اليعقوبي (ت284 او 292ـ897 او905)

I- حياته ومؤلفاته:

1- حياته:هو أحمد بن اسحق بن واضح[1]، واشتهر بأكثر من لقب:الكاتب، واليعقوبي[2]. لا نعلم الشيء الكثير عن حياته اذ لم تذكره كتب التراجم ربما لأنه لم يشتهر بالعلوم الدينية، خصوصا انها كانت في عصره شبه حكر على العلماء والفقهاء والقضاة. وهو يتحدر من اسرة كانت تعمل في دواوين الخلافة فعرف بالكاتب. قد يكون ولد في بغداد على ما يعتقد مولر، ولكنه غادرها باكرا الى بلاد فارس[3]، التي كانت تحت سيطرة الطاهريين شبه المستقلين عن الخلافة العباسية. واشتهر بكثرة اسفاره، فعرف بالمؤرخ الرحالة، ونذكر من البلاد التي زارها: بلاد فارس، بلاد الشام، مصر، المغرب، الاندلس، والهند. ويعتقد انه كان شيعي الهوى على المذهب الاثني عشري، وقد بدا ذلك باسهابه بذكر الأئمة وخطبهم[4]. واتهمه بعض المؤرخين، ومنهم مرغوليوت، بأنه كان على مذهب المعتزلة[5]، وربما تأتٌى ذلك عن نعته المذهب المذكور بالتوحيد[6]. لم يتفق المؤرخون على تاريخ ثابت لوفاته: فياقوت الحموي حدده بسنة 284/897، وجعله آخرون عام292/905 لأنه ذكر هذا التاريخ في «مشاكلة الناس لزمانهم ».

2- مؤلفاته ومضمون كتابه التاريخ: ترك اليعقوبي كتابين، الاول في التاريخ وهوالمعروف باسم « تاريخ اليعقوبي»، والثاني « اسماء البلدان » المشهور ب«البلدان» وهو في الجغرافيا التاريخية، ورسالة معدودة الصفحات اسماها: « مشاكلة الناس لزمانهم »

  يتألف تاريخ اليعقوبي من قسمين متميزين: الاول يتناول تاريخ العالم، المعروف انذاك، منذ بداية الخلق وحتى الرسالة النبوية. وهو سجل عام ومختصر لتاريخ البشرية، استهلّه بقصة الخلق، على ما يبدو، لأن مقدمة هذا الجزء وبعض صفحاته الاولى مفقودة. ثم تابع تاريخ الانبياء[7]، متبحّراً بالكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ومتحدثاً عن الاناجيل الاربعة[8]. وبعد ان انتهى مما هو مقدس عند الشعوب أرّخ للشعوب القديمة بادئا بالرومان، فالشعوب التي حكمت بلاد ما بين النهرين كالاشورين والبابليين، ثم ملوك الهند، والتاريخ الاغريقي، من دون ان يغفل تاريخ الفرس، والبربر، والافارقة، وملوك الحبشة والسودان، مركزا على النواحي الحضارية. وافرد قسما من هذا الجزء لعرب الجاهلية: ممالكهم في الشمال والجنوب، ولا سيما اليمن، ودياناتهم وشعرائهم.

    واستهل الجزء الثاني بالسيرة النبوية، فالعصر الراشدي، واخبار الخلفاء الامويين والعباسيين حتى سنة 259/872 وهو تاريخ مختصر.

II- منهج اليعقوبي:

 1- نظرته التاريخية: نظر اليعقوبي الى التاريخ السابق على ظهور الاسلام نظرة عالمية شملت الشعوب والامم التي تمكن من التعرف على تاريخها، تماشيا مع نظرة القرآن الى الماضي  والكون.  واعتبر ان احداث العالم يكمل بعضها البعض الآخر، مشددا على العبر الدينية والخلقية فيها. فجاءت نظرة اليعقوبي منسجمة مع توجهه الديني وفي اطاره العام؛ لأن معرفة تاريخ الشعوب القديمة باتت ضرورية ولا سيما النواحي الحضارية، لأن الحضارة حلقات متتابعة متنوّعة المصادر، والحضارة العربية الاسلامية استمدت بعض مرتكزاتها من تراث الشعوب القديمة. وكان كلما اعوزته المعلومات السياسية والعسكرية أحلّ مكانها معلومات حضارية، بدليل ان التواريخ السياسية للرومان والهنود والصينيين شبه محذوف، وقد غطّى هذه الثغرات بالنواحي الحضارية الصرفة استكمالا لرؤيته لأبعاد التاريخ  المتلائمة مع توجهه. ولم يكن اليعقوبي رائد التاريخ العالمي الشامل، وان بزّ غيره من حيث الشمول والمعرفة. فابن اسحق حاول الاحاطة بوحدة الفكر الديني، ووحدة التاريخ العربي السابق على ظهور الاسلام، فجاءت مساهمته أولية بهذا الاطار، ثم تلاه اخباريون آخرون ولا سيما المدائني ببعض الكتب او الرسائل، كما بعض المؤرخين مثل ابن قتيبة في كتابه« المعارف »، وابي حنيفة الدينوري في « الاخبار الطوال » . لكن انجاز اليعقوبي يعتبر الاهم والخطوة الرئيسة لوضع ركائز التاريخ العالمي بمعناه العام والشامل بخاصة الحضاري منه. ولعلّه ادرك ان التأريخ لا يستقيم بمعناه الحقيقي الا اذا جاء عالمياً وتقاطعت فيه الاحداث السياسية والعسكرية مع النواحي الحضارية، مبيّنا دور تماذج الثقافات باعطاء التاريخ بعده الحقيقي. ولكن نظرته تلك لم  تستقم الا مقرونة باللمحات الجغرافية، على الرغم من انه افرد كتاب “البلدان”ً للجغرافيا. ففي تاريخه معلومات عن البحار، والجزر، والمواصلات البحرية[9]، وتفاصيل جغرافية من حيث التضاريس والمسافات بين المدن، وصف لطرق المواصلات البرية، وازعم انه رائد في هذه الانماط.

 وهكذا جاءت نظرته للتاريخ شاملة لابعاده السياسية والحضارية المتممة بالمعلومات الجغرافيا، وهي لعمري نظرة فريدة في عصره سبقت رؤية مؤررخين كثر جاءوا بعده. 

     اما نظرته للتاريخ العربي والاسلامي فأتت شاملة لكل احداث المسلمين بدءاً بالسيرة النبوية وصولا الى احداث سنة 259/872 من دون ان يهمل اية فترة فيه رغم اعتماده افضليات في بعض الحوادث من حيث التفصيل والايجاز. ويبدو انه كان على معرفة اوسع بالعهدين الراشدي والاموي كما بالعصر العباسي الاول أكثر من معرفته باحداث عصره التي اوجزها. وهذا أمر ملفت للإنتباه ويمكن ردّه الى ثلاثة امور على الاقل: 

اولها: رغبته الواضحة بالاختصار كما يعبر هو نفسه عن ذلك[10]، ولكي يسمح لأكبر عدد ممكن من محبي التاريخ الاطلاع على مكنونات الماضي، لأن المطولات الكبرى ما كان يطالعها الا اهل الاختصاص او المثقفون عامة، والنهمون الى المعرفة في كل الميادين.

وثانيها: جهلاً به، وهو أمر مستغرب! لأن مصادر اليعقوبي الواسعة والغنية تجعلنا نشك بذلك.

وثالثها: تجنبأً للتصنيف السياسي، الذي قلّما نجا منه مؤرخ. ولكنه هل نجا فعلاً من هذا التصنيف؟! خصوصا انه ساير العباسيين باهماله تفاصيل احداث عاصرها مثل: مقتل الامام موسى الكاظم مكتفياً بذكر البيان العباسي على حد تعبير الدوري[11]، ونكبة البرامكة على يد الرشيد، وثورة الزَنْج التي دامت 14 سنة، وقد مرّ عليها جميعها هامشيا لأنها مواقف محرجة للعباسيين. ويمكن تفسير هذا الموقف، إضافة الى انه مساير للسلطة، بأن اليعقوبي اعتبر مبدأ الاجماع اي الذي تقرّه السلطة يسود على ما عداه، بل هو الاقوى. ممّا يعني انه، في هذه المواقع، اتخذ موقفا مسبقاً من الاحداث مشايعاً سلطة الخلفاء واحكامهم من دون تعليل، وهذا مأخذ مهم عليه. وينعته الدوري بإمامي الهوى لاسهابه بذكر أقوال الأئمة الشيعة وخطبهم، وبكتابة ترجمة كاملة لكل منهم عند وفاته. ويصفه ايضا بالمساير للعباسيين او مجاملاً لهم بتسميته الدعوة العباسية « بالهاشمية »[12]. فهل هذا يعني ان نظرة اليعقوبي للتاريخ تلوّنت بالاهواء تبعا لمواقفه من السلطة عبر المراحل التاريخية منذ العهد الراشدي وحتى عام 159؟ حينا محابيا، وحينا آخر مدافعا عن مواقفه المتلائمة مع ميوله السياسية والمذهبية، ممّا جعل تأريخه غير متجرد؟

  من الصعب تأكيد هذا التساؤل، رغم اقتناعنا الكامل بان التجرد المطلق غير متوفر عند المؤرخين، ولكن اذا امعنا النظر بكيفية فهمه للدولة، ندرك انه كان محايدا الى حد لا بأس به. وتبدو الدولة عنده كلاً متكاملا: الخليفة، وزراؤه، ولاته، عماله، مشاهير القضاة، واصحاب شرطته وأمراء الحاج، لأنه يذكرهم جميعهم عندما يترجم للخليفة، تماشيا مع نظرته الحضارية للتاريخ، التي كان يتممها بذكر طوالع النجوم في مستهل عهد كل خليفة[13]  التي قد تنبئ عن مستقبل العهد المذكور، عاكساً بذلك تقاليد اجتماعية تنم عن اعتقاد الناس بالتنجيم. وتماشيا مع تطلّعه الحضاري كان يذكر التواريخ، الى جانب التاريخ الهجري، بالتقويمين الفارسي والرومي في مطلع عهد كل خليفة.

   وعلى هذا يمكن الاستدلال ان نظرته الى التاريخ الاسلامي جاءت شاملة وموجزة في آن واحد، لأنه لم يعر اي اهتمام للدويلات التي نشأت من رحم الدولة العباسية وشبه استقلت عنها بما فيها الدولة الطاهرية التي عاش ردحا من الزمن في كنفها، مشددا على مركزية الدولة، لأن كل من يعادي  سلطتها تختصر احداثه بشكل هامشي.

2– مصادره: ان جملة عناصر تضافرت وساهمت بفعالية بمنهج اليعقوبي ليس اقلها تحدره من اسرة كانت تعمل في دواوين الخلافة، ممّا سمح له الاطلاع على معلومات لم يكن بامكان اخرين الوصول اليها بيسر، فجاءت معلوماته هذه غنية وموثوقة المصادر. وان ترحاله شبه المستمر طلبا للمعرفة والاطلاع المباشر على بعض الاحداث، واخذ معلومات اخرى من رواة البلاد التي زارها، شكّل عنصرا فاعلا في ثقافته في التاريخ والجغرافيا، التي عزّزتها انه معرفته بكتب الشعوب السالفة خصوصا الكتب الدينية.

       وعلى هذا، جاءت مصادر الجزء الاول متنوّعة بني بعضها على الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ، واخذ اليعقوبي بالاعتبار، في هذا المجال، ترتيب الانبياء كما جاء ذكرهم في القرآن. وبعضها الآخر بني على رحلاته، والكتب المترجمة، واتصاله المباشر بقسم من الشعوب المعنية. فاستمد معلوماته عن الفرس من الكتب المترجمة، ومن اتصاله المباشر بهم عبر رحلاته الى مدنهم واقامته الطويلة في كنف الدولة الطاهرية. واستقى معلوماته عن اليونان من الكتب المترجمة ايضا. واستمد من السريان موارده عن دول بلاد ما النهرين، وأخذ اخبار الهند من كتب الهنود القديمة ولا سيما كتاب « السند هند» الذي اسماه « دهر الدهور»[14]. فجاءت مصادره غنية متنوعة تعكس ثقافته العميقة.

     تميز اليعقوبي بحسه النقدي فلم يقبل الروايات على علاّتها خصوصا ولا سيما المتعلقة بالتاريخين الفارسي والفرعوني. اذ رفض الاساطير الفارسية واعترف صراحة بان بعض مواد هذا التاريخ، السابقة للعصر الساساني، لا يمكن الركون اليها،[15]ومن ذلك قوله: “فارس تدعي لملوكها أموراً كثيرة مما لا يقبل مثلها…ومما لا حقيقة له.”[16] وقال عن الفراعنة: “ويقولون ان انبياءهم كانت تكلمها الكواكب…وانها تنبئهم بما يحدث”[17]. وبالتالي فهو يلفت الى عناصر الضعف والشك بموارد التاريخ القديم وينبّه الى عدم الاخذ به.

       اما مصادره في الجزء الثاني اي التاريخ العربي والاسلامي فقد استمدها من كتب الاخباريين، ومن مشاهداته الشخصية، واتصاله بالحكام، وهي الى ذلك غنية ايضا ومتنوعة. وقد اهمل الاسانيد لأنها كانت قد استقرت بعد ان اشبعت درسا وتمحيصا، فلم يجد موجباً الى اعادة تكرارها، ولأن الروايات العائدة لها كانت ايضا قد استقرت وباتت معروفة، محاولا بذلك، ومن دون سابق تصميم ربما، الفصل قدر المستطاع بين علم الحديث والتأريخ، مؤسسا لاستقلال التأريخ كعلم قائم بذاته. وهي لعمري خطوة جبارة تنم عن ادراك واسع وحس نقدي بارع. والى ذلك استهلّ الجزء الثاني من تاريخه بثبت  مصادره الاساسية[18]: فاستقى اخبار المدينة من ابّان بن عثمان وابن اسحق والواقدي، واخبار العراق من المدائني والهيثم بن عدي وسليمان بن علي الهاشمي، واخذا الانساب عن هشام بن محمد الكلبي والهيثم بن عدي، واخبار الفلك عن الخوارزمي وماشاء الله الحاسب[19]

3- طريقة المعالجة: جعل اليعقوبي، في القسم الاول من كتابه المواضيع اساسا للتأريخ، فكانت الدول تبعاً لتعاقبها اساسا للترتيب الزمني من دون ذكر التواريخ لصعوبة قياس الزمن السابق للاسلام عند العرب أنذاك. وجعل من الانبياء والملوك، تبعاً لتواليهم محورا اساسيا للمواضيع. وكانت المادة السياسية شبه مفقودة عنده، فاستعاض عنها بالنواحي الحضارية مركزاً على امتزاج الثقافات. واذا كان النقد لهذا التاريخ صعباً فان اليعقوبي كان ينبّه الى مواطن الضعف في بعض الروايات، واحيانا أخرى يوصي بعدم الاخذ بها على الرغم من انه ذكرها بفعل الامانة التاريخية.

   اما في القسم الثاني اي التاريخ الاسلامي فقد اهمل الاسناد في مادته، كما أسلفنا، ليعطي ربما التاريخ استقلالاً عن علم الحديث، وهو الى ذلك لا يذكر الاسانيد في سياق الحوادث الا نادرا، في حين ذكر مصادره الشفوية والاشخاص الذين زوٌدوه بالعلومات العائدة الى عصره.

    واعتمد في عرض الحوادث على نمطين على الاقل: التراجم والتأريخ الحولي؛ إذ تحدث عن عهد كل خليفة على حدة، مؤرخا الحوادث سنة بعد سنة، وإن اهمل احيانا بعض السنين ذاكرا احداثها بشكل متداخل[20]، او ليدوّن احداثا جانبية غير مرتبطة مباشرة بالخليفة، كالحديث عن موت الحسن بن علي بن ابي طالب في خلافة معاوية[21]، ما افقد تأريخه الصفة الحولية العامة، لأنه اعتمد عهد الخليفة محورا للاحداث وجعل السنوات تدور في فلكه. وذكر، في نهاية عهد كل خليفة، اسماء كبار رجال دولته الذين شاركوه ادارة البلاد، كما كان يستهل عهده بذكر التقويمين الفارسي والرومي. وهذا النمط من التراجم يطلق عليه ايضا « التأريخ على توالي عهود الحكام » وبالتالي يصبح عهد الخليفة المفصل التاريخي الذي ترتبط به كل الحوادث. وهو الى ذلك، جمع بين نمطي الحوليات والتأريخ على عهود الحكام.

      وعلى الرغم من انه صرّح أنه أوجز التاريخ وحذف منه الكثير من الشعر بقوله:« ألفٌنا كتابنا هذا وجعلناه كتابا مختصراً حذفنا منه الاشعار وتطويل الاخبار.»[22] فقد حفل كتابه بعدد كبير من الخطب، والرسائل[23]، ما اعطى تاريخه قيمة علمية تستند الى الوثائق المكتوبة، ولكنها من جهة ثانية، اضعفت سياق الحوادث ففتتها. ودفعه مبدأ الايجاز الى دمج الروايات فيما بينها ليصوغ رواية واحدة متكاملة من دون ان تكون على حساب الحقيقة التاريخية، مبرراً منهجه هذا قائلاً:« قد ذهبنا الى جمع المقالات والروايات لأننا وجدناهم- من سبقه من الإخباريين والمؤرخين- قد إختلفوا في احاديثهم واخبارهم، وفي السنين والاعمار وزاد بعضهم ونقص بعض، فأردنا ان نجمع ما انتهى الينا مما جاء به كل امرىء منهم.»[24]

تقويم عام: وعلى رغم ميوله العلوية الاثني عشرية ومحاباته احيانا للعباسيين فإن ذلك لا ينسحب على تأريخه كله. فقد كان دقيقاً بذكر اخباره، متزنا بتحري الحقيقة التاريخية وفي نظرته للاحداث. وقد تمحورت نظرته التاريخه حول فكرة مركزية مهمة: الاتعاظ من التاريخ بما يحويه من عبر اخلاقية ودروس سياسية، وهي سمة بارزة جدا في تاريخه. ولعل ذكره لنصائح الخليفة ابي جعفر المنصور لإبنه المهدي كاملة دليل قاطع على هذه العناية لأن الصراعات السياسية والعسكرية لا تشكل وحدها ذاكرة الشعوب بل يجب ان يواكبها الانتاج الحضاري والعبر الخلقية.  


[1] – الحموي(ياقوت)، معجم الادباء، ج5، ص 153

[2] – اليعقوبي، مشاكلة الناس لزمانهم، تحقيق وليم مولر، دار الكاتب الجديد، بيروت، 1962، ص5

[3] – المكان عينه

[4] – اليعقوبي(احمد بن واضح)، تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت، 1960،ج2 ،ص123-125، 135-136،

[5] – مرغوليوت، دراسات عن المؤرخين، ص 140

[6]  – اليعقوبي، ج2، ص 483

[7]  –  اليعقوبي ،ج1، حتى ص46

[8]  نفسه، 47، ج1-68

[9] – اليعقوبي ج1، ص 182

[10]  – اليعقوبي، ج2، ص12

[11] – الدوري، بحث، ص53

[12] – المكان نفسه

[13] –  واليك بعض النماذج:” ملك معاوية وبويع بالكوفة في ذي القعدة سنة 40، وكانت الشمس في الحمل درجتين، والقمر في الثور خمس عشرة درجة، وزحل في العقرب تسعا.” 2/216

[14] – المصدر عينه، ج1، ص68

[15] – اليعقوبي، ج1، ص188

[16]  – نفسه، ج1، ص158

[17]  –  المكان نفسه

[18] – اليعقوبي، ج2، ص3-4

[19]  انظر مقدمة الجزء الثاني حيث ذكر اليعقوبي مصادره مفصلة

[20] – اليعقوبي، ج2، ص139-140، 216-224

[21] – اليعقوبي، 2/225

[22]  – المصدر السابق، ج2، ص12

[23]  – اليعقوبي، ج2، ص 80-83، 89، 109، 112، 200، 207، 250 وغيرها

[24] – المصدر نفسه المقدمة

التأريخ في القرنين الرابع والخامس الهجريين.

I- المميزات العامة

   1- الاوضاع العسكرية: ان توجّه التأريخ العربي والاسلامي في العصور الوسطى ارتبط عموما بالتحولات التاريخية الكبرى خصوصا اعتباراً من اواسط القرن الثالث/التاسع، منذ ان بدأت الخلافة العباسية تتجزأ الى دويلات، وانحلت سلطة الخلفاء او شبه انعدمت على المستوى السياسي، وغدا الامراء الاتراك المتنازعون في ما بينهم اصحاب السلطة الفعلية في العراق. وفي عام 324/936 تمركزت السلطة بيد امير الامراء التركي، الذي كادت ان تنحصر سلطته في بغداد فحسب لولا صراعه احيانا مع مغتصبي حكم الاقاليم ممن كان يؤثر مباشرة على سلطته ونفوذه. ونشأت في بلاد الشام دويلات عرقية ومذهبية: فكانت الاخشيدية، التي اعقبت الطولونية في مصر وبعض بلاد الشام 323-358/934-969، والحمدانيون في شماليها 317-394/929-1003، والقرامطة في جنوبيها، علما انهم بسطوا نفوذهم على معظم بلاد الشام باعتبارها مركزا حيوياً لنشاطاتهم وخصوصاً على دمشق.

     ومنذ مطلع القرن الرابع/ العاشر وتحديدا عام 301/914 بدأت طلائع حملات الفاطميين على مصر، بعد ان كان دعاة الاسماعيلية مهدوا الطريق لقيام خلافة شيعية فاطمية خاصة بهم في المغرب، وتمكّن الامام سعيد بن الحسين الذي سيعرف بالمهدي من اعلانها عام297/ 909 وكانت تتمتع بكامل مقومات الاستقلال كلها. ومن ثم احتل الفاطميون مصر عام 359/969 ونقلوا مركز خلافتهم اليها. وكان البويهيون الشيعة قد احتلوا بغداد عام 334/945 واستوعبوا بقية اتراك العراق كفرسان في جيشهم. وهكذا صار كل المشرق العربي –الاسلامي تحت السيطرة الشيعية على اختلاف المذاهب: الفاطميون في مصر ومعظم بلاد الشام، والحمدانيون في حلب شمالي بلاد الشام، والقرامطة في جنوبيها ” في البحرين”، وسيطر البويهيون على العراق وبسطوا نفوذهم ايضا على بلاد فارس، من دون ان يعني ذلك وحدة شيعية، لأن الولاء السياسي تغلب على الولاء المذهبي عند معظم الدويلات الشيعية؛ فكان الحمدانيون في دهليز بغداد وموالين سياسياً للخليفة العباسي، وفضّل البويهيون الابقاء على الخلفاء العباسيين لأنهم لم يجدوا بدلاء لهم في مذهبهم، ولأنهم ايضا كانوا في ظلهم سادة الحكم في العراق، والقرامطة سودوا اعلامهم وكتبوا عليها “السادة الراجعون الى الحق” وكأنهم اعلنوا توبتهم ليحاربوا الفاطميين توأهم باسم العباسيين.

      ان كل تلك الاوضاع المتداخلة مذهبياً والمتشابكة سياسياً بوجود خلافتين اسلاميتين في المشرق، وثالثة في الاندلس كانت قد نشأت عام 316/929، كل واحدة مستقلة عن الاخرى ومعادية لها، اوجد شرخاً في الاجماع الاسلامي على مستوى القيادة على الاقل، وافرز واقعاً انقسامياً سياسياً على الارض، وعزز التأريخ الاقليمي من دون ان يلغي نهائياً التأريخ العام الشامل.

 2- الوحدة الثقافية: ولم يتمكّن الانقسام والتشرذم من إلغاء الوحدة الاسلامية على مستوى الرعية او نزع الطابع الاسلامي عن مناطق الخلافات الثلاث على امتدادها الجغرافي. فكان النمط اسلامياً في كل البقاع سلوكا وطرق عبادة وارشاداً دينياً، ممّا سهّل للعديد من المؤرخين والتجار القيام برحلات في ارجاء ذاك العالم الواسع، فازدهرت كتب الرحلات، التي طبعت القرن الرابع بخصوصياتها وجعلته قرن الجغرافيين بامتياز.

 3-تنوّع مناهج التأريخ: ان تداخل الاحداث وتشابكها الناتج من هذا السندس السياسي والعسكري المتنافر في الرقعة الجغرافية المشرقية، وتصارع الاضداد، اضافة الى الانتاج التأريخي الوفير، جعل مناهج التأريخ تزدهر  وتتنوّع ضمن القرن الواحد. فمنذ القرن الرابع نشط التأريخ المحلي او ما يسمى التأريخ الاقليمي الذي شبه حلّ مكان التاريح العالمي العام الشامل، لأن افق المؤرخ تحدد عموما بالاطار الجغرافي السياسي الذي كان يعيش في ظله، وبالاسرة الحاكمة التي كانت تحتضنه، ممّا جعل النظرات الى التاريخ تتعدد: فتوسع بعضهم في التاريخ الفاطمي من دون ان يهمل تاريخ بقية المناطق وان بايجاز شأن يحي بن سعيد الانطاكي. وشدد آخرون على التأريخ للعراق في ظل البويهيين مقدّمين له بعودة سريع او موجزة للمراحل السابقة في محاولة لتأريخ عام شأن مسكويه في تجارب الامم. كما مزج بعضهم التاريخ بالجغرافيا بالحضارة متخطيا جغرافية العالم الاسلامي الى معظم العالم القديم  محاولين تدوين تاريخ شبه عالمي كما فعل المسعودي في مروج  الذهب.

    ويطرح سؤال مركزي: الى اي مدى راعى المؤرخون الاجماع الاسلامي في ظل الخلافات الثلاث؟ وهل كان لتفسخ اوصال المشرق العربي بفعل نشوء الدويلات والامارات العربية في ظل العباسيين والفاطميين معا دور في تحديد مستوى الاجماع؟ يظل الجواب عسير نسبيا وان كنا نحاول استقراءه من النظرات التاريخية المتعددة للمؤرخين وارتباط كل منهم  باقليمه السياسي، وبتوجهه المذهبي، ومن استقلال علم التاريخ عن علوم الدين من حيث مضمونه ومؤرخوه، الذين صار معظمهم من رجال الادارة المعروفين بطبقة الكتاب.

3- استقلال علم التاريخ عن علوم الدين: ان هذه العوامل تدفعنا الى الاعتقاد بان مفهوم الاجماع لم يعد مصقولاً في اذهان المؤرخين الذين افتقروا الى سعة الافق، وانحصرت مضامين مؤلفاتهم بشؤون الدنيا من دون ان تنفلت كلياً من الروح الدينية، بل صارت تركز على العبر الاخلاقية محمودها وسيئها ليتعظ منها الخلف. ولم يعد ينظر  علماء الدين الى التاريخ النظرة السابقة الناضحة بالاحترام، بل تخلوا عن العمل في ميادينه الجديدة واختصوا بالتراجم المتصلة بهم بالدرجة الاولى، وبالاخبار السياسية وفق منهجم الصارم بدرجة اقل، معتبرين ان هذا الاسلوب وحده يعبّر بصدق عن المفهوم الحقيقي للتاريخ. فظهرت تراجم العلماء والافاضل لترسم مساراً موازياً لتواريخ طبقة الكتاب والاداريين، وبالتالي تم الفصل بين التاريخ وعلوم الدين او على الاقل شرع هذا المسار يشقّ طريقه الذي سيؤدي في القرون اللاحقة الى الفصل التام بين المنهجين.

   وانتقل هذا الفن التأريخي (التراجم) الى علوم اللغة، والادب، والشعر، والطب، والموسيقى، ولعل الاغاني لابي الفرج الاصفهاني (ت 356/967) يمثّل اصدق تعبير عن الموسيقى والفنون المرتبطة بها، من دون ان يهمل الاحداث التاريخية، فجاء موسوعة متعددة المواضيع، متداخلة الاحداث. واستهوى هذا المنهج بعض الادباء فدخلوا الى ميدان التأريخ كالثعالبي في “يتيمة الدهر” و”ذيلها” و البيهقي في “تاريخ بيهق”[1].

4- الادارة والتأريخ: وبدأنا نشهد ايضا ظهور كتب تعالج نواحي ادارية متخصصة تحدد مهام متوليها، وتعبر عن خبرته في هذا المجال، لتكون دروسا لمن سيليه في الحكم يتعظ من الاخطاء ويفيد من السلوك القويم شأن المؤلفات في الوزارة: ابن الماشطة (ت 310/922)  والصولي (ت 336/947) في ” تحفة الامراء في تاريخ الوزراء” والهلال بن محسن الصابئ (ت 448/1055) وغيرهم كثيرون. وكتاب الخراج لقدامة بن جعفر (ت337/948) الذي يعتبر نموذجا فريدا” من التفكير التاريخي الاجتماعي النافذ في النظريات والاقتصاديات الاسلامية” على حد تعبير روزنتال[2]؛ فقد ربط قدامة الفتوح بنظام الضرائب وبالتاريخ، من حيث تطور النظام الضريبي وما افرزه من علاقات مع الحكام، مؤسسا لنهج ربط النظام الضريبي بالتاريخ: فقد تحدث عن حاجة الناس للتعامل بالنقد على اختلاف انواعه، جاعلا منها ضرورية لحجات الدولة العادلة. واستطراداً حدد واجبات الحكام على المستويين الاخلاقي والسياسي تجاه المقربين منهم وتجاه الرعية، ولعمري انها نظرة ثاقبة متقدمة. ونجد في الاطار عينه، وفي القرن الرابع ايضا نقدا لاذعا وجهه مسكويه لعضد الدولة البويهي، ممّا يعني ان التاريخ بدأ يتصل اكثر فأكثر بالاقتصاد والسياسية، الامر الذي سيتطور فيما بعد ليصبح تداخلاً مثلث المحاور تترابط فيه الضرائب بالمجتمع  وبالادارة على المستويين السياسي والاقتصادي، الذي نلحظه بوضوح في مؤلفات المقريزي. وسيجعل هذا التطوّر من التاريخ نبراسا اخلاقيا تبرز قيمه من بين الصراعات السياسية المرتبطة بالنظام الاداري والاقتصادي العام.

     ان كتب الوزارة والادارة بمفهومها العام كالولاة والكتاب للكندي (ت 350/961)، ورسوم دار الخلافة للهلال الصابئ (ت 448/1055) وغيرها جعلت من التاريخ علم الموعظة والاخلاق، بما اتسمت به هذه المؤلفات من هنات الاداريين وايجابياتهم. وكأن مؤلفيها، الذين افادوا من الايجابيات والسلبيات التي عايشوها، ارادوا ان يسلك من سيخلفهم طرقهم القويمة، وان يتعظ في الوقت عينه أولي الامر منها. كما ظهرت كتب اخرى تصب في الخانة عينها انما على المستوى الاجتماعي، منها ما تناول الشأن القضائي كاخبار القضاة لمحمد بن خلف بن حيان (ت 306/ 918) المعروف بوكيع القاضي وان كان يعتبر من مؤرخي القرن الثالث. ومنها ما تناول الاجتماعي مثل ” نشوار المحاضرة ” للتنوخي، وغير ذلك من انواع العلوم في شتى الميادين الحضارية.

5- التنجيم والتأريخ: وتميز القرنان الرابع والخامس بعلم التنجيم، الذي انتقل من الاغريق الى الحضارة العربية والاسلامية، ونحن نجد صدى له في القرون السابقة، ولا سيما عند اليعقوبي اذ كان يذكر طوالع النجوم في بداية عهد كل خليفة. ولكن التنجيم سيصبح اشد اتصالا بالتاريخ في القرنين المذكورين على رغم تعارضه مع تعاليم الاسلام، ذلك ان حب التثقف بشتى العلوم ومنها التنجيم غدا سمة حضارية بارزة في القرن الرابع، ما وفّر مادة جديدة للمؤرخين، ودفع بعضهم للاهتمام بعلم الفلك.

6- الفلسفة والتأريخ: امتاز القرنان الرابع والخامس، والقرون اللاحقة بدخول الفلسفة على فكر المؤرخين وان باشارات عارضة، على رغم ارتباط علم الكلام بها بشكل قوي. وقد يكون رأي روزنتال محقا:” غير ان المؤرخين المسلمين لم يستخدموها-الفلسفة- قط بشكل فعال…لقد دارت باذهان المؤرخين مسألة اساسية وهي مدى الثقة بالاخبار التاريخية وعلاقتها بالحقيقة، غير انهم في ابحاثهم التاريخية لم يجعلوها موضوعا لمناقشة نظرية…”[3] ولكن المؤرخين الرحالة او الجغرافيين ادخلوا الى مؤلفاتهم بعض النظرات الفلسفية النابعة من اطلاعهم على تاريخ الهند بما فيه من ميتولوجيا وديانات مستندة الى رؤى فلسفية، من دون ان يتمكن المؤرخون المسلمون من تفسير التاريخ فلسفياً.

     وقد شارك المسيحيون في التأريخ في القرنين المذكورين وفق النمط الاسلامي اجمالاً[4]، اذ دوّن بعضهم تاريخ عصره في اقليمه او في المشرق العربي، والبعض الاخر تخطّى  المشرقي العربي  الى التاريخ البيزنطي. وقد اشاد بهم المسعودي في “التنبيه والاشراف” :” وقد ألف جماعة من الملكية والنسطورية واليعقوبية[5] كتبا كثيرة ممن سلف وخلف منهم، واحسن كتاب رأيته للملكية في تاريخ الملوك والانبياء والامم والبلدان…”[6]    

      لذا سأحاول دراسة مناهج مؤرخي القرنين الرابع والخامس معاً لأن التاريخ صار شبه حكر على الاسر الحاكمة يؤرخ الحوادث التي تمحورت حولهم وفي مناطقهم بوجه عام. واذا كانت الاحاطة بمناهج مؤرخي القرنين المذكورين صعبة جداً وتتطلب جهودأ جبارة، قد لا تكون بمتناول مؤرخ واحد، سأختار بعض المؤرخين يشكل كل واحد منهم نمطاً محددأ.

     وهكذا، تبدو الحضارة العربية الاسلامية انها نضجت لا بل اينعت، وغدا التماذج بين الشعوب الاسلامية احد سماتها، ولا سيما الانتقال المريح في ارجاء العالم الاسلامي للعلماء والمثقفين على اختلاف اختصاصاتهم، ممّا جعل العلوم المتنوعة بمتناول جميع المتعلمين، يتثقفون بها ما كان يزيد بآفاقهم المعرفية من دون ان يلغي اختصاص كل منهم. وكان التجار بدورهم يعتبرون هذا العالم وحدة متكاملة، على رغم التجزوء السياسي. وتطورت التجارة بنمو المدن المتزايد، وتحددت مسالكها التي يرجع بعضها الى عصور ما قبل الميلاد، وكثرت عليها الخانات والمحطات التجارية المتنوعة. وتعدى التجار هذا العالم الى البلاد البعيدة كالشرق الاقصى، ما سمح للعلماء بدورهم التنقل مع التجار الى حيث شاءوا فكتبوا مشاهداتهم على المسالك، كما وصفوا البلاد التي حلوا فيها: باقاليمها الجغرافية والمناخية، وعادات سكانها وتقاليدهم، واحيانا بعض نظمهم السياسية. فازدهر علم الجغرافيا، لا بل ايضا الجغرافيا التاريخية، ولعل ابرز مثال عليه مؤلفات المسعودي.


[1] – انظر اسماءهم في شاكر مصطفى، ج1، ص 283-284

[2] – روزنتال علم التاريخ، ص 164

[3]  – المرجع السابق، ص 159

[4] – سنوضح ذلك بدراسة يحي بن سعيد الانطاكي

[5]  – اراد من هذه الصفتات التأكيد على انهم مسيحيون

[6] – المسعودي، (الحسن بن علي) ، التنبيه والاشراف، طبعة دي غويه، ص 154

يحي ابن سعيد الانطاكي م. 455/1063

اولا: عصره وميزات عصره

      1- ميزات عصره السياسية: في اواخر القرن الرابع/العاشر ومطلع الخامس/الحادي عشر، عرف المشرق العربي تحولات مهمة، ولعل من ابرزها: تفسّخ الدولة العباسية الى عدد من الدويلات العرقية والمذهبية وانحطاط سلطة الخلفاء امام طغيان الامراء الاتراك المتصارعين ابدا  فيما بينهم على مراكز النفوذ، والشرهين باستمرار الى المال. وتلاهم في المسار عينه البويهيون القادمون من بلاد الديلم الواقعة على شواطئ بحر قزوين. وكانت الخلافة الفاطمية قد تأسست في المغرب عام296/ 909 وانتقلت الى مصر عام 359/969، على اثر انهيار السلطة فيها بعد وفاة كافور الاخشيدي وعجز العباسيين عن فرض سيطرتهم عليها. وادخلهم انتقالهم هذا، في صراع مرير وطويل مع القوى العسكرية والسياسية المنتشرة في بلاد الشام، ومنها دولة القرامطة التي كانت قائمة في جنوبه ومسيطرة عسكريا على دمشق ومحيطها باعتبارها مجالا حيويا لنفوذهم السياسي والعسكري والمذهبي. ومنها ايضا: امارة او دويلة حمدانية في الموصل، واخرى اسسها سيف الدولة في حلب، آلت على نفسها الجهاد ضد البيزنطيين، ودخلت معترك احداث المشرق العربي الداخلية المتنوّعة الاتجاهات والولاآت. هذا، فضلاً عن الامارات العربية في فلسطين التي دخلت معترك الصراعات الى جانب القوى الاخرى على النفوذ والبقاء. وتشابكت المصالح في المشرق العربي جراء الحملات البيزنطية المتكررة على بلاد الشام، مما جعل المنطقة في حال من الصراع الدائم. 

2– حياته: ان تاريخ ولادته بالضبط غير معروف، ويرجّحه ماريوس كنار في حوالى عام 369/980، كما اننا لا نعرف شيئا مهما عن حياته الشخصية سوى انه كان رجل دين مسيحيا على المذهب الملكي وطبيبا ومؤرخا، ومن اقرباء المؤرخ سعيد بن البطريق. هاجر الى انطاكيا عام 405/1015 على اثر اضطهاد الحاكم لمسيحيي مصر، بعد ان كان اقام فيها فترة تتراوح بين 35 الى 40 سنة. وسيم بطريركا على انطاكيا واستقرّ في بلاد الروم حتى وفاته سنة 455/1063[1]

ثانيا- مضمون كتابه ونظرته التاريخية.

1– محاور الكتاب الاساسية: ترك الانطاكي كتاباً وحيدا هو: “تاريخ الانطاكي المعروف بتاريخ اوتيخا” أرّخ فيه لحقبة مهمة جدا من التاريخ العربي(326- 425 / 938-1035) شهدت مفاصل تاريخية اساسية: قيام الخلافة الفاطمية في المغرب سنة 296/909 وانتقالها عام359/969الى مصر، وانهيار السلطة العباسية شبه التام في اواخر العصر العباسي الثاني او ما يعرف بالعهد التركي، وتلاه، في المسار عينه، تسلّط البويهيين الذين حلّوا مكان الاتراك[2].

 وابتغاء للدقة قسّمت الكتاب منهجياً الى اربعة محاور اساسية: الخلافة العباسية في ظل سيطرة الاتراك المتصارعين فيما بينهم على مراكز النفوذ، وعلاقة الخلفاء العباسيين بالملوك البويهيين الذين خلفوا الاتراك. وثانيها، الفاطميون في المغرب ثم انتقالهم الى مصر، وتطوّر دولتهم خلال عهود: المعز، والعزيز، والحاكم بامر الله، ومطلع عهد الظاهر. وثالثها، الحمدانيون المتأرجحون بين ثلاثة ولاآت: خضوع اسمي للعباسيين، رفض التبعية للفاطميين رغم التناغم المذهبي( الشيعي) بين الفريقين، صراع ووئام مع البيزنطيين وفق ما كانت تقتضيه مصالحهم، الى ان اسقط الفاطميون دويلتهم عام 1002. واخيرا: اوضاع الامبراطورية البيزنطية الداخلية والخارجية.

   اما المضمون التسلسلي للكتاب فيقسم الى فصول عديدة: يبدأ اولها من اواسط خلافة الراضي العباسي وتحديدا من عام 326/938 وتتخلله احداث تتعلق بمسيحيي مصر. والثاني خلافة المتقي( 329 – 332/941-944). الثالث خلافة المستكفي (332- 338/ 944-950). والرابع خلافة المطيع بالله (338- 363/950-974 ) ولكن هذا القسم لا يمكن اعتباره مستقلا لتداخله مع احداث اخرى قد تكون اكثر اهمية، منها: ابتداء الخلافة الفاطمية وتطوّرها وتقاطع احداثها احيانا مع احداث الخلفاء العباسيين حتى بات الفصل بينها عسيراً رغم ان الانطاكي، في هذه المرحلة، جعل الخلفاء العباسيين محور الاحداث، بقوله:« عودة الى اخبار الدولة العباسية»[3]. ويخصّ سيف الدولة بقسم:« اخبار سيف الدولة الحمداني»[4]، ولكنه يقطعه بالكلام على خلافة المعز لدين الله (الفاطمي)، ليعود بعد تسعة اسطر للموضوع الرئيسي:« عودة الى اخبار سيف الدولة »[5] ما يجعل تقسيم الكتاب عسيرا الى فصول واضحة. ورغم ذلك يمكن تحديد مفاصل اساسية فيه: مثل خلافة المعز، وخلافة العزيز، وخلافة الطائع العباسي، ويحتل عهد الحاكم بامر الله حيزا واسعا، وخلافة القادر العباسي، وخلافة الظاهر لاعزاز دين الله الفاطمي. هذا اضافة الى فصول عديدة تتعلق باخبار الامبراطورية البيزنطية لن اتطرق فيها الا للمحاور ذات الصلة بالمشرق العربي.

  لقد أرّخ الانطاكي لهذه الاحداث، باستثناء الاوضاع الداخلية للامبراطورية البيزنطية وعلاقاتها بالبلغار، عدد وافر من المؤرخين العرب، نذكر منهم: مسكويه في « تجارب الامم وتعاقب الهمم » والهمذاني في « تكملة او صلة تاريخ الطبري»، والمسعودي في « التنبيه والاشراف » و « مروج الذهب ومعادن الجوهر »، وابن العديم في « زبدة الحلب في تاريخ حلب »، ومؤرخ مجهول في « العيون والحدائق في اخبار الحقائق » ، وابن الاثير في”« الكامل في التاريخ »، وابن الجوزي في « المنتظم في تاريخ الامم »، وابن القلانسي في« ذيل تاريخ دمشق» والمقريزي في« اتعاظ الحنفا باخبار الائمة الفاطميين الحنفا»  وابن تغري بردي في« النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» وآخرون غيرهم.

2– قيمة مضمون الكتاب قياسا بمؤلفات مؤرخين آخرين:

أ- الفترة السابقة على عهد الحاكم بامر الله

 سأدرس منهج الانطاكي تبعا للمحاور التي ذكرتها آنفا، مركّزاً بالنسبة للعصر العباسي الثاني والعهد البويهي: على صلة تاريخ الطبري للهمداني، والعيون والحدائق في اخبار الحقائق، ومسكويه في تجارب الامم، وابن الاثير في الكامل في التاريخ. وبالنسبة للمرحلة الفاطمية على اتعاظ الحنفا للمقريزي لانه اعتمد في مؤلفه على معظم من عاصر الفاطميين من المؤرخين كابن زولاق، وابن الطوير، والمسبحي وغيرهم. وعلى ابن القلانسي الدمشقي في « ذيل تاريخ دمشق » لغناه، وتقصّيه احداث بلاد الشام لا سيما علاقة القرامطة والامارات العربية في فلسطين بالفاطميين، من دون ان يهمل احداث مصر. اضافة الى ابن العديم في « زبدة الحلب » الذي يتحدث عن الحمدانيين، ناهيك بمؤرخين آخرين سيرد ذكرهم خلال تقويم منهج الانطاكي.         

    تبدأ حوادث الكتاب باخبار مقتضبة عن الفداء بين الروم والمسلمين على اثر هدنة ابرمت بين الطرفين، من دون تحديد الجهة المعنية أعباسية هي ام حمدانية. ويليها كتاب بطريرك القسطنطينية الموجّه الى بطاركة الشرق ليذكروا اسمه بقداديسهم[6]، محدداً بهذا الخبر نهاية تاريخ ابن البطريق:« هذا ما انتهى اليه كتاب ابن البطريك»[7]. ما يعني ان تاريخه يبدأ باخبار خلافة الراضي العباسي الذي استحدث منصب امير الامراء وقلّده لابن رائق، شارحاً خطورة هذا المنصب وتداعياته على الامراء الاتراك، مبيّناً انه لم يربأ الصدع الداخلي بل ازّم الخلافات بين الامراء الاتراك من جهة، وبينهم وبين الخلفاء العباسيين من جهة ثانية، ومع حكام الدويلات في مصر وبلاد الشام من ناحية ثالثة كصراع ابن رائق مع الاخشيد[8]. اضافة الى الصراع المثلث المحاور في العراق نفسه بين ابن رائق وبجكم التركيين، وكورتكين الديلمي، فافاد منه البريدي المتسلط على واسط ودخل الى بغداد، ما دفع بالمتقي الخليفة العباسي الجديد الى اللجوء الى الحسن بن حمدان في الموصل، الذي انتصر على خصومه واعاده الى بغداد فولاه الخليفة امرة الامراء[9]. وبعجزه عن الصمود ومجابهة المؤامرات المتنوعة والمتعددة، تنازل عن المنصب وعاد الى الموصل، فتولاه ابن رائق مجددا. يتطابق هذا المضمون مع ما ورد في العديد من المصادر العربية، ولكنه جاء اقل تفصيلا عمّا ورد في تجارب الامم، والكامل في التاريخ[10]. وكان الانطاكي يقطع سياق هذه الحوادث باخبار المسيحيين، مثل: الصراع الذي وقع بين مسيحيي مصر انفسهم وسمح لعامل الاخشيد في تنّيس بمصادرة اموال الكنائس ومصاغها بما فيها الاواني المقدسة. او ثورة للمسلمين على كنيسة في عسقلان ادت الى هدمها بمساعدة اليهود، من دون ان تفلح الجهود التي بذلت لاسترجاعها او اعادة بنائها[11].

   ثم يتابع احداث خلافة المتقّي شارحاً الصراع على الوزارة ودور الامراء الاتراك بدعم احد ثلاثة مرشحين هم: البريدي، وعبد الله الاصفهاني، وعلي بن محمد بن المقلة، كلّ جريا وراء مصالحه الخاصة، ليعود الى اخبار العراق المضطربة: بروز توزون اميرا للامراء الجديد، واجتماع الاخشيد المستقل بمصر بالخليفة بمحاولة لنقل مركز الخلافة الى مصر، ما ادى الى مقتل الخليفة[12].

     ويتناول في حوادث عام 334/946 دخول احمد بن بويه الى بغداد بعد موت توزون، وخلعه الخليفة المستكفي بعد ان نصبه اميرا للامراء، وينهيها بتداعيات الغلاء الذي ضرب بلاد الشام والعراق معا،[13] لينتقل للحديث عن التاريخ الفاطمي.

   وفي حوادث 335/947 يعود الى صراعات العراق؛ احمد بن بويه وانتصاره على ناصر الدولة بن حمدان، صراع سيف الدولة مع البيزنطيين مفصّلاً حملتي ابن الشمشقيق، ونقفور فوكاس[14].

ما قيمة معلومالت الانطاكي على مستوى المضمون قياسا ب« العيون والحدائق »، و« تكملة تاريخ الطبري » لمحمد بن عبد الملك الهمذاني المتوفي عام 521/1128؟

   أرخ الهمذاني حولياً، وبايجاز واضح فلم تتعد اخباره للسنة الواحدة الثلاث صفحات، وقد تحمل عنوانا واحدا اوربما اثنين، وقد لا تحمل اي عنوان[15]. وتضيف على مضمون الانطاكي احيانا معلومات تتعلق: بالمال، والزواج، والعقوبات[16]، والمصادرات والرشوة[17]. وفي نهاية كل سنة، وتماشياً مع الطريقة الحولية، يدرج بعض الوفيات وتراجم قصيرة جدا لأبرز المتوفين[18]. ولا يهتم الانطاكي بالوزراء ودورهم في الحياة السياسية، على عكس الهمذاني الذي يوليهم اهتماما لافتا[19]. وقد يكون مردّ ذلك، الى ان الاول كتب تاريخا عاما للعراق استكمالا للمشهد التاريخي في المشرق من دون كبير عناية باخبار العراق، على عكس الهمذاني العراقي الذي دوّن تاريخا مناطقيا للعراق. وقد يجد المؤرخ الحديث، في اضافات الهمذاني، معلومات مفيدة على ندرتها، وتبدو اخباره اكثر تماسكا من حيث الاسلوب والمشهد العام، لأنها انحصرت بالعراق والمناطق المرتبطة مباشرة بالخلفاء العباسيين او بالمتسلطين السياسيين عليهم من اتراك او بويهيين. ولا يختلف مضمونها العام عمّا ورد عند الانطاكي الذي اتخذ المشرق العربي كلّه مسرحا لتأريخه، ما جعل اخباره تفتقر الى شدة الترابط.

اما معلومات العيون والحدائق فجاءت مقتضبة الا فيما يتعلّق باعتلاء الخلفاء سدّة الحكم[20]. وحوت احيانا معلومات اضافية عمّا ورد عند الانطاكي مثل: طلب البريدي من الخليفة خمسماية ألف دينار للديلم وهدده اذا لم يلب طلبه[21]. وشرح بعض الاوضاع الداخلية الاجتماعية كالحصبة[22]، والغلاء[23]، وكثرة الجراد[24]. وفي تراجمه للخلفاء العباسيين ذكر معلومات تتعلق: بصفتهم، ونقوش خاتم كل منهم، ووزرائه، وحجابه، واصحاب شرطته، وقضاته، وجملة من اخباره العامة[25]، وانهى اخبار السنوات بالوفيات[26]. وتعدّى تأريخه العراق الى المغرب باختصار بالغ لا يجاوز الاسطر القليلة 3 الى 4 اسطر، مثلا: «استفحال امر مخلد بن كيداد صاحب الحمار »[27]، او بسطر واحد، كقوله :« حفر القائم خندقا حول المهدية »[28]، او« بناء سور لمدينة المهدية » بنصف سطر[29]، وهي لا تعكس اي رؤية لأنها غير معبّرة عن تطوّر الاحداث. ولا يهتّم بامور سيف الدولة الحمداني الا بالتي لها صلة بالعراق، مسقطا علاقاته بالروم، الا نادرا وكأنها رفع للعتب؛ شأن اختصاره هزيمته الروم بمرعش في سطر واحد. ولكنه يتوسع اكثر من الانطاكي بتحرك احمد بن بويه الى بغداد وتقلّده امرة الامراء[30]. ما يجعلنا نعتبر العيون والحدائق تأريخا مناطقيا يهتم بامور العراق والقسم الشرقي من الدولة العباسية أكثر من اهتمامه بمصر وبلاد الشام، جاعلا من الخلافة العباسية محور الاحداث رغم وَهَن سلطة خلفائها. وبالتالي جاءت رؤيته الى التاريخ كما  الهمذاني ضيقة شبه محصورة في العراق ومحيطه، في حين بدت نظرة الانطاكي أكثر سعة وابعد افقا، تناولت الاحداث افقيا على مدى مساحة المشرق العربي، وتخطّته احيانا الى احداث المغرب، ما يعني أنه تفوّق بها على معاصريه عموما.

   اما تقي الدين احمد المقريزي من مؤرخي القرن الخامس عشر فقد خصص مؤلفا كاملا لتاريخ الخلافة الفاطمية اسماه “اتعاظ الحنفا باخبار الأئمة الفاطميين الخلفا”. سنحاول مقارنته هو و”ذيل تاريخ دمشق” لابن القلانسي  بما ورد عند الانطاكي عن الفاطميين.

   أرخ المقريزي للخلافة الفاطمية منذ قيامها في المغرب وحتى سقوطها، بما في ذلك مرحلة التمهيد لقيامها [31]. معتمدا على مصادر متعددة، من ابرزها: ابن الاثير في « الكامل في التاريخ »[32]، وابن خلدون في « ديوان العبر »[33]. مفرّعا الخبر الى اقسام لكل واحد عنوانه الخاص وتفاصيل وافية.

   واعتمد في تأريخه على مفاصل اساسية عكست رؤيته للتاريخ؛ فجعل الفترة الممتدة من قيام الخلافة الفاطمية في المغرب وحتى انتقال المعز لدين الله الى مصر مرحلة واحدة، متخذا من العناوين الثانوية نقاط ارتكاز تشدّ اواصر المرحلة المذكورة. واليك بعض النماذج:« خروج عبيد الله المهدي الى المغرب »[34]، « ظهور عبيد الله المهدي في سجلماسة »[35]، « قتل ابي عبد الله الشيعي »[36] ، « القائم بامر الله…»[37]، « ذكر ابي يزيد مخلد بن كيداد الخارجي وحروبه »[38]. وهكذا ، وصولا الى خلافة المعز لدين الله [39]. ويعتبر بناء جوهر الصقلي للقاهرة مفصلاً تاريخيا مهما جدا تتوقف عنده الاحداث السابقة، ومنه ينطلق التاريخ الفاطمي المشرقي[40].

  اما الانطاكي فلم يهتم بتفاصيل التاريخ الفاطمي في المغرب، لأنه، على ما ازعم، لم يرد التأريخ لهذه المرحلة بشكل مفصّل، مكتفياً بترجمة طويلة نسبيا للخليفة المهدي[41] اختصر فيها، من وجهة نظره، ابرز المحطات الرئيسة الممهدة لقيام الخلافة الفاطمية وبعض احداثها اللافتة: دعاة اليمن، ولقاءهم حج كتامة في مكة، دور ابي عبد الله الشيعي في نشر الدعوة «الهادية»، صراعه مع دويلات المغرب[42]، مسيرة المهدي الى افريقيا، وقبض الاغالبة عليه وسجنه في رقّادة، واسراع ابي عبد الله الشيعي لانقاذه. وبعض اعمال المهدي: ومنها قتل ابي عبد الله الشيعي واخيه[43]، وثورة ابي يزيد الخارجي هامشيا، فموت المهدي[44]. وجاءت معلوماته موجزة ودقيقة جدا تطابق ما ورد عند المقريزي، ما يدفعنا باستنتاج اولي الى القول: ان الانطاكي اراد التأريخ للمرحلة الفاطمية التي عاصرها، من دون البدء من فراغ، فقدّم لمجيء المعز الى مصر بالترجمة المذكورة. ولم يتوسّع بانجازات المعز بل ركّز على جوهر الصقلي قائد جيشه، متحدثا عن حملته التي احتلت مصر بعد فراغ السلطة فيها على اثر وفاة كافور الاخشيدي، وعن اعماله العسكرية الاخرى في مصر وبلاد الشام، وبناء القاهرة الذي مرّ عليه سريعا. ما يجعلنا نعتقد ان الانطاكي ركّز على التأريخ للشخصيات الاساسية وجعلها، ان جاز التعبير، صانعة التاريخ. في حين ان المقريزي فصّل عهد المعز في المغرب (افريقيا)، بما في ذلك ترتيباته الادارية: ولاية يوسف بن زيري على افريقيا، وبلكين على المغرب، وكيفية انتقال المعز الى مصر: حفر الآبار على الطريق، صناديق المال التي حملها معه[45]

   اهتمّ الانطاكي باعمال جوهر العسكرية: حملة جعفر بن فلاح على الشام، وصراعه مع الدمشقيين، وتدخّل القرامطة وقتلهم جعفر، فهجومهم على القاهرة ومحاصرتها بمحاولة للقضاء على جوهر[46]. وفصّل المقريزي هذه الاحداث اكثر من الانطاكي معتمدا على مؤرخين مصريين عاصراها هما: ابن زولاق، وابن الطوير[47]، وعلى ابن عبد الظاهر المتأخر نسبيا،[48]وغيرهم. وفصّل ابن القلانسي هذه الاحداث بدوره، وهو مؤرخ دمشقي اوْلى دمشق اهتماما خاصا، مستهلاً تأريخه بهجوم القرامطة على دمشق عام 360/970، شارحاً ادق التفاصيل[49]. اما حركة ألفتكين او ألبتكين التركي فقد فصّلها بدقة متناهية وربطها بحملة ابن الشمشقيق، وتتبّع احداثها في عهدي المعز والعزيز بطريقة فذّة شديدة التماسك[50]. وقد احتلّت حيّزا مهمّا عند الانطاكي تضاهي اخبار ابن القلانسي، من دون تماسك شديد. لأنه حاول الاحاطة بكل حدث على حدة، وفي الوقت عينه بمسرح الاحداث كله: لذا، عطف حركة ألبتكين على الصراع بين الاتراك والديالمة في العراق، وربطها من منظار آخر بمحاولة الفاطميين استرداد بلاد الشام، ومن جهة ثالثة بتدخّل القرامطة لإسترداد مجالهم الحيوي، ومن ناحية رابعة بحملة ابن الشمشقيق. فتقاطعت هذه الاحداث كلها حول محور واحد، ظناً من الانطاكي ان طريقته هذه تساهم اكثر في توضيح رؤية الاحداث[51]في المشرق العربي( مسرح الاحداث)، ممّا جعلها تتقطع تبعا لكل محور، وتتداخل في الوقت عينه، لأنها تدور حول حدث رئيسي واحد. وقد يكون لتأريخه من خلال الشخصيات دور اضافي في بعثرة احداث الشام المذكورة لأنها تخطت مدتها عهد المعز الى عهد العزيز. هذا، ناهيك ان العزيز احتلّ عند مؤرخنا مركزا مرموقا، فهو اول الخلفاء الفاطميين بنظره، اذ يقول: « اول خلافة العلويين-خلافة العزيز بالله » وذيّل هذا العنوان ب« حوادث سنة 365 » وفرّع الموضوع الى عناوين ثانوية هي: هزيمة جوهر امام ألفتكين التركي، وفاة الاعثم ( المقصود الحسن الاعصم قائد القرامطة)، الصلح بين ألفتكين وجوهر، خروج العزيز بالله لقتال ألفتكين…

   وفي عهد العزيز تتنوّع مواضيعه من دون ان يحصرها في كيان سياسي واحد: وزارة يعقوب بن كلّس[52]، اخبار الحمدانيين، احداث العراق، احوال الدولة البيزنطية، علاقات القبائل العربية في بلاد الشام في ما بينها، وعلاقاتها بالفاطميين، وبالحمدانيين، بطريقة تجعلك تتبيّن صورة التأريخ الفذ بجلاء، وهي طريقة اعتمدها ابن الاثير، فيما بعد، في « الكامل بالتاريخ »[53]. وينفرد بخبر مفاده ان العزيز بالله قطع صلوات القنوت عام 370. وذكر ان النيل توقف عن الزيادة عام 372 ما ادى الى غلاء شديد.

وتتطابق اخباره عن العباسيين والحمدانيين والقبائل العربية مع ما ذكره عدد من المؤرخين العرب والمسلمين، مضاهية بعضها، ومقلةً عن بعضها الآخر.

ب- اوضاع المسيحيين في العهد الفاطمي: وتحتل اخبار المسيحيين حيّزا واسعا في كتابه، وتفرّد ببعض اخبارهم في عهود: العزيز، والحاكم بامر الله، والظاهر لآعزاز دين الله، عكست احدى غاياته التأريخية. واورد اخبارا تتعلق بمسيحيي انطاكيا بعد وفاة بطريركهم، مظهرا الدور الاحتيالي لاغابيوس اسقف حلب حتى استقر بطريركا على انطاكيا، اورد فيها معلومات غاية في الاهمية على المستوى اللاهوت المسيحي من خلال تبادل رسائل بين اغابيوس مع انبا الاسكندرية تظهر تبايناً في وجهات نظرهما اللاهوتية.[54]

  وعلى اثر خروج الامبراطور باسيل (الثاني) الى الشام امر الوزير بن نسطوريوس باعداد اسطول، ولمّا اكتمل احترق بعضه، مما اثار المغاربة والرعية متهمين المسيحيين وبعض التجار الاجانب المسيحيين بافتعال الحريق، فقتلوا منهم 160شخصا ونهبوا متاجر التجار وبعض الكنائس في مصر. ورد هذا الخبر بتقارب تام عند المقريزي ، وبايجاز عند ابن الاثير[55].

  اما اوضاع المسيحيين في عهد الحاكم  فيستهلّها بموت البطريرك الاسكندري[56]. وذكر في احداث سنة 393 ان الحاكم قبض على كتاب الدواوين المسيحيين لمدة اسبوع ثم افرج عنهم[57]– لم يرد الخبر عند المقريزي او غيره-. ثم تحدّث عن هدم كنيسة راشدة وبناء مسجد مكانها، وهدم كنيستين اخريين كانتا بجواره. واضاف: ان الحاكم اجلى مسيحيين عن احدى حاراتهم وهدم كنائسها وشيّد مكانها الجامع الازهر، وبنى لهم، في المقابل، حارة جديدة وثلاث كنائس. في حين اكتفى المقريزي بالقول وهُدمت كنيستان كانتا بالقرب من جامع راشدة[58]. وعلى الرغم من انه امر بمصادرة اوقاف الكنائس والاديار بمصر[59]، فقد كان بنظر الانطاكي عادلا احيانا ويقنع بالحوار، ومن الادلة على ذلك حواره مع الانبا سليمان رئيس دير طور سينا، فبعد ان شكا له بؤس حالة رهبان الدير، امر الحاكم باعادة ما كان صادره من الكنائس والاديار، وسمح للانبا بتجديد دير القُصير، وكتب له سجلاً بذلك انفرد الانطاكي من بين بقية المؤرخين بتدوينه كاملاً.

    وذكر في حوادث عام 395/1005 التدابير في اللباس التي اتخذها الحاكم ضد المسيحيين واليهود- اكّد المقريزي هذا الخبر[60]. واضاف انه ثار مجددا على المسيحيين فهدم مقابرهم وكنائسهم بما فيها كنيسة القيامة. وقد اوضح المقريزي سبب هدم كنيسة القيامة[61]، وذكر في اماكن اخرى انه:« تتابع هدم الكنائس ومصادرة اوانيها »[62]. وتابع الانطاكي اوامر الحاكم ضد المسيحيين ومنها تعذيب الكتاب ومصادرة اموالهم، مما ادى الى تحوّل بعضهم قسرا الى الاسلام[63]. وأرّخ شأن عدد من المؤرخين تجديد الحاكم تمييز المسيحيين واليهود من المسلمين باللباس[64]، على ان يحمل المسيحيون، في هذه المرة، الصلبان الخشبية في اعناقهم[65]. واستهجن موقف الحاكم المعادي للصليب بحيث منع ظهوره في كل الاماكن، وبعد مدة اعاد الامور الى نصابها، بعد ان كان قد تحوّل عدد من المسيحيين الى الاسلام قسرا.[66]

  نستدل مما اورده الانطاكي من تصرفات الحاكم انه لم يرد اظهار الاضطهاد ضد ابناء دينه فقط، بل أرّخ لهم من ضمن مرحلة تاريخية كانت حبلى بالعديد من المشاكل والاشكالات. وتتبدى موضوعيته بانصافه للحاكم، في حين تحامل عليه مؤرخون مسلمون كثيرون. واذا كان اهتم باخبار المسيحيين الذاتية: اعيادهم، وخلافاتهم فيما بينهم، من دون ان يتطرّق اليها مؤرخ آخر، فانه لم يوفّر اخطاءهم الداخلية التي كانت تسمح للسلطات الفاطمية بالتدخل بشؤونهم، والنيل منهم. وان تبريره لممارسات السلطة في هذا الشأن[67] يؤيد ما ذهبت اليه.  

ج- اخبار الوزراء:لم تنل اخبار الوزراء شأنا مهما في تاريخ الانطاكي، سوى ما اسبغه على الوزير يعقوب بن كِلِّس، الذي رغم ومقدرته الاداريةلم يسلم من المصادرة. وبسبب حاجته اليه اعاده العزيز الى منصبه بعد مرور شهرين، ورد له ما كان صودر منه[68]. وتحدث عن وزارة جعفر بن الفرات، ووزارة عيسى بن نسطوريوس[69].

4 نظرته الى الحاكم: وتسهيلاً لدراسة عهد الحاكم بامر الله سأقسمه الى عناوين من اجل تماسك السياق، بعد ان تناولنا وضع المسيحيين على حدة[70].

لما تسنّم الحاكم الخلافة انتدب الحسن بن عمار لتدبير شؤون الدولة فازال الرسوم الجائرة التي كان استحدثها عيسى بن نسطوريوس[71]، مما ادى الى صراع بين المغاربة والمشارقة انتهت بهزيمة الكتاميين وقتل ابن عمّار[72].

كان يجوب القاهرة ليلا وشوارعها مضاءة بالقناديل بامر شخصي منه[73]. وكان مولعا بمشاهدة صراع الرعاع بين يديه التي كانت تنهي مرات بحوادث مأسوية[74].-لم يرد هذا الخبر عند المقريزي على الاقل باحداث هذه السنة-. وفي سنة 395/1005 نهى الحاكم عن بيع النبيذ واهرق كميات كبيرة منه. – ذكره المقريزي بايجاز-[75]. وفيها ابتدأت تدابيره ضد النساء[76] – لم يرد الخبر عند المقريزي-.

بدأت هذه العلائق بثورة علاقة- وهو خارجي بنظره- من دون ان يحدد الانطاكي تاريخها، وتوسّع باحداثها اكثر من المقريزي الذي حدد تاريخها بعام 388/998[77]. وتليها معركة افاميا، فاحداث حملة الامبراطور باسيل عام 389/999 على « بلاد الاسلام »، على حد تعبيره، مفصّلاً كل احداثها: احتلال سيزر، وحصن ابي قيس، ثم حمص التي تحصّن بعض اهلها بكنيستها فاحرقها قادة جيشه « وكانت كنيسة معجزة وحمل نحاسها ورصاصها »، ثم احرق عِرقة، وحاصر طرابلس وعجز عنها. اما المقريزي فاوجزها كثيراً[78].   

  ثم يعود الى اخبار الدولة العباسية وتحديدا حوادث عام 335/947 متناولاً صراع ابن بويه مع ناصر الدولة ابن حمدان وانهزام الاخير.[79]واخبار سيف الدولة وصراعه مع البيزنطيين بشيئ من التفصيل بما في ذلك حملتي ابن الشمشقيق ونقفور فوكاس[80]. وتداعيات غزو الروم على بلاد الشام والساحل اللبناني على اوضاع المسيحيين في مصر، لأنها ادت الى نهب الكنائس[81]. وشرح الاوضاع الصعبة في مصر بعد موت كافور الاخشيدي[82].

أ- الدرزية: اتخذ موقفا معاديا عموما من الدرزية، وتحدث عنها منذ دعوة الدرزي الناس للاعتقاد بألوهة الحاكم، وهي مرتبطة، برأيه ، باسس المذهب الاسماعيلي” ان الامامة اجل قدرا من النبوة، وانها كانت في آدم وانتقلت الى نوح…”[83] وهكذا دواليك وصولا الى عبيد الله المهدي مؤسس الخلافة الفاطمية، واستقرت الالوهة في الحاكم. وبما ان الانطاكي كان رافضا لهذا المبدأ، ازعم انه، توسّع بالحديث عن ممارسات الحاكم كلّها مظهرا حبه لسفك الدماء، ورعب الناس من سطوته وتقلّب مزاجه، واضطهاده للمسيحيين. من دون ان يهمل ورعه وزهده وعدله، واسقاطه عن الناس رسوما جائرة كثيرة، وتلبيته حاجاتهم . ولم ترفع اعماله الحميدة مستواه الديني الى مرتبة الانبياء، انما مارسها ليخدع الناس، حسب زعم الانطاكي:« وانخدع كثيرون له وانحرفوا الى متابعته…»[84] واغضبت دعوة الدرزي كبار رجال الدولة الى المذهب الجديد المشارقة ( الاتراك في الجيش والادارة الفاطمية) مما ادى الى مقتل الدرزي. فاكمل حمزة بن احمد الملقب بالهادي الدعوة من بعده بطريقة شائنة – دائما حسب الانطاكي- لأنه « دعا الى الرخص والاباحة »[85]. ونقل المقريزي الدرزية عنه نقلا شبه حرفي[86].

   وفي المسار عينه كفّر قاضي القضاة سبعة اشخاص من اصحاب الهادي، فثار العامة وقتلوهم. وتزايد امر الدرزية فلعن اتباعها الانبياء، وعملوا كتابا جديدا لتعاليمهم اسموه الدستور. وارتبط الحاكم بالمذهب الجديد وقطع صلواته والخطب في الجوامع، وعطّل الحج الى مكة عدة سنين. وهدد الناس متوعدا حينا ومتسامحا حينا آخر لحملهم على اعتناق المذهب الجديد. وانفرد الانطاكي، من غيره من المؤرخين، بربط الدرزية بحريق الفسطاط انتقاما من اهلها لرفضهم القبول بدعوته، في حين ارجعه بعضهم للانتقام من اهل الفسطاط، لأن بعضهم وضع رقعة بيد تمثال لامرأة صنعوها من القراطيس يشتمون فيها الحاكم وسلالته[87]، وهو تفسير سطحي.

    وادى انتشار الدرزية في وادي التيم ومنطقة الغرب اللبنانيتين، الى اضطراب الاحوال العامة في دمشق. في حين اكتفى المقريزي بالقول:« وفيها – اي سنة 425/1034- ظهرت الطائفة بجبل السماق من الشام يدعون الى الحاكم بامر الله.»[88]

ب- نهاية الحاكم: يستهلها بالقول:« مال الحاكم لى الانبا صلمون منذ اول مشاهدته »[89] واستجاب لطلباته فالغى التدابير المتخذة بحقهم، وشارك رهبان الدير لبس الصوف، ممّا اثار عليه العامة من المسلمين واعتبروه تلميذا للانبا. وكان يقصد دير القُصير ويستحث العمال للإسراع بإنهاء بنائه « ويعدل الى ديارات جددها اليعاقبة في ناحية القرافة »[90]، ممّا يجعلنا نستشف من كلامه: ان الحاكم مال في اواخر حياته الى المسيحيين محاولا تعويضهم الاساآت المتكررة التي كان قد ألحقها بهم. ويرجع الانطاكي موته الى خلافه مع سبعة اشخاص من البادية اغلظوا له بالكلام وطلبوا منهم مالاً، فانفذ لهم رقعة مع غلامه المعروف بالقارفي صحبة احدهم، ولما رجع الغلام لم يجد سيده. فبحثت عنه اخته ست الملك من دون ان تعثر له على اثر.[91] اما المقريزي فارجع اختفاءه او مقتله  الى تآمر اخته ست الملك عليه لأنه اتهمها بالفجور. وتتوافق روايتا اختفائه المذكورتين مع روايتي ابن القلانسي وابن الاثير.[92]

5- عهد الظاهر: اما عهد الظاهر فيستهلّه باعتلائه العرش، وينفرد الانطاكي وحده بنقل السجل الذي قرئ على الناس في هذه المناسبة، ويورد فيه معلومات غاية بالاهمية، منها: التسامح مع اهل الذمة والسماح لمن اعتنق من المسيحيين الاسلام قسرا بالعودة الى دينه الاساسي[93]. واوضح ان السلطة الفعلية، في هذا العهد، كانت بيد عمّته ست الملك التي ألغت تدبير الحاكم وتحريماته فعاد الناس الى الحياة الطبيعية[94]. وحاولت عقد معاهدة مع البيزنطيين اقترحت فيها تجديد بناء كنيسة القيامة والبيع المسيحية كافة واعادة الكنائس الى اصحابها، ولكن موتها افشل المشروع[95]. وكانت المعاهدة بنظر الانطاكي مطلبا فاطميا، ومن اجل ابرامها، تمّ تبادل الرسائل بين نيقيا امير جيوش الظاهر وقطبان انطاكيا. وقد اورد ابرز بنودها المقترحة، مفصّلاً بشكل مترابط الاسباب التي منعت ابرامها. في حين ان المقريزي لم يذكرها، مكتفياً بادراج المعاهدة التي ابرمت بين الظاهر والامبراطور مخائيل[96]. وأكّد الانطاكي خبر هذه المعاهدة على ان يذكرها في موقعها المناسب، لكنه انهى كتابه قبل الوصول الى احداث السنة المذكورة. وفصّل عملية اعتقال ولي العهد عبد الرحيم بن الياس وقتله بما يتطابق مع جوهر روايتي ابن القلانسي الاكثر تفصيلاً، والمقريزي الموجزة.[97]وتطرّق الى مقتل الهادي وحَظْر مذهبه.

   لم يهمل الانطاكي احداث بقية المناطق؛ فقد فصّل الصراع البويهي البويهي بعد وفاة عَضُد الدولة بما يتوافق مع اخبار ابن القلانسي، ومسكويه في تجارب الامم[98]. واورد خبر كسر الحجر الاسود في مكة وتداعياته، من دونة ان ترقى روايته الى مستوى تفاصيل الخبر عند ابن الاثير او عند المقريزي[99]. واحتلت اخبار حلب حيّزا مهما في تارخه: شكّل صالح بن مرداس محورها الاساسي في هذه المرحلة، فقد احتلها بالتعاون مع حسّان بن المفرّج وسنان بن عليان امير الكلابيين بهدف تقاسم بلاد الشام فيما بينهم. ثم دخل بصراع مزدوج: مع الحلبيين، ومع الدزبري[100]. وانتهى دوره بهزيمته ومقتله في معركة الاقحوانة، مما مكّن الفاطمين من استعادة بعبلبك والساحل اللبناني[101]. وانهى هذا القسم من الكتاب المتعلّق باخبار العالم العربي والاسلامي بترجمة للامبراطور البيزنطي رومانوس، لأنه خصص القسم الاخر لأخبار الدولة البيزنطية غير الواردة عند المؤرخين العرب.

6- قيمة نظرته التاريخية:  بناء على ما اوردناه من محتوى الكتاب، يمكن القول ان  نظرته جاءت عمودية وافقية في آن معا: افقية لأنها لم تنحصر في منطقة معينة من العالم العربي والاسلامي، ولا في ظلّ خلافة واحدة من الخلافتين المتنازعتين في المشرق العربي، بل شملت كل هذا العالم بتلاوينه السياسية المتعددة، والمتنوعة الولاآت، من دون ان نتبيّن ميولاً واضحة او مواقف مسبقة من هذا الفريق او ذاك، بل أرّخ لكل الفرقاء من منظار واحد. وقد نستشف من خلال اقلاله التوسّع باخبار بعض الشخصيات قلة اهتمام بها، لأنه اعتبر ادوارها ثانوية تتممّ الاحداث الكبرى التي احتلت الحيّز الاوسع في تأريخه، من دون ان نصنّف هذا الموقف بانه مسبق من الاحداث. ونجد تفاصيل اوفى للتأريخ لمصر الفاطمية في عهد الحاكم بأمر الله، تأتت من اهتمامه بهذه الشخصية، التي  اعتبرها مميّزة بين اقرانها من دون ان تكون متميّزة بذاتها وترقى لمستوى فذ، بل ربما اعطاها هذا البعد من خلال تصرفات الحاكم التي استهجن بعضها، واعتبر بعضها الاخر متميّزا لا بل مهما جدا كالدعوة الى الوهته، ونشوء المذهب الدرزي الذي احتلّ فيه الحاكم مركزا مرموقا لا بل مقدسا. من هنا، اعطى اهمية خاصة لمصر في هذا العهد ذي الابعاد السياسية والاجتماعية الواضحة قياسا بعهود والده وجده المعز.

    ولم تكن نظرته التاريخية  عسكرية فقط وان طغى هذا التطلع على غالبية تاريخه، بل تعدتها الى الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية: فتناول الضرائب الجائرة والعادلة على حد سواء، والغلاء واسبابه وتداعياته وطرق معالجته، والاوبئة والامراض[102]. وطالت ايضا اخبار الادارة عند الفاطميين وبدرجة اقل عند العباسيين. وكونه رجل دين فقد أرّخ للبطارقة والاساقفة على اختلاف درجاتهم، وحتى  يمكن الحصول من خلال كتابه على ثبت باسمائهم وسني توليهم مناصبهم ومراكز كراسيهم، اضافة الى الخلافات فيما بينهم واسبابها ونتائجها.

     وتتبدى عمودية نظرته التاريخية بتحليل بعض الاحداث، وربط بعضها بالبعض الاخر بطريقة شبه متكاملة، وربط بعض الحوادث باسبابها: بسبب هجوم لاون على ديار بكر… هاج الرعاع بمصر…وخربوا الكنائس. او بسبب غزوة نقفور جزيرة اقريطش وتخريبه مساجدها هاج الرعاع بمصر وخرّبوا ونهبوا كنيسة مار ميخائيل.[103] كما ايضا بقوله:« سيّر جعفر بن فلاح من دمشق عسكراً عظيما الى انطاكيا…ولما عاد ابن الشمشقيق من البلغر غزا الشام.»[104] وتتّضح بتتبعه لأدوار شخصياته التاريخية التي صدّرها الاحداث شأن الحاكم بأمر الله: الانسان، والخليفة، والزاهد، وبتحليله نفسيته بمحاولة لاكتشاف اسباب مرضه على حد تعبير الانطاكي. ويصبّ في الاطار عينه تحليله لاسباب الصراع فيما بين المسحيين انفسهم، وتداعياته الكارثية عليهم بسبب تدخل السلطة الحاكمة بشؤونهم الداخلية، محمّلا رؤساءهم الدينيين مسؤولية وقوع تلك الصراعات. ويصبّ في الخانة عينها ربطه المذهب الجديد الذي اعتنقه عهد الحاكم، حسب تعبيره، بالعقيدة الاسماعيلية، ومحاولته تفسير موقف الحاكم منه بطريقة تحليلية تعليلية.

 ثالثا: طريقة المعالجة:

1 – المصادر: ان الكلام على منهج الانطاكي يستدعي العودة الى مقدمة كتابه الذي حدد فيها منهجه، بقوله:« قصدي من هذا الكتاب ان اذكر جُمَلَ ما انتهى اليّ وصحّ عندي من الاخبار السالفة والحوادث الكائنة، منذ المدة التي انتهى اليها تاريخ سعيد ابن البطريق…الى زماننا هذا.»[105] وقال في مكان آخر:« ووقع اليّ بعد ذلك تواريخ لم أكن وقفت عليها عند شروعي في عمله، فغيّرته باجمعه وبدّلت نظمه، وألفته تأليفا ثانياً. ثم ايضا بعد انتقالي الى انطاكيا…تصفحته تصفّحا ثانياً، وتحصّل لي تواريخ أخر، فخرجت منها ما ألحقته به وأضفته اليه، وغيّرت بعضه، وقررّت الامر على هذه النسخة.»[106] ومن الواضح ان الانطاكي اطلع على العديد من المصادر وتبحّر فيها أكثر من مرة للتأكد من انه كتب المضمون صحيحاً، مما يدفعنا للاعتقاد ان مصادره صحيحة، بل دقيقة وان لم يذكرها. واظهرت المقارنات العديدة التي اقمناها مع مضامين مصادر أخرى عديدة ذات منزلة علمية مرموقة صحة معلوماته ودقتها من دون اي لبس، رغم التباين بينها من حيث الاسهاب او الاختصار فقط. وكان الانطاكي شاهد عيان على احداث عاصرها، منها ما كان يطال رعيته المسيحية مباشرة، ما كان يضعه في خانة المسؤولية المباشرة، وتاليا الاطلاع المباشر والمستمر على اوضاعها.

   ان هذه الادلة تدفعنا الى اعتبار مصادر الانطاكي موثوقة، متعددة، غنية وشاملة، ولست ادري لماذا لم يذكرها في متن الحوادث جريا على الاسلوب المتبع في عصره؟!

2- منهج التراجم : ويمكن استلهام منهجه العام ممّا ذكره في مقدمة الكتاب:« فأقصد فيه المناهج التي قصدها- يعني ابن البطريق- فأضيف اسماء جميع الخلفاء والملوك الذين وقفت على اسمائهم، وأضيف الى ذلك جملاً ممّا انتهى اليّ من اخبارهم وسِيَرهم…وأذكر اسماء بطاركة الاسكندرية، وبيت المقدس، وانطاكيا، والقسطنطينية، واعمارهم وكراسيهم…» [107] ان كلامه هذا لا يتوافق تماما مع منهج التراجم، ولا ينسجم مع سِيَر الشخصيات الواردة في تأريخه باستثناء الترجمة الطويلة التي خصّ بها سعيد ابن الحسين مؤسس الخلافة الفاطمية. اذ لا يمكن اعتبار ما ذكره عن عدد من الخلفاء مثل: المستكفي العباسي، والخلفاء الفاطميين: المنصور بالله، والمعز، والمعز، وغيرهم، تأريخا وفق نمط التراجم، لأنه اكتفى بتعريف سريع بسني حكمهم ووفياتهم.   

3- التأريخ الحولي: ان النمط الذي اعتمده الانطاكي يصعب اعتباره تأريخاً حولياً صرفاً، لأنه اتخذ من الخلفاء اساساً للتأريخ، وازعم ايضا انه صدّر بعض القادة العسكريين والسياسيين الاحداث لأنهم فاقوا الخلفاء منزلة سياسية وقيادية، اما بتفويض من سادتهم، او انهم باشروا الامور بأنفسهم، فصاروا محور الاحداث التي كان يتممّها دور الخلفاء. ولعلّ جوهر الصقلّي من ابرز نماذج هذا النمط، اذ ركّز مؤرخنا عليه أكثر من عنايته بالمعز لدين الله: فهو من احتل مصر وبلاد الشام، وبنى القاهرة، وأمّن كل مستلزمات الدولة تمهيداً لدخول سيده الى مصر. وتمحورت الاحداث في عهدي الراضي والمتقي العباسيين حول ابن رائق، وحول معز الدولة بن بويه في عهدي المستكفي والمطيع العباسيين. وتصدّر سيف الدولة الحمداني الاحداث أكان بالنسبة للخلفاء العباسيين ام الفاطميين ام الاباطرة البيزنطيين الذين عاصرهم. اما الحاكم بامر الله الفاطمي فقد اختصر كل احداث عصره بشخصه، وشكّل احد اهم مفاصل الحركة التاريخية. لذلك، نقول انه صاغ الاحداث تبعاً للشخصيات البارزة، وكلما كانت الشخصية مهمة بالمقدار عينه ربط الاحداث بها، وجعل الشخصيات الاخرى مهما كانت منزلتها او صفتها السياسية مكمّلة لها.

لذلك، يمكن القول ان الانطاكي أرّخ حسب الموضوع مراعياً التسلسل الزمني، وللموضوع عنده مستويان: المنطقة الجغرافية، والشخصية البارزة، وهو نمط يتوافق من هذه الزاوية مع التأريخ لتوالي عهود الحكام،. ممّا يفسّر تناوله اخبار العراق على حدة، وكذلك اخبار مصر، وسيف الدولة، وحوادث البيزنطيين. وقد ميّزة ببراعة بين الحوادث الداخلية الصرفة الخاصة بمنطقة جغرافية وسياسية محددة، وبين الحوادث الخارجية عنيت تلك التي تتداخل بين منطقتين او أكثر. ممّا يفسّر تداخل احداث العراق باحداث مصر وبلاد الشام والدولة البيزنطية تبعاً لظروف المكان والزمان والشخصيات المحورية. فقد احتلّ نقفور فوكاس قائد الجيش، ثم الامبراطور لبّ الحوادث، واتمّها سيف الدولة، وربط ايضا تطوّر الاحداث في بلاد الشام بالامبراطور المذكور، وتابع احداثه حتى خلافة المعز لدين الله الفاطمي.[108]وانسجاما مع التأريخ حسب الموضوع حاول جاهداً تناول الخبر الواحد بشكل تام ومتكامل، وان اضطر احيانا لقطعه احتراما للتأريخ الحولي، او افقية الاخبار ( التأريخ لكامل المشرق العربي) ليورد خبراً موجزاً من منطقة اخرى باسطر معدودة: شأن خبر الاسقف اغابيوس الذي يقطعه مرة واحدة بثورة للارمن في انطاكيا[109]، او اخبار نقفور فوكاس التي يقطعها باستطرادات سريعة بعضها عباسي وبعضها الاخرحمداني[110]. وهو بلا شكّ عيب تأريخي وقع به مؤرخون كبار مدى التاريخ الوسيط كله[111]، ممّا يعني ان هذه الهنات كانت من صلب المنهج التأريخي ولم تبخسه قيمته في ذلك العصر.

   واذا كان وقع بالخطأ السابق فانه اعطى الافضلية مرات عديدة لتكامل الاحداث، بجعل الخبر يتجاوز التأريخ الحولي: فهو يورد في مستهل اخبار الخلافة الفاطمية حوادث عام 365 ثم يتعداها الى حوادث عام 367 ليجعل من خبر السقلارس كلاً متكاملاً، ليعود مجددا الى حوادث 365 ثم الى 366 ويتابع احداث 367[112] بمحاولة للانسجام مع التأريخ الحولي ومراعاة لاكتمال لخبر الواحد. ويتكرّر العيب عينه في حوادث عام 405/1015 بقطع اخبار ولي العهد عبد الرحيم بن الياس ليستطرد باخبار عن  تقليد الحاكم قاضي القضاة، ومستوى القضاء في العهد الفاطمي، ليتابع بعدها اخبار ولي العهد، واخبار لؤلؤ غلام ابن حمدان، واخبار الاعوام: 399و 402 و 403، ليعود الى استكمال اخبار 405[113]. وقد فرض عليه المنهج الحولي التنقّل بين ارجاء المشرق العربي استكمالاً لافقية الرؤية التاريخية وان على حساب قطع الحادثة الرئيسة باخبار ثانوية جرت في مناطق اخرى، من دون ان يبخسه مقدرته التاريخية.

    وأرّخ الانطاكي وفقا للتقويم الهجري جريا على عادة المؤرخين العرب والمسلمين محددا اليوم والشهر والسنة[114]، وبالتقويم عينه حدد المسار الزمني لأخبار الدولة البيزنطية ذات الصلة باحداث العرب والمسلمين:« وفي هذه السنة – 348- مات قسطنطين.»[115] كما أرّخ بالتقويم الاسكندري معطوفا على التقويم الهجري،[116] واستخدم ايضا سني عهود الاباطرة البيزنطيين تقويما خاصا ومربوطا ايضا بالتقويم الهجري.[117]

   كان الانطاكي دقيقا بذكر اخباره، كما اثبتنا، فادرج ارقاما كلّما دعته الحاجة:« ولمّا لم يبقَ عند سيف الدولة من الروم من يفادي به اشترى بقية اسرى المسلمين وكان عددهم ثلاثة الآف نفس بمائتي واربعين ألف دينار رومي.»[118] وتتبدى دقّته بالاخبار التي انفرد بها وايّد صحتها العديد من المؤرخين المحدثين، وتلك التي فصّلها وحده واوجزها معاصروه. وهي دفعت بالمقريزي للاقتباس منه كثيرا في مؤلفه اتعاظ الحنفاء.

    تقويم: وعلى هذا، يعتبر تاريخ الانطاكي مصدرا غنيا جدا، ولا اغالي ان قلت ان لا مندوحة من الاعتماد عليه لا سيما في الفترة التي تناول فيها مصر الفاطمية، وبخاصة عهد الحاكم بامر الله.

 


[1] Canard, Marius, EI2, art. Antaki, TI, p. 531

[2] – لمزيد من الاطلاع، انظر: ضومط( انطوان)، واخرين، الشرق العربي في القرون الوسطى، الدار اللبنانية للنشر الجامعي، بيروت، 1996، ص112-115، 135-171

[3]  – الانطاكي، (يحي بن سعيد)، تاريخ الانطاكي، تحقيق عمر تدمري، جروس برس، طرابلس،1990، ص 73

[4] – الانطاكي، ص 75

[5]  المصدر عينه، ص 83

[6] – الانطاكي ، ص21

[7] – المكان عينه

[8]  – الانطاكي، ص 29-30

[9]  – نفسه ،ص 38

[10]  – مسكويه، (محمد بن علي)، تجارب الامم وتعاقب الهمم، تحقيق امدروز، طبعة ليدن، دون تاريخ، ج1  ص289 – 413- -404 – 420

الهمذاني،( محمد بن الحسن)، تكملة تاريخ الطبري، تحقيق البرت كنعان، بيروت، 1961، ص82 – 116-117،118

ابن الاثير،( علي بن محمد)، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1965، ج8 ، ص 282-369

[11]  – نفسه ، ص 25-28

[12] – نفسه ، ص 46-47

[13] – ص 55-  56

[14] – الانطاكي، ص83-92، 95-102، 106-108، 113-117

[15]  – الهمذاني، محمد بن عبد الملك، تكملة تاريخ الطبري، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، دار المعارف ، مصر، دون تاريخ، ص 314-316،335-340، 341-346

[16]  – الهمذاني، ص 314-315

[17] – نفسه ، ص 320، 322، 335 وغيرها كثير

[18]  – الهمذاني، ص 334

[19] -نفسه، ص 318،322، 336،338،

[20] – مؤرخ مجهول، العيون والحدائق في اخبار الحقائق، تحقيق عمر السعيدي، دمشق، 1973، الجزء الرابع، القسم الثاني، ص 252 

[21] – نفسه، ص 355-356

[22]  – نفسه، ص 392

[23]  – نفسه، ص 380

[24] – المكان عينه

[25]  –  نفسه، مثلا: ترجمة المتقي، ص 410-411 ، وترجمة المستكفي، ص 441-443

[26]  – نفسه، ص 381

[27]  – نفسه، 422-423

[28]  – العيون، ص 424

[29]  – نفسه 457

[30]  – العيون والحدائق، 427-432

[31] – المقريزي، (تقي الدين احمد)، اتعاظ الحنفا باخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، تحقيق جمال الدين الشيال، القاهرة، ط2، 1996 ، ج1، ص 41 وما بعد ولا سيما ص 57-59

[32]  – انظر مثلا : اتعاظ، ج1، ص 43

[33]  – عينه، ص 44، 50

[34]  اتعاظ، ص 60

[35] – اتعاظ، 1/65

[36] – المصدر السابق،، 1/67

[37] – نفسه، 1/74

[38] – اتعاظ، 1/75

[39] – نفسه، 1/95

[40] – لن ندخل في كل هذه التفاصيل خصوصا ثورة ابي يزيد الخارجي التي خصص لها 13 صفحة، واعمال الخلفاء الفاطميين في المغرب لأنها افاضات طويلة غير متوفرة عند الانطاكي.

[41]  – الانطاكي، ص 62-68

[42] – نفسه، ص 59 – 61

[43] – الانطاكي، ص 62 -67

[44] –  المصدر السابق، ص 68 – 70

[45]  – اتعاظ، ص96-100

[46]  – الانطاكي، ص 143، 146-147

[47]  – اتعاظ، ص 107، 113، واحداث الصراع بين الفاطميين والقرامطة بما فيها تبادل الرسائل بين المعز والحسن الاعصم ص 187-202 ، و220-241

[48] – نفسه، ص 113

[49]  – ابن القلانسي، حمزة بن علي التميمي، ذيل تاريخ دمشق، تحقيق سهيل زكار، دار حسان، دمشق، 1983، ص 1-8

[50] –  ابن القلانسي، ذيل تاريخ دمشق، ص 21-37

[51]  – الانطاكي،161-162، 179، 180-182،

[52] – الانطاكي، ص 182

[53]  – ابن الاثير، الكامل، ج8 ، وانظر منهج ابن الاثير في هذا الكتاب

[54]  – الانطاكي، ص 169-179

[55] – الانطاكي، ص 233-234، وابن الاثير، الكامل، ج9، ص 90 ، واتعاظ، ج1، ص 287-290

[56] – نفسه، ص249-250

[57] – المصدر السابق، ص250

   [58] – الانطاكي ، ص 250-253، اتعاظ، ص 48

[59] – نفسه، ص 277

[60] – الانطاكي، ص256، اتعاظ الحنفا، 2/35، ووفيات الاعيان، 5/293-294

[61] – الانطاكي، ص279-280، 282-283، اتعاظ، 2/75، ابن القلانسي، ص 108-111

[62] – اتعاظ، 2/94-95

[63] – الانطاكي، ص 277، ابن القلانسي، ص61-62

[64] – المصدر السابق، ص256، اتعاظ، 2/53

[65] – الانطاكي، ص 296، اتعاظ، 2/94-95، 100

[66] – الانطاكي، ص296-297

[67] – نفسه، ص 271-274

[68] – الانطاكي، ص202-203

[69] – نفسه، ص227-228

[70] – سأشير الى تطابق المعلومات في الحواشي باسنادها الى مصادر اخرى، واذا انفرد بخبر سأشير اليه في المتن.

[71]  – الانطاكي، ص 238 ، الكامل، ج9، ص 118-119، واتعاظ، ج2، ص 3

[72]  – نفسه، ص 239، الكامل، ج9، ص 119، واتعاظ، ج2، 12-13

[73]  – الانطاكي، ص 250 ، اتعاظ، ج2، ص 38

[74] – المصدر السابق، ص251-252

[75]  – الانطاكي ، ص 253-254 ، اتعاظ، ج2، ص 54

[76] – نفسه، ص254

[77] – الانطاكي، ص 240-241، اتعاظ، ج2، ص 18-19

[78]  – نفسه، ص 243-246، اتعاظ، ج2، ص32

[79]  – المصدر السابق، ص 73 – 74

[80]  –  نفسه، ص83 – 92، 95 – 102 ،106-108 ، 113- 117

[81] – الانطاكي، ص 92 – 93

[82]  – نفسه، ص 121-123

[83] – الانطاكي، ص335

[84] – نفسه، ص 338

[85] –  الانطاكي، ص342

[86] – اتعاظ، ج2، ص 113 وما بعد

[87] – الانطاكي، ص 334-3352، وانظر قصة التمثال في الحاشية رقم 8، ص348-349

[88] – اتعاظ، 2/181

[89] – الانطاكي، ص359

[90] – الانطاكي، ص360

[91] – نفسه، ص360-361

[92] – الكامل، 9/314-319،  ابن القلانسي، ص 69-70، اتعاظ، 2/114

[93] – انظر السجل مفصل، الانطاكي، ص 366-367

[94]  – الانطاكي، ص374-375، اتعاظ، 2/129

[95] – الانطاكي، ص387

[96] – المصدر السابق، ص 430-438، اتعاظ، 2/ 182

[97] – الانطاكي، ص368، ابن القلانسي، ذيل تاريخ دمشق، ص69-70، المقريزي، اتعاظ، 2/114

[98] – الانطاكي، ص182-186، ابن القلانسي، ص15-20، الهمذاني، ص225-229، 231-235، مسكويه، تجارب الامم، 2/366-375، 380-381

[99] – الانطاكي، ص387، الكامل، 9/332-333، اتعاظ، 2/118

[100] – الانطاكي، ص 392- 398، ابن العديم، زبدة الحلب، 1/227-229

[101] – الانطاكي، ص410-412، زبدة، 1/231-232، ابن خلّكان، وفيات الاعيان، 2/487، اتعاظ، 2/160، 176

[102] – الانطاكي، انظر على سبيل المثال: ص122، 353

[103] – الانطاكي، ص 93-94

[104] – نفسه، ص 146-148

[105] – الانطاكي، ص 17

[106] – الانطاكي، ص19

[107] – نفسه، ص17-18

[108] – الانطاكي، ص97، و130وما بعد

[109] – نفسه، ص169-171

[110] – نفسه، ص 102-108

[111] – انظر منهجي المقريزي، ص 250 وما بعد، وابن تغري بردي، ص 295 وما بعد.

[112] – الانطاكي، ص 165-180

[113] – نفسه، ص 311-319

[114] – انظر مثلاً: مات ابو القاسم انوجر…يوم السبت لتسع خلون من ذي القعدة سنة 349، اوكانت الوقعة يوم الخميس النصف من شهر رمضان سنة 349، الانطاكي، ص 94، والنماذج كثيرة جدا

[115] – نفسه، ص91

[116] – المصدر السابق، ص141-142

[117] – الانطاكي، ص 190

[118] – نفسه، ص 114

ابن الاثير ( 555- 630 /1160-1233 )

اولاً: عصره وحياته ومؤلفاته.

1 – عصره : تميز القرنان السادس والسابع بالتمزق الداخلي الشديد في الدولة الواحدة أكان عند الفاطميين، ام عند الاتابكيات الزنكية في حلب ودمشق والموصل وآمد وغيرها، كما ايضا في الامارات والممالك الصليبية. فالخلافة الفاطمية شهدت صراعات داخلية مخيفة ولا سيما منذ اواسط القرن الرابع/الحادي عشر حين نشأ فيها ما يعرف بحكم الوزراء الذين استبدوا بالخلفاء وصارت السلطة الفعلية بايديهم، وتصارع المرشحون على الوزارة عسكريا وسياسيا فيما بينهم. كما عرفت ايضا حركات استقلالية داخلية في طرابلس، وصور ومعظم مدن الساحل اللبناني، ناهيك عن محاولات مشابهة في بعلبك، ودمشق وحلب وغيرها. وتميزت هذه الفترة ايضا بما يعرف بثورات الاحداث. وكانت محاولات الفاطميين استرداد المناطق المستقلة وتلك التي استولى عليها السلاجقة تؤدي الى حروب شبه غير منتهية ما اضعف الجبهة الاسلامية.

   وتمزقت السلطنة السلجوقية الى اتابكيات مستقلة متنافرة فيما بينها، كل واحدة تطمع بالاستيلاء على مثيلاتها، وضمها اليها، ما سهل دخول الصليبيين الى المشرق واستقرارهم فيه. والصليبيون كانوا ايضا مختلفين فيما بينهم ولكل فريق امارته او كونتيته، وان من خضع منهم الى المملكة اللاتينية في القدس كان خضوعه اسميا.

   ان كل ذلك كان يؤشر الى سهولة سبل الصراع، والى تشتت الجبهات المفترض ان تكون موحدة. وقد عايش ابن الاثير ثلاث مراحل متميزة: توحيد الجبهة الاسلامية على يد صلاح الدين الايوبي وتهديده الواضح للوجود الفرنجي في المشرق العربي. ثم انقسام الدولة وتمزقها بعد وفاته بين اولاده واخوته، ومحاولة اخيه العادل الاول اعادة توحيدها، وانحلالها مجددا بعد وفاته وتناحر حكامها فيما بينهم. اما المرحلة الثالة فكانت هجوم التتار على الدولة الخوارزمية وقضاؤهم عليها وتهديدهم الخلافة العباسية.

   ان هذه المراحل وخاصاتها أثرت بابن الاثير وتركت بصمات على نظرته التاريخية، فادرك اهمية العالم الاسلامي ووحدته، ولم يمنع تمزّق هذا العالم على المستوى السياسي والعسكري مؤرخنا من توحيده على المستوى التأريخي، برغم من بعد الشقة بين ارجائه، وتمايز التوجهات بين دوله ودويلاته وخلافاته ( جمع خلافة ).

    على هذا، يمكن تفسير معظم مواقفه التأريخية، فلم يرحم المسيئين الى المسلمين لان في التاريخ مواعظ وعبراً. كما نفهم من المنظار عينه مهاجمته لصلاح الدين الايوبي حين استولى على مصر وحاول الاستقلال بها عن نور الدين محمود اتابك دمشق وحلب، وتراجعه المستمر عن حصار حصني الشوبك والكرك الصليبيين كلما تقدم نحوهما نور الدين لمساعدته مضعفا الجبهة الاسلامية، ومن ثم تقديره البالغ له عندما وحّد مصر وبلاد الشام وشن حروبه غير المنتهية على الصليبيين.         

2- حياته: هو ابو الحسن علي بن محمد الشيباني المعروف بان الاثير الجَزَري نسبة الى جزيرة ابن عمر التي ولد فيها بتاريخ 4 جمادي الاولى سنة 555 الموافق 12 ايار1160، ولقبه عز الدين. نشأ في مسقط رأسه لأن والده كان متوليا ديوان جزيرة ابن عمر من قبل قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل[1]. ثم ارتحل الى الموصل مع والده وأخويه[2]، وتثقف فيها على العلامة عبد الله الخطيب الطوسي ومن في طبقته. وقدم الى بغداد مرات عدة وسمع فيها من الشيخين ابي القاسم بن صدقة الفقيه الشافعي، وعبد الوهاب بن علي الصوفي. ثم زار الشام والقدس واخذ العلم عن جماعة، وعاد بعد ذلك الى الموصل حيث استقر، وربطته علاقة وثيقة بالطواشي طغريل الخادم اتابك العزيز صاحب حلب[3]. ولما بلغ الثامنة والعشرين من العمر رافق السلطان صلاح الدين الايوبي خلال محاربته للصليبيين [4]. كان يكره الوظائف الحكومية ربما لأنها قد تؤثر على توجهاته الفكرية من جهة، ومن جهة ثانية كان ميسورا وليس بحاجة الى المال. ولكن ابتعاده عن تولي المناصب الحكومية حرمه الاطلاع على الوثائق الرسمية المتنوعة التي كان بامكانها اغناء ابحاثه من حيث توضيح الكثير من الامور خصوصا المتعلقة باحداث عصره . كان اماما بالحديث، وحافظا للتواريخ المتقدمة والسابقة لعصره وتلك التي عاصرها وخبيرا بانساب العرب[5]. فانقطع الى العلم وتصنيف الكتب، وصار بيته منتدى ادبيا لعلماء الموصل والواردين اليها. وربطته بابن خلّكان علاقة الطالب بالاستاذ وافاد منه كثيرا، ويتحدث عنه ابن خلكان بالكثير من الاجلال والتقدير. ويزعم ابن القفطي ان ياقوت الحموي طلب اليه، في أواخر حياته، ان ينقل مكتبته واوراقه ويودعها الوقف الزبيدي في بغداد ولكنه احتفظ بها لنفسه[6]، ونحن لا نعرف مدى صحة هذه الرواية التي تناقض تماما ما ذكره عنه معظم معاصريه من انه كان كريم الاخلاق وكثير التواضع مستقيما، ما يجعلنا نشك بصحة رواية ابن القفطي. توفي عن ثلاثة وسبعين عاما في شعبان او رمضان من سنة 630 ايار 1233م.

3- مؤلفاته : قد لا يكون ابن الاثير من اكثر المؤرخين تأليفا، ولكنه قد يكون من افضلهم نوعية، وقد ترك عدة مؤلفات كلها طبعت ونشرت:

– اسد الغابة في معرفة الصحابة، وهو مؤلف وفق منهج التراجم تحدث فيه عن صحابة الرسول. ويبدو انه كتبه نزولا عند رغبة عدد من علماء دمشق وعلماء القدس المختلفين حول سير الصحابة وبعض الاحاديث النبوية ليحسم الخلاف بينهم، ومن جهة ثانية لأنه وجد عددا من المآخذ على بعض المؤلفات في هذا المضمار.وتظهر اهمية هذا الكتاب من خلال عدة أمور: ضبط الاسماء بالتشكيل، وتصحيح بعض الاخطاء الواردة في مثيلاته، وشرح الألفاظ الغريبة، واخيرا بترتيبه على الحروف الهجائية.[7]

– اللباب في تهذيب الانساب، يبرر ابن الاثير الدافع الى كتابته بحاجة الناس الى هذا العلم الجليل الفائدة، الذي بدأ بالاندثار او قلت التآليف في مضماره. و« اللباب » هو مختصر كتاب الانساب لعبد الكريم بن السمعاني الذي يصفه ابن الاثير ب ” الملاحة والجودة والفصاحة، وقد اتى بما عجز عنه الاوائل.” ولكنه نبّه الى ما فيه من عيوب وهفوات، فانتقده واهمل فصوله الاولى واختصر بعض التراجم واسقط بعضها الآخر كليا، وزاد عليها ما وجده مناسبا، وصحح الاخطاء الواردة في انساب السمعاني[8].

– الباهر بالدولة الاتابكية، وقد خصصه لتاريخ الاتابكة في الموصل من حين تولى عماد الدين زنكي اتابكية الموصل عام 521/1127 حتى وفاة الاتابك نور الدين ارسلان شاه عام 607/1221. ويعتبر شاكر مصطفى ان ابن الاثير لم يلتزم بكامل موضوعيته في هذا الكتاب بل حابى الاتابكة[9]. والكتاب كما يلاحظ هو في تاريخ المحلي او الاقليمي.

ويذكر شاكر مصطفى ان لابن الاثير كتابا آخر ضائعا وهو بعنوان: ادب السياسة.[10]

    واذا اضفنا الى المؤلفات المذكورة «الكامل في التاريخ»الذي يتمحور حوله بحثنا نلاحظ بوضوح ان ابن الاثير جمع في مؤلفاته الاربعة المناهج التأريخية المتداولة في عصره وهي : التراجم في اسد الغابة، والانساب في اللباب، والتاريخ البلداني او الاقليمي في الباهر، والتاريخ العالمي الشامل في الكامل. ما يؤشّر الى اهمية منهج ابن الاثير وتكامل المناهج كلها في تآليفه ويطرح رؤيته المنهجية الشاملة التي سنفصلها فيما يلي.

  اما مضمون الكامل فيتألف من قسمين: ما قبل الاسلام، والتاريخ الاسلامي.

   ما قبل الاسلام: يبدأه بقصة الخلق انطلاقا من مفهوم قرآني، ويستمر على هذا النحو في تاريخ الانبياء جميعهم فيربط احداثهم بآيات قرآنية من دون الدخول في مفاهيم دياناتهم يهودية كانت او مسيحية[11]. ثم يتحدث عن ملوك الفرس وطبقاتهم ودياناتهم، ولكن فهمه للديانة المزدكية جاء سطحيا جدا وعمل على الحط من قدرها من دون ان يدخل الى صلبها او يدرس مرتكزاتها[12]. وتحدث عن الملوك الروم وطبقاتهم ايضا، ، وقسمهم الى ما قبل المسيحية، المسيحية، والطبقة الاخيرة المعاصرة للتاريخ الاسلامي بدءأ من الهجرة من دون ان يأتي على ذكر اليونان. ويذكر من تاريخ الاحباش فقط ما يتعلق بالعرب وخصوصا يوم الفيل، ويتحدث عن تاريخ العرب في الجاهلية ويعطي اهمية لأيام العرب[13].

    اما التاريخ الاسلامي فيبدأه بمقدمة طويلة عن اجداد الرسول واحوال قريش فالسيرة النبوية وصولا الى عام 628/1231  

ثانيا منهجه.

1- نظرته التاريخية:

أ- الساسية: ترتبط نظرته التاريخية بالتوجه الاسلامي العام والشامل الذي ساد منذ القرن الثالث الهجري، والذي جعل ظهور الاسلام مفصلا اساسيا في حياة الشعوب وخصوصا المسلمين. لذلك استهل مؤلفه« الكامل في التاريخ»  ببداية الخلق وتاريخ الانبياء رابطا بينها وبين الاسلام وكأنها محطات سابقة عليه، لا بل ممهدة له. من هنا قد يكون اهمل تاريخ اليونان على ما فيه من نواحي حضارية على المستويات كافة، لأنه لا يرتبط بالتاريخ الاسلامي كما بتاريخ الديانات التي يقرها الاسلام، وهو سابق على ظهور المسيحية التي تتقاطع بنواحي متعددة مع الدين الاسلامي. ما جعله، ربما، يفسر الاحداث الدينية اليهودية والمسيحية وفق توجهه الديني الاسلامي، اضف الى ذلك ان العلاقات بين المسيحية والاسلام حروبا او وئاما لم تنقطع على امتداد التاريخ الوسيط أكان في فترة الفتوحات وما تلاها من احداث، ام بالصراعات شبه الدائمة مع البيزنطيين، ام مع الغرب الاوروبي على مستويين: الحروب الصليبية في المشرق العربي، وحرب الاسترداد الاسبانية في الاندلس، محاولا في تأريخه هذا تبيان رفعة الدين الاسلامي على انه افضل الديانات لأن اليهودية والمسيحية مهدتا له، وكأنه يقول ضمنا: على اليهود والمسيحيين التحول الى الاسلام الذي هو الدين عند الله. وتتوضح هذه الصورة اكثر عندما يؤرخ للسيرة النبوية مبينا عظمة الرسول والاسلام، ويكمل وفق المنهج عينه بدايات العصر الراشدي مع ابي بكر وعمر، فيحاول في عهديهما ابراز اهم المنجزات ليقول ان الاسلام اثمر مع الصحابة واكمل مسيرته في العهدين المذكورين الذين يعتبران الركائز المتينة للتاريخ الاسلامي بعد الرسول، ليلي ذلك مرحلة انقسام الامة.

    يحصر ابن الاثير اهتمامه بالصراعات الداخلية خصوصا في المرحلة الثانية من عهد عثمان بحيث يذكر تسلسليا المآخذ على عثمان[14]. ويستمر التأريخ لانقسام الامة بالصراع بين علي ومعاوية بطريقة موضوعية حتى لنخال ابن الاثير مؤرخا شيعي الميول اذ يحمّل مرات عدة معاوية وولاته اخطاء كثيرة بما فيها الخروج احيانا على تعاليم الاسلام. وتختفي نظرته الشاملة من سنة 34 الى عام 49 للهجرة لا بل تمتد هذه المرحلة الى عام 63 لتنحصر بالصراع الداخلي  من دون التطرق الى اخبار بلاد فارس والعلاقات مع الروم. ويستشف منها انها مرحلة مخيفة تهدد دولة الخلافة، فالقبائل منقسمة على نفسها لا بل القبيلة الواحدة منقسمة على ذاتها، ويوحي لك تأريخه نوعا من الصراع بين الباطل والحق، بين المؤمن الذي يتمسك بحبل الله وآخر يتمسك بحبل الدنيا، فيظهر لك اجتهاد لا بل استبسال الولاة الامويين للنيل من آل علي ارضاء لحقدهم وتقربا من سادتهم، تبعا لأبن الاثير. وقد يكون لهذا السبب اعطاها هذا الاهتمام. ويحتل التأريخ للشيعة مساحة واسعة جدا في ” الكامل ” ويطلق على الأئمة الشيعة الالقاب الحسنة ويتحدث عنهم باجلال حتى خلال العصر العباسي.

   وفي العهد الاموي يركز على الاحداث البارزة ويجعل منها مفاصل للحركة التاريخية من دون ان يهمل الثورات وحركات التمرد، ويتوازن اجمالا في هذا العهد التأريخ لبلاد فارس وما وراء النهر، وللمشرق العربي، ولافريقيا والاندلس وان نالت احداث المشرق وبلاد فارس وما وراء النهر اهتماما أكثر. ويتضح موقف ابن الاثير من التاريخ الاموي من حكمه على الخلفاء الامويين اذ توسع بسِيَرْ بعضهم ممن اعتبرهم نبراسا يحتذى شأن عمر بن عبد العزيز[15]، ويدرج سير آخرين بطريقة مقلة، ويذكر في بعضها محاسن الخليفة ومساوئه وان كان يتجنب اجمالا التعرض الى المساوئ كما في سيرة الوليد بن عبد الملك[16]. ويركز في نهاية العهد الاموي على الاحداث في خراسان التي طغت على ما عداها.

   ولا نلمس عنده ميلا محددا أكان للعباسيين ام للامويين في تأريخه لقيام الدولة العباسية. وفي العصر العباسي الاول تستمر نظرته التاريخية عسكرية سياسية تركز على الاحداث البارزة خصوصا الثورات ويصبح العراق محور الاحداث لأنه مركز السلطة والقرار السياسي. وهو يؤيد اجمالا مواقف الخلفاء تجاه من يحاول سلبهم السلطة بدءا بابي سَلَمَة الخلال مرورا بابي مسلم الخراساني وصولا الى نكبة البرامكة، بحيث لا تجد تأنيبا وان مضمرا لأي من الخلفاء بسبب مواقفهم من التسلط الفارسي. ولكنه يلوم ضمنا الرشيد بسبب قسمة الدولة بين اولاده ولاعطائه ولاية العهد لأكثر من ولي عهد قائلا :« وهذا من العجائب! فان الرشيد قد رأى ما صنع ابوه وجده المنصور بعيسى بن موسى حتى خلع نفسه من ولاية العهد، وما صنع الهادي…ثم هو يبايع للمأمون بعد الامين! وحبّك الشيء يعمي ويصم.»[17] ويوجه للامين نقدا لمواقفه وتصرفاته المتعنتة تجاه المأمون والرعية على حد سواء بقوله:« ولم نجد في سيرته ما يستحسن ذكره من حلم او عدل اوتجربة…»[18]. وكأنه يريد القول ان في التاريخ عظات ولكن هل من يتعظ!؟

 وتحتل احداث بلاد فارس حيزا موازيا لأحداث العراق لوجود الخليفة فيه ولكن ذلك لا يمنعه من تمرير ملاحظات، بل نقدا للخليفة لاستسلامه لرأي الوزير.

   وتزداد نظرته التاريخية توازنا وشمولا منذ بداية عهد الرشيد بحيث تحتل افريقيا في عهد ابراهيم بن الاغلب حيزا واسعا في تأريخه؛ فيتحدث عن الثورات التي قامت بوجهه وكيفية قضائه عليها، وعلاقته بالرشيد[19]، ويستمر اهتامه بموضوع الاغالبة في ظل زيادة الله ابن الاغلب ايضا من دون ان يكون هذا التاريخ حوليا بالمعنى الدقيق[20]. وقد يكون مرد هذا الاهتمام لخضوع الاغالبة للسلطة العباسية في بغداد، وسيطرتهم ايضا على صقلية بما هي موقع استراتيجي، وثالثا بسبب موقع دولة الاغالبة التي كانت تشكل حدا فاصلا بين العباسيين من جهة واخصامهم من الدويلات الاخرى من جهة ثانية كبني مدرار، وبني رستم، ودولة الادارسة، ومن ورائهم امويو الاندلس.

   ويصور ما آلت اليه حال خلفاء  العصر العباسي الثاني، وحال تشرذم الدولة وانقسام القادة الاتراك وتصارعهم على السلطة. ولا يسلم القادة من نقد ابن الاثير، ويعلّق على مقتل المقتدر قائلا:« صار سببا لجرأة اصحاب الاطراف على الخلفاء…وانخرقت الهيبة، وضعف امر الخلافة.»[21] ويسوؤه استيلاء ابن رائق على العراق وتقلّده امرة الامراء بحيث يرى انه اعتبارا من سنة 324 بطلت الدواوين والوزارة، وحلّ ابن رائق وكاتبه مكان الوزير، وصارت الاموال تحمل الى خزائنه مؤسسا سابقة انتهجها كل امراء الامراء من بعده. وعلى المستوى السياسي استقل اصحاب الاطراف ولم يبق للخليفة الا بغداد[22]. ويصور لأول مرة دور العيارين بالصراع الداخلي كحلفاء اوفياء للخلفاء في صراعهم مع اخصامهم من الامراء الاتراك فجاءت نظرته هنا تحاكي نظرة الطبري.

   ويؤرخ لقيام الخلافة الفاطمية  ويجعل احداثها تتقاطع مع احداث الدويلات في المغرب، وفي الاندلس بنظرة فذة عمودية الرؤية. وبانتقال الفاطميين الى المشرق العربي تتقاطع احداثهم مع العباسيين والدويلات التي كانت تعيش بظلهم، سابرا الاحداث الداخلية لكل دويلة بطريقة تجعلك تعتقد ان الولاء السياسي عند الدويلات الشيعية تفوق على الولاء المذهبي. وعلى الرغم من انه سني فهو لا يبخس الخلفاء الفاطميين البارزين حقهم ولا سيما العزيز، ويتأرجح موقفه من الحاكم بامر الله الفاطي تبعا لمواقف الحاكم وتصرفاته من دون ان يهاجمه او يحقّره[23] كما فعل بعض المؤرخين السنة، وبالتالي لا يأخذ ابن الاثير موقفا عدائيا من الفاطميين على غرار معظم المؤرخين السنة؛ فلا يتهمهم بالخروج على التعاليم الاسلامية وما الى ذلك.

    ولم يمنعه انتقال الفاطميين الى المشرق من التأريخ لهم في المغرب وعلاقة ولاتهم بهم من جهة ومحاولة هؤلاء الاستقلال من جهة ثانية، كما علاقاتهم بامويي الاندلس ميولياً احداث افريقيا اهمية شديدة شأن اخبار بقية ارجاء الدولة علما انها لم تكن خاضعة للخلافة العباسية، وغير خاضعة تماما للخلافة الفاطمية. وهو الى ذلك، يتابع ايضا اخبار الاندلس بشكل غير منتظم كما حال افريقيا والفاطميين في مصر وبلاد الشام، مركزاً على ابرز احداثهم فقط[24].

   وفي العهد البويهي يتوازن تأريخه مجددا بين بلاد فارس والعراق، لا بل تزداد اخبار بلاد فارس وما وراء النهر اهمية وتحتل مساحة اكبر خصوصا في اواخر العهد البويهي، مركّزاً على الانهيار السريع للدولتين البويهية والسامانية لصالح الغزنويين، الى ان تسقط الدولة البويهية في العراق لصالح السلاجقة[25].

    اما موقفه من الاوروبيين فواحد ورؤيته لهم شاملة، متدرجة عبر الزمن تبعا لتاريخ وقوع الحوادث لكي لا تبقى الاحداث متقطعة بل تجمعها كلها عوامل سببية: السيطرة على بلاد لااسلام. ولا يبدّل الموقع الجغرافي من هذه الرؤية بل تستمر على حالها أكان في الاندلس او شمالي افريقيا ( افريقيا ) او في المشرق، فالاوروبيون جميعهم صليبيون واعداء الاسلام، ولا يجد اي تبرير لهجماتهم على اية منطقة من بلاد الاسلام ، لأنها كلها ارض اسلامية، ولنا شهادة دامغة على ذلك قوله:« دخلت سنة احدى وتسعين واربع مئة كان ابتداء ظهور دولة الفرنج، واشتد امرهم وخروجهم الى بلاد الاسلام، واستيلاؤهم على بعضها، سنة ثمان وسبعين واربع مئة فملكوا مدينة طليطلة وغيرها من بلاد الاندلس…ثم قصدوا سنة اربع وثمانين واربع مئة جزيرة صقلية وملكوها…وتطرقوا الى اطراف افريقيا فملكوا منها شيئا…فلما كان سنة تسعين واربع مئة خرجوا الى بلاد الشام …»[26] ومع ذلك قد يكون ابن الاثير افضل من انصفهم رغم تقريظه بعض الحكام المسلمين لتهاونهم، ولتعاون بعضهم الآخر مع الفرنجة.

   وهو مؤيد لموقف السلاجقة ويتتبع احداثهم بكل دقة منذ دخولهم في خدمة الدولة الغزنوية مرورا بحروبهم معها وصولا الى موقعة داندانقان وانتصارهم الساحق وتوسعهم في كل بلاد فارس حتى دخولهم الى العراق[27]. ويؤرخ باعجاب لكل سلاطينهم ويخص ألب ارسلان بمنزلة عالية معتباًر ان سيرته جديرة بالتخليد[28]. ويتحدث باعجاب واجلال عن نظام الملك الطوسي وزير ألب ارسلان وملك شاه. وتحتل في هذا الخضم احداث الباطنية مسحة مهمة جدا أكان بعلاقتها بالسلاجقة او بالفاطميين وفيما بعد بصلاح الدين الايوبي من دون التشهير بهم او الحط من قدرهم، بل يتحدث عن الموضوع بحياد واضح[29].

   ويشيد كثيرا بعماد الدين زنكي لجهاده ضد الفرنجة ولحسن اخلاقه ولمقدرته على سياسة البلاد بدراية، ولرغبته الصادقة بتأسيس جبهة اسلامية عريضة للقضاء على الصليبيين. ومن هذا المنطلق وجّه لوما واضحا الى صلاح الدين الايوبي واتهمه بالتهرب من الخضوع لنور الدين محمود اتابك دمشق وحلب لأنه في قرارة نفسه مزمع على تأسيس ملك خاص به، واعتبره مسؤولا عن تصدع الجبهة الاسلامية ما سمح للصليبيين بالمحافظة على مواقعهم. ولكن موقفه هذا تبدّل بعد ان اسس صلاح الدين دولته ووحد مصر وبلاد الشام وانصرف لجهاد الصليبيين، فاصبح غير صلاح الدين الاول الانتهازي المتهرب من مواجهة سيده والخضوع له، وصار صلاح الدين المجاهد.

   على الرغم من موقفه العدائي من الصليبيين فانه لم يصفهم باوصاف دنيئة وما اليها، في حين انه كان عازفا عن التأريخ للتتار مستفظعا اعمالهم، خائفا ان يقضوا على دول الاسلام لا بل على الاسلام نفسه، اذ يقول في هذا الصدد :” لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة – الحرب بين التتار والدولة الخوارزمية- استعظاما لها، كارها لذكرها…فمن الذي يسهل عليه ان يكتب نعي الاسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت امي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيا منسيا، الا اني حثّني جماعة من الاصدقاء على تسطيرها وانا متوقف، ثم رأيت ان ترك ذلك لا يجدي نفعا…”[30] ومع هذا الموقف العدائي من التتار فهو ينصف مقدرتهم العسكرية محددا اسبابها، مهاجماً سوء تصرفاتهم النابعة من انعدام الحس الانساني عندهم المتأثر اصلا بعادات بلادهم وتلك التي فرضها عليهم جنكيزخان بما يعرف ب ” الياسة او اليسق ” من دون ان يسميها بهذا الاسم.

بالطبغرافية: من الواضح ان ابن الاثير نظر الى التاريخ من الناحيتين السياسية والعسكرية من دون ان يولي المجتمع والادارة والاقتصاد منزلة مهمة سوى لمحات نادرة، فقد تبوأ الاهتمام بشؤون المسلمين ومصيرهم المنزلة الكبرى بل المحورية في« الكامل». فقدّم السياسة والدور العسكري على النواحي الحضارية التي لم تحتل الا حيزا ضيقا جدا؛ فعلى المستوى الاداري ذكر امرا بالغ الاهمية قد لا نجده عند غيره اذ يتحدث عن عمال زياد بن ابيه ويتوسع بذكر اسمائهم ويقول:« ان زيادا اول من سيّر بين يديه بالحراب والعمد واتخذ الحرس رابطة خمسمائة لا يفارقون المسجد.»[31] وقد يكون ذكر هذا الامر لدلالته السياسية أكثر مما هو تدبير اداري بحت. وترد عنده بعض اللمحات الطبوغرافية حينا عمدا كما في اخباره عن خطط بغداد حين يذكر سور المدينة ومحالها ومحلاتها باسمائها، والمواد التي استخدمت ببناء المدينة وسورها، وحجم اللبن، وابوابها…[32] واحيانا من غير قصد اذ ترد اسماء الاسواق والمحلات من ضمن سياق احداث عسكرية وسياسية كما في الفتنة بين السنة والشيعة ببغداد[33].

جالاقتصادية: وقد ترد باخباره بعض الومضات الاقتصادية تدليلا على سوء الاوضاع احيانا الناتج من صراعات عسكرية شأن كلامه عن المجاعة التي اصابت مكة في اواخر عهد ابن الزبير:« حتى ذبح – ابن الزبير- فرسه وقسّم لحمها في اصحابه، وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم…»[34] او كما في حديثه عن ضرب الدراهم والدنانير بحيث يدخل في تفاصيل قيمة الدرهم نسبة الى المثقال:« فصار وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل.»[35]

   ويتحدث نادرا عن الاقطاع من دون ان يحدد معناه او قيمته او نوعه. فقد ذكره في العهد البويهي من حيث توزيع الاراضي على القواد والجنود الاتراك خصوصا ما ادى الى حسد الجنود الديالمة، محددا ان هذا الامرسيكون له شأن كبير بالصراع بين الفريقين. ويتحدث عنه ثانية ابان الصراع بين العامة وجند طغرل بك ببغداد من دون ان يذكر كيفية الحصول عليه[36]. وهو لا يتناوله كقضية زراعية او ضمان انما كغنيمة او مكافأة سياسية: استرد اقطاع فلان واعطاه لآخر بقيمة محددة[37]. ويفصّل كيفية توزيع ألب ارسلان مناطق دولته على امرائه من تحديد قيمة الاقطاع او مردوده، او عدد الجنود المتوجبين على صاحبه[38]. ما يعني ان ابن الاثير لم يكن يهتم بهذا الامر ولم يتناوله الا توضيحا لأحداث عسكرية وسياسية وليس كعملية حضارية لعبت دورا رياديا، او انها سارت باتجاه معاكس فادت الى انحطاط على مستويات مختلفة. 

د- الاجتماعية: اما النواحي الاجتماعية فلم يولها اهمية حقيقية بل تناولها لماما وربطها بالوضع الامني، بمعنى انه أحلّ الناحية الامنية في المرتبة الاولى وجاء حديثه عن الناحية الاجتماعية نتيجة للأمن المفقود كما في اخباره عن سوء الوضع الامني في عهد المأمون عندما كان في خراسان وانبرت جماعة تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتقمع تعديات الشطار[39]. ويتكرر الامر بالصراع بين كمشتكين القيصري المرسل شحنة الى بغداد من قبل السلطان برقيا رق وشحنتها القائم فيها «إلغازي» فيصور ما تعرض له السكان في بغداد وفي تكريت من جرائم اخلاقية وسرقات ونهب وقتل وغير ذلك، وكيف انبرى العامة للدفاع عن الناس.[40]من دون ان يعطي هذا الموضوع، على اهميته، دورا حقيقيا في تأريخه رغم انه شكل احد ابرز عوامل تفكيك اوصال الدولة العباسية.

هقيمة نظرته: وعلى ذلك جاءت نظرة ابن الاثير افقية من جهة وعمودية من ناحية ثانية؛ فقد نظر الى احداث كل منطقة بل كل جزء احيانا من المشرق العربي على حدة، وحينا آخر تداخلت احداث المشرق بعضها بالبعض الآخر على رغم تعدد الكيانات السياسية من جهة، ولوجود خلافتين اسلامتين عباسية في بغداد وفاطمية اسماعيلية في القاهرة، ثم ثالثة سنية اموية في الاندلس من جهة ثانية. كما لم يغفل عن احداث افريقيا والاندلس تبعا لتأريخه للمشرق العربي من دون ان يعنى بها كعنايته بالمشرق. ولم تكن رؤيته للحوادث واحدة اذ كان يعمد الى افضليات فيها تبعا للدور المحوري لابطالها، او لتأثيرهم على المحاور الاساسية. فكلما ارتفع شأن المسلمين او اولي الامر الشرعيين في منطقة ما توسّع باخبارهم. ولنا نموذج واضح بما ذكره عن وضع المسلمين في الاندلس اذ ابرز دورهم حتى تعدى اهمية اخبار بلاد فارس[41]. وتتوضح هذه النظرة الى التاريخ باخبار الاتراك في العصر العباسي الثاني؛ فلا نعرف عموما كيف دخلوا الى العراق وتحديدا الى بغداد، ومتى تمّ تجنيدهم؟ وكيف وصلوا الى الحكم؟ في حين ان هذا الامر شديد الوضوح عند الطبري.

   وعلى الرغم من كل الشوائب التي قد يسجلها المؤرخون على ابن الاثير تبقى رؤيته الى التاريخ فريدة من حيث شمولها وشدة ادراك صاحبها ومقدرته في جعل الاحداث تتقاطع على رغم وسع الرقعة الجغرافية التي تحدث عنها وتنوع الاتنيات والمذاهب وتصارع ارباب السياسة فيما بينهم، وتمكنه من سبر غور كل فريق، بل الدخول احيانا الى اعماق تطلعاتهم وادراك نواياهم. وهي نظرة قل نظيرها عند سابقيه ومعاصريه حتى عند الذين جاءوا بعده الى ان نصل الى مؤرخي العهد المملوكي، ولنا وقفة طويلة معهم.

   وعلى الرغم من هذه النظرة الفذة فانه اعتمد اخبارا تدل على السطحية احيانا وعلى المبالغة اذ تشوب اخباره عن الفرس والتبابعة معلومات فيها الكثير من المبالغة والبعد عن الواقع، وقد قبلها على علاتها:« كان كل واحد منهم في جيش عظيم يقال كان في ستمائة ألف واربعين ألفا.»[42]، كما يطلق التنبؤات على لسان اشخاص سبقوا مجيء الرسول عن مجيئه ونشر الاسلام[43]. وانظر ايضا قصة الراهب الذي رمى بول الحمار في دجلة فلما سئل أجاب:«     نجد في الكتب القديمة أنه يبنى في هذا الموضع مسجدا.»[44] ولست ادري كيف اقتنع ابن الاثير بانتصار يحي بن زيد ومعه سبعون من انصاره على عمرو بن زرارة وهو في عشرة آلاف[45]. كما بقبوله بقصة بناء بغداد قائلا هكذا ورد بكتب المسيحيين من دون تمحيص[46]. وغير ذلك من الامور التي تضعف رؤيته، ولا ندري لماذا اوردها، ومع ذلك فهي لا تبخس « الكامل » حقه ومنزلته العلمية التي قلّ نظيرها.

والتاريخ بنظره يتجاوز الاخبار والقصص، وهو كثير الفوائد، وعلى مستويين: دنيوي وأخروي:« لقد رأيت جماعة ممن يدعي المعرفة والدراية…يحتقر التواريخ ويزدريها .. . ظنا منه ان غاية فائدتها القصص والاخبار، ونهاية معرفتها الاحاديث والاسمار وهذه حال من اقتصر على القشر دون اللبّ نظره…ومن رزقه الله طبعا سليما وهداه صراطا مستقيما، علم ان فوائدها كثيرة، ومنافعها الدنيوية والاخروية جمّة غزيرة.»[47]

2 – المصادر: يعدد له شاكر مصطفى 32 مصدرا من دون ان يذكر منها سوى الطبري، ويعتبر انه تحّراها جميعها.[48] يعترف ابن الاثير صراحة انه اخذ معلوماته حتى القرن الثالث الهجري من تاريخ الرسل والملوك للطبري بشكل رئيسي:« اذ هو الكتاب المعوّل عند الكافة عليه، والمرجوع عند الاختلاف اليه، فاخذت ما فيه من جميع تراجمه، ولم اخل بترجمة واحدة منها…وانما اعتمدت عليه من بين كل المؤرخين اذ هو الامام المتقن حقا، الجامع علما وصحة اعتقاد وصدقا.»[49] ومع ذلك لم يقبل كل رواياته على علاتها بل كان ينتقد الطبري كلما وجد الى ذلك مجالا شأن كلامه عن استلحاق زياد بن ابيه بمعاوية:« هذا جميع ما ذكره ابو جعفر…ولم يذكر حقيقة الحال في ذلك، انما ذكر حكايات جرت بعد استلحاقه، وانا اذكر سبب ذلك وكيفيته فانه من الامور المشهودة في الاسلام لا ينبغي اهمالها.»[50] ثم علل قضية زياد:« وانما استلحق معاوية زيادا لأن انكحة الجاهلية كانت انواعا…وكان منها ان الجماعة يجامعون البغيّ فاذا حملت وولدت ألحقت الولد لمن شاءت منهم فيلحقه، فلما جاء الاسلام حرّم هذا النكاح، الا انه اقر كل ولد كان ينسب الى اب من اي نكاح…فتوهم معاوية ان ذلك جائز له ولم يفرق بين استلحاق في الجاهلية والاسلاموهذا مردود لاتفاق المسلمين علىانكاره.»[51] وقلّما يذكر مصادره الاخرى خصوصا اصحاب المؤلفات المشهورة التي أتمّ منها ما وجده ناقصا عند الطبري من دون ان يذكر اصحابها في مقدمته[52] او ان يشير اليها بوضوح في سياق الاخبار. وفي بدايات العصر العباسي يذكر احيانا من اخذ عنهم:« حدثني سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي.»[53] ولا نعرف من اين استمد معلوماته عن افريقيا والاندلس لأنها غير مسندة.

   واعتبارا من سنة 541 يذكر بعض اسانيده وهي تعود لشهود عيان كقوله:« حدثني او حكى لي والدي.»[54] او:« حدثني من رأى اسد الدين حين خرج من بلبيس قال.»[55] او «حكى لي انسان صوفي يقال له ابو القاسم كان مختصا بخدمته بالحبس.»[56] كما استخدم التعبير التالي:« حكى لي طبيب يعرف بالطبيب الرجّي وهو كان يخدم نور الدين.»[57]وهي كما نلاحظ تعود الى شهود عيان لكل منهم اختصاصه المحدد وكانوا على علاقة مباشرة مع الشخصية موضوع التأريخ ما يجعلهم موضع ثقة. وقد يقول:« هكذا ذكر لي بعض الفقهاء ممن كان ببخارى.»[58]ان هذا الاسقاط شبه العام للإسناد دفع علم التاريخ للابتعاد أكثر فاكثر عن علم الحديث واعطاه استقلالا شبه تام. ويبقى سؤال مركزي : هل فعلا هذا ما اراده ابن الاثير لعلم التاريخ؟

3– التأريخ الحولي: أرّخ ابن الاثير حوليا سنة بعد سنة مقلدا النهج الذي اعتمده الطبري من دون ان ينسخه كما فعل مؤرخون آخرون لأنه كان يعي الحدث بابعاده ودلالاته ونتائجه. فالخبر عنده لم يكن معزولا عن ظروفه الاساسية، ودوافعه الرئيسة فمعظم الحوادث عنده مبنية على ما سبقها الا تلك التي لها استقلال تام او انها اخبار اعتراضية، او على الاقل هكذا نظر اليها ابن الاثير. وهذا لا يعني ان الطبري لم يسبر اغوار الاحداث التي أرّخها انما التقاطع فيما بينها احيانا او تأسيس بعضها للبعض الآخر كان مفقودا عنده. وهذا المنهج الذي اختطه ابن الاثير صعب جدا يقتضي من صاحبه ادراكا كليا للاحداث التي يؤرخها ، ادراكا عموديا، ورؤية افقية في آن واحد، ومعرفة حقيقية شديدة التبصر بالاحداث كي لا يقع المؤرخ مكرها بالاخطاء. ما جعل  ” الكامل ” ينبض بالحركة والحيوية والتكامل.

    ان كل ذلك جعله يركز على وحدة الموضوع المفقودة اجمالا في التواريخ السابقة عليه، وتتجلى هذه الوحدة بالرؤية الشاملة لحادثة معينة مبعثرة على امتداد سنة معينة، فربط اجزاءها فيما بينها ضمن عنوان واحد، وشد اواصر الحوادث بعضها الى البعض الآخر، وربما هذا ما قصده بقوله:« رأيتهم – اي المؤرخين- ايضا يذكرون الحادثة الواحدة في سنين، ويذكرون منها في كل شهر اشياء، فتأتي الحادثة مقطّعة لا يحصل منها على غرض، ولا تفهم الا بعد امعان النظر، فجمعت انا الحادثة في موضع واحد وذكرت كل شيئ منها في اي شهر او سنة كانت، فأتت متناسقة متتابعة، قد اخذ بعضها برقاب بعض.»[59]وهذا التركيز على وحدة الموضوع من هذه الزاوية لم يعممه على كل حوادث تاريخه، اذ اعتمد هذا النمط في التأريخ لبعض الحكام او المناطق التي لم يرغب بالتوسع باخبارها، او لأنه لم يرد الانتقال في آن من المشرق الى المغرب او الى الاندلس او الى مصر الفاطمية لما في ذلك من صعوبة الجمع بين كل الاحداث دفعة واحدة خصوصا انها لا تتقاطع فيما بينها، فكان يهمل بعض احداث هذه المناطق سنين طويلة، ثم يعود ويؤرخ لها بطريقة كلية، مسقطاً احيانا كثيرة الشهور بل السنين ايضا كما في اخبار قيام الدولة الفاطمية منذ وصول ابي عبد الله الشيعي اليها مرورا باعلان الخلافة الفاطمية وحتى مقتل ابي عبد الله[60]، او عن حوادث صور منذ سنة 506 ذاكرا ما جرى فيها من تقلب الاوضاع بين طغتكين اتابك دمشق والآمر بالله الفاطمي، والفرنجة حتى سقوطها سنة عام 516 [61]

   وقد تكون وحدة الموضوع هي الاساس عند ابن الاثير لا بل هاجسه رغم الاختصار الذي اصاب بعض اخباره، وهذا ما نلحظه في تتبعه لاوضاع مسيحيي نجران منذ حصولهم على عهد الرسول مروراً بعهود ابي بكر، وعمر بن الخطاب، ومعاوية، وعمر بن عبد العزيز[62]. وتتضّح رغبته بوحدة الموضوع وشد اواصر الحوادث بعضها الى البعض الآخر بنماذج متعددة غير النموذج السابق منها مثلا: الانتفاضة في افريقيا وما حل باهلها في عهد معاوية، وموقف الوفد الذي قدم منها الى الشام وحاول عبثا مقابلة الخليفة هشام بن عبد الملك ما ادى الى ثورة اهل افريقيا على عامل هشام وطرده منها واستقلالهم بها[63].

   ونجد نمطا آخر عنده، وهو الغالب، وهو التأريخ لحادثة معينة خلال سنة واحدة، ويقطعها في مفصل معين ليذكر عدة حوادث في نهاية السنة موضوع التأريخ، ثم يعود الى اكمال الحادثة المذكورة[64].انظر مثلا اخبار المختار الثقفي الذي يتابعه من ثورته وحتى مقتله ولا يقطعه الا باستطرادات قليلة ذكر فيها اخبار الفتن ببلاد فارس[65]. وانظر ايضا نمطا آخر من وحدة الموضوع المتمثل باخبار قيام الدولة السلجوقية اذ يقول:« في هذه السنة- 432 – اشتد ملك السلطان طغرل بك…فنذكر اولا حال آبائه، ثم نذكر حاله كيف تقلّب حتى صار سلطانا، على اني قد ذكرت اكثر اخبارهم متقدمة على السنين، انما اوردناها هنا مجموعة لترد سياقا واحدا فهي احسن.»[66]وهناك الكثير الكثير من هذه النماذج التي تبرهن على تشديد ابن الاثير على وحدة الموضوع، ليعطي التأريخ توجها جديدا نحو تكامل الاخبار وشد اواصرها بعضها الى البعض الآخر، فاسحة في المجال لرؤئية اكثر وضوحا وشمولا للحوادث، وبالتالي يصبح التأريخ لمواضيع متعددة ومبعثرة جغرافياً غير مفتت بالمطلق بل يضيئ بعضه على البعض الآخر، ويوضحه احيانا، ما اعطى ابن الاثير فرادة بين معاصريه وسابقيه.

4 – مفهوم الخبر: واذا كان تفتيت الحوادث من سمات الخبر الاساسية، وكذلك استقلاله عن غيره استقلالا شبه تام، فان ابن الاثير تجاوز هذا المفهوم وارسى قواعد جديدة جعلت اخباره متدرجة يمهد بعضها للبعض الآخر، وباتت الروابط السببية اساسا للخبر من حيث هي فعل في ذاتها، وفي آن نتيجة لما سبقها، ممّا جعل الاخبار، وان كانت متباعدة، مترابطة من حيث اسبابها، وهذه بدورها تشكّل نتائج لأخبار لاحقة. فصار الخبر عنده مستقلا وفي آن يؤسس لما يرتبط به ايجابا او تداعيات[67]. وتتدرج اخباره احيانا بطريقة فذّة كما في هذه المقدمة:« وقد ذكرنا فيما تقدم تمكن اسماعيل بن ارسلانجق من البصرة ونواحيها، واقام بها عشر سنين نافذ الامر، وازداد قوة وتمكنا بالاختلاف الواقع بين السلاطين، واخذ الاموال السلطانية، وكان قد ارسل صدقة واظهر له انه في طاعته وموافقته. فلما استقر الامر للسلطان محمد اراد ان يرسل الى البصرة مقطعا يأخذها من اسماعيل، فخاطب صدقة في معناه، حتى اقرت البصرة عليه، فانفذ السلطان عميدا اليها ليتولى ما يتعلق بالسلطان هناك فمنعه اسماعيل…فامر السلطان صدقة بقصده واخذ البصرة منه عنوة.»[68] ان في هذا التدرج المنطقي تبريرا لأخذ البصرة، واختصارا لحوادث سابقة، وفي الوقت عينه مقدمة او مدخلا للحادثة المنوي ادراجها، وكأنك امام معادلة رياضية.

   ونجد عنده نمطا آخر من مفهوم الخبر مبنيا على الترابط الاسمي المتمم للعنوان الرئيسي منهجيا، وبتعبير ادق تصميما متكاملا يوضح كل عنوان، بالمساحة الاخبارية المخصصة له، جزءا من الخبر الرئيسي، وهو لا يفرّع الحادثة الرئيسية الى عناوين متعددة الا تبيانا لأهمية كل مقطع من جهة كونه يدور محوريا حول احدى شخصيات الخبر الاساسي، ولتأسيسه لما سيلي من جهة ثانية. وانظر هذا النموذج الرائع: ” ذكر ملك قلج ارسلان الموصل” وهو العنوان الرئيسي، واليك العناوين المتممة والتي تعتبر تصميما له:

  – ” ذكر قتل قلج ارسلان وملك جاولي الموصل”

-” ذكر حال جاولي مدة الحصار”

– ” ذكر اطلاق جاولي للقمص الفرنجي “

– ” ما جرى بين هذا القمص وبين صاحب انطاكيا”

– ” ذكر حال جاولي بعد اطلاق القمص “

– ” ذكر حال الحرب بين جاولي والفرنج “

 – ” ذكر عودة جاولي الى السلطان”.[69] 

   ان هذا الترابط بين الاحداث « مجموع خبر» غدا سمة « الكامل » ولا سيما كلما اقترب ابن الاثير من حوادث عصره وتخصيصاً الحوادث التي عاصرها، وبالتالي ما عاد الخبر معزولا عن ظروفه الاساسية حتى وان كان تاما بذاته، لأنه صار مربطتا سببيا بما سبق من جهة، ومؤسسا لما سيلحق من جهة ثانية الى ان تتم كليا دراسة الموضوع المتمحور حوله. والنماذج كثيرة جدا حول هذا المنهج، وسنكتفي بالاشارة الى بعضها فقط: فقد ربط هزيمة الفرنج وفتح صلاح الدين الايوبي لحارم بهزيمته بالبقيعة، وهذه الهزيمة نتجت عن استيلائه على قلعة بانياس[70].

   ويتضح هذا الترابط السببي بما سبقه، وتأسيسه لما سيليه بحديثه عن تولي صلاح الدين الايوبي الوزارة بمصر: فقد ادى مقتل شاور الى تولّي اسدين شيركوه الوزارة الفاطمية، ولكن وفاته بعد اشهر قليلة قدمت الوزارة لصلاح الدين الذي بواسطتها سيملك مصر[71]. وعلل اسباب هجوم محمود الغزنوي على بلاد الغور:« تجاور غزنة، وكان الغور يقطعون الطريق، ويخيفون السبيل، وبلادهم جبال وعرة، ومضايق غلقة كانوا يحتمون بها، ويعتصمون بصعوبة مسالكها، فلما كثر ذلك منهم…»[72] وذكر مثلا الاسباب الموجبة لقتل ناصر الدولة بن حمدان في مصر:« ونذكر هنا الاسباب الموجبة لقتله فانها تتبع بعضها بعضا، وفي حروب وتجارب…»[73] وانظر ايضا تعليله اسباب خروج التتار الى البلاد الاسلامية:« وقيل في سبب خروجهم الى بلاد الاسلام غير ذلك مما لا يذكر في بطون الدفاتر…»[74]

   ويرتبط بهذا المنهج تبريره مقتل احدى الشخصيات: فيستهل الكلام بتحديد السنة واليوم والشهر والسبب المباشر للقتل، ولا يكتفي بذلك بل يعود الى احداث سابقة يستل منها الاسباب بشكل متدرج رابطاً الدافع الرئيسي بالعوامل الصغرى باسلوب منطقي رائع. ويتضح هذا النمط كلما اقتربت الاحداث من عصره، ومن الامثلة الشديدة الوضوح على هذا النمط: مقتل ارسلان أرغون عام 490[75].

   وعلى هذا لم يعد التأريخ، كما في معظم روايات المؤرخين السابقين، سردا للاحداث، بل تعداها الى نوع من التعليل، بل احيانا تعليلا تاما. وبالتالي تحوّل الخبر من المفهوم الكلاسيكي الروائي الى نوع تحليلي عكس رؤية ابن الاثير الى التاريخ.

5– التراجم في « الكامل »

   لم يسر ابن الاثير على نمط واحد في كتابة تراجم الخلفاء والسلاطين والملوك والحكام والقادة، اذ ربط حجم الترجمة بمآثر الشخصية المترجم لها، وبالاتعاظ من التاريخ من جهة ثانية. كما انه يذكر حينا اسم الشخص، نسبه، كنيتها، ازواجه، اولاده، واسماء عماله حين وفاته، وما قيل فيه من شعر[76]، وحينا آخر يختصر بعض هذه الامور خصوصا بالنسبة للخلفاء او القادة او الوزراء ممن لم يتمتعوا بمآثر او بسيّئات، ويوجز سيرة آخرين ممن لم يجد عندهم حسنة واحدة تستحق الذكر كالمعتمد[77]، او كقوله في الامين:« ولم نجد في سيرته ما يستحسن ذكره من حلم او عدل او تجربة »[78]، وحينا آخر يتوسع بذكر مساوئهم جاعلا منها عظات للخلف او لمن يتعظ[79]. ويسهب بسِيَر من لهم مآثر وانجازات كبرى كالمنصور[80]. وان الملفت للأنتباه في هذا الصدد تركيزه على ذكر وصية المأمون كاملة لما فيها من عظات وحسن التدبير وبعد الرؤية[81]، وقد اختار منها امثالا (جمع مثل) اجتماعية[82]. وهو يشيد بسيرة جمال الدين وزير قطب الدين صاحب الموصل[83].هذه بعض النماذج من التراجم الكثيرة المنتشرة على صفحات « الكامل ».

    ونجد نوعين آخرين من طرق تدوين تراجم الخلفاء: السيرة المختصرة  لأنه توسع باخبار صاحبها في تأريخه لعصره، وتلك الموسعة التي لم يؤرّخ لصاحبها حوليا بل بصفة اجمالية شأن عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي[84].

   وتشكل التراجم عند ابن الاثير نقطة تحول مهمة على المستوى التأريخي لأنه جعل منها عظات للحكام على اختلاف مستوياتهم؛ آملاً التقيد بجيّدها وتجنب سيّئها، لأن في ذلك دفعا للحكام لكي يحسنوا ادارة شؤون الحكم، لترتفع كلمة المسلمين، ويتم التقيد بكتاب الله، فيرضى الله على المسلمين ويعضدهم. والتاريخ بنظره يتجاوز الاخبار والقصص، وهو كثير الفوائد، وعلى مستويين: دنيوي وأخروي:« لقد رأيت جماعة ممن يدعي المعرفة والدراية…يحتقر التواريخ ويزدريها…ظنا منه ان غاية فائدتها القصص والاخبار، ونهاية معرفتها الاحاديث والاسمار وهذه حال من اقتصر على القشر دون اللبّ نظره…ومن رزقه الله طبعا سليما وهداه صراطا مستقيما، علم ان فوائدها كثيرة، ومنافعها الدنيوية والاخروية جمّة غزيرة.»[85]

   وعلى ذلك كتب التراجم في « الكامل » واختار بعض الحوادث المؤذية وجعلها عظات لمن يتعظ كما في اخباره عن تعديات البريدي وجنده على الناس ببغداد التي بلغت حدا كبيرا جدا من الظلم، وقد علّق عليها بأسى قائلا :« وانما ذكرنا هذا الفصل ليعلم الظلمة ان اخبارهم تنتقل، وتبقى على وجه الدهر، فربما تركوا الظلم …»[86] ونجد الكثير الكثير من هذه التعليقات التي تؤيد غاية ابن الاثير من كتابة التاريخ وهو تصويب اخطاء الحكام.      

6– تعدد الروايات : امتازت معظم المصادر التي أخذ عنها ابن الاثير ولا سيما الطبري بتعدد الروايات، ممّا افقد السياق وحدته، فعمد مؤرخنا الى تجنّب هذا العيب الى حد بعيد ستخدماً النقد للبتّ بتعدد الروايات بعد ان تعمّق بمضمون الحوادث، فصار تأريخه شديد التماسك. ومع ذلك، يبدو انه لم يستطع القطع في صحة كل الروايات فاورد بعضها اما متمّمة للرواية الرئيسة او معارضة لها. فذكر الرواية الاساسية كاملة من دون استطرادات حتى نهايتها، ومن ثمّ علّق عليها باخرى مغايرة للأصلية على الاقل في قسمها الاخير ، انظر مثلا مراسلة الكوفيين للحسين بن علي وقتل مسلم بن عقيل[87].

7– موقفه من الزمن : أرّخ لسنوات من دون ان يذكر التواريخ باليوم والشهر والسنة، وتجلّى ذلك في الفترة الممتدة من العصر الراشدي وحتى اواخر العهد الاموي. وانظر نموذجا واضحا عن هذا الامر بتأريخه لصالح بن مرداس الذي بدأه سنة 402 وانهاه بعام 468 بحيث يكاد يغيب الزمن فيها[88]. ويتكرر الامر عينه باخبار الدولة العلوية بالاندلس[89].

8- عدالته: لقد انصف اشخاصا عديدين من مذاهب تغاير مذهبه، ممن اعتبرهم بعض المؤرخين اعداء للاسلام، او انهم اساءوا اليه؛ ففي حديثه عن الحسن الصباح تعتقد انه يمتدحه على رغم موقف ابن الاثير غير المؤيد للباطنية وخصوصا الفداوية منها:« كان رجلا شهما، كافيا، عالما بالهندسة والحساب والنجوم…»[90]وانظر ايضا تأريخه لسِيَر الخلفاء الفاطميين البارزين كالمعز لدين الله والعزيز بالله فقد قدّرهم وأجلّهم[91]. وانصف كثيرا الطالبيين والباطنية.

9– اختصار احداث بعض السنوات : لقد اختصر سنوات كثيرة بصفحة واحدة او أكثر بقليل ربما لأنه لم يجد فيها ما يستأهل التأريخ، فعهد المهدي العباسي الذي امتد عشر سنوات اوجزه ابن الاثير بصفحات معدودات، والشواهد كثيرة على هذا النمط.

10– الوفيات : يذكر في نهاية كل سنة ابرز الوفيات، ما كان يقطع سياق الحوادث احيانا.

   ان منهج ابن الاثير يجعل صاحبه من ابرز المؤرخين العرب والمسلمين، لما فيه من انماط مهدت الطريق، بل عبدتها للعديد من المؤرخين في القرون اللاحقة. واعطت المنهج الحولي ابعادا جديدة شدت اواصر الاحداث بعضها الى البعض الآخر. واذا كان تاريخه اقتصر عموما على الاحداث السياسية والعسكرية فهذا لا يمنعه من تبوّء مركز الصدارة بين مؤلفات مؤرخين كثر جاءوا بعده وما استطاعوا مجاراته.


[1]  – ابن الاثير ( علي بن محمد) ، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1979 ، ج1، ص 10

[2]  – ابن خلّكان ، وفيات الاعيان، 7/31

Rosenthal F, Ibn al Athir, EI2 , p746

[3] –  ابن خلكان، 7/31

[4] EI2, op. cit. p 746

[5]  – ابن خلكان، ج3، ص349

[6]– Rosenthal, op. cit. p 746

[7]  – مصطفى، التاريخ العربي، ج2، ص 115

[8]  – ابن خلكان، 3/348-349 

[9]  – مصطفى، التاريخ العربي، ج2، ص 114

[10]  -المرجع السابق، ص 116

[11]  –  انظر مثلا قصة موسى التي اورد فيها 61 آية قرآنية، الكامل، 1/169-199 ، وانظر ايضا ولادة المسيح وقد اورد فيها 13 آية، الكامل، 1/ 307-312

[12]  – نفسه، 1/413

[13] – المصدر عينه، 1/502_ 655 وغيرها

[14] – نفسه، 3/145-180

[15] –  نفسه، 5/60-66

[16] – نفسه، 5/9

[17]  – نفسه 6/ 161

[18] – نفسه، 6/295

[19] – الكامل، 6 /154-157

[20] – نفسه، 6/328-340

[21] – 8/243

[22] – 8/323

[23] – نفسه، 9/314-319

[24] – الكامل، 8/677-684 ، وايضا 9/269-292

[25]  – نفسه، 9/148-149 وانظر ايضا كل الجزء التاسع

[26] – نفسه، 10/272

[27]  – نفسه، 9/532-549

[28] – الكامل، 10/74-75

[29] – نفسه، 10/313-323

[30] – نفسه، 12/358

[31] – نفسه، 3/451

[32] – 5/558-559، 573-574

[33] – 9/419

[34] – 4/352

[35] – 4/416-418

[36]  – 9/613-614

[37] –  10/25-26

[38] – 10/50

[39] – 6/234-237

[40] -10/355-358

[41] – 10/151-155، 186-198

[42] – 1/415

[43] 1/419-420

[44] 4/496

[45]  – 5/271

[46] – 5/558-559

[47] – 1/6  انظر موقفه من الاتعاظ من التاريخ بتدوين سير الحكام من هذه الدراسة

[48] – مصطفى، 2/113

[49]  – الكامل، 1/3

[50] – الكامل، 3/443

[51] – 3/445

[52]  المكان عينه

[53] – 5/535

[54] – 11/110-11

[55] – 11/300

[56] – 11/306

[57]  11/402

[58] – 12/ 370

[59] – نفسه، 1/4

[60] -8/ 36-53

[61] – 10/620-622

[62] – 1/293-295

[63] – 3/91-93

[64] – 3/ 289-328

[65] – 4/211-254

[66] – 9/473

[67] – انظر مثلا: حرب الفرنجة والمصريين عام 498 ، 10/394 ، وايضا الحرب بين طغتكين والفرنجة، 10/399 ، والحرب بين عبادة وخفاجة، 10/400 والامثلة كثيرة جدا

[68] – 10/402

[69] – 10/426-466

[70] – 11/301-304

[71]  – 11/345-347

[72] – 9/221

[73] – 10/80

[74] – 12/362

[75] – 10/462-464

[76] – انظر مثلا سيرة عثمان بن عفان، 3/180- 190

[77] – 7/445

[78] – 6/295

[79] – كما في سيرة المأمون، وسيرة بختيار بن معز الدولة 8/576

[80] – 6/23-28

[81] – 6/428-431

[82] – 6/431- 439

[83] – 11/306-310

[84] – 9/314-319

[85] – 1/6

[86] – 8/382

[87] – 4/19 ، والرواية المعارضة 4/ 29

[88] – 9/227-234

[89] – 9/269-292

[90] – 11/335-336

[91]  – 8/497-499

محمد بن طولون (880-935/1476-1546

اولا: حياته ومؤلفاته:

1 – سيرته: هو محمد بن علي بن محمد بن خمارويه بن طولون الصالحي الدمشقي ولقبه شمس الدين. ولد بالصالحية في دمشق عام 880/1476، وابوه علي وامه ازدان الرومية، دوّن سيرة حياته في كتابه « الفلك المشحون في احوال ابن طولون»[1]ويرجع فيه نسبه الى جده الاعلى احمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية في مصر وبلاد الشام[2]. وتتباين آراء المؤرخين حول صحة نسبه، فأكّده الدكتور محمد مصطفى زيادة مستدلا من الكتابين الذين تركهما مؤرخنا:« العقود اللؤلؤية في الدولة الطولونية» و«حوار العيون في تاريخ ابن طولون»[3]، طبعا لم يقدم جديدا لأنه استند على المؤرخ نفسه الذي ينسب نفسه الى الطولونيين. وتوفيت والدته وهو بعد رضيع لا يقوى على المشي[4]، فعاش في كنف ابيه وعمّه المفتي، واخي جده لأمه برهان الدين بن قنديل[5]، فتربى في كنف اسرة ميسورة تعمل في التجارة، واشتهرت بتعاطيها العلوم ولا سيما الدينية؛ فعمّه جمال الدين يوسف بن طولون اتقن العلوم الدينية وتولى مناصب عديدة مهمة كالقضاء والإفتاء فقد شغل منصب مفتي دار العدل بدمشق[6].

    لعب عمّه دورا اساسيا بتوجيه حياته منذ نعومة اظفاره فادخله المدرسة الحاجبية، ثم نقله الى مسجد العساكر القريب من منزله. وابدى مؤرخنا نجابة ومحبة للعلوم اذ حفظ المختار في الفقه الحنفي، ثم المنار في اصول الفقه، فألفية ابن مالك، والمقدمة الجزرية في علم التجويد، والمقدمة الآجرومية في النحو وكتاب الحدود للأبدي[7]. ثم شرع يعرض السماعات على شيوخ عصره لكي يجيزوه[8]، كما عمد الى حفظ متون اكثر صعوبة ذكرها كلها مع اجازاتها في« الفلك المشحون»[9]. ولزم محمد بن ابي بكر المشهور بابن زريق عشر سنين قرأ عليه سبع مائة جزء من كتب الحديث الستة المشهورة[10].

   على الرغم من تولي مؤرخنا مناصب عالية، وحصوله على اجازات عديدة فان اهميته اشد ما تبدو في مؤلفاته العديدة في حقل التأريخ التي ناهزت 476 مؤلفا [11] بعضها لا يتجاوز الصفحات المعدودات.

2- مؤلفاته: قد تمكنت من الحصول على بعض مؤلفاته منها المنشور ومنها المخطوط، وسأذكرها تباعا:

« ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر» .

 حارات دمشق، نشره حبيب الزيات في مجلة المشرق عام 1937 ص 33-35، كما نشر احمد تيمور قسما آخر منه بعنوان « ربوة دمشق ومنتزهاتها وميدان القبق» في مجلة المجمع العلمي العربي، دمشق، عدد2، سنة 1922، ص147-152

مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، نشره محمد مصطفى زيادة في جزأين، القاهرة، 1962-1964

اعلام الورى بمن ولي نائبا من الاتراك بدمشق الشام الكبرى، حققه محمد احمد دهمان، دمشق، 1962-1964

قرّة العيون في اخبار باب جيرون، حققه صلاح الدين المنجد، دمشق، 1964

التمتع بالاقران بين تراجم الشيوخ والاقران، حققه صلاح الدين الشيباني الموصلي ضمن« الضرة المضية في الوصايا الحكمية » الذي لم يحقق بأكمله، دمشق، مطبعة الفردوس، 1986

ضرب الحوطة على جميع الغوطة، نشره محمد طلس في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، المجلد 21، آذار- نيسان 1946، وايار- حزيران 1946، ص 236-247، وتموز –آب 1946، ص 238-251

اللمعات البرقية في النكت التاريخية، نشرته مكتبة القدسي والبدير، دمشق، مطبعة الترقي، 1348ه.

نقد الطالب لزغل المناصب، حققه محمد احمد دهمان، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1992

القلائد الجوهرية بتاريخ الصالحية، حققه محمد احمد دهمان، قسمان، دمشق، 1949

فص الخواتم في ما قيل في الولائم، حققه نزار اباظة، دار الفكر، دمشق، 1983

الفلك المشحون في احوال ابن طولون، نشرته مكتبة القدسي والبدير، مطبعة الترقي، دمشق، 1348ه.

تبييض الطرس بما ورد في السمر ليالي العرس، نشرته مكتبة القدسي والبدير، دار الترقي، 1348ه.

ضوء السراج فيما قيل في النسّاج، وثيقة قدمتها ليلى صبّاغ الى المؤتمر الثاني لتاريخ بلاد الشام، ج1، 1978، ص 75-94

المعزّة فيما قيل في المزّة، حققه محمد عمر حمادة ونشره في « تاريخ المزة وآثاره »، دار قتيبة، دمشق، 1404/1983

الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء الشام، حققه صلاح الدين المنجد ، 1956

اعلام السائلين عن سيد المرسلين، نشره بدمشق حسام الدين القدسي.

وهناك عدد من مؤلفاته ما يزال مخطوطا وموجودا في مكتبة الظاهرية بدمشق، وينتظر همّة المؤرخين لكي يبصر النور ويوضع بتصرف الباحثين.

ثانيا: منهجهه

Iنظرته التاريخية:

    من العسير جدا دراسة كل مؤلفات محمد بن طولون في هذا الكتاب لأنها تقتضي أكثر من كتاب واحد لإيفائها حقها، فعمدت الى انتخاب بعضها كنماذج لمنهجه ونظرته التاريخية. فجاء التركيز على« مفاكهة الخلاّن» و« اعلام الورى» وبدرجة اقل على بعض من كتبه الاخرى التي لها صلة بالتاريخ الاجتماعي، متمّما ما افتقر اليه الكتابان الرئيسياّن، او بالحري تكاملاً لموقفه من التاريخ، ما جعل نظرته التاريخية تتفاوت بعض الشيء تبعا للموضوعات المبحوثة كالاوضاع السياسية والادارية خصوصا في دمشق،  ولكنها تتقاطع بوجه عام بالتركيز على التاريخ الاجتماعي.

1- موقفه من الاقتصاد: ونعني بالاقتصاد هنا كل ما له علاقة مباشرة باوضاع الناس الاقتصادية بما في ذلك الضرائب، وبات معروفا ان المماليك ابتدعوا انماط من الضرائب تحت عناوين متعددة لا تمت الى الشرع الاسلامي بصلة. واذا كانت هذه الانماط الضرائبية قد بدأت مع دولة المماليك الاتراك فانها تجاوزت كل حد، على ما ازعم، في عهد الدولة الجركسية لأسباب متنوعة؛ لأن هذه الدولة كانت تعاني عجزا ماليا مستمرا بفعل عدم الاستقرار الداخلي الناجم عن تدهور النظام العسكري المملوكي، بل عن فساده[12]. وهو أثّر ايضا على النظام الاقطاعي حتى كاد يفرغه من محتواه، بل من الاسس التي من اجلها وضع، فاصابه بدوره الفساد والانحطاط[13]. اضف الى ذلك الصراعات المستمرة بين فئات الاجناد، وصراع كبار الامراء شبه الدائم، وتقاعس الاجناد عن القيام بمهامهم، وهم طالما تمرّدوا بسبب تأخر جوامكهم. هذا فضلا عمما تطلّبته الحروب شبه الدائمة مع الامارت التركمانية المنتشرة على الاطراف الشمالية الشامية. وزاد في الامر سوءا بذخ المماليك المنقطع النظير. ان كل ذلك جعل بيت مال المماليك يشكو العجز الدائم، ودفع الحكام المماليك الى ابتداع اساليب ملتوية لاستخراج الاموال من الناس، ومن الاوقاف التي كانت قد زادت بشكل ملحوظ في تلك الفترة، ولم تسلم منها ايضا ممتلكات المساجد والمدارس والترب…

أ- المصادرات:  ولعلها ابرز مصادر الدخل غير المشروع، او ما يطلق عليه طرقا ملتوية، وقد تعددت اسماؤها، فهي حينا رميا، وحينا آخر طرحا، وثالثة احاطة على املاك فلان، وقد ذكرها كلها ابن طولون في اماكن متعددة من مؤلفاته ولا سيما في مفاكهة الخلاّن، وانتقد السلطات المملوكية على هذه الممارسات غير المشروعة.

   فكثيرا ما تعرضت المؤسسات الدينية والمدارس التي كان قضاة القضاة مسؤولين عنها لشتى انواع الضغوط كي يدفعوا عنها اموالا غير مبررة ، بل دون وجه حق[14]. وكانت تتم هذه المصادرات، بكل قحة، لصالح السلطان احيانا[15]، وليس من اجل اعداد الحملات العسكرية جريا على العادة او اي امر يتعلق بامن الدولة او لتأسيس مشروع اجتماعي.

ب موقفه من الرمي: ويندرج الرمي في الاطار عينه، وهو فرض مبلغ من المال على حارة من حارات دمشق لأسباب يجترحها نائب السلطان فيها او مساعدوه. وقد استمد المماليك هذه الضريبة غير الشرعية من اصول جاهلية فسّرها كيفيّا بعض رجال الدين تقرّبا من ارباب السلطة من دون ان يتلاءم التفسير مع اصول الفقه الاسلامي، محاولين تجاوزا ملاءمة الامر مع توجهات المذهب الحنفي من دون التقيّد بحذافيره؛ اذ كان يرمى مبلغ معين على احدى حارات دمشق ديّة لقتيل وجد فيها لم يعرف قاتله عملا بالمذهب الحنفي[16] لكي تعطى لأهله. ولكن المماليك تجاوزوا هذا التشريع بحيث كان يدفع قسم من الدية لأهل القتيل والقسم الآخر يذهب الى جيوب من فرضها[17]. وكانت تتحمّل الحارة ايضا الرمي لإعداد الحملات العسكرية[18]، او لدفع رواتب العامة من الناس ممن جُنّدوا كمشاة[19].

ج- موقفه من الطرح : اما الطرح فهو مصادرة سلع الناس قسرا باثمان بخسة ثم اعادة بيعها من التجار باسعار مرتفعة، او فرض سلع محددة صادرها رجال السلطة لصالح السلطان او نائبه او كبار الاداريين على التجار باسعار تفوق الاسعار الرائجة. وشمل الطرح انواع حيوانات النقل والاغنام والابقار، والحبوب على انواعها، والاقمشة[20].
   وكان مؤرخنا يوجه اللوم، بل يحمّل نائب دمشق والسلطان في القاهرة مغبة هذه التصرفات السيئة التي لا تمت الى اصول التشريع الاسلامي باية صلة، لأن من كان تُفرض عليهم هذه الضرائب كانوا يجهدون بدورهم لرفع الاسعار، واذا سُئلوا عن السبب اجابوا علينا مال نؤديه للسلطان، وبالتالي كانت ترتفع الاسعار.

د- موقفه من الغلاء: لم يسلم المسؤولون المماليك من سلاطة لسان ابن طولون بسبب موجات الغلاء غير المبرر معظمها لأنها كانت تطال حياة الناس بشكل مباشر، وتُضخّم جيوب التجار وأولي السلطة. ويرد اسباب الغلاء الى امرين على الاقل: سوء تصرف الحكام وجشعهم المنقطع النظير للمال، والعوامل الطبيعية كشح المطر، وكثافة الثلوج، والجفاف. وكانت عدالته تحتم عليه انصاف الحكام عندما يتدخلون لردع جشع التجار والامراء المتواطئين معهم. وهو يحدد الاصناف التي كان يصيبها الغلاء وتؤثّر مباشرة على حياة الناس: القمح،[21] والشعير،[22]الخبز ذاكرا انواعه ومحددا اسعاره[23]، وموضحا انه صار يباع بالاوقية بدلا من الرطل لشدة الطلب عليه ولندرة وجوده، ويوضح ايضا ان الخبازين عمدوا الى تصغير الارغفة طمعا بالكسب غير المشروع[24]، ولم يهمل ذكر تطور اسعار سلع اخرى مثل السكر،[25] والارز والدبس[26]، والبطيخ ، والعنب،  والدرانق، والزيت[27]، والسمسم[28]، والحلاوة[29]. ويركّز مؤرخنا على غلاء اللحوم ويرجع السبب الى العاملين الاساسيين المذكورين، اضافة الى عامل اضافي هو دخول حملة عسكرية الى دمشق اما لقمع تمرّد فيها، او للانطلاق الى مكان آخر، بحيث كان يعمد جنودها الى احتلال منازل الدمشقيين ونهب الاسواق[30]

 هالنوازل الطبيعية:  لا تقف رؤية ابن طولون الاجتماعية عند هذا الحد، بل نجده يضرع الى الله كي تخف النوازل الطبيعية رحمة بوضعي الدمشقيين الاجتماعي والاقتصادي. اذ كانت كثرة الامطار وازديادها عن المعدل العام تؤدّي الى تلف المحاصيل، وقل الامر عينه عن الثلوج، وقد فنّد مؤرخنا العامليين الطبيعيين من حيث مواعيد تساقطهما، شارحا تأثير تأخر هطول الامطار وتساقط الثلوج على حياة الناس[31]. ويلوم السلطة لتقاعسها عن تنظيف الانهار لأنها كانت تفيض وتدخل الى البيوت المحاذية وتتلف محتوياتها وتقتل حيواناتها، وتأتي على المزروعات ايضا[32]. وكانت العوامل الطبيعية ولا سيما البرد والصقيع يؤديان الى انتشار الامراض لا سيما المعدية كالطاعون[33]، والى فقدان الغلال.[34]

   ونلاحظ ان نظرته تركزت بشكل رئيسي على النواحي الاجتماعية والاقتصادية، وهي نظرة قلما نجدها عند مؤرخي العصور الوسطى. وربما ان هذا الامر تأتّى من منهجه المبني على تأريخ الحوادث يوميا[35]، ما جعله يعيش اوضاع الناس عن قرب من خلال مشاهداته اليومية. ومن خلال هذا التوجه نظر الى التجارة لا ليدرسها كموضوع قائم بذاته، انما من حيث ارتباطها بتوجهه الاجتماعي الاقتصادي العام. 

والتجارة : نجد لمحات تجارية وصناعية في مؤلفات ابن طولون، ما يعني انه لم يُعن بالامرين الا من حيث ارتباطهما بالحوادث العامة المتصلة اساسا بالسلطة، او بالغلاء عن طريق فرض الضرائب. من هذه الزاوية لم يؤرّخ للإقتصاد الدمشقي الصرف بل تناوله لمحات.

    ان التجار في عهده احتلوا مركزا مرموقا، ولكنهم لم يسلموا من عسف السلطة وتخصيصا التجار الاوروبيين، لأن نائب دمشق كان يستغل مركزه احيانا لمصادرة بعض بضائعهم، ثم يعود فيبيعها منهم باثمان مرتفعة، بمعنى كان يمارس عليهم عمليتي المصادرة والطرح[36]. ويذكر ابن طولون في سياق الاحداث بعض الخانات، والقيساريات[37]، والاسواق[38]، من دون ان يتحدث عن دورها واهميتها التجارية.

زالصناعة: لا تختلف رؤية ابن طولون الى الصناعة عن موقفه من التجارة، بحيث يمكننا التعرف من خلال سياق الحوادث على بعض الصناعات مثل النجارة، والنحاس المطعم بالذهب والفضة، والمطرزات وبعض المنسوجات، وبعض الصناعات المعدنية، ولوازم الخيل[39].

   وعليه، يمكن اعتبار رؤية ابن طولون الى التاريخ نظرة الى الاوضاع الاقتصادية التي كانت تؤثّر على احوال الناس الاجتماعية، وقد هدف من خلالها الى توجيه اللوم الى السلطة المملوكية المتقاعسة عن واجباتها تجاه رعاياها، موجّها اليها نقدا لاذعا احيانا. ونظرته الى التاريخ تتكامل بموقفه من المجتمع المملوكي من حيث تركيبه وعلاقة افراده بعضهم بالبعض الآخر، وقد تكون فرادته التأريخية تأتت من تركيزه على المجتمع المدني.

2- المجتمع الدمشقي: لم يقصد ابن طولون الدخول الى تركيب بنية المجتمع الدمشقي والكلام عن خاصات كل فئة من فئاته الاجتماعية، او لم تكن تلك غايته، لأنه تحدث عن المجتمع عشوائيا وبشكل اجمالي من خلال تدوينه يومياته من جهة، ومن خلال بعض كتاباته المتخصصة بناحية معينة من جهة ثانية مثل القلائد الجوهرية، ونقد الطالب لزغل المناصب… التي تحدث بها عن رجال الدين اجمالا[40]. ومع ذلك يمكننا من خلالها تحديد التفرعات او البنى الاجتماعية الدمشقية.

21– المجتمع المدني: وتألف هذا المجتمع، تبعا لأبن طولون، من : رجال الدين على اختلاف الديانات والمذاهب، ومن العامة، والزعر. واستكمالا لرؤيته الاجتماعية يتحدث في سياق يومياته عن المفاسد الاجتماعية وما يناسبها من عقوبات، بل ما كان يفرض من عقوبة على كل ذنب، فضلا عن بعض المظاهر الاجتماعية التي سترد في موضعها المناسب.

أ- رجال الدين المسلمون: جاء موقفه منهم من خلال الحديث عن اخباره العامة، بل عن يومياته في « مفاكهة الخلان» وتراجمه في «اعلام الورى» اضافة الى ما ورد في كتبه المتخصصة مثل « نقد الطالب لزغل المناصب»…

   نظر الى رجال الدين نظرتين: ايجابية، وسلبية. اما الايجابية فتتمثّل بارشاد الناس الى الصراط المستقيم، ومحاولة تقويم الاعوجاج في المجتمع[41]، وكانت الصوفية بنظره شديدة الورع والتفقه بالعلوم، واظهر تعلّق الناس بهم[42]، كما تناول المذاهب الاسلامية الاخرى ووظائف العلماء[43]. وفي السياق الايجابي يبرز دور رجال الدين في مؤازرة العامة ضد طغيان السلطة، واستجاباتهم لإستغاثات العامة الدمشقية[44]. وتتناول السلبيات بعض رجال الدين ممن صب جام غضبه عليهم لجهلهم وغيّهم، فابرزسلبياتهم وانتقدها وحدّد مسببيها « مثيري فتن على غير فقه شرعي» لأنهم برأيه اجازوا لبعض الزعر بقتل بعض اعوان الظالمين، فصار كل من رغب بقتل شخص ما يدفع مالا للزعر فيقتلونه، فذهب ابرياء كثر ضحية هذه الفتوة الجاهلة[45]. يدرج ابن طولون بعض القضاة بالاطار السلبي ممن لا يتّصفون بعلو المنزلة الدينية والخلقية مقارنا بينهم وبين منزلة القضاة الحقيقيين بنظره ممن يتصفون بالاخلاق الحميدة والنفس العفيفة، وعلو الهمة، والتفقه العالي بالعلوم. ويحث الأُول على ممارسة اعمالهم بصدق ونزاهة[46]، مبرزا قدرات القاضي الذهنية، والمهام التي من اجلها وجد النظام القضائي[47]. ويصب جام غضبه على فساد النظام القضائي ولا سيما انتشار الرشوة بين العديد من اعضائه[48]، حتى ان بعض القضاة بنظره ما كانوا اهلا لمناصبهم لأنهم لم يتثقفوا بالعلوم الدينية والفقهية بشكل صحيح، وصار يُستبدل القضاة برشوة[49]، حتى صارت المناصب القضائية تشرى بالمزاد[50]، ما دفع بعض القضاة لأن يتصارعوا، بكل قحة، على اختلاس اموال الناس، ويصدرون احكاما ثم يتراجعون عنها بشفاعة النافذين[51]، وصار لبعضهم، بسبب سوء سلوكه، احتكارات في سوق البازورية[52].

   لم يكن حال جميع القضاة على هذا النحو بل مارس بعضهم اعمالهم بنزاهة وعدل ليس القضائية فحسب بل الاخرى- ومن خلالها يمكننا التعرف على الوظائف الديوانية التي كانت موكلة الى القضاة- كالتدريس، والافتاء لا سيما مفتي دار العدل، والوعظ، والارشاد، ووظائف النظار: الجيش، والجوالي، ووكالة بيت المال، والبيمارستان[53]، ما فتح آفاقا للناس المظلومين والمقهورين فتعلقوا بهم واستبشروا خيرا[54].

    اضافة الى الوظائف التي ذكرناها يتحدث ابن طولون عن وظائف اخرى تولاها كبار رجال الدين مثل نقابة الاشراف[55]. وهم كانوا قيمين على اوقاف المدارس والمساجد، فضلا عن الوقفيات الذرية. وقد ذكر مؤرخنا بعض الوقفيات فامدنا بمعلومات قيمة جدا عن الاوضاع الاجتماعية والرواتب والمهام الادارية التي كانت توكل للقيمين على الاوقاف على اختلاف مستوياتهم، وعن الاهداف السامية للوقفيات عموما، وتلك التي تمّ التلاعب او التحايل على الشرع من خلالها ليصار الى توريثها.[56]

  بالعامة الدمشقية: تألفت العامة الدمشقية تبعا لابن طولون من اصحاب الحوانيت، والباعة المتجولين، وباعة المفرّق، والعمال كالنجارين والبنائين، والحرفيين، وضمّت اصحاب الصفقات المشبوهة والمخادعين والسماسرة، وتجار النخاسة، وبائعي الخمور، والقصابين، واصحاب بيوت الدعارة واصحاب المهن الوضيعة.

    وهكذا تجانس العامة من حيث العمل الذي يؤدونه؛ فلم يكن ممنوعا على الذميين ممارسة اي مهنة يمارسها المسلمون، فامتلك المسيحيون محلات كثيرة غصّت بمختلف انواع الملابس والاواني النحاسية وغيرها[57]. وتساوى جميع العامة بنسبة الضرائب المفروضة عليهم وتذمّروا جميعهم منها، وكانت لكل حرفة نقابة ان جاز التعبير يرأسها شيخ. والاحياء انتظمت وحدات اجتماعية وفق ترتيب عائلي. ويمكننا من خلال مؤلفات ابن طولون تتبع المهن وعلاقات الافراد بعضهم بالبعض الاخر، بل علاقات الجماعات فيما بينها، وهي لعمري خاصات لا نجدها في مؤلفات معاصرة له ولا سابقة عليه، ما يعطيه رؤية فريدة للتاريخ الاجتماعي.

جاهل الذمة: كان موقف ابن طولون من اهل الذمة عادلا عموما اذ تناول اوضاعهم كما شاهدها في يومياته، ولم يعتبرهم طارئين على المجتمع الدمشقي بل من صلبه. ويمكننا من خلال كتاباته التعرف على احيائهم الخاصة[58]، وطرق عيشهم، ومعاملة السلطة لهم؛ كانت الجزية إلزامية عليهم وينتقد طريقة جبايتها احيانا، ويقول:« يجب ان تؤخذ بالمعروف»، ويتحدث عن منشور سلطاني يطلب ممن ظلم من الذميين التوجه الى الابواب السلطانية [59]. ويذكر ايضا تعرضهم الى إلزامية التقيد بالشروط العمرية احيانا وطرق تنفيذها[60]، ويقول اذا جلس احدهم في حانوت يحفر له حفرة ولا يصدّر[61]. وهو يأسف للمضايقات التي مارسها الدمشقيون احيانا ضد اليهود التي وصل بعضها الى حد الشتم والضرب[62]. وفي الاطار عينه يتحدث عمن اسلم من اليهود لأسباب غير ايمانية والظروف التي دعتهم الى ذلك[63]. ولم يُمنع اليهود من حقهم بممارسة الصلاة فكان لهم كنيس في قرية جوبر قرب دمشق[64]. ويتحدث عن الوظائف التي تسنّموها بما فيها تلك التي كانت حكرا على المسلمين مثل دار الضرب[65]، ومارسوا حياتهم الاقتصادية ككل الدمشقيين فكانت لهم محالهم التجارية الغاصة بالملابس.[66] ولا نجد تفاصيل عنده عن المسيحيين ولا عن رجال الدين المسيحيين واليهود ربما لأنه لم يقصد الحديث عن كل فئة من فئات المجتمع الدمشقي.      

دالذعر : كثر المعدمون في دمشق على عهد ابن طولون، ومرد ذلك الى ظلم السلطة والى الاوضاع الاقتصادية السيئة المتراكمة عبر العصور، وقد يكون ان تردّت كثيرا على عهد الدولة المملوكية الثانية او الجركسية. وقد تالف الزعر اجمالا من الشطار ( سليلي العيارين والاحداث على الارجح )، والبلاصين، والغوغاء، والاوباش والحرامية (غير اللصوص المحترفين)، والاوغاد ومن شابههم[67]. ويعتقد مؤرخنا ان بعضهم كانوا دخلاء على دمشق اذ لجأوا اليها على اثر الغزو المغولي للعراق وما جاوره[68]. وانشأ الزعر حارات خاصة بهم في عدد من احياء دمشق[69]، وكانت كناية عن مجمعات بؤس تفتقر الى الحد الادنى من الشروط الصحية. وساهم الزعر بازدياد الازمة الاقتصادية وبتدهور الاوضاع الاجتماعية لأنهم عزفوا عن ممارسة الاعمال الشريفة. وكوّنوا خلايا خاصة بهم كل خلية في احدى الحارات يتزعمها كبير زعر محلته، واتخذ كل واحد منهم لقبا تباهى به[70]. ويحدثنا عن لباس الزعر المتميز عن لباس بقية الناس ليمكنهم من اخفاء الاسلحة التي يحملونها[71].

    ولايهمل الحديث عن موارد رزق الزعر، فقد ملك بعضهم الحوانيت، وفي هذه الحال فرضوا سطوتهم على بقية حوانيت المحلة بحيث كانوا يقيمون فيها من يبيع لحسابهم وباسعار مرتفعة نسبيا حتى ينصرف الزبائن الى محلات الزعر التي تبيع باسعار ادنى، وفرضوا الاتاوات على المحال المجاورة، واحيانا على كامل محال السوق او المحلة[72]. ومن المفارقات الغريبة ان السلطة الحاكمة كانت تشجّع الزعر على المضي بغيّهم، وهذا الامر كان يضير ابن طولون كثيرا. حتى ان نائب السلطان في المدينة وكبار موظفيها كانوا يحضرون العروض التي كان يقيمها الزعر ويخلعون الخلع على اكابرهم[73]. وكانوا يستقبلون نائب المدينة الجديد بكامل عدتهم العسكرية[74]. هذه الاعمال كانت تؤذي ابن طولون كثيرا وتدفعه للإستهجان، ولكن الذي لم يقبله ابدا هو تسويغ بعض الفقهاء للزعر قتل اعوان الظلم ما ادى الى قتل عدد كبير من الابرياء [75]. والافدح من ذلك، وتحت ستار هذه الفتوى صاروا يخرجون باسلحتهم ويسطون على اعمال الناس ومن امتنع عليهم قتلوه باسم الدفاع عن مساوئ المجتمع[76]. واذا تجرأ احد وشكا امرهم للسلطان كان يدفع حياته ثمنا بحيث كثرت كمائنهم واغتيالاتهم[77].

هالمفاسد الاجتماعية: يبدو ان المفاسد الاجتماعية استشرت في عصر ابن طولون بسبب التركيب الاجتماعي الآخذ بشد الفئات الاجتماعية نحو القاعدة، لأن المجتمع المملوكي كان مغلقا، اذ نادرا ما تمكن افراد فئة ما اختراق حواجز الفئة التي تعلوها، بل العكس كان صحيحا. وبالتالي فان الفقر وسوء تصرف السلطة كانا يؤديان الى مشاكل اجتماعية متعددة لم يغفل عنها ابن طولون، ولعل ابرزها:

* – الدعارة: كانت الدعارة منظمة ولها بيوت مرخصة، وتدر اموالا طائلة لمن اقطعت لهم. وكان بعضهم يمارس الدعارة والتحشيش معا، وقد تفنن مروجو الحشيش بابتداع انواعه كمزجه بالحلويات مثلا[78]. وما كانت الدعارة مقتصرة على النساء بل كان يتم اغتصاب المردان، واحيانا كان يصار الى قتلهم بعداغتصابهم[79].

* شرب الخمر: انتشر شرب الخمر انتشارا واسعا من دون مراعاة شعور الناس، اذ كان بعض الموظفين يشرب الخمر علانية في شهر رمضان احيانا[80]. ويثور مؤرخنا على نواب السلطان الذين كانوا اما يضمنون الخمّارات او يحمونها[81]، ويفنّد مساوئ الخمر وينهي عنه[82].

* الجرائم: كانت تسود مجتمع ابن طولون انواع الجرائم، فقد اتخذ موقفا معاديا منها  بعد ان فنّد انواعها. وكان ينهى عنها ويلوم ارباب السلطة المتقاعسين عن ردع المجرمين[83].

* السرقات: استشرت السرقات واشتدت وطأتها بسبب الفقر، وسوء تدبير نواب دمشق ومساعديهم، وازدياد عدد منظمات الزعر، وكثرة الحرامية واللصوص، فعمدت الحارات الى تحصين احيائها ضد الجريمة[84]. واقتضت تلك الجرائم البشعة عقوبات لردع المعتدين وحماية المجتمع، او على الاقل للتقليل من انتشارها. وقد وصف لنا ابن طولون انواع العقوبات وطريقة تنفيذها بدقة متناهية، وتأسّف على من كانت تنفّذ به ليس اسفا على اعماله الشنيعة، بل لوحشية بعض العقوبات التي تخطت حدود الشرع، ولعل ابرزها: الصلب[85]، والشنق[86]، والتوسيط[87]، وضرب الاعناق[88]، والخوزقة[89]، والتسمير[90]، والتجريس[91]. ويحدثنا في مؤلفاته عن عقوبات اخرى مثل قطع الايدي والارجل، والاخصاء، والاغراق بالانهر، والسلخ، والرجم…[92]

 و-  شؤون اجتماعية اخرى :لم يركز مؤرخنا على الجوانب الاجتماعية السيئة وحدها، بل تناول معظم الشؤون الاجتماعية بما فيها الايجابية، ومنها:

* – الطلاق والزواج: هي علاقات تطال كل الناس، فحدثنا عن عقود الزواج وانواعها، واعمار الفتيات في سن الزواج، ووصف الاعراس[93]. وتعرّض باطار المشاكل الزوجية الى الطلاق معللاً اسبابه[94].

قافلة الحج: ان الحج برأيه يتمّم الدين، لذلك وصف محمل الحج والاستعداد للسفر، وما كان يصيب الناس جراء فرض الاموال عليهم وجبايتها منهم قسرا لصالح امير الحج[95]. ويصف ايضا المصاعب المتنوعة التي كانت تصيب القافلة[96]، والنشاط الصناعي الذي كانت تحدثه تلبية لمتطلبات الحجيج[97].

* زينة دمشق: ما كانت المدينة تزيّن الا بمرسوم سلطاني شريف، وتنوعت دواعي زينتها: مجيء قاصد سلطاني، او اعتلاء سلطان جديد العرش، او تعيين نائب جديد للمدينة، واحتفالاً بانتصار المماليك على اعدائهم[98]. ويأسف ابن طولون لما كان يرافق عملية تزيين المدينة من اعمال نهب وسرقة، وحرائق، وامور شنيعة بل فاسدة، اضافة الى الغرامات التي كانت تفرض على الاسواق للمساهمة في تكاليف الزينة[99].

* الاعياد: شكّلت الاعياد مظاهر اجتماعية واضحة في المجتمع الدمشقي وتحدث ابن طولون عنها وعن احتفالات الدمشقيين بها في بعض مؤلفاته، من هذه الاعياد: المولد النبوي[100]، وعيدي الفطر والاضحى[101]، واحتفلوا باعياد غير دينية مثل: بعد هطول الثلج[102]، وخميس الحلاوة وخميس البيض[103]، عيد الزبيب[104]… 

    على هذا النحو كان المجتمع المدني الدمشقي من منظار ابن طولون، ولكن نظرته التاريخية الاجتماعية هذه تكاملت بالحديث عن القسم الثاني من المجتمع عنيت به المجتمع العسكري او الفئة ( الطبقة) العسكرية الحاكمة لأنها بممارساتها اثّرت على تطور الاحداث كلها.      

22 –المجتمع العسكري: يمكن من خلال مؤلفات ابن طولون التعرف على افراد الطبقة العسكرية الدمشقية ومراكزهم ورتبهم ومسؤولياتهم وسلوكهم تجاه الناس، كما على قسم كبير من الجسم الاداري في القاهرة.

الوظائف العسكرية بدمشق: وردت متفرقة في مؤلفاته وتبعا لعلاقة احد اصحاب الوظائف بالحوادث، ومن دون ان يقصد الكلام على الوضعين الاداري والعسكري الدمشقيين، ولعل ابرز الوظائف ومهام اصحابهاهي: نائب السلطان، ونائب القلعة[105]، الحاجب الكبير مع ذكر صلاحياته[106]، النائب الكبير ويكون عادة حاجبا[107]، الامراء الكبار وهم عادة اربعة من مقدمي ألاوف[108]، حاجب الحجاب[109]، اتابك العسكر وهو مقدم ألف[110]، واستدار النائب[111]

الامراء والاجناد: ذكر ابن طولون في اماكن متفرقة من مؤلفاته الامراء والاجناد مثل: مقدمي الالوف مع ذكر اقطاعاتهم بدمشق احيانا[112]، امراء الطبلخاناه[113]، المماليك السلطانية[114]، العبيد البارودية اي الذين يستخدمون البنادق مشاة بين يدي نائب السلطان[115]

العلاقات في ما بين افراد الطبقة العسكرية الحاكمة: ان سوء تدبير نائب دمشق احيانا، ونظام الجاسوسية الذي افرزه النظام العسكري المملوكي لكي يتجسس افراده بعضهم على البعض الآخر، كي يأمن السلطان ولاء نائب دمشق. ان كل ذلك عقّد النظام الاداري المملوكي، وجعل مسؤوليات افراده تتضارب، وكانت تؤدي باستمرار الى صراعات غير منتهية فيما بينهم، وتنعكس سلبا على الاوضاع الاقتصادية والحياة الاجتماعية الدمشقية. وقد يكون تعدي المماليك الجلبان ابّان خروجهم من القاهرة بحملة عسكرية وحلولهم بدمشق، قد يكون الاسوأ اذ كانوا يمارسون فسادا خلقيا بربرياعلى حد تعبير مؤرخنا[116] مثل لواط الاولاد وخطفهم وخطف النساء والتعدي عليهن[117]، وافساد البساتين بترك خيولهم ترعى فيها[118]، وانتزاع ابواب وشبابيك المنازل واستعمالها حطبا[119].

   هذه التعديات والصراعات بين فئات المماليك اضافة الى تعديات الزعر غير المنتهية كانت تؤدي الى نتائج مدمّرة على كل المستويات البشرية والاقتصادية والاجتماعية[120]. وجاءت ردات فعل الدمشقيين عليها عنيفة احيانا، وباساليب متنوعة: الثورة ومهاجمة النائب ومساعديه[121]، والتكبير في المساجد والجوامع[122]، والتجمّع امام المساجد[123]، او النزول بالاعلام الى الشوارع[124].

   كانت هذه الممارسات تؤّدي الى تصلب رجال السلطة وتسلطهم معظم الاحيان، فيقبضون على المحرّضين، ما يستدعي تدخّل رجال الدين لإطلاق سراح المعتقلين بعدة اساليب[125].

23- العلاقات الخارجية: لم يغفل ابن طولون عن التحديات المصيرية التي واجهت دولة المماليك منذ اواسط القرن التاسع/ الخامس عشر التي تمثّلت بتدخل الدولة العثمانية بالشؤون الداخلية المملوكية عن طريق تحريض الامارات التركمانية المنتشرة على الحدود الشمالية المملوكية للثورة على المماليك. فتحدث عن الحملات المملوكية ضد تلك الامارات والعثمانيين معا[126]، وعن تأثيرها على الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية على الدمشقيين[127]. وهذه العلاقات ادت بالنهاية الى الصراع المدمر بين العثمانيين والمماليك الذي انتهى بزوال دولة المماليك.

III-طريقة المعالجة:

1-المصادر: من العسير معالجة منهج ابن طولون في كل مؤلفاته لأنها مجموعة ضخمة جدا وبعضها ما يزال مخطوطا، وسأكتفي بنموذجين منها: مفاكهة الخلان، واعلام الورى لأنهما يمثّلان نموذجين رئيسين في منهجه وواحدهما يكمّل الاخر للتشابه بين موضوعاتهما، ومن جهة ثانية لأن مفاكهة الخلاّن تأريخ حولي مبني على اليوميات، والثاني تراجم. ففي الاول تنعدم المصادر لأن مؤرخنا كان شاهد عيان على الاحداث، ودوّنها بطريقة اليوميات وقد يكون رائد هذا المنهج. اما في الثاني فيذكر بوضوح وجلاء الاشخاص الذين اخذ عنهم، ولعلّ ابرزهم: تقي الدين الاسدي[128]، السيد الحسيني[129]، ابن حجر العسقلاني[130]، والذهبي[131]، وشمس الدين الزملكاني الذي اعتمد عليه كثيرا بحيث ان معظم معلوماته استمدها منه[132]،  وعندما كان يلاحظ انها غير وافية اتمّها من «ذيل السيد الحسيني» . ومن شدة اعجابه بالزملكاني ذيّل اعلام الورى على كتابه[133]

2-التراجم، وعهود نواب الشام: دوّن اعلام الورى كما اسلفت وفقا لمنهج التراجم، من دون ان يسير على خطة واحدة في كل الترجمات، فبعضها بالنسبة اليه لم يكن ذا اهمية كبرى خصوصا المتعلقة بالنواب السابقين على عصره، وتحديدا في الفترة الممتدة منذ بداية العهد المملوكي وحتى سنة 865/1462 بحيث جاءت تراجم بعض النواب في سطر او سطرين[134]، وبعضها الآخر في عدة اسطر[135]. وتنعدم الترجمات الموجزة بعد ذلك اعتقادا منه ان ذكر الحوادث مفّصلة في عهد كل نائب يغني عن الترجمة الموجزة، وبالتالي صار يؤرّخ لعصره على اساس عهود نواب دمشق المرتبطين بعهد السلطان.[136] فصار عهد السلطان يشكّل مفصلاً تاريخياً بارزاً، ونوّاب السلطان في دمشق يشكلون محورا رئيسا فيها يدور في فلك السلطان وفي آن يطغون عليه كليا بالنسبة للاحداث الدمشقية. ما يعني ان الشخصية الرئيسة صارت المحور الاساسي وتدور حولها مجموعة كبيرة من جزئيات الاحداث. وبتعبير اوضح فان الحدث في هذه العهود ليس تاما بذاته، بل شبه خبر لسببين على الاقل؛ لأنه خبر لما جرى في اليوم الواحد متلازما مع عدد وافر من جزئيات الاحداث شديدة الاختصار لا ارتباط بينها، وكأنها يوميات لا لحمة اجمالا بين مجريات حوادثها، بل تتناول مواضيع متنوعة لا يشدّها الى بعضها موضوع رئيسي، فجاءت اخبارا مفككة لا تعكس رؤية واضحة للشخصية المحورية. ومن النماذج على هذا المنهج ماذكره في ترجمة سودون العجمي:« وفي اليوم المذكور دخل من مصر الى دمشق الامير قلج متسلم دمشق لنائب الشام الجديد سودون العجمي المصري امير مجلس بمصر. وشاع في هذه الايام بدمشق ان سيباي نائب حلب عرض عسكره…وشاع بدمشق ايضا عصيان نائب طرابلس…وشاع ايضا عصيان نائب حماه دولة باي.

    وفي يوم الخميس ثامن عشر جمادى المذكور ورد مرسوم سلطاني الى دمشق بتحليف الامراء بقلعة دمشق…»[137]

 3- التأريخ الحولي: وقد اعتمد في منهجه على التأريخ الحولي المبني على يوميات مختارة توافق رؤيته كمؤرخ اجتماعي، راسما لنفسه منهجا خاصا اعتمده ايضا في مفاكهة الخلاّن.

   ان التأريخ الحولي الموزع على الايام والشهور يبدو واضحا في مفاكهة الخلاّن ولا يختلف كثيرا عن منهج اعلام الورى من حيث مضمون الاخبار وتبعثرها، بل ان الحدث الذي يجاوز اليوم نجده غير تام في مكانه، اذ يقطعه مؤرخنا ليروي احداثا اخرى شديدة الاختصار وفاء ليومياته، ليعود ويكمله في المكان المناسب ولو اضطر لقطعه مرات عدة[138].

   نجد اخبار بعض السنوات لا يجاوز الصفحة الواحدة[139]، وبعضها الآخر يقتصر على صفحات عدة[140] تتخلّلها احيانا اخبار من مناطق اخرى كمصر[141]، او نيابات شامية[142].

   كلما استهلت سنة في مفاكهة الخلان كان يذكر اسم السلطان، واسماء نائب دمشق وارباب الوظائف العسكرية والدينية فيها[143]. اما في اعلام الورى فيذكر حين اعتلاء النائب منصبه في دمشق العادات المتبعة في تقليده، ويحدد مكان اقامته، ومبايعة القضاة له، ونوعية الخلع التي كان يقدمها لأرباب الدولة خصوصا اصحاب الوظائف الدينية[144] . وبالتالي يكون ابن طولون قد اختط لنفسه منهاجا خاصا، وهو وان بني على بعض ميزات التأريخ العام في العصور الوسطى فانه جاء نابضا بالحيوية.

ثالثا: قيمة ابن طولون: يمكننا الخلوص من خلال مؤلفات ان طولون بالملحوظات التالية:

1- المؤرخ الاجتماعي: تفّرد محمد بن طولون بين معظم المؤرخين المعاصرين له والسابقين عليه بالتركيز على التاريخ الاجتماعي، حتى بات دارس مؤلفاته يشعر بنبضات المجتع بين دفتي كل كتاب من مؤلفاته العديدة. فقد طرح مشكلة الزعر ليس كفئة اجتماعية عاشت داخل المجتمع وخارجه في آن، على الرغم من ان المؤرخين لم يحسبوهم من ضمن فئات المجتمع المملوكي[145] بل جعلوهم عالة على الفئات المكوّنة له، حتى انهم لم يصنّفوهم من بين فئات سواد العامة. في حين ان ابن طولون جعلنا ندرك انهم نحوا باتجاهين لتحقيق مكاسب شخصية: فلم يكن صراعهم فيما بينهم الا احلالاً لزعامة احدهم او توكيدا لها، وبالتالي فان هذه الصراعات كانت تشبه في مضمونها العام ومن حيث توجّهها ما كان يتصارع عليه افراد الفئات الاجتماعية الاخرى او على الاقل قادتها. وصراعاتهم تلك كانت تجرّ ويلات على حاراتهم والمناطق المحيطة بها، تماما كما كان يحصل نتيجة للصراع بين افراد الطبقة العسكرية الحاكمة. وسلكوا من جهة ثانية طريق الجريمة واللصوصية لتأمين معاشهم حتى صاروا اعداء للناس واعداء للسلطة احياناً. وهذا السلوك يشابه بعض الاساليب التي اعتمدت عليها الطبقة العسكرية الحاكمة بفارق انها جعلت ممارساتها شرعية في حين ان تصرّفات الزعر بدت خارجة على الشرع والقانون. ولكن ومع ذلك جعلنا مؤرخنا ندرك ان نتائج ممارسات السلطة بدت في مفاكهة الخلان واعلام الورى شبيهة بنتائج اعمال الزعر من حيث عداء الناس لها، كما لم يكن صراع الزعر مع السلطة سوى انجراف مع التيار الشعبي العام الناقم على ممارساتها غير الانسانية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. لم يتصرف الزعر على وتيرة واحدة اذ ناهضوا السلطة الحاكمة حينا، وآزروها حينا آخر جريا وراء مصالحهم، وبالتالي سقطت قيمتهم الاجتماعية كقوّة مؤثّرة في ايجابية احداث المجتمع.

    وجاء تصويره القاتم للعهد المملوكي وبخاصة الجركسي هادفا الى ارشاد الحكام الى السبل الآيلة الى تقويم المجتمع واصلاح الراعي والرعية على حد سواء، ولكي يعتبر الخلف من السلف.

2- الادارة: لم يدرس الادارة كموضوع قائم بذاته، بل جاء كلامه عليها تبعا لما تقتضيه حوادثه اليومية. ومع ذلك فاننا نجد في كتبه بعضا من مؤلفات العمري، والنويري، والمقريزي، والقلقشندي، وخليل بن شاهين الظاهري، والخالدي وغيرهم من منظّري الادارة المملوكية مع فارق اساسي وهو ان ابن طولون تحدث عن الجانب التطبيقي للنواحي الادارية باظهاره ممارسات ارباب السلطة ومعاونيهم، وهي لعمري خاصة شديدة الاهمية لأن النظري لم يحترم احيانا كثيرة وظلّ فارغ المضمون، ما جعل معلومات ابن طولون الادارية أكثر واقعية.

3 – الخطط: يمكننا اجمالا من خلال اخباره اليومية اعادة تخطيط مدينة دمشق باسواقها، وابوابها، وحاراتها، ومساجدها، وجوامعها، ومنتزهاتها، ومبانيها الحكومية، وما اصاب بعضها من تدمير، وما اضيف اليها من ربض وغير ذلك من المعلومات الطبوغرافية…

4 رجال الدين: نال رجال الدين حيزا واسعا في مؤلفات ابن طولون، واعتبرهم ضابطي الاخلاق في المجتمع الاسلامي عامة والمملوكي خاصة. فابرز الفاسدين منهم بخاصة قضاة القضاة، والقضاة ايضا. ومعلوماته تكمل ما ورد عند البصروي في تاريخه، والمقريزي في السلوك وغيرهما من مؤرخي العهد المملوكي. ولم تكن قساوته شديدة على بعض رجال الدين الاّ لأنه رجل دين ويعرف مدى فاعلية اضطلاع رجال الدين بمسؤولياتهم في تصويب المسارات في الحياة عامة.

5- التاريخ العام: لا تقل مؤلفاته، في هذا الاطار، قيمة عن مؤلفات العصر المملوكي منهجا ومضمونا، وقد يكون فاق معاصريه وسابقيه من حيث المعلومات الاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بمدينة دمشق. وهو يمدنا بمعلومات فريدة عمّا اصاب المدينة على يد العثمانيين اثر سقوط المماليك في مرج دابق عام 1516، وعن سياسة العثمانيين فيها. واذا كان لا يجاري ابن اياس من حيث التفصيل، وهما شاهدا عيان على اواخر الدولة المملوكية، من اوضاع المماليك اواخر ايامهم وعمّا حصل في مرج دابق وقبيلها، فان معلوماته أكثر لصوقا وصدقا عمّا حلّ دمشق.

    وعلى هذا فان مؤلفات ابن طولون العديدة تشكّل– ان جاز التعبير- موسوعة  تاريخية حضارية لحقبة اواخر العصور الوسطى المشرقية. ومع هذا فانها لم تنل الجهد الكافي من قبل الباحثين والمؤسسات العلمية.


[1] – ابن طولون (محمد)، الفلك المشحون في احوال ابن طولون، مكتبة القدسي والبدير، مطبعة الترقي، دمشق، 1348ه.

[2]  – احمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية في مصر والشام سنة 154/868 وتوفي عام 270/884 استمرت بعد وفاته الى ان سقطت عام 292/905، انظر البلوي، سيرة احمد بن طولون، تحقيق كرد علي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، لا تاريخ، ص 56-58

[3]  – زيادة (محمد مصطفى)، المؤرخون في مصر في القرن الخامس عشر الميلادي، ط2، مصر، 1964، ص79

[4]  – الفلك المشحون، ص7

[5] – المكان نفسه

[6] – المكان عينه

[7] – ابن طولون ( محمد)، اعلام الورى بمن ولّي نائبا من الاتراك بدمشق الشام الكبرى، تحقيق محمد احمد دهمان، دار الفكر، دمشق، ط2، 1984، ص19

[8] – السماع وجمعها السماعات، وهي ان يكتب الشيخ في آخر كتاب الطالب المحاضرات والخطب التي سمعها عليه، والمواضيع التي فاتته، ابن بطوطة( محمد بن ابراهيم)، رحلة ابن بطوطة، دار صادر، بيروت ، 1960، ج1، ص66، وفي العصور الوسطى كانت الاجازات العلمية عديدة: الاجازة بعراضة الكتب وهي ان يجيز المدرس الطالب ما سمعه منه ؛ القلقشندي، صبح الاعشى في صناعة الانشا، دار الكتب، القاهرة، 1913-1918، ج14، ص327، وهناك الاجازة بالمرويات اي المراسلة، انظر: موسى(عمر باشا)، الاجازات العلمية، مجلة التراث العربي، العدد 4، السنة2، ص92، وهناك ايضا المناولة العلمية وهي ان يناول الشيخ الطالب كتابه =   = ويقول له: اروه عني، اضافة الى الاجازة التحريرية خصوصا التي تدوّن على ظهر الكتاب، انظر: السبكي، طبقات الشافعية، تحقيق محمود طناحي، مطبعة عيسى البابي الحلبي، 1864، ج2، ص194

[9] – الفلك، 9-11

[10] – المصدر السابق، ص 11، ويذكر في الفلك المشحون الشيوخ الذين اخذ عنهم والذين اجازوه

[11]  – انظر مقدمة اعلام الورى لمحمد احمد الدهمان، ص 21

[12] – Precis d’Histoire d’Egypte, par divers historiens et archéologues, T2, Paris, 1932, pp 246-247…

وانظر ايضا، ضومط (انطوان) الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي و العسكري، دار الحداثة، بيروت، 1980، ص76-82

[13] – الطرخان (ابراهيم علي)، النظم الاقطاعية في الشرق الاوسط في العصور الوسطى، دار الكتاب العربي،  القاهرة، 1968، في اماكن متعددة خصوصا ص 261 – 294

[14]– اعلام الورى، ص 74-76، 117، 163، 167، 171…ومفاكهة الخلاّن ج1، ص 78، 91، 108، 248، 258، 291…

[15] – مفاكهة ج1، ص 78، 81، 86، 93، 108، 11، 170، 176، 179…

[16] – البصروي ( علي بن يوسف الدمشقي)، تاريخ البصروي، تحقيق اكرم العلبي، دار المأمون للتراث، دمشق، 1988، ص198 هامش رقم 1، وانظر ايضا: نصّار( اندره)، العامة بدمشق المملوكية، رسالة دبلوم دراسات عليا غير منشورة، باشراف الدكتور انطوان ضومط، الجامعة اللبنانية، كلية الآداب، الفرع الثاني ، ص320

[17]  – اعلام الورى، ص 123، 194، 198، 205، و مفاكهة ج1، ص 157، 247، 249…

[18] – اعلام، ص 171، 200، 203، 208، 222…و مفاكهة ج1، ص261، 275، 289، 306، 343…

[19]  – ابن طولون، المعزّة فيما قيل في المزّة، ص 47-48، اعلام، ص 115-116، 194، 222-223…مفاكهة ج1، ص 41، 44، 45، 119، 231، 249، 292…

[20] – مفاكهة، ج1، ص41، 44، 45، 119، 231ن 292

[21] – مفاكهة، ج1، ص 29، 30، 98، 104، 111، 118، 120، 123، 155، 261، 266-268، 317، 361، واعلام، ص 93-95، 169، 173، 174، 217

[22]  – مفاكهة، ج1، ص83-84

[23]  – مفاكهة، ج1، ص 90، 97، 268، اعلام 174

[24] – مفاكهة، ج1، ص83-84، 90، 97، 256، 267، 291، 292، 369، 375، واعلام، ص 174، 177، 188، 189، 193، 215-217

[25]  – مفاكهة، ج1، 41، 48

[26]  – مفاكهة، ج1، ص97

[27]  – مفاكهة، ج1، ص 97، 239، واعلام، ص 138

[28]  – مفاكهة، ج1، ص 267، 286

[29]  – مفاكهة، ج1، ص 367، 377

[30]  – مفاكهة، ج1، ص 121

[31] – المصدر السابق، ج1، ص 74ن 134، 135، 155

[32]  – مفاكهة، ج1، ص 49، 102، 126، 152، 272، 350، 339

[33]  -المصدر السابق، ج1، ص 164ن 176، 187، 272، 376، 379، واعلام، ص101، 177

[34]  – مفاكهة، ج1، ص 10، 13، 34، 68، 255، واللمعات البرقية، ص 27-28

[35]  – انظر منهجه لاحقاً

[36]  – اعلام، ص 96

[37]  – مفاكهة، ج1، ص 112، 224

[38] – مفاكهة، ج1، ص 26، واعلام، ص 61

[39]  – مفاكهة، ج1، ص 127-128

[40] – انظر مؤلفاته اعلاه

[41]  – القلائد الجوهرية، القسم الاول، ص 108-109، القسم الثاني، ص 357، 359، 366-368، ومفاكهة، ج1، ص172،

[42]  – القلائد، ق2، ص392، ومفاكهة، ج1، ص21، 263، 264، 323

[43] – القلائد، ق1، ص50، 53، 60، 81، 93، 116، 120، 132، 141، 142، 153، 155، 173،

[44] – مفاكهة، ج1، ص 42، 43، 48، 181، 696، 124، 125، 132، 153، 360، 384، 385…

[45] – مفاكهة، ج1، ص181

[46] – الثغر البسام، ص 102، 124، 131، 149، 160، 164، 174، 179، 250…

[47] – المصدر السابق، ص 122، 124، 126، 131، 132، 134، 149، 160، 172، 203…

[48] –  الثغر البسام، 129، 130، 157، 165، 207، 255، 298…

[49]  – الثغر، ص 155، مفاكهة، ج1، ص159…

[50]  – مفاكهة، ج1، ص42، 133…

[51]  – المصدر السابق، ج1، ص11، 42، 133

[52]  – المصدر عينه، ص 117

[53]  – مفاكهة، ج1، ص122-124ن 149، 179، 208…

[54]  – نفسه، ج1، ص 129، 130، 149، 150، 151…

[55] – مفاكهة، ج1، ص53

[56]  – المصدر السابق، ج1، ص148

[57]  – مفاكهة، ج1، ص35، 68، 100…

[58] – مفاكهة، ج1، ص 124

[59] – المصدر السابق، ج1، ص16، 198

[60]  – نفسه، ص87

[61]  – مفاكهة، ج1، ص 288، واعلام، ص 188

[62]  – مفاكهة، ج1، ص 73، 289

[63] – مفاكهة، ج1، ص147، 157

[64]  – ضرب الحوطة، ص 155

[65]  – نقد الطالب، ص 187، ومفاكهة، ج1، ص 115، 350

[66]  – مفاكهة، ج1، ص35، 68، 100

[67]  – مفاكهة، ج1، ص3، 166، 168، 186، 191، 195، 204، 261، 262…واعلام، ص 108، 127، 183…

[68] – مفاكهة، ج1، ص212، اعلام، ص51

[69]  – ترد هذه الاحياء في اماكن عديدة من مفاكهة الخلان،ج1، ص: 27، 92، 127، 153، 160، 179، 185، 212-214، 224، 224، 250-252…وفي اعلام الورى ص: 101، 102، 121، 122…ونذكر من هذه الاحياء: الغوطة، الشاغور، القبيبات، ميدان الحصى، القراونة، حارة المزابل، الشويكة، زقاق البركة، باب السريجة… 

[70]  – مفاكهة، ج1، ص65، 66، 196، 224، 225، 258، 295…واعلام، ص121-122، 167، 168، 196، 197

[71]  – مفاكهة، ج1، ص268، واعلام، ص174، 195، 199، 203…

[72]  – مفاكهة، ج1، ص292، 293، اعلام، ص195

[73]  – مفاكهة، ج1، ص185

[74]  – عينه، ص 247

[75]  – مفاكهة، ج1، ص160

[76]   – مفاكهة، ج1، ص177، 204، 213، 214، 238، 239، 181 واعلام، ص 118، 119، 127…

[77]  – مفاكهة، ج1، ص238، 239

[78]   -مفاكهة، ج1، ص7، 8، 9ن 20، 21، 65ن 93، 104…

[79]  – تبييض الترس، ص4

[80]  – مفاكهة، ج1، 109، 210

[81]  – مفاكهة، ج1، ص21، 30، 84، 203، 228 واعلام، ص108ن 186، 188…

[82] – عينه، 1/ 109، 210

[83] – اعلام، ص59، 136ن 151، 181ن 254، ومفاكهة 1/ 17، 46، 66، 92، 109، 127، 142، 153-154، 162، 164، 177، 180، 196، 204، 209، 225، 235، 257، 268، 274، 279، 320، 350، 354، 370

[84]  – اعلام، ص188-189، 203، ومفاكهة، 1/ 27، 35، 49، 66، 84، 105، 118، 127، 132، 142، 161، 172، 174، 179، 230، 240، 284، 300…

[85] – اعلام، ص119، 121، 131، ومفاكهة، 1/ 66، 150ن 220، 224، 227

[86]  – اعلام، ص121، 157، 162، 195، ومفاكهة، 1/ 87، 134، 204، 214، 232، 246، 292، …

[87]  – اعلام، ص123، 191، ومفاكهة، ج1، ص 150، 186، 196، 247، 289، 366، 390…

[88] – مفاكهة، ج1، ص108، 110، 262، 383، واعلام، ص 170

[89]  – مفاكهة، 1/ 172-173، 287، واعلام 99، 118-119، 187

[90]  – مفاكهة، ج1، ص108، 271، 272 واعلام، ص177

[91]  – مفاكهة، 1/ 176، 334

[92]  – مفاكهة، 1/ 106، 109، 196ن 385، واعلام 151

[93] – تبييض الترس، ص4ن مفاكهة، 1/ 3، 12ن 362،

[94]  – شهوة الاخر، والخيانة الزوجية، وقلة التقوى مفاكهة، 1/ 358

[95] – مفاكهة، 1/ 187، 273، 341، 351، 360 واعلام، ص 150-151، 178، 217…

[96]  – مفاكهة، 1/ 34، 59-60، 218

[97]  – مفاكهة، 1/341

[98] – مفاكهة، 1/ 9، 138-139، 167

[99]  – مفاكهة، 1/ 8-9، 98، 138-139، 165، 167، 204، 262

[100] – مفاكهة، 1/40

[101] – نفسه، 1/30، 228-229، 279

[102] – فص الخواتم، ص65

[103] – مفاكهة، 1/37، 76، و282، وضرب الحوطة، ص159

[104]  – مفاكهة، 1/ 185، 202، 376

[105]  – مفاكهة، ج1، ص5

[106]  – نفسه، ص11

[107]  – نفسه، ص21

[108]  – مفاكهة، 1/ 13، 24، 140

[109]  – نفسه، ص 52

[110] – المصدر السابق، ص 48، 60

[111]  – نفسه، ص 127

[112]   – مفاكهة، 1/140

[113]  – نفسه، ص142

[114]  – المصدر عينه، 1/219

[115] – مفاكهة، 1/211

[116]  – مفاكهة، 1/ 123، 192، 208، 226، 309

[117]  – نفسه، 1/17

[118]  – نفسه، 1/123، 130

[119]  – مفاكهة، 1/ 192

  [120]  – مفاكهة، 1/164، 222، 256 واعلام، 119، 209…

[121]  – مفاكهة، 1/ 240، 245، اعلام، 79-80، 155، 157، 96، 97…

[122]  – مفاكهة، 1/ 8-9، 65، 227، 234، 299 واعلام، 96-97، 123، 143-144، 198-199…

[123]  – مفاكهة،1/71، 73، 108ن 124-125، 132، 147، 153، 154، 178، 249

[124] – المصدر السابق، 1/79

[125]  – مفاكهة، 1/ 15، 160، 215، 254-255

[126] – مفاكهة، 1/ 4، 26، 84، 90، 125، 175، 226، 240، 252، 256، 261، …واعلام، ص، 61-64، 70-71، 110-112، 122، 125، 141، 155…

[127] – انظر ما سبق عن دور الجلبان عند حلولهم بدمشق، ودور الزعر وهامش رقم 123

[128]  – اعلام، ص60، 61، 63…

[129]  – نفسه، ص 16، 63، 64، 66، 68، 71…

[130]  – نفسه، 71، 73…

[131]  – اعلام، ص 40

[132]  – المصدر عينه، ص 31، 49، 50، 54،…

[133]–  ذكر ابن طولون في الصفحة 79 من اعلام الورى ” من هنا نشرعفي الذيل عليه”

[134]  – انظر مثلا ترجمة طشتمر واقطمر ص 52، 53، وايضاجمال الدين آقوش، ص33 وغرلو، ص 36…

[135]  – مثلا ترجم الطنبغا 12 سطراً ، ص 42 ، وجار قطلي في 16 سطرا، ص68…

[136] – انظر مثلا ما اورده في الصفحة 152 : [ سلطنة الغوري] ليجعل كل الاحداث مرتبطة بها

[137] – اعلام، ص182

[138]  – مفاكهة، 1/ 212-213، 214، 217 والنماذج كثيرة جدا

[139]  المصدر السابق، 1/167

[140]  – نفسه، 1/160-167،175- 289، 352-368…

[141]  – مفاكهة، 1/ 151…

[142] – المكان نفسه

[143]  – انظر مثلا ص 168، 275، 183، 368…

[144]  – اعلام، ص121…

[145]  – انظر تصنيف المقريزي للمجتمع المملوكي في هذا الكتاب

مدخل الى دراسة التأريخ عند العرب قبل الاسلام

اسئلة كثيرة طرحت حول نظرة عرب الجاهلية الى المستقبل، من خلاحفظ المآثر. وهل ترك عرب الجاهلية آثارا مكتوبة لتربط ماضيهم بحاضرهم ومستقبلهم؟ وبالتالي هل ظهرت

كلمة تاريخ في الجاهلية؟

    عمليا، ثمة دراسات بل مؤلفات عديدة تناولت الموضوع وافاضت فيه، بعضها لمستشرقين وبعضها الآخر لمؤرخين عرب، ولعل ابرزها واحدثها كتاب الدكتور طريف الخالدي:« فكرة التاريخ عند العرب»[1]. والتاريخ كما بات معروفا هو نوع من التراث، والتراث يعني تراكم احداث مشتركة صارت ملكا لجميع الناس، وتسمّى من منظور ثقافي ثقافة المجتمع العامة. وهذا الطرح السؤال: ألم يكن لكل شعب من شعوب الارض ثقافة عامة؟ وكيف انتقلت الى الخلف، وهل اصبحت تاريخاً؟ وما هي معايير تقويمها؟

    من دون شك كان للعرب قبل الاسلام ثقافتهم العامة، فكيف صيغت، أشعراً ام نثرا ً؟ وهل دوِّنت ام جاءت شفوية ؟ وهل كان للعرب لغة موحدة بلهجات متعددة ؟

  يعتبر الدكتور طريف الخالدي ان الجزيرة العربية قد حققت وحدة اللغة منذ ما يقرب الثلاثة قرون قبل الاسلام، وهو انجاز مدهش تزامن مع بروز الثقل السياسي لشمالي الجزيرة التي تمكّنت من تطوير اللغة وبسطها على كامل ارضها[2]. مما يعني انه صار للعرب لغة واحدة احتضنت قريض شعرهم وصاغت نثرهم. فهل تكون وحدة اللغة كافية ليترك شعب ما تاريخا ؟

    عمليا ما يزال تصنيف ما تركه العرب من تراث ادبي ومآثر اجتماعية مدار جدال واجتهادات عند الباحثين، ومنهم من يعتبره ادبا تاريخيا، ومنهم من يصنّفه في خانة التاريخ. ونحن لن نخوض غمار هذه الاجتهادات والتصنيفات، بل  سنكتفي بآراء من لهم الباع الطولى في هذا الموضع، والا خرجنا عن المحور الاساسي والهدف الرئيسي الذي من اجله عمدنا الى وضع هذا الكتاب.  

     ان فرانز زونتال صاحب كتاب «علم التاريخ عند المسلمين» مستشرق شهير ومشهود لجهوده العلمية بالدقة والتثبت، وقد قام بابحاث معمّقة حول موقف العرب من التاريخ، وأكّد ان كلمة «تاريخ» لم تظهر في الشعر العربي الجاهلي ولا في ادب العرب في فترة ما قبل الاسلام[3]، ولم تظهر ايضا في القرآن الكريم ولا في الاحاديث النبوية الشريفة. فهل هذا يعني ان الجاهليين لم يحفظوا ماضيهم، ام انهم حفظوه بطريقتهم الخاصة[4]؟

    عمليا يمكن ان نسجل لعرب الجاهلية نمطين للدلالات التاريخية: ايام العرب ، والانساب.

اولا: ايام العرب:

   1 – تعريفها: يمكن تعريف ايام العرب بأنها المعارك او المناوشات التي جرت بين القبائل العربية بعضها ضد البعض الآخر، او تلك التي وقعت بين القبائل العربية وملوك اليمن، او بين العرب والفرس. وهي تتضمن المآثر العربية القبلية، وسير الامراء، او بعض الافراد ممن ادّوا اعمالا جليلة او نسبت اليهم تلك المآثر وصاروا رمزا وفخرا ليس للقبيلة التي ينتمون اليها فحسب، بل ايضا للمجتمع القبلي باسره، وتحوي ايضا اقوالاً مأثورة وامثالاً. وتتضمن اخبارا تتعلق بشوؤنهم الاجتماعية الصرفة، وما كانت تخلّفه المعارك من قبائح كهتك الاعراض… فضلاً عن علاقاتهم بآلهتهم.

    فمضمونها، كما نلاحظ، هو من صلب التاريخ لأنه مبني على الماضي بكل ابعاده ومحاوره. ولكن ما يهم المؤرخ والتأريخ هو كيف وصلت الينا تلك الاخبار؟ وبتعبير اوضح هل دوّنت ؟ وكيف ؟ وتاليا هل وصلت الينا كاملة، وبأي صورة ؟

2 – علاقة الشعر بايام العرب: في الجاهلية وحتى فترة طويلة من العصور الاسلامية كان الشاعر ناطقا بلسان قبيلته، يشكّل صحيفتها، واذاعتها…وفق التعابير والمصطلحات الحديثة، ويخلّد مآثرها. وكان شعراء القبائل الاخرى يخلدون مثالبها بهجائهم. اضف الى ذلك ان تجارب الشعراء انفسهم كانت من صلب التاريخ، وقد عبّر الخالدي عن ذلك بقوله: «كانت وظيفة التاريخ غالبا ما تقوم به سير الشعراء النموذجية: الامير التائه المتنقّل في طلب ملكه، الصعلوك المتمرد…الصديق الثابت…وحيث يمجّد الشاعر قبيلته لا نفسه فان ابيات فخره غالبا ما تكون تذكيرا صريحا او مقنّعا لأعدائه بما لقبيلته من المآثر التاريخية…وذلك لا في التفاصيل…بل بالايماء الى الانتصارات المفترض انها معلومة من الجميع…»[5]

    ان هذا الامر يفسّر اقتضاب الاحداث في الشعر وحتى في النثر كما سنبيّن لاحقاً، ممّا جعل الغموض يلف احداث العرب في الجاهلية، ليبدو بعضها وكأنه آتٍ من فراغ، او يلفّه الارباك.

3 – علاقة النثر بايام العرب: يبدو افتراض الجاهلي ان الحوادث باتت معروفة من الجميع دفعه الى اختصار معظمها والتركيز على الفخر والانجازات، ما يعني انه كان يروي ليومه، وارضاء لمناخ سياسي، وربما احيانا اجتماعي. ومن ناحية ثانية لم يصلنا كامل النثر الجاهلي اذ ضاع معظمه[6]، الامر الذي يزيد في ارباك موقفنا من علاقة العرب بالتاريخ. وقد خلدت الروايات القبلية تلك “الايام” لانها كانت تراثا قبليا مشتركا، وتروى في مجالس القبيلة المسائية لامتاع السامعين وشحنهم بالحماسة، ولكي يفخروا بتلك الانجازات. وجاء معظم  الروايات تراثا شفويا انتقل بالتواتر، وبعضها دون جزئيا، او بالحري اشير اليه بالادبيات تبعا لرغبة الشاعر. ويعزز هذا الرأي ما ذهب اليه طريف الخالدي:« ان الثقافة الجاهلية كانت شفوية في جوهرها. وكانت النصوص المكتوبة دينية او قانونية في معظمها».[7]

ويقول روزنتال فيها:« لم يكن الهدف من هذه القصص في الاصل ان تكوّن مادة تاريخية…والواقع ان قصص الايام ترجع في اصلها الى الادب اكثر مما ترجع الى التاريخ. فقد كانت تروى بالدرجة الاولى لإيناس السامعين ولمتعهم العاطفية. وكانت تحوي على عناصر تاريخية من حيث انها سجلت احداثا كبرى، ومن حيث انها اعتبرت مثل تلك الاحداث متصلة بنواح معنوية معينة، غير انها يعوزها الاستمرار تماما، فلم تدرس ضمن الاسباب والنتائج التاريخية، كما انها لا تأخذ الزمن بنظر الاعتبار قط. ولا توجد اشارة الى ان الشعور التاريخي قد تقدم قبل الاسلام الى الحد الذي يضْفي على هذه القصص شيئا من التعاقب التاريخي. وبذلك لم يكن بالامكان ان تتطور قصص الايام، او ان يكون لها دافع يوجهها نحو التطور لتصبح من الادب التاريخي، هذا بالرغم من ان فنونها واشكالها لعبت، فيما بعد، دورا هاما في علم التاريخ الاسلامي[8]

      ان في هذا النص لروزنتال عناصر اساسية تختصر مفهوم الايام وتحدد ميزاتها الى حد بعيد:

أ – غائية الايام : ترتبط غائيتها بمضمونها، فالايام تسجيل لاحداث جليلة اجمالا يفخر بها العربي، وطعٌمت بالشعر لأنه الشكل الادبي بامتياز لاسلوب الفخر، تبعا لدور الشاعر او الراوي بما كان يضيفه عليها من بنات شعره او من شعر منحول. ممّا يعني ان غايتها لم تهدف الى تسجيل وقائع تاريخية تخليدا للماضي وربطه بالحاضر لتغدو نبراسا او درسا للمستقبل، بل جاءت عملية فخرية صرفة، تشحذ حماس السامعين وتمتّع عواطفهم.

ب – عناصرها التأريخية: لقد تناولت من دون ادنى شك احداثا كبرى غير متعاقبة زمنيا، انما مرتبطة معنويا بنواح كثيرة. وافتقرت لعناصر تأريخية عديدة: فقد اعوزها الاستمرار، والعلاقات السببية بين الدوافع والنتائج، والارتباط بالزمن، وكأن حوادثها تسير بفراغ، وهو الشرط الاساسي للتأريخ.

 ج – تطورها: استمر نهجها رتيبا، لان غائيتها انحسرت بالفخر فقط، ممّا افقدها الرؤية المستقبلية احدى اهم ركائز التأريخ، ما جعلها تدور في حلقة مفرغة من الفخر والحماس والتطلع المستمر الى الماضي.

ه – اهميتها : لقد حوت عناصر تاريخية لانها تناولت حوادث ماضوية كالمعارك والحروب، ونواحي اجتماعية كالكرم والشجاعة ومآثر بدوية اخرى كالامثال والحكم. وجاء اسلوبها ادبيا شعبيا مبنيا على الحوار والخطابة والشعر، فشكّل فيما بعد الاسلوب الاولي للكتابة التاريخية العربية في دولة الخلافة.  

     وهكذا، تشكل الايام نمطا شعبيا من التعبير شبه التاريخي الشفوي، بل نمطا ادبيا شفويا يستند الى عناصر وحقائق تاريخية بما تحمله من اصداء ذكريات التاريخ القبلي. وعلى الرغم من الانطباعات الاسلامية عليها، لان تسجيلها تمٌ في العهد الاسلامي، فهي لا تدل على نمو الشعور التاريخي حتى عند ناقليها[9].

    ثانيا: الانساب: لقد عرّفها شاكر مصطفى بانها «سلاسل اسماء تدعو لها الحاجة الاجتماعية القبلية للتعارف والتمايز»[10].  وهي من منظور آخر: اشجار انساب تنسج حول بعض شخصياتها الاحداث التاريخية مّما حفظ تكوينها الذي اسّس لعلم الانساب الاسلامي. ولعلّ صياغتها النثرية شكلت محورا اساسيا في التراث الجاهلي. لأن القبيلة كانت بمثابة دويلة سياسية لها نظمها الاجتماعية والقانونية، والمكان الصالح لتحديد المكانة الفردية والجماعية، فباتت الانساب عملية ضرورية لتحديد ارتباط الدويلات-القبائل بعضها بالبعض الاخر لما كان بين القبائل وفروعها المتعددة من ارتباط نسبي ومعنوي، واحيانا سياسي.  

وهي كالايام خالية من الارتباط الزمني، واقل قيمة منها من حيث الشكل التعبيري التاريخي، ولكنها اكثر دلالة على وجود الحس التاريخي، بما تعكسه من انطباعات انتربولوجية[11]. ويعتقد: روزنتال انها جاءت مغايرة للتنظيم السياسي والاجتماعي عند عرب الجاهلية[12]، ويضيف:« نستبعد ان يكون علم النسب عندهم –العرب- دوّن ليتطور الى ادب تاريخي، كما ان التراث النسبي عند العرب وعند الساميين عموما لم يقتصر على العلاقات بين الافراد والاسر، بل اعان على تكوين مخططات نسبية ضمّت جماعات السكان كافة بصرف النظر عن اعدادهم» [13]. ان هذا النمط من التفكير، او الرواية الشفوية للانساب وان لم يكن يعكس باستمرار النمط السياسي السائد ويختار من التنظيم الاجتماعي ما يتوافق والشخصية المراد ابرازها، فانه، فيما لوكان تطور، لكان جاء تاريخا حقا.

   ويمكن القول على ضوء الايام والانساب معا، انه كان للعرب قبل الاسلام حقائق تاريخية، من دون ان يتطوّر عندهم الحس التاريخي، بل لم يجد دافعا ينمّيه ليتحول الى تأريخ.   

الفصل االثاني:التدوين خلال القرنين الاولين الهجريين.

اولا: نشوء التدوين التاريخي:

     ان سنة التطور مبنية على خلق تيارات جديدة تسير بتؤدة الى جانب الثقافة العامة لكل مجتمع، حتى اذا ما نضجت تهيمن تدريجا على المفاهيم السابقة والمنافسة لها من دون

ان تلغيها كليا. وقد ابقى الاسلام في دولته على بعض المفاهيم الاجتماعية والسياسية الجاهلية، لا بل غدا بعضها من مرتكزات الدولة الجديدة، بحيث كان عسيرا جدا على العرب ان يتخلوا عن تقاليد وعادات واعراف حياتهم في الجاهلية التي مارسوها على مدى اجيال عديدة، بعد ان كانوا قد تخلوا عن ديانتهم الوثنية ومبادئهم الاقتصادية. لان الترسبات الاجتماعية والسياسية لتلك الاجيال كانت من صلب ثقافتهم العامة، ومحور استمراريتهم.

   من هنا، كان من الصعب ان يرفض الرسول ومن بعده دولة الخلافة كل القيم الجاهلية لانها ستؤدي الى انفصام كامل بين تراث الماضي ومحتوى الحاضر الواعد بالمستقبل الزاهر، خصوصا ان عناصر الدولة الجديدة تألفت من مجموع القبائل العربية المتجذرة بالمفاهيم القبلية.

    وما يهمنا من الامور التي استمرت في الدولة الجديدة، على مدى نيف وقرن، هي الروايات الشفوية المتواترة المتصلة اصلا بالآراء السياسة والاجتماعية في المجتمع القبلي غير المتعارضة مع التعاليم الاسلامية، والتي كانت سائدة ضمن نطاق القبيلة الواحدة، وتعتبر ملكا مشتركا لكامل افرادها.

   واذا جارينا الدراسات التي تذهب الى القول ان عند وفاة الرسول وجدت فئة قليلة من المسلمين تحسن القراءة والكتابة، ندرك مدى اهمية استمرار الروايات الشفوية في الدولة الجديدة، على الاقل في حفظ تراثها، وفي درجة اولى في الحفاظ على السيرة النبوية. وما تجدر ملاحظته ان الاسلام حضّ على التعليم لاهميته في فهم الدين الجديد وفي تطوير المجتمع. وكانت لدى القبائل العربية لهجات متعددة ان في الجنوب او في الشمال، وكان لنزول القرآن  بلغة قريش، ان ثبّت هذه اللهجة كلغة رسمية في الدولة العربية والاسلامية، وطوّر ابجديتها، خصوصا الاحرف التي لم تكن معجمة اذ كانت «د » مثل  «ذ»، و «ر» مثل «ز»…

  كان لهذه التوصية، اضافة الى تأثير الفعاليات الجديدة على مستويات عديدة، كما الى عوامل دينية، وسياسية، واجتماعية، واقتصادية، اثرها الفعّال في نشؤ الكتابة التاريخية، والتشجيع عليها، وسنوجز تلك العوامل بثلاثة توجهات اساسية: دينية وسياسية واجتماعية.                              

أ : العوامل الدينية:    

1 – نظرة الاسلام الى الكون: لقد نظر القرآن الى الماضي نظرة مغايرة لما كان سائدا لدى العرب الوثنيين، فقد اعتبر احداث الكون عملية تراكمية منذ بداية الخلق وحتى انتهاء الزمان، وفيها محطات اساسية بل مفاصل رئيسة في تطوير المجتمعات شكّلها الانبياء الذين يقر بهم القرآن، وكان آخرهم الرسول محمد. والاسلام “دين تاريخي الروح … وتاريخيته عميقة الجذور” على حد تعبير شاكر مصطفى[14]. كما توضحه الآية التالية  < انها ملّة ابيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل >. وبالتالي فان الحياة ليست الا معبرا للحصول على الجنة، وللوصول اليها يجب اتباع التعاليم الاسلامية، والعمل بموجبها. والقرآن، الى جانب ذلك، مليء بالاشارات الى الانبياء الاوائل السابقين على الرسول، ويقصّ بعضا من سيرهم باعتبارها نماذج رائعة للايمان ويحثّ المسلمين على التمثّل بها. ويشير ايضا الى الشعوب الغابرة، ويروي بعض احداثها للإتعاظ منها. ولطالما نظر المسلمون  الى التاريخ على انه المعلم الاول لكثرة العبر الاخلاقية والسياسية الواردة فيه.       

    من هنا، بات من الضروري ليس التعرف فقط على حياة الرسول والصحابة وجيل التابعين والمحفاظة على سيرهم واتباع خطاها لكونها تنويرا للمسلمين، انما ايضا على حياة الشعوب الغابرة للغاية عينها. ولكن المنظور الديني التاريخي هذا، على اهميته،لم يكن ضمن اهتمامات جماعة المؤمنين الاوائل لأن البعد التاريخي لم يأخذ طريقه الى فكر الاخباريين واهل السلطة على حد سواء الا في اواخر القرن الاول الهجري. فقد كانت لهم اهتمامات اخرى أكثر اهمية تتعلّق بتسويغ الامتيازات الضخمة التي حصلوا عليها ضمن الجماعة – الامة، وتوضيح صورة المسلمين وعلاقة الامة الاسلامية بالامم الاخرى.

   وعلى الرغم مما ذكرنا: ان في القرآن خبرا واستخبارا، وتشديداً على المواعظ الخلقية الواردة فيها، ما حتّم التعرف عليها للعمل بهديها، فانه لم يتمّ استيعاب كل ذلك الا في فترة لاحقة، اي بعد استقرار الدولة وانتهاء عملية الفتوح والانصراف الى تفسير الفكر الديني. وليس ادلّ على ذلك من تأخر ظهور المذاهب السنية الى منتصف القرن الثاني الهجري، مما يفسّر تأخر عملية التدوين التاريخي حتى اواخر القرن الاول ومطلع الثاني الهجريين.

2 – اسباب النزول او احكام الناسخ والمنسوخ: من الواضح ان القرآن نزل على الرسول على دفعات، وهو وحي من عند الله، وقد نزلت آيات لاحقة لتعدل جزئيا او كليا ايات سابقة، {وما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها او مثلها[15]}. وبعد وفاة الرسول احتاج المسلمون، لضرورات تشريعية، للتعرف على الاحكام الملغاة، ودوافع إلغائها. فكان لا بد من عملية تقص وتدوين، كي لا يتكرر البحث كلما دعت الحاجة اليه. وما كان ممكنا الحفاظ على كل ذلك الا من خلال التدوين.      

3 – تدوين القرآن: اعتمد الرسول لتدوين الوحي على عدد ضئيل من الكتبة، وشابت كتابته الاولى اخطاء املائية، فضلا عن انها دوّنت على اضلاع عظمية، ورقع وسعف نخيل وألواح حجرية وغيرها. واستمر الامر كذلك الى عهد ابي بكر حيث تم التدوين الفعلي للقرآن. وامر الخليفة عثمان بن عفان، بجمع كل المصاحف واحراقها والابقاء على القرآن المعروف بمصحف عثمان، وكانت الحاجة شديدة للنهل من كتاب الله، واعتماد احكامه، فتم نسخ العديد من المصحف المذكور، ما جعل الحاجة ملحة للتدوين.

4- تدوين الحديث: تعتبر الاحاديث النبوية المصدر الثاني للشريعة الاسلامية الى جانب القرآن، وعندما توسعت الدولة على اثر الفتوحات طرحت فيها احكام جديدة، وبما ان القانون الوضعي ليس جائزا فيها اضحت الحاجة ملحة للاسترشاد بالاحاديث النبوية. وبما ان احدا لم يكن يحفظها كلها، وكان حافظو الاحاديث قد توزعوا في ارجاء الدولة عقب الفتوحات، وبدأ يتوفى الصحابة وهم اعلم الناس بها لانهم حفظوها غيبا بعد ان اوصى الرسول بعدم تدوين الاحاديث لكي لا تختلط خطأ بالوحي قائلاً:« لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي فليتبوأ مقعده في النار.»[16]. لذلك كله اباح الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز تدوين السنة. فبدأت عملية جمع الاحاديث وتدوينها، وتنقيتها مما شابها من دس واختلاق، وجاءت بواكير تدوينها في كتاب ” الموطأ ” للامام مالك بن انس. وشكل منهج تدوينها الخطوة الاولى والرئيسة لنشوء الكتابة التاريخية.

5 – التعرف الى الاجماع الاسلامي: ان الاجماع الاسلامي هو ما اجمع عليه الصحابة والتابعون ومن تلاهم للفصل  في مختلف الامور النزاعية، وصار الاجماع من مصادر الفقه والسياسة في الاسلام وعليه اعتمد الحكم الاموي.[17]لذلك تم تدوينه للعودة لأحكامه كلما دعت الحاجة.

6 – نظريتا القدر والجبر: ادت الفتنة الاولى في الاسلام او الحرب الاهلية الى انشقاق المسلمين بين معسكرين: طالبي واموي، وبالتالي الى نشؤ الفرق الدينية والسياسية في الاسلام. وبعد استتباب الحكم الاموي، على الرغم من معارضة الشيعة والخوارج وفرق دينية اخرى، عمدت هذه الفرق الى تسويغ مواقفها بالاستناد الى الآيات القرآنية، ووضعت نظريات مستقاة منها يدور معظمها حول الخلافة. فاعتمد الامويون، بعد ان تسمى الخليفة الاموي” خليفة الله”، على نظرية الجبر القاضية بقبول الامر الواقع لانه مقدر من عند الله، فهم تولوا السلطة بارادة الله ورضاه من اجل اعلاء شأن الاسلام ونشره في العالم، مسوّغين بذلك وجوبا دينيا لطاعتهم. وكان يتعذّر على المعارضة القول استخدام نظرية الجبر كونهم خارج السلطة، فكان على المعارضين مواجهة هذا الامر من المنطلق الديني عينه معتبرين ان الله القادر على كل شيء ما قدّر كل الاحداث والافعال بما في ذلك ذنوب الانسان واخطاؤه،  واعتمدوا مبدأ القدر أي قدرة الناس على اختيار افعالهم ومسؤوليتهم عنها تجاه الله. وجاء الترويج لهذه النظريات ليسهم بالكتابة التاريخية وبتطورها.

7 – السيرة النبوية: تعتبر السيرة النبوية نبراسا لكل مسلم، والتعرف عليها بكل ابعادها وتفاصيلها ضرورة ماسة، فهي تختزن حياة الرسول والصحابة وكفاحهم من اجل انتشار الاسلام، وتزخر ايضا بامجاد المسلمين الاوائل: معاركهم الاولى: بدر احد والغزوات الاخرى، والآيات التي نزلت من اجلها. وهي الى ذلك تضم العقيدة الاسلامية، والاسس الواجب على كل مسلم اتباعها، كما تختزن مصادر التشريع الضرورية جدا لدولة الخلافة. اضافة الى ذلك فقد اهتم حافظو السيرة بتمييز الرسول عن خلفيته الجاهلية، كما عن الوسطين المسيحي واليهودي لاعطاء الاسلام استقلالاً تاما عن المحيطين المذكورين. فكان لا بد من تدوين السيرة وحفظها، والافادة منها في العديد من النواحي السياسية والدينية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية.

ب – العوامل السياسية. قد تكون العوامل السياسية ساهمت بزخم في تطور الكتابة التاريخية لشدة النزاعات التي تلت مقتل الخليفة عثمان بن عفّان. فقد اهتز مفهوم الشورى والبيعة بفعل مستجدات متنوعة وعلى مختلف الصعد، حتى بات النظر الى مفهوم الخلافة والدولة متلونا بالصراعات السياسية. وقد اثّر كل ذلك على استيعاب الناس لفكرة الامة. وسنقتصر في كلامنا على اربعة عوامل رئيسة هي:

  1 – الخلافة: لقد طرحت في الدولة الجديدة مشاكل اساسية مثل قضية الخلافة من اجل قيادة المسلمين بعد وفاة الرسول. وكانت احداث سقيفة بني ساعدة وما تلاها من امر الخلافة جديرة باهتمامات المسلمين ولا سيما المجلس الانتخابي او الشورى الذي شكله عمر بن الخطاب، كذلك مقتل الخليفة عثمان وما تلاه من صراعات بين الامام علي ومعاوية، بل بين الامويين والشيعة عموما والآثار التي ترتبت عليها. ان ذلك الخط البياني من الاشكالات، وكيفية  او محاولة حلّها، وما نجم عنها من آثار شكٌل دروسا للمسلمين كان من الواجب تسجيله.

2– نشؤ الدولة: بعد ان استقر الحكم الاموي وظهرت معه الدولة السلالية على غرار الدول المستندة الى القانون الوضعي، وحرمت قبائل اخرى من هذا الحق، قامت فرق دينية تناصب الامويين العداء ولا تعترف بحقهم وحدهم بالدولة والحكم. وعمد الامويون ومناصروهم الى تشييع فكرة الدولة والدفاع عنها، في حين سارع الرافضون الى تدوين اخبارهم الاقليمية بمعزل عن اخبار الدولة ككل، ما ادى الى ردات فعل ساهمت بطريقة غير مباشرة الى بلورة فكرة الدولة.    

3– فكرة الامة: اعتمد الاسلام على الامة اساسا للتضامن عوضا عن العصبية القبلية، واذا كانت الامة تبناها الصحابة مهاجرون وانصار، فان استيعابها ظل مرتبكا عند مجموع القبائل التي لم تستطع الانفلات من سيطرة العصبية القبلية على الرغم من توسع الدولة عن طريق الفتوحات.

    لذلك، حاول المسلمون الاوائل ولا سيما القيمون على السلطة  التشديد على دور الرسول الزمني كقائد للأمة الاسلامية وعلى دوره الديني الملازم لها كونه الملهم الديني، وخصوصا سلوكه في المدينة( وقد يكون عهد الصحيفة دليل بارز على ما ذهبنا اليه). مشددين على تواصل الخلفاء مع حياة الرسول الزمنية، ولا سيما التركيز على ممارسة الشعائر الدينية والسلوك الاجتماعي والاخلاقي النابع من توجّهات الرسول وسلوكه، كما حاولوا التشديد على حسن سلوك الحكام قدر المستطاع، وعلى استيفاء الضرائب كي تصرف في صالح المسلمين (الامة) لكي تترسخ فكرة الامة عند جموع المسلمين وليس عند القيادات فقط. وجهد الامويون كي يظل العرب امة ممتازة تجاه المسلمين من غير العرب (الموالي) مما اضعف فكرة الامة الاسلامية، غير متقيدين بالنص القرآني وبتصرفات الرسول. ومع ذلك ظل العرب خاضعين في مواقف عديدة للعصبية القبلية التي عززتها المعسكرات الجديدة كالجابية والكوفة والبصرة والقيروان والفسطاط التي شيدت مراعية التوزيع القبلي متجاوزين مفهوم الامة. ولكن هذا الامر سيبدأ بالانحسار لصالح الامة الاسلامية مع قيام الدولة العباسية،  وسيتخطى التأريخ القبلية والاقليمية لصالح الامة.

4– الفتوحات: شكلت الفتوحات القسم الثاني البارز في حياة العرب المسلمين، وغدت احدى اهم المرتكزات الاساسية في تطور مسارهم التاريخي، ويمكن تصنيفها ايضا من ضمن الدوافع الدينية، لأنها جهاد في سبيل الدين من اجل السيطرة على الشعوب الاخرى ودفعها لإعتناق الاسلام. وكان المسلمون مقتنعين انهم ينفذون الإرادة الآهية التي ارادت للاسلام، الذي هو الدين عند الله، السيطرة، واسهمت معهم بنشره. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير انتشاره السريع واحتلال المسلمين مساحات شاسعة جدا، وقضاءهم على الامبراطورية الفارسية وانتصاراتهم السريعة على الامبراطورية البيزنطية. فكان التأكيد على هذه الانجازات والتغني بها، وابراز دور القبائل في الفتوح، والتأكيد على نصيبهم بالغنائم، وعلى صراع الاقاليم مع السلطة المركزية، يشكّل مواد مهمة جدا للإخباريين الاوائل. 

 ج – العوامل الاجتماعية والتنظيمية: يبدو احيانا عسيرا الفصل بين الاجتماعي والسياسي بسبب التداخل بينهما من حيث الهدف على الاقل؛ فدور الدواوين سياسي في الاساس ولكن بعض غائياته اجتماعية. وكانت مدلولات نشوء الانساب سياسية واجتماعية في آن. ولم يكن اعتماد التقويم الهجري الا لتثبيت الاطار الزمني للاسلام، وهو اطار يتمحور عليه السياسي والاجتماعي والديني والاقتصادي.

 وعلى ذلك، يمكن ايجاز هذه الدوافع بثلاثة:

1 – نشؤ الدواوين: في عهد عمر بن الخطاب برزت الحاجة الى تنظيم جديد في الدولة ولا سيما من اجل العطاء، فتم استحداث ديوان الجيش (العطاء) وسجلت فيه اسماء الذين يحق لهم بالرزق بدءا بمن ارتبطوا بالرسول بعلائق مباشرة، ومن ثم العرب طبقة بعد أخرى تبعا للاسبقية في الاسلام، وصولا الى المجاهدين. وافرزت هذه العملية الاهتمام بالكتابة، وببروز اهمية الانساب في الاسلام وفق التراتبية المستحدثة، وان كان الاسلام لا يقرّها. وفي عهد عبد الملك بن مروان تمّ تعريب الدواوين واضحت الحاجة ماسة الى الكتابة بالعربية فتعززت اللغة العربية على حساب اللغات الاخرى. كما ادى تسجيل الوثائق في الدواوين الى ابراز اهمية التدوين في حفظ تراث الامة.

2 – الانساب: ان العصبية القبلية، التي حاول الاسلام محوها واستبدالها بالمساواة، زادت بأهمية الانساب، اذ  بنيت  المعسكرات مثل الكوفة والبصرة والجابية…على اساسها، كما تمّ اسكان القبائل في الامصار تبعا للاسس عينها. وزادها زخما نشؤ ارستقراطية اسلامية تبوأت المراكز الرئيسة في الدولة شكلت قريش عمودها الفقري ما عزّز التراتب الآنف الذكر. كما ساهم بتغذيتها النزاع العرقي والثقافي بين الموالي والعرب عنيت به تيار الشعوبية. لقد حاول المسلمون من غير العرب خصوصا الفرس التباهي على العرب على المستوى الثقافي خلال القرنين الاولين للهجرة ردا على معاملة العرب لهم كمسلمين من الدرجة الثانية، كما يرى بعض المؤرخين، ولا سيما في العهد الاموي؛ فقد حرمهم الامويون من شغل المناصب الاساسية في الدولة، ومن المغانم الاقتصادية التي كانت توفرها الفتوحات. وجاء انتقاد الموالي الفرس للعرب قاسيا بل عنيفا: فاتهموهم بالجهل والتخلف الفكري مسقطين عنهم اية مأثرة فكرية ما خلا الاسلام، ونزعوا الى تشويه التاريخ العربي بالبحث عن مثالب العرب وابرازها، ولنا دليل واضح في كتابات الهيثم بن عدي ” كتاب المثالب الكبير” و«كتاب المثالب الصغير» وفي كتابات غيره. وعمدوا، فخرا، الى نقل بعض ماّثرهم الادبية الى العربية، مثل:كليلة ودمنة لابن المقفّع و« خداي ناماه» الذي عرّبه بعنوان «سير الملوك»[18]، وهو يروي قصة التاريخ القومي الفارسي. ونقلوا اليها ايضا العديد من المؤلفات مثل «الكاه ناماه» أي طبقات العظماء[19]. كما انبرى الموالي الفرس الى الانكباب على علوم الدين، وبرعوا فيها ليبرهنوا للعرب مقدرتهم في مختلف العلوم. فرد العرب على كل تلك الاعمال بالحسب والنسب والفخر بتدوين انسابهم، ما ادى الى خدمة علم النسب بطريقة غير مباشرة. ولعب بعض الخلفاء دورا بارزا بالاهتمام بعلم النسب؛ فقد امر يزيد الثاني ( يزيد بن الوليد) باعداد سجل شامل للانساب[20] من اجل تنظيم العطاء وتوزيع القبائل على الامصار.

   ان كل ذلك جعل من الانساب عنصرا اساسيا في المجتمع تفاعل مع المستجدات وغيرها من العوامل، بتسجيل اعمال الشخصيات البارزة، فاصبح فرعا من فروع التاريخ، لا بل شكل ركيزة مهمة فيه.

3 – التقويم الهجري: يعتبر مجيء الرسول نقطة تحول في تاريخ العرب، واعطت التعاليم الاسلامية للاسلام، بعد ان ثبّت حضوره، بعدا عالميا، وازدادت اهميته عقب الفتوحات بعد ان انتشر بين الشعوب المغلوبة. فكان لا بد من صيغة زمنية تحدد انطلاقته وتربط احداثه بدقة وتعطيه استقلالا عن سير الخطوط الزمنية التي سبقته. وعندما اعتمد عمر بن الخطاب سنة 622م. بداية التقويم الهجري نشأ تقويم ثابت عند المسلمين ارتبطت به كل احداثهم. 

     ان هذه العوامل والمؤثرات في بداية التدوين وفي تطوّره لم تظهر دفعة واحدة انما بالتدرج وتبعا لتقدم الفكر في دولة الخلافة، وتلبية لحاجات فرضها التطور. من هنا جاءت الكتابة التاريخية الاولى خلال القرن الاول الهجري خجولة ترافقها الروايات الشفوية المتواترة، وظل العرب اوفياء للذاكرة يعتمدون عليها كسجل للأحداث والمآثر. وما ان انتصف القرن الثاني الهجري حتى باتت الكتابة عملية ضرورية للدولة والمجتمع بكل نواحيهما. وسارت الكتابة الاولى باتجاهين متميزين: اهل الحديث، والاخبار التاريخية. فاتجاه اهل الحديث انحصرت مواضيعه في البدء بكتابة السيرة النبوية التي اقتضى تدوينها التفتيش عن الاحاديث النبوية وجمعها، والتحقق من صحتها وتدوينها. ثم تخطى الامر السيرة الى بعض حوادث العصر الراشدي، التي جاءت وكأنها نتائج لها. ولم يكن لهذه الكتابات توجها تأريخيا بقدر ما كانت غايتها دينية تهدف للحفاظ على سيرة الرسول. وقد ترعرع وتطوّر هذا النوع من التدوين في المدينة اولا التي شهدت تطور القوة الاسلامية منذ الهجرة وحتى وفاة الرسول.

  وكان الاتجاه الثاني كتابة الاخبار التاريخية التي تركزت على تدوين اخبار المعارك والفتوحات في الاسلام ودور القبائل فيها، فضلا عن المستجدات في دولة الخلافة بما في ذلك توزيع القبائل على الامصار، ومقدار العطاء للقبائل او الافراد، والصراع على الخلافة، كما الصراع في ما بين العرب انفسهم لاسباب متنوعة. وقد نشأ هذا النوع من التدوين التاريخي في العراق الاقليم المعارض للامويين، وتحديدا في البصرة والكوفة بغية تخليد اخبار رجالاته. وانتشر هذا النمط في حواضر الاقاليم العربية الاخرى من دون ان تنحصر موضوعاتها بالتاريخ الاسلامي وحده، بل تناولت اخبار الجاهلية وشعوبا اخرى. من هنا تعددت مواضيع الاخبار التاريخية: اخبار العرب في الجاهلية، غزواتهم، انسابهم، احوالهم الاجتماعية والسياسية، فضلا عن المواضيعالتي ذكرناها آنفاً. ونتج من خلال كل ذلك دراسة الشخصيات البارزة في الاسلام ليس على مستوى القبيلة فحسب، بل على مساحة دولة الخلافة بما حبلت باحداث ارتبط بعضها بالديني او بالسياسي او بالاثنين معا. ما سيؤدي لاحقا الى نشؤ علم الانساب في الاسلام، والى اعتماد مناهج جديدة في تدوينه مثل التراجم و السير والطبقات. ولنا عودة تفصيلية الى هذا الموضوع.

ثانيا: السيرة النبوية وتطوّر الكتابة التاريخية.

1 – علاقة السيرة النبوية بالاحاديث النبوية: نشأت مدرسة التاريخ في المدينة، ولم تكن مدرسة بالمعنى الحصري للكلمة انما تيارا فكريا ان جاز التعبير، لتدوين السيرة النبوية لتعريف المسلمين على حياة الرسول لأنها نبراس يحتذى مقوّم لكل اعوجاج، وغاية لحياتهم.

ويمكن تعريف السيرة بشكل عام: هي كل ما اثر عن الرسول من قول وفعل منذ نزول الوحي عليه وحتى وفاته، بما في ذلك حياته وزوجاته ورسالته (القرآن) وغزواته وسرايا صحابته، وانتشار الاسلام في حياته.

    وانطلاقا من ان معرفتها ضرورة موجبة لكل مسلم انكبّ عدد من علماء الحديث على تلقينها إلقاء في المساجد في بداية الامر، ومن ثم تدرجوا بتدوينها. وبما انها ترتبط عضويا بالاحاديث النبوية قام فريق من العلماء بجمع الاحاديث وتدوينها، وهي عملية شاقة استوجبت منهجا جديدا للتثبت من صحتها، خصوصا بعد ان كانت قد نشأت الصراعات في الاسلام حول الخلافة بين الطالبيين والامويين وآل الزبير، وما استتبعها من قيام فرق دينية كالمرجئة والمعتزلة والمذاهب الشيعية المتعددة، لكل منها خصائصها وتوجهاتها الفقهية. وقد استند العديد من هذه الجهات السياسية –الدينية والفرق الى احاديث نبوية، ويعتقد بعض علماء الحديث والمؤرخين ان كثير منها  وضع لتأكيد صحة التوجه الديني والزمني لهذه الاحزاب المتعارضة في بعض وجوهها، او اقله لبعضها.

     وتأسيسا على ذلك، جهد المحٌدثون لجمع الاحاديث النبوية وتنقيتها مما شاب بعضها من دس واختلاق وتحوير، ومن ثم دوّنوها. وعرف هذا العمل بعلم الحديث. وقد عرّفه النووي «هو معرفة متونها وصحيحها وحسنها وضعيفها ومفصّلها ومرسلها ومنقطعها معضِلها ومقلوبها ومشهورها وغريبها ومتواترها واحادها وشاذها ومنكرها ومختلفها«[21]

2 – منهج المحدّثين: اعتمد المحدّثون من اجل التثبت من صحة الاحاديث على الاسناد، وهو ارجاع الحديث الى راويه الاول بالتحقق من منزلة رجال الاسانيد – الذين نقلوا الحديث عنه – الدينية  وسلامة منزلتهم الاجتماعية، ودقّة ادراكهم، معتمدين ضوابط صارمة اصطلح على تسميتها « الجرح والتعديل» وسميت ايضا «النظر بالرواة» وايضا «علم الرجال». وهذا العلم «يبحث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم بالفاظ مخصوصة»[22]. ويبتغى من الجرح والتعديل البحث عن رجال الاسانيد في ما يشينهم او يزكّيهم.   والجرح هو دراسة وضع راوي الحديث من جميع جوانبه الحياتية والدينية والاجتماعية، فاذا وجد فيه ثغرة واحدة كالفسق والكذب والتدليس او شذوذ، ُردّ حديثه، بل أسقط. اما التعديل فهو ايضا دراسة الراوي بالطريقة عينها ليتأكد المحدث من ان الراوي ثقة ويتصف بالامانة والصدق والفهم والمقدرة على الحفظ، شأن حال شهود العدول الذين لا شك بأمانتهم وصدقهم وتعلو شهاداتهم في المحاكم على كل الشهادات، واشترطوا بالراوي ايضا، كما الشاهد العدل، العقل والبلوغ والحرية. فاذا اجتاز الراوي كل هذه الاختبارات يُقبل حديثه.

   ويمارس الجرح والتعديل على كل رجال الأسانيد في الحديث الواحد، مثلا :”حدٌثنا ابو بكر بن اسماعيل عن ابيه عن سعد بن ابي وقاص قال”. يطبق الجرح والتعديل على ابي بكر بن اسماعيل، وعلى ابيه فإن كانا عدْلين قُبل الحديث، وان جُرح باحدهما رُفض. امّا سعد بن ابي وقاص فهو صحابي يقبل حديثه الا اذا اتهم بحالة من حالات الجرح، ونادرا ما يحدث ذلك، لان الصحابة اجمالا عدول. ولكي يقبل الحديث يجب ان يرتبط سعد برسول الله كأن يقول سمعت رسول الله يقول، والا أسقط. لان علماء الحديث صرفوا جهدهم، للتمييز بين الاحاديث ( الضعيف، والموضوع ،او الصحيح) بنقد رجال الاسانيد اكثر من اهتمامهم بمتونها معتبرين ان نقد المتن غير جائز متى صحٌ الإسناد. ولم يوجبوا الترجيح بين حديث وآخر باستبعاد الاضعف من حيث المعنى، او التوفيق بينهما، لان ذلك يؤدٌي الى الطعن بصحة الاسناد. وبالتالي أُبقي على هذه الانواع من الاحاديث في كتب الصحاح والسنن معتبرة صحيحة في حين انها متعارضة من حيث المعنى.

 واذا روى الحديث اكثر من صحابي بأسانيد متعددة يطبّق على الرواة قاعدة الجرح والتعديل ويؤخذ بحديث من رجال اسانيدهم عدول. وتصنف الاحاديث تبعا لرجال اسانيدها الى: ثابت، او صحيح، او ضعيف او مقبول.

     ان هذه العملية النقدية التي مارسها المحدثون، كانت الفضلى، واسّست لمنهج علمي طبقت قواعده على علم التاريخ ” التأريخ ” خصوصا ان معظم الاخباريين في القرنين الاول والثاني الهجريين والمؤرخين في القرن الثالث الهجري كانوا من المحدثين او على الاقل من علماء الدين.

 3- تدوين السيرة النبوية: خلال القرن الاول للهجرة كانت الرواية الشفوية المتواترة تنافس الكتابة، وتكمن اهميتها في انها حفظت لنا مضمون السيرة ومصادرها. ففي بداية الامر كان علماء الدين يختارون مواضيع مختلفة من السيرة يحدثون بها طلابهم ومريديهم. ولم يدوّن رواة هذا القرن كامل السيرة انما اختاروا مواضيع محدّدة فيها كتبوها لدوافع معينةكالنزول عند رغبة الحكام شأن عروة بن الزبير مع الامويين. وقد يكون تدوينها الخطوة الاولى على طريق الكتابة التاريخية وان لم يكن يبتغى من كتابتها التأريخ. لأن المناهج التي اعتمدت بتدوينها اضحت، كما سنلاحظ فيما بعد، المرتكز الاساسي او العمود الفقري للتأريخ عند العرب والمسلمين.

  ويعتبر عروة بن الزبير (ت 94/712م) اول من خاض هذا المضمار من دون ان يكون له منهج واضح وثابت، فقد اهمل الاسناد الا في حالات نادرة. ولكن مطلع القرن الثاني الهجري سيشهد تطورا ملحوظا على مستوى تدوين السيرة، الذي سيضطرد على مساحة هذا القرن ليرسي مضمونها ومنهج تأريخها الذي سيغدو منهج التأريخ فيما بعد. ولعل سيرة محمد بن مسلم بن شهاب الزهري م 124/742م اول بواكير هذا النهج، وتلاه كثيرون نخصّ منهم بالذكر: محمد بن اسحق (ت 151/760م ؟) ، ومحمد بن عمر الواقدي (ت 207/823 ).

 أ- النظرة التاريخية في تدوين السيرة: ان النظرة التاريخية تبنى على المضمون، فتحدد مدى احاطة المؤرخ بالموضوع الذي يدرس؛ هل هو انتقائي كأن يختار جزءا من موضوع متكامل لغاية محددة ؟ ام انه احاط به احاطة تامة وشاملة، هل حصر تركيزه بناحية معينة منه وتطرق الى الاقسام الباقية سطحياً ؟ مدى ربطه بين الديني والاقتصادي والسياسي. هل الرؤية الغالبة تمحورت على الناحية الاقتصادية وعلى اساسها فسر التاريخ، ام انه اعتمد على التفسير السياسي والعسكري؟ ما الدور الذي اعطاه المؤرخ للعامل الاجتماعي في اطار هذا المعترك الفكري؟ هل كان موضوعيا في استقراء الاخبار، ام انه اتخذ موقفاً مسبقاً منها؟

   ان هذه النظرة بكل ابعادها وجزئياتها، تشكّل منهج المضمون، لأنها تحدد عمق البحث او سطحيته، وتلقي الضوء على الآلية المتبعة بجمع  الحقائق المفردة وترتيبها، ومقدار التوازن في ضبطها. انها باختصار تحدد مفهوم الرؤية العمودية والافقية للموضوع المدروس. واذا كنا لا نطلب كل ذلك من مدوٌني السيرة فاننا نحدد فقط مفهوم النظرة التاريخية بالمطلق.

   اما بالنسبة للسيرة فقد اختلفت نظرة الاخباريين الى اطارها الزمني؛ فمنهم من عاد بها الى بداية الخلق شأن ابن اسحق، ومنهم من حصرها في الغزوات كالواقدي، تبعا لرؤية كل منهما الى الديني، والى التلازم بين الديني والتاريخي. وقد لعب التطوّر الفكري والتقدم الزمني دوراً في الفصل بين الديني والتاريخي ضمن اطر محددة كان الفكر انذاك يسمح بها.

     وعلى هذا، جاءت نظرة الزهري متأرجحة غير محددة المعالم بدقة، ممّا يطرح تأثير زمانه عليه، وقلة خبرته في التأريخ، وربما ضآلة معلوماته عن الفترة السابقة لظهور الاسلام، لأن اهتمامه انصب على الديني. فقد عاد بها الى بداية الخلق ذاكرا بعض المحطات من تاريخ بعض الانبياء، فالوحي على الرسول، ومن ثم الغزوات وتفاصيل متعلقة بالرسول. ممّا يمكننا القول انه حاول الاحاطة بالسيرة من جميع اطرها، وتمكّن من تحديد  هيكليتها. وتعدتّ نظرته السيرة الى نتائجها القريبة اي العصر الراشدي اذ كتب محطات فيه، مرسيا نهجا سيسير عليه عدد وافر من المؤرخين الكبار خلال العصور الوسطى، فدونوا تاريخ المسلمين تراكميا بدء بالسيرة وانتهاء باحداث عصر كل منهم.

    اما نظرة ابن اسحق فقد جاءت اكثر دقة وشمولاً؛ اذ عاد بها الى بداية الخلق مرورا بتاريخ الانبياء وتاريخ العرب في الجاهلية، مركّزاً على تاريخ اليمن واجداد الرسول، فالوحي وصولا الى الغزوات. وتحدّث عن نتائجها القريبة على غرار الزهري.

    من هنا، يمثل ابن اسحق مرحلة متطورة في الوعي التاريخي، اذ أرّخ لتاريخ النبوة آخذا بالاعتبار نظرة القرآن الى الكوْن، فجعل النبوات كلا يكمل بعضها البعض الآخر؛ فاليهودية تمهد للمسيحية، التي بدورها تمهد لمجيء الرسول محمد، ويكون بذلك أرّخ لوحدة الفكر الديني. وبحديثه عن تاريخ العرب في الجاهلية يبدو وكأنه يحاول طرح معادلة جديدة تشرح تحول وضع العرب من الجاهلية الى الاسلام تحوّلا واضحا وملموسا نحو الافضل، لا بل نحو الهداية.

   اما الواقدي فحصر السيرة بالغزوات فقط، متأثرا، ربما بمنهجه التأريخي، بحيث أرّخ لكل الغزوات طارحا ابعادها الزمنية ما امكنه الى ذلك سبيلا. مميّزا بين الامر الآلهي والتنفيذ البشري، ممّا اعطى نظرته بعدا جديدا؛ فهي ليست دينية بالمطلق، بل دينية بإطار التاريخ. وهو تحوّل بالنظرة التاريخية عند العرب والمسلمين نحو ارتباط الزمني بالديني، ولعل افضل نماذجه دور الجهاد بالمحافظة على المسلمين وبتطور قوتهم ونشر الاسلام.

     وتأسيسا على ذلك، نلاحظ بوضوح تطور النظرة التاريخية في الكتابة التاريخية وان كانت منطلقاتها دينية. فهي تلاءمت مع عوامل التطور على المستويين الزمني والديني: تطور الفكر العربي عبر الاحتكاك بالحضارات القديمة، وتطور العلوم الدينية تلبية للحاجات التشريعية.   

ب – المصادر وطريقة المعالجة: ان المنهج هو الطريقة التي تساعد المؤرخ على اكتشاف الحقيقة التاريخية التي هي مطلقة في الاساس، وقد لا يعرفها تماما إلا من شارك بصنعها. وبالتالي هو موقف من المصادر والاحداث، يستخدم فيه المؤرخ كل الوسائل المتاحة مثل «العلوم المساعدة» المعروفة اليوم «بعلوم الانسان»  لاستقراء الماضي، من دون اتخاذ مواقف مسبقة منه. لأن الوثيقة او النص معين غني جدا بالمعلومات، وبقدر ما تُطرح عليه اسئلة ذكية بالمقدار عينه يجيب ممّا يعمق فهم الاحداث ومقاربة الحقيقة. والموقف من الماضي هو اعادة تصوّره او رسمه كما حدث، لا كما يفترض المؤرخ حدوثه تبعا لآرائه ومواقفه المسبقة. من هنا، يرتبط المنهج بالموقف من المصادر واخضاعها للجرح والتعديل، واستخدام المؤرخ لكفاءته بعد التبحّر بالمصادر بوضع الحدث باطاره التاريخي العام، وفي سياق الحوادث كلها، بما في ذلك اسبابه، حوادثه، نتائجه. لأن من دَوّن المصدر قد يكون، على رغم عدالته وتقواه، وقع مكرها بالخطأ. ويجدر بالمؤرخ الا يكتفي بعدد معين من المصادر، لأن وفرة الوثائق والمصادر على اختلاف انواعها، والتباين ببعض رؤاها، يمكّننا من الولوج الى الماضي والاقتراب قدر المستطاع من الحقيقة الماضوية: هدف المؤرخ. لأن تنوع المصادر وتباينها من الحدث التاريخي هو غنى وليس تعارضا مع الواقع، ويكشف للمؤرخ المدقق الخفايا المتنوعة، التي باستقرائها بتأنٍ يتمكن من اعادة تكوين الحدث بنسبة عالية من الصحة. فالمنهج اذاً هو الوسائل التي نستخدمها للولوج الى الحقيقة الماضوية والاقتراب منها قدر المستطاع، وهو يرتبط ارتباطا وثيقا بالنظرة التاريخية. بل هو النهج العلمي والوضعي الذي يحتضن النظرة التاريخية- المعروفة بمنهج المضمون- ويبلورها.  

    ان منهج السيرة لا يحتمل كل هذا الكم من الادراك التراكمي المعرفي الوضعي، بل هو تدوين احداث ضمن رؤى مقدسة على وجه العموم. وادّت مواقف الاخباريين منها الى تباين في مناهجهم، او بالحري الى اختلاف تبعا لدقة كل منهم. فأحداث السيرة كانت معروفة اجمالا ضمن اطرها الكلية، اما التفاصيل فكانت تحمل من المعرفة والدقة الشيء الكثير. وان محاولات مدوّيها الوقوف على هذه الدقائق والتفاصيل، رجّحت منهجا على آخر.

    وعليه، يرتبط منهج اخباريّي السيرة بموقفهم من المصادر من حيث الدقة والوفرة، واخضاعها لقواعد الجرح والتعديل، وبمقدرتهم على بلورة نظراتهم التاريخية بإبراز السيرة ليس من حيث حدث مضى، بل كحدث عالمي ديني تحتضن اسسا تشريعية رئيسة، ونبراسا سلوكيا اجتماعيا يحتذى، وقواعد دينية هادية، وكأحد مفاصل التاريخ الكبرى. وكلما تمكّن مدوّن السيرة من ابراز هذه الحقائق ومن ربطها بالواقع التاريخي كحدث عالمي ديني، بالاستناد الى مصادر منتقدة علميا، كلما جاء منهجه راقيا وخلاقا. وتزداد اهميته باتباع التسلسل الزمني، وبربط الحوادث زمنيا لتثبيت اطار السيرة التاريخي.

  كثر الذين دوّنوا السيرة، ومن العسير جدا ان نتناولهم جميعهم بالدراسة، بحيث يغدو الموضوع دراسة بمنهج السيرة النبوية وتطورها، اما غايتنا فهي اعطاء فكرة واضحة عن تطوّر منهجها، وتأثيره على مناهج مدارس الاخبار التاريخية، وتاليا على مناهج المؤرخين الكبار. ما يجعلنا نقتصر في دراسة المنهج على ثلاثة اخباريين من القرن الثاني الهجري هم: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري في مطلعه (ت 124/742)،  ومحمد بن اسحق المطلبي في وسطه (ت151/760)، ومحمد بن عمرالواقدي في اواخره (ت 207/   823).

4- نماذج عن مدوني السيرة

أ- محمد بن مسلم بن شهاب الزُهري: عاد الزهري بالسيرة الى بداية الخلق وجعل تاريخ بعض الانبياء الذين ذكرهم في فترة ما قبل الاسلام، مقدمة لبدايتها، محددا بذلك تاريخيتها ومفهومها الديني؛ فالسيرة، من وجهة نظره، لا تبدأ بميلاد الرسول بل دذورها قديمة جداً، لأن الاسلام دين ازلي، ولا تنتهي بوفاته بل تؤسس لتاريخ المسلمين منذ ان اظهر الرسول دينه للعالم. ممّا دفعه ليأخذ التوالي الزمني للحوادث بعين الاعتبار، من دون ان يعني ذلك تسلسلا زمنيا، ولا ربطا بين الاسباب والنتائج. بل ذكراً لمعظم الغزوات وفق تسلسلها، وتحديد تاريخ بعضها، وتاريخ هجرة الرسول الى المدينة. ذلك ان مفهوم الزمن لم يكن بعد قد استقرّت ابعاده في ذهنية المدوّين. ومع ذلك، فان ذكر بعض التواريخ اسهم في تثبيت اطار السيرة الزمني وان بشكل مشوش.

اعتمد الزهري على الاسناد في تحقيق رواياته والاحاديث النبوية واخضعها كلّها لمبدأ الجرح والتعديل، رغم انه استقاها من عائشة زوج الرسول، وآل الزبيْر ولا سيما استاذه عروة بن الزبير، ومن كل من يمكن ان يكون عنده حديث. ممّا يعني ان فكر الاخباريين كان بدأ الانطلاق نحو مصادر اوسع مما كانت عليه في القرن الاول الهجري.

    وكان ذكر الاسانيد يفتت السياق العام، فاوجد الزهري طريقة جديدة لشد الاخبار بعضها الى البعض الآخر تمنع تفتيتها قدر المستطاع عرفت بالاسناد الجمعي، وهي تقوم على ذكر سلاسل اسناد حول موضوع معين، تتقدم متن الرواية.

    وتسربت الى بعض أخباره قصص شعبية وإسرائيليات نتيجة اهتمامه بتاريخ الانبياء واعتماده على اخبار اليهود، كما حوى اسلوبه الشعر والحوار والخطابة تمشيا مع الاسلوب السائد.

بمحمد بن اسحق المطلبي: ولد ابن اسحق في المدينة عام 75 /695 او 85/ 705، وتثقّف على اعلامها ومحدثيها. ورغبة بالازدياد بالعلم والمعرفة قام بعدة رحلات بدأها بالاسكندرية، فالكوفة، والجزيرة والري والحيرة الى ان استقر به المطاف في بغداد حيث التقى الخليفة العباسي ابا جعفر المنصور وقدّم لها كتابه السيرة النبوية كهدية لإبنه المهدي.

    ويعتقد بعض الموؤرخين ان ابن اسحق وضع كتابه في السيرة قبل قدومه الى بغداد، وكان املاه على عدد من العلماء مثل زياد بن عبد الله البكائي، ويونس بن بكيّر الشيباني، ثم عدّله نزولا عند رغبة الرشيد ليتوافق مع هوى العباسيين؛ فحذف منه بعض المواقف المحرجة للعباسيين مثل: قتال العباس عم الرسول الى جانب المشركين في بدر، ووقوعه في الاسر[23]، وفريق آخر يعتبر ان ابن هشام من قام بهذا التعديل. توفي ابن اسحق عام 150/768 او 153/ 770، وبعد مرور نصف قرن على وفاته عدّل ابن هشام وهو احد الفقهاء والنحويين الكتاب وهذّبه وهو النسخة التي بين ايدينا اليوم.

    نظر ابن اسجق الى السيرة نظرة عميقة جدا فعاد بها الى بداية الخلق وقسّمها الى ثلاثة اقسام اساسية: المبدأ، والمبعث، والمغازي. فجعل المبدأ قسمين رئيسيين: الديانات السماوية السابقة على الاسلام، والتاريخ الجاهلي  وقد قسّمه ثلاثة اقسام هي: تاريخ اليمن في الجاهلية، تاريخ القبائل العربية واساليب عباداتها، وتاريخ مكة الذي يحوي على اخبار قريش قبيلة الرسول.

     حصر المبعث بمجيء الرسول ونزول الوحي عليه والصعوبات التي واجهته هو والصحابة في مكة، ثم هجرته الى المدينة. اما المغازي فتحدث فيها عن حياة الرسول في المدينة وانتشار الاسلام في عهده بما في ذلك عهد الصحيفة، وغزوات الرسول وسرايا صحابته حتى وفاته.

 ويمكننا من خلال هذا التقسيم اعتبار نظرة ابن اسحق عميقة جدا ربطت بين الديني والزمني؛ فقد تناول الديانات السماوية بحلقة تسلسلية وكأن الواحدة تمهّد الى الاخرى ليجعل من الاسلام الدين عند الله. محيطا بتاريخية وقدسية بالديانات السماوية كلها، وهي المحاولة الاولى في التاريخ لمثل هكذا اطروحة. وشكّل حديثه عن العرب في الجاهلية محاولة لتويضح احوال العرب الدينية والاجتماعية الساسية، ومآلهم بعد دخولهم في الاسلام نحو الافضل بل نحو الهداية والاستقلال السياسي والتطور الاجتماعي. وجعل الغزوات توضح هذه الرؤية وتبلورها، واستكملها بالحديث عن العصر الراشدي، الذي يمكن اعتباره نتيجة مباشرة للسيرة النبوية.

   اما مصادر ابن اسحق فقد تعددت وتنوعت: الكتاب المقدس، وروايات يهودية ومسيحية، وبعض الاساطير، ووهب بن منبه، ووروايات استقاها من الموالي، والقصص الشعبي، وشيوخ اهل عصره، والقرآن، والاحاديث النبوية. وهي الى ذلك غنية ومتعددة، حاول من خلالها الاحاطة بأكبر قدر من المصادر المتوفرة.

   لم يتبع منهجا واحدا في مدوناته لأنه عاد بالسيرة الى بداية الخلق، معتمداً على القصص المتداول عند اليهود والمسيحيين في حديثه عن الانبياء من دون اخضاعها الى للجرح والتعديل، مكتفياً بايراد ما وصل اليه عن طريق السماع، ما جعل اسلوبه قصصيا في هذا القسمً. وفي اخباره عن تاريخ العرب كان ينقل مباشرة عن الآخرين ولا سيما عن وهب بن منبه، فجاء ايضا هذا القسم قصصأ تاريخيا من دون اي نقد. اما سيرة الرسول منذ الوحي وحتى وفاته فقد اتبع فيها مبدأ الجرح والتعديل بتفاوت، فجاءت اسانيد المغازي قوية جدا ومبنية على الاسناد الجمعي.

 ان اهميته تتجلى بتقسيم السيرة الى ثلاثة اقسام: المبدأ، والمبعث، والمغازي، وبذكر معظم تواريخها ممّا تتثبتها زمنياً ضمن هيكلية متكاملة. وجاء تدوينه للعهد الراشدي في كتابه الضائع «تاريخ الخلفاء» ليربط السيرة بتاريخ المسلمين، واستطرادا فان تاريخ المسلمين يبدأ بالسيرة من بداية الخلق، وتستمر نتائجها حتى انتهاء الزمان. ما دفع من سيأتي بعده لاتباع هذه النظرة الجديدة بحيث ان مؤرخين مشهود لهم سينهجون طريقته وفق افق اوسع، مدوّنين تاريخا عالميا منذ بداية الخلق حتى عصرهم شأن الطبري وغيره.

    واذا كانت هناك مآخذ عليه من حيث نحله للشعر، وتضمين كتابه بعض الاساطير، وتعديله لتتوافق وهوى العباسيين، فان ذلك لا يبخس الكتاب قيمته خصوصا بعد ان عدّله ابن هشام، وهو يعتبر افضل واتم سيرة عن الرسول.

ج – محمد بن عمر الواقدي[24]: اما الواقدي، في كتابه «المغازي» فقد خطى بمنهجه خطوة مهمة على صعيد البحث التاريخي بذكر مصادره الاساسية الخامسة والعشرين في مقدمة كتابه، فجعلنا نحكم على جديتها ورصانتها قبل الشروع بقراءة الكتاب. اما ابرزها فهي: الزهري، وكل من كتب بالسيرة ممن سبق الواقدي، الاحاديث النبوية، القرآن، اولاد واحفاد من استشهدوا في الجهاد او شاركوا فيه، اضافة الى ابن اسحق الذي اخذ عنه من دون ان يذكره لأنه كان غير موثوق عند علماء المدينة. فجاءت مصادره قوية جداً غالباً ما تنتهي بمن شارك بالاحداث، او شاهدها، او من أخذ عن هؤلاء، وغنية متنوعة شاملة اخضعها جميعها للجرح والتعديل.

     وقد اقتصرت السيرة عنده، كما اسلفنا، على الغزوات، وهذا أمر غاية في الاهمية على المستوى التاريخي، اذ حاول الواقدي الفصل بين الديني والتاريخي، معطيا السيرة، اضافة الى جانبها المقدس، بعدا تاريخيا اساسيا من حيث تمييزه في الغزوات بين الأمر الإلهي الداعي اليها، والأمر الدنيوي المتمثل بتفاصيلها. وهي الى ذلك احداث تاريخية بحتة، وكأنه مهّد، من غير قصد، للفصل بين علمي الحديث والتاريخ. ويتضّح الأمر أكثر بذكر الواقدي ثبتا، في مستهل كتابه، بجميع الغزوات وتواريخها، لأن ربط الحوادث زمنيا يعتبر من اهم اسس التأريخ. وخطى الواقدي خطوة أخرى على مستوى التنظيم والمنطق باتباعه التسلسل التاريخي للأحداث، وان من دون ترابط سببي ونتائجي.

  ان انجازات الواقدي المنهجية اكسبت السيرة بعدا تاريخيا واضحا، فقد ربط مضمونها عضويا بمسألة الجهاد في الاسلام، الذي لم يقتصر على الغزوات والسرايا في عهد الرسول، بل بتأسيس دولة الخلافة ايضا، التي جعلت الجهاد اساساً لنشر الدين وتوسعها. وتأكيداً لهذه النظرة كتب الواقدي كتابه «فتوح الشام» كما الكتب الأخرى مثل : «فتح العراق»، و«التاريخ الكبير» الذي تناول فيه اخبار الدولة الاسلامية حتى عام 179/796[25].

     واعتمد على ابحاثه الشخصية للتثبت من تطابق الرواية مع الواقع  الجغرافي ما اكسب اخباره تفاصيل جغرافية، وهي خاصةتأريخية لم نعهدها قبله. واعتمد في تدوين اخباره منهج الاسناد الجمعي وطوره عمّا أثر عن سابقيه فجاءت الاخبار أكثر لحمة والاحداث أقل تفتيتأ.

    قد نكون اعطينا اخباريي السيرة بعداً تأريخيا متطوراً لم يقصدوه ضمن هذا التكامل، رغم ان افق اخباريي النصف الثاني من القرن الثاني الهجري كان، على ما ازعم، اوسع مما يبدو للقراءة المبسّطة، فقد كانوا جميعهم محدثين ومتفقهين بعلوم الدين من دون ان يرقى تفقههم الى مستوى مذهب. وكانت لهم رؤاهم ونحن حاولنا استقراءها بعمق. وخدمت مناهجهم علم التاريخ على مستويين على الاقل: فقد استعار منهم المنهج الصارم للتأكد من صحة المصادر باخضعها للجرح والتعديل فتنقت الروايات والاخبار من نسبة عالية من شوائبها. وصارت نظرتهم، التي ربطت السيرة بنتائجها، اساسا للتدوين التاريخي، ممّا جعل تاريخ المسلمين يتعاقب زمنياً.


[1]  الخالدي،(طريف)، فكرة التاريخ عند العرب من الكتاب الى المقدمة، ترجمة، حسني زينه، دار النهار، بيروت، 1997، لقد افدت منه كثيرا كما اقتبست بعض معلوماته.

[2]   الخالدي، فكرة، ص20-21

[3]  روزنتال ( فرانز)، علم التاريخ عند المسلمين ترجمة صالح احمد العلي، مكتبة المثنى، بغداد، 1963 ، ص23

[4] – لن اتوسع كثيرا بهذا الموضوع فقد ناقشه ودرسه عدد وافر من المستشرقين والمؤرخين العرب، لذا، ولمزيد من الاطلاع يمكن مراجعة روزنتال، علم التاريخ، وكذلك الخالدي(طريف)، فكرة التاريخ عند العرب، ترجمة حسني زينه، دار النهار، بيروت، 1977

[5]  فكرة التاريخ، ص23

[6]  الجاحظ،(عمرو بن بحر)، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، 1948-1950، ج1، ص287، لمزيد من التفاصيل انظر الخالدي، المرجع السابق، ص25

[7]   طريف الخالدي، ص27

[8]   روزنتال، علم التاريخ، ص 3 3

[9]  مصطفى ( شاكر )، التاريخ العربي والمؤرخون، دار العلم للملايين ، بيروت ، 1978 ، 4 اجزاء، ج1 ، ص54 – 55

[10]   مصطفى ، ص 55

[11]  المكان عينه

[12]  روزنتال، ص 34

[13]  المكان عينه

[14]  مصطفى، التاريخ العربي، ج1، ص57

[15]  القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 106

[16]   صحيح مسلم، ج8، ص229، نقلا عن صبحي(محمود)، في فلسفة التاريخ، مؤسسة الثقافة الجامعية، الاسكندرية، 1975، ص304

[17]  مصطفى، ج1 ، ص63

[18]  البيروني، الآثار الباقية، ص 99

[19]  ابن النديم، الفهرست، نشر فلوجل، ص305-316 ، ومصطفى، ج1، ص69

[20]  الفهرست، ص 91

[21]  فوزي (ابراهيم)، تدوين السنة، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، 1994،ص146

[22]  كوثراني ( وجيه)، التأريخ ومدارسه في الغرب وعند العرب، الاحوال والازمنة للطباعة والنشر، بيروت، 2001 ، ج1، ص82

[23]  ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وابراهيم الايباري وعبد الحفيظ شلبي، دار الكنوز الادبية، بيروت، دون تاريخ، ج1، ص10

[24]  انظر حياته في فصل الاخبار التاريخية

[25] –  ابن النديم، الفهرست، ص144

اليعقوبي (ت284 او 292ـ897 او905)

I- حياته ومؤلفاته:

1- حياته:هو أحمد بن اسحق بن واضح[1]، واشتهر بأكثر من لقب:الكاتب، واليعقوبي[2]. لا نعلم الشيء الكثير عن حياته اذ لم تذكره كتب التراجم ربما لأنه لم يشتهر بالعلوم الدينية، خصوصا انها كانت في عصره شبه حكر على العلماء والفقهاء والقضاة. وهو يتحدر من اسرة كانت تعمل في دواوين الخلافة فعرف بالكاتب. قد يكون ولد في بغداد على ما يعتقد مولر، ولكنه غادرها باكرا الى بلاد فارس[3]، التي كانت تحت سيطرة الطاهريين شبه المستقلين عن الخلافة العباسية. واشتهر بكثرة اسفاره، فعرف بالمؤرخ الرحالة، ونذكر من البلاد التي زارها: بلاد فارس، بلاد الشام، مصر، المغرب، الاندلس، والهند. ويعتقد انه كان شيعي الهوى على المذهب الاثني عشري، وقد بدا ذلك باسهابه بذكر الأئمة وخطبهم[4]. واتهمه بعض المؤرخين، ومنهم مرغوليوت، بأنه كان على مذهب المعتزلة[5]، وربما تأتٌى ذلك عن نعته المذهب المذكور بالتوحيد[6]. لم يتفق المؤرخون على تاريخ ثابت لوفاته: فياقوت الحموي حدده بسنة 284/897، وجعله آخرون عام292/905 لأنه ذكر هذا التاريخ في «مشاكلة الناس لزمانهم ».

2- مؤلفاته ومضمون كتابه التاريخ: ترك اليعقوبي كتابين، الاول في التاريخ وهوالمعروف باسم « تاريخ اليعقوبي»، والثاني « اسماء البلدان » المشهور ب«البلدان» وهو في الجغرافيا التاريخية، ورسالة معدودة الصفحات اسماها: « مشاكلة الناس لزمانهم »

  يتألف تاريخ اليعقوبي من قسمين متميزين: الاول يتناول تاريخ العالم، المعروف انذاك، منذ بداية الخلق وحتى الرسالة النبوية. وهو سجل عام ومختصر لتاريخ البشرية، استهلّه بقصة الخلق، على ما يبدو، لأن مقدمة هذا الجزء وبعض صفحاته الاولى مفقودة. ثم تابع تاريخ الانبياء[7]، متبحّراً بالكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ومتحدثاً عن الاناجيل الاربعة[8]. وبعد ان انتهى مما هو مقدس عند الشعوب أرّخ للشعوب القديمة بادئا بالرومان، فالشعوب التي حكمت بلاد ما بين النهرين كالاشورين والبابليين، ثم ملوك الهند، والتاريخ الاغريقي، من دون ان يغفل تاريخ الفرس، والبربر، والافارقة، وملوك الحبشة والسودان، مركزا على النواحي الحضارية. وافرد قسما من هذا الجزء لعرب الجاهلية: ممالكهم في الشمال والجنوب، ولا سيما اليمن، ودياناتهم وشعرائهم.

    واستهل الجزء الثاني بالسيرة النبوية، فالعصر الراشدي، واخبار الخلفاء الامويين والعباسيين حتى سنة 259/872 وهو تاريخ مختصر.

II- منهج اليعقوبي:

 1- نظرته التاريخية: نظر اليعقوبي الى التاريخ السابق على ظهور الاسلام نظرة عالمية شملت الشعوب والامم التي تمكن من التعرف على تاريخها، تماشيا مع نظرة القرآن الى الماضي  والكون.  واعتبر ان احداث العالم يكمل بعضها البعض الآخر، مشددا على العبر الدينية والخلقية فيها. فجاءت نظرة اليعقوبي منسجمة مع توجهه الديني وفي اطاره العام؛ لأن معرفة تاريخ الشعوب القديمة باتت ضرورية ولا سيما النواحي الحضارية، لأن الحضارة حلقات متتابعة متنوّعة المصادر، والحضارة العربية الاسلامية استمدت بعض مرتكزاتها من تراث الشعوب القديمة. وكان كلما اعوزته المعلومات السياسية والعسكرية أحلّ مكانها معلومات حضارية، بدليل ان التواريخ السياسية للرومان والهنود والصينيين شبه محذوف، وقد غطّى هذه الثغرات بالنواحي الحضارية الصرفة استكمالا لرؤيته لأبعاد التاريخ  المتلائمة مع توجهه. ولم يكن اليعقوبي رائد التاريخ العالمي الشامل، وان بزّ غيره من حيث الشمول والمعرفة. فابن اسحق حاول الاحاطة بوحدة الفكر الديني، ووحدة التاريخ العربي السابق على ظهور الاسلام، فجاءت مساهمته أولية بهذا الاطار، ثم تلاه اخباريون آخرون ولا سيما المدائني ببعض الكتب او الرسائل، كما بعض المؤرخين مثل ابن قتيبة في كتابه« المعارف »، وابي حنيفة الدينوري في « الاخبار الطوال » . لكن انجاز اليعقوبي يعتبر الاهم والخطوة الرئيسة لوضع ركائز التاريخ العالمي بمعناه العام والشامل بخاصة الحضاري منه. ولعلّه ادرك ان التأريخ لا يستقيم بمعناه الحقيقي الا اذا جاء عالمياً وتقاطعت فيه الاحداث السياسية والعسكرية مع النواحي الحضارية، مبيّنا دور تماذج الثقافات باعطاء التاريخ بعده الحقيقي. ولكن نظرته تلك لم  تستقم الا مقرونة باللمحات الجغرافية، على الرغم من انه افرد كتاب “البلدان”ً للجغرافيا. ففي تاريخه معلومات عن البحار، والجزر، والمواصلات البحرية[9]، وتفاصيل جغرافية من حيث التضاريس والمسافات بين المدن، وصف لطرق المواصلات البرية، وازعم انه رائد في هذه الانماط.

 وهكذا جاءت نظرته للتاريخ شاملة لابعاده السياسية والحضارية المتممة بالمعلومات الجغرافيا، وهي لعمري نظرة فريدة في عصره سبقت رؤية مؤررخين كثر جاءوا بعده. 

     اما نظرته للتاريخ العربي والاسلامي فأتت شاملة لكل احداث المسلمين بدءاً بالسيرة النبوية وصولا الى احداث سنة 259/872 من دون ان يهمل اية فترة فيه رغم اعتماده افضليات في بعض الحوادث من حيث التفصيل والايجاز. ويبدو انه كان على معرفة اوسع بالعهدين الراشدي والاموي كما بالعصر العباسي الاول أكثر من معرفته باحداث عصره التي اوجزها. وهذا أمر ملفت للإنتباه ويمكن ردّه الى ثلاثة امور على الاقل: 

اولها: رغبته الواضحة بالاختصار كما يعبر هو نفسه عن ذلك[10]، ولكي يسمح لأكبر عدد ممكن من محبي التاريخ الاطلاع على مكنونات الماضي، لأن المطولات الكبرى ما كان يطالعها الا اهل الاختصاص او المثقفون عامة، والنهمون الى المعرفة في كل الميادين.

وثانيها: جهلاً به، وهو أمر مستغرب! لأن مصادر اليعقوبي الواسعة والغنية تجعلنا نشك بذلك.

وثالثها: تجنبأً للتصنيف السياسي، الذي قلّما نجا منه مؤرخ. ولكنه هل نجا فعلاً من هذا التصنيف؟! خصوصا انه ساير العباسيين باهماله تفاصيل احداث عاصرها مثل: مقتل الامام موسى الكاظم مكتفياً بذكر البيان العباسي على حد تعبير الدوري[11]، ونكبة البرامكة على يد الرشيد، وثورة الزَنْج التي دامت 14 سنة، وقد مرّ عليها جميعها هامشيا لأنها مواقف محرجة للعباسيين. ويمكن تفسير هذا الموقف، إضافة الى انه مساير للسلطة، بأن اليعقوبي اعتبر مبدأ الاجماع اي الذي تقرّه السلطة يسود على ما عداه، بل هو الاقوى. ممّا يعني انه، في هذه المواقع، اتخذ موقفا مسبقاً من الاحداث مشايعاً سلطة الخلفاء واحكامهم من دون تعليل، وهذا مأخذ مهم عليه. وينعته الدوري بإمامي الهوى لاسهابه بذكر أقوال الأئمة الشيعة وخطبهم، وبكتابة ترجمة كاملة لكل منهم عند وفاته. ويصفه ايضا بالمساير للعباسيين او مجاملاً لهم بتسميته الدعوة العباسية « بالهاشمية »[12]. فهل هذا يعني ان نظرة اليعقوبي للتاريخ تلوّنت بالاهواء تبعا لمواقفه من السلطة عبر المراحل التاريخية منذ العهد الراشدي وحتى عام 159؟ حينا محابيا، وحينا آخر مدافعا عن مواقفه المتلائمة مع ميوله السياسية والمذهبية، ممّا جعل تأريخه غير متجرد؟

  من الصعب تأكيد هذا التساؤل، رغم اقتناعنا الكامل بان التجرد المطلق غير متوفر عند المؤرخين، ولكن اذا امعنا النظر بكيفية فهمه للدولة، ندرك انه كان محايدا الى حد لا بأس به. وتبدو الدولة عنده كلاً متكاملا: الخليفة، وزراؤه، ولاته، عماله، مشاهير القضاة، واصحاب شرطته وأمراء الحاج، لأنه يذكرهم جميعهم عندما يترجم للخليفة، تماشيا مع نظرته الحضارية للتاريخ، التي كان يتممها بذكر طوالع النجوم في مستهل عهد كل خليفة[13]  التي قد تنبئ عن مستقبل العهد المذكور، عاكساً بذلك تقاليد اجتماعية تنم عن اعتقاد الناس بالتنجيم. وتماشيا مع تطلّعه الحضاري كان يذكر التواريخ، الى جانب التاريخ الهجري، بالتقويمين الفارسي والرومي في مطلع عهد كل خليفة.

   وعلى هذا يمكن الاستدلال ان نظرته الى التاريخ الاسلامي جاءت شاملة وموجزة في آن واحد، لأنه لم يعر اي اهتمام للدويلات التي نشأت من رحم الدولة العباسية وشبه استقلت عنها بما فيها الدولة الطاهرية التي عاش ردحا من الزمن في كنفها، مشددا على مركزية الدولة، لأن كل من يعادي  سلطتها تختصر احداثه بشكل هامشي.

2– مصادره: ان جملة عناصر تضافرت وساهمت بفعالية بمنهج اليعقوبي ليس اقلها تحدره من اسرة كانت تعمل في دواوين الخلافة، ممّا سمح له الاطلاع على معلومات لم يكن بامكان اخرين الوصول اليها بيسر، فجاءت معلوماته هذه غنية وموثوقة المصادر. وان ترحاله شبه المستمر طلبا للمعرفة والاطلاع المباشر على بعض الاحداث، واخذ معلومات اخرى من رواة البلاد التي زارها، شكّل عنصرا فاعلا في ثقافته في التاريخ والجغرافيا، التي عزّزتها انه معرفته بكتب الشعوب السالفة خصوصا الكتب الدينية.

       وعلى هذا، جاءت مصادر الجزء الاول متنوّعة بني بعضها على الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ، واخذ اليعقوبي بالاعتبار، في هذا المجال، ترتيب الانبياء كما جاء ذكرهم في القرآن. وبعضها الآخر بني على رحلاته، والكتب المترجمة، واتصاله المباشر بقسم من الشعوب المعنية. فاستمد معلوماته عن الفرس من الكتب المترجمة، ومن اتصاله المباشر بهم عبر رحلاته الى مدنهم واقامته الطويلة في كنف الدولة الطاهرية. واستقى معلوماته عن اليونان من الكتب المترجمة ايضا. واستمد من السريان موارده عن دول بلاد ما النهرين، وأخذ اخبار الهند من كتب الهنود القديمة ولا سيما كتاب « السند هند» الذي اسماه « دهر الدهور»[14]. فجاءت مصادره غنية متنوعة تعكس ثقافته العميقة.

     تميز اليعقوبي بحسه النقدي فلم يقبل الروايات على علاّتها خصوصا ولا سيما المتعلقة بالتاريخين الفارسي والفرعوني. اذ رفض الاساطير الفارسية واعترف صراحة بان بعض مواد هذا التاريخ، السابقة للعصر الساساني، لا يمكن الركون اليها،[15]ومن ذلك قوله: “فارس تدعي لملوكها أموراً كثيرة مما لا يقبل مثلها…ومما لا حقيقة له.”[16] وقال عن الفراعنة: “ويقولون ان انبياءهم كانت تكلمها الكواكب…وانها تنبئهم بما يحدث”[17]. وبالتالي فهو يلفت الى عناصر الضعف والشك بموارد التاريخ القديم وينبّه الى عدم الاخذ به.

       اما مصادره في الجزء الثاني اي التاريخ العربي والاسلامي فقد استمدها من كتب الاخباريين، ومن مشاهداته الشخصية، واتصاله بالحكام، وهي الى ذلك غنية ايضا ومتنوعة. وقد اهمل الاسانيد لأنها كانت قد استقرت بعد ان اشبعت درسا وتمحيصا، فلم يجد موجباً الى اعادة تكرارها، ولأن الروايات العائدة لها كانت ايضا قد استقرت وباتت معروفة، محاولا بذلك، ومن دون سابق تصميم ربما، الفصل قدر المستطاع بين علم الحديث والتأريخ، مؤسسا لاستقلال التأريخ كعلم قائم بذاته. وهي لعمري خطوة جبارة تنم عن ادراك واسع وحس نقدي بارع. والى ذلك استهلّ الجزء الثاني من تاريخه بثبت  مصادره الاساسية[18]: فاستقى اخبار المدينة من ابّان بن عثمان وابن اسحق والواقدي، واخبار العراق من المدائني والهيثم بن عدي وسليمان بن علي الهاشمي، واخذا الانساب عن هشام بن محمد الكلبي والهيثم بن عدي، واخبار الفلك عن الخوارزمي وماشاء الله الحاسب[19]

3- طريقة المعالجة: جعل اليعقوبي، في القسم الاول من كتابه المواضيع اساسا للتأريخ، فكانت الدول تبعاً لتعاقبها اساسا للترتيب الزمني من دون ذكر التواريخ لصعوبة قياس الزمن السابق للاسلام عند العرب أنذاك. وجعل من الانبياء والملوك، تبعاً لتواليهم محورا اساسيا للمواضيع. وكانت المادة السياسية شبه مفقودة عنده، فاستعاض عنها بالنواحي الحضارية مركزاً على امتزاج الثقافات. واذا كان النقد لهذا التاريخ صعباً فان اليعقوبي كان ينبّه الى مواطن الضعف في بعض الروايات، واحيانا أخرى يوصي بعدم الاخذ بها على الرغم من انه ذكرها بفعل الامانة التاريخية.

   اما في القسم الثاني اي التاريخ الاسلامي فقد اهمل الاسناد في مادته، كما أسلفنا، ليعطي ربما التاريخ استقلالاً عن علم الحديث، وهو الى ذلك لا يذكر الاسانيد في سياق الحوادث الا نادرا، في حين ذكر مصادره الشفوية والاشخاص الذين زوٌدوه بالعلومات العائدة الى عصره.

    واعتمد في عرض الحوادث على نمطين على الاقل: التراجم والتأريخ الحولي؛ إذ تحدث عن عهد كل خليفة على حدة، مؤرخا الحوادث سنة بعد سنة، وإن اهمل احيانا بعض السنين ذاكرا احداثها بشكل متداخل[20]، او ليدوّن احداثا جانبية غير مرتبطة مباشرة بالخليفة، كالحديث عن موت الحسن بن علي بن ابي طالب في خلافة معاوية[21]، ما افقد تأريخه الصفة الحولية العامة، لأنه اعتمد عهد الخليفة محورا للاحداث وجعل السنوات تدور في فلكه. وذكر، في نهاية عهد كل خليفة، اسماء كبار رجال دولته الذين شاركوه ادارة البلاد، كما كان يستهل عهده بذكر التقويمين الفارسي والرومي. وهذا النمط من التراجم يطلق عليه ايضا « التأريخ على توالي عهود الحكام » وبالتالي يصبح عهد الخليفة المفصل التاريخي الذي ترتبط به كل الحوادث. وهو الى ذلك، جمع بين نمطي الحوليات والتأريخ على عهود الحكام.

      وعلى الرغم من انه صرّح أنه أوجز التاريخ وحذف منه الكثير من الشعر بقوله:« ألفٌنا كتابنا هذا وجعلناه كتابا مختصراً حذفنا منه الاشعار وتطويل الاخبار.»[22] فقد حفل كتابه بعدد كبير من الخطب، والرسائل[23]، ما اعطى تاريخه قيمة علمية تستند الى الوثائق المكتوبة، ولكنها من جهة ثانية، اضعفت سياق الحوادث ففتتها. ودفعه مبدأ الايجاز الى دمج الروايات فيما بينها ليصوغ رواية واحدة متكاملة من دون ان تكون على حساب الحقيقة التاريخية، مبرراً منهجه هذا قائلاً:« قد ذهبنا الى جمع المقالات والروايات لأننا وجدناهم- من سبقه من الإخباريين والمؤرخين- قد إختلفوا في احاديثهم واخبارهم، وفي السنين والاعمار وزاد بعضهم ونقص بعض، فأردنا ان نجمع ما انتهى الينا مما جاء به كل امرىء منهم.»[24]

تقويم عام: وعلى رغم ميوله العلوية الاثني عشرية ومحاباته احيانا للعباسيين فإن ذلك لا ينسحب على تأريخه كله. فقد كان دقيقاً بذكر اخباره، متزنا بتحري الحقيقة التاريخية وفي نظرته للاحداث. وقد تمحورت نظرته التاريخه حول فكرة مركزية مهمة: الاتعاظ من التاريخ بما يحويه من عبر اخلاقية ودروس سياسية، وهي سمة بارزة جدا في تاريخه. ولعل ذكره لنصائح الخليفة ابي جعفر المنصور لإبنه المهدي كاملة دليل قاطع على هذه العناية لأن الصراعات السياسية والعسكرية لا تشكل وحدها ذاكرة الشعوب بل يجب ان يواكبها الانتاج الحضاري والعبر الخلقية.  


[1] – الحموي(ياقوت)، معجم الادباء، ج5، ص 153

[2] – اليعقوبي، مشاكلة الناس لزمانهم، تحقيق وليم مولر، دار الكاتب الجديد، بيروت، 1962، ص5

[3] – المكان عينه

[4] – اليعقوبي(احمد بن واضح)، تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت، 1960،ج2 ،ص123-125، 135-136،

[5] – مرغوليوت، دراسات عن المؤرخين، ص 140

[6]  – اليعقوبي، ج2، ص 483

[7]  –  اليعقوبي ،ج1، حتى ص46

[8]  نفسه، 47، ج1-68

[9] – اليعقوبي ج1، ص 182

[10]  – اليعقوبي، ج2، ص12

[11] – الدوري، بحث، ص53

[12] – المكان نفسه

[13] –  واليك بعض النماذج:” ملك معاوية وبويع بالكوفة في ذي القعدة سنة 40، وكانت الشمس في الحمل درجتين، والقمر في الثور خمس عشرة درجة، وزحل في العقرب تسعا.” 2/216

[14] – المصدر عينه، ج1، ص68

[15] – اليعقوبي، ج1، ص188

[16]  – نفسه، ج1، ص158

[17]  –  المكان نفسه

[18] – اليعقوبي، ج2، ص3-4

[19]  انظر مقدمة الجزء الثاني حيث ذكر اليعقوبي مصادره مفصلة

[20] – اليعقوبي، ج2، ص139-140، 216-224

[21] – اليعقوبي، 2/225

[22]  – المصدر السابق، ج2، ص12

[23]  – اليعقوبي، ج2، ص 80-83، 89، 109، 112، 200، 207، 250 وغيرها

[24] – المصدر نفسه المقدمة

الاقطاع العثماني بين الحداثة والتقليد

       كانت الزراعة الدعامة الاقتصادية الاساسية في العصور القديمة والوسطى لان انتاجها  شكل الغذاء الرئيسي للغالبية العظمى من السكان.وهو عينه امن المواد الاولية للصناعة عموما وللعديد من السلع التجارية.وعلى هذا ، اعتنت معظم الدول ان لم نقل كلها بالزراعة واولتها اهتماما اساسيا ، ونظمتها بما يتلاءم مع توجهاتها العامة. وقد يكون الاقطاع احد ابرز سمات تلك الاهتمامات لانه ، بوجه عام ، ظاهرة حضارية تنظم العلاقات الزراعية بين فئات المجتمع باشراف الدولة ورعايتها0

    ومن الواضح ان الدولة العثمانية انبثقت من قبيلة تركية او تركمانية تبعا لاجتهادات المؤرخين.ولكن من الثابت انها تأسست في رحم دولة سلاجقة الروم التي نشأت على اثر معركة منزكرت عام 1071، وتاليا فان التأثير السلجوقي سيكون له دور في بعض نظمها ومفاهيمها على الاقل من حيث النظام الزراعي المرتبط اصلا بالنظام الاقطاعي.

      وبديهي القول ان السلاجقة قبائل غزية اعتنقت الاسلام وتمكنوا من تأسيس سلطنة مترامية الاطراف حكمت باسم الخلافة العباسية، وخلفت دولا ودويلات اسلامية في العراق وفي بلاد فارس متأثرة الى حد بالنظم التي كانت سائدة انذاك وطوعت بعضها بما يتلاءم مع تطلعاتهتا السياسية والادارية والاقطاعية.ولم تلك النظم التي ورثها السلاجقة وليدة من سبقهم مباشرة بل تراكما طويلا الامد تعود جذوره الى العهد الراشدي، وتأثر عبر الزمن التاريخي بتلون اشكال الحكم، على الرغم من انها كلها كانت اسلامية، ولكنها اصطبغت بميزات كل شعب من الشعوب التي تعاقبت على الحكم في ظل الخلافة العباسية.واذا كان البحث ينحصر بدراسة الاقطاع فبديهي القول ان العصر العباسي الثاني ( السيطرة التركية 232-334/ 847-945م) ترك بصمات اولية على نظام الاقطاع العسكري في الاسلام ام لم نقل انه شكل بداياته الخجولة.وسيجد هذا النظام مرتكزاته الاساسية في العهد البويهي (334-447/ 945-1055م) . اما العهد السلجوقي فقد اوجد النظام الاقطاعي العسكري الاداري.

    وعلى هذا، نطرح سؤالين اساسيين: – ما هي مرتكزات الاقطاع العثماني خلال القرن 16م، ومن اين استمدت، وهل ظلت جامدة ام تحولت لتواكب الظروف السياسية والعسكرية وحاجات الدولة العثمانية الاقتصادية؟ وهل كان الاقطاع عسكريا على غرار النظم الاقطاعية الاسلامية الاخرى التي نشات في المشرق العربي؟

  • الى اي مدى راعى العثمانيون السياسة الشرعية الاسلامية على مستوى الارض والزراعة وتاليا الاقطاع؟

    ومن المفيد التنويه ان الاقطاع العثماني تأثر ايضا بالاقطاع البيزنطي لان السلطنة العثمانية نشأت في بداياتها على ارض بيزنطية يعتاش من مردودها فلاحون بيزنطيون يخضعون لسياسة دولتهم الاقطاعية.كما ارتبط ببعض وجوهه بالاقطاع المغولي لاكثر من سبب: الصراع الحدودي بين المغول والعثمايين، واحتلال المغول الدولة العثمانية على عهد تيمورلنك[1]، والتحاق عدد من القبائل الغزية التي كانت خاضعة للمغول بالدولة العثمانية[2].ولكن الموضوعين لا يرتبطان بهذا البحث الذي سيقتصر على العلاقة بالانظمة الاقطاعية العثمانية.  

     1- مفهوم الاقطاع في الاسلام : ولم يغفل الاسلام عن ظاهرة  الاقطاع، بل عززها ونظمها وفق اصوله التشريعية0ويعتبر الرسول اول المشرعين[3] في هذا المجال تحدوه على ذلك عدة دوافع : التآلف على الدين ، والعون الاجتماعي ، والاستثمار المادي المتمثل باستصلاح الاراضي الموات0[4]ويمكن ادراج هذه العوامل في اطار الجهاد ، الذي لم ينحصر معناه في سبيل نشر الدين فحسب ، بل ايضا من اجل خير المسلمين على الصعد كافة : الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وان كان نصيب المجاهدين العسكريين اوفر من غيرهم

      وبما ان الدولة العثمانية والدول التي سبقتها في حكم الشرق العربي كانت اسلامية بوجه العموم ، وحكمت ايضا وباستمرار شعوبا غير اسلامية ، فلا بد ، والحال هذه ، من القاء الضؤ على السياسة الاقطاعية الاسلامية التي ارساها الرسول ومن بعده الخلفاء الراشدون وصولا لمعرفة مدى مراعاة العثمانيين لهذه المبادئ ، واين شذوا عليها ، ومدى الحداثة في تنظيماتهم الاقطاعية0

   حدد الرسول سياسته الاقطاعية بفرض الخراج او العشر على الاراضي الزراعية [5]، والمراعي [6]التي اعتبرها من المنافع العامة ، ومعادن الارض0

    واذا كان الشرع الاسلامي يعتبر عملية تراكمية لما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، فان ملكية الاراضي واقطاعها خضع ، بوجه العموم ، في الدول الاسلامية للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتأثرة اصلا بالتحولات الساسية ، وبارتباط فتاوى العلماء المسلمين او على الاقل بعضها بمناحي السلطة السياسية ، ما جعل عملية الاقطاع متحولة تخدم رجال السياسة او بالحري الحكام وفق متطلباتهم المالية0وتبعا لاصول الفقه فان الشرع الاسلامي لم يجز اقطاع الضرائب ولا مردود بيت المال منها0ويمكن ايجاز مفهوم الاقطاع في الاسلام بما حدده الماوردي ” الاقطاع ضربان : اقطاع استغلال ، واقطاع تمليك “[7] ، وبما شرحه القلقشندي في شروط الاقطاع[8]0وعلى هذا، ارسي مفهوم الاقطاع في الاسلام0 ويبقى السؤال الى أي مدى روعيت روحيته ، وما هي دواعي تجاوزه ؟

2 – خلفية الاقطاع العسكري : على الرغم من التقلبات السياسية والصراعات العسكرية والتحولات الاقتصادية في الدولة العربية والاسلامية ، فان الوضع الاقتصادي لم يتأثر بها سلبا بوضوح جلي الا اعتبارا من اواسط القرن الثالث هجري / التاسع الميلادي[9]0حين حدثت تحولات شبه جذرية في بنية المجتمع الاسلامي ، وفي هيكليته السياسية ، وبدأ الصراع الاثني الثنائي حينا ، والثلاثي حينا آخر : بين العرب والفرس والاتراك والبربر وغيرهم0فتفسخت الدولة العباسية ونشأ على اطرافها وفي قلبها دويلات عرقية [10]، واخرى مذهبية [11]0فاستبعد العرب اجمالا عن المسرحين السياسي والعسكري وحل مكانهم جماعات من الاتراك ممن لا حضارة مميزة لهم0وغدا الخليفة رهن ارادتهم ان شاءوا ابقوه ، وان ارادوا عزلوه او قتلوه[12]0وتزعزعت البنية الاقتصادية في دولة الخلافة ، فقل دخل بيت المال ، بفعل المصادرات وسيطرة الاغنياء من الحكام على الولايات[13]، وتشكلت ارستقراطية جديدة في دولة الخلافة قوامها الاغراب من اتراك فديالمة ( بويهيون ) ثم سلاجقة ، حتى فقدت السلطة السياسية المدنية قدرتها على ضبط الادارة المالية[14] وافلس بيت المال[15]0ونشأ مع اتراك العصر العباسي الثاني ( 232 – 334 / 847 – 945 ) نوع من الاقطاع شبه العسكري الاداري[16]0

          وبمجيء البويهيين الى السلطة حصل تجاوز لحد السلطة والشرع معا باقطاع حقوق بيت مال المسلمين وتضمينها للعسكر فقط [17]فنشأ الاقطاع العسكري بامتياز[18]0وأسس لمن جاؤ بعدهم من اغراب عن المنطقة العربية : سلاجقة ، ايوبيين ، ومماليك ، بما في ذلك عصر الانحطاط في العهد الفاطمي او ما يعرف بفترة حكم الوزراء ، الاقطاع العسكري الذي تركز في كل تلك العهود ليجد كل مقوماته في العصر المملوكي. ويبقى السؤال الابرز : هل كان الاقطاع العثماني مشابها لتلك الانماط ، ام ان تحديثا ادخل عليه ، ام انه جاء مزيجا من هذا وذاك ؟ 

       بعد ان بسيطر العثمانيون على البلاد العربية بعد انتصارهم على المماليك في مرج دابق 1516 ، والريدانية 1517 عم نموذج من الاقطاع ارتبط بالنظامين الاداري والعسكري العثمانيين المتجذرين بانماط بيزنطية واسلامية سابقة اكان في الدول الاسلامية او في الدول المغولية المتعاقبة ، مراعيا اصولا تشريعية اسلامية الى حد ومطوعا برؤية عثمانية ترعى المصالح الذاتية العثمانية العليا0وعلى الرغم من اعتماد الفتح العثماني للبلاد العربية بداية العصور الحديثة في الشرق ، يبقى سؤال مركزي هل كانت كذلك ؟ في حين ان النظم والقوانين الوضعية والعقلية كانت آخذة بالهيمنة على اوروبا الغربية لتحل مكان القوانين الكنسية ، لتتلائم ومتطلبات قيام المدن التي ولدت على حساب النظام ( الاقطاعي الاوروبي ) الفيودالي [19]ولا سيما ان عصر النهضة كان اخضع كل المسلمات القديمة لسلطان العقل[20]0

I – الاقطاع العثماني :

   1 – انواع الاراضي العثمانية : بما ان السلطنة العثمانية كانت دولة اسلامية ، وبما ان الاقطاع فيها جاء نتيجة عملية تراكمية ، كما اسلفنا ، لانظمة الاقطاع الاسلامية السابقة ، فان مفهوم الاراضي فيه لم يخرج على ما عهد في الدول الاسلامية السابقة أي : العشورية ، والخراجية ، والمشاع والمنافع العامة[21]0وكانت العشورية ملكا لاصحابها المسلمين ، ولهم حرية التصرف بها شرط ان يؤدوا عنها العشر الذي غالبا ما كانت تزداد قيمته عن العشر[22]0وكانت الخراجية في الاساس ملكا للذميين يدفعون عنها الخراج الذي تراوحت قيمته بين 10 و 50% [23]، والاراضي الميرية وهي ملك خالص للدولة كانت تقطع للعسكريين واحيانا للمدنين ويؤدي عنها مستغلوها او مستأجروها الخراج[24]0انما بمرور الزمن والتحايل على القانون وتجاوزه تحول بعضها الى ملكيات خاصة غير مقيدة.اما الاراضي التي ظلت خراجية فتحولت تسميتها الى اراضي ميري[25]0وكانت اراضي الوقف على ضربين : وقف غير مشروط خيري افادت منه المؤسسات الخيرية والاجتماعية على اختلاف انواعها ودور العبادة ، ووقف ذري[26]0وكان يفيد من اراضي المشاع جميع السكان كل ضمن نطاق قريته.

        لم تكن جميع انواع هذه الاراضي عثمانية في تسمياتها الاولى ، لاننا نجد اصول معظمها في الاراضي الاسلامية التي اختط سياستها وضرائبها الرسول وتبعه في هذا النهج الحكام المسلمون على اختلاف مستوياتهم ، انما العثمنة فيها تمثلت في صيرورة بعضها ، وفي نمط استغلالها0

    2 – الاقطاع الحربي  :

    أ –اقطاع السباهية: نشأت الدولة العثمانية قبيلة توسعت تدريجا لتضم جماعات تركية متنوعت الاصول انضوت تحت زعامة مؤسسيها بدأ بعثمان بن ارطغرل وابنه اورخان [27]0واعتمدت نظاما حربيا اقطاعيا ، قوامه تأمين مصدر ثابت لضخ جيوشهم بالجنود من دون ان تتجشم الدولة تنظيم جيش نظامي يقيم في الثكنات وتدفع رواتبه من خزينة الدولة ، بحيث اقطعت المحاربين مناطق زراعية يزرعها الفلاحون ويقدمون للعساكر اموالا نقدية او عينية [28] ويؤدون عنها الضريبة للجنود – ليست لدينا معلومات واضحة فيما اذا كانت الضريبة عشرية او خراجية –الذين يظلون ابدا على استعداد دائم للاشتراك بالحملات العسكرية ، كما كانوا معفيين من دفع الضرائب لخزينة الدولة لقاء تقديمهم عدد من الفرسان للحملات العسكرية العثمانية كل بحسب نسبة اقطاعه [29]

     كان الهدف من هذا النظام ، الى جانب اعفاء الخزينة من دفع رواتب الجند ، اعفاءها من مهام ادارية كجمع الضرائب ، وتوفير رواتب جباة الضريبة على خزينة الدولة[30]0وتطور هذا النظام عندما اتسعت رقعة الدولة عن طريق الفتوحات ، وقوي نفوذ الجند ، ما ادى بامرائهم الى ان يمارسوا مهاما امنية وادارية في مناطقهم الاقطاعية0وعرف هذا النظام عند العثمانيين بعدة اسماء ، انما الصفة الغالبة عليه كانت ” درلك ” وهي تعني المعاش او مورد الرزق ، واطلق على هؤلاء الفرسان اسم ” سباهي “[31]0اما الخاص فكان من نصيب الوزراء وغيرهم من الباشوات، فضلا عن حاشية السلطان[32].وتوزع السباهية على درجات هرمية شكل ” سباشي ” قاعدتها ، وتلاه ” علاي بك ” ثم ” سنجق بك ” واعلاها ” بيلربك “[33]0

 ب – علاقته بالاقطاع السلجوقي : لم يكن هذا النظام جديدا كليا عند العثمانيين ، فقد عرف في عهود الضعف العباسية؛ فالعهد البويهي عرف نوعا من الاقطاع العسكري غير المتكامل الصفات [34]، ولكن هذا النظام الاقطاعي العسكري سيجد الكثير من مقوماته في العهد السلجوقي ( 945 – 1055 ) حين نشأ مع السلاجقة الاقطاع العسكري الاداري المستند على نظام الاتابكة [35]0ويعتبر  نظام الملك الطوسي وزير السلطان ملكشاه ( 465 – 485 / 1072 – 1092 ) اول من تلقب بأتابك ،[36] وايضا اول من اقطع الاراضي للجنود عوضا عن الرواتب ، لانه اعتبر هذا الحل افضل لعمارة البلاد ، وبالتالي لزيادة دخل بيت المال [37]0

        وهكذا اقطع السلاطين السلاجقة القلاع والحصون والمدن والولايات لامراء جيشهم واهل بيتهم ، وبالتالي قسمت اراضي الدولة السلجوقية الى اتابكيات اقطاعية[38]، فكان على الاتابك اقطاع جنودهم الاقطاعات ، والمجيء بهم الى الحضرة السلطانية كلما دعت الحاجة الحربية ، وصار الاقطاع يقاس بعدد الجند الذي يقدمه الاتابك[39]الذي مارس سلطات امنية وادارية غير محدودة في اتابكيته0

     وتجدر الملاحظة الى التشابه بنسبة عالية بين النظامين الاقطاعيين السلجوقي والعثماني ان من حيث الوظيفة العسكرية والامنية والادارية ، او الرواتب العينية والضرائبية ، وتحديد نسبة الاقطاع بعدد الجنود الذي يقدمهم الاقطاعي عند الضرورة الحربية0وكما ان الاقطاع السلجوقي كن تراتبيا هرميا : الجندي تابع لقائده ، والقائد للاتابك ، والاتابك للسلطان [40] ، كذلك كان السباشي تابع لعلاي بك ، وهذا تابع لسنجق بك ، والسنجق بك لبيرل بك ، وهذا الاخير للسلطان0 ولم يرد للاتابك ان يورث اقطاعه سلاليا ، ولكن عندما ضعفت السلطنة السلجوقية تمكن الاتابكة من توريث اقطاعاتهم[41]0في حين حق للسباهية توريث اقطاعاتهم الا في حال عدم توفر وريث[42]عندها يقطع لمن تتوفر فيه الشروط القانونية[43]

    ج- انواع الاقطاعات السباهية  وقد تنوعت اقطاعات السباهية ، وكانت على ثلاث مستويات :قاعدتها التيمار، ومتوسطها الزعامت ، واعلاها الخاص[44]0وكان التيمار اقطاعا صغيرا يدر على صاحبه بين الفين الى 19999 اوقجة [45]، ويفترض بصاحب التيمار الذي يتقاضى الحد الادنى أي الفين الى ثلاثة آلاف آقجة ان يذهب بنفسه ولوحده الى الحرب مجهزا بفرسه وترسه ( جوشنه ) وخيمته0واذا زاد اقطاعه عن الحد الادنى توجب عليه ان يصحب معه فارسا اضافيا يسمى ” الجبه لي ” وكلما زاد مساحة تيماره وارتفع دخله كلما ارتفع عدد الجنود المتوجب عليه احضارهم الى الحرب بنسبة جندي عن كل ثلاثة آلاف آقجة من دون ان يجاوز عددهم الخمسة فرسان[46]0ويصل مردود الزعامت الى مئة الف اوقجة ، ولا يمنح الا لمن يظهر مقدرة قتالية عالية ، ويتوجب على الزعيم صاحب ( الزعامت ) ان يجهز الى الحرب حوالى عشرين فارسا [47].وبالتالي كان الاقطاع يتناسب مع عدد الفرسان المتوجب على المقطع اعدادهم كلما دعت الحاجة الحربية، ما يعني عدالته من حيث المبدأ.

       ويبدو جليا التشابه الكبير بين الاقطاعين السلجوقي والعثماني من حيث الصفة الحربية البحتة لصاحب الاقطاع عن طريق اعداد الجنود بما يتناسب مع مساحة الاقطاع ومع مردود ضرائبه، ومن ممارسته مهام ادارية ترعى شؤون الاقطاع.ولكننا نجهل ما اذا كان الاتابك حصل على قطعة ارض اضافية معفية من الضرائب على غرار السباهي.ذلك ان بعض اقطاعات السباهية كانت تتألف من قسمين : الارض الاساسية وتسمى ” قليج “، وما يضاف اليها ويسمى ” ترقي ” وكانت هذه الاضافة تمنح بغية توفير عشر الدخل الذي يدره القليج[48] ، وكانت الاقطاع الذي يجمع النوعين معا يعرف ب ” الحصت “[49]. وكانت الحكومة العثمانية تعتمد هذا الاجراء لتشجع السباهي كي يظل ابدا متأهبا للقتال ويرعى شؤون اقطاعه على اكمل وجه[50].

        اما الخاص فكان مميزا عن الاقطاعين السابقين : اولا بعدم خضوعه لتفتيش الدفتر دار ، وثانيا بانه كان من نصيب من يشغل منصبا حكوميا عاليا مثل الوالي[51]0وكان هناك نوع آخر من الخاص المعروف ب” الخاص همايون ” وكان ملكا خالصا للسلطان ، وهو اكبر الاقطاعات وافضل الاراضي جودة ، وهو لا يدخل ضمن بحثنا0

     وكانت نسبة توزيع الاقطاع في سنجق ما على النحو الآتي : 2/5 من فئة التيمار

1/10 من فئة الزعامت

1/5 خاص

1/10 اوجقلقات أي اقطاعات ملك لفئة عسكرية

1/5 وقف[52].

     وكانت الدولة تملك رقبة هذه الاقطاعات وتمنح حق استغلالها للقادة العسكريين ممن يقدمون خدمات حربية، وهؤلاء ينقلون حق الزراعة الى الفلاحين على قاعدة حق الحيازة Possessoire يجبون منهم العشر الخاص بالدولة لقاء الاقطاع فضلا عن ضرائب اخرى تشكل راتب السباهية.وكان يطلق على عائدات هذه الضرائب ” درليك” اي الاقطاع[53]      

     د – التشابه مع الاقطاع المملوكي : ونجدعند المماليك تنظيما اقطاعيا مشابها في بعض وجوهه ، فالاراضي الاقطاعية المملوكية توزعها السطان وامراؤه والاجناد جميعهم ، واعتمد على القيراط كوحدة للتوزيع الاقطاعي بحيث بلغت نسبة الاراضي 24 قيراطا0وقد وزعت في بداية الامر على الوجه التالي : السلطان مع اجناده اربعة قراريط ، تم تعديلها على عهد السلطان لاجين اثر الروك المعروف باسمه عام 1298 ، وصار نصيب السلطان وحده اربعة قراريط ، وحصة مماليكه ( المماليك السلطانية ) تسعة قراريط0[54]وجرى تعديل جديد على نصيب السلطان في الروك الناصري عام 1315 وصارت حصته تبلغ تسعة قراريط[55]0اما الامراء على اختلاف مستوياتهم واجناد الحلقة صارت حصتهم 11 قيراطا[56]0وفي عهد الناصر محمد ادخل تعديل جديد على انصبتهم في الروك الناصري بين 1313 و1315 فغدت 14 قيراطا[57]0

     وكان الامراء على عدة مستويات : امير مئة ومقدم ألف ، ويحق له ان يقتني من ماله الخاص مئة مملوك ،  وكان امراء المئة يشغلون المناصب الرئيسة في الدولة ومنهم ينتخب السلطان[58]، وكان امير المئة يقود في الحرب ألف جندي[59]

   امير اربعين او طبلخاناه ويحق له ان يقتني من ماله الخاص اربعين مملوكا ، ولامير عشرين عشرين مملوكا ، ولامير عشرة عشرة مماليك[60]0اما حصصهم الاقطاعية فتراوحت كما يلي :

امير مئة : من 80 الى مئتي ألف دينار جيشي[61]

امير اربعين : من 23 الى 30 ألف دينار جيشي

امير عشرة من سبعة الى تسعة آلاف دينار جيشي

 اعيان مقدمي الحلقة من 250 الى 1500 دينار جيشي[62]

وكانت رتبة امير الخمسة تلي رتبة امير العشرة ، وهي خصصت لامراء العربان وغيرهم من ابناء البلاد ممن اعتبروا من اجناد الحلقة ، وكان يبلغ نصيب امير خمسة ثلاثة آلاف دينار جيشي وما دون[63]0

        استند الاقطاع العثماني على الآقجة كوحدة اساسية لمردود الاقطاع وهو كان نقدا متداولا في حين استند المردود الاقطاعي المملوكي على الدينار الجيشي الذي فقد قيمته النقدية الثابة التي كانت له في بداية الدولة، ولكنه ظل نقدا رمزيا وبتعبير اوضح مقدارا سهميا لتوزيع الاقطاعات ولتحديد منزلة صاحب الاقطاعز  

مهام السباهية : لم تقتصر مهام السباهية ، لقاء الاقطاعات التي منحت لهم ، على الانخراط في الحملات الهسكرية ، بل انيطت بقادتهم مهام ادارية ، وانتظموا تحت قيادة قادتهم الذين توزعوا الى ثلاث مستويات :

الصنف الاول ويعرف ب الآلاي بيكي ( الآلاي ) تعني الآمر ، و( بيكي ) فوج العسكر ، أي آمر فوج العسكر ، وهو اعلى الرتب واسماها ، ويعين هؤلاء القادة من بين كبار الاقطاعيين في السناجق من اصحاب الزعامات التي تمنح لهم مدى الحياة ، والتي لا يقل دخلها عن مئتي ألف اوقجة. بحيث عندما يصبح احدهم آلاي بيكي يجب الا يقل دخله عن المليون اقجه ومنحه  النظام الاقطاعي حق توريث وظيفته[64]0 ويحصل القائد على علم خاص ، وتقرع الطبول على بابه مرتين في اليوم ، ويعتبر نائبا للسلطان في سنجقه[65]0وكان عليهم ايضا ان يجمعوا السباهية في السنجق الذي يديرون ، ويجهزوا الجنود والخيام وما الى ذلك مما تستدعيه حالة الحرب[66]0

     ويتألف الصنف الثاني من الجيري باشي او السوباشي وينتخبون من اصحاب الزعامت في الاقضية حيث يمارسون فيها ابان السلم مهام اصحاب الشرط[67]

     اما الفئة الاخيرة فتألفت من الجيري سروجي الذين انحصر عملهم في الحرب فقط بارشاد السباهية وبحراستهم[68]0

          ويبدو جليا ان الاقطاع العثماني في بداياته اعطي للوظيفة ، يمارس صاحبه مهام عسكرية وادارية ، ويعتاش من مردود اقطاعه من دون ان يحصل على راتب0وكان يمكن ايضا توريث هذا الاقطاع ، بمعنى ان الوظيفة بحد ذاتها كانت احيانا وراثية ، وبالتالي لا يسقط الاقطاع عن صاحبه بتقدمه بالعمر ، او بعجزه عن اداء مهماته مادام بامكان وريثه تولي مهامه0

      لذلك يبدو التشابه واضحا بين الاقطاعين السلجوقي والعثماني ، فالاول انتظم ، كما اسلفنا ، في عهد الوزير نظام الملك عندما نشأ نظام الاتابكيات التي اصبحت وراثية0وكان يساعد الاتابك اداريون آخرون منهم الشحنة وهي وظيفة ادارية وعسكرية في آن بحيث كان يقوم بمهام الوالي ، والمقدم من دون ان نعرف بالضبط مهام كل منها بالتفصيل[69]0

     مهام الامراء المماليك : اما في العهد المملوكي فنجد بعض التشابه اضافة الى بعض الاختلاف ، ان امراء المئة شكلوا النظام الاداري العسكري المملوكي لقاء اقطاعاتهم الوفيرة ، من دون ان يتوجب عليهم اعداد ممليك للحرب ، بل على الامير منهم قيادة ألف مملوك من اجناد الحلقة او المماليك السلطانية في الحملات العسكرية التي يقررها السلطان0اما الوظائف الاساسية التي تولاها امراء المئة فهي : اتابك العسكر أي قائد الجيش ، الامير الكبير وهو لقب اكبر الامراء واقربهم الى السلطان ونشأت ، تبعا للخالدي ، على عهد الدولة الجركسية ، ورأس نوبة النوب ، امير سلاح كبير ، امير مجلس ، امير آخور كبير ، الدوادار الكبير ، المشير ( نشأت ايضا على عهد دولة الجراكسة ) الوزير ، حاجب الحجاب ، الاستادار ، ونواب النيابات على حد سواء في مصر وبلاد الشام وكان اعظمهم نائب الشام [70]0وكان نواب السلطان في النيابات يحكمونها اداريا وامنيا وكأنهم سلاطين مصغرين ، وعليهم جمع الاجناد في نياباتهم ولا سيما اجناد الحلقة أكان من ابناء البلاد المحليين او التابعين لاجناد الحلقة الاساسيين النظاميين والخروج بهم الى الحرب بأمر السلطان0وهم بذلك يشابهون الى حد بعيد الآلاي بيكي ، ولكنهم يختلفون عنهم جذريا في انهم لا يمنحون الاقطاع عينه مدى الحياة ، اذ كان الاقطاع مرتبط بالوظيفة ، ولا يمكن توريثه بأية طريقة[71]0والتزم المقطعون بعمارة الجسور البلدية بالاشتراك مع الفلاحين[72]0

       اما امراء الطبلخاناه فكانت مهامهم ادارية ايضا وعسكرية ابان الحرب ، وقد تولوا وظائف مشابهة لامراء المئة ولكنها برتبة ادنى ، ولعل ابرزها نائب القلعة في النيابة ، وهو الى حد جاسوس على نائب السلطان في نيابته يجهد لاعلام السلطان بكل تصرفات نائبه خصوصا المتعلقة بالانقلاب عليه[73]

      وعلى هذا كانت الوظائف في الدولة المملوكية لخدمة السلطان اولا ، ولادارة البلاد ثانيا باشرافه ، وما المهام التي تولاها مماليك الامراء الا خدمة لهم ايضا على غرار السلاطين ، وبالتالي فان النظام العسكري المملوكي المرتبط ابدا بالنظام الاقطاعي كان ارستقراطيا بامتياز – ان جاز تعبير اليوم على العصور الماضية _ ذلك ان الاقطاعات الوفيرة التي حازها امراء المئة ، والطبلخاناه ، وصولا الى امير عشرة لم تمنح لهم الا ليعتاش منها الامير ويعيل اجناده [74]، علما ان هؤلاء الاجناد ما كانوا يشاركون بالحملات العسكرية ، التي انحصر القتال فيها بالمماليك السلطانية وباجناد الحلقة0[75]اذا كانت مهام امراء المماليك خصوصا الكبار ادارية بالدرجة الاولى، وعسكرية قيادية من جهة ثانية، وامنية من جهة ثالثة بحيث كان يتوجب عليهم استتباب الامن في اقطاعاتهم. من هنا يتمايز الاقطاع العثماني بوضوح عن نظيره المملوكي بحيث كان على القادة في الاول جمع الجنود السباهية والسير بهم الى الحرب ، في حين ان في الثاني كان يقود الامير فيه الجنود التي خولهم له النظام العسكري0

      اما التشابه الواضح بين النظامين فينحصر باجناد الحلقة الذين تألفوا من ابناء المماليك على اختلاف مستوياتهم[76]وهم معروفون باولاد الناس ، ومن ابناء البلاد خصوصا العربان ، وممن اسندت اليهم مهام جهادية كالتنوخيين والعسافيين وبني سيفا في لبنان وغيرهم ، ومن القرانصة ( مماليك السلاطين المتوفين ) بعد ان ينشئ السلطان مماليكه الاجلاب0[77]كان هؤلاء قلب الجيش المملوكي يأتمرون بالسلطان من دون ان يكونوا ملكا له[78]ويشكلون ثلث الجيش المملوكي[79] ، وبلغت حصصهم الاقطاعية في بداية العهد المملوكي 10/24 قيراطا وتراوح نصيب الجندي الواحد بين قرية ونصف قرية [80]0وفي الروك الحسامي 1298 بلغت حصتهم مع الامراء 11/24 قيراطا[81]، وفي الروك الناصري 1313 – 1315م اصبحت حصتهم مع الامراء ايضا 14/24 قيراطا وبلغ مقدار اقطاع جندي الحلقة بوجه عام 250 دينارا جيشيا[82]0وانتظموا بالحرب بقيادة مقدميهم الي كان يبلغ مقدار اقطاع المقدم الواحد ألف وخمس مئة دينار جيشي[83]0ولم تكن لهم ولا لمقدميهم مهام ابان السلم سوى الاهتمام باقطاعاتهم0

     وهكذا نلاحظ بدقة التشابه بينهم وبين السباهية من حيث الحصول على الاقطاعات ، من دون ان يكون للماليك حق توريث اقطاعاتهم ، ومن حيث المهام الحربية0

    لن ندخل في دراسة المماليك السلطانية لانهم يشابهون الى حد ” ال يني جيري ” او الانكشارية0

3 – الاقطاع المدني : سار الاقطاع العثماني المدني جنبا الى جنب مع الاقطاع العسكري اذ وزعت الاراضي في مطلع العهد العثماني غير ذات الصفة الحربية على امناء مدنيين تقاضوا رواتبهم من خزينة الدولة ، وجبوا الضرائب المفروضة على كل ناحية[84]0وسرعان ما تسابق الموظفون العسكريون على هذه الوظائف المربحة ، فغدا الامناء ومساعدوهم من العسكريين حتى بات الامناء شبيهين الى حد بعيد بالسباهية ، لا بل يصعب التمييز بينهم[85] ما اضر بالمصالح كلها : خزانة الدولة ، طاقة الفلاحين ، واستغلال الارض على السواء0وادركت الدولة فشل هؤلاء الامناء ، ورأبا للصدع وعدم تفاقم الامور ، ألغت عام 1524م نظام الامانة واحلت مكانه نظام الالتزام ومؤداه ان تعهد الدولة الى شخص نافذ او ثري جباية الضرائب المفروضة على الفلاحين في قرية او اكثر لمدة سنة واحدة فقط على ان يؤدي الى خزانة الدولة ، وقبل مباشرة مهامه ، مبلغا من المال يساوي قيمة ضريبة سنة كاملة على الالتزام[86]، على ان تعرض الاراضي بالمزاد العلني ، ويرسو الالتزام على من يدفع السعر الاعلى[87]

     ويمكننا اعتبار الالتزام نظاما قائما بذاته ، فهو يحدد من حيث المبدأ صلاحيات وواجبات الملتزم ومساعديه ، وحقوق وواجبات الفلاحين ، بحيث توجب على الملتزم الحصول على ثلاث مستندات : التمكين ، وفاميك  Vahmik وتقسيط الالتزام ، وحق للفلاحين بالحصول على ورقة الميرة التي تحدد لهم مقدار الميرة المتوجبة عليهم[88]0

     وما كان الملتزمون متجانسين من حيث عملهم العام ، فبعضهم من رجال الحامية العسكرية ، وبعضهم الآخر من الضباط العثمانيين المتقاعدين ، وفريق ثالث من رجال الدين ، وفريق رابع من مياسير التجار ، كما حصلت بعض السيدات على الالتزام ايضا[89]0

     لم يكن هذا النظام جديدا كليا عند العثمانيي فهو اثر في العهد الفاطمي بحيث كانت تحصل الضرائب اما مباشرة او عن طريق الضمان[90]، يتعهد بموجبه الضامن دفع كامل المبلغ المتفق عليه سنويا ، ويكون عادة اقل مما يحصله الضامن كي يبقى له ربح معين[91]، ويلزم الضامن بتسديد كامل المبلغ حتى وان جاء متحصل الضرائب اقل من المتفق عليه [92]0ويبدو من خلال المصادر الفاطمية ان هذا النوع من الضمان لم يشمل الاراضي فقط ، بل شمل ايضا الدكاكين ( الرباع ) ، والمساكن ، والحمامات ، والمساكن ، والقياسر[93] 0وكان الضامنون من الاثرياء ” الذين جمعوا ثرواتهم في حقول اخرى من النشاط الاقتصادي ولديهم القدرة على الوفاء بمثل هذه الالتزامات الكبيرة “[94]0وكانت الالتزامات تجرى بالمزاد العلني ، ويرسو الالتزام على من يدفع المبلغ الاعلى[95]، ولم يكن الملتزم بالضرورة من ابناء الناحية على جري العادة ، بل فتح المجال امام من يرغب شرط ان يكون قادرا على الايفاء بالشروط ، فتسابق موظفو الحكومة وقادة الجيش على هذا العمل المربح[96]0وبمرور الزمن صار بمقدور الملتزم توريث التزامه وتحولت بذلك الناحية الى اقطاع[97]0وندرك من خلال ذلك ان نظام الالتزام او المالكان العثماني متجذر في القدم ، وبالتالي لم تفرزه العقلية العثمانية ، على الرغم من قضائها على دولة المماليك ، وقد اعتبرت ان من ابرز اسباب حربها عليها سوء معاملة المماليك للفلاحين0خصوصا ان العثمانيين لم يتعظوا من المساوئ التي مني بها النظام الاقطاع المملوكي ، ومن قبله الايوبي وبخاصة الفاطمي الذي اعطي فيه الالتزام مدى حياة الملتزم وتوريثه0ذلك ان العثمانيين عادوا عام 1692 _ وان كان هذا التاريخ بعيدا نسبيا عن الفترة المدروسة في هذا البحث – فاصدروا قانون المالكان واعطي بموجبه الالتزام مدى حياة الملتزم ، واطلقت يده في نقل ملكيته عن طريق البيع شرط موافقة الدولة – طبعا كانت الموافقة مشروطة بالحلوان ( البرطيل ) – [98] ، وحق له توريثه ايضا لاولاده على ان يكونوا قادرين على الوفاء بالالتزام ، وبعد ان يقدموا طلبا الى ديوان الرزناماه للحصول على تمكين جديد ، ودفع مال المصالحة ( الحلوان )[99]0

    وغدا الملتزم بجهازه الاداري المكون من مساعديه في الالتزام ،[100]  والمؤلفين جميعهم من شيخ البلد ، والمباشر ، و المشد ، والشاهد ، والصراف ، والمساح[101]-وموظفيه في ارض الوسية كانوا جميعهم معهودين منذ العهد الفاطمي- غدا الحاكم المطلق ، فتسلط على مساعديه وموظفيه والفلاحين ، بل حل مكان الدولة من حيث مسؤولياتها الاجتماعية والاقتصادية والقضائية والامنية ، وبالتالي هذا دليل تخلف خصوصا ان الانظمة الاقطاعية في الغرب كانت اندثرت او في طريق الانحلال الكامل وكانت الدولة العثمانية على اتصال مباشر فيها0

    وكان يترك وصية تحدد حق من يفيد من المالكان بعد وفاته ، لان بلاد الاموات كانت تلزم مجددا بالمزاد العلني اذا لم تتوفر الوصية على ان تكون الافضلية لاولاده شرط ان يكونوا قادرين الوفاء بالشروط المالية ، ومنها دفع مال المصالحة للوالي وكان يساوي ثلاثة اضعاف قيمة الدخل السنوي للملتزم المتوفي ، كما عمد بعض الملتزمين الى توريثه الى من شاءوا[102]0

     وبعد هذا التحليل والمقارنات بين الانظمة الاقطاعية في العصور الوسطى والاقطاع العثماني في بعض مظاهره _ لاننا لا يمكننا الاحاطة بكل انماط الاقطاع العثماني لتباينها ، وبين الرومللي والبلاد الاسيوية ، بين منطقة واخرى التي تحكمت فيها خصوصيات المحلية – نجد هناك من يدعي ان الدولة العثمانية حكمت البلاد العربية وغيرها من منطلق الفكر الاسلامي ، وحدود الشريعة الاسلامية على الرغم من انها خنقت هذا الفكر ، ولم تدعه ينفلت من جمود التقليد الى الابداع0ورفضت الهيئة الاسلامية برئاسة مفتي اسطنبول او شيخ الاسلام كل نوع من مناهج الاصلاح ، ليس تمسكا بحدود الشرع الاسلامي ، الذي طالما خرقته ، وهو ايضا براء من كل تلك الادعاآت ، بل من اجل الحفاظ على مصالحها الذاتية والاقتصادية[103]0وقد يكون هذا الامر دفع بالمستشرقين جب وبوين الى اعتبار ان المجتمعات الاسلامية في العصر الحديث تميزت برعاية التقاليد الموروثة والحفاظ عليها ، واعطائها ابعادا دينية بما تسبغه عليها من قوانين شبه دينية0واعتبرا من جهة ثانية ان سمة هذه المجتمعات معادات كل انواع واشكال التغيير ما ادى الى خنق روح المبادرة الفردية الخلاقة ، والمبادرة الجماعية ، والى رفض أي نوع من انواع الابتكار[104]0طبعا نحن لا نقر هذا التعميم ، على الاقل لانه ساقط منهجا ، ولان المستشرق مهما بلغ اتقانه اللغة العربية او العثمانية لا يمكنه فهم روحية المجتمع ، ولا اراءه العامة الناتجة عن ترسبات متراكمة0وقد يكون نقده للحكومات مقبولا لو لم يعممه على كل المجتمعات الاسلامية0

    كما اننا نجد في قول المستشرقين ما يبرره ولكن ليس من منطلق ديني بحت ، لان الدولة العثمانية رسمت حدود علاقتها بالشعب في القرى بالملتزمين ، والسباهية على اختلاف درجاتهم ، وفي المدن – وان كان موضوع الادارة العثمانية ككل خارج عن اطار هذا البحث – بالولاة وجهازهم الاداري0وجسدت هذه العلاقة باستخلاص الضرائب من دون اعتماد الوسيلة الانجع للدولة والشعب معا0ناهيك عن انها فرضت على الشعب الولاء المطلق من دون السماح باي احتجاج ، لان الشكوى كانت تمر باستمرا بالوالي0من هنا كان أي احتجاج مهم او أي تذمر شديد اللهجة مصيره القمع والسحق0فقد حكمت بذهنية العصور الوسطى ، ودليلنا على ذلك ما اوضحناه في الصفحات السابقة0وقد تتوضح هذه الذهنية بدراسة مقارنة لاوضاع الفلاحين في ظل النظامين الاقطاعيين المملوكي في العصور الوسطى امتدادا الى اواخرها والعثماني في العصور الحديثة، واننا نخلص من ذلك الى الملحوظات التالية :

     كثرة المغارم على الفلاح في العهد المملوكي ، والتزاماته تجاه اولي الامر من العساكر على اختلاف مستوياتهم ، بحيث فرض على اهل القرية نظام المسؤولية المشتركة بما يترتب عليهم من اموال[105]، وقيام الفلاح باعمال السخرة من دون وجه حق[106]، وعسف المقطعين بجباية الضرائب0[107]وهكذا تحول الفلاح الى قن من حيث الزم بفلاحة الارض قسرا ، ومنع عليه مغادرتها تحت طائلة مسؤولية رده ومعاقتبه[108]، والزامه تقديم الهدايا الى اصحاب الاقطاعات الى جانب دفعه الخراج0

   اما وضع الفلاح في العهد العثماني فلربما كان اشد سوءا0ويرى جب وبوين ان غالبية سكان القرى كانوا من المالكين الفعليين للارض ، ولهم حرية التصرف بها كيف شاءوا0وعلى الرغم من ذلك ارتبط الفلاح بالملتزم بصورة غير مباشرة ، وتوجب عليه اداء ضريبة له كون الارض غدت بموجب قانون الالتزام هبة من السلطان للملتزم ، وتوجب على الاخير ابقاء الارض بيد الفلاح ما دام يؤدي الضرائب المفروضة عليها ، واذا عجز حق للملتزم نقل ملكلية هذه الارض الى فلاح آخر[109]0لقد ارتبط الفلاحون بالارض بموجب قانون ناماه الذي شرع على عهد السلطان سلميان القانوني ( 1520 – 1566 ) وهو اعتبر ان بوار الاراضي ناتج عن خطأ الفلاحين الذين هجروها ، وفرض على حكام المقاطعات ومساعديهم اعادتهم قسرا اليها ومعاقبتهم والزامهم بزراعتها ، وظل هذا القانون نافذا حتى عهد الاصلاحات العثمانية في القرن التاسع عشر[110]0ومن الواضح ان القانون المذكور يتنافى والشريعة الاسلامية الذي تنص ، كما اسلفنا في مطلع هذا البحث ، اذا بارت الارض ثلاث سنوات تنقل ملكيتها ، ما يدفعنا للاعتقاد ان المصلحة الذاتية العثمانية كانت تسمو على أي عرف او قانون لا بل على كل الشرائع0

     وتميزت العلاقة المادية بين الملتزم والفلاح بالقساوة والتسلط ، فعلى الرغم من ان الضريبة كانت محددة بالميرة فان الملتزم لم يعدم وسيلة لزيادتها من دون مبرر قانوني ، اذ كان يتهم الفلاح احيانا بنقص المحصول ، او بسرقته[111]0هذا ناهيك عن ان الملتزم كان يرسل مساعديه الى الارياف لينهبوا محاصيل الفلاحين وماشيتهم ، ويقتحمون بيوتهم للسطو على ما ادخروا من مال على قلته0واذا ما اضفنا الى كل ذلك تعرض الفلاحين للاوبئة ، ندرك الاسباب التي دفعت الفلاحين لهجرة اراضيهم والالتجاء الى المدن[112]0وتوجت هذه العلائق المهينة باساءتين : اعمال السخرة التي لا مندوحة من تنفيذها ولا سيما بارض الوسية او الوصية ، وفوائد المرابين الذين كانوا يكفلون الفلاحين عن طريق رهن محاصيلهم وعسفهم بالحصول على اموالهم[113]0وقد يعبر رأي المؤرخ التركي خليل اينالجيق اصدق تعبير عن معاناة الفلاحين وسؤ تصرف الدولة العثمانية بقوله :” اصبح الفلاح في ظل اصحاب الاراضي الجدد اسوأ حالا مما كان في أي وقت مضى ، فلم يعد عليه في نظام المقاطعة ( الالتزام ) ان يدفع الضرائب العادية المستحقة للدولة فحسب ، بل كان عليه ان يدفع لصاحب الارض فرائض قررها العرف ، واذا ادخلنا في اعتبارنا ضعف الحكومة المركزية امكننا ان نتصور دون مشقة ذلك الموقف الجائر الذي كان يتخذه اولئك الملاك الجدد “[114]0

       ونخلص الى ان المعاملة التي قاساها الفلاح في العهد العثماني ضاهت بسوئها مثيلتها في العصور الوسطى وربما فاقتها ،  من حيث اعتبر معينا ماليا لا ينضب ، وخادما امينا لا يعرف معنى الثورة ، واذا تجرأ وفعل سحق ، وما ادرك يوما ان هناك سلطة تفوق تسلط سيده الاقطاعي ( الملتزم ) ، او ان حكومة قائمة ترعى شؤونه ومصالحه في حدها الادنى ، وتشعر باناته ومعاناته0ولا الدولة ادركت ان لها رعايا يفترض بها رعايتهم ليظلوا منتجين0

      النتائج العامة : لقد نشأ النظام الاقطاع العسكري في الاسلام في العهد العباسي الثاني ( النفوذ التركي ) ما يعكس نمط تفكير الاتراك على دفع رواتب الجيش متأثرين بانماط اقطاعية بدائية في بلادهم ، وتوسع مع البويهيين الديالمة في الذهنية عينها0ونشأ النظام الاقطاعي العسكري الاداري في عصر نفوذ السلاجقة ، وقد قامت الدولة العثمانية في كنفهم ولا سيما دولة سلاجقة الروم ، وبالتالي قد يكون انتقل اليهم النمط الاقطاعي السلجوقي0 فكان نظام السباهية الذي اعتمد الاوقجة كوحدة نقدية اساسية لتوزيع الاقطاعات ، وهو ، على هذا الصعيد ، يشابه النظام الاقطاعي العسكري المملوكي ، الذي اتخذ من الدينار الجيشي مقياسا للاقطاعات0كما يتشابه مع النظام عينه التراتب العسكري والاداري المملوكيين0

     وهكذا تكون الدولة العثمانية خرجت منذ قيامها على مفهوم الاقطاع في الاسلام ، وبدلا من ان تطوره عادت فيه القهقرة ما ادى الى تظلم الفلاحين ، الذين باتوا ، في ظله ، اشبه بالاقنان ، ما يتنافى كليا مع نظرة الاسلام الى الارض والانسان0

     لقد تمكنت الدولة العثمانية منذ اواسط القرن الخامس عشر من تهديد الدول الاوروبية ، التي كانت تشهد انحلالا في الانظمة الاقطاعية لصالح الكومونات ، وتطور المدن والعناية بالانظمة الزراعية المبنية على الملكية الفردية المتفلتة الى حد من سيطرة الاقطاعيين0ولكنها لم تتأثر بموجة التحديث تلك ، وتركت الملتزمين يحكمون باسمها ، ويمارسون مختلف انواع الاساليب الملتوية لزيادة ارباحهم ، من دون النظر الى وضع الفلاحين الآخذ بالتفاقم0

        لقد حكمت الدولة العثمانية الولايات العربية ، في ظل نظامي الالتزام والولاية ، بذهنية العصور الوسطى0ولم تحاول اختراق جدار التطور ، بل ظلت انماطها الاقطاعية ، التي اجري عليها تعديلات مختلفة ، ملتزمة الى حد اطر النظم الاقطاعية في العصور الوسطى0فتعطلت عجلة الانتاج نسبيا ، ولم تتطور وسائله التي استمرت تكرار لما كانت عليه في العصور الغابرة0


[1] – ابن تغري بردي، ( جمال الدين ابو المحاسن)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، طبعة دار الكتب المصرية، القاهرة 1930-1956 ، ج12، ص 217 وما  بعد

[2] – ضومط( انطوان)، المماليك والعثمانيون، مكتبة حبيب، الزوق لبنان، 1995، ص 72

[3] لم تكن نسبة الخراج واحدة ، لمزيد من الاطلاع انظر : ابو يوسف ( يعقوب بن ابراهيم ) كتاب الخراج ، دار المعرفة ، بيروت ، 1979 ، ص 41 ، 68 ، 69

– والبلاذري  (احمد بن يحي ) ، فتوح البلدان ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1978 ، ص 31-33 ، 36 ، 42-44 ، 47-48 ، 89-90 ،

  • ابن سلام ، ( ابو عبيد القاسم ) ، الاموال ، مؤسسة ناصر الثقافية ، بيروت ، 1981 ، ص 7 ، 8 ، 56 ،
  • ابن هشام ، السيرة النبوية ، دار الكنوز الادبية ، بيروت ، دون تاريخ ، ج2 ، ص 49

[4] اجتهد بعض الفقهاء في شروط استصلاح الاراضي ومدة بقائها بيد اصحابها ، ابو يوسف ، الخراج ، ص 24

– وابن تغري بردي ، ( جمال الدين ابو المحاسن ) ، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، القاهرة ، طبعة دار الكتب ، 1930 – 1956 ، ج2 ، ص 233 –244

[6] -منع الرسول اقطاع المراعي ، بوجه عام ، وما سمح به كان مشروطا :” لا يأكلون علافها ويرعون فيها ، وقال ايضا :”المسلمون شركاء في ثلاث : الماء والكلاء والنار ، انظر الماوردي ( علي بن محمد بن حبيب ) ، الاحكام السلطانية ، القاهرة ، 1966 ، ط2 ، ص 176- 178

[7] – ويقسم اقطاع التمليك الى موات وعامر ، والثاني هو ضربان : احدهما ما يتعين مالكه ولا نظر للسلطان فيه الا بتلك الارض في حق لبيت المال اذا كانت في دار الاسلام ، الماوردي ، الاحكام السلطانية ، ص 188

[8] – ” يمكن اقطاع ارض موات لم يثبت صاحبها ، وان كانت الارض جاهلية جاز اقطاعها وتمليكها، وان كانت اسلامية وبارت لا تملك عرف صاحبها ام لم يعرف0اما الارض العامرة فلا يمكن تمليكهاسواء أكانت لذمي ام مسلم في حال عرف مالكها0وان لم يعرف تصبح ملكا لبيت مال المسلمين ووقفا مؤبدا ويحق للخليفة او السلطان اقطاعها لاي كان0اما اقطاع الاستغلال فهو جزية او اجر ، فالجزية لا يجوز اقطاع الارض لاكثر من سنة فصاحبها قد يسلم فتسقط الجزية عنه0وان كان اجرا جاز اقطاع الارض لسنين عديدة ” القلقشندي ( احمد بن علي )، صبح الاعشى في صناعة الانشاء ، مطبعة دار الكتب ، القاهرة ، 1913 ، ج13 ، ص 110 ، 113-114 ، 116 ، 117        

[9] – في هذه الفترة عمت المصادرات ، وظهر الاقطاع شبه الاداري 0انظر مسكويه ( احمد بن محمد ) ، تجارب الامم ، مطبعة التمدن ، القاهرة ، 1914 ، ج1 ، ص 43 ، 217

 وابن الاثير ( عز الدين ) ، الكامل في التاريخ ، دار صادر ، بيروت ، 1979 ، ج8 ، ص 110 وغيرها كثير0

[10] – نذكر من هذه الدويلات : الطاهرية ( 265- 292 / 820 – 872 ) ، الصفارية ( 254 – 290 / 867 – 903 ) ، الطولونية ( 254 – 292 / 868 – 905 ) الاخشيدية ( 323 – 358 / 935 – 969 )0

[11] – الحمدانية ( 929 – 1001 ) ودولة القرامطة ، والزيادية في اليمن ودويلات اخرى متعددة في شمالي افريقيا : الادارسة ، الرستمية ، المدرارية ، وبنو الاغلب …

[12] – ابن طباطبا ( محمد بن علي ) ، الفخري في الآداب السلطانية والدول الاسلامية ، مصر ، 1939 ، ص 220

[13] – مسكويه ، تجارب ، ج1 ، ص 43 ، 217

  • وابن الاثير ، الكامل ، ج8 ، ص 110
  •  ولمزيد من الاطلاع ، راجع : سعد ( فهمي عبد الرزاق ) ، العامة في بغداد ، الاهلية للنشر والتوزيع ، بيروت ، 1983 ، ص 33 ، 34 ، 37

[14] – مسكويه ، تجارب ، ج1 ، ص 8 ، 200 ، 201

  • و الصابئ ( الهلال بن محسن ) ، الوزراء ، دار احياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1958 ، ص 13 – 14
  •  وسعد ،  العامة ، 33 ، 34 ، 37 

[15] – سعد ، المرحع السابق ، ص 36 -37

[16] – لمزيد من الاطلاع ، انظر : ضومط ( انطوان ) ، ملامح من الاقطاع العسكري في العصور الوسطى ، مجلة المسرة ، المطبعة البولسية ، جونيه ، 1985 ، العددان ، 719 –720 ، ص 724 – 725

[17] – مسكويه ، ج2 ، ص 173 –175 ، وسعد ، العامة ، ص 39 -40

[18] – لمزيد من الاطلاع ، انظر : ضومط ، ملامح ، ص 725 – 728

[19] – لمزيد من الاطلاع ، انظر هف ( توبي ) ، فجر العلم الحديث ، الاسلامالصين – الغرب ، ترجمة محمد عصفور ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، 2000 ، رقم 260 ، ص 144 وما بعد

[20]– Grawitz , M, Mèthodes des sciences sociales , Dalloz , 10 eme èdition , Paris , 1996 , pp 28-30

[21] – لمزيد من التفاصيل انظر: هرشلاغ ، مدخل الى التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الاوسط ، نقله الى العربية مصطفى الحسيني ، مكتبة العالم الثالث ، دار الحقيقة ، بيروت ، 1973 ، ص 54 – 55

[22] – Afetinan, Aperçu général sur l’histoire économique de l’empire Turc-Ottoman,Publications de la société d’histoire Turque,sérieVIII-No.6a, Ankara, 1916, p.24.

[23]  -ibid p 24

[24] – ibid p24

[25] – هرشلاغ ، المرجع السابق ، ص 54 –55

[26] – لمزيد من الاطلاع على الاوقاف وانواعها راجع : كرد علي ( محمد ) ، خطط الشام ، دار العلم للملايين ، بيروت ، 1983 ، ج5 ، ص 112 – 115

[27] – ضومط ( انطوان ) ، المماليك والعثمانيون وعهد السلطان سليم الاول ، مكتبة حبيب ، زوق مصبح ، لبنان ، 1995 ، ص 69 – 71

[28] – جب وبوين ، المجتمع الاسلامي ، ص 92

[29] – هرشلاغ ، مدخل الى التاريخ الاقتصادي ، ص 18

[30] – المرجع السابق ، ص 93

  • هرشلاغ ، المرجع السابق ، ص 18
  •  الشناوي ( عبد العزيز محمد ) ، الدولة العثمانية دولة اسلامية مفترى عليها ، مكتبة الانكلو المصرية ، القاهرة ، 1980 ، ج1 ، ص 130 – 131

[31] – جب وبوين ، المجتمع ، ص 94

[32] – Afetinan, op.cit. p 45

[33] – هرشلاغ ، مدخل الى التاريخ الاقتصادي ، ص 18

[34] – مسكويه ، تجارب ، ج2 ، ص 97 –98

[35] – لمزيد من الاطلاع على نظام الاتابكبة ، انظر : ابن الاثير ، الكامل ، ج10 ، ص 29 –30

  • والاصفهاني ، ( الفتح بن علي البنداري ، دولة آل سلجوق ، مصر ، 1318 هجري ، ص 55 –57
  •  القلقشندي ، صبح ، ج4 ، ص 18

[36] – ابن الاثير ، الكامل ، ج4 ، ص 29 – 30 ابو شامة ( شهاب الدين عبد الرحمن الدمشقي ) ، كتاب الروضتين في اخبار الدولتين النورية والصلاحية ، القاهرة ، 1278 هجرية ، ج1 ، ص 26

[37] – الاصفهاني ، دولة آل سلجوق ، ص 55 ،

[38] – الامثلة كثيرة على توزيع الاقطاعات على الاتابكة ، انظر : ابو شامة ، الروضتين ، ج1 ، ص 25 ، 35 ، 125

[39] – الاصفهاني ، آل سلجوق ، ص 55 – 57

[40] – ضومط ، ملامح ، ص 730

[41] – المكان عينه

[42] – هرشلاغ ، مدخل ، ص 19

[43] –  Afetinan , op. cit. p 45

[44] – BIBB , H , and BOWEN , H , Islamic society and the west , a study of the impact of western civilization on moslem culture in the near east, Oxford University press , 1962, vol I , p 247

– الشناوي ، ج1 ، ص 132

[45] – Gibb and Bowen , op. cit . V I , part I ,  p. 49

– ويعتبران ان الاوقجة نقد فضي عثماني لم تكن له قيمة ثابتة ، في حين يرى الفريق اول محمد شوكت انها كانت تساوي ثلث درهم من الفضة ، ومن ثم بعد ان دخل الغش الى النقود العثمانية قلت قيمتها ولم تعد ثابتة ، انظر : شوكت ( محمد ) ، التشكيلات والازياء العثمانية ، ترجمه عن التركية يوسف نعيسة ومحمود عامر ، دار طلاس ، دمشق ، 1988 ، ص 64

[46] – جب وبوين ، ج1 ، ص 95 ، 97

[47] – جب وبوين ، المجتمع الاسلامي ، ج1 ، ص97 ، وهما يريان ان عدد الجنود المفروضة على الزعيم هي فقط 18 جنديا ، في يرى الشناوي ان العدد هو عشرين ، الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص132

[48] – الشناوي ، ج1 ، ص 133

[49] – Bibb , and Bowen , v I , part I , p 49

[50] – الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص 134

[51] – الشناوي ، المرجع السابق ، ج1 ، ص 134

-Afetinan, op. cit p 45

[52] – الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص 135 – 136

[53] – Afetinan , op. cit. p 45

[54] – المقريزي ( نقي الدين احمد ) ، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ، دار صادر ، بيروت ، دون تاريخ ، ج1 ، ص 87

– ابن اياس ( محمد بن احمد ) ، بدائع الزهور في وقائع الدهور ، بولاق ، 1311 ه ،  -ج1 ، ص 137

[55] – العمري ( شهاب الدين احمد بن فضل الله ) ، مسالك الابصار في ممالك الامصار ، تحقيق دوروتيا كرافولسكي ، المركز الاسلامي المركزالاسلامي للبحوث ، ط1 ، بيروت ، 1986 ، ص 94 ،

  • القلقشندي ، صبح ، ج3 ، ص 458
  •  المقريزي خطط ، ج1 ، ص 90

[56] – المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 87

– بولتاك ، ( أ. ن . ) ، الاقطاعية في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان ، نقله الى العربية ، عاطف كرم ، منشورات وزارة التربية الوطنية والفنون الجميلة ، مطابع نصار ، بيروت ، 1949 ، ص 74 – 75

[57] – خطط ، ج1 ، ص 90

– بولياك ، الاقطاعية ، ص 75 – 76

[58] – القلقشندي ، صبح ، ج4 ، ص 14

– الظاهري ، زبدة ، ص 113

[59] – القلقشندي ، صبح ، ج4 ، ص 14

  • خطط ، ج1 ، ص 215
  •  الظاهري ، زبدة ، ص 113

[60] – الاماكن عينها

[61] – لم يكن الدينار الجيشي نقدا متداولا بل مقياسا اقطاعيا ، كما لم تكن له قيمة ثابتة ، فتراوحت قيمته عام 1315 بين سبعة وعشرة دراهم ، ثم ارتفعت الى 13 درهما عام 1377 ، وفيما بعد فقد قيمته وصار مقياسا حسابيا لمدخول الاقطاعات بالتخمين انظر : العمري ، مسالك ، 61

– ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 112 –113

[62] – العمري ، مسالك ، ص 94

  • القلقشندي ، ج4 ، ص 50

– خطط ، ج2 ، ص 215 – 216

[63] – القلقشندي ، صبح ، ج3 ، ص68

[64] – جب وبوين ، ج1 ، ص 188 –189

[65] – جب وبوين ، ج1 ، ص 98 ، 189

[66] – المرجع السابق ، ج1 ، ص 188

[67] – جب وبوين ، المجتمع ، ج! ، ص 98

[68] – المكان عينه

[69] – ابو شامة ، ( عبد الرحمن بن اسماعيل الدمشقي ) ، مختصر كتاب الروضتين في اخبار الدولتين النورية والصلاحية ، دار الاندلس الخضراء ، جدة ، المملكة العربية السعودية ، 1997 ، ص 84 ، 88

[70] – العمري ، مسالك ، ص 65 ، 96 ،

  • القلقشندي ، ج4 ، 16 – 18
  •  المقريزي  ،  خطط ،  ص 222 ، 225
  • الظاهري ، زبدة ، 114

– الخالدي ( عبد الله بن عبد الله بن لطف الله ) ، المقصد الرفيع المنشا الهادي الى صناعة الانشا ، اطروحة دكتوراه غير منشورة اعدها خليل شحادة جامعة القديس يوسف ، بيروت ، 1988 ، ص 241 – 245

[71] – القلقشندي ، ج3 ، ص 488

– الطرخان ( ابراهيم علي ) ، النظم الاقطاعية في الشرق الاوسط في العصور الوسطى ، دار الكتاب العربي ، القاهرة ، 1968 ، ص 198 – 199

  • Ayalon David, “Studies on the structure of the Mamlouk Army”, Bulletin of the School of Oriental and African Studies, 15/2&16/1 (London 1953-1954) pp.203-228, 448-476, 57-90 , T 15/2 , p 459 – 460
  • Demombyne , M. G , La Syrie a l’epoque des mamlouques d’apres les auteurs arabes , Paris , 1923 , p 139

[72]–  الطرخان ، النظم ،  ص 86

[73] – القلقشندي ، ج4 ، ص 184

 –  الخالدي ، المصدر السابق ، ص 245 – 246

[74] – Ayalon , op. cit. P 459

  • Demombine , op. cit, p 139
  • –           ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 118

[75] – القلقشندي ، ج3 ، 15

[76] – العمري ، مسالك ، ص 61

[77] – ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 57

[78] – بولياك ، الاقطاعية ، ص 17

[79] – العمري ، مسالك ، ص 61

– المقريزي ، خطط ، ج2 ، ص 219

[80] – القلقشندي ، ج4 ، ص 50

  • ابن تغري بردي ، نجوم ، ج8 ، ص 52
  •  المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 87 – 90

[81] – الامكنة عينها

[82] – القلقشندي ، ج4 ، ص 50

– المقريزي ، خطط ، ج2 ، ص 215

[83] – العمري ، مسالك ، ص 66

– القلقشندي ، ج4 ، ص 50

[84] – الدوري ( عبد العزيز ) ، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي ، دار الطليعة ، بيروت ، 1978 ، ص 114

[85] – جب وبوين ، ج1 ، ص 294

[86] – الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص 147

[87] – Shaw Stanford , Landholding , op. cit. 95

[88] – كان يذكر في تقسيط الالتزام مال الميرة المتوجب دفعه ، واسم القرية او القرى الملزمة ، وعدد قراريطها ، ومساحة هذه القراريط ، لان القيراط كانت وحدة سهمية مبنية على التخمين ، ويحدد في التمكين مال الميرة ، اما الفاميك ، فهو عبارة عن مستند من الدولة الى الفلاحين يعلمهم انهم صاروا في عهدة الملتزم الجديد0انظر : الشناوي ، ج1 ، 147 

[89] – Shaw Stanford , J ,Landholding &land-tax revenues in ottoman Egypt . in “ Political & Social Changes in Modern Egypt.Historical Studies the Ottoman Conquest to the Unitd Arabs Republics : edited by P. M.Holt , London 1969 , p 96

[90] – Cahen, Cl , EI2 , article , Bayt al-Mal , tI , p 1178

[91] – السيد ( ايمن فؤاد ) ، الدولة الفاطمية في مصر ، الدار المصرية اللبنانية ، القاهرة ، ط2 ، 2000 ، ص 514

[92] – ابن ميسر ( محمد بن علي بن يوسف ) ، اخبار مصر – المنتقى من ، تحقيق ايمن فؤاد السيد ، المعهد العلمي الفرنسي ، القاهرة ، 1981 ، ص 129

– المقريزي ، اتعاظ الحنفا باخبار الائمة الفاطميين الحنفا ، تحقيق محمد حلمي احمد ، القاهرة ، 1996 ، ج3 ، ص 164

[93]  المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 83

– اتعاظ ، ج3 ، ص 81

[94] – السيد ، مصر ، ص 516

[95] – المقريزي ، خطط ، ج2 ، ص ص 5 –6

[96] – عينه ، ج1 ، 85

[97] – شعبان ( محمد عبد الحي ) ، الدولة العباسية – الفاطميون ، الاهلية للنشر والتوزيع ، بيروت ، 1981 ، ص 238

[98] – جب وبوين ، ج1 ، ص 295

[99] – الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص 166

[100] – تقع ارض الوسية في دائرة الالتزام ، وتساوي عشره 1/10 ، ويفيد الملتزم وحده منها ، وقد عين لها موظفين يتقاضون رواتبهم من ماله الخاص مثل الوكيل والخولي والكلاف وغيرهم ، الشناوي ، ج1 ، ص 159 – 160

[101] – Shaw Stanford , J. The financial & administrative organization & development of Ottoman Egypt ( 1517 – 1798 ) , Princeton Univercity Press , Princeton N. J, 1962 , pp. 22 – 25

[102] – جب وبوين ، المجتمع ، ج1 ، ص 295 – 297

[103] – كانت الهيئة الاسلامية ترعى الاوقاف التي راحت تتزايد تدريجا حتى بلغت في القرن 19م حوالى نصف اراضي الدولة العثمانية

[104] – جب وبوين ، ج1 ، ص 32 –34

[105] – عاشور ( سعيد عبد الفتاح ) ، بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى ، دار الاحدب البحيري ، بيروت ، 1977 ، ص 149

[106] – ابن تغري بردي ، نجوم ، ج9 ، ص 51

[107] – المقريزي ( تقي الدين احمد ) ، اغاثة الامة بكشف الغمة ، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال ، القاهرة ، 1940 ، ص 45 – 47 

[108] – المكان عينه ، وخطط ، ج1 ، ص 138

[109]  – Shaw Stanford , Financial , op. cit. Pp. 20 –21

 – جب وبوين ، ج1 ، ص 294

[110] الدوري ، مقدمة ، ص 122

[111] – Shaw Stanford , Landholding , op. cit. P 100

[112] – ibid

[113] – الشناوي ، ج1 ، ص 157 – 158

[114] – اينالجيق ( خليل ) ، التقافة الاسلامية والحياة المعاصرة ، بحوث ودراسات اسلامية ، جمع محمد خلف الله ، القاهرة ، 1955 ، ص 451

التجديد في منهج تقي الدين احمد المقريزي (766-845/1364-14429)

اولا– البيئة السياسية والدينية والثقافية للتأريخ في القرن التاسع/الخامس عشر.

في العهد المملوكي شغلمعظم المؤرخين وظائف ديوانية مثل كتابة السر، والحسبة والتوقيع بديوان الانشاء… مما سمح لهم بالاطلاع على دقائق سجلات هذه الوظائف، وعلى ركائز النظامين العسكري والاقطاعي المملوكيين فازدهرت كتب الادارة مثل مسالك الابصار للعمري، ونهاية الارب للنويري، وصبح الاعشى للقلقشندي، والمواعظ والاعتبار للمقريزي، وزبدة كشف الممالك للظاهري… اضافة الى التواريخ العامة، التي لم يقتصر حضورها على السياسي والعسكري بل تعداهما الى النشاطات الاجتماعية والاقتصادية والادارية. فاكتملت بذلك صورة التاريخ بابهى حلله، واروع روآه، وصارت المؤلفات تنبض بالحياة وتتحدث عن الخاصة والعامة معا بعد ان كانت حكرا على الاولى.

تجاه هذا الازدهار المنقطع النظير للمؤلفات في ميدان التاريخ على تنوع مواضيعه، نلاحظ انحطاطا مخيفا ومربكا في بقية العلوم على مدى العصر المملوكي. وقد يكون مرد ذلك الى وعي المؤرخين للديني المرتبط بالسياسي الناتج عن احتضان المماليك للشرعية الدينية السنية الوحيدة، فصارت بنظرهم دولة المماليك وحدها الدولة الشرعية في العالم الاسلامي، وتحوّلت الدول الاخرى غير الخاضعة للخلافة العباسية الى دولٍ عاقّة، مما جعل التاريخ المحلي او الاقليمي يزدهر بامتياز، بحيث قلّما تجاوزت مضامين مؤلفات المؤرخين المشرقيين حدود الدولة التي يعيشون في كنفها اللهم الا ابتهاجا بفتح اسلامي، او نجاة المسلمين من هجوم الفرنجة.

وبذلك، غابت عن الساح التأريخية مؤلفات التاريخ العام الشامل، وان اطلقنا على بعضها هذه الصفة لان حضورها اقتصر على التاريخ الاقليمي الخاضع اصلا لنفوذ سياسي محدد، مما عكس الانقسام السياسي على الفكر الديني وعلى الوضعين الاجتماعي والاقتصادي. ولم يعد العالم الاسلامي كله مسرحا لأقلام المؤرخين المسلمين، بل تقوقع التوجه، خلال الحقبات التي نضجت فيهاالمناهج التأرخية عموما، ليحدّد السمات العامة للمراحل الاخيرة من العصور الوسطى. وقد حرمنا هذا المنظور السياسي الديني الضيّق من كنوز كثيرة لأنه لو توفّر للمقريزي وبعض زملائه المبدعين، بما تمتعوا به من نفاذ البصيرة والحس الاجتماعي، الاطلاع على اخبار الدول الاسلامية الاخرى ودوّنوا اخبارها لربما كانت المكتبة العربية قد اغتنت بمادة علمية تاريخية قلّ نظيرها، ولكن مع الاسف الشديد اقتصر حضورهم التأريخي على دولة المماليك خصوصا ان بعض المؤرخين شغل وظائف ديوانية، ممّا جعلهم قريبين من القرار السياسي، ومطلعين على معلومات كان متعذرا على غيرهم الوصول اليها، ومدركين بدقة بنية المؤسسات المملوكية بسلبياتها وايجابياتها.                      

ثانيا حياة المقريزي ومؤلفاته:

1-حياته: هو تقي الدين احمد بن علي العبيدي المقريزي[2]، وهذه الشهرة الاخيرة تعود الى احدى حارات بعلبك التي عاشت في كنفها اسرته قبل انتقال جده لأبيه من بعلبك الى دمشق[3]. ولد المقريزي في القاهرة في حارة برجوان عام 766/1364 في اسرة اشتهرت بتحصيل العلوم؛ فجده لأبيه نشأ في بعلبك وتثقف على عدد وافر من العلماء والفقهاء[4] ثم انتقل الى دمشق حيث ولد ابنه علي والد المقريزي. بعد دمشق ارتحل الى القاهرة واستقر فيها حيث تقلب في عدة وظائف ديوانية[5].

 وقد يكون جده لأمه، الذي احتضن المقريزي، اكثر ثقافة من جده لأبيه[6]. درس مؤرخنا في الازهر على الكثير من العلماء والفقهاء بلغ عددهم ستمائة[7] من ابرزهم: شمس الدين بن الصائغ جده لأمه، وابي اسحق التنوخي، وسراج الدين البلقيني، والعماد الحنبلي، وابن خطيب الناصرية المؤرخ المعروف، وابن خلدون بعد ان استقر في القاهرة منذ عام 784/1364 وقد تأثر به كثيرا ولا سيما بمقدمته المشهورة. كما اجازه عدد من اعلام عصره نذكر منهم: العماد ابن كثير (ت 774/1373، وابا البلقاء السبكي (ت 777/1375) وابا الفضل النويري (ت 786/1384)[8].

كان المقريزي على اتصال وثيق بالسلطان برقوق، وبابنه السلطان فرج، وبالامير يشبك الدوادار، مما سمح له اشتغال عدة وظائف حكومية. وكان مقربا جدا من الناصر فرج الذي تمنى عليه ان يكون رسوله الى تيمورلنك ولكنه اعتذر.[9]

ثم ما لبث ان اعتزل الوظيفة العامة لينصرف الى تدوين مؤلفاته جاعلا من بيته موئلاً لاهل العلم من تلاميذه واصدقائه. ولربما يكون قد وجد في هذا السلوك السلوى والسلوان عمّا آلت اليه اوضاع البلاد من انحطاط اقتصادي وفساد اداري ورعب عسكري، وعمّا فقده من وظائف، وعزاء ذاتيا لفقدانه ابنته فاطمة التي توفيت بالطاعون عام 826/1423 وذهب هو نفسه ضحية الوباء عينه عام 845/1441 مخلفا ثروة علمية ضخمة، ومدرسة تأريخية خاصة.

2مؤلفاته: ترك المقريزي عددا كبيرا من المؤلفات في مختلف ميادين العلوم الانسانية اربت على المائتين على ما ذكر السخاوي[10]، ويبدو ان معظمها قد ضاع، وما بقي طبع معظمه، وسنكتفي بذكر بعضها:

– اتعاظ الحنفاء باخبار الائمة الفاطميين الخلفاء.

– اغاثة الامة بكشف الغمّة، هو كتيب اقتصادي اجتماعي يعتبر من اجلّ الدراسات الاجتماعية والاقتصادية خلال العصور الوسطى.

– الاوزان والاكيال الشرعية، وهو يتمم الكتاب السابق، وباعتقادي ان المقريزي وضعه بعد تجربته المريرة في وظيفة الحسبة.

– التاريخ الكبير المقفى في تاريخ اهل مصر والواردين عليها،  وهو تراجم لأكابر المصريين ومن دخل الى مصر من العلماء والمشاهير، مرتب على حروف المعجم. صدر منه حتى الان ستة عشر مجلداً، ويبدو ان المقريزي اراد له ان يكون في حوالى ثمانين مجلدا على حد تعبير السخاوي وابن تغري بردي[11].

– درر العقود الفريدة في تراجم الاعيان المفيدة[12].

-شذور العقود في ذكر النقود، منشور.

-المنتقى من اخبار مصر لابن ميسّر، منشور

– المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار

– كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، وهو موضوع هذا البحث.

وهناك العديد من المؤلفات ذكرها السخاوي، وابن تغري بردي، واعطى الدكتور محمد كمال الدين عز الدين علي معلومات عنها وتوسع بمضمون بعضها خصوصا المخطوط منها الذي تمكن من الاطلاع عليه.[13]

ثالثا: التجديد في منهجه في كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك

ان التجديد هو ابداع يتجسّد في الخروج عن المألوف جزئيا او كليا، وبالتالي اعتماد نمط جديد قد يغدو لاحقا نموذجا يحتذى. ويتمظهر التجديد في التأريخ في المنهج على مستويين: الشكل، والمضمون. ونعني بمنهج المضمون موقف المؤرخ من الحدث الذي يؤرخ له، اي كيفية استقراء جزئياته ومن ثم اعادة تركيبها بما يوضح مدى عمق رؤيته العمودية. ويُظهر الجهدَ الذي بذله للوصول الى اكبر قدر ممكن من الحقيقة التاريخية التي هي مطلقة في الاساس. ويمكن اطلاق مصطلح: «النظرة التاريخية» على مجمل هذه الجهود.

ويرتبط اسلوب التجديد في العصور الوسطى بمقدار خروج المؤرخ على الصورة التقليدية للخبر التاريخي، لأن الخبر استمر بوجه عام مستقلا بذاته ولذاته عند معظم مؤرخي العصور الوسطى الاسلامية، وقلما اسس لخبر جديد، او استند الى خبر آخر سابق لينفذ الى اعماق الحدث الكلي. فبراعة المؤرخ تتجلى بمقدار اخراجه الاحداث التي تتداخل بعض وجوهها او تتقاطع في سياق شامل ومترابط تتجلى فيه كلية الحدث المقصود.

وعلى هذا سندرس نظرة المقريزي التاريخية على كل المستويات التي أرّخ لها، كما سنبيّن مدى خروجه على الصورة التقليدية للخبر او وفائه لها.

 

I-نظرته التاريخية في السلوك: المقريزي اول المؤرخين الذين نظروا الى الاجتماع الانساني نظرة عامة شاملة غير تنظيرية في المطلق، بل حكمتها ركائز من ذاتيته غدت قوانين خاصة به، وعامة لمؤرخين آخرين مثل ما طرحه ابن خلدون في مقدمة كتاب «العبر وديوان المبتدأ والخبر». فجاءت نظرة معرفية نابعة من خبرة التعاطي في الشأن العام، ومراقبة الاحداث وتطورها، ومن رؤيته الانسانية العامة المتأثرة من دون شك بنظريات استاذه ابن خلدون ومحاولته تطبيقها في التأريخ. وهي نظرة هادفة، غايتها تبديل سلوك الحكام نحو الافضل علّ الخلف يتعظ من السلف.

وتكمن اهمية نظرته بمعالجتها نواحي متعددة من النشاطات الانسانية في المجتمع المملوكي: سياسية، وعسكرية، وادارية، واقتصادية، وعمرانية، واجتماعية بمختلف ابعادها شأن الاوبئة والامراض، والجرائم، والحرائق… وتأثيراتها المتبادلة.

نظرته الى الوضع العسكري: شكل الصراع بين فئات المماليك على اختلاف مستوياتهم وتنوع انتماءاتهم محورا رئيسيا في حياة المماليك منذ تأسيس دولتهم وحتى عام 844/1441 الذي تتوقف عنده اخبار « السلوك ». وتستوقفنا في هذا المدى محطات صراعية بارزة، اخص منها ما حدث في سلطنتي الناصر محمد بن قلاوون الاولى والثانية. ولكن المشهد يبدو أكثر اضطرابا في عهود ابناء الناصر محمد بن قلاوون واحفاده بحيث صوّر المقريزي المجتمع المملوكي مجتمعا دمويا غادرا تلفه المؤامرات والفتن.[14]ويستمر المشهد عينه على امتداد معظم العهد الجركسي وفق محطات او مفاصل قد يكون من نماذجه النافرة ما حصل في بداياته بين برقوق ومنافسيه، ثم في معظم عهد الناصر فرج بن برقوق[15]: كالصراعات بين منطاش وشيخ المحمودي ونوروز الحافظي، وبين جقمق واينال[16]

لم يحصر المقريزي آثار ما كان يحصل بالمماليك فقط بل تناول تداعياته المدمرة على كل فئات المجتمع بقوله:«وحل بالقاهرة ومصر خوف شديد بسبب اختفاء الاشرفية – نسبة الى السلطان الاشرف برسباي- وتطلبهم، فاذا دخل المماليك جهة من الجهات للبحث عنهم حلّ بسكانها انواع البلاء ما لا يوصف من النهب والهدم والعقوبة والغرامة وجد فيها اشرفية ام لم يوجد. وكان يتبعهم بهجومهم غوغاء العامة فحلّ بالنساء بلاء لا يوصف، فهدمت بعض المدارس ونهب بعضها الآخر… »[17]

ولكي تتبلور الصورة العسكرية، وهي من معالم التجديد في نظرته التاريخية، وصف الفنون القتالية وطرقها، والخطط الحربية، وانواع الاسلحة المستخدمة. فتناول في حصار آمد عام 837/1434 المدفع النحاسي المستخدم فيه الذي بلغت زنته مائة وعشرين قنطارا مصريا، وزنة قذيفته 570 رطلا مصريا[18]. ووصف في هذا الاطار انواع السفن الافرنجية، والسفن المملوكية وسبل استخدامها[19].

وفي المسار عينه أرّخ المقريزي لعلاقة العربان العدائية بالسلطة المملوكية الناتجة اصلا عن ظلم الحكام [20]. ويتقاطع هذا الموضوع مع نواحي اخرى متعددة تتكامل جميعها معا، لتجعل المشهد العسكري تاما بأحداثه وتفاعلاته بما يفرز من نتائج او تداعيات حددت ابرز محطاط التجديد في نظرته.

ب -موقفه من الاقتصاد: يحتل الاقتصاد منزلة تأريخية مهمة جدا في «السلوك»، فهو المحرك الاساسي لكل نشاطات الدولة والمجتمع، ولكل الصراعات الداخلية. وانطلاقا من هذه الحركية كان الحكام المماليك يتوسّلون ظلم الشعب. ولعل هذا ما جعل المقريزي يدرس مجمل الركائز الاقتصادية افقيا وعموديا مستخلصا منها العبر.

1 -النقود: يعتبر النقد العصب الاساسي في كل عملية اقتصادية، والوضع النقدي يعتبر مقياسا لتطور الحالة الاقتصادية او لركودها. لذلك ركّز المقريزي على قيمة النقود من حيث جودتها وغشها، مظهرا دور الغش في افقار الناس[21]. مما دفعه الى دراسة تطور النقود منذ العهد الايوبي وحتى ايامه ذاكرا اسباب غشها وتداعياته على الاسعار والحياة الاجتماعية، دارسا بطريقة تركيبية نظرية متكاملة للتضخم النقدي[22]، وهي لعمري خطوة سبقت عصره بل نظرية الاقتصاديين العالميين. وهي تزداد وضوحا كلما اقترب بالتأريخ من عصره بسبب وفرة المعلومات؛ فقد درس تطور الرواتب، وازدياد ارباح التجار وانعكاس هذين الامرين على النظام الزراعي عموما، محملا المماليك المسؤولية:« وكل ذلك من سوء نظرة ولاة الامور »[23]. وتكتمل نظرية التضخم النقدي بدراسته أسبابه؛ اذ يرجعه الى كثرة ما كان يتوجب على الدولة من جوامك (رواتب شهرية) للمماليك السلطانية، محدداً مقاديرها النقدية والعينية من لحم وكسوة وعليق للدواب[24]. مبرزا سوء تصرف المماليك السلطانية من اجل الحصول عليها وعلى علاوات جاعلا منه ابرز اسباب افساد ادارات الدولة، “والى خراب اقليم مصر وزوال نعم اهله”[25].

ولفهم عملية غش النقود واثرها على التضخم النقدي قارن بين النقود الذهبية المملوكية ومثيلاتها الاوروبية المستخدمة في الديار المملوكية محدداً مستواها واقبال الناس عليها: الاول هو الهرجة وقد قلّ بأيدي الناس، والثاني يقال له الافرنتي والافلوري اي «الفلوران الهولندي» والبندقي او الدوكة، وقد وصفها جميعها. والثالث الدينار الذهبي الناصري. كما تحدث عن جميع انواع الفلوس[26]. وبذلك، يكون المقريزي اول مؤرخي العصور الوسطى الذين احاطوا باحوال النقود الايجابية والسلبية، وتناولوا تداعياتها على مجمل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية.

2 -الرسوم والضرائب: واستكمالا لنظرته الاقتصادية تحدث عن عمليات الطرح والتحكير، والاحتكارات، والرشوة، والمصادرات، والرسوم، وهي جميعها ضرائب استثنائية باتت بنظره عادية لكثرة ما فرضت. وتناول ايضا الغلاء ومسبباته، وتطور الاسعار. فقد تحدث عن الرسوم من حيث اصنافها، وكيفية فرضها، وتأثيرها على الناس[27]. وقد شرح بعض المصطلحات كالطرح وهو ان يشتري الوزير او الاستادار سلعا بأسعار بخسة او يصادر سلعا تحت عناوين جائرة متنوعة، ثم يعيد بيعها من التجار باسعار مرتفعة جدا. وازداد هذا النهج سوءا في العهد الجركسي حتى بات احدى سماته النافرة[28]. جعل من المصادرات عنوانا سيئا في سجل المماليك المثقل بالمظالم فابان مساوءها وتداعياتها على التجار وارباب الحرف وكبار الاداريين، وعلى تطور الحياة السياسية والعسكرية والادارية المملوكية[29]. كانت الرسوم والضرائب تثقل كاهل الناس حتى بلغ بعضهم مستوى الفقر والبعض الآخر ما دونه. وكان غشّ النقود يسبب غلاء بالاسعار وحال من الفوضى الاقتصادية، وللغلاء عند المقريزي اسباب اخرى؛ مثل قلة فيضان النيل او شدته، وان جاء الامران شديدي الوطأة كان الجوع والمرض يعمان حتى:«أكل الناس من شدة الجوع الميتات والقطط والكلاب والحمير، وأكل بعضهم لحم بعض»[30]، بالاضافة الى الجراد الذي كان يأتي على المزروعات[31]، والمطر المتساقط قبل الاوان الذي تعقبه فترة من الحر الشديد كان يخرج دودا كثيرا يتلف المزروعات[32].

3  – نتائج السياسة الاقتصادية: لم تكن نظرته مركّزة على الوضع الاقتصادي المتردي فحسب وان كان الاكثر تعبيرا عن سوء احوال الناس الذين يقنعون بالفتات[33]، ولم تكن تنظيرية نابعة من فراغ، بل امدنا باستمرار، وكلما توفرت له المعلومات، باسعار السلع ارتفاعا او هبوطا مقارنا احيانا بما كانت عليه اسعارها وكيف صارت.[34]ودرس غلاء الاسعار احيانا بشكل بياني من دون ان يجد سببا موضوعيا لإرتفاعها سوى فساد الادارة المملوكية[35]. ولعل من ابرزها دراساته لتطور سعر اردب القمح: فانه كان ينقص نصف سدسه بسبب كلفة سفره واجرة السمسرة، وحمولته، وغربلته، وطحنه[36].

 واعتبر الاحتكار احد ابرز اسباب الغلاء ولا سيما في عهد برسباي الذي فرض على التجار شراء السكر من المتجر السلطاني فقط، كما حظّر على المزارعين زراعة السكر لتبقى احتكارا سلطانيا[37]. وتعدى الامر السكر، الذي هو انتاج محلي، الى احتكار الفلفل المستورد اذ: «أوقعت الحوطة سنة 835/1432 على فلفل التجار بالقاهرة ومصر والاسكندرية…  ورسم بان يكون الفلفل مختصا بمتجر السلطان.»[38] وفي هذا الاطار درس احيانا موازنة الدولة كما في عهدي اسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون[39]، وبرقوق[40]. وهي لعمري دراسة مالية متقدمة جدا، تنمّ عن وعي تام للوضع الاقتصادي والفساد الاداري.

ان استنزاف المماليك للطاقات الاقتصادية من جراء فرض الرسوم والضرائب الجائرة، وطرح السلع على التجار، ومصادرة ممتلكات ارباب الاقتصاد والادارة واموالهم جعل ارباب المعرفة بالاقتصاد، يأنفون من تولي المناصب الادارية الاقتصادية كالوزارة وديواني الخاص والمفرد، والاستادارية[41]. والمقريزي، الى ذلك، درس بجلاء بنية الاقتصاد المملوكي المتردي محذّرا من ان استمراره سيؤدي الى اضعاف الدولة وسقوطها.

ج – موقفه من الادارة: لقد خبر المقريزي الادارة المملوكية عن كثب، اذ تولى الحسبة والقضاء، وادرك مدى اهتراء اهل الرأي في الادارة، ومدى ترددهم باتخاذ القرارات المسؤولة، ومن ثم التراجع عنها اكراما لهذا الامير او ذاك، او تقرب السلطان من مسببي القلق السياسي في دولته، علّه بهذا الاكرام يتّقي شرهم.

وما عاد معظم اصحاب الوظائف الديوانية او المتعممين على اختلاف مراتبهم بمن فيهم قضاة القضاة، والقضاة يمارسون وظائفهم بنزاهة، بل صاروا في خدمة السلطان وكبار امرائه، لأن وظائفهم صارت تشرى بمال حتى باتت الرشوة عنوان العهد الجركسي[42].  وساهمت معرفة بعض السلاطين الجركسة المتواضعة بالعلوم الدينية في افساد النظام القضائي كما حصل في المجلس الذي عقده المؤيد شيخ لقضاة القضاة الاربعة ومشايخ العلم، وقد تنّدر به المقريزي قائلا: « فكان مجلسا بغاية القبح، من اهانة الهروي وبهدلته. »[43] وهو يسوق مثالا على هذه الاوضاع الشاذة اسناد الحسبة عام 808/1406 الى احد باعة السكر، معلّقا على ذلك:« فكان هذا من اشنع القبائح وأقبح الشناعات ».[44] ويروي ان أقبغا الجمالي « سعى في الاستدارية على ان يحمل عشرة آلاف دينار »[45]. وأضاف السلطان عام 835/1432 الى كاتب السر الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ الوزارة ويعلّق على هذه الحادثة متحسرا:« ولم يقع مثل ذلك في الدولة التركية… وباشر مع بعده عن صناعة الانشاء وقلة دربته بقراءة القصص والمطالعات الواردة من الاعمال. غير ان الكفاءة غير معتبرة في زماننا، بحيث ان بعض السوقة ممن نعرف ولّي كتابة السر بحماه على مال قام به.»[46]

د -المجتمع:

1 -المجتمع القلق: لربما يكون مؤرخنا قد ركز على هذا المجتمع غير المطمئن لشدة الصراعات الدامية بين طوائف المماليك وامرائهم مما كان يؤدي الى غلاء في الاسعار، واغلاق للاسواق ونهبها، وخطف الناس من الطرقات، والتعدي على الرجال والنساء في الحمامات[47]. وكثيرا ما كان سبب الفتنة تافها كاشاعة كاذبة، او خلاف مؤقت بين اميرين لا يلبثان ان يتصالحا[48]. ولم يكن لذلك المجتمع القلق هوية فكانت احداثه ومظاهره متشابهة في كل مكان: في القاهرة اوحلب او دمشق، على الرغم من تغيّر الظروف في كل منها. وكان المقريزي شديد الحساسية تجاه هذه التصرفات الخارجة على الاطر الدينية والاخلاقية، التي كانت تهدد حياة الناس ومصالحهم في كل وقت وتقض مضاجعهم، من دون ان يعمل المماليك على حلها جذريا، لأنهم كانوا مسببيها.

وشكلت الحرائق احدى عوامل القلق الاجتماعي والامني لما كانت تسببه من اضرار بالغة من دون ان يُعرف اجمالا مسببوها[49]. وكذلك كانت حال المناسر التي تشتد احيانا[50]. وعرض مؤرخنا للاوبئة والامراض ومسبباتها ونتائجها، ذاكراً بعض اسماء النباتات والفواكه المستخدمة كأدوية في معالجتها، محددا اسعارها، متحسّرا بسبب عجز عدد وافر من الناس عن شرائها[51]. وكان الطاعون الاشد فتكا بين الاوبئة. وصوّر حالة الناس وارباب الدولة عندما كان الوباء يشتد فيعجز الاطباء عن الحد من انتشاره وعن شفاء المرضى، فكانوا امام هذا العجز يلوذون بالصلاة والصيام مدة ثلاثة ايام، او يخرجون للصلاة  في الصحراء [52].

2- الملابس: واستكمالا للنظرة الكلية الى لمجتمع لم يغفل عن وصف الملابس، محددا مستوى ملابس كل فئة من فئات المجتمع المملوكي وانواعها، ذاكرا اسباب منع ارتداء بعض الازياء واستبدالها بأخرى فتصبح (موضة)[53]. ويمكن للباس ان يشكّل بطاقة هوّية لبعض الموظفين. فاذا كانت للمماليك على اختلاف مراتبهم ألبسة محددة لكل فئة ومنزلة، فانه كان لكل درجة من المتعممين لباسها المميز:«خلع على شمس الدين محمد الهروي واستقر قاضي للقضاة… فغيّر زيّه، وهذه المرة الرابعة في تغيير زيّه، فانه كان اولا يتزيّ بزيّ العجم، فلبس عمامة عوجاء بعذبة عن يساره. فلما ولّي القضاء لبس الحبة، وجعل العمامة كبيرة، وأرخى العذبة بين كتفيه، فلما ولّي كتابة السر تزيّ بزيّ الكتاب وترك زيّ القضاة وضيّق اكمامه، وجعل عمامته صغيرة مدورة ذات اضلاع، وترك العذبة، وصار على عنقه طوق ولبس الذهب والحرير»[54]

3 -اللهو والاحتفالات: تناول «السلوك» انواع اللهو[55]، والاحتفالات الدينية والدنيوية التي كان يعبق بعضها بالفسق والفساد[56]، من دون ان يهمل  المغنين ونشاطاتهم[57]. ومدنا بنماذج عن مهر الزواج[58]. واعتبر ان الخمرة من المساوئ الاجتماعية متحدثا عن اسباب ابطال الخمّارات واهراق الخمور[59].

ه  – موقفه من الذمييّن: لم يقتصر مجتمع المقريزي على حياة المسلمين فقط انما أرّخ ايضا لعلاقة اهل الذمة بالمسلمين عموما واركان الحكم خصوصا. وكان ينحاز الى جانبهم عندما يظلمون، ويهاجمهم عندما كانوا يخطئون، مبديا ملاحظات قيمة حول علاقاتهم الاجتماعية. فذكر ان الشروط العمرية طبّقت عليهم مرات عديدة[60]، ومنعوا مرات كثيرة من شغل الوظائف الحكومية او التي طردوا منها، متطرقا الى الاسباب الموجبة، وهي برأيه غير مطلقة بسبب تضارب مواقف الفقهاء منها بين مؤيد ومعارض[61]. ويأسف لهدم عدد كبير من الكنائس لأنه كان يتم مرارا، من دون مبرر ديني او مسوّغ قانوني[62]. وتحدث عن بعض المسيحيين ممن تحوّل الى الاسلام قسرا، وبعض الذين ارتدوا مجددا الى المسيحية تكفيرا عن ذنوبهم غير آبهين بالمصير المحتوم الذي ينتظرهم[63].

وهكذا نلاحظ ان نظرة المقريزي الى التاريخ تناولت معظم جوانب الحياة السياسية والعسكرية، والادارية، والاقتصادية، والاجتماعية؛ قبيحها وجيّدها. فيتبدّى لك  مجتمع المماليك في ” السلوك” مجتمعا متحركا نابضا بالحياة. وقد يكون لرصيد ثقافة المقريزي الدينية، وحسّه الاجتماعي المرهف، واخلاقه الحميدة ما جنّبه الانجرار في مسار الفساد الجارف الذي ساد عصره، لا بل غدا ابرز سماته السيئة. ولست أغالي اذا اعتبرت ان هذا الرصيد برز في موقفه من ثقافة المماليك العامة في مختلف الميادين، ومن نقده اللاذع لممارساتهم غير المبررة دينيا وانسانيا. واعتقد انه تناول كل ذلك من اجل تقويم المفاسد والمساوئ، لأن في التاريخ عبراً.

د -موقفه من المماليك: لعل محور نظرته تركّز على موقفه من المماليك سلطانا وأمراء وأجنادا، فقد انصفهم عندما كانوا يستحقون الانصاف، وهاجمهم في غالب الاحيان لانه اعتبرهم مصدر المساوئ الادارية والاجتماعية والاقتصادية بسبب سوء تصرفاتهم، وشرههم للمال، وتصارعهم على المناصب الرفيعة، واهمالهم الرعية. وتعبيرا عن موقفه هذا، وسمهم بشتى انواع النعوت غير الحميدة، وسأكتفي بالاشارة الى بعضها: فقد ذكر في حوادث سنة 648/1251:” كثر ضرر المماليك البحرية بمصر، ومالوا على الناس وقتلوا ونهبوا الاموال، وسبوا الحريم، وبالغوا بالفساد، حتى لو ملك الفرنج ما فعلوا فعلهم”[64]. وتعليقاته على سوء تصرف المماليك كثيرة جدا، وقد اعتبرها غضبا من عند الله ليتم امره فيهم، كقوله بالامير يلبغا الجوباتي ابان صراعه مع الامير برقوق العثماني (السلطان لاحقا):” وكان الامير يلبغا لأمر يريده الله قد شحّت نفسه، وساءت اخلاقه… “[65].

وتحوّلت كثرة الفتن ومحاولة اخمادها وبالا على سكان المحلة او المنطقة التي كانت مسرحا لها: اذ كانت تنهب القرى نهبا قبيحا، ويسطى على المواشي، ويتم التعدي على النساء، وتعذيب من يظفر به المماليك حتى يطلعهم على ما عنده من علف وغيره[66].

ويغتنم المقريزي كل فرصة سانحة ليعبّر عن سوء تصرف اي سلطان او امير فيوجّه اليه اشد النقد قساوة، شأن تعليقه على موت السلطان الناصر فرج بن برقوق الذي طرح على مزبلة، عاريا الا من سروال يستر عورته:«وغوغاء العامة تعبث بلحيته ويديه ورجليه طوال نهار السبت، نكالا من الله، فإنه كان مستخفّا بعظمة الله سبحانه، فاراه الله قدرته فيه»[67]. واضاف مقوّما عهده السئء قائلا:« وكان الناصر هذا أشأم ملوك الاسلام، فانه خرّب بسوء تدبيره جميع اراضي مصر والشام… وَطرق ديار مصر الغلاء من سنة ست وثمان مائة، فبذل امراء دولته ومدبروها جهدهم في ارتفاع الاسعار… وأفسدوا مع ذلك النقود بإبطال السكة الاسلامية من الذهب… ورفعوا سعر الذهب حتى بلغ الى مئتين واربعين كل مثقال بعدما كان بعشرين درهما… وأخذت على نواحي مصر مغارم تجبى من الفلاحين في كل سنة، واهمل عمل جسور اراضي مصر… وأكثر وزرائه من رمى البضائع على التجار…  بأغلى الاثمان…  هذا مع تواتر الفتن واستمرارها بمصر والشام… »[68]. واعتقد ان رأيه هذا يحدد بكل دقة نظرته الى المماليك.

وعليه، جاءت نظرته افقية من جهة لأنها تناولت معظم النشاطات الانسانية في المجتمع المملوكي من دون ان تتعامى عن المساوئ، وعمودية تحليلية من جهة ثانية لأنه  درس حالات متعددة للموضوع الواحد قبل اصدار حكمه او رأيه به. ممّا اعطاه فرادة بين مؤرخي العصور الوسطى ليكون رائد مدرسة جديدة في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي المرتبط عضويا بالتاريخ السياسي والعسكري.

II- اسلوبه التأريخي:

أ–   التأريخ الحولي وموقف المقريزي من الخبر:

1 -وفاؤه لصورة الخبر التقليدية: جريا على منهج التأريخ ظل المقريزي غالبا وفيا  للمفهوم التقليدي للخبر، فحصره ضمن اجزائه السنوية الموزعة على ايام او اسابيع وربما شهور تبعا لمقتضى المدة الزمنية للحادثة-الخبر. واذا لم يكن تاما ضمن مدد وجيزة قطّعه الى اجزاء خصوصا اذا تجاوز السنة الواحدة،  رابطا بين هذه الاجزاء بالمصطلاحات التقليدية: « وفيها حدث كذا » او « ورد الخبر من عكا »[69]، او « في اليوم كذا من شهر كذا فوّض القضاء الى »[70] … لاتمام الخبر عينه من دون ان يربطه سببيا بما كان قد حدث الا في حالات يعود اليه وحده امر تقديرها، اما لأنها ترتبط بحدث مهم جدا، او تتعلق ببعض الامور الاقتصادية، كما سيتضح لاحقا.

2 -عطف الخبر على ما سبقه: فعلى الرغم من وفاء المقريزي بوجه عام للصورة التقليدية للخبر فانه عطفه على خبر سابق او اكثر، ذاكرا احيانا اسبابه البعيدة، كما في ذكر دوافع هجوم السلطان قلاوون على عكا: خرق الصليبيون المعاهدة التي كانوا قد وقعوها مع السلطان بيبرس، وقتلوا التجار المسلمين وصادروا بضائعهم [71].

ويزداد هذا المنهج وضوحا باقتراب المقريزي من التأريخ لعصره، لأن الصورة، على ما أعتقد، باتت أكثر جلاء في ذهنه والاحداث في متناول يده يتابعها عن كثب، اما بالاطلاع الشخصي المباشر، او باخذها من شهود عيان موثوقين.

3 –: ونجد في «السلوك» نمطا آخر من التدوين كالخبر كالمستقل بذاته والهادف الى رؤية أحادية متكاملة لموضوع محدد باسبابه البعيدة ونتائجه المباشرة، كما في تعداده الاسباب التي دفعت السلطان الناصر محمد بن قلاوون الى عزل الامير تنكز نائب الشام وما ترتب عليها من مصادرة امواله[72]. او تلك التي ادت الى خلع السلطان احمد بن محمد بن قلاوون: ومنها ان صَحْبُه ورسله كلهم كانوا من اوباش الكرك، جاءوا معه الى القاهرة، وأكثروا من اخذ البرطيل، وتسلطوا على الوزير، وحجبوا السلطان عن الامراء. ومنها ايضاجمعه الأغنام من الصيد بطريقة مريبة وتلك التي كانت لوالده ولبعض الامراء؛ واستيلاؤه على الحيوانات النادرة من الحوش السلطاني، واستيلاؤه ايضا على ذهب وفضة من شعائر السلطنة ومن اللجم… وسلبه ما كان لجواري والده من ذهب ومصاغ؛ ومصادرة نساء الامراء الذين أمر بقتلهم[73]. وهناك امثلة كثيرة على هذا النمط من التأريخ منتشرة على صفحات «السلوك» مثل اسباب مقتل غرلو شاد الدواوين[74]

4تعليل الحوادث: على الرغم من تفتيته الخبر على الطريقة التقليدية اذا تجاوز اليوم الواحد، فانه حلل بعض الحوادث وعللها، كما في تأريخه لضَيَاع المماليك السلطانية بعد عودة الناصر محمد الى العرش للمرة الثانية: قويت البرجية بقيادة بيبرس الجاشنكير الاستادار، وكانت تقابلها الاشرفية والمنصورية بقيادة نائب السلطنة الامير سلار، وشاركهما الامير برلغى الذي إلتفت الاشرفية حوله، فاصبح للمماليك السلطانية ثلاثة معسكرات متناقضة مما سمح للناصر محمد بالعودة الى الحكم[75]. والامثلة عديدة على هذا النمط كما في تعليله للتضخم النقدي.

 ويتكرر هذا المنهج التحليلي الاستنتاجي بوضوح عند المفاصل التاريخية المهمة كما في التحليل الرائع لشخصية الامير برقوق العثماني واسلوبه بالتمهيد لاعتلاء العرش[76].  وانظر في السياق عينه تحليله الرائع لتصرفات الناصر فرج بن برقوق السيئة، وموقفه منها[77]. واعتمد هذا النمط لابراز نتائج الاحداث المهمة، من دون ان يذكر انها نتائج، فأتت مكملة للحدث بل جزءا منه، وهي نتائج اقتصادية، وعسكرية، وادارية وسياسية، واجتماعية، كما في كلامه على تطور معركة وادي الخازندار[78].

ويحتل التحليل والتعليل منزلة مهمة في الحوادث التي عاصرها المقريزي، خصوصا تلك التي كان يستاء منها، وتؤذي الناس، من اجل توضيح الصورة السيئة للعهد الجركسي لأن الايجابيات المملوكية قليلة في « السلوك»؛ مما جعل منهجه فذا على هذا المستوى.

5 – التركيز على وحدة الموضوع: نجد في السلوك نمطا آخر من التأريخ الحولي، المبني على وحدة الموضوع حيث تضطرد الاحداث بشكل متلاحم وتتلاقى فيها الاسباب بالنتائج؛ فتجاوز المقريزي هكذا المنهج الحولي التقليدي الذي يمزق الخبر بالاستطرادات المتكررة الناجمة عن ذكر الحوادث اليومية[79]. ومن ابرز نماذجه اخبار الناصر محمد بن قلاوون منذ خروجه من مصر وتنازله عن العرش، وحلول بيبرس الجاشنكير مكانه، وحتى عودته الى العرش، ونتائج هذه العودة. ويبيّن هذا النمط مهارة المقريزي التأريخية[80]. ويشكل تأريخه للفيداوية، من حيث علاقتهم بالسلطان الناصر محمد بن قلاوون ونوابه، نموذجا صارخا لتماسك المعلومات وتمحورها حول موضوع واحد متماسك من دون ان يتوزّع على الايام والشهور[81].

6 – تقويم الحالة العامة في البلاد: وبدءا بالعام 755 صار المقريزي يستهل اخبار السنة الجديدة بذكر السلطان القائم وأكابر رجال دولته، ليعود الى متابعة الاحداث التي كان قد بدأها في السنة المنصرمة خلافا لما كان قد درج عليه باتمام الخبر عينه في السنة الجديدة، من دون ان يستهلها بذكر السلطان القائم وكبار رجال دولته.

ومن معالم التجديد البارزة عند المقريزي تقويمه الحالة العامة في الدولة في مستهل بعض السنوات، وهي ميزة رائعة لا نجدها عند سواه. وتنمّ في الوقت عينه عن تمرّد نفسي على الحكام المماليك وتقريظ لهم لشدة ظلمهم وسوء تدبيرهم، كما استهلّ اخبار سنة 828/ 1425:« واسواق القاهرة ومصر ودمشق في كساد، وظلم ولاة الامر من الكشاف والولاة فاشٍ، ونواب القضاة قد شنعت قالة العامة فيهم من تهافتهم. وارض مصر أكثرها بغير زراعة، لقصور مد النيل في أوانه، وقلة العناية بعمل الجسور، فان كشّافها انما دأبهم اذا خرجوا لعملها ان يجمعوا مال النواحي لأنفسهم واعوانهم. والطرقات بمصر والشام مخوفة من كثرة عبث العربان والعشير. والناس على اختلاف طبقاتهم قد غلب عليهم الفقر. واستولى عليهم الشح والطمع، فلا تكاد تجد الا شاكيا مهتما لدنياه. واصبح الدين غريبا لا ناصر له. »[82]. وكان يستهل بعض الاشهر بتقويم الوضع العام ولا سيما الاسعار التي كانت تشكّل بنظره معيارا لسلبيات الحكم او ايجابياته مظهرا تداعياتها على الفقراء[83]

ويشكل اختتام المقريزي لبعض السنوات بتقويم عام ميزة جديدة بل فرادة اختص بها، كما ختم عام 833/ 1430:« كانت ذات مكاره عديدة من اوبئة شنعة، وحروب وفتن، فكان بأرض مصر وبالقاهرة… وباء… وغرق ببحر القلزم… وغرق بالنيل… وكان ببلاد المشرق بلاء عظيم وهو ان شاه رخ بن تيمور… وكان ببلاد السراي والدشت وصحارى القبجاق… قحط شديد… وكان ببلاد الحبشة بلاء لا يمكن وصفه… اما بلاد المغرب… »[84].

ب – التراجم: كان يتوسع بترجمة السلاطين الذي احسنوا ادارة الدولة من امثال الناصر محمد بن قلاوون، حتى باتت ترجمته تختصر عهده الزاهي[85]. وترجم للسلطان برقوق متحدثا عن حسناته، واشاد به لأنه ألغى الكثير الكثير من المكوس، ولتقديره الفقهاء ورجال الدين عموما، ولإكثاره من المنشآت العمرانية. ولشدة اعجابه به تناول موازنة الدولة في عهده، وقيّم موجوداته[86]. ولم تمنعه تلك  الاشادة من ذكر سيئاته وتداعياتها كشدة نهمه للمال حتى حذا كبار أمرائه حذوه وصار البرطيل عرفا، بل عنوان عهده؛ وابرزانتشار لواط الغلمان الذي اصبح عادة في عهده حتى تشبهت بهم  البغايا[87].

والملفت للانتباه انه لم يفرد لبعض السلاطين ترجمة خاصة بهم في نهاية عهد كل منهم، بل ذكرها باقتضاب بين تراجم وفيات العام الذي توفي فيه كل واحد منهم، وقد تكون ترجمة السلطان برسباي ابرز هذا النمط الجديد. ولعل مرد ذلك الى الصفات السيئة التي اتصف بها بسبب احتكاراته وبخله:« كان له في الشح والبخل والطمع، مع الجبن والجور وسوء الظن ومقت الرعية… وسرعة التقلب بالامور وقلة الثبات اخبار لم نسمع بمثلها. وشمل مصر وبلاد الشام في ايامه الخراب، وقلت الاموال بها، وافتقر الناس، وساءت سيرة الحكام والولاة…  »[88]. ويعكس مجموع هذه التراجم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية في عصر المماليك، وتشكل تاريخا مختصرا للحقبة التي تناولها «السلوك».

ان منهج تقي الدين احمد المقريزي من أكثر مناهج المؤرخين المسلمين تنوعا من حيث الشكل، فقد تمتّع بخصائص طبعت «السلوك» وميزته من غيره من مؤلفات العصر المملوكي. وتتلاءمت اجمالا مع نظرته التاريخية التي شكلت لبّ منهجه، وقد تفوّق بها عموما على ما عداه من مؤرخي العصور الوسطى، ممّا أعطاه فرادة بينهم تنمّ عن عمق في التفكير قلما نجد له نظيرا، وشغفٍ بالنواحي الاقتصادية بمحاولات دؤوبة صوّرت واقع الحياة الاجتماعية. وقد قال فيه تلميذه ابن تغري بردي:«هو اعظم من رأيناه وادركناه في علم التاريخ ودروبه، مع معرفتي لمن عاصره من علماء المؤرخين، والفرق بينهم ظاهر، وليس في التعصّب فائدة» [89].


[1]

[2]– ابن تغري بردي (جمال الدين يوسف)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تحقيق ابراهيم علي الطرخان، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ج15، ص 490 و السخاوي، الضوء اللامع لاهل القرن التاسع، ج2، ص22

[3]– كثيرون ترجمو لجدي المقريزي لأمه ولأبيه، ومنهم المقريزي نفسه، السلوك لمعرفة دول الملوك، ، ج2، ق1، ص 365 .وابن حجر العسقلاني (احمد بن علي)، الدرر الكامنة في اعيان المائة الثامنة، دار الجيل، بيروت، دون تاريخ، ج2، ص 391 

[4]– لمزيد من الاطلاع انظر: عز الدين علي (محمد)، اربعة مؤرخين واربعة مؤلفات، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، 1992، ص 161-163 حيث اسهب في ذكر تراجم الاشخاص الذين تثقف عليهم

[5]-المقريزي، سلوك، ج2، ق1، ص 365

[6]– وقد توسع عز الدين علي بالترجمة لمن اخذ عنهم العلم، المرجع السابق، ص 164- 168

[7]– انظر حول ترجمة المقريزي: السخاوي، الضوء اللامع، ج2، ص 21-24، ابن تغري بردي، المنهل الصافي، ج1، 394-399،

[8]– عز الدين علي، اربعةمؤرخين، ص172

[9]– انظر حول وظائف المقريزي الحاشية رقم 7 ولا سيما السخاوي، الضوء اللامع، 2/22

[10]– السخاوي، الضوء اللامع، 2/22

[11]– السخاوي، الضوء اللامع، 2/22، المنهل الصافي، 1/397

[12]– انظر الحاشية السابقة

[13]– انظر ترجمة المقريزي في الضوء اللامع، والمنهل الصافي، واربعة مؤرخين واربعة مؤلفات، ص 127- 218

[14]– المقريزي، سلوك، 2 ق3/567-580

[15]– المصدر السابق، 3، ق3/960 وما بعد ولا سيما 1136 وما يليها

[16]– المقريزي، السلوك،  4، ق3 /1072- 1081

[17]– المقريزي سلوك، 4، ق3 / 1127

[18]– المقريزي، سلوك، 4، ق2/906

[19]– شيني اي سفن كبيرة، قرقورة وهي سفن كبيرة تستخدم بتموين الاسطول، الغراب لأن رأس السفينة يشبه الغراب وهو يحمل المقاتلين ويسير بالقلع، وطريدة وهي مركب خفيف وسريع، وشختورة وهي سفينة ضخمة.المقريزي سلوك، 3، ق1/149

[20]– انظر نماذج عنها في: السلوك، 1 ق3/920-922 و 2، ق3/804، 917، و4، ق1/319، 396 …

[21]– المقريزي، سلوك، 2، ق1/205،  2، ق3 /669 وغيرها كثير جدا

[22]– المقريزي، سلوك،3، ق3/1131- 1132

[23]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/27-29

[24]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/27-29

[25]– المكان عينه

[26]– المقريزي، سلوك 4، ق1/305-306 . ويعلّق على غش النقود وعلى عدم التداول بها بان الادارة لم تكن تثبت على أمر فحينا تمنع امرا ما ثم لا تلبث ان تتغاضى عن المنع ضاربا مثلا على النقود الاشرفية :” فلما نودي بالمنع منها عاد الامر كما كان، فخسر الناس عدة خسارات، وأخذت الباعة وغيرها بجمعها – اي الاشرفية – لتتربص بها مدة، ثم تخرجها شيئا فشيئا، لعلمهم ان الدولة لا تثبت على حال وان أوامرها لا تمضى .” سلوك، 4، ق2/ 852

[27]– ان ابرز الرسوم التي ذكرها هي: ساحل الغلة، نصف السمسرة، مقرر الحوائص والبغال، مقرر السجون، طرح الفراريج، مقرر الفرسان، مقرر الاقصاب والمعاصر، رسوم الافراح، حماية المراكب، حقوق القينات، وشد الزعماء، حقوق النوبة والسودان، متوفر الجراريف، مقرر المشاعلية، ثمن العبى التي كانت تستأدى من البلاد، مقرر الاقبان، زكاة الرجالة. سلوك، 2، ق1/150-152

[28]– المقريزي، سلوك، 2،ق2/439، 444، و3، ق2/55، و 4، ق2/801، 4، ق3/1127 وغيرها

[29]– المقريزي، سلوك، 2، ق2/358، 361، 370، 384، 431. وقد طالت هذه المصادرات مباشري المعاصر والدواليب بحجة زغل السكر والعسل 2،ق2/419 واموال الايتام وتمت معاقبة القضاة الذين كانوا يدافعون عن اموال الايتامسلوك،2، ق2/432، كما كانت المغنيات تصادر بذرائع متنوعةسلوك، 2، ق2/836، وكان كبار الامراء يصادرون بدورهم بسبب تآمرهم او غير ذلك كما كانوا سيغرمون اموالا وهذا الامر يعتبر مصادرة، سلوك، 3، ق3/1141

[30]– المقريزي، سلوك،1، ق3/810، 814

[31]– المقريزي، سلوك،2، ق3/702

[32]– المصدر السابق، 4، ق3/1098

[33]-المقريزي، سلوك، 1، ق1/130-134، 200

[34]–  المصدر السابق،1، ق2/446 وق3/717-718

[35]– المعلومات وفيرة حول هذه الناحية واليك بعض الصفحات:سلوك، 3،ق3/982، و1100، 1133-1135

[36]– المقريزي، سلوك، 3، ق3/1132-1135

[37]-المقريزي، سلوك، 4، ق2/647،654، 766

[38]– المقريزي، سلوك، 4، ق2/869

[39]–  المقريزي، سلوك، 2، ق3/665، 671

[40]– فذكر فيها مقدار الذي تركه حين وفاته، وقيمة ومقدار المخزون عنده من مختلف الاصناف، وعدد الخيول والجمال في اصطبلاته، ومقدار جوامك مماليكه الشهرية، وعليق خيولهم، سلوك، 3، ق2/938

[41] – المقريزي، سلوك،2، ق3/918-919

[42]– المصدر السابق، 1، ق2/538 – 540، 542، و2، ق2/439-443

[43]– وقد حضر هذا المجلس ابن مغلي قاضي قضاة الحنابلة الذي سأل قاضي قضاة الشافعي عن اربع مسائل وهو يجيبه فيقول له اخطأت، وتدخل قاضي قضاة الحنفية لصالح الاول وراح يشتم الهروي قاضي قضاة الشافعية ثم قال: ” يا مولانا السلطان اشهدك على اني حجرت عليه الاّ يفتي.” سلوك، 4، ق1/479- 485

[44]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/11

[45]– المقريزي، سلوك،4، ق2/ 866-867

[46]– المقريزي، سلوك، 4، ق2/ 870-871

[47]– المصدر السابق، 1، ق2/38

[48]–  نفسه،3، ق3/1018 والنماذج كثيرة

[49]– 3، ق1/27-28، 4، ق2/892

[50]– تخوف الناس من منسر انعقد بالقاهرة، وكان اعضاؤه يكتبون اوراقا يطلبون فيها اموالا من الاغنياء :« ومتى لم تبعث لنا ذلك كنا ضيوفك » سلوك، 2،  ق3/644، 901_902

[51]سلوك، 3، ق3/1124-1126

[52]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/487

[53]– المصدر السابق، 2، ق3/810-811

[54]– نفسه،4، ق2/670-671

[55]– بحديثه عن لهو السلطان شعبان يتناول حضير الحمام (تربيتها وكشها)، والصراع، والتثاقف، والشباك، وجري السعاة، والنطاح بالكباش، ومناقرة الديوك والقماري.سلوك، 2، ق3/739

[56]– ويتحدث المقريزي عن احد الشيوخ الذي عمل المولد عام 790وقد حدث فيه انواع الفساد :« وفي هذه الليلة عمل الشيخ…المولد على عادته في زاويته …فكان فيه من الفساد ما لا يوصف، الا انه وجد من الغد في المزارع مائة وخمسون جرة فارغة من جرار الخمر التي شربت تلك الليلة، سوى ما حكي عن الزنا واللياطة.” 3، ق2/576 .ويذكر ان المراكب منعت من عبور خليج الحاكمي لكثرة ما كان يحصل هناك من فساد والتظاهر بالمنكر، وتبرج النساء وجلوسهن مع الرجال مكشوفات الوجوه…وشربهن الخمر 2،ق1/29، وتتبع محتسب القاهرة اماكن الفساد بنفسه فمنع النساء من النياح على الاموات، ومنع ايضا التظاهر بالحشيش، وكفّ البغايا عن الوقوف لطلب الفاحشة في الاسواق ومواضع الريب» سلوك، 4،ق1/790

[57]– المقريزي، سلوك، 3، ق2/576 ابرز المقريزي الشهرة التي كان يحظى بها احد المغنين، وبالتالي يمكننا من خلال السلوك التعرف على مشاهير المغنين والموسيقيين2، ق3/715

[58]– المقريزي، سلوك، 2،ق2/333

[59]– المصدر السابق،،ق1/53-54، 211، 4،ق1/486 وغيرها

[60]– المقريزي، سلوك،1، ق3/909-913، 2، ق3/921-927، وذكر ان الشروط العمرية طبقت على اهل الذمة من دون ذكر السبب، سلوك، 3، ق3/1040

[61]– المقريزي،سلوك، 1، ق3/909-913، 2،ق1/226-228

[62]– افتى الفقيه نجم الدين بن رفعة بنهب الكنائس وبوجوب هدمها فعارضه فقيه آخر، وكان تم هدم بعض الكنائس والبيوت في الاسكندرية وبقيت الكنائس في مصر مغلقة مدة سنة كاملة، ولم يتم فتحها الا بشفاعة ملك أرغونة 1،ق3/950، كما ذكر الاعمال الاحتيالية من قبل بعض المتعصبين لهدم الكنائس ما أدى الى هدم عدد كبير منها وكأنه، على حد تعبيره، أمر سلطاني 2،ق1/216-218 .وأمر السلطان برقوق بهدم كنيسة بوالنمرس لأن نواقيسها ازعجت احد المسلمين على حد تعبير المقريزي وحولها الى مسجد. سلوك، 3،ق1/340-341

[63]– بضغط من العامة وتعصبهم تحول عدد من المسيحيين الى الاسلام خوفا على انفسهم على حد تعبيره، سلوك، 2،ق1/226-228، وروى ان بعض المسلمين كان يشتكي للسلطان من ان المسيحيين استجدوا بعض الكنائس فيأمر بهدمها، فيستغل هؤلاء الموضوع لنهب الكنائس= = والاديار وهدم بعضها الاخر وان كان غير مستجد،  ووجه المقريزي لوما للسلطان وغيره من ارباب الدولة على هذا التصرف الاخرق. وكانت هذه الاعمال تؤدي الى تحويل بعض المسيحيين الى الاسلام قسرا.سلوك، 2،ق3/921-927 . وروي ايضا عن قدوم جماعات من المسيحيين ممن كانوا تحولوا قسرا الى الاسلام يشهرون ارتدادهم الى المسيحية تكفيرا عن ذنوبهم لأنهم كانوا قد ارتدوا عنها، فعرض عليهم الاسلام  ولما رفضوه  قتلوا مع النساء المرافقات لهم.سلوك، 3،ق1/372-373

[64]– المقريزي، سلوك، 1، ق2/38

[65]– المصدر نفسه، 3، ق1/130

[66]– المقريزي، سلوك، 4، ق1 /105

[67]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/ 224

[68]– المقريزي، سلوك، 4، ق1/ 225-226

[69]– المقريزي، سلوك، 1، ق2/447

[70]– المصدر نفسه، 1، ق2/448

[71]– المصدر نفسه، 1، ق3/753-754

[72]– المقريزي، سلوك، 2، ق2/509

[73]– المقريزي، سلوك، 2، ق3/618-619

[74]– المصدر نفسه، 2، ق3/735-737

[75]– المقريزي، سلوك، 1، ق3/875-876

«وخلا الجو للأمير الكبير، ورأى انه قد أمن، فانه لما أخذ الامرة في ايام أينبك كان معه في ضيق، لأن نفسه تريد منه ما لا يؤهل له. فلما زالت دولة اينبك… وصار هو والامير بركة يتنازعان الامور، ولا يقدر على عمل شيء الا بمراجعة بركة حتى كان من امره ما ذكر، فصارت المماليك الاسياد يريدون التوثب عليه وهو يداريهم جهده، حتى وثب بهم، وأخذهم، فلم يبق له معاند، وصار له من المماليك الجراكسة عدد كبير… فرقاهم الى ما لم يخطر لهم ببال، وانعم على جماعة بامريات المقريزي، سلوك، 3، ق2/474

[77]– المقريزي، سلوك، 3، ق3/1176-1178

[78]– المقريزي، سلوك، 1، ق3/897-904

[79]– انظر مثلا مقتل الاشرف خليل وتتابع الاحداث حتى اعلان سلطنة الناصر محمد بن قلاوون، سلوك،1،ق3/788-798، وانظر ايضا في السياق عينه سلطنة لاجين فهروبه حتى اعتلاء كتبغا العرش، نفسه، 1، ق3/820-827

[80]–  المقريزي، سلوك، 2، ق1/53وما بعد

[81]–  المصدر نفسه،2، ق3/554-558

[82]– المقريزي، سلوك، 4، ق2 /678، وانظر نمازجا اخرى: نفسه، 4، ق2/ 705، 734 …

[83]– المصدر السابق، 4، ق2/804 وغيرها كثير

[84]– نفسه، 4، ق2/ 836-841

[85]– المقريزي، سلوك، ج2، ق2، ص524-548

[86]– المقريزي، سلوك، 3، ق2 /937-947

[87]– المقريز،سلوك، 3، ق2/ 626 – 618

[88]–  المقريزي، سلوك، 4، ق3/ 1066

[89]– ابن تغري بردي، نجوم، 15/491

استاذي الكبير

ان نقولا زيادة المؤرخ والمفكر يعرفه ،بتفاوت، معظم رجال الفكر والثقافة في العالم العربي ورواد التأريخ في العالم. اما نقولا زيادة الانسان فكان حكرا على اهله واصدقائه وجلَهم من اعلام المعرفة والثقافة في كل ميادينها، وكان لكل منهم منزلة عنده احتفظ لنفسه بمعيار ترتيبها، ومن حسن حظي انني كنت من المحظيين المقربين منه، فاعتراني برحيله فراغ هائل رحت اسده بمناجاة صديقي الاعز .

بفقدك يا استاذي الكبير تفاعلت في حنايا روحي عواطف متنوعة؛ تآكلني الحزن وساد نفسي ضباب اسود حالك ضاق به صدري. وفي غمرة هذا الجو الكئيب استذكر جلستنا الاخيرة التي سبقت وفاتك باسابيع ثلاثة؛ وعلى رغم من انك كنت بكامل وعيك فقد اعتراني هاجس انها قد تكون جلستنا الاخيرة، تحدثنا فيها عن الايمان والدين وتأثيرهما على حياة البشر وسلوكهم. استذكرها باجلال واحترام، ودمعة خجولة تأبى التدحرج من مآقي عيني لاقول لك مودعا: هناك عند بلوغ روحك المشبعة بالايمان حدود الفجر الجديد، في حضرة الله، لم تتركني وحدي بل ذخّرتني بدروس وعبر وصور من الماضي ما زلت لا اعرف فيما اذا  كان استحضارها ستؤاسيني ام ستزيد في غمي اسى. تلك كانت محطات تنوعت مسالكها وعبرْتُها بمعيتك، وخزّنتها في اعماق ذاكرتي، استمد منها زادا في اجتيازي دروب الحياة المتعرجة، وفي رؤيتي لفلسفة الوجود، وفي منهجي كمؤرخ تتلمذ على يديك.

ألوذ بالذكريات وأفعّلها مخافة ان يخبو بعضها في صناديق النسيان فاخسر من جكمتك الخير العميم. فانا في حياتك قلّما احتجت الى تفعيل  ذكرياتي لأننا كنا على تواصل مستمر اغرف مباشرة من مخزونك المعرفي الغني جدا بما خبرته من تجارب عمرك المديد، ومعارف شديدة التنوع تراكمت خلال قرءآتك العلمية ومؤلفاتك الوفيرة. كانت لقاءاتنا، على وفرتها، تكسبني في كل مرة معرفة جديدة، وتوقظ في رؤيتي اسئلة فضولية اجهد للاجابة عليها. فكانت يتعمق تفكيري بما كتبت فاعيد صياغة بعضه واصوّب ما كان قد فاتني.

لقد زهوت بل فاخرت في محتطين اثنين على مدى علاقتي بك: الاولى عندما تبنيتني علميا واخذت بيدي مرشدا موجها مناقشا لابحاثي وبعض مؤلفاتي. والان بعد غيابك الجسدي استعرض بعض مفاصل المرحلة الاولى واستهلها باستقراء الاعوام الثلاثة والثلاثين الماضية التي جمعت بيننا والتي بدأت سنة 1973 يوم دخلت دكانك الذي اسميتَه “ديار الشام في عهد المماليك” لاحضّر شهادة الماجستير. بدوت شديد الوقار، عبوسا. استحوذت علينا علميا نحن الستة والعشرين طالبا بمحاضرتك الاولى بما حفلت به من توجيه علمي واكديمي، وبالكثير من المعلومات الموثقة بالتواريخ، من دون ان تستأنس بورقة او كتاب، معوّلا على ذاكرتك التي قل نظيرها وهي استمرت وفيّة لك حتى يوم رحيلك.

اسست تلك السنة بداية لمرحلة جديدة في حياتي، شرعت اتعرّف خلالها الى نقولا زيادة الانسان؛ انتهى عبوسك بعد ان استقر في الصف تسعة طلاب جعلتَ منا اخوة يرعاهم أب حازم، خلوق، موجه. لم تعد غرفة الصف المكان المفضل لإلقاء المحاضرات بل تحولت الكافبتيريا او اي مكان جميل في الطبيعة الى صف جديد. وكانت الحصة تجاوز الساعتين من دون ان ندري. وأظنّك تذكر كيف حوّلتنا نحن طلابك الى محاضرين بعد ان رميت كل واحد منا باحد كبار مؤرخي المماليك ليدرس منهجه ومضمون مؤلفه، فكان نصيبي القلقشندي باجزائه الاربعة عشر، وما كنت قد سمعت به قبلا. وصار لزاما على كل منا ان يحاضر، وعلى الآخرين مناقشه. فاكسبتنا الجدية في العمل، والصبر على المصاعب، والثقة بالنفس. وعلمتنا احترام ذواتنا بعد ان انّبت احدنا بكثير من التهذيب والفعالية في آن لأنه حاول في نقاشه تجاوز الناحية العلمية الى الامور الشخصية، بل لأنه مزج بين الامرين.

ولما شرعت باعداد رسالتي لنيل شهادة الماجستير، ومن بعدها اطروحة الدكتوراه وضعت مكتبتك في تصرفي، وصرت تستقبلني في منزلك كلما احتجت الى ارشاد منك، وكم كنت متطلبا! سامحني الله. ولشدة طيبتك استقبلني مرة، وباصرار منك، في المستشفى حيث كنت تجري فحوصا طبية. فحفرْتَ يا استاذي الكبير تلك الميزات في شخصيتي، ولازمتني مدى تدريسي في الجامعة اللبنانية. نعم كنتَ المثال الذي حاولت الاحتذاء به.

 لقد اكسبتني الكثير من العظات ان جاز التعبير لأنك كنت تحضّني على التعمق بالحضارة العالمية بكل مضاميرها، وتصرّ على ان التاريخ ابرز ركائزها؛ لأنه كان بنظرك غنيا بالمعارف والمواعظ والعبر، وسجل لاحداث وحضارة الماضين، وكنت تشجّع المؤرخين بل تدفعهم للكشف عما كان ما يزال مخفيا منه خدمة للانسانية، ومن ذلك قولك الذي طلما رددته امامي ودونته في احد كتبك: ” في التاريخ العربي قاعات قل داخلوها، وسبل قل طارقوها، وزوايا قل والجوها، وفي هذه القاعات والسبل والزوايا خير كثير، لو انصفها الناس “[1].

 كان يؤلمك الا يفهم التاريخَ القيّمون على الحكم في العالم بتساؤلك التالي: “هل من درس تمليه علينا هذه الاحداث البعيدة؟ هل من رؤية يمكن ان تعكسها تلك الحوادث بانكساراتها وانتصاراتها بآمالها وآلامها بحيث بدل ان نتلفت الى الخلف تحملنا الى التطلع الى الامام؟[2] فانا اترحم على روحك باستمرار ولكنني اليوم ومن خلال اقوالك ولا سيما الاخير استمر اذكرك واتغذى من عمق نظرتك الى الوجود.

 اما المحطة الثانية فبدأت بعيد حصولي على شهادة الدكتوراه عندما عندما اتخذتني صديقا لك، وهذه وان كانت ثمرة للاولى فانها فاقتها مكانة وتأثيرا في نفسي. فانا لن انسى ابدا تبنيك لي علميا واخذك بيدي الى المنتديات الثقافية في العالم العربي، واشراكي بعدد وافر من المؤتمرات العلمية. كنت تزهو بي وكأنك تقول هذا احد ثماري العلمية. ولم تقف الامور عند هذا الحد بل جهدت لتعرّفني باهل الفكر في العالم العربي، خصوصا اولئك الذين كنت تستضيفهم في بيتك الذي تحول الى منتدى علمي. هذا المنزل في الدار الخضراء لن ننساه لا انا ولا اصدقاؤك الاخرون، فهو سيبقى رمزا للعلم واللقائات العائلية، رمزا للصداقة، رمزا للمحبة، رمزا لتجاوز الطائفية البغيضة، رمزا لانقولا زيادة المثقف والانسان.

لن انساك يا صديقي، لأنك جسّدت بحضورك اللافت، وصفاء نفسك، وعطفك الابوي، خير المثل الاعلى الذي اجهد للاحتذاء به. واتسأل في هذا اليوم الجلل فيما اذا كان يصح قول بعض الناس: ان الاموات تسمع من يناجيها، فان كنت تسمعني فاعذر تقصيري بايفئك جقك، وسامح طفولتي في حضرتك.

               انطوان ضومط


[1] – زيادة، نقولا، كتاب، صور من التاريخ العربي ، صفحة الاهداء

[2] – عربيات ، ص 171 .