليهم ولا نياحة، 6- ان يمنعوا من ركوب الخيل ولا يمنعوا من ركوب الحمير”.[37] 

طبقت هذه الشروط في معظم عهود الخلفاء والدول، وقلما خلا عهد طويل نسبيا، من اعادة العمل بها جزئيا او كليا، وااحيانا صار يتم التهاون في تطبيقها في العهد نفسه، وقد يتم فيه التأكيد على مضمونها بكتاب جديد، تبعا لرغبة الخلفاء، ودور المتشددين. ولعل ابرز محطاتها عهود عمر بن عبد العزيز، والمنصور، والرشيد، والمتوكل، والحاكم بامر الله الفاطمي…

ب- الشروط العمرية من نهاية الراشدي وحتى المملوكي: في العهد الاموي، اسس لها الخليفة عمر بن عبد العزيز، الذي اثر عنه التقوى، ومحاولة اصلاح الدولة. ولكن موقفه من المسيحيين يتناقض تماما مع رؤيته الاصلاحية، فهو صاحب نظرية هدم الكنائس، وغيرها من التدابير التي صارت سوابق، وطبّقت طيلة العهود الاسلامية، فكتب الى عماله:” ان تهدم الكنائس، التي في امصار المسلمين، ويمنع النصارى بالشام ان يضربوا ناقوسا، ويجزوا نواصيهم، ويشدوا مناطقهم، ولا يركبوا على سرج، ولا يلبسوا عصبا ولا خزا، ولا يرفعوا صليبهم فوق كنائسهم…وان تمنع نساؤهم ان يركبن الرحائل”.[38]واعتبرهم كفرة مشركين لأن الله جعلهم[حزب الشيطان][39]. وكتب الى عماله ايضا:” فلا اعلمن ان احدا من العمال ابقى في عمله رجلا متصرفا على غير دين الاسلام الا ونكلت به، فان محو اعمالهم كمحو دينهم، وانزلوهم المنزلة التي خصّهم الله بها من الذل والصغار.”[40]

اما الخلافة العباسية فقد قامت على انها دولة اممية، يتساوى فيها الجميع من دون التمييز بين المسلمين من حيث الاعراق او الاثنيات، ويبدو ان المسسيحيين ما كانوا من ضمن المجتمع العباسي، ووجب عليهم العيش على هامشه، تبعا ليعض الخلفاء. فقد استهل الخليفة المنصور عهده بتدابير لا تتوافق مع الرؤية الاممية العباسية، فحظّر في عام 139/757 بناء كنائس جديدة، وانشاد ترانيم دينية خارج جدران الكنائس، ومناقشة المسلمين في الدين، ثم اخضع الرهبان للجزية[41]. وفي سنة 142/ 759-760 طرد المسيحيين من الوظائف الديوانية[42]. وازداد تشدده عام 149/766 حين منعهم من ممارسة شعائرهم الدينية الا ليلا، وألزمهم ازالة الصلبان من على قبب الكنائس، وحظر على المسلمين تعلم الآداب المسيحية.[43] وفي سنة 153/770 فرض عليهم حلق لحاهم، واعتمار قلانس طول الواحدة ذراع ونصف الذراع. وبلغ تشدده مبلغا مخيفا، حين امر بوسمهم بالحديد الحامي في رقابهم، على طريقة دمغ الحيونات اليوم[44]. وباتت اجرآته هذه، وتدابير العمرين، نهجا لمن يرتئيها من بعدهم، وادت الى فرار عدد كبير من المسيحيين الى الدولة البيزنطية، والى تحوّل بعضهم الى الاسلام قسرا.

 لم يكن الرشيد بارحم من المنصور، فبناء على رغبة القاضي “ابو يوسف”، منع ظهور الصلبان في كل الاقطار الاسلامية، والمسيحيات من ركوب الرحائل، وخرّب الكناس[45]. ومنع المأمون الاحتفالات الدينية في الكنائس، كالزياحات وما شابهها، وطرد الموظفين المسيحيين من الدواوين، وامر بسجن 2800 منهم[46]. وتربع المتوكل على قمة الاضطهاد العباسي، فاستحدث عام 235/ 850 استيفاء العشور على منازل المسيحيين، وصادر دورهم الواسعة والكبيرة، وحوّل بعضها، او ما يصلح منها، الى جوامع، وهدم البقية هدما تاما. وحظر استخدام المسيحيين في الدواوين، واضاءة الشموع في الاحتفالات خارج الكنائس، وزياحات الشعانين في الطرقات، لكي لا يظهر صليب امام الملأ. وجعل قبورهم بمستوى الارض، لكي لا تشابه قبور المسلمين. وهدم بيعهم المستجدة، ولم يفسح لهم في الدخول الى حمامات المسلمين. وبلغ اضطهاده مستوى مخيفا من الكراهية، عندما امر برسم صور الشياطين على ابواب منازلهم، تمييزا لها عن مثيلاتها الاسلامية. ومنع اولادهم من الدراسة في الكتب الاسلامية،[47]. وصرف المقتدر الكتاب المسيحيين من الدواوين وسمح استخدامهم في الطب فقط،[48]لأن فيه مصلحة اسلامية. واستدعى الخليفة القائم بطريرك المسيحيين وألزمه التعهد بتنفيذ كتابه الهادف، الى جعل المسيحيين يرتدون ثيابا تغاير ما يلبسه المسلمون[49].وتكررت اعادة العمل بالشروط العمرية جزئيا او كليا في معظم العهود العباسية كالراضي والآمر…[50]حتى باتت اجراءً اداريا، لا سيما عندما كان يتدخل رجال دين متشددون.

 لن اتوسع في ذكر كل التدابير، التي مارسها الحكام المسلمون بحق المسيحيين في العهود السابقة على عصر المماليك[51]، انما عهد الحاكم بامر الله الفاطمي، يشكل علامة فارقة وشديدة الوطأة بممارساته؛ فألزم المسيحيين ارتداء الغيار، ومنعهم من دخول حمامات المسلمين، وحدد لهم حمامات خاصة وضعت على ابوابها صلبانا خشبية، واوجب على من يدخلون الى الحمام تعليق صلبان خشبية ثقيلة في اعناقهم. وحظر عليهم دق اجراس الكنائس، والمواكب المسيحية العامة، وظهور اي صليب في كامل رقعة الخلافة الفاطمية، وقلع الصلبان من الكنائس والبيع، وهدم الكنائس، بما فيها كنيسة القيامة، وصادر محتوياتها.[52]  

ثانيا:السلطة والدين في العهد المملوكي:

1-المماليك ونظرية حماية الاسلام: اجتهد عدد كبير من المؤرخين المسلمين، ولا سيما المصريون منهم، لاظهار المماليك حماة الاسلام منذ معركة عين جالوت، التي كانت مصيرية للمماليك والايوبيين. وهذا رأي دونه نقاش، فمثلا لو هزموا فيها لكانت ستصتأصل شأفتهم، وبالتالي كانوا يدافعون عن مصيرهم قبل اي اعبار آخر. وعلى الرغم من هذا الخطر المصيري، لم يتّحد المسلمون في ما بينهم، بمن فيم المماليك؛ فبعضهم تخاذل وطلب الصلح من المغول وخضع لهم، والبعض الاخر حارب الى جانبهم، وفريق ثالث آثر الحياد[53].

لم يؤد انتصارهم في عين جالوت الى تغيير في ذهنيتهم المتجزرة بالحسد، والغيرة، والتنازع المستمر على السلطة؛ فعلى الرغم من وطأة الخطرين المغولي الرابض في العراق، وعلى الحدود الشمالية لبلاد الشام، والصليبي المتمركز في بلاد الشام، اغتال الاميرُ بيبرس البندقداري السلطانَ قطز، غير آبه بالصراعات المملوكية الداخلية، معرّضا مصير المسلمين في المشرق العربي الى خطر حقيقي،[54]ما ينفي نظرية حماية المسلمين. ولكي يضفي على حكمه، وعلى العهد المملوكي عامة، شرعية اسلامية، احي الخلافة العباسية في القاهرة شكليا، وجرّد الخليفة من صلاحياته الاساسية، وحصرها بشخص السلطان[55].

ان السلطة المتعسفة هي التي تمارس حكما استبداديا، على كل الناس. وقد تجور على فريق أكثر من غيره، من دون مراعاة النظم والقوانين، وتستبيح المحاذير تأمينا لمصالحها. ومارس المماليك هذا النوع من الحكم، فلم يراعوا النظم الاسلامية الا من حيث الشكل، لأن كل انجازاتهم وتدابيرهم الادارية، وبنية نظاميهما العسكري والاقطاعي، تشي بذلك. لقد احتكروا الجندية وحدهم، وسمحوا لبعض القبائل العربية الانخراط ضمن اجناد الحلقة لقاء خدمات يقدمهمونها. واقتسموا الاراضي الزراعية كلها وفق نظام استحدثوه، ارتبط عضويا بنظامهم العسكري، وتفننوا بالتسلط على كل الناس مسلمين وغيرهم، حتى صار من يعملون بالارض اشباه اقنان[56]. واستولى امراء المماليك على المرافئ، والمراكز الجمركية، والمعاصر المتنوعة، ان طريق الاقطاع. ومارس معظم السلاطين الاحتكارات، واستحدثوا ضرائب جديدة: كالمشاهرة، والمجامعة(الضرائب الاسبوعية)، والطرح، والتحكير، والرمي،[57] حتى قال المقريزي :” لم يسلم من الضرائب الا الهواء”.[58]

2-مميزات الجهاز الحاكم: شكل السلطان وامراؤه واجناده طبقة عسكرية حاكمة مغلقة عن الشعب، وحدد الانتماء اليها بشروط لم تتوفر بالسكان الاصليين: كالعرق[59]، والرق[60]، واجادة اللغة التركية [61]، والتربية في الطباق ( الثكنة العسكرية )، والعتق، والتدرج بالامرة[62]. وانحصر تزاوج امراء المماليك، اما من نساء تركيات جيء بهن خصيصا لهذه الغاية، او من بنات امراء المماليك، وقليلون منهم من تزوجوا من بنات مياسير التجار، او بنات المتعممين[63]. وكانت جميع اسماء الامراء تركية، ولم يجرؤ احد الخروج على هذه القاعدة مخافة القتل او العزل[64]. وانفردوا بارتداء ثياب مميزة [65]، واقتناء الرقيق، وركوب الخيل، الذي لم يجز لغيرهم ركوبها[66]. وعلى رغم اسلامهم، لم يحتكم الامراء في ما بينهم الى الشرع الاسلامي، انما تقاضوا ب “الياسة او اليسق” وهي مجموعة القوانين المغولية، التي اصدرها جانكيز خان ( 1206 – 1227م.)[67]. وتمتع السلاطين والامراء المماليك الكبار بثراء فاحش[68]، لنهمهم غير المرتوي للمال، مسببين حروبا وفتنا شبه متتالية، طبعت عهدهم باكمله. ما كان يضطرهم التجاوب احيانا مع ضغوط رجال الدين، لا سيما المتشددين منهم، تخفيفا للنقمة الشعبية المتصاعدة ضدهم.

3دور رجال الدين المسلمين: من المفترض ان يشكل رجال الدين صمام امان في المجتمع الاسلامي، لانهم احتلوا منزلة رفعيعة فيه، وكان الناس ينظرون اليهم باكبار، لممارستهم شؤونا مدنية اجتماعية، مثلت، في المبدأ دور الرقابة على ممارسة الجهاز العسكري الحاكم. ولكن الفساد تسرب الى بعضهم، ممن آثروا مصالحهم الذاتية، ونفذوا رغبات الطبقة العسكرية، غير آبهين بمصير الشعب، فتندر بهم الناس. ومع ذلك ظلوا يحتلون منزلة مهمة، ليس على المستوى الشخصي، انما تقديرا للوظيفة الجليلة التي يشغلونها.

احتل قضاة القضاة المنزلة الدينية الارفع بعد الخليفة، وتوجب على قاضي قضاة دمشق افهام نائبها، الذي كان واليا للمظالم ايضا، الصحة بالاحكام واصول الشريعة،[69] لأنه كان يجهل القواعد الشرعية واحكامها، واحيانا كثيرة اصول اللغة العربية. ومع انحطاط الدولة، ونهم السلاطين للمال، صارت المناصب القضائية تشرى بالرشوة، وفسد معها معظم النظام القضائي، وغدت بعض الاحكام تصدر بالرشوة[70]. وتمكن بعض القضاة من جمع اموال طائلة بطرق مشبوهة، من دون ان يخجلوا، وراح بعضهم يتباهى بسطوته ونفوذه، غير آبه بتهكم الناس، او مكترث بأحكام الشريعة، فاحتقره زملاؤه والناس على حد سواء.[71] لا سيما من كان جاهلا باصول القضا،ء واحكام الشريعة ،والعلوم الدينية الاخرى، التي هي في اساس التربية الاسلامية، ومنارة السلوك الاجتماعي.[72]ومارس قضاة القضاة، كما القضاة، ضغوطا على نائب دمشق وجهازه الاداري، لاطلاق من اعتقل ظلما وعدوانا، او للشفاعة بمن اعتقل اثناء الصراع بين الاجناد المماليك والسكان، وما شابه تلك الحالات.[73]

شكل رجال الدين قوة فاعلة في الادارة، فشغلوا المناصب الدينية كلها، ومعظم المالية[74]، وقاموا بدور مهم في الحياة اليومية والدينية. وصار لبعضهم انصار يسلكون توجههم الديني، كالصوفية، وينصاعون لتدابيرهم، وكان عددهم يزداد تدريجا، ما مكنهم من ممارسة ضغوطا شديدة الوطأة على اركان السلطة، وازعاجا حقيقيا لاحقاق حق تنافى احيانا مع مصالحها[75]. وادّى تعسف السلطة الى نقمة دمشقية على المماليك عموما، لاسيما على نواب دمشق. فلم يتقبلوا الواقع المرير بسهولة، وادركوا انهم مغلوبون على امرهم، واصلاح الحكام اصلاحا جذريا غير ممكن، فلجاءوا الى رجال الدين، الذين حظي بعضهم بتقدير اركان السلطة لورعهم وصلابتهم، وخشية منهم في آن معا، ولنجاحهم احيانا في رفع الحيف عن المظلومين.[76] واذا فشلت الوساطة احتج العامة سلميا بالتكبير- النزول الى الاسواق هاتفين في الشوارع الله اكبر- ويعترضون مواكب النائب او احد مساعديه، يتقدمهم القضاة والعلماء، واذا لم يمر احد، كبروا في الجوامع، تأكيدا على استرجاع حق سليب، ولاضفاء الصفة الشرعية على التظاهرة، آملين ان يرعوي الحكام. كانت تلك التظاهرات تخيف المماليك ،بوجه عام، بما تخلق من حالات عدم الاستقرار، التي ينفذ من خلالها المصطادون بالماء العكر للاخلال بالامن، او للتعدي على من يجدون من المماليك منفردين[77].

  وكان لفشل تلك المساعي آثار سيئة على الوضع العام في دمشق، واصاب العديد من متوسطي الحال باليأس، وحولتهم التعديات المتكررة الى شبه معوزين، وفقراء، وسلكوا دروب الجريمة المتنوعة، فازدهرت اعمال اللصوصية والحرامية، وكثرت الجرائم، ومناسر الليل، واعمال النهب. وانخرط بعضهم في منظمات الزعر، ما زاد في الطين بلة، وساءت، بوجه عام، احوال الدمشقيين. فازدهرت في مجتمعهم انواع المفاسد الاخلاقية، كالدعارة، والتحشيش… نتيجة ممارسات الحكام الجائرة[78].

4-مواقف المتشددين: من الواضح ان بعض رجال الدين ما كانوا مقتنعين بقدرة المجتمع الاسلامي على استيعاب غير مسلمين. ومنهم من كان ينظر بغيرة، وحسد، وحقد، الى من يتولى من المسيحيين وظائف ديوانية رسمية، اوعند الامراء الكبار، اجازت لهم ركوب الخيل، والحصول على مداخيل عالية، امنت لهم حياة رغيدة. فبنى بعضهم دورا توازي مثيلاتها عند المسلمين مساحة وارتفاعا، وربما افضل منها احيانا.[79]ولم يغضبوا على الموظفين وحدهم، بل على جميع المسيحيين، وكان اي خطأ يرتكبه احدهم ينال عقوبة قاسية، واحيانا تطال معظم المسيحيين، ان لم يكن كلهم. ولعل مرد ذلك، الى رغبة بطرد المسيحيين من الدول الاسلامية، لا سيما من ديار المماليك، او بتحويلهم الى الاسلام قسرا. وكان تأثيرهم عظيما، على طلابهم ومريديهم، ما كان يجعل افكارهم تطرد عبر كل العصور، وما زلنا نعاني منها في هذا القرن الواحد والعشرين، للضرر المخيف، الذي يسببونه في كل المجتمعات والدول. وفي العهد المملوكي أثروا بفعالية على العامة، والمعدمين، الذين املوا، عن خطأ، ولشدة ظلم السلطة وسوء تدابيرها، في ان يخلصوهم من بؤسهم. وسنكتفي بالحديث عن بعض مواقف اربعة منهم.

 أ – ابن تيمية(661- 716/ 1263-1329) : تبنى المتشددون تراكم السلف الصالح، والفتاوى والاجتهادات التي تلته، فاعلنوا ما يشبه الجهاد ضد المسيحيين، ولا سيما في ممارسة طقوسهم الدينية، فاتهموهم بكل سوء، ووسموهم بالضلال، ولم يعتبروا ديانتهم سماوية، وحرّضوا السلاطين ليعيدوا العمل بالشروط العمرية مرارا وتكرارا. وسببوا لهم مآسي كثيرة، سنوردها في الكلام على وضعهم.

لكثرة تشدده حض ابن تيمية السلاطين ونواب دمشق على اضطهاد المسيحيين، واعادة العمل بالشروط العمرية. وتأثر به طلابه ومريدوه، ومسلمون كثر. وساهمت بيئة عصره المشبعة بالصراع بين الفرنجة والمسلمين؛ من ايوبيين ومماليك، “بين المسيحية والاسلام”، اضافة الى نهله، منذ نعومة اظافره، من المذهب الحنبلي على ابيه، في تكوينه الفكري وثقافته العامة. فدافع عن الاسلام والمسلمين باستماتة؛ ووقف الى جانب الايوبيين، فالمماليك في صراعهم ضد الفرنجة (الصليبيين). واجتهد ليبسط الاسلام سيطرته على الديانات الاخرى، والمذاهب السنية على ما عداها. فحرّض المماليك السنة، على اعادة توحيد المسلمين على مذاهب اهل السنة، لأعتقاده الراسخ، ان انحطاط العالم الاسلامي، نابع من تشرذمه الى مذاهب وفرق، وصراعها في ما بينها. وحثهم على طرد الفرنجة والمغول من البلاد الاسلامية، وضرْب كل من ساندهم من ابناء المشرق العربي [80].

جسّد الفكر المتشدد بحق الذميين عامة، متخذا مواقف قاسية بحق المسيحيين، من دون اي مبرر سوى رغبته بتحويلهم الى الاسلام. فتمسّك بالشروط العمرية، وشجع على احيائها، واضاف اليها مواقف متصلبة، استمد بعضها من آيات قرآنية، واحاديث نبوية، واجتهادات فقهية. وبذل جهدا لدى السلاطين لفرضها والاستمرار بتطبيقها، لأن المسيحيين كفار ومشركون، ” ليس شيئ من امور الكفار في دينهم ودنياهم، الا وهو:اما ناقص في عاقبته…”[81] وهم ناقصون في دينهم وعقولهم ومضللون “يجتهدون في اصناف العبادات بلا شريعة من الله[82]. و” يشكلون خطرا حقيقيا على الاسلام، كونهم حلفاء طبيعيين لاعدائه…!!؟”[83] “وحرص، من موقعه كعالم وفقيه، على تحديد طريقة تواجدهم في الدولة الاسلامية، وعلاقتهم بالمسلمين. وحصر التعامل معهم باملاءات وقيود، استوحى معظمها من الشروط العمرية.

رفض ظهورهم بمظاهر تشابه المسلمين في لباسهم، وشعورهم(جمع شعر)، وركوبهم، مستندا الى ادلة استمدها من القرآن والسنة[84]. فالتميز في هذه الحالات ضروري جدا، على حد تعبيره، لأن عدمه يعني مشاركة الكفار في الظاهر، وبالتالي مشابهتهم في الاخلاق والافعال المذمومة ، و”تورث هذه المشاركة محبة وموالاة في الباطن …يجب الا يتشبه اهل الكتاب بالمسلمين في الثياب والركوب،[85] “وهو امر منهى عنه في عامة امورهم الدينية والدنيوية[86]… اذا كانت المشابهة في الامور الدنيوية، تورث المحبة والموالاة، فكيف المشابهة بالامور الدينية؟ فان افضاءها الى نوع من الموالاة أكثر واشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الايمان”. ويضيف ” ليس شيئ من امور الكفار في دينهم ودنياهم، الا وهو:اما ناقص في عاقبته، حتى ما هم عليه من اتقان امور دنياهم، قد يكون اتباعنا لهم فيه مضرا:اما بدنيانا وآخرتنا. “[87] ومخالفة النصارى ضرورية[88] ” اذا المخالفة في المظهر واجبة لأن  الكفار – المسيحيين – : لا يتصوّر شيء من امورهم كاملا قط.”[89]

اصر دائما على تقزيمهم لأنهم “كفرة”، وعلى وجوب تمييزهم من المسلمين بالذل والتحقير. رافضا رفضا قاطعا اظهار الشعائر الدينية المسيحية في الشوارع العامة، وفي اماكن تواجد المسلمين، وعلى مرأى منهم، ولو كانت المناسبة عيدا مهما، ” لعدم جواز اجتماع شعائر الكفر مع شعائر الاسلام”، ولعدم جواز ايضا مشاركة المسلمين اعياد المسيحيين لأن :” الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر…”[90] ” انما منعناهم من اظهارها لما فيها من الفساد”[91]. وما يفعلونه في عيد دينهم الملعون من الاعمال المنكرة …مثل القرابين والذبائح وغير ذلك من المنكرات[92]“. “ان مشاركتهم في العيد اقبح من مشاركتهم في لبس الزنار ونحوه من علاماتهم، لأن تلك علامة وضيعة ليست من الدين، وانما الغرض منها التمييز بين المسلم والكافر”[93]

وتكرّم عليهم برفع صلبانهم وكتبهم المقدسة داخل كنائسهم، واديرتهم، وصوامعهم فقط، ودق اجراس الكنائس والاديار، على الا تسمع اصواتها خارج الاماكن المذكورة،كي لا تزعج المسلمين. وبالمقابل منعهم من بناء كنائس او بيع جديدة، او ترميم المهدم منها. واذا اخلوا بالعهد (الشروط التي فرضها هو) تنتزع الكنائس واماكن العبادة الاخرى منهم.[94]

رفض بشكل قاطع اسناد وظائف ادارية للمسيحيون لأنها تجعلهم ارفع من المسلمين وتسلطهم عليهم، واضاف اليها اسبابا اخرى اولها التخوين؛ فالرفيعة منها تتيح لهم الاطلاع على اسرار الدولة ونقاط ضعفها، وبما انهم اعداء طبيعيون للمسلمين، على حد اعتقاده، فسيزودون اعداء المسلمين تلك الاسرار للنيل منهم!!!. والثاني فئوي بامتياز، لأنها تمكنهم من مساعدة ابناء ملتهم في شتى المجالات، ومنها ترميم اماكن العبادة. والثالث تعصب اعمى، باصراره على استخدام المسلمين في الوظائف عينها، حتى لو كانوا اقل كفاءة من المسيحيين، فهذا ” انفع للمسلمين في دينهم ودنياهم”. ومنع المسيحيين دخول المساجد، الا اذا رغبوا بالتحول الى الاسلام، في حين اشترط ان تظل ابواب الكنائس والبيع والاديار مشرّعة باستمرار لاستقبال المسلمين، وايوائهم فيها ثلاثة ايام على نفقة القيمين عليها[95]. وفي هذه الحال، يتوجب على المسيحيين خفض اصواتهم في تلاوة صلواتهم، لكي لا تزعج المسلمين المأويين. وتعرّض الى جوهر الديانة المسيحية ناكرا صحة الاقانيم الثلاثة، ومفسرها على هواه[96].

 وعليه كان يهدف الى تحويل المسيحيين الى الاسلام، ليصبح المجتمع الاسلامي متجانسا، لأن غير المسلمين مختلفين عن المسلمين فكرا عقيدة، غير آبه باهمية التنوع الثقافي والمعرفي في تطوير الفكر الانساني، زاعما ان الفكر الاسلامي وحده يجمع كل ذلك. انها سياسة القوي ضد الضعيف، من دون ان يسيئ الاخير الى الاول. وهي تمييز عنصري بامتياز بمقياس الاجتماع الانساني اليوم. ونسي ابن تيمية، او تناسى ان الاسلام نادى بالمساواة، وتوجهت تعاليمه الى كل الناس: “يا ايها الناس”. فكيف يجوز له ولغيره من المتشددين حجب القرآن عن المسيحيين. وهل يجدر التحول الى الاسلام من دون الاطلاع ودراسة مضامين القرآن والعلوم الدينية الاخرىن بتلاوة الشهادتين؟ ام بالقهر، والاذلال فقط؟!! وما قيمة هذا التحول؟!!! 

 ب – تقي الدين السبكي م. 756/ 1355: كان صنوا لابن تيمية؛ عالما وفقيها، شغل مناصب دينية رفيعة، من ابرزها قاضي قضاة المسلمين في بلاد الشام. تفاعل مع بيئته الثقافية والسياسية، وأثرت آراؤه ومواقفه سلبا على اوضاع المسيحيين عموما، لتأثيره البالغ على الحكام. فقد استغل حادثة حصول مسيحيي الشام على امان من هولاكو، ابان هجومه على بلاد الشام، وثورة بعضهم في دمشق، وممارستهم امورا غير مألوفة، وغير مسؤولة ضد المسلمين: دق اجراس الكنائس، ورفع الصلبان في الشوارع، وافراط فريق منهم باحتقار المسلمين، والتعدي على بعض مقدساتهم. فاستاء المسلمون من كل ذلك، وعبروا عن غضبهم بعد انتصار المماليك في عين جالوت، بقتل عدد وافر من المسيحيين، والاعتداء على الكنائس وتخريبها[97]. ولكثرة الكنائس التي هدمت جزئيا او كليا، اختلف الفقهاء حول الاجازة باعادة بنائها وترميمها. فقاضي قضاة المسلمين تقي الدين السبكي جرّم  المسيحيين جميعهم، واعتبرهم فاقدي حقهم بكنائسهم وجعل رقبتها للمسلمين:”اني اقول ههنا على الكنائس، لا أسلم انها للنصارى بل للمسلمين…”[98] وبالجملة المشهور من مذهبنا التمكين من الترميم، والحق عندي خلافه…”[99] معتبرا المسيحيين نقضوا عهد الذمة، وفي هذه الحال، يخيّر الذمي، بل يختار له فقهاء المسلمين، وفق المصلحة الاسلامية، واحداً من اربعة امور: القتل، او المن، والاسترقاق، والفداء. فاختار السلطان بيبيرس القتل، فقتل عددا من المسيحيين[100]، ما اثلج قلب السبكي، الذي لم يكتف بهذا العقاب، بل صب جام غضبه على بعض المفتين، ممن اجازوا سنة 755/ 1355 اعادة بناء الكنائس المهدمة، ومنعهم من الافتاء، وصنّف كتابا في هذا الموضوع اسماه ” الدسائس في الكنائس.”[101] واصرّ على فقدان المسيحيين الحق بكنائسهم، وحوّل رقبتها وفق فتواه ملكا للمسلمين.

عجز السبكي عن التمييز بين ما فعله فريق من مسيحيي الشام، والمسيحيين عامة، فساوى الجميع بالخطيئة. واعمى الغضب بصيرته، واذكى عواطفه، فجانب المنطق. وكان لفتواه على هذا النحو، آثار سيئة على سلوك العامة، لأنها وجدت بفتاويه ما يبرر تصرفاتها الشائنة. وكأن التاريخ لا يعظ، او هناك من لا يريد الاتعاظ منه؛ ألم يقرأ السبكي تقريظ الامام الاوزاعي للخليفة العباسي ابي جعفر المنصور، بسبب تصرفاته المتشددة تجاه عامة مسيحيي المنيطرة، بعد فشل ثورة المنيطرة، وخاطبه واعظا:” فكيف تؤخذ عامة بعمل خاصة؟ …وقد بلغنا ان من حكم الله عز وجل، لا يؤخذ العامة بعمل الخاصة، ولكن يأخذ الخاصة بعمل العامة”.[102] ويبقى السؤال:هل فعلا اغتاظ السبكي مما حصل فقط، ام كان يبيّت امرا آخرا للمسيحيين منتظرا الظرف المناسب؟!! وهل اعتقد ان هذه هي الطريقة الفضلى لتحويلهم الى الاسلام؟!!

3-ابن الاخوة: فقيه تتلمذ على ابن تيمية، واكتسب التشدد منه، ولا سيما تجاه المسيحيين. خصص كتابه” معالم القربى في احكام الحسبة” للكلام على دور المحتسب والحسبة عموما “مراقبة الاسواق والاسعار وسلوك الناس…” وابدى نقمة على المسيحيين في سياقه. فاستعاد الشروط العمرية، التي شرطها عمر بن الخطاب على المسيحيين في عهود امانهم.[103]ولا ادري ان كانت نسبتها صحيحة، لأنه اوردها شبه شاملة لكل ما نعرفه عن الشروط العمرية، معتزا به، ومرتاحا لتشدده بتطبيقها. وقد اغاظه في عصره، دور الكتاب المسيحيين، لاسيما اصحاب النفوذ منهم، غير آبه بكفاآتهم. فهم باعتقاده مهما بلغ شأوى ثقافاتهم، يظلون ابدا اقل شأنا من المسلمين ممن هم اقل معرفة منهم، ويجب الا يتقلدوا اي منصب، يجعل المسلم، مهما كانت منزلته الاجتماعية والثقافية متواضعة، يعود اليهم في بعض مسائله، لأنه يصبح في وضع حرج، عندما يسأل خدمة ممن هو دونه منزلة على المقياس الديني. ويعتريه حزن شديد من وضع الموظفين المسيحيين الاجتماعي الرفيع، لا سيما ذوي مناصب عالية، بالحياة المرفهة التي يعيشونها. ويترحم على عمر بن الخطاب، متنميا لو يبعث حيا ليقتص منهم:”لو شاهد عمر…اليهود والنصارى في زمننا هذا، وادُرُهم تعلو على يُثيْع المسلمين، ومساجدهم، وهم يُدعون بالنعوت التي كانت للخلفاء، ويكنّوْن بكناهم فمن نعوتهم الرشيد، …وبابي الحسن وهو علي بن ابي طالب…وبابي الفضل، وهو العباس عم الرسول…وقد جازوا حدّ اقدارهم، وتظاهروا باقوالهم وافعالهم، واظهرت منهم الايام طبائع شيطانية مكنتها، وعضدتها يد سلطانية فركبوا مركوب المسلمين، ولبسوا احسن لباسهم، واستخدموهم، فرأيت…النصراني راكبا يسوق بمركبه، والمسلم يجري في ركابه، وربما تضرعوا وتذللوا له؛ ليرفع عنهم ما احدثه عليهم.

واما نساؤهم اذا خرجن من دورهن، ومشين في الطرقات فلا يكدن يُعرفن، وكذلك في الحمامات، وربما جلست النصرانية في اعلى مكان من الحمام، والمسلمات يجلسن دونها، ويخرجن الى الاسواق، ويجلسن عند التجار فيكرموهن بما يشاهدون من حسن زيهن، فلا يدرون انهن اهل ذمة، فيجب على المحتسب الاهتمام بهذا الامر…ويمنعون من احداث بيع وكنائس في دار الاسلام…”[104]

يرتاح ابن الاخوة الى طريقة دفع المسيحي الجزية، لما فيها من احتقار وذل لانسانية الانسان، لأن المسيحي فاقد للكرامة بمقياسه الديني الاجتماعي:” اذا جاء عمال الجزية اقام المسيحي بين يديه، ثم يلطمه على صفحة عنقه، ويقول: ادّ الجزية يا كافر، ويخرج الذمي يده من جيبه…فيعطيها له بذلة، وانكسار…”[105]

وكأن اذلال المسيحيين يريحه، وتحقيرهم يجب ان يطال سلوكهم الاجتماعي والديني، وطرق عباداتهم، وكنائسهم، وشعائرهم الدينية، وازياءهم. ويفترض اقتصار وظائفهم على ما عند المسيحيين وحدهم وفي بيئتهم، لأن خضوع المسلم لهم، ولو عن طريق تلبية حاجاته، هو الكفر بذاته، لأنهم كافرون. انها دعوة صريحة لتحويلهم الى الاسلام، من دون ارشادهم الى افضل السبل. امحصر اهتمامه باعلاء شأن الاسلام والمسلمين، وزوال الكفّار من المجتمع. لأن دعوته هذه تريحه، وتكسبه اجرا عند الله.

ج-ابن قيم الجوزية: فقيه متشدد، لم يرق له ان يعامل المسيحيون بما يستحقون من العلم والمعرفة، وحسن التدبير الاداري في الادارة المملوكية او في غيرها، وعلى قدم المساواة بالمسلمين. فأرّخ في كتابه”احكام اهل الذمة” للتدابير المذلة التي مورست بحقهم، منذ العهد الراشدي وحتى عصره، جاعلا من كتابه مصدرا رئيسا لأفضل السبل في التعاطي مع المسيحيين في الدول الاسلامية، رغبة منه بتعميم الاضطهاد عليهم، ليس في عصره وحده، انما في العصور القادمة، حتى يثوبوا الى رشدهم، ويتحولوا الى الاسلام. واسند تأريخه- ان جاز التعبير-، الى احاديث نبوية، وآيات قرآنية، انتقاها بعناية فائقة، وفسّرها بما يلائم توجهه، ودعّمها بسلوك خلفاء تسلحوا بفتاوى فقهاء متشددين. يحمل كتابه في طياته دعوة الى اعلاء شأن الاسلام، “افضل الاديان”، والى اقتلاع المسيحيين من المجتمع الاسلامي، واذلالهم بالانتقاص من كراماتهم :” لا يستعان بمن خان الله –المسيحيين- خالقه ورازقه، وعَبِد من دونه الاها فكذّب رسله، وعصى امره واتبع غير سبيله، واتخذ الشيطان وليا من دونه…وهم موسومون بغضب الله والشرك به، والجحد لوحدانيته…وامة الضلال هم النصارى المثلثة عبّاد الصلبان…وتبرأ الله من اتخذ الكفار وليا.”[106]ويبدو انه لم يترك آية قرآنية واحدة تدل عل “شرك او كفر” المسيحيين الا واظهرها، وعلّق عليها. واشاد بالخلفاء ممن تشددوا بتطبيق”الشروط العمرية”، وبمن سبقه من الفقهاء، الذين ارشدوا الخلفاء في شأنها.[107] ويستهل معظم فصول الكتاب بمقدمات تصب في اذلال المسيحيين، انظر ما كتبه في مستهله “حكم تولية اهل الذمة”:” …وقد حكم تعالى بان من تولاهم فانه منهم، ولا يتم الايمان الا بالبراءة منهم، والولاية تنافي البراءة، فلا تجتمع الولاية والبراءة ابدا، والولاية اعزاز، فلا تجتمع هي واذلال الكفر ابدا، والولاية صلة، فلا تجامع معاداة الكافر ابدا.”[108] ” وعلى رغم كفر المسيحيين، على حد تعبيره، يظل بقاؤهم المذل في الدولة الاسلامية نافعا ماديا، بالجزية التي يدفعومها، فهم ليسوا مواطنين بل دافعو ضرائب. “ان اقرار النصراني بين اظهر المسلمين على باطل دينه بالجزية والذل والصغار، والتزام احكام الملة، وكف شره عن المسلمين، خير وانفع للمسلمين من ان يخرج بماله الى بلاد الكفار المحاربين، فيكون قوة للكفار، محاربا للاسلام، ممتنعا من اداء الجزية…مع اقامته على الدين الباطل. “[109]

لم ينظر المتشددون الى المسيحي كفرد عامل في المجتمع، وقصروا عمله على خدمة المصلحة الاسلامية، افرادا وجماعات، وسلطة حاكمة، لا سيما في الموضوع المالي. وجعل من المعيار الديني وحده مقياس الانسانية، فالفرد ايا يكن مستواه الثقافي، وسمو سلوكه الاجتماعي، والوظيفي، يسقط في فخ التحزب الديني. فاعتناق الاسلام فقط يجيز للانسان القبول في مجتمع ابن قيم الجوزية، فهو ان لم يكن مسلما شابته عيوب كثيرة لانه مصاب بها اصلا. وانني لأسأل بماذا اضرّ المسيحيون بالمسلمين على كل مستوى، ولماذا هذا الحقد الاعمى، وما هي كوامنه البعيدة والقريبة، لأن احدا من الفقهاء المتشددين او غيرهم من المسلمين لم يحدد عوراتهم، سوى انهم يختلفون عنهم في الدين. ولم يشر احد منهم الى الآيات القرآنية التي تشيد بالمسيحية، وتمنع الاعتداء على من يعتنقها. وكل من ناقشهم في دينهم، وعجز عن مجاراتهم اعتبرهم اغبياء، شأن ابن كثير مع احد البطاركة، من دون ان يشير الى موضوع الغباء، او اين عجز عن مناقشته. فكان سلوكه كمن يهرب الى الامام. وانني لأعجب من بعض الفقهاء، لا سيما انهم ادرى من غيرهم من المسلمين، بمواقف الرسول من المسيحيين، ومما جاء في القرآن في شأنهم.

  ثالثا: المسحيون في العهد المملوكي:

1-المسيحيون في نيابة دمشق: منذ ان نشأت المسيحية انتشرت في بلاد الشام، ولا سيما في دمشق. وادى الخلاف على قضايا لاهوتية، الى انقسام المسيحيين الى مذاهب متعددة. فكان معظم مسيحيي المشرق من الروم الملكيين، واليعاقبة بمن فيهم السريان. ونحن نفتقر الى معلومات دقيقة حول اماكن استقرارهم في نيابة دمشق، سوى معلومات ضحلة امدتنا بها مصادر نادرة. ولا يذكرهم المؤرخون اجمالا الا من خلال التدابير المتخذة بحقهم؛ كتقيدهم بالشروط العمرية، والتعدي على الكنائس، واهراق الخمور واخبار الخمارات، والعقوبات التي نزلت بهم. واحيانا بالاجرآت الضرائبية غير المبررة، التي كانت تفرض عليهم،كالمصادرات، والطرح وما الى ذلك. او من خلال العلائق الخلافية بين مسيحي ومسلم، وبالتالي فهي معلومات شبه نادرة، ويبدو الحصول عليها مهمة شاقة. وتبعا لها، كانت حارة المسيحين في دمشق، تقع خارج اسوار المدينة، في المنطقة الشمالية الشرقية بالقرب من باب توما[110]، ومقابرهم على مقربة من الاسوار.[111] واستقر مسيحيون في صور، وبيروت.[112]وكان للموارنة حضور فاعل في جبل لبنان، لا سيما في القسم الشمالي منه.

اعترفت السلطات الاسلامية بالهرمية الكنسية عند المسيحيين: كان البطريرك رأس الكنيسة والقائم بامور الدين، ويليه الاسقف وهو نائب البطريرك، فالمطران الذي يتولى القضاء بين رجال الدين ممن هم دونه، ويليه القسيس، ثم صاحب الصلاة المعروف بالجاثليق وهو القيم على الكنيسة، فالراهب المتعبد في خلوته.[113] وكان مركزا البطريركين اليعاقبة والملكيين في دمشق، ويتبع لكل منهما ابناء مذهبه في كل بلاد الشام[114]. وهو مسؤول امام نائب دمشق، ويصدر السلطان منشور تثبيته[115]الذي يتضمن، الى جانب كلمات التكريم، الوجبات المترتبة عليه:الحض على القيام بما يليق بمركزه، والزهد في الدنيا، واصلاح الحال بين المتخاصمين بالحسنى:” اياه ان يتخذ تجارة مربحة، …واليه امر البِيَع والكنائس، وعليه ان يتفقدها في كل وقت…ويحذر الرهبان من جعلها مصيدة للمال، وتجنّب الخلوة بالنساء فيها، وايواء اي من الغرباء القادمين بما يريب، ولا يكتم ما اطلع عليه على المسامع الشريفة السلطانية، ولا يخفي كتابا يرِد اليه من احد الملوك، او جوابا …”[116] وكان يوصيه الإلتزام بالشروط العمرية ويحدد بعضها: يمتنع المسيحيون عن قرع اجراس الكنائس، ويصلوا باصوات منخفضة لا تزعج المسلمين، لا سيما في مواقيت صلاتهم. وينبهه للالتزام بالازياء المفروضة عليهم كما صدرت في المناشير السلطانية السابقة[117]. واستضافة من يمر بهم من المسلمين ثلاثة ايام، وفتح ابواب الكنائس والاديار لهم في الليل والنهار، وتوسيع ابوابها للمارة وابناء السبيل.[118] انها توصيات رادعة، بل تهديدات منمقة مباشرة. وبالتالي لم تكن الشروط العمرية ظرفية، ومرتبطة باصدار مراسيم سلطانية فقط، انما كان مفعولها المخيف ساريا في كل وقت، وسيفا مسلطا على رأس الكنيسة ورعاياه.

في العام 767 هـ/ 1365م اجتمع الاساقفة في دمشق وانتخبوا بشارة الملقب بمخائيل بطريركا عليها، ليستقر فيها. فلم يوافق النائب على قرارهم، فاستمر مركز البطريركية في انطاكيا.[119] وفيما بعد حصل هذا الانتقال وباتت ابرشية دمشق تابعة للبطريرك القائم عليها. ومنذ ذلك التاريخ، صار يتم انتخابه من قبل مطارنة الابرشيات الاخرى التابعة لها[120]. ويقومون بتنصيبه وتسليمه صولجان البطريركية في الكنيسة المريمية اذا كان المنتخب مطرانا، ومن المفترض حضور المطارنة جميعهم، وموافقتهم على الانتخاب، ويتولى الرسامة مطران صيدا وصور، لتقدمه على جميع اقرانه في المرتبة. وفي حال غيابه ينوب عنه مطران حوران، وبحضور الاساقفة المجاورين لدمشق؛ الزبداني، معلولا، صيدنايا، بعلبك، قارا ويبرود.[121] اما بطريرك اليعاقبة فكان نائب البطريرك في مصر، ولا يجوز له التوقيع الا باذن منه.[122]

على الرغم من رفعة منزلة البطريرك، الذي اطلقت عليه القاب سنية في المناشير والمكاتبات السلطانية، التي حفظ لنا بعضا منها القلقشندي مثل: كنز الطائفة العيسوية، المشكور بعقله عند الملوك والسلاطين، المبجل، العالم بامور دينه، الحبر.[123]وتعمّد بعض المؤرخين الحط من مقامه السامي، وهي دلالة على نقمته على المسيحيين عموما، وفي آن، على عجزه عن افحامه في الشؤون الدينية. فأطلق ابن طولون عام 894/1488 على بطريرك الملكيين ميخائيل الاول في دمشق سنة 768/ 1366 لقب” كنز الكفر”[124] ربما نقمة منه على المسيحيين عامة. واما لعجز الآخرين عن مجارات البطاركة في المناقشات الدينية وفي شرح بعض النصوص، فعندما عجز ابن كثير في التفوق على البطريرك في شرح مسائل لاهوتية، ومناقشة نصوص دينية ايمانية، لم يجد حجة سوى تحقيره، فمعته بكلام ناب لا يليق به كرجل دين ومؤرخ:” فاذا هو يفهم بعض الشيئ، ولكن حاصله حمار من أكفر الكفار لعنه الله.[125]

2-مراسيم الشروط العمرية ودوافعها:كان الحكام يجددون العمل بالشروط العمرية لاسباب متنوعة: نزولا عند رغبة وإلحاح فقهاء وعلماء مسلمين، حسدا من مستوى ونفوذ ارباب الوظائف الديوانية المسيحيين، للاقتصاص من كفاآتهم بالعزل ومصادرة اموالهم ومتلكاتهم احيانا، ولتغريمهم اموالا بين الحين والآخر من دون موجب شرعي، سوى اغناء خزانة السلطان. وقد يتذّرُع بعض الحكام، ومن وراؤهم بالرد على عمل عسكري اوروبي، ضد مسلمين في اي مكان من العالم. وقد يجبر المسيحيون على اعتناق الاسلام للاستمرار بالوظيفة، واحيانا قد لا يقبل منهم سوى القتل. او ردا على اعمال قرصنة اوروبية بحتة لا علاقة لها بالدين بتاتا، ولا بمسيحيي المشرق العربي. او بتأثير رجال دين سياسيين او نافذين؛ شاهد وزير ملك المغرب موكبا لموظف يتضرع اليه الناس وهو يعرض عنهم، وينهرهم ويصيح بغلمانه بطردهم، فسأل المغربي عنه فقيل له انه نصراني. فاستنكر الامر ورفعه الى الاميرين بيبرس الجاشنكير وسلار، فصدر منشور سلطاني فرض الشروط العمرية على الاراضي المملوكية كلها، وسفر عنه هجوم العامة على الكنائس، فهدموا بعضها، وتحوّل بعض من كان في الدواوين الى الاسلام طمعا بوظائفهم.[126] وكلّما كان يبرز في المجتمع او الادارة احد المسيحيين، يغار منه بعض المسلمين ويحرّضون عليه في الشارع او منزله، وقد تحدث فتنة، ما يدفع السلطان والامراء الى اعادة العمل بالشروط العمرية.

وتتمحور كل هذه الذرائع حول هدف رئيسي واحد: تحويل المسيحيين الى الاسلام، وكأن المجتمع الاسلامي، في رؤية اولئك المتشددين، لا يتعايش فيه الا المسلمون وحدهم، ولا يتسع لغيرهم!!! وهي جعلت المسيحيين مواطنين من الدرجة الثانية على حد تعبير احمد الزين،[127] ما افقدهم حق المواطنة الكامل، فحرموا الحقوق السياسية خلال الحكم الاسلامي في المشرق العربي، وأدت الى اكراه اعداد كبيرة منهم الى التحول الى الاسلام قسرا،” هربا من العنف والقسوة التي عوملوا بها وخوفا من الموت. وهكذا كان التحول كبيرا، ودوافعه قاسية، واعداد المتحولين كبيرة جدا …”[128]

قد تكون سنة 663/1265 اسست لفرض الشروط العمرية في العهد المملوكي، حين اتهم مسيحيون في تلك السنة، بافتعال حرائق في القاهرة والفسطاط[129]. وفي عام 680/1281 اصدر السلطان قلاوون مرسوما طلب فيه: ان يُسْلم من في الدواوين، والكتبة من اهل الذمة تحت طائلة القتل، فاسلم بعض منهم، اما الاخرون فوضعت الحبال في اعناقهم، وعرضوا في سوق الخيل في القاهرة لكي يصلبوا.[130]واتبعه بآخر سنة 1283 [131] وكرر ابنه الاشرف خليل الامر عينه سنة 689/1290، فمنع استخدام المسيحيين في الدواوين،[132] وألزم كل كتاب الدواوين المسيحيين اعتناق الاسلام، او دفع فدية قيمتها ألف دينار، فاسلم اربعة من ارباب الوظائف العالية.[133] ومنع السلطان كتبغا عام 694/1294 المسيحيين من ركوب الخيل والبغال، واجاز للمسلمين سلب من وجدوه راكبا، فاستغل بعض الغوغاء الامر وتعدوا على المسيحيين ،[134]وبالتالي تم استرضاء العامة واستيعاب نقمتها. وكرر اخوه الناصر محمد سنة 700/1300، منع المسيحيين من العمل في دواوين الامراء، ومن ركوب الخيل والبغال، وفرض على كل المسيحيين في البلاد المملوكية ارتداء العمائم الزرقاء، تحت طائلة العقوبة.[135]و في سنة 709/ 1309 لم يجد السلطان نفسه غضاضة في ان يعتمر المسيحيون عمامات بيضاء عوضا عن العلامات الفارقة، التي تميّزهم عن المسلمين، مقابل فدية مالية. ولكن ابن تيمية انتفض ضد هذا التدبير، وحثّ السلطان ليس على ابطال المرسوم فحسب، انما على تغريم المسيحيين جميعهم 700 ألف دينار سنويا زيادة على الجزية مفروضة عليهم، وليعتمروا العمامات الفارقة ايضا[136]. وهذا دليل آخر على استغلال المسيحيين ماديا، ودفعهم للتحوّل الى الاسلام. وفي سنة 721/1321 فرضت الشروط العمرية كاملة، في كل الديار المملوكية، وطلب السلطان الناصر محمد بن قلاوون من نوابه في النيابات، التشدد في تطبيقها، وباقفال الكنائس والاديار.[137] وفي سنة 755/1354 منع السلطان الناصر حسن، من دون اي سبب، استخدام المسيحيين في الدواوين الشريفة والكريمة على حد سواء، ورسسم في المنشور عينه، وجوب تصغير عمامة المسيحي الى عشرة اذرع، وزيادة صبغها، لكي تتميّز بجلاء عن عمامة المسلم، والا يركبوا الا الحمير وبالأُكُف، وان ترتدي نساؤهم ثيابا مغايرة لازياء المسلمات، ويحتزين خفين من لونين مختلفين.[138]

تكرر الامر عينه، سنة 766/1364[139] على عهد الاشرف شعبان، وكذلك عام 767/1365 على اثر هجوم ملك قبرص على الاسكندرية، فاصدر ابنه السلطان علي بن شعبان مرسوما قضى برد الاموال، التي  أخذت من نساء مسيحيات بدل دخولهن حمامات المسلمات، على ان يُمنعن من دخولها مجددا لكي لا تتساوين مع المسلمات في الحقوق. وفرض على الرجال، عند دخولهم حمامات المسلمين، تعليق اجراس في اعناقهم. وتكرر الامر عينه سنة 782/1380 .[140] في العام 1465م منع السلطان خشقدم المسيحيين من تعاطي الترجمة والسمسرة والعمل مع التجار الاجانب، انتقاما من سقوط غرناطة بيد الأسبان، ومن الاشتغال مع التجار الفرنج[141]. وفي سنة 1488 امر نائب دمشق اهل الذمة، عند دخولهم الى الحمامات، ان يربط الرجال حبالا في اوساطهم، وتعلق النساء الاجراس في رقابهن، ومنعهم من ركوب الدواب داخل المدينية[142]. وفي العام 1510 م  عاد الاضطهاد إلى سالف عهده، بعد ان كان تلاشى نسبيا.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما ذنب المسيحيين المشرقيين اذا كان ملك قبرص هاجم الاسكندرية، وانزل خسائر بشرية ومادية فيها، علما ان السلطات المملوكية لم تجد رابطا واحدا بين المسيحيين والمسؤولين عن الحملة ؟! وهل كان الانتقام منهم يعوض عجز المماليك عن إلحاق الهزيمة بالقبارصة، ويحوله الى انتصار، ام كان الامر تأكيدا على الحط من قدر المسيحيين انتقاما من الهزيمة؟! ومن ناحية ثانية ما هي المعادلة القيّمة، التي توازي بين المادي والروحي، فهل فعندما يدفع الموظف المسيحي في الديوان بدلا ماليا ليستمر في وظيفته، وعلى دينه، تحل مشكلة دينه؟! كانت قضية استغلال مالية؛ طمعا باموال المسيحيين، ولسد عجز بيت مال المسلمين، أكثر مما كانت تعلقا بالدين الاسلامي. فالسلطان كان شبه موقن انهم لن يبدلوا دينهم، وسيحصل على اموال مجانية. وفي الوقت عينه يتم استرضاء عموم المسلمين لا سيما الفقراء والمعوزين، الذين صوُّر لهم المسيحيين كفارا مشركين، وتجدر معاقبتهم.

3-وطأة الشروط العمرية

أفي الادارة: منذ ما قبل الاسلام، كان الذميون، بمن فيهم المسيحيون ، بارعين في الشؤون الادارية ويتقنون فنونها. واعتمد عليهم في دواوين جميع الدول الاسلامية المتعاقبة، بما فيها العهد المملوكي. وشغلوا كل المناصب التي يجيزها الشرع الاسلامي؛ وزارة التنفيذ، والكتابة في مختلف دواوين السلطانية، او التابعة للامراء.[143]ما سمح لهم المشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكان يعينون بمراسيم شريفة(سلطانية)، ويعزلون غالبا بالطريقة عينها تطبيقا للشروط العمرية، بتأثير من رجال دين متشددين او لاسباب اخرى. واطلق السلاطين ونوابهم على الموظفين المسيحيين ألقاب تشريف مثل: شيخ، وحضرة، او حضرة الشيخ، او ولي الدولة. وزيادة في التكريم كان يضاف الى الاسم الاساسي”أل” مثلا الشيخ شمس يصبح” الشيخ الشمس” والشيخ الصفي” و”الشيخ الموفق” واذا اسلم احدهم يضاف الى اسمه كلمة “الدين”، فيغدو اسمه الشيخ الشمس” شمس الدين”…[144] واجيز لبعضهم ممن نال لقب امير، شراء عدد من المماليك من ماله الخاص يتناسب مع رتبته، يقومون على خدمته[145]. نذكر منهم جمال الدين آقوش الرحبي من مسيحيي اربيل، الذي حمل لقب امير طبلخاناه عندما صار واليا على دمشق، واقتنى اربعين مملوكا، واقطاعا مناسبا[146]. وغبريال القبطي الذي صار وزيرا بدمشق لعلاقته الحسنة بتنكز نائبها، ومن ثم تحول الى الاسلام، بعد ان تم التآمر عليه وابرح ضربا.[147]وكان ابن مكانس القبطي وزيرا بدمشق، ويساعده عدد من المباشرين[148]. وذكرت المصادر بعض اسماء من تولى مناصب في دمشق مثل: جمال الدين آقوش الرحبي شاد الدواوين[149]. والرشيد سلامة كاتب سنجر البشمقدار، والمكين يوسف بن يحي عامل الجيش، والمكين يوسف بن ابي الكرم كاتب الحوطات، والمكين يوسف كاتب بهادر آص، والعلم عامل بيروت[150]، والموفق بن فضل الله الصقاعي الدمشقي الذي تولى عددا من المناصب ومنها الكتابة في ديوان المرتجع[151]. وابو الكرم النصراني كاتب في الدواوين الرسمية الدمشقية،[152]وبدر ابن القسيس القبطي كاتب الامير سيف الدين كجكل.[153]وموسى بن سمعان النصراني الكركي كاتب الامير قطلوبك الجاشنكير .[154] وكاتب مسيحي-لا يرد اسمه في المصادر- في خدمة القاضي الشافعي في دمشق.[155]

كانت نقمة بعض رجل الدين المسلمين عظيمة ضد الموظفين المسيحيين، لا سيما من تولى منهم وظيفة مرموقة كالوزارة، وأي منصب يجيز جباية الاموال، وحذروا باستمرار من تولي الصيارفة وظائف في بيت مال المسلمين[156]. نذكر منهم ابن القيم الجوزية، وابن النقاش، وتاج الدين السبكي[157]، وابن تيمية، وابن الاخوة، فضلا عن عدد من المؤرخين ممن كانوا يعتبرون علماء دين كأبن تغري بردي… ولم يسلم الكتّاب المسيحيون من نقمة زملاء مسلمين كانوا ادنى منهم مرتبة، كما حصل مع عبد الله بن يوسف السفاح احد كتاب الدواوين، الذي غضب بسبب تولي الذميين مناصب عالية في حلب، فتركها الى دمشق، ولما وجد الوضع فيها مشابها، نظم شعرا يعبّر عن مكنونات صدره الناقمة على المسيحيين والسلطة معا[158]. وكان يتم ابعادهم او عزلهم بمراسيم شريفة ،كما في السنوات: 689/1290، 700/1301، 755/1354، 757/1356، 765/1363… وقد وصل منشور سلطاني الى دمشق سنة 700/1301 يدعو الى محاربة المغول والكتاب المسيحيين. انها مفارقة عجيبة، تجعلك تتساءل عن هذه المساواة بين العدو الرهيب وابن البلد المختلف عنه في الدين، والذي يخدم الدولة؟!

بفي الاقتصاد:

الضرائب: اهتم المماليك بجباية الاموال، لشدة نهمهم منقطع النظير لها، فعلى رغم سيطرتهم شبه التامة على معظم مقدرات الاقتصاد، وتحويل فريق من عامة الناس الى اشباه اقنان، استمروا يتفنّون باستحداث ضرائب غير شرعية[159]. وشكلت الجزية او الجوالي ركيزة مهمة في نظامهم المالي، ليس لأنها فريضة إلاهية، وتشعر دافعها بالذل والصغار فحسب، بل لأن مردودها كان مرتفعا جدا، ويغذي دواوين السلاطين المالية. وهي ترتبت على البالغين من الرجال فقط. في البدء كان اوان استحقاقها في شهر محرم ثم تحول الى رمضان[160]، ويستوفيها شاد الجوالي المعين من قبل السلطان، بناء على انهاء نائب دمشق[161]. وعلى رغم فداحتها، كانت تصاعدية وفقا للمصادر، فبلغت دينارا على الفقير، واثنين على متوسط الحال، واربعة على الغني[162]. وتفاقمت فداحتها بالضرائب المتعددة الاخرى الشرعية وغير الشرعية، التي توجبت على المكلف. وظلم المسيحيون في تأديتها، لأنهم دفهعوها احيانا مقدما، وعن اكثر من سنة، كما  في عام 742/1341 حيث جبيت عن ثلاث سنوات مقدما.[163]

  في مطلع عهد المماليك كان البطريرك في الشام، او”حاشر المسيحيين”، ينظم قوائم باسماء نوعي رعاياه المكلفين: “الرواتب” وهم ابناء البلاد، و”الطوارئ” اي القادمون من بلاد اخرى. ويذكر في نهايتها اسماء من توفي، او سافر، او تحول الى الاسلام لاسقاطها عنهم[164]، ويرسلها الى شاد الجوالي، الذي كان يحرر، لمن يدفعها، ايصالا بقيمتها ممهورا بخاتمه[165].

لم تكن تجبى الجزية دائما افراديا، لأن البطريرك ونائب الشام كانا يتفقان على تأدية مبلغ معين عن جميع رعاياه من دون التمييز بين غني وفقير[166]، لا سيما عندما يصر النائب على جبايتها مسبقا، كما في العام 762/1361 [167]. ومن يتأخر عن دفعها يوضع في الترسيم اياما، ثم يسجن حتى يؤدي المتوجب عليه[168]. واذا تأخر عدد كبير عن دفعها لأكثر من سبب؛ ككقحط المواسم، او الفقر.. يمنع جميع المسيحيين من الصلاة في الكنائس[169]. وعلى اثر الروك الناصري لبلاد الشام سنة 1313، باتت جبايتها اشد قساوة، لأن اموالها لم تعد حكرا على الديوان الخاص، – الخاص بالسلطان وحده-، انما صارت كل جماعة تدفعها للامير الذي تعيش في نطاق اقطاعه[170]بحيث تجاوز معظم الامراء الحدود المرسومة لاسوب استيفائها. كما انها لم تعد تصرف في الوجوه التي حددها بعض الفقهاء، كرواتب الولاة، والفقهاء والقضاة، وعلماء الدين، والمجاهدين، ومن دون التقيد بالشرع الاسلامي، الذي لا يجيز اقطاع الضرائب، لأنها حق لبيت مال المسلمين وحده. وعجز كثيرون عن دفعها، وتحوّل قسم كبير منهم الى الاسلام قسرا للخلاص من عبئها.[171]

دفع المسيحيون، بالاضافة الى الجزية، ضريبة الحج ليسمح لهم تأدية فريضته الى الاراضي المقدسة المسيحية في القدس، وكانت فادحة على حد تعبير فحص، وتوزعت على ثلاثة مكوس: الاول للدخول اليها، والثاني لزيارة كنيسة القيامة، والثالث لحارسي القافلة من الجنود، وهو كان يفوق كثيرا ما كان يدفعه المسلمون لخفر جنود قافلة الحج الاسلامي. علما ان المسافة من الشام الى القدس اقصر منها الى الاماكن الاسلامية المقدسة في الحجاز. ففي سنة 766/1365 دفع كل حاج مسيحي 63 درهما، وكان مقدار هذا المكس في ارتفاع مستمر[172]. وهي، بهذا المعنى، وسيلة ضغط ليعتنق المسيحيون الاسلام. ودفعوا ايضا ضرائب على انتاج الخمور وبيعه، وعلى الارث.[173]

المصادرات: المصادرة بدعة ضرائبية مؤداها اتهام شخص، او جماعة كالتجار، او حارة، او حي، او طائفة معينة، بتهمة ما، قد لا تكون صحيحة، تخوّل السلطان مصادرة اموالهم المنقولة وغير المنقولة حزئيا او كليا. وقد فرضت اجمالا  على من اشتدت شكيمته من الامراء وبات خطره داهما على السلطان وعلى نظرائه، اوطمعا بمن ازدادت ثروته من اصحاب المناصب العالية، اومن اساء الامانة، او اخلّ بوظيفته، وما شابه ذلك. وقد يبرر السلطان احيانا هذا التصرف الشاذ، بتجهيز حملة عسكرية، او تحصين ثغور، او دية قتيل وجد في محلة او حارة ما، من دون معرفة القاتل، فكانت تتم مصادرة اموال محددة من سكانها. وكانت تلك اموال تكدس في احد ديواني السلطان المفرد او الخاص. وهذه البدعة او الظاهرة البشعة، التي اجازها بعض رجال الدين تقربا من اركان السلطة او حشية منهم، او انتقاما من شخص او جماعة، طبعت العهد المملوكي برمته، على الرغم من رغم مخالفتها الشرع الاسلامي.

عانى المسيحيون في نيابة دمشق من شدة وطأتها، فقبيل موقعة عين جالوت 658/1260، اتخذ السلطان من اساءة بعض مسيحيي دمشق الى المسلمين بمساعدة من المغول، او غض الطرف منهم، عندما رشوا الخمور على حيطان المساجد، واظهروا الصلبان في الشوارع، سببا ليصادر من جميع مسيحييها مليون درهم، جبيت بالضرب وانواع التعذيب، وطالت من شارك ومن لم يشارك في الاساءة[174]. ولما اشعل بعض المسيحيين حرائق في اسواق دمشق، اتت على جزء من الجامع الاموي، وما حوله من اماكن تجارية ومدارس، واوقعت خسائر كبيرة، لم يقبض نائب الشام على الفاعلين وحدهم، انما على ستين من رؤساء المسيحيين ايضا، من غير ذنب، وضربوا جميعهم بالمقارع، وانزل بهم انواعا من التعذيب، وصودرت اموالهم بمختلف الطرق، ثم صلب احد عشر من اعيان الكتاب المسيحيين- قد يكونون هم المسببين- وطيف بهم في الاسواق، ثم احرقوا، وسجن قسم من الباقين، وتحوّل عدد من المقبوض عليهم الى الاسلام لكي يطلق سبيلهم، وصودر من اربعة كتاب مليون ومائتي درهم[175]. ولما علم السلطان بالامر، استاء من تصرفات تنكز نائب الشام، ليس رفقا بالمسيحيين، انما خوفا من انتقام الروم من مسلمي القسطنطينية، ومن دون ان يتدخل لانصاف المظلومين.[176] وفي سنة 741/1341 صودر بامر سلطاني من مسيحيي دمشق، ما يقارب 107 آلاف من الدنانير، وفي الوقت عينه افرج عمن كان مسجونا منهم بسبب حادثة الحريق. وفي السنة عينها جبيت منهم جزية ثلاث سنين مقدما.[177]وفي سنة 767/1365، وردا على حملة ملك قبرص بطرس الاول على الاسكندرية، اصدر السلطان امرا شريفا الى “منكلي بغا” نائب دمشق، يأمره بالقبض على مسيحيي الشام ومصادرة ربع اموالهم، فطُلبوا في بيوتهم، واهينوا من دون ان يدروا ما الذي ارتكبوه، وهرب بعضهم الى جهات مختلفة[178]. ويذكر الدويهي، في هذا الصدد، ان السلطان امر بالقبض على اساقفة دمشق، فهرب بعضهم خوفا، واستقر احدهم في قبرص، وسجن الباقون.[179]وامر يلبغا الناصري، الذي تولى الحكم بعد انقلابه على السلطان برقوق، بمصادرة اموال الرهبان ومقتنياتهم، واموال المسيحيين جميعهم في مصر وبلاد الشام،  فبلغت غلّته من الصلبان اثني عشر ألف صليب، من بينها واحد ذهبي زنته عشرة ارطال مصرية.[180]ولما اجتمع ابن كثير، وهو مؤرخ ورجل الدين، بنائب دمشق انكر عليه هذا التصرف بحق المسيحيين، لأنهم في ذمة المسلمين. فاجاب النائب انها الاوامر من القاهرة، التي افتى بها بعض رجال الدين في مصر. ثم جمع من المسيحيين ربع اموالهم، وارسل ولاة الى البر الشامي فاستخلصوا اموال المسيحيين، بكل انواع التعذيب والاهانات.[181]

ج-الابنية: اجتهد فقهاء مسلمون في تفسير نظرية”الاسلام يعلو ولا يعلى عليه”[182]، واتخذوا منها ذريعة لتحقير غير المسلمين ومنهم المسيحيون. شمل هذا التحقير ممارسات اسلامية متعددة: في اللباس، ودخول الحمامات، وركوب الرحائل… وجعل بيوت المسيحيين اقل  ارتفاعا من دور المسلمين[183]، لأنه حق خالص للاسلام ولايجوز للمسلمين مخالفته. فان رضي الجار المسلم، ان يوازي سقف بيت جاره المسيحي سقف داره، او يزيده ارتفاعا، فان المحتسب كان يمنع المخالفة، ويأمر بالهدم، او بخفض مستوى السقف. وكثيرا ما حدث ذلك على ما يذكر المؤرخون[184].

د- اعتناق الاسلام قسرا:في عهد الرسول كان المجتمع متنوعا، يعيش فيه المسلم الى جانب المسيحي واليهودي، وفرض على غير المسلمين دفع الجزية فقط. وفي هذا المسار جهد بعض السلاطين المماليك، ورجال دين مسلمين متشددين، لتتحويل االمسيحيين الى الاسلام. وقد يكون السبب ما خلّفته من احقاد الحروب الفرنجية او الصليبية، وغزوات المغول، وقضاؤهم على دول اسلامية عديدة، ولا سيما الخلافة العباسية. قد نسلّم بهذه الاسباب، التي اجتهد بها مؤرخون، لو لم يكن هذا الجهد قد بدأ منذ العهد الراشدي، الذي فيه ارسيت ابرز ركائز الذمة في مفهوميها الاجتماعي والديني، ونشأت معايير الردة، التي تطورت بالممارسات والنصوص، وما عادت محصورة فقط بالتراجع اللفظي عن الاسلام، انما بات شتم الرسول، وامور اخرى من ركائزها الاساسية. وفي هذه الحال كان يخيّر كل من يذم الرسول، او يحقره، بين امرين: اعتناق الاسلام، او القتل. لن نغوص في هذا الموضوع لأنه يخرجنا عن هدف بحثنا. وبذل رجال دين متشددون، وسلاطين، ونواب حكموا دمشق، جهودا حثيثة لتحويل المسيحيين الى الاسلام، مستغلين اسبابا شرعية وغير شرعية. وكل من تحول الى الاسلام، وبعد مدة عاد الى اعتناق المسيحية يعدم. وكانت تحال معظم هذه الحالات الى القاضي المالكي، الذي لم يكن يقبل توبة المرتد، ويأمر بضرب عنقه.

 ورد في المصادر حالات عمّن تحول الى الاسلام، ومن ثم رجع الى اعتناق المسيحية، نذكر منهم رجل اقيمت البينة عليه سنة 812/1409 واقر بالتهمة، واصر على مسيحيته فضربت عنقه[185]. وعُزّر المسلم عماد اسماعيل لأنه شهد ان الانجيل والتوراة ما بدّلا، وانهما بحالهما كما انزلا على حد تعبيره[186]. واعدم المسيحي موسى بن سمعان، لأنه حول احد المسلمين الى المسيحية، ونقش على يده اشارة الصليب[187]. وامر نائب دمشق برجم احد المسلمين، لأنه حمى مسيحيا شتم النبي[188]. في سنة 693/1294، بسبب خلاف بين رجلين مسيحي ومسلم، شهد بعض اهل السويداء على المسيحي انه ذمّ النبي، وحاول الامير عساف بن احمد بن حجي ان يجيره، ولكن ابن تيمية وشيخا آخر طالبا باعدامه، ما اثار العامة، فرجموا المسيحي والامير عساف معا. ومنعا للفتنة اعتقل عز الدين ايبك الحموي نائب دمشق الشيخين، ولم يتمكن مجلس العدول، الذي انعقد نزولا عند رغبته، من تبرئة المسيحي، الذي حفاظا على حياته، تحول الى الاسلام[189]. في عام 726/1326 مثل مسيحي امام القاضي الحنبلي بدمشق، واعترف بما نسب اليه: بان مؤذني جامع دمشق كفرة، ومخافة الموت اسلم على يديه[190]. في سنة 730/1330 قال احد المسيحيين، في احد جوامع دمشق، اريد ان اسلم، ثم ترجع عن موقفه، فاعتبر كافرا وضربت عنقه، ثم احرقت جثته[191]. واعتنق الراهب توما بن عبد الله النصراني الاسلام على يد ابن تيمية ولازمه فترة، ودرس القرآن، وبعد مدة عاد الى المسيحية، وقال صراحة: “ان القرآن ثلثه من التوراة، وثلثه الثاني من الانجيل، والاخير صنفوه”، فضربت عنقه[192]. وفي عام 785/1383 مثل مسيحي امام القاضي الشافعي بدمشق، واقر بارتداده عن الاسلام وتاب امامه، وبعد مدة اعتنق المسيحية مجددا، فامر القاضي المالكي بضرب عنقه[193]. واسلم رجل مسيحي اتقاء للقتل، وبعد اشهر من عذاب الضمير، توجه الى بعض القضاة، وارتد عن الاسلام واعتنق المسيحية، وقال انا اريد ان اتطهر بالسيف، وقدح بالدين الاسلامي وعظّم المسيحية، فقطعت عنقه[194].

من اجل نهب الكنائس وهدمها، كان بعض المسلمين يشتكون للسلاطين، متهمين مسيحيين باستجداد او ترميم كنيسة، فيأمر السلطان بهدم ما استجد. فيستغل مسلمون الامر لنهب كنائس واديار، وهدمها كليا او جزئيا وان كانت غير مستجدة، ويعتدون على المسيحيين، ما كان يدفع قسرا عددا منهم الى الدخول في الاسلام[195]. واضطر بعض المسحيين اتقاء للقتل الى اعتناق الاسلام، ومن ثم كان بعضهم يتوبون عن هذه الخطيئة المميتة، على حد اعتقادهم، ويرغبون في الشهادة للمسيح، فيشهرون مسيحيتهم، فتضرب اعناقهم واعناق نسائهم. وعلى الرغم من ذلك استمر عدد من المسحيين ممن اسلموا يرتدون عن الاسلام، رغم قناعتهم بالمصير المحتوم[196].

 لم ينحصر التحول الى الاسلام بتلك المواقف المتشددة والفردية وحدها، بل كانت السلطة عموما تدفع بهذا الاتجاه، بضغط من رجال دين متشددين. ويتركز معظمها على المسيحيين العاملين في الدواوين الرسمية. فقد اصدر السلطان محمد بن قلاوون مرسوما قضى بتحويل من يعملون في الدواوين الرسمية وعند الامراء الى الاسلام، والّا غرّم بستة آلاف درهم، او الطرد من الوظيفة، فاسلم اربعة منهم[197]. وتحول غازي شهاب الدين الواسطي، الذي تولى نظر الدواوين  في وحلب، ثم في دمشق، الى الاسلام مكرها، لكي يستمر في وظيفته[198]. وغضب رجال دين على احد الكتاب المسلمين، لأنه جعل احد المسيحيين نائبا له في القضاء، واصروا على عزله او يتحول الى الاسلام[199]. وفي عام 701/1302 اسلم غبريال متولي الدواوين في دمشق، هو و”امين الملك” مستوفي الصحبة[200]. واسلم النشو احد الوزراء في دمشق ليستمر في وظيفته[201]. وغرّم علماء مسلمون احد المسيحيين بستمائة درهم استياء منه، لأنه قال لأحد المسلمين: انا اخوك وانت اخي، ولا فرق بيني وبينك[202].

يمكننا ان نفهم بعض الحالات التي توجب معاقبة بعض المسيحيين، ممن اساءوا الى الرسول، او الشعائر الاسلامية، ولكن ما لا يمكن ادراكه هو استغلال اتفه الامور، للنفاذ لمعاقبة المسيحيين، ودفعهم قسرا الى التحوّل الى الاسلام. فهل اذا دفع المسيحي بدلا ماليا تغتفر خطيئته، ويتساوى مع المسلم، وبالتالي يزول مبرر تحوّله الى الاسلام؟!! كانت سياسة الدفع نحو الهاوية بالتدرج، حتى السقوط او اعتناق الاسلام.

ه-الملابس: لا ندري ما هي الحكمة، التي افترضتها الشروط العمرية، بما عرف ب“الغيار”، التي تلزم المسيحيين ارتداء ملابس واحذية مغايرة لما يلبسه المسلمون[203]. فهل كان المسيحيون موبوئين، او مجرمين او نجيسين، وتجدر مجانبتهم، ام كان المقصود احتقارهم واذلالهم، تبعا لنظرية الاسلام يعلو ولا يعلى عليه؟!. فقد اثر في كل المجتمعات القديمة والحديثة ارتداء الثياب الفاخرة كل من يقدر على شرائها، وهي ليست حكرا على دين او طائفة. ولم يكن حذو بعض السلاطين المماليك في إلزام المسيحيين ارتداء الغيار، الا استمرارا لسلوك حكام مسلمين سابقين، وارضاء لتشدد بعض رجال الدين المتسلحين بالشروط العمرية. فاصدروا مناشير مرارا وتكرارا تضمن بعضها “الغيار”، ومن شروطه الاّ يرتدي المسيحي عمامة بيضاء، انما صفراء او زرقاء، والاّ يزيد طولها عن عشرة اذرع، واقتصرت احيانا على ذراع ونصف الذراع[204]. ووفرض الناصر محمد سنة 700/1300 على كل الرجال المسيحيين في البلاد المملوكية، ارتداء العمائم الزرقاء، تحت طائلة العقوبة.[205]و في سنة 709/ 1309 لم يجد السلطان نفسه غضاضة في ان يعتمر المسيحيون عمامات بيضاء، بالعلامات الفارقة في بقية ملابسهم، التي تميّزهم عن المسلمين، مقابل فدية مالية. ولكن ابن تيمية انتفض ضد هذا التدبير، واعتبره غير كاف، وحثّ السلطان على تغريم المسيحيين جميعهم 700 ألف دينار سنويا، زيادة على الجزية، المفروضة عليهم، واعتمار العمامات الفارقة[206]. وفي العام 1324م ورد منشور سلطاني، فرض على المسيحيين رجالا ونساء تعليق اجراس في رقابهم عند دخولهم الحمامات، وانتعال نعلين احدهما أسود والآخر بلون مغاير. ما افرح المسلمين، ودعوا للسلطان بطول العمر[207].  وكان الزنار يلبسه جميع الناس نساء ورجالا مسلمون ومسيحيون وغيرهم، وهو عبارة عن حبل يشد في وسط الجسم فوق الثياب، واشترط ن يكون زنار المسيحي  غليظا وازرق اللون[208]. وتكررت هذه المناشير او الكتب،كما في سنة 755/1354 على عهد الصالح صلاح الدين، الذي فرض: لا تزيد عمامة المسيحي عن عشرة اذرع، ولا يدخلو الى الحمامات، الا بالعلامات من جرس، او خاتم نحاس اصفر، او رصاص، ولا تدخل نساؤهم الحمامات مع النساء المسلمات، وليكن لهن حمامات تختص بهن، وإزارا من كتان ازرق، وأحد خفيها اسود والآخر ابيض.”[209] واعيد العمل به مجددا 1365، ونودي في البلد على أهل الذمة، الالتزام بالصغار، وتصغير العمائم، والّا يستخدموا في شيء من الأعمال، ولا يدخلون الحمامات الا بعلامات الكفر، من اجراس، وخواتيم، ونحو ذلك، وتنتعل المرأة خفين مختلفي اللون على ما ورد في المنشور.[210]وتكرر الامر في معظم المناشير الشريفة. وفي سنة 1488 اشترط نائب دمشق رجال اهل الذمة، عند دخولهم الى الحمامات، ربط حبال في اوساطهم، وعلى النساء تعليق الاجراس في رقابهن، ومنعوا جميعهم من ركوب الدواب داخل المدينية [211] . وفي العام 1510 م  عاد الاضطهاد إلى سالف عهده.

ز-ركوب الرحائل: استمرارا في الاحتقار، والتمييز الديني، منع المسيحيون من امتطاء الخيل والبغال، تبعا لمناشير عديدة. وهي اذا اضيفت، الى لبس الغيار، تؤكد عدم المساواة في مجتمع اريد له ان يكون نموذجيا، ومغايرا  لكل نظائره في العالم. لقد منع السلطان كتبغا عام 694/1294 المسيحيين من ركوب الخيل والبغال، واجاز للمسلمين سلب من وجدوه راكبا، فاستغل بعض الغوغاء الامر وتعدوا على المسيحيين ،[212] فتم، في آن واحد، الاقتصاص من المسيحيين، واستيعاب غضب العامة على ممارسات السلطات المملوكية. وصدرت مناشيسر اخرى، تؤكد على ما سبقها كما في العام 755/1354، حيث اجيز للمسيحين ركوب الحمير فقط، وبالأكف، وبالعرض.[213] وتلته كتب اخرى[214] لا سيما الذي صدر عام 765/1364-65 على عهد الاشرف شعبان.[215] ومنعهم السلطان خشقدم من ركوب الدواب داخل المدن، ومنها دمشق اكبر النيابات المملوكية [216]. ولسنا ندري ما الحكمة من ذلك، فهل كل مسلم ينضح قداسة، ويفوق المسيحي تقى ونقاوة وايمانا. انما الايمان الحقيقي يكمن في حسن السلوك الاجتماعي.

ح-الخمور: امتلك المسيحيون اراضي كثيرة، تعود ملكيتها الى ما قبل الفتوحات الاسلامية، وحافظوا على بعضها عبر الزمن، وزرعوها بانواع الاشجار المثمرة، ومنها الكرمة. واعتاد الناس، منذ ما قبل الاسلام، على شرب الخمور وصنع الزبيب وتناوله في الشتاء. والخمرة ركيزة اساسية في الطقوس الدينية المسيحية، لهذا زرعت اراضي تابعة للكنائس والاديار بالكرمة [217]. وكان المسيحيون يستخدمون العنب في استعمالاتهم الشخصية، وصناعة الزبيب. وأمّنت الخمرة لهم مردودا ماليا مهما، لأن معظم الفئات الاجتماعية كانت تقصد الخمارات، التي فرضت عليها ضرائب عالية، ما يعني انها اجيزت بقرارات من السلطة المملوكية.

من المسلم به ان القرآن حرّم الخمر شربا وصناعة واتجارا، وزاد بعض المتشددين، على هذه الاحكام، الاقتراب منها. واجيز للمسيحيين انتاجها وشربها، والاتجار بها بعيد عن مرأى المسلمين[218]. وكأن في الامر خديعة، فهل اذا دخل مسلم دار مسيحيي وهو يبيع الخمر، او يشربه، يعتبر الامر مخالفة شرعية، توجب اهراق الخمور ومعاقبة صاحبها؟! انها معادلة تحيق الخوف بالمسيحيين. وكان بعض المسلمين يقبلون على شرائها من الخمارات، التي كانت تتزود بانتاج المسيحيين اجمالا، وتنافس على ادارتها مسيحيون ومسلمون على السواء، لما كانت تدره من ارباح وفيرة، لا سيما تلك التي كان يمارس البغاء فيها. وقد شاع شرب الخمرة المحرمة بين جميع فئات المجتمع المملوكي وطوائفه ومذاهبه. وانتشرت الخمارات في ارجاء دمشق، ولكثرة مردودها المالي، وضمنها وحماها بعض نواب دمشق، وكبار امرائها، وافردوا لها اجنادا يسهرون على سلامة الامن فيها، وتأمين وصول المواد الاولية اليها، ومرافقة الباعة الى مقاصدهم.[219]

كان يعمد بعض السلاطين، بضغط من رجال الدين، او تقربا من الله في الشدائد، ومنها انتشار الاوبئة كالطاعون، الى اصدار مناشير باهراق الخمور، ويطلب الى المحتسب التشدد بتنفيذها، باراقتها في الشوارع على مرأى من المسلمين. واقفال الخمارات وملاحقة صانعي الخمور، وكبس بيوت المسيحيين، والمشتبه بهم من المسلمين، ممن كانوا يشاركون في هذه التجارة[220]. واجتهد بعض الصوفيين والعامة الدمشقية للحد من انتشار هذه الآفة، على حد تعبيرهم، واطلقوا النداآت في الشوارع، على طريقة التظاهرات المنددة، بمساعدة بعض رجال الدين او بطلب منهم، واحيانا بمبادرة ذاتية، تنفيسا عن اوضاعهم المذرية. وكانت تصادر اموال طائلة من اصحاب الخمارات تعسفا، وتدهم بيوت المسيحيين، ويعتدى عليهم بحثا عن الخمور لاهراقها، من دون اي اعتبار لعهد الذمة، وللقانون الذي يجيز لهم تخزينها في منازلهم. وكثيرا ما ادت الى صراعات بين المداهمين وحماة الخمارات من المماليك، واسفرت عن قتلى وجرحى.[221] فقد كبس الشيخ خضر العدوي، باذن من السلطان بيبرس، بيوت المسيحيين، والاديار بدمشق، واهرق الخمر، واتلف الزبيب[222]. واعيدت الكرة في منشور 767/1365. وتكررت العملية عينها في سنوات كثيرة، على مدى عهد المماليك.

كان يتم اقفال الخمارات بقرارات تصدر عن السلطات المخولة، ولكن ان تدهم البيوت من دون مسوّغ حتى في الارياف، ألا يعتبر تعديا على الناس وارزاقهم؟! فلماذا مثلا لا يتم، عندما تنتشر الاوبئة، وقف التعدي على الناس، كل الناس بمنع الطرح، والتحكير، والمصادرات، او تخفيف الضرائب؟!! فهل الله لم يكن يقبل الشفاعة الا بالاساءة الى المسيحيين، ليرضى على اركان السلطة، والمسلمين جميعهم؟!! ام انها كانت ذرائع يتوسلها الحكام والمتشددون للتعدي على المسيحيين بقصد تحويلهم الى الاسلام، وارضاء لعامة المسلمين، الذين تثقفوا على اضطهادهم. ولماذا كان كبار رجال الدولة يعودون، بعد الازمة، الى المشاركة بالعمل في الخمارات حماية واستثمارا من دون ان يجرؤ احد على ردعهم؟!!

طالتعدي على الكنائس:  في العهد المملوكي، كان التعدي على الكائس شائعا، لأنه قلما انزلت العقوبة بالمعتدين. وكثيرا ما كانت الكنائس تدمر، او تحوّل الى جوامع، بدسيسة من بعض رجال الدين المتشددين، او بعض العامة الراغبة بالتعدي عليها لسببين: ايذاء المسيحيين، ونهب محتويات الكنائس والاديار. وعندما يحصل التخريب، لم تكن غالبية الفقهاء تجيز اعادة بناء ما تهدم، على الرغم من حصوله من دون موجب، وكان بعض السلاطين يباركون، ويسكتون عن جريمة تحويل الكنائس الى مساجد. والكنائس عند المتشددين ليست بيوت الله:” من يعتقد ان الكنائس بيوت الله، او انه يعبد فيها، او انه يحب ذلك ويرضاه، فهو كافر؛ لأنه يتضمن صحة دينهم، وذلك كفر…ومن يعتقد ان زيارة اهل الذمة كنائسهم قربة من الله، فهو مرتد.”[223]وقد افتى تاج الدين السبكي بهدم الكنائس، واجلاء اليهود والمسيحيين.[224] ولن نذكر في هذه العجالة،كل اعمال الهدم والتدمير والحرق، التي طالت الكنائس والاديار وغيرها، لأن الموضوع سيطول كثيرا ويصبح قائما بذاته[225].

-المماليك والتجار المسيحيين:شكلت دولة المماليك اقصر حلقة اتصال بين الشرق الاقصى والغرب الاوروربي، لأنها سيطرت على كل موانئ حوض المتوسط الشرقي، باستثناء “اياس”الارمني. وعلى موانئ البحر الاحمر، والخليج العربي عموما[226]. وكان الغرب الاوروبي بحاجة ماسة الى توابل الشرق الاقصى[227]، لذلك، وبعد سقوط آخر المعاقل الصليبية بايديهم عام 1291، استهل البنادقة العلاقات التجارية معهم، بعقد معاهدة صلح وامتيازات تجارية. كان المماليك يحتاجون بشدة الى المواد الحربية الاولية، لا سيما ما يدخل في صناعة الاسطول، كالحديد والاخشاب والرصاص…كما الى المماليك” المشتروات” للتجنيد،[228] والى زيادة ارباحهم التجارية. والتجار الاوروبيون عموما، بخاصة البنادقة والجنويون كانوا يحتاجون الى سلع الشرق الاقصى،  وقد تحدوا التحريمات البابوية، وأمنوا ما يحتاجه المماليك من مواد اولية، وسلع تجارية. وشجع المماليك، بدورهم انشاء الفنادق، والوكالات التجارية، ووزعوها عليهم.[229]وتسابق الدول التي ينتمون اليها الى عقد معاهدات تجارية مع المماليك.[230] وتمكنت البندقية من فرض سيطرة شبه تامة على التجارة مع المماليك لا سيما في اواسط القرن 15م.، فكانت تتراوح ارباحها السنوية بين 300000الى 500000دوكة.[231] وتضمنت المعاهدات المسؤولية الفردية للتاجر، وليس للجالية كلها، عن كل اخلال يقوم به على اي مستوى في الاراضي المملوكية. ولا توجب مهاجمة القراصنة مراكب التجار المسلمين اي مسؤولية على التجار البنادقة، الذين تمتعوا بالاقامة في فندق داخل المدن: الاسكندرية، بيروت، دمشق…وحق لهم استخدام الحمام في يوم محدد من الاسبوع، وامتلكوا فرنا، وكنيسة لممارسة شعائرهم الدينية بحرية تامة. وتميز القنصل البندقي بصلاحيات مهمة: ادارية، وقضائية، من دون تدخل السلطات المملوكية. وخصّه السلطان ب”جامكية” راتب شهري، ومنزل، واجاز له التوجه اليه مباشرة لرفع اي شكوى.[232]وحلت المعاهدات التجارية، التي شكلت نوعا من التحالف بين التجار والسلطان، وامنت لهم حماية غير محدودة زمنيا، عوضا عن عهد الامان، الذي كان يحمي التاجر طيلة المدة المحددة فيه فقط.[233]

اثارت هذه الامتيازات حفيظة رجال الدين عموما، والمتشددين خصوصا، وناشدوا السلاطين مرارا وتكرارا لالغائها، واحلال الشروط العمرية مكانها، واصدروا فتاوى، على مدى القرن 14م، تطال المستأمنين من اهل دار الحرب، كي لا يطال عهد الامان تواجدهم بين المسلمين، لاكثر من سنة. واصروا على عودة التجار، ممن يقيمون في دار الاسلام مدى طويلا، الى بلادهم، لأنهم يشكلون خطرا حقيقيا على المسلمين، بما ينقلونه من معلومات تفيد اعداء الاسلام. وكانوا يغتاظون من اتخاذهم بعض المسلمين خدما لهم، مما يجعلهم ارفع منزلة من المسلمين، [234]وهي بحد ذاتها مخالفة للشروط العمرية. ورفع لواء هذه الحملة الشعواء ضد التجار الاوروبيين، رجال الدين المتشددين، من امثال: ابن تيمية، وابن النقاش، والاسنوي[235]… ولم توجه حملاتهم ضد التجار الفرنج فخسب، انما ايضا شملت الموظفين المسيحيين في دواوين السلاطين والامراء. ما اضطر السلاطين لاصدار مراسيم اعادة العمل بالشروط العمرية، التي ذكرناها آنفا بحق المسيحيين المشرقيين وحدهم،[236]ورافق تلك المواقف المتشددة تظاهرات للعامة تضامنا مع المتشددين. وكانت تتم التسويات لصالح التجار الاجانب المسيحيين، بتدخل من حكام دولهم لدى السلاطين، وتطبق شروط الامتيازات التجارية كاملة، خوفا على العائدات الجمركية المتزايدة قيمتها باستمرار. فقد احدث تجار مسلمون مشرقيون شغبا في القاهرة والاسكندرية، ضد التجار الاوروبيين، وهاج الشعب معهم، وحاول المتظاهرون مهاجمة القلعة مقر السلطان، لأنه يعامل الاوروبيين بما يلائم ارباحه ضد مصالح المسلمين. فقُبض على والييْ القاهرة والاسكندرية، وامر بتوسيط ثلاثين تاجرا مسلما.[237]

اعفي البنادقة من الجزية، وهي مخالفة صريحة للشرع الاسلامي، واستعيض عنها بشراء البنادقة كمية من البهارات بثمن يفوق اسعار السوق. واجيز لهم، اعتبارا من عام 1415م على عهد السلطان شيخ المحمودي، رفع شكاويهم امام نائب السلطان، والحاجب –بعد الغاء منصب الاول، واذا اضطر الامر امام السلطان مباشرة كونه والي المظالم،  متجاوزين النظام القضائي الاسلامي كله، وتساووا مع الامراء المماليك امام القضاء[238]. وقرر السلاطين عقوبات استنسابية في القضاء الجزائي، فعوضا عن قطع اليد والرجل، او الرجم، اكتفوا بالتعزير والبدلات المالية. وفي عام 1442نال البنادقة امتيازا جديدا يجيز لهم امتطاء الخيل، وارتداء ملابس شرقية على غرار المماليك والتجار الشرقيين الآخرين، في تنقلاتهم الداخلية.[239] ومن اجل زيادة ارباحهم،  عاقب السلاطين قضاة ومسؤولين رفيعي المناصب، لتعرضهم للتجار البنادقة.

والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا لم تحترم التشريعات الاسلامية مع التجار الاجانب المسيحيين. الا تعتبر كل تلك التدابير والاجرآت مخالفات شديدة الوضوح لنظام الذمة المعمول به في الديار المملوكية، وللشروط العمرية، التي فرضها السلاطين بمبادارت منهم او بضغوط من رجال الدين، وللشرع الاسلامي عموما؟! الا توضح امكانية الشرع الاسلامي للاجتهاد، يتماشيا مع مصالح الدولة حينا، والشخصية حينا آخر، وبالتالي فان الغاية تبرر الوسيلة؟! فكيف يجوز معاملة المسيحيين المشرقيين، وهم عرب بالاجمال، بالتشدد والاضطهاد احيانا، في حين تُطَوع كل القوانين والتشريعات، لصالح تجار اجانب ينتمون الى دول معادية للمماليك المفترض انهم حماة الاسلام، على حد زعم بعض المؤرخين!! انها سلطة متعسفة، لا تلتزم بالقوانين لا بل بالشرع لأن مصالحها تحتل المقام الاول. وكلما كانت تخشى نقمة رجال الدين المحصنين بمراكزهم، وبالشعب الغاضب من ممارساتها، تعمد الى اضطهاد المسيحيين.

العلاقات المسيحية الاسلامية بعيدا من السلطة ورجال الدين: يفرز كل مجتمع عادات وتقاليد واساليب حياة تشكل ظواهر اجتماعية تخضع لها معظم المكونات الاجتماعية، مع احتفاظ كل جماعة دينية او عرقية بمميزاتها. ومنهم المسيحيون الدمشقيون الذين مارسوا كل المهن، التي تعاطاها المسلمون، وخضعوا جميعهم الى نظام المهنة، وامتثلوا الى اوامر شيخها، الذي عُهد اليه المحافظة عليها وتنفيذ قوانينها، وكانت تشابه انظمة النقابات في عصرنا الحاضر. وتشارك الدمشقيون، على الرغم من قلة الوثائق، الاحتفتلات الدينية كلها، المسيحية والاسلامية. اما المسيحيون فقد احتفلوا بالعديد من الاعياد؛ من ابرزها الميلاد، الذي كان يقع باستمرار يوم احد، على حد تعبير شيخ الربوة.[240] وتشابهت احتفالاتهم في الانحاء الشامية كلها، وترك لنا شيخ الربوة نموزجا احتفاليا في حماة:”وفي هذه الليلة يوقد اهل حماة، كبيرهم وصغيرهم، وجليلهم وحقيرهم، وجندهم واميرهم، من القناديل فوق الاسطحة، ومن القنّب والشيح عظيما، ويوقدون من البارود والنفط انواعا شتى.”[241] ان مشاركة المماليك:( جندهم واميرهم)، – كانت الجندية احتكارا مملوكيا- بالاحتفالات يعطي العلاقات الاجتماعية بعدا رائعا، لم تعكر صفوه الا مواقف المتشددين[242]. واحتفلوا ايضا بعيد ختان السيد المسيح، الذي كان تاريخه في ثامن يوم للميلاد، وبعيد الغطاس ايضا.[243] وكان عيد الفصح يتوّج احتفالاتهم، ويُطلق عليه”عيد النصارى”. واليك هذا الوصف الرائع ، بعيدا من سطوة رجال الدين المتشددين، للعلاقات الاجتماعية الاسلامية المسيحية في حماة، التي  يبدو انها كانت مركزا دينيا مسيحيا مهما، لأن الناس كانوا يتوافدون اليها من نواحي ومدن عديدة:” وفي هذا العيد تبطل اهل حماة مدة ستة ايام، اولها الخميس الكبير، وهو خميس العهد (خميس الاسرار)، وآخرها يوم الثلاثاء، ثالث الفصح. وتنتقش فيه النساء، وتُلبس فيه الكساوة الفاخرة، ويصبغون فيه البيض، ويعملون الاقراص والكعك، والمسلمون فيه اكثر من النصارى. ويرد الى حماة اهل سائر البلاد المجاورة لها مثل: حمص وشيزر، وسلمية، وكفر طاب، و ابو قُبيْس، ومصياف، والمعرة، وتيزين، والباب، وبُراعة، والفوعة، وحلب. ويطلعون جميعا الى العاصي، ويضربون لهم اهل حماة على شطوطه خياما، ويركبون في المراكب بالمغاني، ويرقصون في المراكب، والنساء والرجال على الشطوط، حتى تتهتك الخلائق، ويمضي لهم ستة ايام لا يرى في الوجود مثلها…”[244] واحتفل المسيحيون ايضا ب” السلاّق” خميس الصعود، وبالعنصرة وهو عيد البارقليط[245]. وبعيد الاول من نيسان، وبآخر يلي خميس البيض، وعيد مولد السيدة العذراء في الثامن من ايلول، وعيد الصليب في 14 منه.[246] اما في دمشق، فقد احتفل المسيحيون باعيادهم في حاراتهم واحيائهم الخاصة، فيما خلا خميس النصارى، الذي كانوا يحتفلون به في القابون. وشاركهم اعيادهم مسلمون، اما احتفالا اومشاهدة.[247]

ان هذا التآلف والمشاركة الاجتماعية والدينية، واتساق غالبية فئات المجتمع الى ظواهر اجتماعية تشد اواصر الحياة، وتزيل الحواجز، كان يغيظ رجال الدين المتشددين. ولعل ابن تيمية كان اكثرهم انزعاجا وغضبا، فاستمرار الفوارق الاجتماعية كان مبتغاه، وقهر واذلال المسيحيين وسيلته للتقرب من الله. فكتابه “اقتضاء الصراط” مليئ بالمواقف الحاضّة على احتقار المسيحيين، واجتنابهم “اجتنبوا اعداء الله في عيدهم”.[248]وينهي المسلمين عن الدخول الكنائس ايام الاعياد المسيحية، لأنها مخالفة الاهية، وتقربهم منهم، وكأنهم وباء :”لأن الموافقة في العيد، موافقة في الكفر.” و”دين النصارى ملعون”.[249]وينتقد المسلمين الذين يشاركون احتفالات المسيحيين في اعيادهم، ولا يعتبرهم مسلمين حقيقيين، مشككا بصحة ايمانهم، ومقتديا باقوال عمر بن الخطاب :” اياكم ورطانة الاعاجم، وان تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم فان السخطة تنزل عليهم، واجتنبوا اعداء الله في اعيادهم”[250]. ويزداد تشدده مصحوبا بالغضب والكره للمسيحيين، ما يجعله لا يجد اية مكرمة في الديانة المسيحية، فينعت اتباعها باقذع الاوصاف:”ان مشابهتهم في اعيادهم هو سبب لنوع من اكتساب اخلاقهم التي هي ملعونة. ومشابهتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في الاخلاق والافعال المذمومة، وهي تورث نوع محبة ومودة، فاذا كانت المشابهة بامور دنيوية تورث المحبة والموالات، فكيف المشابهة بامور دينية؟” [251]واضاف “أليست موافقتهم في العمل اعظم من موافقتهم في اللغة؟ أوليس عمل بعض اعمال عيدهم اعظم من مجرد الدخول عليهم في عيدهم”[252]  ويضيف:وعامة اعمال النصارى في اعيادهم قد زينها الله لكثير ممن يدعي الاسلام…انما خصوصا في الدين الباطل…وفيه مشابهة لهم”[253]:ويستطرد” ان المشابهة تفضي الى الكفر، او معصية غالبا، او تفضي اليهما في الجملة.”[254] وهذه المعصية تطال بعض المسلمين المتآلفين اجتماعيا مع المسيحيين، لأنه ينكر عليهم، غسل اولادهم في الحمام تيمنا بعيد الغطاس:” وقد صار كثير من جهال النساء يدخلن اولادهن الى الحمام في هذا الوقت، ويزعمن ان هذا ينفع الولد وهذا من دين النصارى، وهو من اقبح المنكرات.”[255]ويستمر بتحقير مقدساتهم بحقد، ومن دون دليل :”وفي آخر خميس من الصوم – وهو الخميس الحقير- على حد تعبيره، يجتمعون في اماكن اجتماعات عظيمة ويصبغون البيض ويطبخون اللبن …ويصنعون الاطعمة…ويتهادون الهدايا…”[256] ويشدد على المسلم لكي يختلف في سلوكه العام عن المسيحي، لا سيما في المشاركة في الاعياد، لأنها معصية كبيرة جدا.

صب ابن تيمية جام غضبه وحقده على المسيحيين، بمجرد انهم ليسوا مسلمين، ومن دون ان يناقش اي رجل دين مسيحي لكي يقنعه بالتحول الى الاسلام. فهو لا يقر امرا عن المسيحية الا ما جاء في القرآن من منظاره، ومن دون التطرق الى الآيات التي تمجد السيد المسيح. لم يجد في التسامح الذي حض عليه السيد المسيح اية مكرمة، ولا في دعوته الى التواضع والمغفرة، الا مذمة. وحذا حذوه عدد من المتشددين في زمن المماليك، لا يسعنا الاطلالة عليهم جميعهم في هذا البحث.

اما في المجتمعات التي لم يتأثر سكانها بالمتشددين، نجد نوعا آخر من السلوك الاجتماعي والديني. وسأكتفي بهذه العجالة بمقال لرئيس الرهبان الفرنسيسكان يتحدث فيه عن علاقات مسلمين شيعة ودروز بالرهبان الفرنسيسكان، في نواحي بيروت في اواسط القرن 15م.[257] ويتحدث عن اختبار شخصي لايمان “الكفرة” على حد تعبيره، كان المسلمون يبجلون كنيسة الرهبان بمقدار الرهبان انفسهم: ومن شدة ايمانهم يرسلون المرضى الى حدائق الكنيسة والدير لقطف الازهار الطبية، على الرغم من وجود مثيلاتها في الاسواق، لأعتقادهم بقدرتها على الشفاء بوضعها على الرأس[258]، ويؤمنون بما يتحدث به الرهبان عن الحياة والموت، ويطلبون منهم البركة والنصائح[259]. واذا تنزّه الرهبان في بساتين المسلمين، كان هؤلاء يطلبون منهم لمس الاشجار لمباكتها. وكانوا يحملون اليهم منتوجاتهم، ويبيعونها لهم باسعار متهاودة، واذا لم يستطيعوا دفع كامل ثمنها، ماكانوا يذكرونهم، خجلا، بما يستحق لهم بذمتهم، ولكن الرهبان كانوا يسددون دينهم. وعندما كان احدهم يشيد بيتا يطلب من الرهبان تبريكه بالماء المقدس على الطريقة المسيحية[260].

على الرغم من المبالغة الواضحة في النص، فهو يعبر عن تقدير مسلمين لرجال دين مسيحيين اغراب، متخذين من حسن المعاملة معيارا. فالعلائق بين الطرفين خلت من الحقد، والرفض، والبغض، وسادتها وشائج انسانية تقوم على احترام الآخر ايا يكن دينه ومذهبه. وهي تؤشر الى علاقات وئام بين الفئات الاجتماعية بعيدا عن المتشددين. وبالتالي يتسع المجتمع الاسلامي لغير المسلمين اذا اتسمت السلطة بالعدالة، وخلا المجتمع من التعصب الاعمى، والعنصرية الدينية.   

سلبيات الشروط العمرية: هذه عينات معبرة عما كان يعانيه المسيحيون، في نيابة دمشق المملوكية، من تعسف واضطهاد، تحد من حريتهم وترهبهم من اعادة العمل بالشروط العمرية، الخاضعة لمزاج رجال دين متشددين، وسلاطين يخشون انفلات غضب العامة، فكانوا يعملون على تخديرهم بتلك المناشير. فطوال حوالى خمسين عاماً، تعرّض المسيحيون لتسعة إجراءات تعسّفية، خفّت وطأتها في ما بعد. سُلطت تلك الشروط على اهل الذمة،[261] وكان تنفيذها شديد الوطأة عليهم يشعرهم على المستوى الاخلاقي بالدونية والاذلال، وعلى المستوى الوطني بالمواطنة غير الموثوقة، وعلى المستوى الاجتماعي بالشك بولائهم واتهمامهم بالخيانة كونهم غير مسلمين، ومستهدفين بسوء الامانة، لأنهم ميالون بطبيعتهم ودينهم الى الدول المسيحية اعداء المسلمين، ويستغلون الظروف لتزويدها بنقاط ضعف الدول الاسلامية، على حد زعم بعض رجال الدين المتشددين. وباتت المواطنة تقاس بالانتماء الديني، وليس بالولاء السياسي والانتماء المشرقي؛ فالامة هي مجموع المؤمنين المسلمين فقط، لأنهم وحدهم المختارون عند الله، اما الآخرون فمشركون. هذا ما كان يعكسه موقف فقهاء وعلماء متشددين، دفعوا السلاطين مرارا وتكرارا لاتخاذ اجراءات وتدابير تتنافى مع النظرة القرآنية للمسيحيين. لا ندري لماذا لم يستلهم عمر بن الخطاب ومن تلاه من الخلفاء طيلة العصور الوسطى العلاقة مع اهل الكتاب من “دستور المدينة” عهد الصحيفة، الذي ساوى فيه الرسول بين المسلمين مهاجرين وانصار واليهود في المعاملة، ومن يرتكب اثما  يكون وحده مسؤولا عن فعلته، ويرفضه قومه والموقعون على العهد جميعهم؟![262] مؤسسا بموجبه ركائز الدولة الاسلامية، التي يعيش فيها كل من آمن بالله الواحد واليوم الآخر بسلام وامان.

ويبقى السؤال هل شكل المسيحيون المشرقيون فئة متميزة عن بقية السكان؟ تصعب الاجابة على ذلك نظرا لقلة المعلومات، التي وفرتها مصادرنا، انما المرجح، انهم تمتعوا في احيائهم الخاصة بنظم محددة ميزتهم، في بعض وجوهها، من الفئات الاجتماعية الاسلامية. وخضعوا، كما المسلمين، الى ظاهرة اجتماعية عامة، فتشاركوا مع الدمشقيين الاعمال عينها، والاحتفالات والاعياد المتنوعة.

ان التعميم في التأريخ ساقط بلا شك، واذا كان عهد المماليك حبل بالكثير من الاضطها والتعسف بحق المسيحيين، بسبب الاوضاع الداخلية القلقة التي رافقته، كما بتسلط بعض رجال الدين على بعض السلاطين، ممن كانوا يرون الانسانية بمنظار ضيق جدا، وحصروا المكارم في الاسلام والمسلمين فقط، على الرغم من الممارسات المملوكية الخارجة على كل قانون وعرف، بما سببوه من فساد رهيب على الصعد كافة. واجتهدوا لتحويل الناس من دين الى آخر بالقهر والاضطهاد. ففي عهد صلاح الدين الايوبي، على الرغم من الصراع الديني، الذي بلغ ذروته بين المسلمين والفرنجة المسيحيين الاغراب عن المشرق العربي، لم يؤثر عنه مواقف اسلامية متشددة. واذا سلمنا بما قاله مؤرخه ابن شداد “ومن عدله أن في أيامه، لم تتمكن أكابر الأمراء من التعدي على أقل العوام، بل على أدنى اليهود والنصارى، ومتى رفع إليه يهودي أو نصراني أو أقل العوام، ظلامة على أحد من أعيان دولته، أنصفه منه وكفه عنه . . .[263]“. هل كان من العدل تحويل الناس الى الاسلام عن طريق القهر والاضطهاد فقط، ومن دون ان يسمح للمقهور بالاطلاع على القرآن، وغيره من الكتب الدينية كالحديث، والفقه… من دون ايمان؟!!

من دون ادنى شك، جعلت المراسيم السلطانية، وفتاوى وممارسات المتشددين، المسيحيين يخافون على كراماتهم، ويخشون الاضطهاد، وربما أرّقت حياتهم الرهبة من اعادة العمل بالشروط العمرية، في اي وقت، وفي اي ظرف. وادت تلك السياسة الرعناء الخارجة على مفهوم الاسلام الحقيقي، باعتمادها على اجزاء من الآيات، ووضعها في غير السياق العام للقرآن كله، وتفسيرها الكيفي، والاجتهاد في تطبيقها، والى عدم التطرق الى الآيات التي، تبارك عيسى وتجعله كلمة الله، وروح الله، والعجائب التي صنعها، وتلك التي تبارك السيدة العذراء، وتقول انها ولدت من دون خطيئة، وانها لم ترتكب اثما في حياتها….ما ادى الى خلل في الاجتماع الانساني في المرحلة المملوكية. لماذا لم يثر المتشددون على جور السلطة المملوكية في الاقتصاد، والامن، والامن الاجتماعي الذي زاد في بؤس الناس. والسلطة المملوكية كانت تخشى من النقمة الشعبية العارمة والعامة، التي توسلت احيانا رجال الدين للتعبير عن يأسها، والظلم الحائق بها. لا سيما انها غريبة عن البيئة المشرقية، عرقا، وسلوكا سياسيا، وتصرفا اجتماعيا، وممارسة اقتصادية، وتخشى الفتن الشعبية، التي، اذا اضيفت الى الصراع شبه غير المنتهي بين الامراء من جهة، وبين طوائف الاجناد من ناحية ثانية، قد تودي بالسلطان واركان حكمه. ما جعلها تخضع احيانا الى تسلط رجال الدين المتشددين، فيزداد تعسفها تعسفا، وجورها احتداما، وتنتقم من الفئة الاضعف “المسيحيين”، ارضاء للمتشددين. وبات هذا السلوك غير السوي، ان جاز التعبير، ثقافة عامة تماهت سلوكا بالاذلال، والرعب، والخوف من القتل. حتى بات المسيحيون يعيشون احيانا على هامش المجتمع، وليس في قلبه. ان هذا الاسلوب المرعب، الذي مارسه المتشددون، وجارتهم فيه السلطة المتعسفة، ما نزال نعاني خطورته حتى اليوم، وفي كل اصقاع الدنيا، بعد انتشر الارهاب فيها، بتشجيع من دول وافراد.

  نموزج عن المناشير السلطانية:” ” فلما كان في يوم الخميس السابع والعشرين من الشهر جلس السلطان على العادة، وحضر الأمراء وغيرهم إلى الخدمة فخاطب السلطان أكابر الأمراء في هذا الأمر، وقال: قد قررت على النصارى مضاعفة الجزية فيؤخذ منهم جزيتان. وأمر أن ينادي في المدينتين أن يلبسوا الثياب الزرق مضافة إلى العمائم، وأن يشدوا الزنانير فوق ثيابهم، وأن يميزوا إذا دخلوا الحمام بجلجل يجعلونه في أعناقهم، وأن لا يستخدموا في الدواوين السلطانية ولا في دواوين الأمراء ولا في الأعمال والبرور. فنودي بذلك، وبرزت الأمثلة الشريفة السلطانية به، وقرئت على المنابر بالمدينتين، ونفذت إلى العملين، وتضمّن المثال المجهّز منها إلى الوجه القبلي الذي قرئ على منابر المدن ما مثاله بعد البسملة :

 ” ( . . . ) وكان جماعة من مفسدي النصارى قد تعدوا وطمعوا، وتمادوا في المخالفة إلى ما تقتضي بعض العهود، وبغوا ومكروا مكرا كبارا، فأدخلوا نارا، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا؛  وتعرضوا الرمي بنار أطفأها الله تعالى بفضله، ومكروا مكرا سيئا (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله )؛ اقتضى رأينا الشريف أن نأخذهم بالشرع الشريف في كل قضية، ونجدد عليهم العهود العمرية، وأن نقرر على من شمله عفونا ممن ضعف منهم الجزية ما تكون به أنفسهم تحت سيوفنا مرتهنة، ونضرب عليهم في لباسهم وحرمانهم الذلة والمسكنة. فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي “السلطاني الملكي الناصر، لا زال ناصر الدين بجنوده، مظهر دين الحنفية على الدين كله، أن تستقر الجزية على سائر النصارى بالوجه القبلى ضعف ما عليهم الآن، ويؤخذ من كل نصراني جاليتان المستقرة أولا واحدة ، والزيادة نظير ذلك للخاص الشريف مهما كان مستقرا بسائر النواحي بالوجه القبلي في الإقطاع، حسب ما قررت في الروك المبارك الناصري، يكون للمقطعين، والزيادة الثانية المضاعفة الآن تكون للخاص الشريف، وأن تلبس سائر النصارى عمائم زرقاً وجهابأ زرقاً ويشدوا والزنار في أوساطهم، وأن لا يستخدم أحد من النصارى في جهة من الجهات الديوانية والأشغال السلطانية، وكذلك لا يستخدم أحد من الأمراء أحدا من النصارى عنده، وأن يبطلوا جميعهم من الجهات التي كانوا يخدمون بها. والحذر ثم الحذر من أن أحدا منهم يخرج عما رسمنا به، ومن فعل ذلك منهم كانت روحه قبالة ذلك، ولا تنفعه بعدها فدية ولا جزية. وتحسم مادة فسادهم ، وينكشف بذلك ما أظهروه من سوء اعتمادهم فليثبت حكم هذا المرسوم الشريف، وليدخل تحت أمره المطاع كل قوى وضعيف؛  وليستقر ضرب هذه الجزية استقرارا بلا زوال، مستمرا بدوام الليالي والأيام، باقية بدوام الأعوام والسنين، مخلدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. فإنها حسنة ساقها الله تعالى لدولتنا الشريفة، ومثوبة وذخيرة صالحة لم تزل في صحائفنا الطاهرة مكتوبة، ومعدلة يسرها الله تعالى على يدينا في الآفاق، وأجراً يكون ثوابه عند الله باق. وسبيل كل واقف عليه، والياً ونائباً، وحاضرأ وغائباً ، وناهياً وآمراً، وشاهداً وناظراً ، ومأموراً ، وأميراً ، وكبيراً، وصغيراً، الانتهاء عند هذا التحذير، فيبادرون إلى امتثال المرسوم الشريف، ويسمعون ويسارعون إلى العمل بما فيه”[264].


[1] – شرف (جان )،الايديولوجية المجتمعية ، منشورات الجامعة اللبنانية،بيروت،1996، ص 100

[2] -Soboul, Albert, L’histoire sociale_ Sources et Méthodes, Colloque de l’Ecole Normale supérieure de Saint-Cloud, 15-16 MAI 1965, Paris 1965, p.10.

[3]  –  لمزيد من الاطلاع انظر: شعبان (محمد عبد الحي)، صدر الاسلام والدولة الاموية، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1983، ص 46، 51-53،66،76-81…

[4]  – الصولي (محمد بن يحي)، اخبار الراضي لله والمتقي بالله، مطبعة الصاوي، مصر ، دون تاريخ، ص 142-149، مسكويه (احمد بن محمد )، تجارب الامم، تحقيق امدروز، مطبعة التمد الصناعية، مصر، 1915، ج1، ص 86، 151، ج2، ص112، و ابن الجوزي ( ابو الفرج عبد الرحمن)، المنتظم في تاريخ الملوك والامم، حيدر آباد الدكن، 1965، ج8، ص 202 واماكن متعددة منه ومن الجزء التاسع، وضومط، الشرق، ص112-115، 135-137، 171-172، 182-184

[5]  – ان نظرة سريعة على مجموعة الاغاني كافية لمعرفة المستوى الذي بلغه البذخ والمجون عند العباسيين، انظر : ابو الفرج الاصفهاني، علي بن الحسين، الاغاني، الهيئة المصرية العامة القاهرة، 1970 – 1974

[6] – حميد الله، محمد، الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدية، دار النفائس، ط4،، بيروت 1983، ص 180- 185

[7] –  الوثائق السياسية، ص 561- 563. ومما جاء فيه ” نفر من اصحابه سألوه كتابا لجميع اهل النصرانية، امانا من المسلمين، وعهدا ينجز لهم الوفاء بما عاهدوهم، واعطيتموه اياه من نفسي… ومن نكثه وخالفه الى غيره وبدّله فعليه وزره، فقد خان امان الله” ويضيف “ولا يهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم. ولا يدخل شيئ من مال كنائسهم في بناء مسجد ولا في منازل المسلمين. فمن فعل ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله…ويكفّ عنهم ادب المكروه حيثما كانوا وحيثما حلّوا. وان صارت النصرانية عند المسلمين فعليه – صاحب السلطة في الاسلام- برضاها وتمكينها من الصلوات في بيعها. ولا يحيل بينها وبين هوى دينها…”

[8]  – ابن منظور، جمال الدين محمد، لسان العرب،  دار صادر، بيروت، لا ت ، مادة ” ذمم” ، ص 221-222

[9]  – الماوردي، علي بن محمد، الاحكام السلطانية، مصر، 1228 هجرية، ص 6

[10]  –  اختلف المؤرخون الى من يعود تأسيس الشروط العمرية ألعمر بن الخطاب او لحفيده عمر بن عبد العزيز الاموي، فابن القيم الجوزية يعيدها كلها الى ابن الخطاب.

[11] – ابو يوسف، يعقوب بن ابراهيم، كتاب الخراج، المكتبة السلفية، 1932 هجرية، ص72، ابو الفدا، المختصر في اخبار البشر، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997، ج2، ص 385، ابن كثير، البداية، ج14، ص 16، صبح، ج13، ص 377-378

[12]  –  سورديل، ج. و د.، معجم الاسلام التاريخي، الدار اللبنانية للنشر الجامعي، لبنان، 2009، 435-436

[13] – انظر الحاشية رقم 7

[14]  – ابن هشام، السيرة النبوية،  القاهرة، 1936،ج2، ص 779، والبلاذري، احمد بن جابر، فتوح البلدان، بيروت، 1957، 90

[15]  – مستندا الى حديث نبوي يذهب بعضهم الى ان الرسول ادلى به على فراش الموت” لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا ادع فيها الا مسلما” ابن هشام، السيرة النبوية، صورة مصورة عن طبعة غويتن، ج2، ص 779، ابن سلام، ابو عبيد القاسم، الاموال، مؤسسة ناصر الثقافية، بيروت، 1981، ص 48، الوثائق السياسية، ص 523،

[16]النفائس في احكام، ص17

[17] – الاموال، ص 30

[18]  – الاموال، ص 20، احكام اهل الذمة، ص 209

[19] -” فهم صبغوا في دينهم” اي عمدوا اولادهم انظر، الاموال، ص 20.

[20]الاموال، ص 20، احكام اهل الذمة، ص 209

[21]  – انظر لاحقا حديثه مع احد فاتحي العراق عنوة

[22]ابن بسام،  محمد، نهاية الرتبة في طلب الحسبة، بغداد، مطبعة المعارف، 1986، ص 207.

[23] – ابن الااخوة، محمد بن احمد، معالم القربى في احكام الحسبة، دار الفنون، كمبردج، 2010، ص 39 قال ذلك لابي موسى الاشعري لأنه اتخذ كاتبا مسيحيا

[24] – ” لما قدمتم علينا، وقد سألناكم الامان لأنفسنا، وذرارينا، واموالنا على ان لا نحدث في مدائننا، ولا حولها كنيسة ولا ديرا، ولا قلاية، ولا صومعة راهب، ولا نحدث منها ما خرب، ولا ما كان منها في خطط المسلمين في ليل او نهار، وان نوّسع على من مر بنا من المسلمين في الضيافة ثلاث ليال، ولا نكتم عينا للمسلمين، ولا نعلم اولادنا القرآن، ولا نظهر شرعنا، ولا ندعو اليه احد، ولا نمنع احد من ذوي قرابتنا من الدخول في الاسلام…وان نوقر المسلمن، ونقوم لهم في مجالسنا…ولا نتشبه بهم بشيئ من لباسهم…ولا نركب بالسروج، ولا نتقلد بالسيوف، …ولا ننقش على خواتمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، ولا نسقيها احدا، وان نجز مقدم رؤوسنا، ونجعل الزنانير على اوساطنا، ولا نظهر صلباننا ولا كتبنا في شيئ من طرق المسلمين، ولا اسواقهم، ولا نضرب النواقيس في شيئ كنائسنا الا ضربا خفيفا. ولا نرفع اصواتنا بالقراءة في شيئ بحضرة المسلمين، ولا نرفع اصواتنا مع موتانا…ولا نظهر باعوثا، ولا شعانين، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، ولا نطلع على منازلهم.” وهناك المزيدانظر معالم القربى ص 40-41 

[25] – ابن قيم الجوزية، محمد بن ابي بكر، احكام اهل الذمة، تحقيق يوسف بن احمد البكري، وشاكر العاروري، الدمام، دار الرمادي للنشر1997، ص.491 ، الاموال، ص30، الوثائق السياسية، ص 508

[26]  – الاموال ، ص 46- 47

[27]الوثائق السياسية، ص 485

[28]الاموال، ص 47

[29]الاموال، ص 30

[30]الوثائق السياسية، ص 484

[31]احكام، ص 492-493

[32] ، الوثائق السياسية، ص 561-563

[33]الوثاءق السياسية، ص 184

[34] – الماوردي، الاحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت، لا. ت. ص 184-185

[35]معالم، ص 95

[36] – ابن قيم، احكام، ج2، ص 809، ابن كثير، ج14، 122، 273

[37] – الماوردي، الاحكام السلطانية ، ص 185

[38] – السيد بن حمودة، النفائس في احكام النفائس ويليه بما يحكم اهل الذمة، لا مكان للنشر، 2012، ص 31-32

[39] – مستندا الى جزء من سورة المجادلة، الآية 19.،

[40]احكام اهل الذمة، ص

[41] – فييه، جان موريس، احوال النصارى في خلافة بني العباس، دار المشرق، بيروت، 1990، ص 58

[42] – فييه، ص 59

[43]احكام، ص 465، احوال النصارى، ص 59

[44] – فييه، ص 59

[45] – الطبري،ى محمد بن جرير، تاريخ الامم والملوك، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2001 ، ج4، ص 617، ابن قيم الجوزية، محمد بن ابي بكر، احكام اهل الذمة، تحقيق يوسف بن احمد البكري، وشاكر العاروري، الدمام، دار الرمادي للنشر، 1997، ص465.

[46]احكام ، ص 470، احوال النصارى، ص 118، 128

[47] – الطبري، تاريخ، ج5، 304-305 ، احكام، ج1، ص 471

[48]احكام، ص472، صبح، ج13، ص 368

[49] – فحص، اهل الذمة، ص 20

[50] – لمزيد من الاطلاع انظر: احكام اهل الذمة في مواضع متعددة.

[51] – فالقادر مثلا صرفهم من الدواوين، والقائم فرض لبس الغيار… صبح، ج13، ص 368 ، فحص، اهل الذمة، ص 20

[52] – الانطاكي، يحي بن سعيد، تاريخ الانطاكي، جروس برس، طرابلس، 1990، ص 295-297، ولمزيد من التفاصيل انظر: سيد ايمن فؤاد، الدولة الفاطمية في مصر، الدار المصرية اللبنانية، ط2، القهرة، 2000، ص 166

[53]  – ابو شامة ( شهاب الدين عبد الرحمن)، الذيل على الروضتين، دار الجيل، بيروت، ط2، 1974، ص207، اليونيني (قطب الدين)، ذيل مرآة الزمان، حيدر آباد الدكن، مطبعة المعارف العثمانية، ط1، 1960، ج1، ص 361، ابن كثير ( الحافظ)، البداية والنهاية، دار الفكر، بيروت، 1978، ج13، ص221-225،  ابن العبري، غريغوريوس، تاريخ مختصر الدول، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، ص 483، سلوك، ج1، ق2، ص 409، ابن تغري بردي (ابو المحاسن، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، طبعة دار الكتب المصرية، ج7، ص 56

[54]  – ابو الفدا (اسماعيل بن علي)، المختصر في اخبار البشر، القسطنطينية، 1286 ه، ج3، ص207، نجوم، ج7، ص86-87

[55]  – لمزيد من الاطلاع انظر: عاشور (سعيد عبد الفتاح)، مصر والشام في عصر المماليك والايوبيين، دار النهضة العربية، بيروت، 1972، ص 171-186 العبادي، (احمد مختار)، قيام دولة مماليك الاولى في مصر والشام، دار النهضة العربية، بيروت، 1986، ص175 وما بعد، والحاشية رقم 5

[56]  – المقريزي، اغاثة الامة بكشف الغمة، مطبعة لجنة التأليف والنشر، القاهرة، 1940، ص 45-47، سلوك، ج4، ق1، ص 473، الطرخان، ابراهيم علي، دولة المماليك الجراكسة، النهضة المصرية القاهرة، 1960، ص 240- 242 ، ضومط، انطوان، الدولة المملوكية، التاريخ السياسي والعسكري والاقتصادي، دار الحداثة،بيروت، ط1، 1980، ص 148-150

[57]  – لمزيد من الاطلاع انظر : ،البصروي، علي بن يوسف، تاريخ البصروي، دار المأمون للتراث، دمشق، 1988، ص 110،125، 176، 179… ابن طولون، شمس الدين محمد، مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، القاهرة، 1962-1964،ج1، ص 247، 249،261، 287، 374…وللمؤرخ نفسه، اعلام الورى بمن ولي من الاتراك بدمشق الكبرى، دار الفكر، دمشق، 1984، ص 157، 171، 178، 205، 222،208…المقريزي، كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، دار الكتب المصرية، 1970-1972، ج1، ق3، ص810-814، ج2 ق1، 150-152، ج2، ق2، 439، 444، ج3، ق2، 55، ج4، ق3، 1127 ……انطوان ضومط، المؤتمر الدولي السادس لتاريخ بلاد الشام، ” دمشق – الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية” ص 416-418 ، – ” التجديد في منهج المقريزي”، ضمن كتاب، نحو تاريخ ثقافي للمرحلة المملوكية، “إرغون فرلاغ” فوتسبورغ، بيروت، 2001، ( 94- 111). ص99-100 والشربيني، البيومي اسماعيل، مصادرة الاملاك في الدولة الاسلامية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997، ج2، 98-108

[58] – القلقشندي، احمد بن علي، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، القاهرة، 1913، ج3، ص50، 68 458، وغيرها كثير، المقريزي، تقي الدين احمد، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، 1270 هجرية، ج1، ص 87-90 وغيرها، ضومط، الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، دار الحداثة، ط1، 1980، ص 106-113، 133- 144، 148-152.

[59] – القلقشندي، (احمد بن علي)، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، دار الكتب المصرية، القاهرة ، 1913، ج4، ص472

[60] – خرق هذا الشرط احيانا قليلة عندما كان ينعم بعض السلاطين على اولادهم وابناء الامراء بالأمرة، انظر: ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص99-100، وابن اياس، بدائع، ج1، ص225، وج2، ص5

[61] – Ayalon, D, the Muslim City and the Mumluk Military Aristicracy, proceeding of the Academy of Sciences and Humanities, 2 ,Jerusalem, 1968, p323

[62] – ضومط،(انطوان)، الدولة المملوكية، التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، ط1، دار الحداثة، بيروت، 1980، ص86

[63] – Ayalon, Muslim city, p323

[64] – Ayalon, Muslim city, p323

[65] – القلقشندي، صبح، ج4، ص40-41

– ىالمقريزي، خطط، ج2، ص98

[66] – ضومط، الدولة المملوكية، ص88

[67] – القلقشندي، صبح، ج4، ص310-312

خطط، ج1، ص357-358

[68] – عندما توفي الامير سلار ترك كنوزا مذهلة ذكر ابن اياس بعضا منها: خمسة وعشرين رطلا احجار كريمة من زمرد وياقوت، وثلاث مائة قطعة ألماس، ومائة وخمسين حبة لؤلؤ كبيرة زنة الواحدة منها مثقالا، ومائتي ألف دينار ذهب عين، واربع مائة ألف دينار من الفضة، واربعة قناطير من المصاغ الذهبي، عدا عن الخيل و غيرها من الماشية؛ ويزعم ابن اياس ان دخله بلغ من اقطاعاته وحماياته مئة ألف دينار وبلغت قيمة اموال نائب الشام التي صادرها السلطان الناصر محمد بن قلاوون ( 1309 _  1340م.) حوالى المليون ونصف المليون من الدنانير الذهبية. ووزع الامير قوصون، الذي عين نائبا على الشام ، النفقة على الامراء على غرار السلاطين، منها ثمانين جارية، واثني عشر ألف اردب غلة، وكثيرا من الذهب و الجواهر، ولكثرة عطاءاته توجس السلطان منه خيفة فاوقع به، وصادر له العامة اربع مائة ألف دينار ذهب عين، وعددا كبيرا من الكلفتاه المزركش والاواني الفضية والذهبية، فضلا عن ثلاثة اكياس اطلس كبيرة مليئة بالجواهر قدرت بمائة ألف دينار.وقد احصي ما تركه ” تنكز ” نائب الشام فبلغ مليونين وسبع مئة ألف دينار، وسبع مائة وثلاثين ألف درهم فضي فضلا عن المجوهرات.  ابن اياس، بدائع الزهور، ج1، ص155-156، ابن تغري بردي، نجوم، ج9، ص153وج10، ص6-8-44، العلببي، دمشق، ص 145

[69] – السبكي، 56، القلقشندي ، ج11 ، ص 408 – 414، ابن طولون ، نقد الطالب لزغل المناصب، دار الفكر المعاصر، بيروت ، 1992 ، ص 46

[70] – ابن طولون ( شمس الدين محمد الصالحي الدمشقي )، الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء الشام ، تحقيق صلاح الدين المنجد ،دمشق 1956، ص 130، 165، 219، 255 ،  وابن طولون ، نقد الطالب لزغل المناصب ، حققه محمد احمد دهمان وخالد محمد دهمان ، دار الفكر المعاصر ،بيروت ، 1992 ، ص 45 والمقريزي ، السلوك ، ج3، ق3، 1073 و 1168 ، والبصروي ، ص 174

[71]  – ابن طولون ، الثغر البسام ، ص 128 – 130

[72]  – الثغر البسام، ص 155

[73]مفاكهة ،ص 115،158، 160 ، 162 وغيرها كثير

[74]  – لمزيد من الاطلاع انظر: ضومط انطوان، “جوانب من الحياة الاجتماعية في دمشق المملوكية” ، مجلة التاريخ العربي التي تصدر عن جمعية المؤرخين المغاربة، العدد السابع ، 1998 .

[75]  نصار ( اندريه طانيوس ) ، العامة بدمشق المملوكية ، رسالة دبلوم دراسات عليا غير منشورة ،الجامعة اللبنانية ،كلية الاداب ،الفرع الثاني – الفنار، ص 360-364

[76]مفاكهة، ج1، ص 6، 41، 62،  64، 65، 79،  124-125 ، 146 ، 147 ، 160، 178، 215، اعلاو الورى، ص 96، 97،

[77]  – ابن طولون ، مفاكهة الخلان، ج1، ص 8-9،41، 65،124 79، – 125، 227، 299، 234

[78] – لمزيد من الاطلاع، انظر: ضومط، انطوان، ” جوانب من الحياة الاجتماعية في دمشق المملوكية” في اماكن متعددة في البحث

[79] ابن ىالاخوة، ضياء الدين محمد، معالم القربى في احكام الحسبة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 1982، ص 96-97

[80]  – جهد ابن تيمية بطريقته الخاصة كعالم وفقيه لاعادة توحيد العالم الاسلامي بزعامة المماليك، فاتخذ مواقف متشددة من الفرق الشيعية كلها، ومن غير المسلمين ايضا ودعاهم الى الدخول في الاسلام لينجو المسلمون من كفرهم. ولتحقيق مأربه راسل الفرق الشيعية ودعاها الى التوبة والعودة الى الاسلام الحقيقي السني. ولما لم تتجاوب حرّض المماليك، انطلاقا من موقفين سياسي وديني على قتالهم مهرقا دماءهم بفتاويه، وعلى قتال المسيحيين لا سيما موارنة لبنان” الحلفاء الطبيعيين للصليبيين”، ولمشاركتهم بالدفاع عنهم. وشارك شخصيا في بعض الحمالات المملوكية على لبنان لتطهيره من الكفرة على اختلاف انتماآتهم، لأنه كان يخشى عودة المسيحيين الاوروبيين الى احتلال شواطئه، والسيطرة مجددا على بعض البلاد الاسلامية المشرقية. لمزيد من الاطلاع على الحملات المملوكية على لبنان وعلى= =مواقف ابن تيمية منها، انظر: القطار، الياس، نيابة طرابلس على عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1998، ص 112- 120

[81]  – ابن تيمية، اقتضاء الصراط،تحقيق ناصر بن عبد الكريم العقل، الرياض، مكتبة، الرشد، لا ت.،40،418 ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج1، ص 91-92 ، نقلا عن احمد حطيط، ابن تيمية، ص 373

[82]  – ابن تيمية، احمد بن عبد الحليم، اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة اصحاب الجحيم، تحقيق ناصر بن عبد الكريم العقل، مكتبة الرشد الرياض، لا ت. ، ص 66

[83]  – حطيط، ص 373

[84]  – الصراط، ص، 90 ومن نمازجه الصارخة على كرهه لاهل الذمة ما ذكره احمد حطيط، نقلا عن ابن عبد الهادي، عن المجلس الشرعي الذي عقده السلطان الناصر محمد بن قلاوون للبت بطلب المسيحيين للعودة الى ما كانوا يلبسون على ان يدفعوا جزية زيادة عما كانت عليه، سكت جميع الحاضرين الا ابن تيمية الذي جثا على ركبتيه وقال للسلطان :” لا تفعل، واني اعيذك ان يكون اول مراسمك…تنصر فيه الكفار وتغرّهم من اجل حطام الدنيا الفانية.” حطيط، ابن تيمية، ص 374.

[85] – الصراط، ص82، 354 ،366، 422، 426، 489،

[86] – عينه ص 90

[87] – الصراط، ص 40، 182، 186، 418، 480

[88] – الصراط، ص176

[89]  –  اقتضاء الصراط، 176، 182،186، 480

[90]  – ابن تيمية، الصراط ص 454. ويستند لتبرير مواقفه تلك بما اثر عن ائمة السنة:” فمشابهتهم في اعيادهم، ولو بالقليل، هو سبب لنوع لاكتساب اخلاقهم التي هي ملعونة…” انظر: اقتضاء الصراط، ص 460، 454، 476

[91] – الصراط،  ص 454

[92]الصراط، 476

[93]الصراط، ص، 470

[94]  – اقتضاء الصراط، ص، 267، 180، 195.

[95]  –  ابن تيمية، الصراط، ص 381

[96]  – لمزيد من الاطلاع انظر ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، مكتبة المدين، جدة، دون تاريخ.

[97]  – فجاءوا من باب توما باتجاه درب الحجر ورشوا الخمر على رباط الشيخ ابي البيان، وعلى مسجد باب الحجر الصغير، والمسجد الكبير. انظر ابن العميد، اخبار الايوبيين، بور سعيد الظاهر، مكتبة الثقافة الدينية، لا. ت. ص 53-54، الذهبي، دول الاسلام،= =الهيئة المصرية العامة، مصر، 1974 ج2، ص 163، ابن كثير، ج13، ص 221، سوك، ج1، ق2، ص 425-432، نجوم، ج7، ص 80-81

[98]  – السبكي، تقي الدين علي، فتاوى السبكي، دار المعرفة، بيروت،  ج2، 407 – 408

[99]  – السبكي، فتاوى، ص 417 ،

[100]  – ابن شداد، تاريخ الظاهر بيبرس، بيروت، 1984، ص 357-358، ابو الفدا، المصدر السابق، ج4، ص 14، السبكي، فتاوى، ص 419، نجوم، ج7، ص 140، اسماعيل، اكتمال، الآثار الاجتماعية والاقتصادية للحملات المغولية على بلاد الشام، دار رسلان، دمشق، 2008، 187-188

[101]  – ابن كثير، بداية، ج14، ص 319-320

[102] – البلاذري، احمد بن يحي، فتوح البلدان، دار الكتب العلمية، بيروت1978، ص 192، الاموال، 182-183

[103] – انظر اعلاه دور عمر بن الخطاب في الشروط العمرية

[104]معالم القربى، ص 39-43

[105]معالم القربى، ص45

[106] – ابن قيم، احكام، ص 482-484، 488

[107] – انظر مثلا: احكام، من ص 490 الى 499 فكلها آيات استنبط منها ما يسيء الى المسيحيين واليهود.

[108]احكام، ص 499

[109]احكام اهل الذمة، ص 202

[110]  – ابن طولون، محمد، مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، نشر محمد زيادة، القاهرة، 1962-1964، ج1، ص 124، 153، زيادة، نقولا، دمشق في عهد المماليك، مكتبة لبنان، 1966، ص131، نصّار،” اندره، اوضاع المسيحيين في دمشق وحلب في العصر المملوكي” ص41-75 ضمن كتاب نحو تاريخ ثقافي للمرحلة المملوكية،  ص 44

[111] – زيادة ، ، دمشق في عصر المماليك ، ص 131 – 133.

[112]  – القطار، الياس، ” الموارنة واليعاقبة والشيعة والدروز في الجبل اللبناني في العهد المملوكي جدلية الاضطهاد والتسامح” ضمن كتاب نحو تاريخ ثقافي للمرحلة المملوكية، المعهد الالماني للابحاث الشرقية، بيروت، 2010، ص 6

[113]  –  القلقشندي، احمد بن علي، صبح الاعشى في صناعة الانشا، القاهرة، دار الكتب، 1913، ج5، ص 443-445، الخالدي، المقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا، اطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة القديس يوسف، بيروت، 1988، ص 266- 265

[114]صبح، ج5 ، ص 443، و ج13، ص 276

[115]  – صبح، ج4، 201، و ج12، ص 422-423

[116]  – صبح، ج11، ص 388-389، و ج12، 425-426

[117]صبح، ج12، 424

[118] –  ابن قيم الجوزية، احكام، ق2، ص 659- 661 ، صبح، ج12، 424، الخالدي، ص 375

[119] – ابن كثير، البداية، ج14، ص 319-320

[120]  – نصّار، المرجع السابق، ص 46-47.

[121] – باشا، قسطنطين المخلصي، لمحة تاريخية في الرهبانية الباسيلية المخلصية، المطبعة الادبية، بيروت، 1909، ق1، ص 59-60

[122] – الخالدي، ص 275

[123]  – صبح، ج6، ص 164-165، ج12، ص 389، نصار، اوضاع، ص 48

[124]  – مفاكهة، ج1، ص 100، نصار،  اوضاع، ص 48

[125]  – ابن كثير، بداية، ج14، ص 249، نصار، اوضاع، ص 48

[126] – ابن الرفعة الشافعي، نجم الدين احمد، النفائس في هدم الكنائس، مؤسسة بينونة للنشر والتوزيع، دولة الامارات العربية المتحدة، 2013، ط1، ص 44-46

[127]  – فهو يقول:” كان عهد عمر…يفرض على المسيحيين حالة من الاضطهاد ومن مواطنية الدرجة الثانية…انظر: الزين، حسن، الاوضاع القانونية للنصارى واليهود في الديار الاسلامية، دار الفكر الحديث، ط2، بيروت، 2000، ص 63 . واحكامها، انظر : ابن القيم الجوزية، احكام اهل الذمة، تحقيق صبحي الصالح، بيروت، 1961، ج2، ص 657

[128]  –  المقريزي، تقي الدين احمد، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج4، ص 389 وما بعد، الزين ص 64

[129]    –  حطيط، ابن تيمية، ص31

[130]  – ابن كثير، البداية، ج11، ص 294

[131] – المقريزي، تقي الدين احمد، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1998، ج3، ص 778

[132]  – ابن الشحنة، روض، مخطوط الفاتيكان رقم 271، ص 122،خطط، ج3، ص 778-779اسماعيل، الآثار الاجتماعية، ص 188

[133]سلوك، ج1، ق2، ص 542، ابن تغري بردي، المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986، ج5، ص 274

[134]  –  البداية، ج13، ص 340

[135]  – البداية، ج 14، ص 16، النويري، نهاية، 31/416-426. ابن تغري بردي، النجوم، 8/133-135، خطط، ج3، ص 780-781، سلوك، – دار الكتب العلمية، ج2، ص337-338321

[136]  – السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص 484، النويري، نهاية، 31/416-426، أبو الفداء، المختصر، 4/47. ابن كثير، البداية والنهاية، 14/55 ابن تغري بردي، النجوم، 8/133-135، خطط، ج3، ص 780-781، سلوك، – دار الكتب العلمية، ج2، ص337-338321

[137]  –  سلوك، ط.دار الكتب العلمية، ج3، ص44

[138]  – سلوك، ج4، ص 201، الدويهي، الأزمنة، ط. توتل، ص 182، خطط، ج3، ص 782-783، سلوك، ج4، ص 201

[139]البداية، ج14، ص 317

[140]  –  بداية، ج14، ص 305-306

[141] Sobernheim, Corpus, pp. 125-126.

[142] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص 87

[143] – انظر سابقا

[144] – القلقشندي، صبح الاعشى في صناعة الانشا، ج5، ص 460

[145] – لم يجز للمسيحيين لقب امير مائة ومقدم ألف لأنها رتبة حربية، انما سمح لهم بالقاب طبلخاناه، وعشرين، وعشرة وخمسة واحيانا اثنين

[146] – الصقاعي، فضل الله بن ابي الفخر، تالي كتاب وفيات الاعيان، المعهد الفرنسي بدمشق، المطبعة الكاثوليكية ، بيروت، 1974، ص 186

[147] – شيخو، وزراء، ص 186

[148] – الصقاعي، تالي الوفيات، ص11-12

[149] – الصقاعي، تالي، ص ، 186، ووظيفته حساسة جدا لأنها اختصت بتحصيل المصادرات

[150] – الشجاعي تاريخ، ص 75، البصروي، تاريخ، ص 89

[151] – شيخو، وزراء النصرانية ، ص 77، تكمن اهميته الى جانب وظيفته، انه ألف عددا من الكتب مثل: ذيل على تاريخ ابن العميد، واختصر وفيات الاعيان لإبن خلكان، واضاف اليه ذيلا اسماه” تالي وفيات الاعيان”.

[152] – الجزري، ج1، ص 389-390

[153] – الجزري، حوادث، ص 114

[154] – ابن حجر، انباء، ج2، ص 139

[155] – ابن طوق، التعليق، ج2، ص 682-683

[156] – السبكي، معيد، ص 139-140

[157]السبكي، معيد، ص 139-140

[158] – الهيب، الحركة الشعرية، ص 68

[159] – الضرائب غير الشرعية هي التي لا يجيزها الشرع الاسلامي كالرمي، والطرح، والمجامعة والمشاهرة، والمصادرات على اختلاف انواعها. لمزيد من الاطلاع انظر: ضومط، انطوان: دمشق الشام على عهد الدولة المملوكية الثانية، ص 416-417، ضمن كتاب المؤتمر الدولي السادس لتاريخ بلاد الشام، مطبعة جامعة دمشق، دمشق، 2001

[160] – نصار، ص 59

[161]صبح، ج12، ص 306-3607، ابن طولون، مفاكهة الخلان، ج1، 16

[162] – ابن الاخوة، ص 99-100

[163] – ابن قاضي شهبة، تاريخ، مج2، ج1 ص 231، البداية، ج14، ص 198، صبح، ج3، ص 530

[164] – القلقشندي، ج3، ص 97، 350

[165] – القلقشندي، ج 3، ص 530

[166] – فحص، اهل الذمة، ص 117

[167] – الذهبي، محمد بن احمد، ذيول العبر في خبر من غبر، دار الكتب العلمية، بيروت، لا تاريخ، ج4، ص 190

[168] – فحص، اهل الذمة، ص 117

[169] – المكان عينه

[170] – القلقشندي، ج3، ص531

[171] – نصار، اوضاع، ص 59

[172] – فحص، اهل الذمة، ص 122

[173] – نصار، اوضاع، ص 59

[174] – اليونيني، قطب الدين، ذيل مرآت الزمان، حيدر آباد الدكن، مطبعة دار المعارف العثمانية، 1960، ج1، ص 362-363، ابن كثير، ج13، ص221 .

[175] – ابن كثير، الحافظ ابو الفدا، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت، 1988، ج14، ص186، ابن الوردي، تاريخ، ج2، ص 318

[176] -ابن كثير، البداية، ج14، ص 86، ابن الوردي، تاريخ، ج2، ص318، البصروي، تاريخ، ص 89-90

[177] – ابن كثير، البداية، دار المعارف، ج14، ص 198

[178] – ابن كثير، البداية، ج14، ص115-117

[179] – الدويهي، البطريرك اسطفان، تاريح الازمنة، طبعة فهد، بيروت، دار لحد خاطر، لا ت، 322-323 ، نصار، اوضاع، ص 62

[180] – نصار، اوضاع، ص 62

[181] – ابن كثير، البداية، ج14، ص 315

[182] ، شمس الدين بن ابي بكر، احكام اهل الذمة، تحقيق صبحي الصالح، دار العلم للملايين، ط4، 1994، ق2، ص705. شرح الشروط العمرية، دار العلم للملايين، ط2، 1981، ابن القيم الجوزية، ص 49

[183] – ابن الاخوة، معالم، ص 49

[184] – ابن ىالاخوة، ضياء الدين محمد، معالم القربى في احكام الحسبة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 1982، ص 96-97، النويري، شمس الدين احمد، نهاية الارب في فنون الادب، الهيئة المصرية العامة، 1992، ج31، ص 417. القلقشندي، صبح، ج13، ص 379. سلوك، ج4، ص 202

[185]  العسقلاني، ابن حجر، انباء الغمر بابناء العمر، دار الكتب العلمية، بيروت، 1986، ج8، ص 258

[186] – الجزري، شمس الدين محمد، تاريخ ابن الجزري، تحقيق عمر تدمري، المكتبة العصرية، صيدا، 1998، ج2، ص 112

[187] – العسقلاني، انباء،ج2، ص 139،  شيخو، لويس، وزراء النصرانية وكتابها في الاسلام، المكتبة البولسية، بيروت، 1987، ص 220

[188] – ابن كثير، ج14، ص122

[189] – الجزري، ج1، ص203-205، ابن كثير، ج13، ص 335-336

[190] – نصار، اندره، “اوضاع المسيحيين في دمشق وحلب في العصر المملوكي” ضمن كتاب نحو تاريخ ثقافي للمرحلة المملوكية، مطبعة درغام، بيروت، 2010، ص51

[191] – الجزري، ج2، ص 400

[192] – الجزري، ج2، ص 108، مفاكهة، ج1، ص 153

[193] – العسقلاني، ج4، ص 4

[194]سلوك،ج4، ق2، ص 884

[195]سلوك، ج2، ق3، ص 921-927

[196] سلوك، ج3، ق1، ص 372-373

[197] – الذهبي، تاريخ الاسلام، حوادث ووفيات، ص 26

– شيخو، لويس، وزراء النصرانية وكتابها في الاسلام، المكتبة البولسية، بيروت، 1987، ص 22

[198]  فحص، اوضاع، ص64

[199] – الجزري، ج2، ص 319

[200] – الجزري، ج3، ص590، 678،736، 866.

[201]تاريخ الجزري، ج2، ص 523

[202] – الجزري، ج2، ص 319

، شمس الدين محمد، مفاكهة الحلان في حوادث الزمان، ج1، دار احياء الكتب العربية، القاهرة، 1962، ص 68

،[203]  – نهاية الارب، ج31، ص 385، ابن كثير، البداية، ج 14، ص 99، 250، 305، 306 وغيرها، القلقشندي، صبح، ج13، 378، المقريزي، خطط، ج3، 778، 781، 784، 822، سلوك، ج3، ص 44، ج4، ص 302-303

[204] – البداية، ج 14، ص 250، صبح الاعشى، ج13، 377-378، سلوك، ج2، 337-338، ج4، ص 203

[205]  – البداية، ج 14، ص 16، النويري، نهاية، 31/416-426. ابن تغري بردي، النجوم، 8/133-135، خطط، ج3، ص 780-781، سلوك، – دار الكتب العلمية، ج2، ص337-338321 –

[206]  – السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص 484، النويري، نهاية، 31/416-426، أبو الفداء، المختصر، 4/47. ابن كثير، البداية والنهاية، 14/55 ابن تغري بردي، النجوم، 8/133-135، خطط، ج3، ص 780-781، سلوك، – دار الكتب العلمية، ج2، ص337-338321

[207] القلقشندي، صبح،13/20.

[208]  ابن الاخوة، معالم، ص 95،- البداية، ج14، ص 99 ، 250، سلوك، ج3، ص 44، 203

[209] – ابن كثير، ج14، 250

[210]البداية، ج14، ص 317

[211] – ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص 87

[212]  –  البداية، ج13، ص 340

[213] – البداية، ج14، ص 250

[214] – انظر الكتب او المناشير السابقة.

[215] – البداية، ج14، ص 305-306

[216]  ابن طولون، مفاكهة، ج1، ص 87

[217]مجلة المشرق، الزيات حبيب، الديارات الاسلامية في الاسلام ، عدد 36، بيروت، 1938، ص 291-417، ص320

[218]احكام اهل الذمة، ق2، ص 727

[219] – نصار، اوضاع، ص 57

[220]خطط، ج1، 304-305

[221] – ابن كثير، البداية، ج14، ص 317، ابن قاضي شهبة، تاريخ، مج3، ص273، البصروي، صفحات مجهولة من تاريخ دمشق في عصر المماليك، تحقيق اكرم العلبي، دار المأمون للتراث، دمشق، 1988، ص 204-205، مفاكهة، ج1، ص 21، 30، 32،109، 153-154، 158، 203، 205، 248-249، 303، 314. ابن طولون، اعلام الورى، بمن ولي نائبا من الاتراك بدمشق الشام الكبرى، ط2، دمشق، دار الفكر، 1984، ص 116-117، 186-188

[222] – الذهبي، تاريخ، ص 50-51

[223]النفائس في احكام الكنائس، ص15

[224] -السبكي، فتاوى، ج2، ص373

[225] – لمزيد من الاطلاع انظر: ضومط انطوان، “مسيحيو المشرق العربي اواخر العصور الوسطى جدلية السلطة والدين، مجلة المشرق، السنة التاسعة والثمانون، الجزء الاول، كانون الثاني، 2015. وايضا بالكلام على المتشددين في هذا البحث

[226] -لمزيد من الاطلاع انظر:ضومط ،انطوان، الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، بيروت، دار الحداثة، ط1، 1980، 188-196

[227] – لمزيد من الاطلاع، انظر: ضومط، الدولة المملوكية، ط1، ص، 182-183، 220 – 232

[228]-Heyd,W, Histoire du commerce du Levant au moyen-age,II, Leipzig,1885-1886,p.86

[229]– ibid,II, p.430-431

ضومط، الدولة، ص206-209

[230] – انظر هذه المعاهدات في بحث: بيار مكرزل، المعاهدات التجارية بين البنادقة والسلاطين المماليك، المشرق، تموز-كانون الاول، 2013، ص590-591

[231]-Ashtor,E, Les metaux precieux et la balance des paiement du Proche Orient a la basse epoque, S.E.V.O.E.N., Paris,1971,p.65

[232] – مكرزل، المعاهدات،  ص592

[233] – عينه، ص 593

[234] – مكرزل، المعاهدات، ص593

[235] – من اكثر المتشددين السنة الشوافع

[236] -انظر مراسيم الشروط اعلاه، والمقريزي، سلوك، ج2،ص337-338،ج3، ص 41-44، ج4، ص201-202

[237]-Wiet,Gaston, L’egypte arabe de la conquete arabe a la conquete musulmane,(642-1517), Le Caire, 1937, p491-493

– ضومط، الدولة، ص225

[238] –  القلقشندي، صبح، ج4، ص 310-312، مكرزل، المعاهدات، ص597-598

[239] – مكرزل، المعاهدات، ص 599

[240] – شيخ الربوة الدمشقي، كتاب نخبة الدهر في عجائب البر والبحر، لابزيغ، 1993، ص 281،نقلا عن اندره نصار، اوضاع، ص55

[241] – المصدر عينه، ص281

[242] -انظر لاحقا

[243] – نصار، اوضاع، ص56

[244] – شيخ الربوة، ص 281

[245] – المكان عينه، نصار، اوضاع، ص 56-57

[246] – نصار، اوضاع، ص 57

[247] – العلبي، اكرم، دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق، 1982، ص 88-89

[248]اقتضاء، ص 458

[249]اقتضاء، ص 460، 470.

[250] -هذا القول لعمر بن الخطاب اورده ابن تيمية انظر الهامش التالي

[251] – اقتضاء، ص، 454-456، 484

[252] – عينه، 458

[253]اقتضاء الصراط، ص، 479

[254]قتضاء، ص 480

[255]اقتضاء، 518

[256]اقتضاء 471، 479-480

[257]– Suriano Fancesco, Treatise on the Holy Land, translated by T. Bellorini &E. Hoade,Jerusalem,1949, reprinted, 1983, pp170-172

[258] Ibid, p 170

[259] Ibid,171

[260]-ibid, p,171

[261]  – ويتعذر  التمييز، في تعبير اهل الذمة، بين اليهود والمسيحيين. لذلك سنقصد به  المسيحيين فقط، بخاصة ان الصابئة والمجوس لم تشير اليهم الفرامانات او المراسيم السلطانية

[262]   – لمزيد من الاطلاع على عهد الصحيفة انظر:حميد الله، الوثائق السياسية، ص59 – 62

[263] – ابن شدّاد، تاريخ، ص 281-282.

[264] – المقريزي، السلوك، 2/959- 962

انحطاط وسقوط الخلافة الفاطمية

  بعد الهزة العنيفة التي اجتاحت الخلافة الفاطمية في عهد الحاكم توالت عليها النوائب السياسية والاقتصادية والفوضى العسكرية، اضافة الى مصاعب ادارية اساسية ادت الى اختراق اسس العقيدية.

على الصعيد السياسي والاداري :تولت سيدة الملك اخت الحاكم الحكم بعد اخيها بسيطرتها على ولي العهد الظاهر لاعزاز دين الله ابن الحاكم الذي كان محبا للهو. ولما جاء المستنصر(1036-1094) الى الحكم اتسعت رقعة الدولة لتشمل مصر بلاد الشام بما فيها الجنوب، افريقيا، الحجاز واليمن، وبعض المناطق في العراق التي اعترفت بالتبعية الدينية للفاطميين. وفي هذا الوقت ظهر السلاجقة السنة على مسرح الاحداث، وقضوا على الحكم البويهي في العراق. ولكن عودة السلطان طغرل بك الى بلاد فارس للقضاء على ثورة اخيه ينال دفعت قائد الجيش البويهي ارسلان البساسيري الى القبض على القائم الخليفة وسجنه في سجن عانة سنة 1058 واقام الخطبة للمستنصر الفاطمي الذي كان وعده بدعمه بالمال والسلاح، ولكنه لم يمده الا بالقليل لاسباب متعددة ليس اقلها عدم الثقة به. وعمد السلاجقة الى قضم املاك الفاطميين في بلاد الشام فاستولوا على فلسطين، ولم يمنعهم من التقدم نحو مصر الا معركة منزكرت 1071. وشهدت مصر في هذه الفترة فوضى عسكرية وادارية رهيبة دفعت بالمستنصر للاستنجاد بحاكم عكا بدر الجمالي عام 1074 الذي اشترط على المستنصر القدوم بعسكره الارمن والتخلص من الاتراك.

 عهد الوزراء: استهل بدر الجمالي عهده بتدبير مؤامرة استضاف فيها القادة الاتراك الى مائدته ومن ثم قام جنوده بقتلهم جميعهم، فقلده المستنصر الوزارة ولقبه “السيد الاجل امير الجيوش”.وبذلك بدأ عهد فريد من نوعه اتسم بتسلط الوزراء من ارباب السيوف على كل مقدرات الحكم بما في ذلك تولية اعلى المناصب الدينية مثل داعي الدعاة وقاضي القضاة، حتى صار له الاشراف التام على الدعوة في اواخر عهد المستنصر. وقد يكون الاصلاح الاداري الشأن الابرز الذي اتسم به عهد بدر الجمالي، فقد قسم مصر الى ست ولايات هي:الشرقية والغربية والاسكندرية وقوص والفسطاط والقاهرة، ما ادى الى تزايد بارز في الحكم اللامركزي الذي سيكون له شأن كبير جدا في تدهور الوضع السياسي في ما بعد، كما اعاد الامن الى البلاد، والخطبة الفاطمية في مكة التي كانت قد انقطعت خمس سنوات، ونظم الاقتصاد فاعفى الفلاحين ثلاث سنوات من الخراج ليتمكنوا من استعادة عافيتهم، وبالتالي لاعادة الاقتصاد الى وضعه الطبيعي.

   جاءت هذه التدابير لتقضي على ما تبقى من هيبة الخلفاء  وصلاحياتهم ونفوذهم، لا بل اسوأ من ذلك اذ صار بمقدور الوزراء توريث مناصبهم؛ فخلف الافضل بن بدر الجمالي والده في كل مناصبه حتى قلده المستنصر سجلا امر بان يدعى له على المنابر الى جانب الخليفة بعد ان لقبه شاه هنشاه. وادت وفاة المستنصر الى صراع على الخلافة بين نزار والمستعلي صهر الافضل. ولما حاول المستعلي استرداد حقوقه دس له الافضل السم واقام ابنه الآمر مكانه وله من العمر خمس سنوات فقط، ولم يسمح له بالظهور العلني سوى مرتين. ولم يكتف الافضل بذلك بل جرد الخليفة من صلاحياته كلها تقريبا حين ابتنى لنفسه قصرا على النيل في الفسطاط اسماه دار الملك ونقل اليه عام 1108سجلات الدولة، وغدا الآمر الناهي وكأنه الخليفة. ولما بلغ الآمر الخامسة والعشرين تآمر على الافضل وقتله عام 1122 بواسطة محمد بن فاتك البطائحي احد قواد الافضل وكافأه باعطائه الوزارة. ومنذ ذلك التاريخ اضحى قاتل الوزير يخلفه بمركزه، ونشأ بالتالي صراع مرير شبه مستمر على الوزارة حتى سقوط الخلافة ساهم بفعالية بسقوط الخلافة الفاطمية.

الصراع بين فرق الجيش: دأبت ام المستنصر منذ 1044على تجنيد اعداد من الجنود السود لتشد ازرها بهم لانها كانت سوداء حتى بلغ تعدادهم نحواً من خمسين ألف جندي. وكانت قد قويت شوكت الاتراك كثيرا بظل قائدهم سلطان الجيوش ناصر الدولة بن حمدان ( لا علاقة له بالحمدانيين) الذي اساء كثيرا الى المستنصر ؛ فقد نهبت جيوشه قصر الخليفة واستولت على كل ثمين فيه لأن الخليفة عجز ان يدفع مبلغ 400ألف دينار شهريا، عند ذلك ألبتهم ام الخليفة على الاتراك. ونشبت المعارك بين الفريقين وادى انحياز الكتاميين الى جانب الاتراك الى نهاية السود، فعظم شأن ابن حمدان وهزم جيوش الخليفة مرتين عام 1069،  ومن ثم تمكن من دخول القاهرة عام 1071 وحاول قطع الدعوة الفاطمية لصالح العباسيين لكنه انتهى قتلا على يد قادة اتراك. وقد شاركت فرق الجيش المتعددة في الصراعات الداخلية خصوصا بقتل الخلفاء والوزراء، ذلك ان كل خليفة كان ينشئ لنفسه فرقة خاصة به كالآمرية، والحافظية… وعندما يموت تصبح بدون هدف وتتحول الى خدمة من يدفع لها او يستقطبها. منذ وزارة بدر الجمالي بدأت تنشأ فرق جيش الوزراء وصارت تنتسب اسميا لمؤسسها كالجمالية او الجيوشية نسبة الى الافضل ابن بدر الجمالي، وكانت تتحول بدورها بعد موت مؤسسها الى خدمة من يخلفه او من يدفع لها اكثر.

   وهكذا غدا الجيش طوائف او فرقا غير متجانسة يكره بعضها البعض الآخر، ولم تعرف ولاء الا للمال، ولم تتنبه الى الاخطار التي تعصف بالدولة حتى في احرج الاوقات. وقد عجزت تلك الجيوش عن حماية املاك الدولة في بلاد الشام لسببين على الاقل:سؤ معاملة الولاة الفاطميين للسكان وعلى الاخص المغاربة منهم، وكرههم للحكم الفاطمي، ولعجز الفاطميين عن حماية بلاد الشام من الحملات البيزنطية المتكررة، لعدم تصديهم للحملات الصليبية التي احتلت فلسطين وهددت مناطق اخرى. 

المصاعب الاقتصادية :ساهمت الطبيعة بضعف الخلافة الفاطمية اقتصاديا ما كان ينعكس باستمرار على الاوضاع كافة؛ فكان انخفاض مياه الفيضان يؤدي الى القحط والجفاف، وارتفاع منسوبه عن المعدل العام الى انتشار الاوبئة والامراض وقتل الفلاحين وحيوناتهم واتلاف المزروعات. وقد تكررت هذه الحالات في: 1003، 1009، 1052، 1055، 1056و 1058 وكان اعظمها الشدة المستنصرية التي استمرت سبع سنوات متتالية من 1064-1071 تعطلت خلالها الزراعة، وازداد الغلاء حتى بيع الرغيف ب15دينارا، وادت الى موت ثلث السكان. وبسبب الغلاء وقلة الاقوات اكل الناس القطط والكلاب حتى كادت تفرغ مصر من الصنفي، ويزعم بعض المؤرخين ان الناس اكل بعضهم البعض الآخر.

   وزادت الفتن العسكرية غير المنتهية الوضع الاقتصادي تأزيما، ولا سيما بعد ان هزم ناصر الدولة بن حمدان السود وحاصر القاهرة وقطع عنها المؤن، ما ادى الى تفشي الامراض بسبب سوء التغذية فمات عدد وافر من السكان. وكانت لحملات ناصر الدولة نتائج بالغة الخطورة على هيبة الخليفة وعلى مستواه الاقتصادي، فقد نهبت جيوشه قصر المستنصر واستولت على كل ما فيه حتى وجد الخليفة، عندما قدم اليه رسل ناصر الدولة لمطالبته بالمال، جالسا على حصير ولا يملك ما يقتات به، فعطف عليه ناصر الدولة وخصه براتب شهري مقداره مئة دينار.

 وساهمت قلة المداخيل التجارية بالازمة الاقتصادية خصوصا بعد ان توقفت التجارة مع اوروبا عبر الواحات الليبية لفقدان السيطرة الفاطمية على المغرب وعلى صقلية. وحصر البيزنطيون علاقاتهم التجارية مع الفاطميين عبر حلب التي حولوا اليها قوافلهم التجارية بعد ان ساءت العلاقات الفاطمية البيزنطية.

على الصعيد الاسماعيلي: بدأ دور الامامة بالاهتزاز منذ عهد المعز عندما عهد الى ابنه الثاني، ومن ثم الى ابنه الثالث، ثم في عهد الحاكم بامر الله عندما عهد بالخلافة الى ابن عمه عبد الرحيم بن الياس. ولكن الهزة العنيفة جاءت بعد وفاة المستنصر حين اسند الافضل الخلافة الى المستعلي الابن الثاني للمستنصر، ما ادى الى ثورة نزار الابن البكر المطالب بحقه بالخلافة ولقب نفسه ب المصطفى لدين الله، فتخلّص منه الافضل بان بنى عليه حائطا. ونشأ بعد موته فرقة جديدة انتسبت اليه عرفت بالنزارية او المستعلية تزعمها حسن الصباح في بلاد فارس الذي تحصّن في قلعة ألموت، وراحت تطالب بحقها بالخلافة ما ادى الى نزاع مكشوف في الدعوة ولا سيما في المناطق البعيدة كالهند وبلاد فارس، واحيانا في مصر نفسها اذ تمكن النزاريون من قتل الافضل، وحاولوا قتل الوزير مأمون البطائحي. ولم يقف الامر عند هذا الحد اذ بعد مقتل الخليفة الآمر من دون وريث، كما تزعم بعض المصادر، ترك زوجة حاملا، وبانتظار ولادتها عهد اكابر غلمان الآمر بالخلافة لاول مرة الى امام مستودع هو ابي الميمون عبد المجيد ابن عم الخليفة. ولأنها انجبت انثى عمد الوزير احمد بن الافضل الذي فرضه الجند الثائرون، وكان على ما تذكر المصادر اماميا، الى خلع الامام الخليفة ( الامام المستودع) عام 1131، لكن غلمان الآمر ثاروا مجددا وقتلوا احمد بن الافضل واعادوا الخليفة المخلوع ولقبوه بالحافظ. وتذكر بعض المصادر انه كان للآمر طفلا ذكرا اعترفت به معظم الاسماعيلية في مصر ونقلوه الى اليمن واعترف به الاسماعليون خارج مصر خصوصا في اليمن والهند، وبالتالي انقسمت الاسماعيلية في مصر مجددا على نفسها بين اتباع ابن الآمر اصحاب ” الدعوة الطيبة”، ومؤيدي الحافظ.

 ان كل ذلك ادى الى فروغ الامامة من محتواها الحقيقي، وصار الخليفة الفاطمي كغيره من الخلفاء العباسيين من دون هالة دينية، وصار بالامكان اسناد الخلافة الى من يشاءه الوزير صاحب السلطة الفعلية في البلاد.

دور الصراع مع البيزنطيين: شكل الصراع الفاطمي البيزنطي معضلة للفاطميين، فقد عجزوا في معظم الاحيان عن التصدي للحملات البيزنطية حتى في فترة الازدهار الفاطمي مثل حملة الامبراطور نقفور فوكاس Nicephoros Focas التي احتلت انطاكيا، وحملة جون تزيمسيس Jhon Tzimices على القدس واكمل طريقه الى دمشق وتفاهم مع حاكمها افتكين التركي، ثم احتل صيدا وبيروت وعجز عن طرابلس. ولم يشكل انتصار العزيز على البيزنطيين والحمدانيين معا عام 987 رادعا للبيزنطيين اذ انتصر الامبراطور باسيل الثاني على الفاطميين عام 990 واكمل زحفه مهاجما المدن اللبنانية والسورية وعجز عن اقتحام طرابلس.

  وعلى الرغم من انتصار الفاطميين مرتين على البيزنطيين عام 998 ابان ثورة علاقة، وفي افاميا من العام عينه عقدت معاهدة بين الفريقين على عهد الحكم بامر الله مدتها عشر سنوات. ولكن علاقات التفاهم  تبدلت بوصول الامبراطورة تيودورة الى الحكم لأنها اشترط ان ينجد الجيش الفاطمي البيزنطيين حين الطلب مقابل العون الاقتصادي البيزنطي للفاطميين. مما كان يعني اذلالا للفاطمين وانذار بالحرب التي انكسر فيها الفاطميون. وتغير الوضع بعد معركة منزكرت عام 1071 ابعد البيزنطيين عن الساحة العسكرية مع المشرق العربي لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع بين الصليبيين والفاطميين ادت بالنهاية الى زوال الخلافة الفاطمية على يد صلاح الدين الايوبي.

التأريخ في العهد المملوكي

       

اولا– البيئة السياسية والثقافية للتأريخ في العهد المملوكي :

1- السلاجقة والاجماع الاسلامي.

ارتبط التأريخ منذ نشأته في الدولة العربية-الاسلامية بالتأريخ للخاصة من دون ايلاء العامة نصيباً يذكر، لا بل شكل الحكام على اختلاف مستوياتهم وتسمياتهم ركائزه. وفي مرحلة الانحطاط العباسية، صار القادة الاتراك، ثم الملوك البويهيون، فالسلاطين السلاجقة محاوره الاساسية. ولم يتعدّ النشاط السياسي والعسكري العام في ارجاء الدولة الاسلامية الصراع بين قادة مختلفين، او بين مغتصبي ولايات، واحيانا تناول فتوحا جديدة بعد ان كانت قد استقرت رقعة الدولة.

وشكل العهد السلجوقي مرحلة جديدة في الفكر السياسي-العسكري بمحاولة اعادة سيطرة المذاهب السنية على ما عداها من المذاهب الاسلامية، واسترداد ما اعتبره بعض مفكري السنة اراضي استولى عليها الفاطميون. انحلت السلطنة السلجوقية وانقسمت على نفسها الى اتابكيات تنتسب اسميا الى البيت السلجوقي وتتخاصم فيما بينها. واحتل الفرنجة السواحل اللبنانية والفلسطينية والسورية مع اجزاء من داخل بلاد الشام، وحاولوا تكرارا الاستيلاء على مصر الفاطمية. وأدى بالنهاية تشابك مصالح الفئات الثلاث المذكورة الى سقوط الخلافة الفاطمية عام 1171 وقيام الدولة الايوبية في مصر وبلاد الشام.

ونتج عن التنافس بين خلفاء صلاح الدين الايوبي( 1171 ) زوال الدولة الايوبية في مصر اولاً وقيام الدولة المملوكية الفتية. وتلا ذلك هجوم المغول وانهاء الخلافة العباسية في بغداد عام 656/1258. فتحولت مناطق الخلافة العباسية الشرقية الى السيطرة المغولية. وأعقب ذلك معركة عين جالوت 658/ 1260 التي وضعت حدا لتقدم المغول، والى زوال الدويلات الايوبية، وترسيخ دعائم الدولة المملوكية التي صارت بنظر المسلمين حامية الديار الاسلامية في مصر وبلاد الشام والاماكن الاسلامية المقدسة. وأضفى احياء السلطان بيبرس الخلافة العباسية في مصر على المماليك مأثرة دينية اضافية ساهمت بتثبيت دعائم الدولة الجديدة.

وقد أثّرت كل هذه التطورات المتسارعة على توجيه الفكر الاسلامي العام وخصوصا السني، الذي صارت مصر وبلاد الشام مرتعاً اساسياً له بعد ان غدت دولة المماليك احدى اقوى الدول الاسلامية. وقد جزّأت هذه التحولات السياسية والعسكرية المتسارعة، في منتصف القرن السابع/الثالث عشر، العالم الاسلامي الى اربعة مناطق على الاقل: بلاد فارس وبلاد ما وراء النهر تحت السيطرة الإلخانية المغولية ذات الثقافة الفارسية، التي تحولت تدريجا الى ثقافة مغولية فارسية اسلامية لها ميزاتها وطابعها الخاص بعد ان اعتنق إلخانات فارس الاسلام، وتمتعت باستقلال سياسي تام من دون اي ارتباط بالخلافة العباسية في القاهرة، والدولة العثمانية الفتية التي تطورت قوتها بعد قضاء المغول على دولة سلاجقة الروم عام699/ 1300 ما مكّن العثمانيين ضم معظم اراضيها، والتوسع على حساب اراضي الامبراطورية البيزنطية. والدولة المملوكية في مصر وبلاد الشام حاضنة الخلافة العباسية المتجددة الباسطة نفوذها على الاماكن الاسلامية المقدسة، والمغرب العربي امتدادا الى بلاد الاندلس المتنازع عليها بين الاسبان والمسلمين.ما قيمة هذه الصورة السياسية المذهبية الاسلامية على مستوى التأريخ والفكر الاسلاميين؟

2- إلخانات فارس والاجماع الاسلامي:كانت الخلافة العباسية في بغداد، قبل سقوطها، تمثّل الجامع لا بل المرجع الديني الرئيسي لكل القوى الاسلامية المتصارعة فيما بينها. وقد ادى سقوطها الى افراغ الاجماع السني من محتواه خصوصا بعد ان اعتنق غازان ( 694-703 / 1295-1304) الاسلام على المذهب السني. لأنه لم يكن بوارد الخضوع للخلافة القائمة في كنف المماليك اخصامه السياسيين، لأن من شأن ذلك ان يجعله تحت السيطرة المملوكية وان اسميا، وتاليا معنوياً. فاعتمد الحل العسكري مخرجا من هذه التبعية، لكن فشله في معركة مرج الصفر عام 1303 اسقط كل تطلعاته فتحول الالخانيون في بلاد فارس تدريجا الى المذهب الشيعي الاثني عشري، الذي يعتبر كل حاكم يعترف بالأئمة الاثني عشر وبالمذهب الجعفري حاكما شرعيا، فيطيعه رعاياه وينصرونه[1].

ان هذا التحول التدريجي في دول الالخانيات الى المذهب الشيعي اعاد قسمة العالم الاسلامي مجددا بين السنة والشيعة، ولكنه أخذ هذه المرة بعدين اضافيين: عرقيا (قوميا) عصبيا فارسيا مغولياً، يتمتع بالمقومات الجغرافية والستراتيجية ويخضع للسيطرة المغولية. والمماليك الاغراب المسيطرين على مصر وبلاد الشام بتوجه اسلامي تطغى عليه الصفة العربية. وكان المغرب والاندلس منشغلين باوضاعهما السياسية غير المرتبطة اجمالا باحوال المشرق العربي. وتحوّل الحكم المملوكي الى حكم متسلط فئوي، منفصل عن الشعب، لا بل مُسخّرا الشعب لخدمة الفئة ( الطبقة ) العسكرية الحاكمة. ورغم كل التجاوزات المملوكية غير المبررة شرعا وعلى المستوى الانساني، فان المؤرخين وكبار رجال الدين وعوا امرا على جانب كبير من الاهمية وهو انّ الاسلام ما يزال متمركزا في الديار المملوكية حيث تقوم الشرعية الدينية الوحيدة في العالم الاسلامي. وهذا الوعي يفسّر الانفصام شبه التام بين التأريخ وعلم الحديث من جهة، وتاليا بين المدني والديني، ويبرّر من ناحية ثانية هذا الكم الهائل من كتب التاريخ، وكتب التراجم والطبقات التي تحمل عموما اسماء دينية مثل: طبقات الحنابلة، او الشافعية…تجاه انحطاط مأسوي في بقية العلوم على تنوع موضوعاتها.

ثانيا ازدهار التأريخ

1- انواع المؤلفات:يبدو ان معظم المؤرخين شغلوا وظائف ديوانية مثل كتابة السر، والحسبة والتوقيع بديوان الانشاء… ما سمح لهم الاطلاع على دقائق سجلات هذه الوظائف، وعلى ركائز النظامين العسكري والاقطاعي المملوكيين فازدهرت كتب الادارة مثل مسالك الابصار للعمري، ونهاية الارب للنويري، وصبح الاعشى للقلقشندي، والمواعظ والاعتبار للمقريزي، وزبدة كشف الممالك للظاهري… اضافة الى التواريخ العامة، التي لم يقتصر حضورها على السياسي والعسكري بل تعداهما الى النشاطات الاجتماعية والاقتصادية والادارية. فاكتملت بذلك صورة التاريخ بابهى حلله، واروع روآه، وصارت المؤلفات تنبض بالحياة، تتحدث عن الخاصة والعامة معا بعد ان كانت حكرا على الاولى.

تجاه هذا الازدهار المنقطع النظير للمؤلفات في ميدان التاريخ على تنوع مواضيعه، نلاحظ انحطاطا مخيفا ومربكا في بقية العلوم على مدى العصر المملوكي. وقد يكون مرد ذلك الى وعي المؤرخين للديني المرتبط بالسياسي الناتج عن احتضان المماليك للشرعية الدينية السنية الوحيدة، فصارت بنظرهم دولة المماليك وحدها الدولة الشرعية في العالم الاسلامي، وتحوّلت الدول الاخرى غير الخاضعة للخلافة العباسية الى دولٍ عاقّة، ما جعل التاريخ المحلي او الاقليمي يزدهر بامتياز، بحيث قلّما تجاوزت مضامين مؤلفات المؤرخين المشرقيين حدود الدولة التي يعيشون في كنفها اللهم الا ابتهاجا بفتح اسلامي، او نجاة المسلمين من هجوم الفرنجة.

وبذلك، غابت عن الساح التأريخية مؤلفات التاريخ العام الشامل، وان اطلقنا على بعضها هذه الصفة لان حضورها اقتصر على التاريخ الاقليمي الخاضع اصلا لنفوذ سياسي محدد. ما عكس الانقسام السياسي على الفكر الديني وعلى الوضعين الاجتماعي والاقتصادي. ولم يعد العالم الاسلامي كله مسرحا لأقلام المؤرخين المسلمين، بل تقوقع التوجه، خلال الحقبات التي تطورت فيها المناهج التأرخية، ليحدّد السمات العامة للمراحل الاخيرة من العصور الوسطى. وقد حرمنا هذا المنظور السياسي الديني الضيّق من كنوز كثيرة لأنه لو توفّر للمقريزي وزملائه، بما تمتعوا به من نفاذ البصيرة والحس الاجتماعي، الاطلاع على اخبار الدول الاسلامية الاخرى ودوّنوا اخبارها لكانت اغتنت المكتبة العربية بمادة علمية تاريخية قلّ نظيرها. ولكن مع الاسف الشديد اقتصر حضورهم التأريخي على دولة المماليك .

2- عوامل ازدهار التأريخ: ولعل ما ساعد على تطور الحركة التأريخية في العهد المملوكي عوامل أخرى قد يكون من ابرزها:

أ- تأثير الوظائف الديوانية على التأريخ: شغل بعض المؤرخين وظائف ديوانية، ممّا جعلهم قريبين من القرار السياسي، ومطلعين على معلومات كان متعذرا على غيرهم الوصول اليها، ومدركين بدقة بنية المؤسسات المملوكية بسلبياتها وايجابياتها.

ان تحدُّر بعضهم من العرق المملوكي وانتسابه الى الفئة العسكرية الحاكمة كإبن ايبك، وبيبرس الدوادار، وابن تغري بردي، وابن اياس وغيرهما مكّنهم من ان يعكسوا في مؤلفاتهم مواقف المماليك بعضهم من البعض الآخر، وتصرفات الحكام تجاه الشعب، وبالتالي مفهومهم وموقفهم من السلطة العسكرية الحاكمة، وان كان مؤرخون آخرون تمكنوا من فهم هذه العقلية، فان شهادة هؤلاء بابناء جنسهم جاءت بالغة التعبير.

ب- سوء استعمال المماليك للسلطة:ان سوء تصرّف المماليك كحكام بل كطبقة عسكرية حاكمة منغلقة عن بقية الفئات الاجتماعية، ادى الى انفصام مجتمعي بينهم وبين الشعب لأنهم اجتهدوا باستنزاف كل طاقاته، حتى صار المجتمع اعرج يشكو بعضه من التخمة والبعض الآخر من الضنك. فانبرى عدد من المؤرخين يصوّر هذا الواقع الاليم وينتقد تصرف الحكام ويفنّد مساوءهم.

ج- دور التجارة: كان لاتساع التجارة وتطور طرقها وسيطرة المماليك عليها، واحتكارهم التجارة العالمية بين الشرق والغرب لان طرقها كانت اما تبدأ واما تنتهي باحد الموانئ او المحطات المملوكية، ممّا مكّن الرحالة المشارقة ومنهم مؤرخون من التجوال بسهولة في معظم ارجاء العالم القديم ومن تدوين مشاهداتهم: وصف المحطات التجارية، والطرق، وانواع السلع التجارية ومصادرها، مراكز الجمارك ، قيمة الضرائب…

تطور علم التراجم الذي بدا وكأنه انفصل عن علم التاريخ وصار من اختصاص رجال الدين، وبالتالي لم يعد مقصورا على الخاصة من الحكام بل شمل نماذج اجتماعية رفيعة الشأن، ممّا جعل التراجم تنبض بشيء من الحياة الاجتماعية.

نشطت المدارس ولا سيما في العهد الجركسي، فقام المدرسون على اختلاف درجاتهم بترشيد المجتمع بمحاولة لضبط المساوئ الاجتماعية التي استشرت فيه، احيانا بتوجيه النقد اللاذع للمسؤولين او لمن يمالئونهم.

إلتزم فريق من المؤرخين بحياة الناس الاجتماعية والاقتصادية التي تردّت كثيرا في القرن الخامس عشر، وعلى رأسهم المقريزي، بتقريظ السلطة ومن يمالؤنها.

3 – انواع المؤلفات: ساهمت العوامل الانفة بازدهار الحركة التأريخية في العهد المملوكي في مختلف ميادين النشاط الانساني، وسنكتفي بالاشارة الى بعضها: ففي الادارة: التعريف بالمصطلح الشريف، ومسالك الابصار في ممالك الامصار للعمري م 749/1348.  وتاريخ الدول والملوك لإبن الفرات م 806/1404، ونهاية الارب في فنون الادب للنويري م 733/1332، وصبح الاعشى في صناعة الانشا للقلقشندي م821/1418، وزبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك لابن شاهين الظاهري م 873/1468، والمقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا للخالدي، والمواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزي م 845/1441 و هو ايضا في الخطط اوالطوبوغرافيا. وفي التراجم: تاريخ الاسلام وطبقات المشاهير والاعلام للذهبي م 748/1348، واعيان العصر واعوان النصر  والوافي بالوفيات للصفدي م 765/1368، وطبقات الشافعية للسبكي م 771/1369، والدرر الكامنة باعين المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني م 852/1448، والضوء اللامع في اعيان القرن التاسع للسخاوي م 902/1496.

اما في التاريخ العام فهناك العديد من المؤلفات، وهي تطغى على غيرها مثل: عيون التواريخ لإبن شاكر الكتبي م 764/1362، والسلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لإبن تغري بردي، وبدائع الزهور في وقائع الدهور لابن اياس م 930/1524.

الفروسية: الفروسية والمناصب الحربية لإبن الرماح، والتدبيرات السلطانية في سياسة الصناعة الحربية لإبن منكلي.

التاريخ الاجتماعي: وتتناول مؤلفاته جوانب معينة من المجتمع ونذكر منها: تاريخ البصروي للبصروي، وفيه معلومات عن قضاة دمشق، كما عن الحياة اليومية الدمشقية. ومؤلفات ابن علوان المتعددة وبعضها ما يزال مخطوطا، ونذكر منها: اسنى المقاصد في بدع المساجد ويتناول المنكرات التي مارسها رجال الدين والعامة على حد سواء في المساجد، ومصباح الهداية ويتحدث فيه عن عادات الدمشقيين، ونسمات الاسحار وفيه معلومات فريدة عن عادات الزواج وحفلات الزفاف في دمشق. اضافة الى مؤلفات ابن المبرّد واهميتها انه كان شاهد عيان على الاحداث اليومية التي تناولها، ومن المؤسف ان معظم هذه المؤلفات مايزال مخطوطا، ونذكر منها:الاعانات في معرفة الخانات نشر قسما منها حبيب الزيات في مجلة المشرق. ونزهة الرفاق في شرح حالة الاسواق وهو يكمل الاعانات في معرفة الخانات لأنه يتحدث عن الاسواق الدمشقية. الحسبة يتناول الموظفين واصحاب المهن في دمشق، ذم الهوى والزعر في احوال الزعر ويتحدث عن الفئات الاجتماعية المسحوقة. وآداب الحمام يتناول عادات الدمشقيين في ولوج الحمامات. ومن الكتب الاجتماعية الدارس باخبار المدارس للنعيمي، وكذلك مدارس دمشق وربطها وجوامعها وحماماتها للاربلي. ومن المؤلفات المهمة جدا ما تركه محمد بن طولون التي سنتناول بعضها في هذا الكتاب[2] 

الفصل الثامن مؤرخو العهد المملوكي

شهد العهد المملوكي نهضة تأريخية قلّ نظيرها ربما على مساحة العصور الوسطى، ومن العسير جدا التطرق الى مناهج كل مؤرخيه، لذا سأكتفي بنماذج منهم بادئا بالمقريزي.

تقي الدين احمد المقريزي (766-845/1364-1442

اولا حياته ومؤلفاته

1 – حياته: هو تقي الدين احمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن ابراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد بن ابي الحسن بن عبد الصمد بن تميم التقي العبيدي- نسبة الى الخلفاء الفاطميين-[3]المقريزي، وهذه الشهرة الاخيرة لازمته وما تزال وهي تعود الى احدى حارات بعلبك التي عاشت فيها اسرته قبل انتقال جده لأبيه من بعلبك الى دمشق[4]. ولد المقريزي في القاهرة في حارة برجوان عام 766/1364 في اسرة اشتهرت بتحصيل العلوم؛ فجده لأبيه نشأ في بعلبك وتثقف على عدد وافر من العلماء والفقهاء[5] ثم انتقل الى دمشق حيث ولد ابنه علي والد المقريزي. بعد دمشق ارتحل الى القاهرة واستقر فيها حيث تقلب في عدة وظائف ديوانية[6]. وقد يكون جده لأمه، الذي عاش المقريزي في كنفه، اكثر ثقافة من جده لأبيه[7]. درس مؤرخنا في الازهر على عدد وافر من العلماء والفقهاء بلغ عددهم ستمائة[8] من ابرزهم: شمس الدين بن الصائغ جده لأمه، وابي اسحق التنوخي، وسراج الدين البلقيني، والعماد الحنبلي، وابن خطيب الناصرية المؤرخ المعروف، وابن خلدون بعد ان استقر في القاهرة منذ عام 784/1364 وقد تأثر به كثيرا ولا سيما بمقدمته المشهورة. كما اجازه عدد من اعلام عصره نذكر منهم: العماد ابن كثير (ت 774/1373، وابا البلقاء السبكي (ت 777/1375) وابا الفضل النويري ( ت 786/1384)[9].

كان المقريزي على اتصال وثيق بالسلطان برقوق، وبابنه السلطان فرج، وبالامير يشبك الدوادار، ما سمح له اشتغال عدة وظائف حكومية: كتابة التوقيع بديوان الانشاء، ومحتسب القاهرة والوجه البحري أكثر من مرة كانت اولاها عام 801/ 1398 وآخرها عام 807/1404، ونائبا من نواب الحكم عند قاضي قضاة الشافعية. وتولى الخطابة بجامع عمرو بن العاص وبمدرسة الناصر حسن بن قلاوون، وقراءة الحديث بالمدرسة المؤيدية، كما عين عدة مرات للوعظ والقراءة بالمساجد الجامعة. ودرّس في أكثر من مدرسة وعلى فترات متباعدة: فبناء على توصية من استاذه ابن خلدون درّس بالمدرسة المؤيدية ، ثم تخلّى عن التدريس ليعود اليه مجددا عام 811/1408 وهذه المرة في دمشق بالمدرستين الاقبالية والاشرفية. وعرض عليه الناصر فرج منصب قاضي قضاة الشافعية بدمشق فاستعفى، كما تمنى عليه ان يكون رسوله الى تيمورلنك ولكنه اعتذر.[10]

ثم ما لبث ان اعتزل الوظيفة العامة لينصرف الى تدوين مؤلفاته جاعلا من بيته موئلاً لاهل العلم من تلاميذه واصدقائه. ولا يمدنا من ترجم له باسباب هذا الاعتزال، ومنهم السخاوي، الذي صب جام غضبه على مؤرخنا الكبير. ولكننا نعلم تماما ان الوظائف منذ أواخر عهد الدولة التركية (المملوكية الاولى ) صارت تشرى بمال، واسشترى هذا الفساد في عهد الدولة الثانية، ما يجعلنا نعتقد ان المقريزي لم يكن بوارد شراء اي منصب صونا لنزاهته، وكبير ايمانه، وشدة تقواه، لأن من يشتري منصبا كان لا بد له من تحصيل ما دفعه من مال بطرق مريبة. ومن جهة ثانية فإن قراءاته الكثيرة في مختلف ميادين المعرفة الانسانية، واكتسابه معارف أخرى مباشرة وفّرتها له الوظائف التي شغلها، اضافة الى رغبته بالتأليف، قد تكون هذه كلها دفعته للاعتزال والتفرغ للتأليف، الذي وجد فيه السلوى والسلوان عمّا آلت اليه اوضاع البلاد الاقتصادية، وعمّا فقده من وظائف، وعزاء ذاتيا لفقدانه ابنته فاطمة التي توفيت بالطاعون عام 826/1423. وذهب هو نفسه ضحية الوباء عينه عام 845/1441 مخلفا ثروة علمية ضخمة ، ومدرسة تأريخية خاصة.

2- مؤلفاته : ترك المقريزي عددا كبيرا من المؤلفات في مختلف ميادين العلوم الانسانية اربت على المائتين على ما ذكر السخاوي[11]، ويبدو ان معظمها قد ضاع، وما بقي طبع معظمه.

أ – في التاريخ:

1 – اتعاظ الحنفاء باخبار الائمة الفاطميين الخلفاء، وهو تأريخ للخلافة الفاطمية منذ بدء الدعوة الهادية وتأسيس الدولة على يد الداعي ابي عبد الله الشيعي واعلان الخلافة الفاطمية وحتى سقوطها على يد صلاح الدين الايوبي. وقد يكون افضل مصدر عن العهد الفاطمي لما تضمّنه من معلومات المصادر المعاصرة التي ضاع كثير منها، ولسعة مدارك مؤلفه واطلاعه الشامل.

2 – اغاثة الامة بكشف الغمّة ، هو كتيب اقتصادي اجتماعي، عرض فيه مؤرخنا الى التراتب الاجتماعي عموما مركّزاً على العهد المملوكي، الذي عاصر ردحا منه، وقد قسمه اجتماعيا الى سبع فئات جامدة بل مغلقة، هي:

ارباب الدولة، مياسير الناس من التجار والفقهاء والمتعممين، متوسطو الحال من التجار والباعة واصحاب المعاش والسوقة، الفلاحون من اهل الزراعة، سكان الارياف والقرى، ارباب الصناعات والحرف، وأخيرا المعدمون[12]. وهوتفريع مبني على الوظيفة، ويماثل بعض المناهج المعتمدة حاليا في الدراسات الاجتماعية، ما يجعل المقريزي يحتل منزلة بارزة في الوعي الاجتماعي والحس الانساني. فاذا كان ابن خلدون وضع نظريات علم الاجتماع، وجعل هذا العلم قائما بذاته ولذاته، فان المقريزي جهد بتطبيقها في كتابه هذا، اذ درس التضخم النقدي من حيث اسبابه ونتائجه وهو موضوع على جانب كبير جدا من الاهمية. رابطا بين اسعار السلع وقيمة النقد، والاحتكار، وسوء تدابير السلطة الحاكمة[13]، وموجها لها نقدا لاذعاً، ومحذرها من سوء عاقبة الاحتكار على المستويين الاجتماعي والاقتصادي. وهو الى ذلك، فسر الاحداث قدرياً معتبرا ان الارادة الآلهية تدخل لمعاقبة مستغلي الغلاء من تجار وامراء واجناد :« واصيب جماعة كثيرة ممن ربح في الغلال، في مدة الغلاء، اما بنفسه بآفة من الآفات، او بإتلاف ماله التلف الشنيع، حتى لم ينتفع.»[14] ان دراسة التضخم النقدي بهذه الطريقة الفذة المبنية على ترابط الاسباب بالنتائج لأمر بالغ الاهمية في مرحلة العصور الوسطى، يظهر منزلة المقريزي العالية بفهمه للعوامل المؤثرة على مجرى التاريخ.

وعلى هذا، يعتبر كتاب إغاثة الامة من اجلّ الدراسات الاجتماعية والاقتصادية خلال العصور الوسطى، رغم المبالغات الواردة فيه، مثل أكل الناس بعضهم البعض الآخر، او أكل الآباء اولادهم مشويين او مطبوخين…[15] لما فيه من معلومات قيمة عن علاقة المقطعين بالفلاحين، وسوء استغلال السلطة، فضلا عن رؤية اقتصادية شاملة.

3- الاوزان والاكيال الشرعية، وهو يتمم الكتاب السابق، وباعتقادي ان المقريزي وضعه بعد تجربته المريرة في وظيفة الحسبة.

4 – البيان والاعراب عما بارض مصر من الاعراب، كتيب عن القبائل العربية التي دخلت الى مصر ابان الفتح العربي، ويتحدث عن اندثار معظمها، من بقي منها.

5 –   التاريخ الكبير المقفى في تاريخ اهل مصر والواردين عليها،  وهو تراجم لأكابر المصريين ومن دخل الى مصر من العلماء والمشاهير، مرتب على حروف المعجم. صدر منه حتى الان ستة عشر مجلداً، ويبدو ان المقريزي اراد له ان يكون في حوالى ثمانين مجلدا على حد تعبير السخاوي وابن تغري بردي[16].

6 – التذكرة ” مؤلف في التاريخ، ذكره ابن تغري بردي[17].

7 – تراجم ملوك المغرب

8- خلاصة التبر في كتابة السر [18]

9- درر العقود الفريدة في تراجم الاعيان المفيدة[19].

10- الدرر المضية في تاريخ الدولة الاسلامية، ذكره السخاوي[20].

11 – الذهب المسبوك في ذكر من حجّ من الخلفاء والملوك، منشور.

12 – شذور العقود في ذكر النقود، منشور.

13 – عقد جواهر الاسفاط في اخبار مدينة الفسطاط [21]

14 – منتخب التذكرة [22]

15 – المنتقى من اخبار مصر لابن ميسّر، منشور

16 – كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك ، سأدرسه بشكل تفصيلي.

18 – المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، درسه بشكل مفصل وممتاز عز الدين علي[23]، وبالتالي لا موجب الى اعادة دراسته.

وهناك العديد من المؤلفات ذكرها السخاوي، وابن تغري بردي، واعطى الدكتور محمد كمال الدين عز الدين علي معلومات عنها وتوسع بمضمون بعضها خصوصا المخطوط منها التي تمكن من الاطلاع عليها.[24]

واذا كان منهج المقريزي يستند الى كل مؤلفاته التاريخية، فان دراسته من هذا المنطلق تستدعي جهود عدد وافر من المؤرخين، على الاقل من اجل قراءة مؤلفاته المخطوطة ونشرها.  لذلك سنقتصر بدراسة منهج المقريزي على كتاب السلوك

ب – المواضيع الاخرى: تناول مواضيع متنوعة يطال قسم منها في بعض جوانبه نواحي دينية واجتماعية وادبية. نذكر منها على سبيل المثال:

 الاشارة والايماء الى حل لغز الماء [25]

 تجريد التوحيد المفيد، نشر

 حصول الانعام والمير في سؤال خاتمة الخير [26]

 ذكر ما ورد في بنيان الكعبة المعظمة [27]

ضوء الساري في معرفة تميم الداري ” نشر

وللمقريزي ايضا رسائل وكتيبات في مواضيع متعددة ذكرها الدكتور محمد كمال الدين عز الدين علي[28].

وعلى هذا، يعتبر انتاج المقريزي غنيا جدا، ومواضيعه شديدة التنوّع طالت معظم نواحي المجتمع الانساني ان لم يكن كلها، وهذا ما سنتطرق اليه بدراستنا لنظرته التاريخية في السلوك.

ثانيا:منهجه

I-  نظرته التاريخية في السلوك:

قد يكون تقي الدين احمد المقريزي اول المؤرخين الذين نظروا الى الاجتمتع الانساني نظرة عامة شاملة، من دون ان تكون تنظيرية في المطلق، بل حكمتها ركائز من ذاتيته غدت قوانين خاصة به، وعامة للمؤرخين الاخرين شأن ما طرحه ابن خلدون في مقدمة كتاب « العبر وديوان المبتدأ والخبر ». فجاءت نظرة معرفية نابعة من خبرة التعاطي في الشأن العام، ومراقبة الاحداث وتطورها، ومن رؤيته الانسانية العامة المتأثرة من دون شك بنظريات استاذه ابن خلدون بمحاولة لتطبيق النظري في التأريخ. وهي نظرة هادفة، غايتها تبديل سلوك الحكام نحو الافضل علّ الخلف يتعظ من السلف.

ويهمنا في هذا الاطار تبيان احاطته الشاملة بمختلف النشاطات الانسانية في المجتمع المملوكي، لأن نظرته تطرّقت الى نواحي متعددة: سياسية، وعسكرية، وادارية، واقتصادية، وعمرانية، واجتماعية بمختلف ابعادها شأن الاوبئة والامراض، والجرائم، والحرائق… وتأثيرها على الحالة الاقتصادية. وطالت ايضا تصرفات المماليك سلطانا وامراء واجنادا: من ناحية اولى، صراعهم على مختلف الاصعدة السياسية والادارية والعسكرية. ومن ناحية ثانية، تعسفهم بحق الرعية، وتداعياته على تطور المجتمع في مختلف الميادين وبخاصة الاقتصادية.

واذا كان اراد التأريخ في السلوك للمماليك بشكل رئيسي، فانه قدم لموضوعه هذا بدراسة سريعة، لا بل موجزة جدا للتاريخ الاسلامي السابق على العهد المملوكي متحدثا عن الخلفاء الراشدين الاربعة مضيفا اليهم الحسن بن علي. ثم أرّخ للامويين، فالعباسيين، محددا ابرز مستجداتهم على مستوى المجتمع والدولة. واستمر هذا الاقتضاب حتى العهد الايوبي الذي توسع فيه جزئيا، من دون ان يؤرخ للفاطميين لأنه خصّهم ب« اتعاظ الحنفا».

1- نظرته الى الوضع العسكري: لم يؤرخ المقريزي ليروي اخبارا للسمر، انما سجّل الماضي جاعلا من احداثه عبرة للخلف. فتخطّى المدلول العسكري التقليدي ليحيط بجوانب الحدث كلها أكان داخليا ام خارجيا، نافذا الى نتائجه لتأتي العبرة أكثر واقعية وفعالية.

شكل الصراع بين فئات المماليك على اختلاف مستوياتهم وتنوع انتماءاتهم محورا رئيسيا في حياة المماليك منذ تأسيس دولتهم وحتى عام 844/1441 وهو العام الذي تتوقف عنده اخبار ” السلوك”. وتستوقفنا في هذا المدى ثمة محطات صراعية بارزة على هذا المدى، توضّح بعضها جليا بعد مقتل الاشرف خليل، في سلطنتي اخيه الناصر محمد بن قلاوون الاولى والثانية، ولكن المشهد يبدو أكثر اضطرابا في عهود ابناء الناصر محمد بن قلاوون واحفاده بحيث صوّر المقريزي المجتمع المملوكي مجتمعا دمويا غادرا تلفه المؤامرات والفتن.[29]ويستمر المشهد عينه على امتداد معظم العهد الجركسي وفق محطات او مفاصل قد يكون من نماذجه النافرة ما حصل في بداياته بين برقوق ومنافسيه، ثم في معظم عهد الناصر فرج بن برقوق[30]. كالصراعات بين منطاش وشيخ المحمودي ونوروز الحافظي، وبين جقمق واينال[31]، وبين السلطان جقمق والامير قرقماس[32]. ولم يحصر المقريزي آثار ما كان يحصل بالمماليك فقط بل تناول تداعياته المدمرة على كل فئات المجتمع. من هنا علّق على هذا النمط من القتال الدامي وغير المبرر في غالب الاحيان:« وحل بالقاهرة ومصر خوف شديد بسبب اختفاء الاشرفية – نسبة الى السلطان الاشرف برسباي- وتطلبهم، فاذا دخل المماليك جهة من الجهات للبحث عنهم حلّ بسكانها انواع البلاء ما لا يوصف من النهب والهدم والعقوبة والغرامة وجد فيها اشرفية ام لم يوجد. وكان يتبعهم بهجومهم غوغاء العامة فحلّ بالنساء بلاء لا يوصف، فهدمت بعض المدارس ونهب بعضها الآخر…»[33]

وتتجاوز المواقف العسكرية اخبار الحالات الدامية شبه الدائمة بين المماليك انفسهم الى حروب المماليك الخارجية؛ كالذي حصل مع المغول كما في معركة الخزندار ( مجمع المروج )[34] اوفي قتال شاه رخ ابن تيمورلنك الامارات التركمانية الخاضعة لنفوذ المماليك[35]. او في اخضاع بعض الامارات التركمانية المتمردة مثل دلغادر[36]، او قرايلك[37]. ولم يهمل المعارك البحرية وتعديات الافرنج على الموانئ المملوكية مثل هجومهم على صيدا، والاسكندرية، وطرابلس. حتى انه ميّز بين الافرنج، محددأ علاقة كل دولة من دولهم بدولة بالمماليك[38].

ولكي تتبلور الصورة العسكرية تعدى المقريزي الصراعات الى وصف المعارك متحدثاً عن الفنون القتالية وطرقها، والخطط الحربية، وانواع الاسلحة المستخدمة. فوصف في حوادث 837/1434 حصار آمد، والمدفع النحاسي المستخدم فيه الذي بلغت زنته مائة وعشرين قنطارا مصريا، وزنة قذيفته 570 رطلا مصريا[39]. ووصف ايضا انواع السفن الافرنجية، والسفن المملوكية وسبل استخدامها[40].

وفي المسار عينه أرّخ المقريزي لعلاقة العربان العدائية بالسلطة المملوكية الناتجة اصلا عن ثورات العربان بالتعدي على المدن وقطع الطرق، او بسبب رفض فرض ضرائب جديدة ان لم نقل خوات، او ردا على كبس احد النواب لمضاربهم بقصد الغنيمة او الانتقام من تعد سابق[41]. ويتقاطع هذا الموضوع مع نواحي اخرى متعددة تتكامل جميعها معا، ممّا يجعل المشهد العسكري تاما بأحداثه وتفاعلاته بما يفرز من نتائج اوتداعيات.

 ولم يكن تأثير الصراعات العسكرية المتكررة لا بل غير المنتهية منفصلاً عن اوضاع المسلمين عامة، فكثيرا ما كان يوضح مؤرخنا تداعياتها اونتائجها الايجابية عليهم. وقد يكون هذا الامر دفعه للتأريخ لبعض المسلمين غير الخاضعين للمماليك وان بطريقة مقلة، إمّا لأنه لم يحصل على معلومات كافية، او لانه اعتبر الامر ثانويا لان محور الثقل الاسلامي ترّكز في الدولة الحاضنة الخلافة الاسلامية الوحيدة.

لذلك، يمكن القول ان المقريزي لم يؤرخ لأحداث المسلمين الصراعية خارج حدود دولة المماليك إلا انتقائيا؛ فذكر بايجاز كلي نبش قبور خلفاء الموحدين وبناء مدينة فاس[42]، و احتلال ملك البرتغال مدينة سبتة[43]. وتوسع احيانا بتأريخ الاحداث عندما تكون لصالح المسلمين شأن فشل هجوم ملك قشتالة عام 834/1431 لاحتلال غرناطة ذاكرا خسائره التي بلغت ستة وثلاثين ألف قتيل[44].

وعلى هذا، تمحورت مركزية نظرته العسكرية حول احداث المماليك على مستويين اساسيين: صراعات داخلية بحتة بين فئات المماليك لم يكن للمسلمين فيها اي شأن او مصلحة بل على العكس فانهم كانوا ينكبون جراء تداعياتها المدمرة في معظم الاحيان. وخارجي للدفاع عن مصالح المماليك، وتاليا دفاعا عن السلطنة بما فيها من سكان.    

2 – موقفه من الاقتصاد: يحتل الاقتصاد منزلة تأريخية مهمة جدا في السلوك، فهو المحتوى الاساسي لكل النشاطات في الدولة والمجتمع، والمحرك المحوري لكل الصراعات الداخلية من جهة، وللظلم الذي مارسته الطبقة العسكرية الحاكمة على الشعب من جهة ثانية. وقد حاول المقريزي الاحاطة بمجمل الركائز الاقتصادية ودرسها افقيا وعموديا مستخلصا العبر منها.

أ – النقود: يعتبر النقد العصب الاساس في كل عملية اقتصادية، وهو مقياس لتطور الوضع الاقتصادي او لركوده. من هنا، جاء تركيز مؤرخنا على قيمة النقود مبينا جودتها وغشها، ودور الغش في افقار الناس[45]. ما دفعه لدراسة تطورية للنقود منذ العهد الايوبي وحتى ايامه ذاكرا اسباب غشها وتداعياته على الاسعار والحياة الاجتماعية، دارسا بطريقة تركيبية نظرية متكاملة للتضخم النقدي[46]. وتزداد هذه النظرية وضوحا كلما اقترب من عصره بسبب وفرة المعلومات، فقد درس تطور الرواتب، وازدياد ارباح التجار وانعكاس الامرين على ارتفاع قيمة اجرة الفدان، وعلى النظام الزراعي عموما، محملا المماليك المسؤولية:« وكل ذلك من سوء نظرة ولاة الامور»[47]. وتكتمل نظرية التضخم النقدي بدراسته أسبابه؛ اذ يرجعه الى كثرة ما كان يتوجب على الدولة من جوامك ( رواتب شهرية) للمماليك السلطانية، محدداً مقاديرها النقدية والعينية من لحم وكسوة وعليق للدواب[48]. وهذه الموجبات (الجوامك) المرفهة جدا، وسوء تصرف المماليك السلطانية من اجل الحصول عليها وعلاوات ايضا، ادّيا الى افساد ادارات الدولة، ” والى خراب اقليم مصر وزوال نعم اهله “[49]. ما دفعه الى الحديث عن الروك من اجل اصلاح الحال الاقتصادية الزراعية[50]، وتقدير الانصبة الاقطاعية للطبقة العسكرية سلطانا وامراء واجنادا. وفي الاطار عينه تحدث عن اقسام الجيش المملوكي لينفذ منها الى تجاوز المماليك الانظمة المالية:« وصار الامراء يأخذون اقطاعات الحلقة باسماء مماليكهم وطواشيتهم، وتخدم اجناد الحلقة عندهم وتأخذ المماليك السلطانية ايضا الاقطاعات والجوامك، فقلّت عدة الرجال، وكثر متحصل قوم، وقلّ لآخرين ما يحصل من الاقطاعات، وخربت عدة بلاد من كثرة المعارم وعجز مقطعيها.»[51]

ولفهم عملية غش النقود واثرها على التضخم النقدي قارن بين النقود الذهبية المملوكية ومثيلاتها الاوروبية المستخدمة في الديار المملوكية محدداً مستواها واقبال الناس عليها: الاول هو الهرجة وقد قلّ بأيدي الناس، والثاني يقال له الافرنتي والافلوري اي «الفلوران الهولندي» والبندقي او الدوكة، وقد وصفها جميعها. والثالث الدينار الذهبي الناصري. كما تحدث عن جميع انواع الفلوس[52]. وبذلك، يكون المقريزي اول مؤرخي العصور الوسطى الذين احاطوا باحوال النقود الايجابية والسلبية، وتداعياتها على كل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية.

ب – الرسوم والضرائب: واستكمالا لنظرته الاقتصادية تحدث عن عمليات الطرح والتحكير، والاحتكارات، والرشوة، والمصادرات، والرسوم، وهي جميعها ضرائب استثنائية باتت عادية لكثرة ما فرضت. وتناول ايضا الغلاء ومسبباته، وتطور الاسعار. فقد تحدث عن الرسوم من حيث اصنافها، وكيفية فرضها، وتأثيرها على الناس[53]. وقد شرح بعض المصطلحات كالطرح وهو ان يشتري الوزير او الاستادار سلعا بأسعار بخسة او يصادر سلعا تحت عناوين جائرة متنوعة، ثم يعيد بيعها من التجار باسعار مرتفعة جدا. وهذا النهج وان نشأ في عهد الدولة التركية فانه ازداد سوءا في العهد الجركسي حتى بات احدى سماته النافرة[54]. ولعل المصادرة السمة النافرة الاخرى في سجل المماليك التي كانت تثير حفيظة المقريزي وتدفعته لتصوير مساوئها وتداعياتها على التجار وارباب الحرف وكبار الاداريين من المتعممين، كما تداعياتها على تطور الحياة السياسية والعسكرية والادارية المملوكية. وكانت المصادرات تتم لصالح الديوان الخاص[55]، او من اجل تشييد مرفق عام، شأن عمارة قلعة دمشق التي صودرت لأجلها اموال كثيرة للتجار[56]. ولم تكن توفّر المباشرين[57]، وجهات اخرى متعددة: اموال المغنيات[58]، ومدخرات الموظفين[59]، وثروات كبار الامراء[60]. ولم تسلم منها اموال الايتام، حتى ان القضاة الذين كانوا يتجرّؤن اظهار عدم شرعية مصادرة اموال الايتام كانت تتم معاقبتهم[61]. وكانت تتم كل تلك الممارسات في سبيل استمرار بذخ الطبقة العسكرية الحاكمة المنقطع النظير، وتأمين حاجة الدولة الدائمة للاموال، لأن اقتصادها كان في تراجع مستمر لأسباب متنوعة ليس اقلّها قلة العناية بالقطاعات الانتاجية، وسوء الادارة وفسادها.

كانت الرسوم والضرائب تثقل كاهل الناس حتى بلغ بعضهم مستوى الفقر والبعض الآخر ما دونه. وكان غشّ النقود يسبب غلاء بالاسعار وحال من الفوضى الاقتصادية، وللغلاء عند المقريزي اسباب اخرى؛ مثل قلة فيضان النيل او شدته، وان جاء الامران شديدي الوطأة كان يعم الجوع والمرض حتى:« أكل الناس من شدة الجوع الميتات والقطط والكلاب والحمير، وأكل بعضهم لحم بعض.»[62] والجراد الذي كان يأتي على المزروعات[63]، والمطر المتساقط قبل الاوان الذي تعقبه فترة من الحر الشديد كان يخرج دودا كثيرا يتلف المزروعات[64].

ج – نتائج السياسة الاقتصادية: لم تكن نظرته مركّزة على الوضع الاقتصادي المتردي فحسب وان كان الاكثر تعبيرا عن سوء احوال الناس الذين كانوا يقنعون بالفتات[65]، ولم تكن تنظيرية نابعة من فراغ، بل امدنا باستمرار، وكلما توفرت له المعلومات، باسعار السلع ارتفاعا او هبوطا، ومقارنا احيانا ما كانت عليه اسعارها وكيف صارت.[66]ودرس غلاء الاسعار احيانا بشكل بياني من دون ان يجد سببا موضوعيا لإرتفاعها سوى فساد الادارة المملوكية[67]. ولعل ابرز دراساته تلك التي خصصها لتطور سعر اردب القمح: فانه كان ينقص نصف سدسه بسبب كلفة سفره واجرة السمسرة، وحمولته، وغربلته، وطحنه[68]. وكانت الاحتكارات احدى اسباب الغلاء ولا سيما في عهد برسباي الذي فرض على التجار شراء السكر من المتجر السلطاني فقط، كما حظّر على المزارعين زراعة السكر لتبقى احتكارا سلطانيا[69]. وتعدى الامر السكر، الذي هو انتاج محلي، الى احتكار الفلفل المستورد اذ :« أوقعت الحوطة سنة 835/1432 على فلفل التجار بالقاهرة ومصر والاسكندرية…ورسم بان يكون الفلفل مختصا بمتجر السلطان.»[70] وفي هذا الاطار درس احيانا موازنة الدولة كما في عهدي اسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون[71]، برقوق[72].

ان استنزاف المماليك للطاقات الاقتصادية جراء فرض الرسوم والضرائب الجائرة، وطرح السلع على التجار، ومصادرة ممتلكات واموال الناس خصوصا ارباب الاقتصاد والادارة جعل هؤلاء، ولا سيما ارباب المعرفة بالاقتصاد[73]، يأنفون من تولي المناصب الادارية الاقتصادية  كالوزارة، ومتوليّي ديواني الخاص والمفرد، والاستادارية. والمقريزي، الى ذلك، درس بجلاء بنية الاقتصاد المملوكي المتردي محذّرا من ان استمراره سيؤدي الى اضعاف الدولة وسقوطها.

3–  موقفه من الادارة: لقد خبر المقريزي الادارة المملوكية عن كثب، اذ تولى الحسبة والقضاء وغير ذلك من المناصب الادارية، وادرك مدى اهتراء اهل الرأي فيها، ومدى ترددهم باتخاذ القرارات المسؤولة، ومن ثم التراجع عنها اكراما لهذا الامير او ذاك، او كي يتقرب السلطان من مسببي القلق السياسي في دولته علّه بهذا الاكرام يتّقي شرهم.

ويمكننا من خلال « السلوك » التعرف على وظائف الجهاز الاداري المملوكي بشقيها العسكري والديواني، والتطور الذي لحق ببعضها، والتعرف ايضا الى شاغلي الوظائف ومصائرهم ان لجهة العزل اوالمصادرة او الاكرام[74]. وكانت الادارة تشكّل جزءا من النظام العسكري، لان الوظائف الديوانية والعسكرية الادارية كان يكمل بعضها البعض الآخر. فالوزارة على رغم ارتفاع شأنها ودورها المالي ارتبطت بالسلطان، وخضعت ببعض ابوابها لموظفيه العسكريين الاداريين شأن ناظري ديواني الخاص والمفرد، لا بل لم يعد لها دور مهم بوجود الاستادار. وما عاد معظم اصحاب الوظائف الديوانية او المتعممين على اختلاف مراتبهم بمن فيهم قضاة القضاة، والقضاة يمارسون وظائفهم بنزاهة، بل صاروا في خدمة الطبقة العسكرية الحاكمة ولا سيما السلطان وامراء المئة، لأن وظائفهم صارت تشرى بمال حتى باتت الرشوة عنوان العهد الجركسي.

درس المقريزي في السلوك تطور القضاء منذ العهد الايوبي وحتى عصره، فوصف القضاة ومساعديهم، مشيدا بالموقف الرائع الذي اتخذه السلطان الصالح نجم الدين ايوب منهم اذ عيّن نوابا عديدن لولاية المظالم لقضاء حاجات الناس[75]. واستمر القضاء سليما معافى ما دام السلاطين يقظين يهتمون باحوال الناس ويسهرون على حسن انتظام المجتمع، شأن السلطان بيبرس البندقداري الذي اعتمد في النظام القضائي على اربعة قضاة قضاة من اجل حسن مراقبة الاحكام القضائية[76]. وفي المسار عينه كان السلاطين الحريصون على احوال رعيتهم يعزلون من تسوء سيرته من القضاة على اختلاف مراتبهم، كما فعل السلطان الناصر محمد بن قلاوون[77]. وبعض السلاطين ولا سيما في العهد الجركسي كانت علومهم الدينية متواضعة ما ادى الى فساد في النظام القضائي كما حصل في المجلس الذي عقده المؤيد شيخ لقضاة القضاة الاربعة ومشايخ العلم، وقد تنّدر به المقريزي قائلا:« فكان مجلسا بغاية القبح، من اهانة الهروي وبهدلته.”[78] وهو يعتبر ان القضاء تأثر باحوال الدولة حين تأصل فيها الفساد، اذ صار يتولى القضاء غير الجديرين بالمنصب بشفاعة احد كبار الامراء، او تقريرا من السلطان لغاية ما. وغدت المناصب، في غالب الاحيان، تشرى بمال وخصوصا الوظائف الديوانية التي فيها منعة الدولة وحسن تدبيرها. ويسوق المقريزي مثالا على هذه الاوضاع الشاذة اسناد الحسبة عام 808/1406 الى احد باعة السكر، معلّقا على ذلك:« فكان هذا من اشنع القبائح وأقبح الشناعات».[79] ويروي ان أقبغا الجمالي « سعى في الاستدارية على ان يحمل عشرة آلاف دينار»[80]. وأضاف السلطان عام 835/1432 الى كاتب السر الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ الوزارة ويعلّق على هذه الحادثة متحسرا:« ولم يقع مثل ذلك في الدولة التركية…وباشر مع بعده عن صناعة الانشاء وقلة دربته بقراءة القصص والمطالعات الواردة من الاعمال. غير ان الكفاءة غير معتبرة في زماننا، بحيث ان بعض السوقة ممن نعرف ولّي كتابة السر بحماه على مال قام به.»[81]

واذا كانت حال القضاء، المفترض ان يكون قويما من اجل ان تسود العدالة، على هذا النحو، فان الادارة بشكل عام نخرها الفساد خصوصا منذ اواسط القرن الثالث عشر وتحديدا في عهد اولاد الناصر محمد واحفاده بسبب سيطرة الطواشية على احوال الدولة[82]، وشراء المناصب. ومن نماذجه الصارخة شروع الامير أغرلو شاد الدواوين باستخدام الكتاب والولاة بمال حتى صار الامر سابقة انتُهجت فيما بعد[83]، واشتد سؤها في العهد الجركسي.

وهكذا، يمكننا من خلال السلوك الوقوف على مجمل نواحي الحياة الاقتصادية والادارية والعسكرية والسياسية للعهد المملوكي، وجزئيا للعهد الايوبي. ونظرة المقريزي لا تقف عند هذه الحدود بل تتخطاها الى صلب الحياة الاجتماعية لتدرس معظم جوانبها.

4 –   المجتمع:

أ – المجتمع القلق: مهد المقريزي لبنية المجتمع بذكر الامم الكبرى قبل الاسلام تبعا للنظرة المزدكية مخالفا بذلك آراء الجغرافيين العرب[84]. واعتبر ان الاسلام، والصابئة، والمجوسية، واليهودية، والمسيحية الاديان الاساسية في العالم، مميزا بين معتنقيها والمشركين[85]. وتناول معظم نواحي المجتمع المملوكي الايجابية والسلبية وموقف السلطة منها، على الرغم من انه لم يدخل الى اعماق الحياة الاجتماعية كلها بما فيها من عادات وتقاليد، مكتفيا باعطاء لمحات عنها هنا وهناك. وكان يفتقر مجتمعه الى الامن والطمأنية، ولم يكن السكان يخشون المستقبل فقط بل ايضا ما كان ينتظرهم في يومهم  ويمكننا الوقوف على هذا الشعور من خلال وصفه مواقف العامة من اركان السلطة. فاحيانا كانت تؤيد، في الفتن غير المنتهية، السلطان المهدد بالعزل ان كان استجاب احيانا لبعض مطالبها [86]، او احد الامراء ان كان قد عطف عليها، وكان لهذا العطف اكثر من مظهر: نثر الاموال، والسلوك الحسن، او الاحسان. واحيانا لم تكن تأبه لأي من الفرقاء، بل كانت مصالحها تحتل المقام الاول فكانت تنهب بيوت الخاسر ايا يكن. وقد يكون مؤرخنا ركز على هذا المجتمع غير المطمئن لشدة الصراعات الدامية بين طوائف المماليك وامرائهم ما كان يؤدي الى غلاء الاسعار، واغلاق الاسواق ونهبها ، وخطف الناس من الطرقات، والتعدي على الرجال والنساء في الحمامات[87]. وكثيرا ما كان سبب الفتنة تافها كاشاعة كاذبة، او خلاف مؤقت بين اميرين لا يلبثان ان يتصالحا[88]. وكان المقريزي شديد الحساسية تجاه هذه التصرفات الخارجة على الاطر الدينية والاخلاقية، التي كانت تهدد حياة الناس ومصالحهم في كل وقت وتقض مضاجعهم، من دون ان يعمل يعمل المماليك على حلها جذريا، لأنهم كانوا مسببيها. ولم يكن لذلك المجتمع القلق هوية فكانت احداثه ومظاهره متشابهة ان لم نقل واحدة في كل مكان: القاهرة اوحلب او دمشق، على رغم تغيّر الظروف في كل منها. من هذا المنطلق رسم لنا مؤرخنا لوحات مخيفة وغير انسانية لمآسي الناس عندما اقتحم تيمور حلب فدمشق [89].

ب – مآسي اجتماعية اخرى: شكلت الحرائق احدى عوامل القلق الاجتماعي والامني بما كانت تسببه من اضرار بالغة من دون ان يُعرف اجمالا مسببوها[90]. وكذلك كانت حال المناسر التي كانت تشتد احيانا[91]. وعرض مؤرخنا للاوبئة والامراض ومسبباتها ونتائجها، ذاكراً بعض اسماء النباتات والفواكه المستخدمة كأدوية في معالجتها، محددا اسعارها متحسّرا بسبب عجز عدد وافر من الناس عن شرائها[92]. وكان الطاعون الاشد فتكا بين الاوبئة التي كانت تحصد العدد الوافر من الناس ما كان يؤدي احيانا الى زحمة في التوابيت[93]. وصوّر حالة الناس وارباب الدولة عندما كان يشتد الوباء ويعجز الاطباء عن الحد من انتشاره وعن شفاء المرضى، فكانوا امام هذا العجز يلوذون بالصلاة والصيام مدة ثلاثة ايام، او يخرجون للصلاة  في الصحراء [94].

ج – الملابس: واستكمالا للنظرة الكلية للمجتمع لم يغفل عن وصف الملابس، محددا مستوى وانواع ملابس كل فئة من فئات المجتمع المملوكي، ذاكرا اسباب منع ارتداء بعض الازياء واستبدالها بأخرى فتصبح(موضة )[95]. ويمكن للباس ان يشكّل بطاقة هوّية لبعض الموظفين، او تعريفا برتبهم. فاذا كانت للمماليك على اختلاف مراتبهم ألبسة محددة لكل فئة ومنزلة، فانه كان لكل درجة من المتعممين لباسها المميز:« خلع على شمس الدين محمد الهروي واستقر قاضي للقضاة…فغيّر زيّه، وهذه المرة الرابعة في تغيير زيّه، فانه كان اولا يتزيّ بزيّ العجم، فلبس عمامة عوجاء بعذبة عن يساره. فلما ولّي القضاء لبس الحبة، وجعل العمامة كبيرة، وأرخى العذبة بين كتفيه، فلما ولّي كتابة السر تزيّ بزيّ الكتاب وترك زيّ القضاة وضيّق اكمامه، وجعل عمامته صغيرة مدورة ذات اضلاع، وترك العذبة، وصار على عنقه طوق ولبس الذهب والحرير…»[96]

داللهو والاحتفالات: تناول «السلوك» انواع اللهو[97]، والاحتفالات الدينية والدنيوية التي كان يعبق بعضها بالفسق والفساد[98]، من دون ان يهمل  المغنين ونشاطاتهم[99]. ومدنا بنماذج عن مهر الزواج[100]. واعتبر مؤلفه  ان الخمر من المساوئ الاجتماعية متحدثا عن اسباب ابطال الخمّارات واهراق الخمور، التي قد يشمل امر اهراقها احيانا سائر ارجاء الدولة[101].

هالاعتراض على تدابير السلطة: نظر المقريزي الى المجتمع بكل ابعاده سيئها، وجيّدها وهذه كانت قليلة، فعرفنا الى اعمال البر والخير التي مارسها السلاطين او الامراء تقرّبا من الناس او من الله تكفيرا عن ذنوبهم وممارساتهم السيئة، وتحدث عن ومنشآتهم الدينية وتلك التي اوقفوها على جهات متنوعة[102]. وابرز موقف الناس، الذين رضوا بمصيرهم السيئ وخضعوا للمماليك الذين نهبوا خيرات البلاد، والوسائل التي اعتمدوها للاعتراض على الظلم بكل انواعه: ضرائب استثنائية، طرح، تحكير، مصادرات، كالتكبير في المساجد والطرقات على طريقة التظاهر في وقتنا الحاضر[103].

و – موقفه من الذمييّن: لم يقتصر مجتمع المقريزي على حياة المسلمين فقط انما أرّخ ايضا لعلاقة اهل الذمة بالمسلمين عامة واركان الحكم خاصة. وكان ينحاز الى جانبهم عندما يظلمون، ويهاجمهم عندما يلاحظ انهم اخطأوا، مبديا ملاحظات قيمة حول علاقاتهم الاجتماعية. فذكر ان الشروط العمرية طبّقت عليهم مرات عديدة[104]، وانهم منعوا مرات كثيرة من شغل الوظائف الحكومية او التي طردوا منها، متطرقا الى الاسباب الموجبة الى ذلك، وهي برأيه غير مطلقة بسبب تضارب مواقف الفقهاء منها بين مؤيد ومعارض[105]. وكان يأسف لهدم عدد كبير من الكنائس لأنه كان يتم مرارا، في غالب الاحيان، من دون مبرر او مسوّغ ديني او قانوني[106]. وتناول في مؤلفه تحول بعض المسيحيين الى الاسلام قسرا، وبعض الذين ارتدوا مجددا الى المسيحية تكفيرا عن ذنوبهم غير آبهين بالمصير المحتوم الذي ينتظرهم[107].

وهكذا نلاحظ ان نظرة المقريزي الى التاريخ تناولت معظم جوانب الحياة السياسية والعسكرية، والادارية، والاقتصادية، والاجتماعية؛ قبيحها وجيّدها. فيتبدّى لك ان مجتمع المماليك في ” السلوك” كان مجتمعا متحركا نابضا بالحياة. وقد يكون لرصيد ثقافة المقريزي الدينية، وحسّه الاجتماعي المرهف، واخلاقه الحميدة ما جنّبه الانجرار في مسار الفساد الجارف الذي ساد عصر المماليك، لا بل غدا ابرز سماته السيئة. ولست أغالي اذا اعتبرت ان هذا الرصيد برز في موقفه من ثقافة المماليك العامة في مختلف الميادين، ومن نقده اللاذع لممارساتهم غير المبررة دينيا وانسانيا. وازعم انه تناول كل ذلك من اجل تقويم المفاسد والمساوئ، لأن في التاريخ عبراً.

5 – موقفه من المماليك: لعل محور نظرته تركّز على موقفه من المماليك سلطانا وأمراء وأجنادا، فقد انصفهم عندما كانوا يستحقون الانصاف، وهاجمهم في غالب الاحيان لانه اعتبرهم مصدر المساوئ الادارية والاجتماعية والاقتصادية بسبب سوء تصرفاتهم، وشرههم للمال، وتصارعهم على المناصب الرفيعة، واهمالهم الرعية. وتعبيرا عن موقفه هذا، وسمهم بشتى انواع النعوت غير الحميدة. سأكتفي بالاشارة الى بعضها فقط: فقد ذكر في حوادث سنة 648/1251:” كثر ضرر المماليك البحرية بمصر، ومالوا على الناس وقتلوا ونهبوا الاموال، وسبوا الحريم، وبالغوا بالفساد، حتى لو ملك الفرنج ما فعلوا فعلهم”[108]. وتعليقاته على سوء تصرف المماليك كثيرة جدا، وقد اعتبرها غضبا من عند الله ليتم امره فيهم، كقوله بالامير يلبغا الجوباتي ابان صراعه مع الامير برقوق العثماني ( السلطان لاحقا ):” وكان الامير يلبغا لأمر يريده الله قد شحّت نفسه، وساءت اخلاقه…”[109]. وجاءت كثرة الفتن ومحاولة اخمادها وبالا على سكان المحلة او المنطقة التي كانت مسرحا لها: اذ كانت تنهب القرى نهبا قبيحا، ويسطى على المواشي، ويتم التعدي على النساء، وتعذيب من يظفر به المماليك حتى يطلعهم على ما عنده من علف وغيره[110]. ويغتنم المقريزي كل فرصة سانحة تعبر عن سوء تصرف اي سلطان او امير ليسمه باشد النقد قساوة ولذعا، شأن تعليقه على موت السلطان الناصر فرج بن برقوق الذي طرح على مزبلة عار الا من سروال يستر عورته:« وغوغاء العامة تعبث بلحيته ويديه ورجليه طوال نهار السبت، نكالا من الله، فإنه كان مستخفّا بعظمة الله سبحانه، فاراه الله قدرته فيه»[111]. واضاف معلقا على سوء حكمه وتدبيره، وجشع امرائه قائلا:« وكان الناصر هذا أشأم ملوك الاسلام، فانه خرّب بسوء تدبيره جميع اراضي مصر والشام…وَطرق ديار مصر الغلاء من سنة ست وثمان مائة، فبذل امراء دولته ومدبروها جهدهم في ارتفاع الاسعار…وأفسدوا مع ذلك النقود بإبطال السكة الاسلامية من الذهب…ورفعوا سعر الذهب حتى بلغ الى مئتين واربعين كل مثقال بعدما كان بعشرين درهما…وأخذت على نواحي مصر مغارم تجبى من الفلاحين في كل سنة، واهمل عمل جسور اراضي مصر…وأكثر وزرائه من رمى البضائع على التجار…بأغلى الاثمان…هذا مع تواتر الفتن واستمرارها بمصر والشام…»[112]. واعتقد ان رأيه هذا يحدد بكل دقة نظرته الى المماليك، كما يبرر دراسته للحياة الاجتماعية والاقتصادية، والادارية والسياسية للعهد المملوكي. وقد يكون رأيه في موت الامير تغري بردي- وهو غير الاتابك والد صاحب النجوم الزاهرة- تبريرا جديدا او تأكيدا آخر له اذ قال:« فمستراح منه، لا دين، ولا عقل، ولا مرؤة، ما هو إلا الظلم والفسق»[113]

وعليه، جاءت نظرته افقية عامة من جهة، وعمودية تحليلية من جهة ثانية؛ افقية لأنها تناولت كل النشاطات الانسانية في المجتمع المملوكي من دون ان تتعامى عن مساوئ المماليك، وعمودية لأن المقريزي درس حالات متعددة للموضوع الواحد قبل اصدار حكمه او رأيه به. ممّا اعطاه فرادة بين سابقيه ومعاصريه ليكون رائد مدرسة جديدة في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي المرتبط عضويا بالتاريخ السياسي والعسكري.

IIطريقة المعالجة في السلوك :

1 –   موقفه من المصادر: حاول المقريزي ،قدر المستطاع، ان يكون دقيقا بذكر اخباره، فاسندها الى مصادر مكتوبة خصوصا في الفترة السابقة على عصره؛ فذكر ابن حوقل في المسالك والممالك[114]، ووكيع القاضي[115]، وعبد اللطيف البغدادي[116]، والحافظ عبد العظيم المنذري[117]، وابن واصل[118]، وقطب الدين اليونيني[119]، وبيبرس المنصوري[120]، وغيرهم كالعمري، وابن الفرات، وابن الخطيب الناصرية. واسندها احيانا اخرى الى مشاهداته الشخصية التي يدل عليها بوضوح[121]، او الى من اخبره الحادثة ممن يثق به كقوله:« أخبرني من لا اتهم…ان الارضية أكلت… فكثر تعجبي من ذلك، وما زلت أفحص عنه على عادتي في الفحص عن احوال العالم حتى وقفت على ان ضرر الارضية تعدى…»[122]

   ولم تمنعه دقته من قبول بعض الخوارق والاساطير ما يطرح تساؤلا احيانا حول ثقته بمخبريه. وسأكتفي ببعض النماذج فقط؛ وقع برد بالدقهلية بلغ وزن الواحدة بين رطل الى رطلين، وسقطت واحدة على رأس ثور فقتلته[123]. واعتبر ان بعض الآبار إناث تحيض وبعضها الآخر ذكور[124]، وروى ان:« سحابة سوداء ارعدت شبه الزوبعة الهائلة تحمل الاحجار الكبار وترفعها في السماء مقدار رمية سهم وأزيد، وترفع الجمال بحمولتها…175[125]. وقال في مكان آخر: « وقع برد بصورة الآدميين من ذكر وأنثى، وفيه شبه صورة القرود»[126]، كما روي ان البحر ألقى:« دابة طولها خمسا وخمسين ذراعا، وعرضها سبع اذرع.»[127]

ولا تبخس هذه الاساطير مقدرة المقريزي في تقصي الحقائق التاريخية، وتتبع الاحداث ولا سيما العائدة الى عصره بحيث بلغ ببعضها دقة متناهية. وتعتبر مصادره دقيقة جدا اجمالا وشديدة التنوع. واذا قبل بعض الخوارق فمرد ذلك الى ثقافة عصره الاجتماعية، التي لم تكن على وجه العموم تستطيع الانفلات من تأثيرات رواسب الماضي، بما كان لها من رهبة ووقع في النفوس.

2 –   التأريخ الحولي وموقف المقريزي من الخبر:

أ- وفاؤه لصورة الخبر التقليدية: على الرغم من ان ابن الاثير خرج على الصورة التقليدية للخبر وطوّر مفهومه فجعله تاما بذاته ولذاته، متجاوزا الحول الى رؤية أكثر شمولا وتكاملا بنيت على عوامل اعطت الخبر اسبابه وجعلته يؤسس لنتائج اما تامة بذاتها، او سببية لخبر آخر، او للاثنين معا. فان المقريزي لم يطور هذا المنهج الخلاق، او يسر على منواله الا نادرا، وابن الاثير أرّخ قبله بما يزيد على القرنين، بل ظل وفيا عموما للمفهوم التقليديا للخبر، فحصره ضمن اجزائه السنوية الموزعة على ايام او اسابيع وربما شهور تبعا لمقتضى المدة الزمنية للحادثة-الخبر. واذا لم يكن تاما ضمن مدد وجيزة قطّعه الى اجزاء خصوصا اذا تجاوز السنة الواحدة،  رابطا بين هذه الاجزاء بالتعابير او بالحري المصطلاحات القديمة-الجديدة التالية:« وفيها حدث كذا» او « ورد الخبر من عكا»[128]، او «في اليوم كذا من شهر كذا فوّض القضاء الى»[129]، وغير ذلك من التعابير، لاتمام الخبر عينه من دون ان يربطه سببيا بما كان قد حدث الا في حالات يعود اليه وحده امر تقديرها، اما لأنها ترتبط بحدث مهم جدا، او تتعلق ببعض الامور الاقتصادية، كما سيتضح لاحقا.

أرّخ الاحداث من دون اعطاء الخبر عناوين رئيسة او ثانوية استكمالا لوضوح الرؤية ظنا منه انها تامة ضمن الصورة الكلية، على ما ازعم، بدليل انه يمكننا بسهولة اعطاء عناوين رئيسة لاخباره، وتقسيمها الى نقاط ثانوية. ونضرب مثلا على ذلك الصراع بين السلطان بيبرس والفرنجة: فيصبح العنوان الرئيس: قتال بيبرس الصليبيين، ويمكن اعطاؤه العناوين الثانوية من خلال تطور الاحداث:« ساق الى ارسوف وقيسارية» والبديل منه « سقوط قيسارية وارسوف»، وكقوله:« وفي سادس عشرينه سار السلطان جريدة الى عثليث» ويمكن استبداله ب «الهجوم على عثليث» وهكذا…[130]وقد يكون مرد ذلك الى منهج التأريخ الحولي الذي يمزق الحادثة.

ب- عطف الخبر على ما سبقه: ودوّن الخبر بطريقة اخرى، فعطفه على خبر او اكثر سابق عليه، ذاكرا احيانا اسبابه البعيدة، كما في ذكر أسباب هجوم السلطان قلاوون على عكا التي فنّدها كما يلي: خرق الصليبيون المعاهدة التي كانوا وقعوها مع السلطان بيبرس، وقتلوا التجار المسلمين وصادروا بضائعهم [131].

ويزداد هذا المنهج وضوحا باقتراب المقريزي من التأريخ لعصره، لأن الصورة، على ما أزعم، باتت أكثر جلاء في ذهنه والاحداث في متناول يده يتابعها عن كثب، اما بالاطلاع الشخصي المباشر، او باخذها من شهود عيان موثوقين.

  ج- استقلال الخبر لذاته: ونجد في السلوك نمطا آخر من الخبر، كالمستقل بذاته الهادف الى رؤية أحادية لموضوع محدد، كما في تعداده الاسباب التي ادت الى عزل الامير تنكز نائب الشام ومصادرة امواله على عهد الناصر محمد بن قلاوون، معددا خمسة منها[132]. وكذلك الاسباب الى ادت الى خلع السلطان احمد بن محمد بن قلاوون: كان صَحْبُه ورسله كلهم من اوباش الكرك، جاءوا معه الى القاهرة، وأكثروا من اخذ البرطيل، وتسلطوا على الوزير، وحجبوا السلطان عن الامراء. وجمعه الأغنام من الصيد بطريقة مريبة وتلك التي كانت لوالده ولبعض الامراء، واستيلاؤه على الحيوانات النادرة من الحوش السلطاني، واستيلاؤه ايضا على ذهب وفضة من شعائر السلطنة ومن اللجم…وسلبه ما كان لجواري والده من ذهب ومصاغ. ومصادرة نساء الامراء الذين أمر بقتلهم[133]. وهناك امثلة أخرى عن هذا النمط من التأريخ منتشرة على صفحات السلوك نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر اسباب مقتل غرلو شاد الدواوين[134].

د – تعليل الحوادث: على الرغم من تفتيته الخبر على الطريقة التقليدية اذا تجاوز اليوم الواحد، فانه حلل بعض الحوادث وعللها، كما في تأريخه لضَيَاع المماليك السلطانية في سلطنة الناصر محمد الثانية: قويت البرجية بقيادة بيبرس الجاشنكير الاستادار، وكانت تقابلها الاشرفية والمنصورية بقيادة نائب السلطنة الامير سلار، وشاركهما الامير برلغى الذي التفت الاشرفية حوله، فاصبح المماليك السلطانية ثلاثة معسكرات متناقضة ما سمح للناصر محمد بالعودة الى الحكم[135]. وانظر ايضا تعليله للتضخم النقدي. ويتكرر هذا المنهج التحليلي الاستنتاجي بوضوح عند المفاصل التاريخية المهمة كما في التحليل الرائع لشخصية الامير برقوق العثماني واسلوبه بالتمهيد لاعتلاء العرش المملوكي:« وخلا الجو للأمير الكبير، ورأى انه قد أمن، فانه لما أخذ الامرة في ايام أينبك كان معه في ضيق، لأن نفسه تريد منه ما لا يؤهل له. فلما زالت دولة اينبك، وتحكم الامير طشتمر العلاي، لم يكن له معه كبير أمر، فما زال بطشتمر حتى أزاله وصار هو والامير بركة يتنازعان الامور، ولا يقدر على عمل شيء الا بمراجعة بركة حتى كان من امره ما ذكر، فصارت المماليك الاسياد يريدون التوثب عليه وهو يداريهم جهده، حتى وثب بهم، وأخذهم، فلم يبق له معاند، وصار له من المماليك الجراكسة عدد كبير…فرقاهم الى ما لم يخطر لهم ببال، وانعم على جماعة بأمريات…»[136]. وانظر في السياق عينه تحليله الرائع لتصرفات الناصر فرج بن برقوق السيئة، وموقف منها[137].

استخدم المقريزي هذه الدراسات التحليلية لتوضيح الصورة السيئة للدولة، لأن الايجابيات المملوكية قليلة في السلوك. فقد ابدع بدراسة اوضاع الوزراء محللاً سلوكهم او اسلوبهم بالتقطير على المماليك السلطانية، جاعلا منه سببا رئيسيا باستقالة النظار الخاص والوزراء بسبب التمرّد المماليك المذكورين الدائم. واظهر بالطريقة عينها كيف تمكّن وزير سيئ من استبدال رواتب المماليك السلطانية العينية من اللحم بالمال، جاعلا قيمة رطل اللحم درهما اي ما يساوي 1/7 من قيمته الحقيقية، فاصاب الناس جراء هذا التدبير مآسي كبيرة وانواع البلاء[138]. وعوّل على نتائج الاحداث المهمة، من دون ان يذكر انها نتائج، فأتت مكملة للحدث وكأنها جزء منه، وهي نتائج اقتصادية، وعسكرية، وادارية وسياسية، واجتماعية، كما في ذكره لتطور معركة وادي الخازندار[139].

   ويحتل التحليل والتعليل منزلة مهمة في الحوادث التي عاصرها المقريزي، خصوصا تلك التي كانت تسيئه، وتؤذي الناس، ما جعل منهج “السلوك” فذا على هذا المستوى، خصوصا ان احكام المقريزي ومواقفه تلك، لم تقتصر على ما ورد في الاخبار الحولية بل تعدتها الى تراجم الشخصيات، فأنصف من يستحق، وحطّ من قدر من اساء الى الناس، كل الناس من دون ان يميز بينهم من حيث عرقهم او دينهم او مذهبهم.

أرّخ المقريزي وفقا للمنهج الحولي سنة بعد سنة، موزّعاً  الحادثة الى اجزاء تلاءمت مع تسلسلها الزمني، فكان يذكر قسمها الاول في بداية حدوثها، ويتمّ القسم الآخر في اليوم التالي او في اي يوم آخر استكملت فيه، وقل الامر عينه عن الحوادث الطويلة زمنيا التي كانت تستكمل خلال اسابيع وربما اشهر. ففي اخبار مصادرة الناصر محمد بن قلاوون لابن النشو متولي الديوان الخاص تأتي اخباره وكأنها يوميات من دون اي لحمة بينها سوى ارتباط بعضها بالمصادرة[140].

ه التمييز بين الخبر الرئيسي والفرعي: ميّز المقريزي بين الخبر الرئيسي والاخبار الفرعية التي تصح مقدمة له؛ فكان يذكر الاخبار الفرعية يوما بعد يوم، ثم يورد الخبر الرئيسي تاما، مراعيا فيه احيانا ضوابط التأريخ الحولي التقليدي، كما في اخبار الصراع بين السلطان عز الدين ايبك التركماني والناصر يوسف الايوبي:« في يوم السبت ثالث عاشره…وفي يوم الخميس …نزل الملك المعز من القلعة…» وهنا يبدأ الحدث الرئيسي فتمحى فيه الاخبار شبه اليومية، لتتآلف وتنحصر بالحادث الرئيسي[141]. وما ان ينتهي منه حتى يعود للأخبار شبه اليومية، وكأنها نتائج للخبر الرئيسي[142]، واحيانا لا ترتبط بأي موضوع واضح او مهم.

و- التركيز على وحدة الموضوع: نجد في السلوك نمطا آخر من التأريخ الحولي، هو التأريخ المبني على وحدة الموضوع حيث تضطرد الاحداث بشكل متلاحم وتتلاقى فيها الاسباب بالنتائج، متجاوزة المنهج الحولي التقليدي الذي يمزق الخبر بالاستطرادات المتكررة الناجمة عن ذكر الحوادث اليومية[143]. ومن ابرز نماذجه اخبار الناصر محمد بن قلاوون منذ خروجه من مصر وتنازله عن العرش، وحلول بيبرس الجاشنكير مكانه، وحتى عودته الى العرش، ونتائج هذه العودة. ويبيّن هذا النمط مهارة المقريزي التأريخية[144]. ويشكل تأريخه للفداوية، من حيث علاقتهم بالسلطان الناصر محمد بن قلاوون ونوابه، نموذجا صارخا لتماسك المعلومات وتمحورها حول موضوع واحد متماسك من دون ان يتوزّع على الايام والشهور[145]. ما يعني انه اعتمد بالتأريخ الحولي أكثر من نمط تبعا لمركزية الخبر وأهميته، من دون ان يمنعه ذلك من العودة الى الاستطرادات بعد اتمام الخبر الرئيسي، ليؤرخ ما جرى في السنة عينها من احداث اجتماعية او قضائية، او اقتصادية[146].

وعندما كانت تعوزه الاخبار في بعض السنوات اما لقلّتها، واما لأنها غير ذات اهمية، كان يختصر الاحداث، باخبار شديدة الاقتضاب، كما في حوادث السنوات الممتدة بين 755، و766 [147].

واعتبارا من سنة 755 صار المقريزي يستهل اخبار السنة الجديدة بذكر سلطان القائم وأكابر رجال دولته، ليعود الى متابعة الاحداث التي كان قد بدأها في السنة المنصرمة خلافا لما كان درج عليه باتمام الخبر عينه في زمن السنة الجديدة، من دون ان يستهل السنة بذكر السلطان القائم وكبار رجال دولته. وكان يستعرض احيانا، بعد ان يذكر في مطلع السنة السلطان وكبار الموظفين، الحالة العامة في الدولة، وهي ميزة لا نجدها الا عند المقريزي. فكان يصوّر الحالة العامة معبراً بها عن تمرّد نفسي على الحكام كل الحكام المماليك من شدة ظلمهم وسوء تدبيرهم، شأن ما استهلّ به اخبار سنة 828/ 1425:« واسواق القاهرة ومصر ودمشق في كساد، وظلم ولاة الامر من الكشاف والولاة فاشٍ، ونواب القضاة قد شنعت قالة العامة فيهم من تهافتهم. وارض مصر أكثرها بغير زراعة، لقصور مد النيل في أوانه، وقلة العناية بعمل الجسور، فان كشّافها انما دأبهم اذا خرجوا لعملها ان يجمعوا مال النواحي لأنفسهم واعوانهم. والطرقات بمصر والشام مخوفة من كثرة عبث العربان والعشير. والناس على اختلاف طبقاتهم قد غلب عليهم الفقر. واستولى عليهم الشح والطمع، فلا تكاد تجد الا شاكيا مهتما لدنياه. واصبح الدين غريبا لا ناصر له.»[148]، وكان يستهل بعض الاشهر بالتعريف بالحالة العامة وخصوصا بالاسعار التي كانت تشكّل بالنسبة له معيارا لتقويم الحكم سلبا او ايجابا متأثراً بنتائجها على الفقراء[149]

ز- طرائق ختم السنوات:كان يختم اخبار السنة بأكثر من طريقة؛ اما باخبار متقطعة تتناول مواضيع متنوعة مثل: وفاة بطريرك وخلو الكرسي البطريركي، او اخبار الغلاء، او القضاة [150]. او بتقويم عام لها، شأن ما ختم به عام 833/ 1430:« كانت ذات مكاره عديدة من اوبئة شنعة، وحروب وفتن، فكان بأرض مصر وبالقاهرة…وباء…وغرق ببحر القلزم … وغرق  بالنيل … وكان ببلاد المشرق بلاء عظيم وهو ان شاه رخ بن تيمور…وكان ببلاد السراي والدشت وصحارى القبجاق…قحط شديد …وكان ببلاد الحبشة بلاء لا يمكن وصفه…اما بلاد المغرب…»[151].

3- التراجم:كان مثل غيره من المؤرخين يترجم للسلطان او اية شخصية معروفة في سنة وفاتها ذاكرا ابرز صفاته، واخلاقه، ومستوى ورعه، وما الى ذلك، وعدد اولاده، وامواله المنقولة وغير المنقولة، وندماءه، وابرز انجازاته البنائية والاخلاقية والسياسية، والاشخاص الذين اعدمهم…[152]. وكان يتوسع بترجمة السلاطين الذي احسنوا ادارة الدولة شأن الناصر محمد بن قلاوون[153]، حتى باتت ترجمته تختصر عهده الزاهي.

    وترجم للسلطان برقوق متحدثا عن حسناته، واشاد به لأنه ألغى الكثير الكثير من المكوس، ولتقديره الفقهاء ورجال الدين عموما، ولإكثاره من المنشآت العمرانية، وبعد ان عدد جميع انجازاته البنائية اعتبر ان بعضها فريد من نوعه. ولشدة اعجابه به تناول موازنة الدولة في عهده، وقيّم موجوداته، وذكر كبار رجال دولته من اهل السيف ونوابهم ومساعديهم، والمتعممين الذين احتلوا مناصب حكومية بمن فيهم القضاة والوزراء بمصر، وكتّاب السر، وربما كل اصحاب الوظائف الديوانية[154]. ولم تمنعه تلك  الاشادة من ذكر سيئاته وتداعياتها كشدة حبه للمال حتى عمّت الرشوة البلاد لأن كبار أمرائه حذوا حذوه حتى صار البرطيل عرفا، وانتشار لواط الغلمان الذي اصبح عادة في عهده حتى تشبه بهم  البغايا[155].

ونجده مقلا بتراجم السلاطين الذين لم يرض عنهم شأن المؤيد شيخ، الذي قال فيه:« كان بخيلا مسيكا، يشحّ حتى بالاكل، لجوجا غضوبا، نكدا حسودا، معيانا، يتظاهر بانواع المنكرات، فحّاشا، سباباً، بذياً…وهو أكثر اسباب خراب مصر والشام لكثرة ما كان يثير من الشرور والفتن ايام نيابته بطرابلس ودمشق، ثم ما افسده ايام ملكه من كثرة المظالم، ونهب البلاد، وتسليط اتباعه على الناس يسومونهم الذلة، ويأخذون ما قدروا عليه بغير وازع من عقل، ولا ناهٍ من دين.»[156]. ولم يحكم احيانا على بعض السلاطين كما في كلامه على ططر:« ولم تطل ايامه حتى تشكر افعاله او تذم..»[157] والملفت للانتباه ان المقريزي لم يفرد للسلطان برسباي ترجمة حين وفاته، بل ذكر له ترجمة مقلة بين تراجم وفيات عام 841/1438، وقد يكون مرد ذلك الى الصفات السيئة التي اتصف بها ولا سيما احتكاراته وبخله:« كان له في الشح والبخل والطمع، مع الجبن والجور وسوء الظن ومقت الرعية…وسرعة التقلب بالامور وقلة الثبات اخبار لم نسمع بمثلها. وشمل مصر وبلاد الشام في ايامه الخراب، وقلت الاموال بها، وافتقر الناس، وساءت سيرة الحكام والولاة …»[158]. ويعكس مجموع هذه التراجم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية لعصر المماليك، وتشكل تاريخا مختصرا للحقبة التاريخية التي تناولها السلوك.

وتميّز المقريزي بالتأريخ وفق التقويم الهجري، وما يثير فضولنا هو معرفة السبب الذي دعاه لأن يقرنه احيانا بالاشهر القبطية:« يوم الخميس ثاني عشر رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة.»[159]، وهذا النمط كثير التكرار في السلوك، ويقرنه احيانا أخرى بتقويم الشهداء المسيحي كقوله:« ومات يوم الاحد أول كيهك سنة ثمان وسبعين وتسعماية للشهداء الموافق لثالث محرم سنة ستين وستمائة.»[160].

ان منهج تقي الدين احمد المقريزي من أكثر مناهج المؤرخين المسلمين تنوعا من حيث الشكل، تمتّع بخاصات طبعت السلوك وميزته من غيره من مؤلفات العصر المملوكي. وهي تتلاءم اجمالا مع نظرته التاريخية التي تشكل لبّ منهجه، وقد تفوّق بها على ما عداه من المؤرخين المعاصرين له والسابقين على عصره، ممّا أعطاه فرادة بينهم تنمّ عن عمق في التفكير قلما نجد له نظيرا، وشغفٍ بالنواحي الاقتصادية بمحاولات دؤوبة صوّرت واقع الحياة الاجتماعية. وقد قال فيه تلميذه ابن تغري بردي:« هو اعظم من رأيناه وادركناه في علم التاريخ ودروبه، مع معرفتي لمن عاصره من علماء المؤرخين، والفرق بينهم ظاهر، وليس في التعصّب فائدة» [161].

تقويم عام: سأكتفي برأي الدكتور محمد عبد الله العنان:« وليس فيما اخرجته الآداب التاريخية العربية عن مصر اثر في طرافته ونفاسته، كالاثر الذي خلّفه المقريزي عن حياة المجتمع المصري في عهد الدول الاسلامية المتعاقبة فهو المرجع  الفريد في نواح من تاريخنا لولاه لحجبتها الظلمات الى الابد[162]…» 


[1]  العمري ( شهاب الدين احمد) ، مسالك الابصار في ممالك الامصار، دراسة وتحقيق دوروتيا كراوفلسكي، المركز الاسلامي للبحوث، بيروت، 1986، المقدمة، ص 19

[2]  –  انظرها في حديثنا عن ابن طولون، ص340 وما بعد

[3]  -ابن تغري بردي (جمال الدين يوسف)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تحقيق ابراهيم علي الطرخان، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ج15 ، ص 490 و السخاوي، الضوء اللامع في اهل القرن التاسع، ج2، ص22

[4]  – كثيرون ترجمو لجدي المقريزي لأمه ولأبيه، ومنهم المقريزي نفسه، السلوك لمعرفة دول الملوك، طبعة القاهرة، تحقيق محمد مصطفى زيادة، ج2، ق1، ص 365 .وابن حجر العسقلاني ( احمد بن علي)، الدرر الكامنة في اعيان المائة الثامنة، دار الجيل، بيروت، دون تاريخ، ج2، ص 391 

[5]  – لمزيد من الاطلاع انظر: عز الدين علي ( محمد)، اربعة مؤرخين واربعة مؤلفات، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، 1992، ص 161-163 حيث اسهب في ذكر تراجم الاشخاص الذين تثقف عليهم

[6]  – سلوك، ج2، ق1، ص 365

[7]  – وقد توسع عز الدين علي بالترجمة لمن اخذ عنهم العلم، المرجع السابق/ ص 164- 168

[8]–   انظر حول ترجمة المقريزي : السخاوي، الضوء اللامع، ج2، ص 21-24 ، ابن تغري بردي، المنهل الصافي، ج1، 394-399 ،

[9]  – عز الدين علي، ص172

[10]  – انظر حول وظائف المقريزي الحاشية رقم 7 ولا سيما السخاوي، الضوء اللامع، 2/22

[11]  الضوء اللامع، 2/22

[12]  – المقريزي، اغاثة الامة بكشف الغمة، القاهرة، 1940، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال، ص 72-73

[13]  – المصدر عينه، ص 3-4، 21 وما بعد،

[14]  – نفسه، ص 37

[15]   – نفسه، ص 24-25، 29-30

[16]  – السخاوي، الضوء اللامع، 2/22 ، المنهل الصافي، 1/397

[17]  –  ابن تغري بردي، المنهل الصافي، 1/398

[18]  – انظر حاشيتا عز الدين علي رقم 116 و117 ، ص 193-194

[19] –   انظر الحاشية السابقة

[20]   – الضوء اللامع، 2/23

[21]  – اشار اليه في السلوك ، ج1، 28

[22]  – عز الدين علي، ص210-211

[23]  – انظر كتاب الدكتور عز الدين علي ” اربعة مؤرخين”

[24]  – انظر ترجمة المقريزي في الضوء اللامع، والمنهل الصافي، واربعة مؤرخين واربعة مؤلفات، ص 127- 218

[25]  – لمزيد من التفاصيل انظر: عز الدين علي، ص 178-180

[26]   – المرجع السابق، ص191

[27]  – المقريزي،( تقي الدين احمد ) اتعاظ الحنفاء ،ج1، ص 18 ، لقد ذكر الدكتور شيال هذا الكتاب في مقدمة التحقيق لمؤلف اتعاظ الحنفاء

[28]  – اربعة مؤرخين واربعة مؤلفات، ص 177-218

[29]  – سلوك، 2 ق3/567-580

[30]  – سلوك، 3، ق3/960 وما بعد ولا سيما 1136 وما يليها

[31]  – السلوك،  4 ، ق3 /1072- 1081

[32]  – المصدر عينه،  4 ، ق3/ 1090- 1094

[33]  – سلوك، 4، ق3 / 1127

[34]  – نفسه، 1، ق3/886-897

[35]   – سلوك، 4، ق2/955-957، 962-963

[36]  – نفسه 4، ق2/948 ، 979

[37]  – نفسه، 4، ق2، 895

[38]  – سلوك، 3،ق1/104-108، 149 ، و4، ق2/666 ، و822

[39]  – نفسه، 4، ق2/906

[40]  – شيني اي سفن كبيرة، قرقورة وهي سفن كبيرة تستخدم بتموين الاسطول، الغراب لأن رأس السفينة يشبه الغراب وهو يحمل المقاتلين ويسير بالقلع، وطريدة وهي مركب خفيف وسريع، وشختورة وهي سفينة ضخمة. سلوك، 3، ق1/149

[41]  – انظر نماذج عن هذه الاوضاع : سلوك، 1 ق3/920-922 و 2، ق3/804 ، 917 ، و4، ق1/319، 396 …

[42]  – سلوك، 1، ق2/620

[43]  – نفسه، 4،ق1/292

[44]  -نفسه،4، ق2/856-857

[45]  – سلوك، 2، ق1/205،  2، ق3 /669 وغيرها كثير جدا

[46] –  3، ق3/1131- 1132

[47] –  4،ق1/27-29

[48] –  4،ق1/27-29

[49]   – المكان عينه

[50]   – الروك الحسامي، 1، ق3/842-849

[51]  –  4، ق1/462

[52] – 4، ق1/305-306 . ويعلّق على غش النقود وعلى عدم التداول بها بان الادارة لم تكن تثبت على أمر فحينا تمنع امرا ما ثم لا تلبث ان تتغاضى عن المنع ضاربا مثلا على المقود الاشرفية :” فلما نودي بالمنع منها عاد الامر كما كان، فخسر الناسعدة خسارات، وأخذت الباعة وغيرها بجمعها – اي الاشرفية – لتتربص بها مدة، ثم تخرجها شيئا فشيئا، لعلمهم ان الدولة لا تثبت على حال وان أوامرها لا تمضى .” 4، ق2/ 852

[53]  – ان ابرز الرسوم التي ذكرها هي: ساحل الغلة، نصف السمسرة، مقرر الحوائص والبغال، مقرر السجون، طرح الفراريج، مقرر الفرسان، مقرر الاقصاب زالمعاصر، رسوم الافراح، حماية المراكب، حقوق القينات، وشد الزعماء، حقوق النوبة والسودان، متوفر الجراريف، مقرر المشاعلية، ثمن العبى التي كانت تستأدى من البلاد، مقرر الاقبان، زكاة الرجالة. 2، ق1/150-152

[54]  – سلوك، 2،ق2/439، 444 ، و3، ق2/55 ، و 4، ق2/801، 4، ق3/1127 وغيرها

[55]  – نفسه، 2، ق2/358، 361، 370، 384، 431 . وقد طالت هذه المصادرات مباشري المعاصر والدواليب بحجة زغل السكر والعسل 2،ق2/419 واموال الايتام وتمت معاقبة القضاة الذين كانوا يدافعون عن اموال الايتام 2،ق2/432 ، كما كانت المغنيات تصادر بذرائع متنوعة 2، ق2/836 ، وكان كبار الامراء يصادرون بدورهم بسبب تآمرهم او غير ذلك كما كانوا سيغرمون اموالا وهذا الامر يعتبر مصادرة 3، ق3/1141

[56]  – سلوك، 4، ق1/40

[57]   – كمباشري المعاصر بحجة زغل السكر، سلوك، 2، ق2/419

[58]  – نراوحت قيمة الاموال المصادرة للمغنيات ما بين ألفين الى 3 آلافدرهم، 2، ق2/491

[59]  – 2، ق3/836

[60]  – غرم الامراء احيانا بمبالغ وصلت قيمتها الى  مائة الف دينا، 3، ق3/1141

[61]  – 2، ق2/432

[62]  – 1، ق3/810، 814

[63] – 2، ق3/702

[64] –  4، ق3/1098

[65]  – 1،ق1/130-134، 200

[66] –  1، ق2/446 وق3/717-718

[67] – المعلومات وفيرة حول هذه الناحية واليك بعض الصفحات: 3،ق3/982، و1100، 1133-1135

[68]  – 3،ق3/1132-1135

[69]  – 4، ق2/647،654، 766

[70]  – 4، ق2/869

[71] –  2، ق3/665، 671

[72]  – فذكر فيها مقدار الذي تركه حين وفاته، وقيمة ومقدار المخزون عنده من مختلف الاصناف، وعدد الخيول والجمال في اصطبلاته، ومقدار جوامك مماليكه الشهرية، وعليق خيولهم 3، ق2/938

[73] –  2،ق3/918-919

[74]  –  وهذه بعض العينات: 2،ق2/309-312، 348-349، 372…

[75]  – 1،ق2/306-307

[76]  – 1، ق2/538 – 540، 542

[77]  – 2، ق2/439-443

[78]  – وقد حضر هذا المجلس ابن مغلي قاضي قضاة الحنابلة الذي سأل قاضي قضاة الشافعي عن اربع مسائل وهو يجيبه فيقول له اخطأت، وتدخل قاضي قضاة الحنفية لصالح الاول وراح يشتم الهروي قاضي قضاة الشافعية ثم قال:” يا مولانا السلطان اشهدك على اني حجرت عليه الاّ يفتي.” 4، ق1/479-485

[79]  – 4، ق1/11

[80] –  4، ق2/ 866-867

[81]  – 4،ق2/ 870-871

[82]  – 2،ق3/679

[83]  – 3، ق3/687

[84]   – يذكر ان عدد الامم سبعة، 1، ق1/9-10

[85]  – 1،ق1/16-17

[86]  – تمكن العامة مرات عديدة ارغام اصحاب القرار التراجع عن مواقفهم فقد ارغموا الاميرين سلار وبيبرس الجاشنكير التراجع عن عزل الناصر محمد للمرة الثانية 2، ق1/25 .او موقفهم من الصراع بين السلطان برقوق ويلبغا ومنطاش فهم على رغم المال الذي اخذوه من برقوق توزعوا احزابا وفرقا يقاتل بعضها البعض الآخر ما ادى الى تعطيل الاسواق 3، ق2/608

[87]  – سلوك، 1، ق2/38

[88]   – 3، ق3/1018 والنماذج كثيرة

[89]   – انظر وصفه لحلب 3، ق3/1033-1034

[90]  – 3، ق1/27-28 ، 4، ق2/892

[91] – تخوف الناس من منسر انعقد بالقاهرة، وكان اعضاؤه يكتبون اوراقا يطلبون فيها اموالا من الاغنياء :” ومتى لم تبعث لنا ذلك كنا ضيوفك” 2 ،ق3/644، 901_902

[92]  – 3، ق3/1124-1126

[93]  – 4،ق1/42-43 ، وانظر عن الطواعين : 4،ق2/821-828 ، وق3/1126 ، وايضا 2،ق3/774-786، 4،ق1/248-257

[94] – 4،ق1/487

[95]  – 2، ق3/810-811

[96]  – 4، ق2/670-671

[97]  – بحديثه عن لهو السلطان شعبان يتناول حضير الحمام ( تربيتهاوكشها)، والصراع، والتثاقف، والشباك، وجري السعاة، والنطاح بالكباش، ومناقرة الديوك والقماري. 2، ق3/739

[98]  – ويتحدث المقريزي عن احد الشيوخ الذي عمل المولد عام 790وقد حدث فيه انواع الفساد :« وفي هذه الليلة عمل الشيخ…المولد على عادته في زاويته …فكان فيه من الفساد ما لا يوصف، الا انه وجد من الغد في المزارع مائة وخمسون جرة فارغة من جرار الخمر التي شربت تلك الليلة، سوى ما حكي عن الزنا واللياطة.” 3،ق2/576 .ويذكر ان المراكب منعت من عبور خليج الحاكمي لكثرة ما كان يحصل هناك من فساد والتظاهر بالمنكر، وتبرج النساء وجلوسهن مع الرجال مكشوفات الوجوه…وشربهن الخمر 2،ق1/29 ، وتتبع محتسب القاهرة اماكن الفساد بنفسه فمنع النساء من النياح على الاموات، ومنع ايضا التظاهر بالحشيش، وكفّ البغايا عن الوقوف لطلب الفاحشة في الاسواق ومواضع الريب» 4،ق1/790

[99]  – 3، ق2/576 ابرز المقريزي الشهرة التي كان يحظى بها احد المغنين، وبالتالي يمكننا من خلال السلوك التعرف على مشاهير المغنين والموسيقيين2، ق3/715

[100] –  2،ق2/333

[101] – 2،ق1/53-54 ، 211، 4،ق1/486 وغيرها

[102]  – من النماذج على ذلك ما ذكره المقريزي من اعمال السلطان الظاهر بيبرس في سنة 662 اذ وقف عدة قرى من اعمال الشام والقدس ليصرف ريعها ثمن خبز ونعال لمن يريد القدس من المشاة، وانشأ خانا وفرنا وطاحونا بالقدس…1،ق2/521

[103]  – عندما فرض نائب دمشق على املاكها واوقافها مقرر الخيالة اي ان تعيل 1500 فارس، رفض الناس هذه الضريبة وتجمّعوا وكبّروا ورفعوا المصاحف والاعلام ووقفوا للنائب فامر بهم فضربوا وطردوا . 2،ق1/104

[104] – 1،ق3/909-913 ، 2،ق3/921-927 ، وذكر ان الشروط العمرية طبقت على اهل الذمة من دون ذكر السبب 3،ق3/1040

[105] – 1،ق3/909-913، 2،ق1/226-228

[106]  – افتى الفقيه نجم الدين بن رفعة بنهب الكنائس وبوجوب هدمها فعارضه فقيه آخر، وكان تم هدم بعض الكنائس والبيوت في الاسكندرية وبقيت الكنائس في مصر مغلقة مدة سنة كاملة، ولم يتم فتحها الا بشفاعة ملك أرغونة 1،ق3/950 ، كما ذكر الاعمال الاحتيالية من قبل بعض المتعصبين لهدم الكنائس ما أدى الى هدم عدد كبير منها وكأنه، على حد تعبيره، أمر سلطاني 2،ق1/216-218 .وأمر السلطان برقوق بهدم كنيسة بوالنمرس لأن نواقيسها ازعجت احد المسلمين على حد تعبير المقريزي وحولها الى مسجد 3،ق1/340-341

[107]  – بضغط من العامة وتعصبهم تحول عدد من المسيحيين الى الاسلام خوفا على انفسهم على حد تعبيره 2،ق1/226-228 ، وروي ان بعض المسلمين كان يشتكي للسلطان ان المسيحيين استجدوا بعض الكنائس فيأمر بهدمها، فيستغل هؤلاء الموضوع لنهب الكنائس= =والاديار وهدم بعضها الاخر وان كان غير مستجد،  ووجه المقريزي لوما للسلطان وغيره من ارباب الدولة على هذا التصرف الاخرق. وكانت هذه الاعمال تؤدي الى تحويل بعض المسيحيين الى الاسلام قسرا 2،ق3/921-927 . وروي ايضا عن قدوم جماعات من المسيحيين ممن كانوا تحولوا قسرا الى الاسلام يشهرون ارتدادهم الى المسيحية تكفيرا عن ذنوبهم لأنهم كانوا قد ارتدوا عنها، فعرض عليهم الاسلام  ولما رفضوه  قتلوا مع النساء المرافقات لهم 3،ق1/372-373

[108]  – 1،ق2/38

[109]  – 3، ق1/130

[110]  – 4، ق1 /105

[111]  – 4، ق1/ 224

[112] – 4، ق1/ 225-226

[113]  – 4، ق2 / 701

[114] – 1، ق1/4

[115]  – 1،ق1/8

[116]  – 1، ق1 / 94

[117]  – 1، ق1/ 106

[118]  – 1، ق2/378، 406

[119] – 1، ق2 /635

[120]  – 1، ق2/ 637

[121]  – روي الصراع بين السلطان فرج والامير شيخ المحودي ( السلطان لاحقا ) متحدثا عمّا فعله المماليك بالقرى نهبا وسرقة واعتداء على الناس قائلا :« فركب الامير تغري بردي…ومعظم الامراء فصعدوا الى قلعة صرخد…وكنت معهم.» 4، ق1/105

[122]  – 4، ق2/649

[123]  – 1، ق1/47

[124]  – 1، ق2 /612-613

[125]  – 1، ق3/ 731-732

[126]  – 1، ق3/731-732

[127]  – 4، ق2/738

[128]  – 1، ق2/447

[129] – 1، ق2/448

[130]  – 1، ق2/524-531

[131]  – 1، ق3/753-754

[132]  – 2، ق2/509

[133]  – 2، ق3/618-619

[134]  – 2، ق3/735-737

[135]  – 1، ق3/875-876

[136]  – 3،ق2/474

[137]  – 3، ق3/1176-1178

[138]  – 4، ق1/39-40

[139]  – 1،ق3/897-904

[140]  – 2،ق2/473-485

[141]  – 1، ق2/373-374

[142]  – 1، ق2/378-380

[143]  – انظر مثلا مقتل الاشرف خليل وتتابع الاحداث حتى اعلان سلطنة الناصر محمد بن قلاوون، 1،ق3/788-798 ، وانظر ايضا في السياق عينه سلطنة لاجين فهروبه حتى اعتلاء كتبغا العرش 1، ق3/820-827

[144]  – 2،ق1/53وما بعد

[145] – 2،ق3/554-558

[146]  – انظر مثلا موقف دمشق والكرك من عز الدين ايبك التركماني والاشرف موسى، 1،ق2/371-372

[147]  – 3، ق1/104

[148]  – 4، ق2 /678 ، وانظر نمازجا اخرى : 4، ق2/ 705 ، 734 …

[149]  – 4، ق2/804 وغيرها كثير

[150]  – 1، ق2/380، 382

[151]  – 4، ق2/ 836-841

[152]  – انظر مثلا ترجمة صلاح الدين الايوبي: 1،ق1/113 – 114 , ترجمة الصالح نجم الدين ايوب: 1، ق2/ 339 – 342، وايضا ترجمة بيبرس البندقداري: 1، ق2 / 637-641 ، والسلطان قلاوون بحيث ذكر نوابه في القاهرة وبلاد الشام، وعدد مماليكه واستخدامه الجراكسة 1، ق3 /755-756

[153]  – فذكر امه، وتاريخ مولده، وعمره عندما اعتلى العرش للمرة الاولى، وتاريخ خلعه، وكيفية عودته، ثم تخليه عن العرش، وعودته الى الحكم للمرة الثالثة. وانتقامه من الامراء البرجية، ومهابته= =عند الامراء. كما تحدث عن اكثاره من المماليك والجواري، وتدرج المملوك من 3 الى 7 ثم عشرة، وسبل ترقيته. وتحدث في هذا الصدد عن رغبة المغول ببيع اولادهم واسعار الرقيق فتراوح ثمن المملوك ما بين 20 الى 40 ألف درهم عندما يشتريه التاجر، ويدفع فيه السلطان مائة ألف درهم فما دون :2، ق2/ 524-525 . شغف بالخيل، وهو أول سلطان اتخذ ديوانا للخيل، ص526-527 ، ولكثرة شغفه بها حاز عربان آل مهنا، ومرا، وآل الفضل الاموال الكثيرة، واهدى السلطان نساءهم الاطواق الذهبية المرصعة، وبعث لهنّ البراقع المزركشة، والمسك، وانواع الطيب، ص528 .عني بالصيد: صقور وشواهين حتى عمّ هذا النمط بين الامراء، ص530. وكانت له حرمة ومهابة، جعلت الامراء اذا وقفوا بالخدمة لا يجسر احد ان يتحدث مع رفيقه بكلمة، وكان لا يجسر احد ان يجتمع مع خشداشه في نزهة او غيرها، ص 532، ابطل نيابة السلطنة، ص 534. كان يبهر ملوك الشرق بهداياه فيحصل منهم على ما يريده، ص 537. كان محبا للعمارة، وحسّن منشاءات الري.  ذكر جميع اولاده، ومن صار منهم سلطانا، كما ذكر جميع نوابه ووزرائه في مصر، وأكابر موظفيه. وتبدأ ترجمته في الصفحة 524 وتنتهي ص 548 .

[154]  – 3، ق2 /937-947

[155]  –  3، ق2/ 626 – 618

[156]  – 4، ق1 /550-551

[157]  – 4، ق2 /589

[158]  – 4، ق3/ 1066

[159] – 1، ق2/267، وايضا 3،ق3/977

[160]  – 1، ق2/380

[161]  – نجوم 15/491

 [162] – العنان(محمد عبد الله)، – مؤرخو مصر الاسلامية، مؤسسة مختار، القاهرة، 1991، ص86