ندوة ميشال عاصي  

    ادارة د. انطوان ضومط

ان نكرّم مثقفا هي صلاة نرفعها على مذبح الحضارة، فنتماها معه سيرة ذاتية تتوجها هامة ثقافية فذة، هو فعل ايمان بالثقافة ودورها الريادي في محاكاة شعور الناس، هو خشوع للمعرفة واهلها واجلال للفكر. هو تعبير عن ذواتنا في ذاتية المثقف، وتكريم لانسانيتنا في عالم بدأ يفقد معاني الانسانية، انه حضور العقل في عالم الفكر يحفّزنا للكد والجد.

ايها الاصدقاء، ان تكريم المثقف واجب علينا نحن اهل الثقافة لنفيه بعضا من حقه على المجتمع والوطن بل على العالم، بتسليط الضوء على مساهماته الحضارية، وبالتبحر في انتاجه الفكري ليأنسَ في حنايا نفوسنا، ويرتعَ في خبايا عقولنا خميرة تحفّزنا لاكمال دربه وتطوير مرتكزاته  الفكرية. من حقه علينا ان يهدى ابحاثا باقلام مثقفين ارتبطوا به بمنازل وعلائق متنوّعة. انها لعمري اروع هدية تختزن محبة وتقديرا مستديمين

واذا كان التكريم، الذي يحتفل به ارباب الدولة، تخليدا لذكرى المحتفى به فان آليته البرتوكولية الرسمية، على اهميتها، تظل في اطارها الرمزي، ولن تضاهي ابدا احتفالا ثقافيا يجهد المشاركون به في تبيان مساهمات المكرم الفكرية ودورها الحضاري شأن ندوتنا اليوم نتذكر فيها ميشال عاصي، وننحني اجلالا له، لمثقف فذ من بلادي، ونقدم له تحية نابعة من قلب صادق، واقلام بارعة.

ايها الاصدقاء، ولد ميشال عاصي عام 1927 في بيئة مدينية ريفية، في زحلة يوم كانت بعد ترتقي سلم المدينة (لتصبح مدينة) مثابرة على التمسك بمآثر القرية اللبنانية، عاش في بيئة فقيرة تصارع البؤس، وتعارك العوز، وتسرق الاود من الحرمان، ما جعل ميشال عاصي يتنقل بين عدد من مدارس حيه في الحارة التحتا او القريبة منه الى ان استقر في الكلية الشرقية ونال فيها سقف التعليم في البقاع اذاك عنيت (البكالوريا القسم الاول).

وبما ان الطموح حدوده الفراغ دأب ميشال عاصي يجهد لتحقيق ذاته، فلم يقعده الفقر والعوز عن متابعة دراسته، ولم يخجل، تحقيقا لهذه الغاية السامية، من ممارسة اي مهنة شريفة؛ فقد ارتضى ان يكون صبي حلاق وحداد واللحام… عمل ايضا ولثلاث سنوات متتالية سائق سيارات على اختلاف انواعها واحجامها متنقلا بين زحلة وبيروت ودمشق، فجمع مبلغا من المال جعله يعيش صراعا داخليا مريرا: ايركن الى المهنة المحدودة المستقبل بما تدر عليه من ارباح آنية، او ينخرط في عالم الدراسة الرحب المؤدي الى الافق الثقافي اللامحدود؟ وقد قال عن معاناته تلك:” اعتقد ان قدري هو الصراع الدائم بين الغاية والوسيلة، بين الهدف والطريق المؤدية اليه.” فاختار الطريق الاصعب وأللاذَ مذاقا، مزاوجا بين الدراسة ومهنة التعليم فنال البكالوريا القسم الثاني.ثم اجتاز بنجاح امتحان دار المعلمين العالي (كلية التربية الحالية). وادرك ان مهنة استاذ تعليم ثانوي ليست الا محطة يرتاح فيها ريثما يمكنه وضعه المالي مجددا من ارتقاء درجات اضافية على سلم التعلم والثقافة غير المحدودين. ولما اختبر التعليم وجد ان اساليبه وطرقه لا تتوازى مع اهدافه البعيدة، فعبّر عن تلك التجربة المريرة قائلا:” ولا اغالي ان قلت ان آفة التعليم في بلادنا هي كونه يفصل بين الواقع المعيوش والنظريات المطروحة.”.

وظلّ طموحُه وشغفُه بالثقافة حتى الادمان يحفّزانه للارتقاء سلم التعليم، وللغرف من عالم المعرفة ليغدو بدوره مرجعا معرفيا. وكان يعتقد ان الجامعات الفرنسية تؤمّن الكسب الثقافي والغنى الحضاري فجهد للالتحاق باحداها. وبعد لأي مضن مشفوع بالوساطات السياسية اجتاز مصاعب المعاملات الادارية وسافر مع قرينته فرقد الى فرنسا حيث نال دكتوراه في الادب العربي باشراف المستشرق العلامة شار بلاّ، وعاد بها الى بيروت يصارع للتدريس في الجامعة اللبنانية، ويعارك فيما بعد للدخول الى ملاكها التعليمي. الى ان حقق الاثنين معا وصار عميدا لكلية التربية، ومن ثم رئيسا للجامعة اللبنانية بالتكليف.

ايها الاصدقاء لن ادخل في مشاكل واشكاليات العلاقة بين الجامعة اللبنانية والسلطة السياسية ضنا مني بالوقت المحدد لي بخاصة انني متهم دائما بتجاوز دوري كرئيس للجلسات الى منتد فيها. انما سأقول فقط انها علاقة جدلية بين افقين متعارضين على المستويين الثقافي التعليمي والمادي، وان مجلس الوزراء ما يزال حتى اليوم يسطو على استقلال الجامعة الاكاديمي والاداري والمالي، وبالتالي فهل كان بمقدور ميشال عاصي بين تموز 1988 وحزيران 1991 ان يمارس مسؤولياته الجسام المثقلة بما كان يرتبه الوضع السياسي المتعارض مع قناعاته الذاتية، في تلك المرحلة الحرجة والظروف المأزومة؟ فالحكومة كانت حكومتين والوزير وزيرين، والمراسيم جوالة، والانتقال بين الشرقية والغربية عرضة لمختلف انواع المخاطر والرعب. وهو يقول في هذا الصدد:” اقسم بكل غال وعزيز علي ان ما عانيته في رئاسة الجامعة…كان فوق التصوّر والاحتمال.”

ايها الاصدقاء لن اتطرق الى مؤلفات ميشال عاصي الكثيرة فاسحا في المجال امام الاصدقاء الزملاء المنتدين الكلام عليها، وهم مميزون بحسن النباهة والتقويم الاكاديمي ولصوق المعرفة الشخصية بميشال عاصي الذي نستذكر اليوم نرسل اليه ألف تحية وتحية.

علاقة الفاطميين بمن جاورهم في بلاد الشام في عهدي المعزوالعزيز 358-386/969-996

علاقة الفاطميين بمن


علاقة الفاطميين بمن جاورهم في بلاد الشام في عهدي المعزوالعزيز

358-386/969-996

ان تاريخ العصور الوسطى الاسلامية يتجاوز المفهوم السياسي التقليدي المبني على الصراع على السلطة في المنظومة السياسية والاتنية والدينية الواحدة، فقد تجاذبته اطراف عديدة ذات مذاهب واتنيات متنوّعة، وديانات مختلفة. فمنذ قيام دولةالخلافة في العصر الراشدي كانت سيطرة السنة واضحة، واستمرت فعاليتها حتى اواخر العصر العباسي الثاني. ولم يكن الشيعة انذاك مستكيني المواقف، اومتخلفين عن الركب السياسي، فقد عملوا سرا وجهرا لانشاء دول خاصة بهم تبعا لمقتضيات الظروف وتقلبات الاحوال: فكلما كانت تضعف السلطة المركزية العباسية كانوا يغتنمون الفرصة لانشاء دولة او دويلة لا تلبث ان تزول.

    ولم يسر الوضع السياسي والاداري العباسي على وتيرة متصاعدة من النجاح، بل شاخت الدولة وهي بعد شابة، فاعتراها الوهن والتخلف عن مواكبة تطور الاحداث السياسية العاملة على الحط من هيبتها منذ اواخر العصر العباسي الاول، بل من اواسطه عندما قسّم الرشيد الدولة بين اولاده الثلاثة المأمون والامين والمعتصم، وتلا ذلك الصراع بين الاخوين الامين والمأمون المغلف بابعاد سياسية عنصرية ان جاز التعبير، او على الاقل عصبية بين العرب والفرس، مما انهك قدرة الدولة حتى عجزت عن الامساك ببعض الاطراف ولا سيما خراسان التي استقل بها طاهر بن الحسين قائد جيوش المأمون الفارسية.

    ولم يكن عهد المعتصم بافضل، اذا استُهلك جيشه الفارسي الجنسية بالحروب ضد الزنادقة، فاستعاض عنه بعناصر فارسية دخلت جماعات جماعات كل واحدة بامرة قائدها، فانعدم ولاء الجيوش الجديدة للخليفة وانحصر بالقادة[1]. وزاد في الامر سوءا عندما شرع هؤلاء ينازعونه السلطة السياسية والادارية[2]. ومنذ ذلك التاريخ بدأت مسيرة السلطة المركزية للدولة العباسية بالانحدار السياسي والاداري والعسكري، ففقدت سلطانها على معظم الاقاليم، وصار الخليفة صورة دينية، بوجه عام، ورمزا اجوف من كل سلطة سياسية وعسكرية فاعلة.

   في حمأة هذه الصراعات في المشرق العربي كانت الخلافة الفاطمية تأخذ طريقها الى الظهور العلني في عام 297/909 بفضل جهود ابي عبد الله الشيعي، الذي اظهر امامة سعيد بن الحسين، ثم اعلنه خليفة من سلالة الامام علي وفاطمة الزهراء. ولكن ذلك لم يؤد ابدا الى تخط المصاعب الكثيرة التي حبل بها المغرب، فقد كانت حقول الالغام المتنوعة تعترض سبيل استقرار الفاطميين فيه لدواعي متنوّعة بعضها مذهبي بحيث كانت الدويلات التي سبقتهم الى المغرب قد ركزت اقدامها فيه مثل دولتي الخوارج المدرارية والرستمية، ودولة الادارسة الشيعية، ودولة الاغالبة السنية[3]. ناهيك بطبيعة المغرب الوعرة ولا سيما في المناطق الداخلية، اضف الى ذلك مشاكل التركيب البنوي السكاني المبني على الولاء القلبلي. وقد تقاطعت بعض هذه العقبات فيما بينها حتى كادت تودي بالخلافة الفاطمية في ثورت الخوارج المتكررة ولا سيما ثورة ابي يزيد مخلد بن كيداد[4]، مما ادى الى وضع غير مستقر، وحالة استحضار عسكري دائمة الجهوزية.

    على ان عهد المعز لدين الله ( 341-365/953-975 ) هو الذي ارسى بفعالية ركائز حكم الفاطميين في المغرب باقامة علاقات وطيدة مع قبيلتي كتامة وصنهاجة، واخلصت له صنهاجة بحصولها على دور في السلطة[5]، وتمكن ايضا من مد صلاة ود او عدم اعتداء مع القبائل الاخرى. ولكن طموحه لم يكن الاستئثار بالمغرب، وهو الامام الاسماعيلي الفقيه الذي كتب رسائل عديدة في العقيدة الاسماعيلية[6]، بل رغب بتصدير المذهب الاسماعيلي الى كل العالم الاسلامي على الاقل. ولكن اصطدامه بالمقاومة الاموية الشرسة في الاندلس، واقتناعه ان الهدوء في المغرب ليس الا وقتيا بسبب العقلية القبلية وعداء القبائل بعضها للبعض الآخر، هذا فضلا عن ان نفوذ الفاطميين انحصر في المناطق الساحلية اجمالا، من دون ان ينسى المعز تداعيات ثورة ابي يزيد مخلد بن كيداد التي كادت تودي بالاسماعيلية زمن اجداده.

الفاطميون في المشرق: اذا كانت الصعاب التي نشأت في المغرب اقلقت الفاطميين، فان عوامل اخرى تقاطعت فيما بينها وعملت على توجيه انظار الفاطميين الى المشرق العربي وتحديدا الى مصر نقطة الانطلاق نحو العالم المشرقي الرحب. ان سيطرة الفاطميين على صقلية بعد انتزاعها من بني الاغلب، وكذلك بسط نفوذهم على طرق الواحات التجارية كانت تجعل من احتلالهم لمصر محورا مركزيا للسيطرة على  تجارة العبور بين الشرق الاقصى والغرب الاوروبي كون مصر تشكل اقصر حلقة اتصال بينهما، ولأن موقعها المشرف على البحر المتوسط في الشمال وعلى البحر الاحمر في الشرق، بما فيه من موانئ، امتدادا الى المحيط الهندي، يجعل حاكم مصر يسيطر على احد اهم الطرق التجارية القادمة من الشرق الاقصى. وكان حكامها منذ العهد الطولوني يبسطون نفوذهم على الاماكن الاسلامية المقدسة، وهذه النقطة كانت محورية بالنسبة للفاطميين وهي شكلت دافعا رئيسا لهم  لسلب العباسيين احد اهم اسلحتهم الدينية بعد ان كان القرامطة سلبوهم محورا آخر شديد الاهمية بسيطرتهم على طريق الحج الذي قطعوه مرارا وسلبوا قوافل الحجيج تكرارا. ولعل التشرزم السياسي والعسكري الذي حاق بالدولة العباسية ساهم بفعالية ليتوجه الفاطميون الى المشرق، فنجحوا في عهد الخليفة المعز لدين الله  وبقيادة جوهر الصقلي بالاستيلاء على مصر المتداعية امنيا واقتصاديا وعسكريا بفعل الازمات المتنوّعة التي اصابتها بعد وفاة كافور الاخشيدي.

   ويبدو من خلال ما اوردته المصادر المتنوّعة عن اعداد الجيش الفاطمي وعدته وصناديق الاموال التي حملها جوهر معه التي اربت على الألف ومائتي صندوق[7] ان الفاطميين ارادوا التأثير نفسيا واخلاقيا على المصريين اولا، وعلى سائر القوى السياسية والعسكرية في بلاد الشام في مرحلة ثانية، وبالتالي التأثير المعنوي السلبي على الخلفاء العباسيين.

  وازعم ان الخليفة المعز لدين الله درس المصوّر السياسي العسكري الجغرافي في المشرق العربي فوجد الظروف مناسبة للحول مكان العباسيين في مناطق عديدة؛ فقد كان البويهيون الشيعة يسيطرون سياسيا وعسكريا على العراق وبلاد فارس، وبدا الخلفاء العباسيون معهم فاقدي كل دور قيادي[8]. وكان القرامطة منذ زمن بعيد قد قضّوا مضجع العباسيين وانهكوا جنوب العراق بغاراتهم المتكررة التي احتلوا فيها البصرة مرارا وخلّفوا فيها دمارا كثيرا، كما كانت لهم سيطرتهم على قسم كبير من بلاد الشام: في دمشق، وفي البحرين. وكانت تجمعهم بالفاطميين صلاة المذهب الواحد عموما فتوقعوا منهم المساعدة لاضعاف القدرة العباسية السياسية والمعنوية على الاقل. وكان الحمدانيون الشيعة يسيطرون على شمال بلاد الشام في الموصل وحلب وينازعون الاخشيديين السنة السيطرة على قلب بلاد الشام. فكان ذلك المصوّر يؤشر الى انقسام العالم الاسلامي الى فريقين مذهبيين: سني وشيعي. وكانت المعطيات تؤشّر بدورها الى غلبة الشيعة على مراكز القرار حتى في بغداد حاضرة العالم الاسلامي السني، واذا اتحدوا جميعهم قد ينتصرون على السلطة العباسية ويحلون مكانها.

 ومع ارجحية هذا الرأي الذي قال به مؤرخون كثر ازعم ان التاريخ لا يدرس او يفسّر على اساس ديني اومذهبي فقط، على رغم ما لهما من تأثير في تقلب الاحوال وتطور الاحداث وتأثير على الناس، لأن تاريخ العصور الوسطى حافل بالمواقف والتوجهات التي طالما خالفت النظرة الدينية والمذهبية في تفسير الاحداث. فالمصالح الفردية غالبا ما كانت تتفوّق على ما كان يفترضه السلوك المذهبي او الديني من اجل الصالح العام باعتبار ان الغاية الشخصية تبرر الوسيلة، وبالتالي فالتضحية بالمذهب لم تكن وليدة تلك الظروف والمرحلة وان شكلت سمتها، اذ تُبرز لنا الذاكرة التاريخية للعصور الوسطى السابقة على مجيء الفاطميين الى الشرق نماذج كثيرة جدا على التضحية بالديني او المذهبي لصالح السياسي الشخصي، ان لم نقل الاناني الفردي. مما يجعل معادلة او جدلية العلاقة بين الولاء المذهبي والولاء السياسي جديرة بالبحث للخلوص منها بالعبر. 

   وسنحاول في هذا البحث التبحر في التطورات السياسية في المشرق العربي وربطها بالتوجهات المذهبية والدينية للوقوف على سير الاحداث بشكل بياني في مقاربة لدراسة جدلية العلاقة بين الولاء المذهبي والولاء السياسي خلال الفترة الممتدة من 358/ 969 الى 386/ 996

1- علاقة الفاطميين بالبويهيون: خلف البويهيون اتراك العصر العباسي الثاني ( 232-334/847-945) في حكم العراق، وامتد سلطانهم على معظم بلاد فارس مشكلين قوة عسكرية بالغة القوة والخطورة، وسمح توّزع قواهم بين قادتهم الاساسيين واستقلال كل منهم في قسم من البلاد الشاسعة التي سيطروا عليها باضعاف جبهتهم. وما كان ممكنا ابدا لحكمهم ان يستمر ويستقر في العراق بوجود امارات تركية فيه، خصوصا في واسط والبصرة والبطيحة وغيرها[9]. وبعد اخضاعها عملوا على دمج قواتها ولا سيما الفرسان بجيشهم المفتقر الى هذا العنصر الفعال[10].

    اما مواقفهم من الخلفاء العباسيين فقد تأرجحت بين العزل والسيطرة التامة، الى ان استقر الرأي على الابقاء عليهم كرمز ديني اسلامي وتجريدهم من كامل صلاحياتهم المدنية لأنهم افتقروا في مذهبهم الزيدي لبدائل عنهم، اذ يذكر البيروني ان :” معز الدولة … كان يفرط في التشيّع وانه اشخص من بلاد فارس احد كبار العلويين- محمد بن يحي الزيدي- مشتهرا بالديانة وحسن السيرة والصيانة…وانه انما استحضره ليوصل الحق الى ذويه ويسلم الملك والخلافة الى اهليه…- فرد العلوي- ان عامة الناس في الاقطار والامصار قد اعتادوا الدعوة العباسية ودانوا بدولتهم وطاعوهم كطاعة الله ورسوله…”[11] مما يعني ان معز الدولة اقتنع بفشل تحويل الخلافة الى الشيعة او حاول اقناع نفسه بهذا الامر. ويؤيد ما ذهبنا اليه ما اورده ابن الاثير عن بعض خواص معز الدولة حينما اقترح هذا الملك عزل الخليفة العباسي واسناد مركزه الى الخليفة المعز لدين الله الفاطمي قائلا:” ليس هذا برأي فانك اليوم مع خليفة تعتقد انت واصحابك انه ليس من اهل الخلافة، ولو امرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه، ومتى اجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد انت واصحابك صحة خلافته، فلو امرهم بقتلك لفعلوا [12] “. لهذا ابقى البويهيون على الخلفاء العباسيين وجعلوهم رموزا دينية فارغة من اي مضمون حقيقي وفعال[13].

   فهل هذا يعني ان البويهيين اكتفوا بهذه المواقف من الخلافة ام انهم عملوا على اضعاف الفاطميين ليظلوا هم سادة متوّجين في ظل خلافة عباسية ضعيفة لا بل منهكة سياسيا وعسكريا؟

واستطرادا ماذا توّقع المعز لدين الله من البويهيين: هل الوقوف على الحياد امام المد الفاطمي القادم الى بلاد الشام، ام التحالف معه من اجل اسقاط الخلافة العباسية؟

   للاجابة على هذه التساؤلات يقتضي دراسة علاقتهم بالقوى السياسية الاخرى في بلاد الشام التي كانت على تماس مع الفاطميين كالقرامطة والحمدانيين، ومن ناحية ثانية دراسة مواقف هذه القوى الشيعية من الخلافة الفاطمية.

     كان القرامطة يشكلون سدا بشريا وجغرافيا بين البويهيين والفاطميين المرتقب قدومهم الى مصر، ومخافة ان يسقط البويهيون في احضان القادمين الجدد مالءوا القرامطة، وربما من هذا المنظار يمكن تفسير الحالة المهادنة التي طغت على العلاقة بينهما. رغم انها تأرجحت بين المهادنة والصراع، فلم يعتبر البويهيون القرامطة هراطقة خطرين على حد تعبير محمد شعبان، بل تسامحوا معهم شأن موقفهم من كل المذاهب.[14] ولكن احتلال البويهيين البصرة عام 336/948 وسيطرتهم على مينائها ادى الى فرار متوليها او مغتصب سلطتها “البريدي” الى البحرين ملتجئا الى القرامطة، الذين غضبوا من تصرّف البويهيين واعتبروه تعديا على مصالحهم الحيوية، فبعثوا رسولا الى معز الدولة البويهي ليدين تصرّفهم غير المبرر قَرْمَطيا، فاستقبله معز الدولة بكثير من الاحتقار، وهزئ من ادعاء اسياده، فرد القرامطة بحملة فاشلة على البصرة[15]. ومن ثم تمّ الاتفاق بين الجانبين على ترتيبات اقتصادية، كانت اشد فعالية من الصراع العسكري الذي كان من المفترض ان يحقق الغايات الاقتصادية للمنتصر، ارضتهما فاجاز البويهيون للقرامطة اقامة مركز جمركي على مقربة من مركز الجمارك البويهي في البصرة، واجتهد محمد شعبان انطلاقا من الاتفاق المذكور ليسوّغ اتخاذ ترتيبات مماثلة على طريق الحج تقاسم بموجبها الطرفان العائدات المالية[16]، وخففت مفاعيل الصراع العسكري. مما يعني ان الدور المذهبي في تلك العلاقة احتل المرتبة الدنيا، وفاقته اضعافا المصالح الاقتصادية المقرونة بالقوة العسكرية. وازعم انه بدافع من تلك الترتيبات لم يعمد البويهيون للحط من منزلة القرامطة المذهبية او التوسع في محاربتهم، بل اكتفوا بتبيان مقدرتهم العسكرية عليهم، وارضوهم بالحوافز الاقتصادية المذكورة.

   ولعل التفسير لتطوّر الاحداث يظهر نوعا من الرؤية المستقبلية اللاعنفية التي اعتمدها البويهيون، اذ اجتهدوا لمساعدة القرامطة ليبقوا سدا منيعا بينهم وبين اشقاهم في المذهب عنيت بهم الفاطميين، لأنهم على حد تعبير شعبان كانوا:” على استعداد لتقديم تسهيلات كبيرة لكسب القرامطة، وكانوا كذلك على استعداد لمعارضة التجارة عبر ميناء سيراف وتحويل التجارة كلها الى البصرة حيث يتسنى للطرفين اقتسام المكاسب.”[17] ويمكن تفسير مواقف البويهيين من القرامطة تصرفا احترازيا ضد الفاطميين المتوقع قدومهم الى مصر بسبب الحملات المتكررة التي ارسلوها اليها، ومن جهة ثانية اعتبروا ان استقرار الوضع العسكري سيسهم من دون شك بتطوّر القوة الاقتصادية للفريقين مستفيدين من العلاقة المذهبية التي تجمع بينهما وان ظاهريا. وقد نجد تعليلا لهذه المعادلة بما حصل لاحقا بين الفاطميين والقرامطة وبالموقف المعادي الذي اتخذه البويهيون من الفاطميين.

    وعلى هذا لا يمكن اعتبار ان الولاء المذهبي احتل مرتبة عالية عند البويهيين، فهم وان نجحوا بممارسة بعض الشعائر الشيعية كذكرى كربلاء وغيرها في بغداد عاصمة العباسيين والسنة، فانهم في الوقت عينه ما كانوا على استعداد للتنازل عن سلطانهم لأي قوة شيعية مهما بلغ مستواها الديني. وستتضح هذه المعادلة بدراسة علائق الفاطميين بالقوة الشيعية الاخرى في بلاد الشام.

2-  العلاقة الفاطمية القرامطية:

أ- فبل مجيء الفاطميين الى مصر: قد تكون العلاقة بين الفاطميين والقرامطة من اشد العلائق تعقيدا لما كان بين الاثنين من صلاة القربى المذهبية، بل لتحدرهما من جذر مذهبي واحد وعقيدة واحدة. ومن الواضح انه على الرغم من انشقاق حمدان قَرْمَط ومن بعده صهره عبدان داعي دعاة الاسماعيلية عن الاسماعيلية، فان ابا سعيد الجنّابي قائد قرامطة البحرين ظل وفيا للامام الاسماعيلي الفاطمي في المغرب[18]، ويضيف مادلونغ ان الصلاة اشتدت قربا في ظل قيادة ابنه ابي طاهر الذي كان ينفّذ اوامر الخليفة الفاطمي عبيد الله المهدي، واستمر الامر على هذا النحو من التقارب والتفاهم حتى مقتل سابور قائد القرامطة وتولّي الحسن الاعصم مكانه.[19]

    ويشوب دراسة العلاقة بين الفريقين بعد ذلك التاريخ الكثير من التعقيدات بسبب الآراء والاجتهادات المتعددة التي انتهجها المؤرخون المحدثون[20]، ونحن لن ندخل بكل تلك الاجتهادات بل سنكتفي بالاشارة الى ان القرامطة فرضوا وجودهم حتى على السلطة العباسية السياسية المتمثلة بامراء الامراء الاتراك، والملوك البويهيين، وعلى الامراء الحمدانيين، من اجل تأمين طريق الحج الذي صار سلوكه خطرا نظرا لهجمات القرامطة وسيطرتهم على معظم مسالكه، مما حدا بتلك القوى السياسية التفاهم المادي معهم فدفعوا لهم اتاوات لقاء مرور آمن للحجيج، حتى ان سيف الدولة قدم لهم احمالا من الحديد لهذه الغاية[21].

   على هذا، بات القرامطة قوة اساسية بل لاعب سياسي رئيسي في التحولات التي كانت تحصل في بلاد الشام وجنوب العراق، فقد صارت سطوتهم مخيفة، وجهد الحكام الى اجتناب مواجهتهم. وما يهمنا في هذا الاطار هو تطوّر قوة القرامطة عشية دخول الفاطميين الى مصر بظل قيادة الحسن الاعصم، وهل حَسِب لها الفاطميون التقدير الكافي، ام اعتبروا ان توأمهم سينسى الخلافات الجانبية ويؤيّد مواقفهم وينحاز اليهم عسكريا من اجل سيادة الشيعة على العالم الاسلامي المشرقي؟

   لا بد من الاشارة هنا الى ان القرامطة كانوا حوالى عام 313/925 قد انقسموا على انفسهم: فبعضهم كان دعا، على الارجح تقية، الى الخليفة العباسي المقتدر واعلنوه اماما لهم، اذ بعد القبض على حوالى ثلاثين شخصا منهم في مسجد براثا في بغداد وجدوا معهم اختاما نقش عليها: محمد بن اسماعيل الامام المهدي.[22] ولهذا النقش دلالة مذهبية بالغة الاهمية، وهي الدعوة الى الامام محمد بن اسماعيل وليس الى عبيد الله المهدي الامام الفاطمي والخليفة لاحقا، الذي كان قد ادعى انه المهدي. واذا اضفنا الى هذه الحادثة هجوم القرامطة على سلمية بغية قتل جميع الذكور فيها بهدف القضاء على سعيد بن الحسين “عبيد الله المهدي” ندرك كم كان عمق الخلاف المذهبي بين الفريقين. واذا كانت العلاقات عادت بعد ذلك الى الوئام بين الفاطميين والقرامطة فهذا لا يعني ان كل القرامطة كانوا يعتبرون الخلفاء الفاطميين ائمتهم، لانهم استمروا يخصصون خمس غنائمهم ” لصاحب الزمان”، مما يعني عدم انصياعهم للتعاليم الفاطمية، وبالتالي الى بروز ازمة ثقة مذهبية بين الفريقين[23]، انما على الارجح ان قلة من القرامطة انشقت عن الفرع الرئيسي في حين ان البقية كانوا يراسلون الامام المنصور بن القائم الفاطمي ويدعون ان دعوتهم اليه[24].

     ومن الواضح ان القرامطة صاروا قوة مخيفة بل محورية في بلاد الشام يخطب ودها عدد من حكام الدويلات، ففي اواخر عام 354/965 نهب عرب بني سليم قوافل الحاج الشامي والمصري واستولوا على ما كان معهم من امتعة وبضائع، فتدخل القرامطة واسترجعوا المسلوب وقدموه لكافور الاخشيدي حاكم مصر[25] نظرا للتفاهم الذي كان حصل بينهما ومؤداه ان يدفع الاخشيديون ثلاث مائة ألف دينار سنويا للقرامطة[26] مقابل حماية تجارتهم وعدم تعرضهم عسكريا الى بلاد الشام الاخشيدية وتحديدا دمشق، مما جعل بلاد الشام ولا سيما دمشق مجالا ماليا حيويا لهم، ناهيك بعمقهم المذهبي فيها، وبالتالي ما كان ممكنا التخلي عنها بسهولة.

   ونحن لا نعلم ما الذي بدّل العلاقة الجيدة بين الفاطميين والقرامطة قبيل دخول المعز لدين الله الى مصر. ويعزز صحة اعتقادنا، ان الفريقين كانا متفاهمين وئاميا، الكتابُ الذي وجهه هذا الخليفة الى الحسن الاعصم بعد هجوم القرامطة على القاهرة عام 358/969 [27]. فقد اشار فيه بوضوح الى ان القرامطة كانوا، قبل تسلم الحسن الاعصم قيادتهم، يخضعون الى سلطة الامام الخليفة الاسماعيلي، وينفذون اوامره، ومن ذلك قوله للحسن :” فاما انت الغادر الخائن، الناكث البائن، عن هدى آبائه واجداده، المنسلخ عن دين اسلافه وانداده…فعرفنا على اي رأي أصلت، واي طريق سلكت: اما كان لك بجدك ابي سعيد اسوة، وبعمل ابي طاهر قدوة…”[28] فهل كانت المشكلة محصورة بالقائد فقط، ام ان تحوّلا طرأ على سلوك القرامطة المذهبي والسياسي خصوصا بعد الضربات التي انزلها بهم البويهيون، ومن ثم التفاهم المادي الذي تم بينهما، وبالتالي لم يعد لهم مجالا استراتيجيا سوى بلاد الشام؟

  يمكن الاجتهاد بان القرامطة قاموا بانقلاب داخلي في شهر رمضان 358/969 على قائدهم سابور بن ابي طاهر الذي كان يكّن عداء مخيفا للعباسيين وودا للفاطميين وقتلوه بعد مرور شهر واحد على دخول جوهر الصقلي، ولأنه كان ازعج الخلافة العباسية كثيرا بغاراته المتكررة على سواد العراق[29]، ولعل مرد ذلك عدم رغبة القرامطة بالتخلي عن استقلالهم الذاتي والذوبان في الخلافة الفاطمية، والابقاء على الدرع العباسي الذي يعيشون في كنفه من دون كبير مشقة.

ب- بعد دخول الفاطميين الى مصر وبلاد الشام: كانت بلاد الشام محور تنازع بين عدد من القوى الاساسية: الحمدانيون كانوا يريدون الاستيلاء عليها بقصد توسيع امارة سيف الدولة ليستطيع منافسة القوى الاخرى، وكافور الاخشيدي كان يعتبرها امتدادا طبيعيا لمصر وخط دفاع اولي عنها، والقرامطة يعتبرونها مجالا حيويا لهم على عدة مستويات: مذهبي واقتصادي وسياسي وعسكري. فبعد وفاة كافور الاخشيدي ضعفت سلطة الاخشيديين على بلاد الشام، فاغتنم الفرصة القرامطة بمبادرة شخصية منهم ومن دون علم المعز لدين الله الفاطمي عام 353/964 وهاجموا دمشق واحتلوها فصالحهم الحسن بن عبيد الله بن طغج على جزية سنوية مقدارها ثلاث مائة ألف دينار، وأكملوا طريقهم واستباحوا الرملة.[30]وبذلك تأمّن لهم مدخولا ماليا مهما بعد ان كانوا قد تفاهموا مع البويهيين على الارباح التجارية في البصرة وعلى طريق الحج، مما كان يجعل تنازلهم عن السيطرة المالية والسياسية العسكرية في الشام امرا بالغ الصعوبة.

    ادت حملة جوهر على مصر عام 358/969 الى سقوط مصر بايدي الفاطميين بعد ان استسلم معظم الاخشيديين وفرّ القسم الباقي من الاخشيدية الى بلاد الشام. وكان للأمان الذي اعطاه جوهر للمصريين على اموالهم، ودينهم، والتعهّد بالضرب على ايدي المخربين والمفسدين والمحتكرين، والذود عن المصريين، كبير الأثر في قبول المصريين بالحكم الفاطمي.[31] ولما لم تجابهه مقاومة تذكر شرع بتنظيم الادارة وتنفيذ عهده، وبناء القاهرة المعزية، وتطلّع الى بلاد الشام الامتداد الطبيعي لمصر، ولعلّه اعتبر اسياده ورثة الاخشيديين السياسيين حتى في الرقعة الجغرافية التي كانت لهم. ولا ندري اذا كان رغب جوهر، في المغامرة التي خاضها القائد الفاطمي جعفر بن فلاح المرسل من قبله لفتح بلاد الشام، بامتحان جيشه عسكريا، الذي لم يخض معركة عسكرية حقيقية في مصر، وبامتحان آخر لموقف القوى السياسية والعسكرية المتزاحمة على بلاد الشام من الفاطميين، وجس نبض السلطة البويهية في العراق. في مطلق الاحوال كانت مغامرة غير مدروسة لأن جعفر بن فلاح كان منافسا وحاسدا لجوهر ومتعاليا في مواقفه مستهينا باخصامه[32]، وكان يجهل ايضا عقلية السكان المشرقيين ولا سيما الشاميين بل طبائعهم، ومعتادا على الذهنية القبلية المتأصلة بقبائل البربر في شمالي افريقيا. فما كان مصير تلك المغامرة؟

   توجّه جعفر بن فلاح الكتامي عام 359/969 الى الرملة وانتصر على متولّيها الحسن بن طغج واسره، ودخل المدينة عنوة واستباحها، وجبى خراجها وقطع الخطبة العباسية فيها لصالح المعز لدين الله[33]. ثم اكمل طريقه الى طبرية التي خضعت للفاطميين من دون قتال، ثم فتح دمشق بعد ان قاومه اهلها مدة وجيزة واقام الخطبة فيها للمعز بعد ان فرّ منها ظالم بن موهوب العُقيْلي زعيم بني عقيل ملتجئا الى الحسن الاعصم في الاحساء. [34]ونرجّح، قياسا على ما جرى فيما بعد، ان المغاربة _جيش جعفر بن فلاح- اساؤا التصرف تجاه الدمشقيين، مما حدا بالشريف ابو القاسم بن ابن يعلي الهاشمي، بما توفّر لديه من احداث المدينة، الى مقاومة الفاطميين والى اعادة الخطبة للمطيع العباسي، وجرى قتال عنيف بين الفريقين كانت كفته راجحة الى جانب المغاربة. وبعد مشاورات تم الصلح بين الدمشقيين وجعفر بن فلاح، فدخل المغاربة المدينة وعاثوا فيها فسادا ونهبوا قسما كبيرا منها فثار الاهالي، واشتد القتال، فاحرق المغاربة قسما من دمشق. وبعد ان توقف القتال بسعي من الخيّرين، قبض على الشريف الهاشمي وارسل الى القاهرة، وعلى مجموعة من الاحداث، فهدأت الحال في الشام[35].

هجوم القرامطة على دمشق: يرجع بعض المؤرخينسبب هجوم القرامطة على دمشقلانقطاع الجزية الاخشيدية عنهم. قد يشكل هذا السبب دافعا، ولكن ما الذي جعل القرامطة يسوّدون اعلامهم ويكتبوا عليها ” السادة الراجعون الى الحق”، ويعملون باسم الخليفة العباسي المطيع[36]؟ فهل هذا يعني طلاقا تاما بين اهل العقيدة الواحدة، ولماذا حاد القرامطة عن الخط الذي كانوا ساروا عليه لمدة طويلة؟ اسئلة كثيرة لا نجد لها جوابا شافيا الا بدراسة معمقة لتطوّر العلاقة القرمطية الفاطمية منذ اعلان سعيد بن الحسين نفسه مهديا وحتى دخول المعز لدين الله الى مصر. وقد حاول عدد من المؤرخين المشهود لهم القيام بمثل هذه الدراسة من دون التوصل الى جواب نهائي.

    وما نطرحه للبحث في هذا المجال هو تصرف القرامطة المغاير كليا لمواقفهم السابقة بحيث سارعوا الى الهجوم على دمشق، فاستهان بهم جعفر بن فلاح، فانقضوا عليه وقتلوه، واستردوا دمشق وكامل بلاد الشام التي كان اخضعها جعفر، وخطبوا في كل مدنها الى المطيع العباسي[37] ويقول المقريزي في هذا الصدد:” واقام القرامطة الدعوة للمطيع لله العباسي في كل بلد فتحوه، وسوّدوا اعلامهم…واظهروا انهم كأمراء النواحي الذين من قبل الخليفة العباسي.”[38] 

    لم يكتف القرامطة بما انجزوه في بلاد الشام، بل بدا وكأنهم يريدون استئصال شأفة الفاطميين في المشرق، وكأن عداوة دفينة ذرت قرنها بين الفريقين، حتى بات الامر مسألة شخصية. فهاجموا القاهرة وحاصروها بما اجتمع اليهم من العرب والاخشيدية. وتمكّن جوهر بعد جهد جهيد من صد الهجوم وارغام القرامطة على التراجع الى بلاد الشام.[39] وكتب الى المعز يستدعيه على جناح السرعة ليجد حلا لمعضلة القرامطة، فحاول المعز اعتماد السياسية الدبلوماسية بان ارسل الى الحسن الاعصم كتابا طويلا يذكر فيه نفسه وفضل اهل بيته، وان الفاطميين والقرامطة على مذهب واحد مشيدا بالعلاقة التي جمعت بينهما ايام ابيه واجداده، ومهددا الحسن من جهة ثانية[40]، وعتب عليه بل قرّظه لأنه دعا للعباسيين قائلا:” بئس الاسم الفسوق بعد الايمان، وعصيانك مولاك، وجحدك ولاك، حتى انقلبت على الابار وتحملت عظيم الاوزار، لتقيم دعوة درست، ودولة طمست…”[41] فرد الحسن:” وصل الينا كتابك الذي كثر تفصيله، وقلّ تحصيله، ونحن سائرون على اثره والسلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل[42].” مما يعني انه رفض حتى النقاش العقائدي، او ان يقترح لقاء، او يطلب امرا محددا، بل كان مدفوعا بحمية وحقد بالغين، قد يكونان غير مبررين مذهبيا، الا اذا كان الحسن اراد الحصول على مصر وبلاد الشام من العباسيين ليحكمهما باسم الخليفة العباسي: فلماذا لا يحل مكان الاخشيديين، وتاليا مكان الفاطميين، ما دامت املاك الدولة العباسية معروضة للاغتصاب، وكل قادر يقتطع منها رقعة يقيم عليها دويلته؟!

    سار الحسن الى مصر يرافقه اميران عربيان هما حسان بن الجراح الطائي امير عرب بلاد الشام، وظالم بن موهوب العقيلي وحاصروا القاهرة. وكانت القوات الفاطمية عاجزة عن مجابهة هذا الجيش المتعدد المشارب، فعمد المعز الى الحيلة فاستمال حسان بن المفرج الطائي بالمال ما ادى الى هزيمة القرمطي. فاستعاد المعز بلاد الشام وعيّن عليها ظالم بن موهوب العقيلي واليا[43].

   ان انتصار المعز على القرامطة لا يؤشّر ابدا الى ارجحية قوته، بل يوضح العجز الفاطمي عن التصدي لهذه المجموعة، ما يطرح تساؤلا اساسيا بل مركزيا : هل فعلا كان الفاطميون بوارد مهاجمة العباسيين، ام كانوا يعتمدون على القوى الشيعية الاخرى المنتشرة في بلاد الشام والعراق وبلاد فارس لتعاونهم عسكريا ومذهبيا ؟!

لم يكن اختيار ظالم بن موهوب العقيلي واليا لدمشق خيارا صائبا، لسببين: لأن الجيش الفاطمي كان بقيادة  ابي محمود بن جعفر بن فلاح الكتامي غير الكفوء” ولم يكن صاحب رأي سديد ولا تدبير حميد ولا حسن سياسة”[44]، ولازدواجية، من ناحية ثانية، في السلطة والرأي والسلوك بين ظالم وابي محمود.

      كان الدمشقيون قد كرهوا المغاربة منذ حملة جعفر بن فلاح، واعتاد الجيش الفاطمي الغريب الدار على النهب والسلب من دون الإلتفاة الى المصلحة العامة. وكان نشوب الصراع بين الغرباء والدمشقيين شبه حتمي لأسباب متعددة: انحصر هم ظالم بجباية الخراج لأنه كان موقنا قصر ولايته على المدينة، ورغب الاحداث بالثأر من المغاربة، وجنح المغاربة الى السلب والنهب. وكان اشراف دمشق في مأزق كبير لأنهم كانوا عاجزين عن كبح جماح الاحداث والعامة الشامية، وعاجزين ايضا عن انتزاع تعهّد من ابي محمود يكبح جماح الجيش المغربي او السيطرة عليه، لأنه فعلا كان غير جدير بالمسؤولية لقلة دربته، ولافتقاره للمال لأن الخراج كان يجبيه ظالم ويتصرف به[45]

   وهكذا اندلع الصراع بين الاطراف المتنازعة على مدى ما يقرب الثلاثة اشهر بين كر وفر، فاعتدى المغاربة على اسواق القاهرة واهلها واضرموا النار فيها وفي العديد من احيائها، واستولوا على القوافل التجارية والتموينية القادمة اليها او المارة بالقرب منها، وانتهبوا القرى. ولم يؤدِ انحياز ظالم بن موهوب العقيلي الى جانب الدمشقيين الى توازن في القوى المتحاربة، بل استمرت الغلبة للجيش المغربي.[46]ويوجز ابن القلانسي الحال قائلا:” وانتشر الفساد في سائر الضياع والجهات، وطرحت النار في الاماكن والحارات، وثارت الفتنة واشتدت النار، وعظم الخوف وفني العدد الكثير من الفريقين.”[47]

   نتائج السياسة العسكرية الفاطمية في الشام:

1- على المستوى المدمشقي الداخلي: لما علم المعز بالاوضاع الدمشقية طلب من ريّان الخادم والي طرابلس التوجه الى دمشق لحفظ الامن فيها والنظر باحوالها، وصرف ابي محمود عنها، خوفا من تزايد الهوة بين الدمشقيين والسلطة الجديدة الطارحة نفسها حلاً للمشاكل الاسلامية، التي عجزت عن تنفيذها الخلافة العباسية بوجود الاغراب على رأس السلطتين العسكرية والسياسية في العراق. وارسل المعز الى القائد المعزول كتاب توبيخ وتقريظ.[48]  اما الدمشقيون فقد ذهولوا من هول ما جرى، واستاكنوا آنيا بانتظار الفرصة المناسبة للانقضاض على الحكم الفاطمي، الذي صار بنظر معظمهم قمعيا.

2-على المستوى الاقليمي: كانت الصراعات في العراق على اشدها بين البويهيين بزعامة بختيار بن معز الدولة والاتراك الجدد وتحديدا حركة سبكتكين الذي كان أفتكين التركي احد ابرز قادته، وكان قد انهزم امام القوة البويهية واستقر في جوسية احدى اعمال دمشق ومعه حوالى ثلاث مائة جندي من الطراخنة.[49]ولعبت المصالح الشخصية والاقليمية دورا بارزا في توجيه كفة الصراع: فقد كان البويهيون يريدون القضاء على القوة التركية الجديدة في جيشهم، وفي آن ما كانوا يودون النجاح للفاطميين والاستقرار في بلاد الشام حفاظا على مصالحهم. وجهد الحمدانيون لابعاد الخطر الفاطمي عن دويلتهم في حلب ومارسوا سياسات عدائية ضمنية ضدهم. وكان الامراء العرب في فلسطين يقومون بدور المستفيد من الرياح من اين هبت، فارتأى  ظالم العقيلي متولي بعلبك من قبل الفاطميين ان يحارب افتكين ليرتفع مركزه عند الفاطميين.

   وتلاحقت المواقف والاحداث سريعا، وحولت افتكين الى بيضة قبان في الصراعات: فارسل له ابو المعالي بن حمدان ثلاث مائة جندي بقيادة بشارة الخادم نكاية بظالم الذي كان يريد قتاله تقربا من السياسية الفاطمية، ورجاه  الدمشقيون ليقودهم ويساعدهم لردع تعديات الاحداث، وقتال المغاربة اذا اقتضى الامر[50]، وقال ابن القلانسي الدمشقي في هذا الصدد:” فنزل بظاهرها-اي دمشق- خرج اليه شيوخها واشرافها وخدموه، واظهروا السرور به، وسألوه الاقامة عندهم، والنظر في احوالهم، وكف الاحداث الذين بينهم، ودفع الاذية المتوجهة عليهم منهم…”[51] مما يعني ان الوضع الداخلي في دمشق كان غير مستقر، واهلها منقسمين فريقين: الاحداث الذين بدفاعهم عن مدينتهم آذوا الدمشقيين انفسهم بممارساتهم الشاذة، والخاصة الدمشقية الدينية والاقتصادية الراغبة بالهدوء باي ثمن.

    وارتفعت منزلة افتكين عند الدمشقيين لأنه قطع الخطبة الفاطمية، وقمع حركات الاحداث وشغبهم، واسترد ضواحي دمشق من العرب الذين كانوا استولوا عليها ابان الفوضى العسكرية، ولأن مقدرته الدبلوماسية نجحت بدرء خطر حملة ابن الشمشقيق عنها، فقد اكرم وفادة الامبراطور البيزنطي بان قدم له كل ما كان حمله معه من بغداد، ولعب امامه ضروبا مدهشة من الفروسية، فاعفى دمشق من الجزية التي كان فرضها على اهلها[52].

   وحاول افتكين تمكين مركزه في المدينة بطلب المساعدة من القرامطة، الذين سارعوا الى الرملة واستولوا عليها بعد ان هرب ابراهيم بن جعفر واليها الفاطمي[53]. واطمأن افتكين الى هذا الحاجزا الذي شكلوه بينه وبين الفاطميين من دون ان يقدر الموقف الفاطمي حق تقديره، منتهزا الفرصة للاستيلاء على الساحل الفاطمي في بلاد الشام والداخل اللبناني، بقصد الاستقلال ببلاد الشام بعد تفاهمه مع القرامطة، مما افشل جهود المعز لدين الله الهادفة الى جعل افتكين واليا فاطميا على بلاد الشام.

ولما أمن افتكين جنوب بلاد الشام بواسطة القرامطة وعلم بوفاة المعز بدأ بتنفيذ مشروعه الاستقلالي: فاحتل صيدا وطرد منها ابن الشيخ واليها الفاطمي، واكمل طريقه الى عكا. ولما فشل العزيز، الذي خلف والده المعز باصطناع افتكين الذي رد على كتابه بانفة وجفاء :” هذا بلد اخذته بالسيف وما ادين فيه لاحد بطاعة ولا اقبل منه امرا.”[54] ارسل جوهر الصقلي على رأس جيش جرار لاستعادة بلاد الشام كلها، فتراجع افتكين الى دمشق بعد ان حمل معه المؤن من حوران وغيرها من المناطق الزراعية استعدادا لحصار فاطمي مرتقب. ولما كان تعداد القرامطة غير كاف في الرملة لمجابهة جوهر انكفؤا الى الاحساء، من دون ان يخرجوا نهائيا من المعادلة العسكرية.

    في عام 975 هاجم جوهر دمشق وحاصرها وضيّق على افتكين واضطرّه للاستنجاد بالقرامطة بقيادة الحسن بن احمد الاعصم الذي اسرع لنجدته حفاظا على مجالهم الحيوي واضغافا للموقف الفاطمي في بلاد الشام. ومخافة ان يصبح جوهر بين نارين تراجع الى طبرية فالى الرملة وتحصّن بها بعد ان اودع احماله في عسقلان، ولاحقه افتكين والقرامطة. وبعد مناوشات وحروب عديدة انهزم جوهر بنهايتها، وبعد محادثات شاقة تم الصلح بينهما وسمح بموجبه لجوهر الانسحاب الى القاهرة شرط ان يمر تحت سيف أفتكين ورمح القرمطي تدليلا على الهزيمة بل على الذل والمهانة. فعاد الى القاهرة عام 368/978 وتذرّع للعزيز بان تخاذل الجيش المغربي وتحديدا الكتاميين بالقتال ادى الى هذه النتائج الكارثية.[55]

  لم يُخفِ العزيز غضبه لان مهابة الفاطميين كانت في الميزان، رافضا النتائج المذلة التي اسفرت عنها حملة جوهر، فقاد جيشا جرارا وتوجه الى بلاد الشام وهزم افتكين والقرامطة معا. ولما قُبض على افتكين ومثل بين يديه عفا عنه واكرمه، وتلك سياسة اتبعها الفاطميون في معظم مراحل تاريخهم من دون ات تعطي ثمارا، فاسطناع المتمردين، او العفو عنهم كانت نتائجه باستمرار كارثية.

    وانتهى بذلك فصلا اساسيا من مراحل الصراع بين القرامطة والفاطميين بمشاركة فعالة من القوى المتضررة من دخول الفاطميين المعترك السياسي في بلاد الشام مظهرا ان الروابط المذهبية، كانت على صعيد الواقع وتضارب المصالح، اقل قوّة وفاعلية مما كانت تبذو عليه على المستوى التنظيري. لأن السياسة كانت تتقمص تلاوين دينية ومذهبية لتحقيق اغراض اقل ما يقال فيها شخصية بل انانية، ولكن الصراع لم ينته بين توأمي المذهب الاسماعيلي، فعاد باشكال اقل حدة فيما بعد خصوصا في عهد الحاكم بامر الله الفاطمي.

3-العلاقة مع الحمدانيين:

أ – في الموصل: كان الحمدانيون العرب شيعة ويتأثرون قوة وضعفا بولاءات القبائل العربية في بلاد الشام، وتمكنوا من تأسيس امارتين: الاولى في الموصل وكانت، في المرحلة التي ندرس، بقيادة ابي تغلب، والثانية في حلب بقيادة ابي المعالي ابن سيف الدولة. وعندما قدم جوهر الى مصر كاتبه جماعة منهم يبذلون له الطاعة، ويضعون قوتهم في خدمته، فارسل يستشير سيده. ولكن المعز لدين الله كان له موقف صارم من الحمدانيين،  فكان يعتبرهم وصوليين، وممارسي التقية السياسية تحقيقا لمآربهم، فكتب الى جوهر ينير سبيله قائلا:” احذر ان تبتدئ احدا من بني حمدان بمكاتبة –ترهيبا له ولا ترغيبا- ومن كتب اليك منهم فاجبه بالحسن الجميل، ولا تستدعه اليك، ومن ورد اليك منهم فاحسن اليه، ولا تمكّن احدا منهم من قيادة جيش ولا ملك طَرَف، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة اشياء عليها مدار العالم، وليس لهم فيها نصيب: يتظاهرون بالدين وليس لهم فيه نصيب، ويتظاهرون بالكرم وليس لواحد منهم كرم في الله؛ ويتظاهرون بالشجاعة، وشجاعتهم للدنيا وليست للآخرة؛ فاحذر كل الحذر من الاستنامة الى احد منهم.”[56] محددا بهذا الموقف سياسته تجاههم، ومحذرا جوهر من التعاطي معهم، او دعوتهم لاقامة الخطبة للفاطميين.

   انما العلاقة التنافرية بين جوهر والقائد جعفر بن فلاح جعلت الاخير يخالف وصية المعز – وقد يكون لم يطلع عليها – بان حاول اخضاع ابي تغلب بن حمدان بالقوة او ان يرهبه، اذ بعد احتلاله الرملة ثم طبرية ارسل اليه رسولا ليقول له:” اني سائر اليك فنقيم الدعوة.” فرد ابو تغلب وكان في الموصل:” هذا ما لايتم لأنا في دهليز بغداد، والعساكر قريبة منا، ولكن اذا قربت عساكركم من هذه الديار امكن ما ذكرتم.”[57]  واضح ان في الجواب هزءا واحتقارا من استكبار جعفر، وحضّا للقدوم الى الموصل ليدخل بصراع مع البويهيين اصحاب السلطة العسكرية الفعلية في العراق، وكان على يقين ان جعفر لم يقدم على هكذا مشروع من دون موافقة المعز لدين الله.

    وكان ابو تغلب شارك بفعالية بمقتل جعفر بن فلاح وبسقوط دمشق بيد القرامطة بان امدّهم بالمال والسلاح والرجال بطلب من عز الدولة بختيار البويهي[58]. ولما تدخل ابو نغلب بسياسة البويهيين الداخلية هاجمه عضد الدولة وطرده من امارته ولم يسمح له بالعودة اليها، مما اضطره للالتجاء الى دمشق الفاطمية التي كان يتولاها قسّام الحارثي[59]، الذي كان يخشى من ان يستميل ابو تغلب الخليفة العزيز ليوليه على دمشق بدلا منه، لذلك اثار الخليفة على هذا الخصم المرتقب.[60]

   وبفشل مشروعه مع قسّام حاول مجددا مع القائد الفاطمي الفضل بن صالح المنتدب من قبل العزيز للاتفاق مع بني الجراح في الرملة وقسّام الحارثي للتخلص من مناورات ابي تغلب. ووقع الحمداني في الفخ الذي نصبه له الفضل بن صالح مع بني الجراح وبني عقُيْل، فاشترك في القتال لاخراج بني الجراح من المعادلة السياسية في فلسطين، وانتهى الامر بانقلاب الفضل عليه خلال المعركة، ثم اسره واعدامه.[61]

ب – في حلب: شهدت حلب الحمدانية عصرها الذهبي في ظل سيف الدولة، وبوفاته عام 356/966 خلفه ابنه سعد الدولة ولم يكن على قدر من الحنكة السياسية والمقدرة العسكرية، والدربة الادارية. فاستغل مولاه قرعويه نقاط ضعفه هذه وتمرد عليه وسلبه الحكم[62] قبل دخول الفاطميين الى مصر بعام واحد اي سنة 358/968.

 ولم تسلك حلب سياسة واضحة المعالم تجاه القوى السياسية الاساسية المتصارعة: فحينا كان حاكمها يوالي الخلافة العباسية وحينا آخر الخلافة الفاطمية، ومرة ثالثة الامبراطورية البيزنطية، تبعا لتقلب الاحوال ومقتضيات الظروف جريا وراء مصالحه الشخصية. وفي عام 360/970 اصطلح الحال بين سعد الدولة وقرعويه بمباركة فاطمية من دون ان يتمكن سعد من استرجاع امارته ربما لأنه لم يكن يملك القوات الكافية، ولأن الفاطميين ما كانوا يريدون الدخول في سياسة المحاور الداخلية بين الاثنين لعدم ثقتهم بهما، ولجعل حلب خط دفاع اولي ضد البيزنطيين، واكتفوا بخضوعها الاسمي لخلافتهم[63]. ولم يبذل العباسيون  جهدا ايضا لمساعدته للعودة الى امارته[64] ربما لأنهم لم يتوسموا فيه القيادي البارز.

   ولم يطل الامر بقرعويه حتى انتزع منه الحكم مولاه بكجور بمباركة سعد الدولة[65]، ثم دخل بصراع مع سعد الدولة الذي تمكن من العودة الى حلب واعطى بكجور ولاية حمص[66]. ويبدو جليا ان الفاطميين بعد ان شبه استقر لهم الوضع في الشام الجنوبي عموما، وجّهوا انظارهم لاستكمال اخضاع بقية بلاد الشام وتحديدا شماله رغم المخاطر، التي كان يمكن ان تتأتى عن مجاورة البيزنطيين المباشرة. ويبدو ايضا ان جعفر بن فلاح اخاف الحمدانيين في كامل بلاد الشام عندما طلب منهم بتهديد مبطن اقامة الخطبة الفاطمية.

   وعجز سعد الدولة عن اقامة توازن بين القوى الثلاث الاساسية المحيطة به، او الاخلاص لاحداها ليأمن بمساعدتها خطر القوتين الاخريين، وحاول اعتماد الولاء المزدوج للفاطميين وللعباسيين الممثلين بالبويهيين اصحاب السلطة الفعلية[67].

   وتمكّن بكجور بحسن ادارته وحزمه من تطوير حمص على المستويين الاداري والاقتصادي التجاري بتأمين الطرقات اليها من اللصوص وقطاع الطرق[68]، اذ ضرب القبائل العربية التي كانت تعيث فسادا ليس فيها فحسب بل في محيط دمشق، فارتفع شأنه عند الخليفة الفاطمي العزيز بالله.

    وضاع دغفل بن الجراح الطائي رغم قوة قومه في هذا الخضم من الصراع المتنوع الاتجاهات والولاءات، حتى اضطر بعد ان هزمه رشيق الحمداني الى اللجوء الى انطاكيا ملتمسا النجدة من الامبراطور البيزنطي باسيل الثاني، وبعد حصوله على الصلة عاد الى الشام والتمس الصفح من الخليفة العزيز[69]. وكان بكجور يجتهد للتقرب من الفاطميين فدعا للعزيز وهو في حمص، ثم طلب منه جيشا لاحتلال حلب وضمها للفاطميين مما ادخل الفاطميين، للمرة الاولى، بصراع مكشوف مع الحمدانيين[70]. واثناء حصار بكجور للمدينة خرج الامبراطور البيزنطي نقفور فوكاس على رأس جيش كبير يرافقه دغفل بن الجراح في غزوة على بلاد الشام. وكما ان حملة ابن الشمشقيق  Iohannès Tzimiskès(969-979) اعادت خلط الاوراق السياسية والعسكرية في بلاد الشام ايام المعز لدين الله، فان حملة نقفور فوكاس Niképhoros Phokas (963-969)  عام 373/983 اعادت الكرة: فتراجع بكجور عن حصار حلب بعد ان حذّره ابن الجراح[71]، واتفق مع سعد الدولة على اربعين ألف دينار جزية سنتين، ثم اكمل طريقه الى حمص وسباها واحرق قسما منها بعد ان نهبها ليحقق هدفين معا: الحصول على غنائمها، واضعافا لبكجور عدو حليفه سعد الدولة ،[72] ثم اكمل طريقه باتجاه طرابلس.

    واذا كانت هذه الحملة البيزنطية حققت المصالح البيزنطية الاساسية اضافة الى تعزيز موقع حليفها الآخذ بالانحدار، فانها ايضا شددت قبضتها عليه بالتأكيد على معاهدتها السابقة او الهدنة المؤبدة كما يسميها الانطاكي[73] التي  كان عقدها البيزنطيون مع الحلبيين عام359/ 969، ومما جاء بابرز بنودها: يحمل الحلبيون الى الروم عن حلب وحمص واعمالهما ثلاثة قناطير ذهب عن حق الارض، وسبعة قناطير ذهب ايضا بدل خراجها، ودينار واحد سنويا عن كل رجل حالم، ويكون للروم نائبا فيها[74]. ويمكن اضافة دافع آخر لهذه الحملة البيزنطية المفاجئة وهو وقف المد الفاطمي المتنامي الذي بدأ يتدخل بامور الحمدانيين الآخذ دورهم بالضعف في حلب ليحلوا مكانهم فيها، مخافة ان يصبح البيزنطيون في مواجهة مباشرة معهم. وفعلا حققت هدفها لأن بكجور تراجع عن حصار حلب وتوجّه نحو الشام وطلب من الخليفة العزيز ولايتها، فتم له ذلك عام 373/983 على رغم معارضة الوزير الفاطمي يعقوب بن كِلِّس[75] الذي رأى في بكجور مشروع استقلال في دمشق ونزاع مستقبلي مع الخلافة الفاطمية.

    حاول بكجور الافادة ماليا قدر المستطاع من ولايته على دمشق، وجهد لابتزاز الوزير ابن كلس بان قتل احد جواسيسه المدعو ابن ابي العود اليهودي، ودارت حرب باردة بين الاثنين كانت ارجحيتها لبكجور المؤيَّد من الخليفة العزيز. واشتد ظلم بكجور على الدمشقيين في انفسهم، واموالهم. وضاق به ذرعا العزيز لكثرة ما خالف اوامره، [76]وارسل حملة للقضاء عليه بقيادة القائد منير الخادم في رجب من عام 378/988. وادرك بكجور ان العزيز لن يرض عنه فسار عن دمشق بامواله نحو الرَقّة يرافقه دغفل بن الجراح[77] بعد ان سدت كل الابواب بوجهه: ومنها انهزام الكردي المتغلّب على ميّافارقين امام الجيوش العباسية وكان كاتبه طالبا ان يجيره وان يخطب للعزيز على غراره معللا النفس بصفح العزيز، وخوفه من المؤامرات التي كان يحيكها الوزير ابن كلّس ضده، ومنها ايضا فشله في الحصول على ملجأ عند البويهيين، وخشيته من وصول نزّال والي طرابلس عونا لمنير الخادم الذي ارسله العزيز واليا على الشام. عند ذلك ترك دمشق لمنير الخادم، وطلب من سعد الدولة الحمداني اعادته الى ولاية حمص، فاجابه[78] ليأمن شره من جهة، وليستخدمه لابعاد خطر الفاطميين عن حلب من جهة ثانية، هذا على الاقل ما اعتقده سعد الدولة صوابا، والا لم يكن هناك دافع حقيقي يرغمه على اعطائه ولاية حمص. لأنه بغبائه كاد يدخل مجددا بصراع مباشر مع الفاطميين، وعن طريق بكجور بالذات، الذي فشل في الاستيلاء على حلب رغم الرشوة التي قدمها لجماعة من مماليك سعد الدولة ليساعدوه  بالانقلاب على سيدهم، ولكنه انتهى اسيرا في حلب، وتم اعدمه فورا.[79]

    ويبدو ان سياسة الفاطميين واصطناعهم القادة لم يكن دائما يوتي ثماره، فمعظم القادة الذين كانوا  يتولون دمشق كانوا يعمدون للاستقلال فيها، فيرسل الخليفة قائدا آخر لازاحة المتغلّب عليها، فلا يلبث ان يستقل بها بدوره. وحاول العزيز توحيد بلاد الشام كلها بعد ان اضعف القرامطة واستولى على معظم بلاد الشام سوى اطرافه الشمالية وبعض جنوبه، فبعث رسولا الى سعد الدولة الحمداني يدعوه لاقامة الخطبة الفاطمية، وكان الامير الحمداني على دراية بواقع الحال الفاطمي المتردي في دمشق، فاهان الرسول واطعمه الكتاب، وارسل معه تهديدا للعزيز متوعدا بالهجوم على دمشق[80]. ولكن الموت فاجأه لتنتهي بذلك مرحلة ثانية من الصراع بين الحمدانيين والفاطميين، رغم ان حالة العداء لم تنته، وظل الحمدانيون مكابرين، يستظلون الحماية البيزنطية كلما احدق بهم الخطر، الى ان انتهى امرهم عام 1002 في عهد الحاكم بامر الله الفاطمي(996-1021)

     لقد نشأت الخلافة الفاطمية على المذهب الاسماعيلي وهدف مؤسسها الى نشره في العالم الاسلامي كلّه، واعتقد ابناؤه واحفاده ان العمل على الاساس الديني بل المذهبي قد يمكنهم من تطوير خلافتهم واضعاف نظيرتها العباسية عدوتهم المذهبية بفعل انتشار الدويلات الشيعية في المشرق العربي. ولعلّ افتراض الخلفاء الفاطميين ووزرائهم وقادتهم في عهدهم الاول في مصر وبلاد الشام اي في عهدي المعز والعزيز ان الولاء المذهبي قد يوحّد بين الدويلات الشيعية المتعددة في بلاد الشام والبويهيين في العراق تحت المظلة الفاطمية، فتسود خلافتهم على كامل الرقعة الجغرافية المشرقية. ولكن سوء تقديرهم للاطماع الشخصية المغلّفة بغطاء مذهبي، وقلة دربة قادتهم وسوء سلوكهم تجاه الحمدانيين والدمشقيين، وعدم أخذهم بالاعتبار مصالح القرامطة، بل حسن قراءة العلاقات القرمطية الفاطمية منذ اعلان سعيد بن الحسين نفسه مهديا مما كان يتنافى والعقيدة القرمطية، وتاليا قلّة التبحّر بحالات العداء والوئام بين الفريقين، وعدم تنسيق الفاطميين سياسيا مع القرامطة واشراكهم في الحكم، كان له كبير الاثر في فشل المشروع الفاطمي المذهبي. ويجب الا يغيب عن بالنا دور البويهيين المناهض للتوسع الفاطمي الذي كان سيضعف من قدراتهم السياسية وتطلعهم الاستقلالي، مما جعلهم يغذّون كل الحركات الاستقلالية في بلاد الشام ماليا واحيانا عسكريا، بل كانوا هم وراء معظم تحركات القرامطة المعادية للفاطميين، وضغطوا سياسيا وعسكريا على الحمدانيين للغاية عينها.

    واذا كان من خلاصة نسترشد بها من خلال كل ذلك المسرح السياسي العسكري والديني والمذهبي، نقول ان التلطي وراء الاقنعة الدينية والمذهبية لم يكن سوى بداية مرحلة استقلالية، لا تلبث ان تتحوّل مشروعا عسكريا يهدف للقضاء على كل القوى التي تعترضه حتى وان كانت من مذهبه، وبالتالي فان عملية الدفاع عن النفس اعتبرها اصحابها عملا مشروعا يقتضي انجاحها بكل الوسائل من دون التطلع الى المصالح العليا التي طالما حلم بها فرقاء ما، وبالتالي فان الولاء المذهبي خرّ صريعا امام الولاء والسياسي والطموح الشخصي.


[1] – ابن الاثير، عز الدين ابو الحسن علي، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1965، ج7، ص32، 64،

– المسعودي، علي بن الحسن، التنبيه والاشراف، مكتبة خياط، بيروت، 1965، ص361

– شعبان، محمد عبد الحي محمد، الدولة العباسية –  الفطميون، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1981، ص98

[2] – انظر حول تفكك الخلافة العباسية الى دويلات وامارات: مؤلف مجهول، العيون والحدائق في اخبار الحقائق، تحقيق عمر السعيدي، دمشق، المعهد الفرنسي للدراسات الاسلامية، 1973، ص 298-299

  • ابن الاثير، ج8، ص322-324
  • ضومط، انطوان وآخرون، الشرق العربي  في القرون الوسطى، الدار اللبنانية للنشر الجامعي، بيروت، 1966، ص112-114

[3] – العبادي، احمد مختار، في التاريخ العباسي والفاطمي، دار النهضة العربية، بيروت، 1971، ص226-2229

[4] – القاضي النعمان، محمد بن حيّون، المجالس والمسايرات، تحقيق ابراهيم شبّوخ وآخرين، الجامعة التونسية، تونس، 1978، ص55، 73، 114، 214، وغيرها، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص 422 وما بعد، ابن عذاري، ابو عبد الله محمد المراكشي، البيان المغرب في اخبار الاندلس والمغرب، تحقيق كولان وليفي بروفنسال، ليدن، 1948، ج1، ص216-220

المقريزي، تقي الدين احمد بن علي، اتعاظ الحنفا باخبار الائمة الفاطميين الخلفا، تحقيق جمال الدين الشيال، ط2، القاهرة، 1996، ج1، ص78-79

[5] – المقريز، تقي الدين احمد بن علي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، طبعة دار صادر، بيروت، بدون تاريخ، ج1، 8

[6] – دفتري، فرهاد، مختصر تاريخ الاسماعيلية، نقله الى العربية سيف الدين القصير، دار المدى، دمشق، 2001، ص140

[7] –  المقريزي ، اتعاظ الحنفا ، ج1، 113

– ابن تغري بردي، جمال الدين ابو المحاسن، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، طبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1929، ج4، ص 29، 41

[8] – البيروني، احمد بن محمد، الآثار الباقية عن القرون الخالية، ليبزك، 1913، ص132

[9] – فوزي، فاروق عمر،الخلافة العباسية، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، 1998، ص92-93

– شعبان ، المرجع السابق، ص195-196

[10] – شعبان، الدولة العباسية، ص196-197

[11] – البيروني، ابو الريحان محمد بن احمد، كتاب الجماهر في معرفة الجواهر، عالم الكتب، بيروت، دون تاريخ، ص 22-23

[12] – ابن الاثير، الكامل، ج8، ص452

[13]  – مسكويه، تجارب الامم، طبعة امدروز، ج2، ص86

[14] – المرجع السابق، ص 196

[15] – مسكويه، ج2، ص 113، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص351

[16] – شعبان، ص200-201

[17] – المرجع السابق، ص 201

[18] – مادلونغ، ورفيلد، ” الفاطميون وقرامطة البحرين” ضمن كتاب الاسماعيليون في العصر الوسيط، جمعه فرهاد دفتري، ترجمة سيف الدين القصير، دار المدى، دمشق، 1999، ص 37، وسنشير اليه ب: الاسماعيليون

[19] – المرجع السابق، ص 37

[20] – لعل من ابرزها دراسة دي غويه، وبرنارد لويس، وحسن شرف، وحسن ابراهيم حسن…

[21] – مسكويه، تجارب، ج2، 215 ، شرف،( حسن)، و ابراهيم، (حسن)، المعز لدين الله، القاهرة، 1948، ص100، الاسماعيليون، ص49

[22] – ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والامم، حيدر آباد، 1938، ج6، ص195

[23] – مادلونغ، الاسماعيليون، ص67

[24] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص189

[25] – مادلونغ، الاسماعيليون، ص49

[26] –  ابن القلانسي، حمزة بن اسد التميمي، ذيل تاريخ دمشق، تحقيق سهيل زكار، دار حسان، دمشق، 1983، ص1 المقريزي، ابن الاثير، تاريخ، ج8، ص615 اتعاظ، ج1، ص187

[27] – مادلونع، الاسماعيليون، ص 67 ، انظر نص الكتاب كاملا في المقريزي، اتعاظ، ج1، ص189-201

[28] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص195

[29] –  الازدي، ابن ظافر، الدول المنقطعة، او اخبار الزمان في تاريخ بني العباس، مخطوط مصوّر بدار الكتب المصرية، رقم 890 تاريخ، نقلا عن امينة بيطار، مواقف امراء العرب، ص54

[30] – الانطاكي، يحي بن سعيد، تاريخ الانطاكي، تحقيق عمر تدمري، جروس برس، طرابلس لبنان، 1990، ص 128، المقريزي اتعاظ، ج1، 186-187

[31] – الانطاكي، ص 130

المقريزي، اتعاظ، ج1، ص 103-106

[32] –  ابن القلانسي، ص1

[33] – الانطاكي، ص143، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص591

[34] – ابن الاثير،  الكامل، ج8، ص 591، اتاعظ، ج1، ص186، ابن تغري بردي، نجوم، ج4، ص33

[35] – ابن الاثير، ج8، ص591-592

[36] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص188، ابن تغري بردي،، نجوم، ج4، ص74

[37] – الانطاكي، تاريخ، ص146-147، ابن القلانسي، ذيل، ص1-3، ابن الاثير، الكامل، ج8، 615-616 المقريزي

[38] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص189

[39] – ابن القلانسي، ذيل، ص3- 4

[40] – انظر الكتاب في اتعاظ الحنفا، ج1، ص189-201

[41] – المقريزي، اتعاظ، ص197

[42] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص202

[43] – ابن القلانسي، ذيل، ص3-5-9، ابن الاثير، الكامل، ج8، 638، المقريزي، اتعاظ، ج1، 202-206، ابن تغري بردي، ج4، ص74-75

[44] – ابن القلانسي، ذيل، ص16

[45] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص211

[46] – ابن القلانسي، ذيل، ص10-18، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص640- 641،  واتعاظ، ج1، ص211-214

[47] – ابن القلانسي، ذيل، ص18

[48] – ابن القلانسي، ص20، الكامل، ج8، ص643، اتعاظ، ج1، ص214

[49] – ابن القلانسي، ص21،  المقريزي، اتعاظ، ج1، ص219 ، والطرخان هو الجندي البطال لأكثر من سبب اما لتقدمه بالعمر، او لعزله لسبب سياسي…

[50] – الانطاكي، ص161، مسكويه، تجارب الامم، ج2، ص384 ، ابن القلانسي، ص 21 ، ابو الفدا، المختصر باخبار البشر، ج2، ص 121، المقريزي، اتعاظ، ج1، ص219-220

[51] – ابن القلانسي، ذيل، ص22

[52] – الانطاكي، ص162 ابن القلانسي، ذيل، ص22، 25،  المقريزي، اتعاظ، ج1، ص220-221

[53] –  الانطاكي، ص180 ابن القلانسي، ذيل، ص 28، المقريزي، اتعاظ، ج1، ص238

[54] – ابن القلانسي، ص29

[55] – الانطاكي، ص181، ابن القلانسي، ص 33-34، اتعاظ، ج1، 242-244

[56] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص98

[57] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص187

[58] – ابن القلانسي، ذيل، ص1، الدواداري، الدرة المضيئة في اخبار الدولة الفاطمية، ج6، تحقيق صلاح الدين المنجد، القاهرة، 1961، ص 134

[59] – مسكويه، تجارب، ج2، ص401

[60] – ابن القلانسي، ذيل، ص38-39، الدواداري، ج6، ص192

[61] – مسكويه، تجارب، ج2، ص402، ابن القلانسي، ذيل، ص41-42، الدواداري، ج6، ص 193

[62] – ابن القلانسي، ذيل، ص48-49

[63] – ابن تغري بردي، نجوم، ج4، ص58

[64] – CANARD, M, Histoire de la Dynastie de Jazira et de Syrie, Paris, 1951, p. 667

[65] – الانطاكي، ص 186، ابن القلانسي، ص48

[66] – الانطاكي، ص187، ابن العديم، زبدة الحلب في تاريخ حلب، تحقيق سامي الدهان، المعهد الفرنسي، دمشق، 1954، ج1، ص172

[67] – الانطاكي، ص 187

[68] – ابن القلانسي، ص49

[69] – الانطاكي، ص199-200، الكامل، ج9، ص7، اتعاظ، ج1، ص256

[70]  – الانطاكي، ص200، ابن القلانسي، ص50

[71] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص258

[72] – الانطاكي، ص200-201، ابن القلانسي، ص50-51

[73] – الانطاكي، ص205

[74] – الانطاكي، ص135، ابن العديم، زبدة، ج1، ص161-168، الكامل، ج8، ص603-604

[75] – الانطاكي، ص201، ابن القلانسي، ص51، اتعاظ،ج1، ص259

[76] – ابن القلانسي، ص52، الكامل، ج9، ص18، اتعاظ، ج1، ص259

[77] – الانطاكي، ص220، ابن القلانسي، ص55، اتعاظ، ج1، ص259 – 260

[78] – الانطاكي، ص220، ابن القلانسي، ص55،

[79] – ابن القلانسي، ص61-63، ابن الاثير، الكامل، ج9، ص86-88، اتعاظ، ج1، ص269

[80] – ابن القلانسي، ذيل، ص65-66، اتعاظ،ج1، ص270

جاورهم في بلاد الشام في عهدي المعزوالعزيز

358-386/969-996

علاقة الفاطميين بمن جاورهم في بلاد الشام في عهدي المعزوالعزيز 358-386/969-996

ان تاريخ العصور الوسطى الاسلامية يتجاوز المفهوم السياسي التقليدي المبني على الصراع على السلطة في المنظومة السياسية والاتنية والدينية الواحدة، فقد تجاذبته اطراف عديدة ذات مذاهب واتنيات متنوّعة، وديانات مختلفة. فمنذ قيام دولةالخلافة في العصر الراشدي كانت سيطرة السنة واضحة، واستمرت فعاليتها حتى اواخر العصر العباسي الثاني. ولم يكن الشيعة انذاك مستكيني المواقف، اومتخلفين عن الركب السياسي، فقد عملوا سرا وجهرا لانشاء دول خاصة بهم تبعا لمقتضيات الظروف وتقلبات الاحوال: فكلما كانت تضعف السلطة المركزية العباسية كانوا يغتنمون الفرصة لانشاء دولة او دويلة لا تلبث ان تزول.

    ولم يسر الوضع السياسي والاداري العباسي على وتيرة متصاعدة من النجاح، بل شاخت الدولة وهي بعد شابة، فاعتراها الوهن والتخلف عن مواكبة تطور الاحداث السياسية العاملة على الحط من هيبتها منذ اواخر العصر العباسي الاول، بل من اواسطه عندما قسّم الرشيد الدولة بين اولاده الثلاثة المأمون والامين والمعتصم، وتلا ذلك الصراع بين الاخوين الامين والمأمون المغلف بابعاد سياسية عنصرية ان جاز التعبير، او على الاقل عصبية بين العرب والفرس، مما انهك قدرة الدولة حتى عجزت عن الامساك ببعض الاطراف ولا سيما خراسان التي استقل بها طاهر بن الحسين قائد جيوش المأمون الفارسية.

    ولم يكن عهد المعتصم بافضل، اذا استُهلك جيشه الفارسي الجنسية بالحروب ضد الزنادقة، فاستعاض عنه بعناصر فارسية دخلت جماعات جماعات كل واحدة بامرة قائدها، فانعدم ولاء الجيوش الجديدة للخليفة وانحصر بالقادة[1]. وزاد في الامر سوءا عندما شرع هؤلاء ينازعونه السلطة السياسية والادارية[2]. ومنذ ذلك التاريخ بدأت مسيرة السلطة المركزية للدولة العباسية بالانحدار السياسي والاداري والعسكري، ففقدت سلطانها على معظم الاقاليم، وصار الخليفة صورة دينية، بوجه عام، ورمزا اجوف من كل سلطة سياسية وعسكرية فاعلة.

   في حمأة هذه الصراعات في المشرق العربي كانت الخلافة الفاطمية تأخذ طريقها الى الظهور العلني في عام 297/909 بفضل جهود ابي عبد الله الشيعي، الذي اظهر امامة سعيد بن الحسين، ثم اعلنه خليفة من سلالة الامام علي وفاطمة الزهراء. ولكن ذلك لم يؤد ابدا الى تخط المصاعب الكثيرة التي حبل بها المغرب، فقد كانت حقول الالغام المتنوعة تعترض سبيل استقرار الفاطميين فيه لدواعي متنوّعة بعضها مذهبي بحيث كانت الدويلات التي سبقتهم الى المغرب قد ركزت اقدامها فيه مثل دولتي الخوارج المدرارية والرستمية، ودولة الادارسة الشيعية، ودولة الاغالبة السنية[3]. ناهيك بطبيعة المغرب الوعرة ولا سيما في المناطق الداخلية، اضف الى ذلك مشاكل التركيب البنوي السكاني المبني على الولاء القلبلي. وقد تقاطعت بعض هذه العقبات فيما بينها حتى كادت تودي بالخلافة الفاطمية في ثورت الخوارج المتكررة ولا سيما ثورة ابي يزيد مخلد بن كيداد[4]، مما ادى الى وضع غير مستقر، وحالة استحضار عسكري دائمة الجهوزية.

    على ان عهد المعز لدين الله ( 341-365/953-975 ) هو الذي ارسى بفعالية ركائز حكم الفاطميين في المغرب باقامة علاقات وطيدة مع قبيلتي كتامة وصنهاجة، واخلصت له صنهاجة بحصولها على دور في السلطة[5]، وتمكن ايضا من مد صلاة ود او عدم اعتداء مع القبائل الاخرى. ولكن طموحه لم يكن الاستئثار بالمغرب، وهو الامام الاسماعيلي الفقيه الذي كتب رسائل عديدة في العقيدة الاسماعيلية[6]، بل رغب بتصدير المذهب الاسماعيلي الى كل العالم الاسلامي على الاقل. ولكن اصطدامه بالمقاومة الاموية الشرسة في الاندلس، واقتناعه ان الهدوء في المغرب ليس الا وقتيا بسبب العقلية القبلية وعداء القبائل بعضها للبعض الآخر، هذا فضلا عن ان نفوذ الفاطميين انحصر في المناطق الساحلية اجمالا، من دون ان ينسى المعز تداعيات ثورة ابي يزيد مخلد بن كيداد التي كادت تودي بالاسماعيلية زمن اجداده.

الفاطميون في المشرق: اذا كانت الصعاب التي نشأت في المغرب اقلقت الفاطميين، فان عوامل اخرى تقاطعت فيما بينها وعملت على توجيه انظار الفاطميين الى المشرق العربي وتحديدا الى مصر نقطة الانطلاق نحو العالم المشرقي الرحب. ان سيطرة الفاطميين على صقلية بعد انتزاعها من بني الاغلب، وكذلك بسط نفوذهم على طرق الواحات التجارية كانت تجعل من احتلالهم لمصر محورا مركزيا للسيطرة على  تجارة العبور بين الشرق الاقصى والغرب الاوروبي كون مصر تشكل اقصر حلقة اتصال بينهما، ولأن موقعها المشرف على البحر المتوسط في الشمال وعلى البحر الاحمر في الشرق، بما فيه من موانئ، امتدادا الى المحيط الهندي، يجعل حاكم مصر يسيطر على احد اهم الطرق التجارية القادمة من الشرق الاقصى. وكان حكامها منذ العهد الطولوني يبسطون نفوذهم على الاماكن الاسلامية المقدسة، وهذه النقطة كانت محورية بالنسبة للفاطميين وهي شكلت دافعا رئيسا لهم  لسلب العباسيين احد اهم اسلحتهم الدينية بعد ان كان القرامطة سلبوهم محورا آخر شديد الاهمية بسيطرتهم على طريق الحج الذي قطعوه مرارا وسلبوا قوافل الحجيج تكرارا. ولعل التشرزم السياسي والعسكري الذي حاق بالدولة العباسية ساهم بفعالية ليتوجه الفاطميون الى المشرق، فنجحوا في عهد الخليفة المعز لدين الله  وبقيادة جوهر الصقلي بالاستيلاء على مصر المتداعية امنيا واقتصاديا وعسكريا بفعل الازمات المتنوّعة التي اصابتها بعد وفاة كافور الاخشيدي.

   ويبدو من خلال ما اوردته المصادر المتنوّعة عن اعداد الجيش الفاطمي وعدته وصناديق الاموال التي حملها جوهر معه التي اربت على الألف ومائتي صندوق[7] ان الفاطميين ارادوا التأثير نفسيا واخلاقيا على المصريين اولا، وعلى سائر القوى السياسية والعسكرية في بلاد الشام في مرحلة ثانية، وبالتالي التأثير المعنوي السلبي على الخلفاء العباسيين.

  وازعم ان الخليفة المعز لدين الله درس المصوّر السياسي العسكري الجغرافي في المشرق العربي فوجد الظروف مناسبة للحول مكان العباسيين في مناطق عديدة؛ فقد كان البويهيون الشيعة يسيطرون سياسيا وعسكريا على العراق وبلاد فارس، وبدا الخلفاء العباسيون معهم فاقدي كل دور قيادي[8]. وكان القرامطة منذ زمن بعيد قد قضّوا مضجع العباسيين وانهكوا جنوب العراق بغاراتهم المتكررة التي احتلوا فيها البصرة مرارا وخلّفوا فيها دمارا كثيرا، كما كانت لهم سيطرتهم على قسم كبير من بلاد الشام: في دمشق، وفي البحرين. وكانت تجمعهم بالفاطميين صلاة المذهب الواحد عموما فتوقعوا منهم المساعدة لاضعاف القدرة العباسية السياسية والمعنوية على الاقل. وكان الحمدانيون الشيعة يسيطرون على شمال بلاد الشام في الموصل وحلب وينازعون الاخشيديين السنة السيطرة على قلب بلاد الشام. فكان ذلك المصوّر يؤشر الى انقسام العالم الاسلامي الى فريقين مذهبيين: سني وشيعي. وكانت المعطيات تؤشّر بدورها الى غلبة الشيعة على مراكز القرار حتى في بغداد حاضرة العالم الاسلامي السني، واذا اتحدوا جميعهم قد ينتصرون على السلطة العباسية ويحلون مكانها.

 ومع ارجحية هذا الرأي الذي قال به مؤرخون كثر ازعم ان التاريخ لا يدرس او يفسّر على اساس ديني اومذهبي فقط، على رغم ما لهما من تأثير في تقلب الاحوال وتطور الاحداث وتأثير على الناس، لأن تاريخ العصور الوسطى حافل بالمواقف والتوجهات التي طالما خالفت النظرة الدينية والمذهبية في تفسير الاحداث. فالمصالح الفردية غالبا ما كانت تتفوّق على ما كان يفترضه السلوك المذهبي او الديني من اجل الصالح العام باعتبار ان الغاية الشخصية تبرر الوسيلة، وبالتالي فالتضحية بالمذهب لم تكن وليدة تلك الظروف والمرحلة وان شكلت سمتها، اذ تُبرز لنا الذاكرة التاريخية للعصور الوسطى السابقة على مجيء الفاطميين الى الشرق نماذج كثيرة جدا على التضحية بالديني او المذهبي لصالح السياسي الشخصي، ان لم نقل الاناني الفردي. مما يجعل معادلة او جدلية العلاقة بين الولاء المذهبي والولاء السياسي جديرة بالبحث للخلوص منها بالعبر. 

   وسنحاول في هذا البحث التبحر في التطورات السياسية في المشرق العربي وربطها بالتوجهات المذهبية والدينية للوقوف على سير الاحداث بشكل بياني في مقاربة لدراسة جدلية العلاقة بين الولاء المذهبي والولاء السياسي خلال الفترة الممتدة من 358/ 969 الى 386/ 996

1- علاقة الفاطميين بالبويهيون: خلف البويهيون اتراك العصر العباسي الثاني ( 232-334/847-945) في حكم العراق، وامتد سلطانهم على معظم بلاد فارس مشكلين قوة عسكرية بالغة القوة والخطورة، وسمح توّزع قواهم بين قادتهم الاساسيين واستقلال كل منهم في قسم من البلاد الشاسعة التي سيطروا عليها باضعاف جبهتهم. وما كان ممكنا ابدا لحكمهم ان يستمر ويستقر في العراق بوجود امارات تركية فيه، خصوصا في واسط والبصرة والبطيحة وغيرها[9]. وبعد اخضاعها عملوا على دمج قواتها ولا سيما الفرسان بجيشهم المفتقر الى هذا العنصر الفعال[10].

    اما مواقفهم من الخلفاء العباسيين فقد تأرجحت بين العزل والسيطرة التامة، الى ان استقر الرأي على الابقاء عليهم كرمز ديني اسلامي وتجريدهم من كامل صلاحياتهم المدنية لأنهم افتقروا في مذهبهم الزيدي لبدائل عنهم، اذ يذكر البيروني ان :” معز الدولة … كان يفرط في التشيّع وانه اشخص من بلاد فارس احد كبار العلويين- محمد بن يحي الزيدي- مشتهرا بالديانة وحسن السيرة والصيانة…وانه انما استحضره ليوصل الحق الى ذويه ويسلم الملك والخلافة الى اهليه…- فرد العلوي- ان عامة الناس في الاقطار والامصار قد اعتادوا الدعوة العباسية ودانوا بدولتهم وطاعوهم كطاعة الله ورسوله…”[11] مما يعني ان معز الدولة اقتنع بفشل تحويل الخلافة الى الشيعة او حاول اقناع نفسه بهذا الامر. ويؤيد ما ذهبنا اليه ما اورده ابن الاثير عن بعض خواص معز الدولة حينما اقترح هذا الملك عزل الخليفة العباسي واسناد مركزه الى الخليفة المعز لدين الله الفاطمي قائلا:” ليس هذا برأي فانك اليوم مع خليفة تعتقد انت واصحابك انه ليس من اهل الخلافة، ولو امرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه، ومتى اجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد انت واصحابك صحة خلافته، فلو امرهم بقتلك لفعلوا [12] “. لهذا ابقى البويهيون على الخلفاء العباسيين وجعلوهم رموزا دينية فارغة من اي مضمون حقيقي وفعال[13].

   فهل هذا يعني ان البويهيين اكتفوا بهذه المواقف من الخلافة ام انهم عملوا على اضعاف الفاطميين ليظلوا هم سادة متوّجين في ظل خلافة عباسية ضعيفة لا بل منهكة سياسيا وعسكريا؟

واستطرادا ماذا توّقع المعز لدين الله من البويهيين: هل الوقوف على الحياد امام المد الفاطمي القادم الى بلاد الشام، ام التحالف معه من اجل اسقاط الخلافة العباسية؟

   للاجابة على هذه التساؤلات يقتضي دراسة علاقتهم بالقوى السياسية الاخرى في بلاد الشام التي كانت على تماس مع الفاطميين كالقرامطة والحمدانيين، ومن ناحية ثانية دراسة مواقف هذه القوى الشيعية من الخلافة الفاطمية.

     كان القرامطة يشكلون سدا بشريا وجغرافيا بين البويهيين والفاطميين المرتقب قدومهم الى مصر، ومخافة ان يسقط البويهيون في احضان القادمين الجدد مالءوا القرامطة، وربما من هذا المنظار يمكن تفسير الحالة المهادنة التي طغت على العلاقة بينهما. رغم انها تأرجحت بين المهادنة والصراع، فلم يعتبر البويهيون القرامطة هراطقة خطرين على حد تعبير محمد شعبان، بل تسامحوا معهم شأن موقفهم من كل المذاهب.[14] ولكن احتلال البويهيين البصرة عام 336/948 وسيطرتهم على مينائها ادى الى فرار متوليها او مغتصب سلطتها “البريدي” الى البحرين ملتجئا الى القرامطة، الذين غضبوا من تصرّف البويهيين واعتبروه تعديا على مصالحهم الحيوية، فبعثوا رسولا الى معز الدولة البويهي ليدين تصرّفهم غير المبرر قَرْمَطيا، فاستقبله معز الدولة بكثير من الاحتقار، وهزئ من ادعاء اسياده، فرد القرامطة بحملة فاشلة على البصرة[15]. ومن ثم تمّ الاتفاق بين الجانبين على ترتيبات اقتصادية، كانت اشد فعالية من الصراع العسكري الذي كان من المفترض ان يحقق الغايات الاقتصادية للمنتصر، ارضتهما فاجاز البويهيون للقرامطة اقامة مركز جمركي على مقربة من مركز الجمارك البويهي في البصرة، واجتهد محمد شعبان انطلاقا من الاتفاق المذكور ليسوّغ اتخاذ ترتيبات مماثلة على طريق الحج تقاسم بموجبها الطرفان العائدات المالية[16]، وخففت مفاعيل الصراع العسكري. مما يعني ان الدور المذهبي في تلك العلاقة احتل المرتبة الدنيا، وفاقته اضعافا المصالح الاقتصادية المقرونة بالقوة العسكرية. وازعم انه بدافع من تلك الترتيبات لم يعمد البويهيون للحط من منزلة القرامطة المذهبية او التوسع في محاربتهم، بل اكتفوا بتبيان مقدرتهم العسكرية عليهم، وارضوهم بالحوافز الاقتصادية المذكورة.

   ولعل التفسير لتطوّر الاحداث يظهر نوعا من الرؤية المستقبلية اللاعنفية التي اعتمدها البويهيون، اذ اجتهدوا لمساعدة القرامطة ليبقوا سدا منيعا بينهم وبين اشقاهم في المذهب عنيت بهم الفاطميين، لأنهم على حد تعبير شعبان كانوا:” على استعداد لتقديم تسهيلات كبيرة لكسب القرامطة، وكانوا كذلك على استعداد لمعارضة التجارة عبر ميناء سيراف وتحويل التجارة كلها الى البصرة حيث يتسنى للطرفين اقتسام المكاسب.”[17] ويمكن تفسير مواقف البويهيين من القرامطة تصرفا احترازيا ضد الفاطميين المتوقع قدومهم الى مصر بسبب الحملات المتكررة التي ارسلوها اليها، ومن جهة ثانية اعتبروا ان استقرار الوضع العسكري سيسهم من دون شك بتطوّر القوة الاقتصادية للفريقين مستفيدين من العلاقة المذهبية التي تجمع بينهما وان ظاهريا. وقد نجد تعليلا لهذه المعادلة بما حصل لاحقا بين الفاطميين والقرامطة وبالموقف المعادي الذي اتخذه البويهيون من الفاطميين.

    وعلى هذا لا يمكن اعتبار ان الولاء المذهبي احتل مرتبة عالية عند البويهيين، فهم وان نجحوا بممارسة بعض الشعائر الشيعية كذكرى كربلاء وغيرها في بغداد عاصمة العباسيين والسنة، فانهم في الوقت عينه ما كانوا على استعداد للتنازل عن سلطانهم لأي قوة شيعية مهما بلغ مستواها الديني. وستتضح هذه المعادلة بدراسة علائق الفاطميين بالقوة الشيعية الاخرى في بلاد الشام.

2-  العلاقة الفاطمية القرامطية:

أ- فبل مجيء الفاطميين الى مصر: قد تكون العلاقة بين الفاطميين والقرامطة من اشد العلائق تعقيدا لما كان بين الاثنين من صلاة القربى المذهبية، بل لتحدرهما من جذر مذهبي واحد وعقيدة واحدة. ومن الواضح انه على الرغم من انشقاق حمدان قَرْمَط ومن بعده صهره عبدان داعي دعاة الاسماعيلية عن الاسماعيلية، فان ابا سعيد الجنّابي قائد قرامطة البحرين ظل وفيا للامام الاسماعيلي الفاطمي في المغرب[18]، ويضيف مادلونغ ان الصلاة اشتدت قربا في ظل قيادة ابنه ابي طاهر الذي كان ينفّذ اوامر الخليفة الفاطمي عبيد الله المهدي، واستمر الامر على هذا النحو من التقارب والتفاهم حتى مقتل سابور قائد القرامطة وتولّي الحسن الاعصم مكانه.[19]

    ويشوب دراسة العلاقة بين الفريقين بعد ذلك التاريخ الكثير من التعقيدات بسبب الآراء والاجتهادات المتعددة التي انتهجها المؤرخون المحدثون[20]، ونحن لن ندخل بكل تلك الاجتهادات بل سنكتفي بالاشارة الى ان القرامطة فرضوا وجودهم حتى على السلطة العباسية السياسية المتمثلة بامراء الامراء الاتراك، والملوك البويهيين، وعلى الامراء الحمدانيين، من اجل تأمين طريق الحج الذي صار سلوكه خطرا نظرا لهجمات القرامطة وسيطرتهم على معظم مسالكه، مما حدا بتلك القوى السياسية التفاهم المادي معهم فدفعوا لهم اتاوات لقاء مرور آمن للحجيج، حتى ان سيف الدولة قدم لهم احمالا من الحديد لهذه الغاية[21].

   على هذا، بات القرامطة قوة اساسية بل لاعب سياسي رئيسي في التحولات التي كانت تحصل في بلاد الشام وجنوب العراق، فقد صارت سطوتهم مخيفة، وجهد الحكام الى اجتناب مواجهتهم. وما يهمنا في هذا الاطار هو تطوّر قوة القرامطة عشية دخول الفاطميين الى مصر بظل قيادة الحسن الاعصم، وهل حَسِب لها الفاطميون التقدير الكافي، ام اعتبروا ان توأمهم سينسى الخلافات الجانبية ويؤيّد مواقفهم وينحاز اليهم عسكريا من اجل سيادة الشيعة على العالم الاسلامي المشرقي؟

   لا بد من الاشارة هنا الى ان القرامطة كانوا حوالى عام 313/925 قد انقسموا على انفسهم: فبعضهم كان دعا، على الارجح تقية، الى الخليفة العباسي المقتدر واعلنوه اماما لهم، اذ بعد القبض على حوالى ثلاثين شخصا منهم في مسجد براثا في بغداد وجدوا معهم اختاما نقش عليها: محمد بن اسماعيل الامام المهدي.[22] ولهذا النقش دلالة مذهبية بالغة الاهمية، وهي الدعوة الى الامام محمد بن اسماعيل وليس الى عبيد الله المهدي الامام الفاطمي والخليفة لاحقا، الذي كان قد ادعى انه المهدي. واذا اضفنا الى هذه الحادثة هجوم القرامطة على سلمية بغية قتل جميع الذكور فيها بهدف القضاء على سعيد بن الحسين “عبيد الله المهدي” ندرك كم كان عمق الخلاف المذهبي بين الفريقين. واذا كانت العلاقات عادت بعد ذلك الى الوئام بين الفاطميين والقرامطة فهذا لا يعني ان كل القرامطة كانوا يعتبرون الخلفاء الفاطميين ائمتهم، لانهم استمروا يخصصون خمس غنائمهم ” لصاحب الزمان”، مما يعني عدم انصياعهم للتعاليم الفاطمية، وبالتالي الى بروز ازمة ثقة مذهبية بين الفريقين[23]، انما على الارجح ان قلة من القرامطة انشقت عن الفرع الرئيسي في حين ان البقية كانوا يراسلون الامام المنصور بن القائم الفاطمي ويدعون ان دعوتهم اليه[24].

     ومن الواضح ان القرامطة صاروا قوة مخيفة بل محورية في بلاد الشام يخطب ودها عدد من حكام الدويلات، ففي اواخر عام 354/965 نهب عرب بني سليم قوافل الحاج الشامي والمصري واستولوا على ما كان معهم من امتعة وبضائع، فتدخل القرامطة واسترجعوا المسلوب وقدموه لكافور الاخشيدي حاكم مصر[25] نظرا للتفاهم الذي كان حصل بينهما ومؤداه ان يدفع الاخشيديون ثلاث مائة ألف دينار سنويا للقرامطة[26] مقابل حماية تجارتهم وعدم تعرضهم عسكريا الى بلاد الشام الاخشيدية وتحديدا دمشق، مما جعل بلاد الشام ولا سيما دمشق مجالا ماليا حيويا لهم، ناهيك بعمقهم المذهبي فيها، وبالتالي ما كان ممكنا التخلي عنها بسهولة.

   ونحن لا نعلم ما الذي بدّل العلاقة الجيدة بين الفاطميين والقرامطة قبيل دخول المعز لدين الله الى مصر. ويعزز صحة اعتقادنا، ان الفريقين كانا متفاهمين وئاميا، الكتابُ الذي وجهه هذا الخليفة الى الحسن الاعصم بعد هجوم القرامطة على القاهرة عام 358/969 [27]. فقد اشار فيه بوضوح الى ان القرامطة كانوا، قبل تسلم الحسن الاعصم قيادتهم، يخضعون الى سلطة الامام الخليفة الاسماعيلي، وينفذون اوامره، ومن ذلك قوله للحسن :” فاما انت الغادر الخائن، الناكث البائن، عن هدى آبائه واجداده، المنسلخ عن دين اسلافه وانداده…فعرفنا على اي رأي أصلت، واي طريق سلكت: اما كان لك بجدك ابي سعيد اسوة، وبعمل ابي طاهر قدوة…”[28] فهل كانت المشكلة محصورة بالقائد فقط، ام ان تحوّلا طرأ على سلوك القرامطة المذهبي والسياسي خصوصا بعد الضربات التي انزلها بهم البويهيون، ومن ثم التفاهم المادي الذي تم بينهما، وبالتالي لم يعد لهم مجالا استراتيجيا سوى بلاد الشام؟

  يمكن الاجتهاد بان القرامطة قاموا بانقلاب داخلي في شهر رمضان 358/969 على قائدهم سابور بن ابي طاهر الذي كان يكّن عداء مخيفا للعباسيين وودا للفاطميين وقتلوه بعد مرور شهر واحد على دخول جوهر الصقلي، ولأنه كان ازعج الخلافة العباسية كثيرا بغاراته المتكررة على سواد العراق[29]، ولعل مرد ذلك عدم رغبة القرامطة بالتخلي عن استقلالهم الذاتي والذوبان في الخلافة الفاطمية، والابقاء على الدرع العباسي الذي يعيشون في كنفه من دون كبير مشقة.

ب- بعد دخول الفاطميين الى مصر وبلاد الشام: كانت بلاد الشام محور تنازع بين عدد من القوى الاساسية: الحمدانيون كانوا يريدون الاستيلاء عليها بقصد توسيع امارة سيف الدولة ليستطيع منافسة القوى الاخرى، وكافور الاخشيدي كان يعتبرها امتدادا طبيعيا لمصر وخط دفاع اولي عنها، والقرامطة يعتبرونها مجالا حيويا لهم على عدة مستويات: مذهبي واقتصادي وسياسي وعسكري. فبعد وفاة كافور الاخشيدي ضعفت سلطة الاخشيديين على بلاد الشام، فاغتنم الفرصة القرامطة بمبادرة شخصية منهم ومن دون علم المعز لدين الله الفاطمي عام 353/964 وهاجموا دمشق واحتلوها فصالحهم الحسن بن عبيد الله بن طغج على جزية سنوية مقدارها ثلاث مائة ألف دينار، وأكملوا طريقهم واستباحوا الرملة.[30]وبذلك تأمّن لهم مدخولا ماليا مهما بعد ان كانوا قد تفاهموا مع البويهيين على الارباح التجارية في البصرة وعلى طريق الحج، مما كان يجعل تنازلهم عن السيطرة المالية والسياسية العسكرية في الشام امرا بالغ الصعوبة.

    ادت حملة جوهر على مصر عام 358/969 الى سقوط مصر بايدي الفاطميين بعد ان استسلم معظم الاخشيديين وفرّ القسم الباقي من الاخشيدية الى بلاد الشام. وكان للأمان الذي اعطاه جوهر للمصريين على اموالهم، ودينهم، والتعهّد بالضرب على ايدي المخربين والمفسدين والمحتكرين، والذود عن المصريين، كبير الأثر في قبول المصريين بالحكم الفاطمي.[31] ولما لم تجابهه مقاومة تذكر شرع بتنظيم الادارة وتنفيذ عهده، وبناء القاهرة المعزية، وتطلّع الى بلاد الشام الامتداد الطبيعي لمصر، ولعلّه اعتبر اسياده ورثة الاخشيديين السياسيين حتى في الرقعة الجغرافية التي كانت لهم. ولا ندري اذا كان رغب جوهر، في المغامرة التي خاضها القائد الفاطمي جعفر بن فلاح المرسل من قبله لفتح بلاد الشام، بامتحان جيشه عسكريا، الذي لم يخض معركة عسكرية حقيقية في مصر، وبامتحان آخر لموقف القوى السياسية والعسكرية المتزاحمة على بلاد الشام من الفاطميين، وجس نبض السلطة البويهية في العراق. في مطلق الاحوال كانت مغامرة غير مدروسة لأن جعفر بن فلاح كان منافسا وحاسدا لجوهر ومتعاليا في مواقفه مستهينا باخصامه[32]، وكان يجهل ايضا عقلية السكان المشرقيين ولا سيما الشاميين بل طبائعهم، ومعتادا على الذهنية القبلية المتأصلة بقبائل البربر في شمالي افريقيا. فما كان مصير تلك المغامرة؟

   توجّه جعفر بن فلاح الكتامي عام 359/969 الى الرملة وانتصر على متولّيها الحسن بن طغج واسره، ودخل المدينة عنوة واستباحها، وجبى خراجها وقطع الخطبة العباسية فيها لصالح المعز لدين الله[33]. ثم اكمل طريقه الى طبرية التي خضعت للفاطميين من دون قتال، ثم فتح دمشق بعد ان قاومه اهلها مدة وجيزة واقام الخطبة فيها للمعز بعد ان فرّ منها ظالم بن موهوب العُقيْلي زعيم بني عقيل ملتجئا الى الحسن الاعصم في الاحساء. [34]ونرجّح، قياسا على ما جرى فيما بعد، ان المغاربة _جيش جعفر بن فلاح- اساؤا التصرف تجاه الدمشقيين، مما حدا بالشريف ابو القاسم بن ابن يعلي الهاشمي، بما توفّر لديه من احداث المدينة، الى مقاومة الفاطميين والى اعادة الخطبة للمطيع العباسي، وجرى قتال عنيف بين الفريقين كانت كفته راجحة الى جانب المغاربة. وبعد مشاورات تم الصلح بين الدمشقيين وجعفر بن فلاح، فدخل المغاربة المدينة وعاثوا فيها فسادا ونهبوا قسما كبيرا منها فثار الاهالي، واشتد القتال، فاحرق المغاربة قسما من دمشق. وبعد ان توقف القتال بسعي من الخيّرين، قبض على الشريف الهاشمي وارسل الى القاهرة، وعلى مجموعة من الاحداث، فهدأت الحال في الشام[35].

هجوم القرامطة على دمشق: يرجع بعض المؤرخينسبب هجوم القرامطة على دمشقلانقطاع الجزية الاخشيدية عنهم. قد يشكل هذا السبب دافعا، ولكن ما الذي جعل القرامطة يسوّدون اعلامهم ويكتبوا عليها ” السادة الراجعون الى الحق”، ويعملون باسم الخليفة العباسي المطيع[36]؟ فهل هذا يعني طلاقا تاما بين اهل العقيدة الواحدة، ولماذا حاد القرامطة عن الخط الذي كانوا ساروا عليه لمدة طويلة؟ اسئلة كثيرة لا نجد لها جوابا شافيا الا بدراسة معمقة لتطوّر العلاقة القرمطية الفاطمية منذ اعلان سعيد بن الحسين نفسه مهديا وحتى دخول المعز لدين الله الى مصر. وقد حاول عدد من المؤرخين المشهود لهم القيام بمثل هذه الدراسة من دون التوصل الى جواب نهائي.

    وما نطرحه للبحث في هذا المجال هو تصرف القرامطة المغاير كليا لمواقفهم السابقة بحيث سارعوا الى الهجوم على دمشق، فاستهان بهم جعفر بن فلاح، فانقضوا عليه وقتلوه، واستردوا دمشق وكامل بلاد الشام التي كان اخضعها جعفر، وخطبوا في كل مدنها الى المطيع العباسي[37] ويقول المقريزي في هذا الصدد:” واقام القرامطة الدعوة للمطيع لله العباسي في كل بلد فتحوه، وسوّدوا اعلامهم…واظهروا انهم كأمراء النواحي الذين من قبل الخليفة العباسي.”[38] 

    لم يكتف القرامطة بما انجزوه في بلاد الشام، بل بدا وكأنهم يريدون استئصال شأفة الفاطميين في المشرق، وكأن عداوة دفينة ذرت قرنها بين الفريقين، حتى بات الامر مسألة شخصية. فهاجموا القاهرة وحاصروها بما اجتمع اليهم من العرب والاخشيدية. وتمكّن جوهر بعد جهد جهيد من صد الهجوم وارغام القرامطة على التراجع الى بلاد الشام.[39] وكتب الى المعز يستدعيه على جناح السرعة ليجد حلا لمعضلة القرامطة، فحاول المعز اعتماد السياسية الدبلوماسية بان ارسل الى الحسن الاعصم كتابا طويلا يذكر فيه نفسه وفضل اهل بيته، وان الفاطميين والقرامطة على مذهب واحد مشيدا بالعلاقة التي جمعت بينهما ايام ابيه واجداده، ومهددا الحسن من جهة ثانية[40]، وعتب عليه بل قرّظه لأنه دعا للعباسيين قائلا:” بئس الاسم الفسوق بعد الايمان، وعصيانك مولاك، وجحدك ولاك، حتى انقلبت على الابار وتحملت عظيم الاوزار، لتقيم دعوة درست، ودولة طمست…”[41] فرد الحسن:” وصل الينا كتابك الذي كثر تفصيله، وقلّ تحصيله، ونحن سائرون على اثره والسلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل[42].” مما يعني انه رفض حتى النقاش العقائدي، او ان يقترح لقاء، او يطلب امرا محددا، بل كان مدفوعا بحمية وحقد بالغين، قد يكونان غير مبررين مذهبيا، الا اذا كان الحسن اراد الحصول على مصر وبلاد الشام من العباسيين ليحكمهما باسم الخليفة العباسي: فلماذا لا يحل مكان الاخشيديين، وتاليا مكان الفاطميين، ما دامت املاك الدولة العباسية معروضة للاغتصاب، وكل قادر يقتطع منها رقعة يقيم عليها دويلته؟!

    سار الحسن الى مصر يرافقه اميران عربيان هما حسان بن الجراح الطائي امير عرب بلاد الشام، وظالم بن موهوب العقيلي وحاصروا القاهرة. وكانت القوات الفاطمية عاجزة عن مجابهة هذا الجيش المتعدد المشارب، فعمد المعز الى الحيلة فاستمال حسان بن المفرج الطائي بالمال ما ادى الى هزيمة القرمطي. فاستعاد المعز بلاد الشام وعيّن عليها ظالم بن موهوب العقيلي واليا[43].

   ان انتصار المعز على القرامطة لا يؤشّر ابدا الى ارجحية قوته، بل يوضح العجز الفاطمي عن التصدي لهذه المجموعة، ما يطرح تساؤلا اساسيا بل مركزيا : هل فعلا كان الفاطميون بوارد مهاجمة العباسيين، ام كانوا يعتمدون على القوى الشيعية الاخرى المنتشرة في بلاد الشام والعراق وبلاد فارس لتعاونهم عسكريا ومذهبيا ؟!

لم يكن اختيار ظالم بن موهوب العقيلي واليا لدمشق خيارا صائبا، لسببين: لأن الجيش الفاطمي كان بقيادة  ابي محمود بن جعفر بن فلاح الكتامي غير الكفوء” ولم يكن صاحب رأي سديد ولا تدبير حميد ولا حسن سياسة”[44]، ولازدواجية، من ناحية ثانية، في السلطة والرأي والسلوك بين ظالم وابي محمود.

      كان الدمشقيون قد كرهوا المغاربة منذ حملة جعفر بن فلاح، واعتاد الجيش الفاطمي الغريب الدار على النهب والسلب من دون الإلتفاة الى المصلحة العامة. وكان نشوب الصراع بين الغرباء والدمشقيين شبه حتمي لأسباب متعددة: انحصر هم ظالم بجباية الخراج لأنه كان موقنا قصر ولايته على المدينة، ورغب الاحداث بالثأر من المغاربة، وجنح المغاربة الى السلب والنهب. وكان اشراف دمشق في مأزق كبير لأنهم كانوا عاجزين عن كبح جماح الاحداث والعامة الشامية، وعاجزين ايضا عن انتزاع تعهّد من ابي محمود يكبح جماح الجيش المغربي او السيطرة عليه، لأنه فعلا كان غير جدير بالمسؤولية لقلة دربته، ولافتقاره للمال لأن الخراج كان يجبيه ظالم ويتصرف به[45]

   وهكذا اندلع الصراع بين الاطراف المتنازعة على مدى ما يقرب الثلاثة اشهر بين كر وفر، فاعتدى المغاربة على اسواق القاهرة واهلها واضرموا النار فيها وفي العديد من احيائها، واستولوا على القوافل التجارية والتموينية القادمة اليها او المارة بالقرب منها، وانتهبوا القرى. ولم يؤدِ انحياز ظالم بن موهوب العقيلي الى جانب الدمشقيين الى توازن في القوى المتحاربة، بل استمرت الغلبة للجيش المغربي.[46]ويوجز ابن القلانسي الحال قائلا:” وانتشر الفساد في سائر الضياع والجهات، وطرحت النار في الاماكن والحارات، وثارت الفتنة واشتدت النار، وعظم الخوف وفني العدد الكثير من الفريقين.”[47]

   نتائج السياسة العسكرية الفاطمية في الشام:

1- على المستوى المدمشقي الداخلي: لما علم المعز بالاوضاع الدمشقية طلب من ريّان الخادم والي طرابلس التوجه الى دمشق لحفظ الامن فيها والنظر باحوالها، وصرف ابي محمود عنها، خوفا من تزايد الهوة بين الدمشقيين والسلطة الجديدة الطارحة نفسها حلاً للمشاكل الاسلامية، التي عجزت عن تنفيذها الخلافة العباسية بوجود الاغراب على رأس السلطتين العسكرية والسياسية في العراق. وارسل المعز الى القائد المعزول كتاب توبيخ وتقريظ.[48]  اما الدمشقيون فقد ذهولوا من هول ما جرى، واستاكنوا آنيا بانتظار الفرصة المناسبة للانقضاض على الحكم الفاطمي، الذي صار بنظر معظمهم قمعيا.

2-على المستوى الاقليمي: كانت الصراعات في العراق على اشدها بين البويهيين بزعامة بختيار بن معز الدولة والاتراك الجدد وتحديدا حركة سبكتكين الذي كان أفتكين التركي احد ابرز قادته، وكان قد انهزم امام القوة البويهية واستقر في جوسية احدى اعمال دمشق ومعه حوالى ثلاث مائة جندي من الطراخنة.[49]ولعبت المصالح الشخصية والاقليمية دورا بارزا في توجيه كفة الصراع: فقد كان البويهيون يريدون القضاء على القوة التركية الجديدة في جيشهم، وفي آن ما كانوا يودون النجاح للفاطميين والاستقرار في بلاد الشام حفاظا على مصالحهم. وجهد الحمدانيون لابعاد الخطر الفاطمي عن دويلتهم في حلب ومارسوا سياسات عدائية ضمنية ضدهم. وكان الامراء العرب في فلسطين يقومون بدور المستفيد من الرياح من اين هبت، فارتأى  ظالم العقيلي متولي بعلبك من قبل الفاطميين ان يحارب افتكين ليرتفع مركزه عند الفاطميين.

   وتلاحقت المواقف والاحداث سريعا، وحولت افتكين الى بيضة قبان في الصراعات: فارسل له ابو المعالي بن حمدان ثلاث مائة جندي بقيادة بشارة الخادم نكاية بظالم الذي كان يريد قتاله تقربا من السياسية الفاطمية، ورجاه  الدمشقيون ليقودهم ويساعدهم لردع تعديات الاحداث، وقتال المغاربة اذا اقتضى الامر[50]، وقال ابن القلانسي الدمشقي في هذا الصدد:” فنزل بظاهرها-اي دمشق- خرج اليه شيوخها واشرافها وخدموه، واظهروا السرور به، وسألوه الاقامة عندهم، والنظر في احوالهم، وكف الاحداث الذين بينهم، ودفع الاذية المتوجهة عليهم منهم…”[51] مما يعني ان الوضع الداخلي في دمشق كان غير مستقر، واهلها منقسمين فريقين: الاحداث الذين بدفاعهم عن مدينتهم آذوا الدمشقيين انفسهم بممارساتهم الشاذة، والخاصة الدمشقية الدينية والاقتصادية الراغبة بالهدوء باي ثمن.

    وارتفعت منزلة افتكين عند الدمشقيين لأنه قطع الخطبة الفاطمية، وقمع حركات الاحداث وشغبهم، واسترد ضواحي دمشق من العرب الذين كانوا استولوا عليها ابان الفوضى العسكرية، ولأن مقدرته الدبلوماسية نجحت بدرء خطر حملة ابن الشمشقيق عنها، فقد اكرم وفادة الامبراطور البيزنطي بان قدم له كل ما كان حمله معه من بغداد، ولعب امامه ضروبا مدهشة من الفروسية، فاعفى دمشق من الجزية التي كان فرضها على اهلها[52].

   وحاول افتكين تمكين مركزه في المدينة بطلب المساعدة من القرامطة، الذين سارعوا الى الرملة واستولوا عليها بعد ان هرب ابراهيم بن جعفر واليها الفاطمي[53]. واطمأن افتكين الى هذا الحاجزا الذي شكلوه بينه وبين الفاطميين من دون ان يقدر الموقف الفاطمي حق تقديره، منتهزا الفرصة للاستيلاء على الساحل الفاطمي في بلاد الشام والداخل اللبناني، بقصد الاستقلال ببلاد الشام بعد تفاهمه مع القرامطة، مما افشل جهود المعز لدين الله الهادفة الى جعل افتكين واليا فاطميا على بلاد الشام.

ولما أمن افتكين جنوب بلاد الشام بواسطة القرامطة وعلم بوفاة المعز بدأ بتنفيذ مشروعه الاستقلالي: فاحتل صيدا وطرد منها ابن الشيخ واليها الفاطمي، واكمل طريقه الى عكا. ولما فشل العزيز، الذي خلف والده المعز باصطناع افتكين الذي رد على كتابه بانفة وجفاء :” هذا بلد اخذته بالسيف وما ادين فيه لاحد بطاعة ولا اقبل منه امرا.”[54] ارسل جوهر الصقلي على رأس جيش جرار لاستعادة بلاد الشام كلها، فتراجع افتكين الى دمشق بعد ان حمل معه المؤن من حوران وغيرها من المناطق الزراعية استعدادا لحصار فاطمي مرتقب. ولما كان تعداد القرامطة غير كاف في الرملة لمجابهة جوهر انكفؤا الى الاحساء، من دون ان يخرجوا نهائيا من المعادلة العسكرية.

    في عام 975 هاجم جوهر دمشق وحاصرها وضيّق على افتكين واضطرّه للاستنجاد بالقرامطة بقيادة الحسن بن احمد الاعصم الذي اسرع لنجدته حفاظا على مجالهم الحيوي واضغافا للموقف الفاطمي في بلاد الشام. ومخافة ان يصبح جوهر بين نارين تراجع الى طبرية فالى الرملة وتحصّن بها بعد ان اودع احماله في عسقلان، ولاحقه افتكين والقرامطة. وبعد مناوشات وحروب عديدة انهزم جوهر بنهايتها، وبعد محادثات شاقة تم الصلح بينهما وسمح بموجبه لجوهر الانسحاب الى القاهرة شرط ان يمر تحت سيف أفتكين ورمح القرمطي تدليلا على الهزيمة بل على الذل والمهانة. فعاد الى القاهرة عام 368/978 وتذرّع للعزيز بان تخاذل الجيش المغربي وتحديدا الكتاميين بالقتال ادى الى هذه النتائج الكارثية.[55]

  لم يُخفِ العزيز غضبه لان مهابة الفاطميين كانت في الميزان، رافضا النتائج المذلة التي اسفرت عنها حملة جوهر، فقاد جيشا جرارا وتوجه الى بلاد الشام وهزم افتكين والقرامطة معا. ولما قُبض على افتكين ومثل بين يديه عفا عنه واكرمه، وتلك سياسة اتبعها الفاطميون في معظم مراحل تاريخهم من دون ات تعطي ثمارا، فاسطناع المتمردين، او العفو عنهم كانت نتائجه باستمرار كارثية.

    وانتهى بذلك فصلا اساسيا من مراحل الصراع بين القرامطة والفاطميين بمشاركة فعالة من القوى المتضررة من دخول الفاطميين المعترك السياسي في بلاد الشام مظهرا ان الروابط المذهبية، كانت على صعيد الواقع وتضارب المصالح، اقل قوّة وفاعلية مما كانت تبذو عليه على المستوى التنظيري. لأن السياسة كانت تتقمص تلاوين دينية ومذهبية لتحقيق اغراض اقل ما يقال فيها شخصية بل انانية، ولكن الصراع لم ينته بين توأمي المذهب الاسماعيلي، فعاد باشكال اقل حدة فيما بعد خصوصا في عهد الحاكم بامر الله الفاطمي.

3-العلاقة مع الحمدانيين:

أ – في الموصل: كان الحمدانيون العرب شيعة ويتأثرون قوة وضعفا بولاءات القبائل العربية في بلاد الشام، وتمكنوا من تأسيس امارتين: الاولى في الموصل وكانت، في المرحلة التي ندرس، بقيادة ابي تغلب، والثانية في حلب بقيادة ابي المعالي ابن سيف الدولة. وعندما قدم جوهر الى مصر كاتبه جماعة منهم يبذلون له الطاعة، ويضعون قوتهم في خدمته، فارسل يستشير سيده. ولكن المعز لدين الله كان له موقف صارم من الحمدانيين،  فكان يعتبرهم وصوليين، وممارسي التقية السياسية تحقيقا لمآربهم، فكتب الى جوهر ينير سبيله قائلا:” احذر ان تبتدئ احدا من بني حمدان بمكاتبة –ترهيبا له ولا ترغيبا- ومن كتب اليك منهم فاجبه بالحسن الجميل، ولا تستدعه اليك، ومن ورد اليك منهم فاحسن اليه، ولا تمكّن احدا منهم من قيادة جيش ولا ملك طَرَف، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة اشياء عليها مدار العالم، وليس لهم فيها نصيب: يتظاهرون بالدين وليس لهم فيه نصيب، ويتظاهرون بالكرم وليس لواحد منهم كرم في الله؛ ويتظاهرون بالشجاعة، وشجاعتهم للدنيا وليست للآخرة؛ فاحذر كل الحذر من الاستنامة الى احد منهم.”[56] محددا بهذا الموقف سياسته تجاههم، ومحذرا جوهر من التعاطي معهم، او دعوتهم لاقامة الخطبة للفاطميين.

   انما العلاقة التنافرية بين جوهر والقائد جعفر بن فلاح جعلت الاخير يخالف وصية المعز – وقد يكون لم يطلع عليها – بان حاول اخضاع ابي تغلب بن حمدان بالقوة او ان يرهبه، اذ بعد احتلاله الرملة ثم طبرية ارسل اليه رسولا ليقول له:” اني سائر اليك فنقيم الدعوة.” فرد ابو تغلب وكان في الموصل:” هذا ما لايتم لأنا في دهليز بغداد، والعساكر قريبة منا، ولكن اذا قربت عساكركم من هذه الديار امكن ما ذكرتم.”[57]  واضح ان في الجواب هزءا واحتقارا من استكبار جعفر، وحضّا للقدوم الى الموصل ليدخل بصراع مع البويهيين اصحاب السلطة العسكرية الفعلية في العراق، وكان على يقين ان جعفر لم يقدم على هكذا مشروع من دون موافقة المعز لدين الله.

    وكان ابو تغلب شارك بفعالية بمقتل جعفر بن فلاح وبسقوط دمشق بيد القرامطة بان امدّهم بالمال والسلاح والرجال بطلب من عز الدولة بختيار البويهي[58]. ولما تدخل ابو نغلب بسياسة البويهيين الداخلية هاجمه عضد الدولة وطرده من امارته ولم يسمح له بالعودة اليها، مما اضطره للالتجاء الى دمشق الفاطمية التي كان يتولاها قسّام الحارثي[59]، الذي كان يخشى من ان يستميل ابو تغلب الخليفة العزيز ليوليه على دمشق بدلا منه، لذلك اثار الخليفة على هذا الخصم المرتقب.[60]

   وبفشل مشروعه مع قسّام حاول مجددا مع القائد الفاطمي الفضل بن صالح المنتدب من قبل العزيز للاتفاق مع بني الجراح في الرملة وقسّام الحارثي للتخلص من مناورات ابي تغلب. ووقع الحمداني في الفخ الذي نصبه له الفضل بن صالح مع بني الجراح وبني عقُيْل، فاشترك في القتال لاخراج بني الجراح من المعادلة السياسية في فلسطين، وانتهى الامر بانقلاب الفضل عليه خلال المعركة، ثم اسره واعدامه.[61]

ب – في حلب: شهدت حلب الحمدانية عصرها الذهبي في ظل سيف الدولة، وبوفاته عام 356/966 خلفه ابنه سعد الدولة ولم يكن على قدر من الحنكة السياسية والمقدرة العسكرية، والدربة الادارية. فاستغل مولاه قرعويه نقاط ضعفه هذه وتمرد عليه وسلبه الحكم[62] قبل دخول الفاطميين الى مصر بعام واحد اي سنة 358/968.

 ولم تسلك حلب سياسة واضحة المعالم تجاه القوى السياسية الاساسية المتصارعة: فحينا كان حاكمها يوالي الخلافة العباسية وحينا آخر الخلافة الفاطمية، ومرة ثالثة الامبراطورية البيزنطية، تبعا لتقلب الاحوال ومقتضيات الظروف جريا وراء مصالحه الشخصية. وفي عام 360/970 اصطلح الحال بين سعد الدولة وقرعويه بمباركة فاطمية من دون ان يتمكن سعد من استرجاع امارته ربما لأنه لم يكن يملك القوات الكافية، ولأن الفاطميين ما كانوا يريدون الدخول في سياسة المحاور الداخلية بين الاثنين لعدم ثقتهم بهما، ولجعل حلب خط دفاع اولي ضد البيزنطيين، واكتفوا بخضوعها الاسمي لخلافتهم[63]. ولم يبذل العباسيون  جهدا ايضا لمساعدته للعودة الى امارته[64] ربما لأنهم لم يتوسموا فيه القيادي البارز.

   ولم يطل الامر بقرعويه حتى انتزع منه الحكم مولاه بكجور بمباركة سعد الدولة[65]، ثم دخل بصراع مع سعد الدولة الذي تمكن من العودة الى حلب واعطى بكجور ولاية حمص[66]. ويبدو جليا ان الفاطميين بعد ان شبه استقر لهم الوضع في الشام الجنوبي عموما، وجّهوا انظارهم لاستكمال اخضاع بقية بلاد الشام وتحديدا شماله رغم المخاطر، التي كان يمكن ان تتأتى عن مجاورة البيزنطيين المباشرة. ويبدو ايضا ان جعفر بن فلاح اخاف الحمدانيين في كامل بلاد الشام عندما طلب منهم بتهديد مبطن اقامة الخطبة الفاطمية.

   وعجز سعد الدولة عن اقامة توازن بين القوى الثلاث الاساسية المحيطة به، او الاخلاص لاحداها ليأمن بمساعدتها خطر القوتين الاخريين، وحاول اعتماد الولاء المزدوج للفاطميين وللعباسيين الممثلين بالبويهيين اصحاب السلطة الفعلية[67].

   وتمكّن بكجور بحسن ادارته وحزمه من تطوير حمص على المستويين الاداري والاقتصادي التجاري بتأمين الطرقات اليها من اللصوص وقطاع الطرق[68]، اذ ضرب القبائل العربية التي كانت تعيث فسادا ليس فيها فحسب بل في محيط دمشق، فارتفع شأنه عند الخليفة الفاطمي العزيز بالله.

    وضاع دغفل بن الجراح الطائي رغم قوة قومه في هذا الخضم من الصراع المتنوع الاتجاهات والولاءات، حتى اضطر بعد ان هزمه رشيق الحمداني الى اللجوء الى انطاكيا ملتمسا النجدة من الامبراطور البيزنطي باسيل الثاني، وبعد حصوله على الصلة عاد الى الشام والتمس الصفح من الخليفة العزيز[69]. وكان بكجور يجتهد للتقرب من الفاطميين فدعا للعزيز وهو في حمص، ثم طلب منه جيشا لاحتلال حلب وضمها للفاطميين مما ادخل الفاطميين، للمرة الاولى، بصراع مكشوف مع الحمدانيين[70]. واثناء حصار بكجور للمدينة خرج الامبراطور البيزنطي نقفور فوكاس على رأس جيش كبير يرافقه دغفل بن الجراح في غزوة على بلاد الشام. وكما ان حملة ابن الشمشقيق  Iohannès Tzimiskès(969-979) اعادت خلط الاوراق السياسية والعسكرية في بلاد الشام ايام المعز لدين الله، فان حملة نقفور فوكاس Niképhoros Phokas (963-969)  عام 373/983 اعادت الكرة: فتراجع بكجور عن حصار حلب بعد ان حذّره ابن الجراح[71]، واتفق مع سعد الدولة على اربعين ألف دينار جزية سنتين، ثم اكمل طريقه الى حمص وسباها واحرق قسما منها بعد ان نهبها ليحقق هدفين معا: الحصول على غنائمها، واضعافا لبكجور عدو حليفه سعد الدولة ،[72] ثم اكمل طريقه باتجاه طرابلس.

    واذا كانت هذه الحملة البيزنطية حققت المصالح البيزنطية الاساسية اضافة الى تعزيز موقع حليفها الآخذ بالانحدار، فانها ايضا شددت قبضتها عليه بالتأكيد على معاهدتها السابقة او الهدنة المؤبدة كما يسميها الانطاكي[73] التي  كان عقدها البيزنطيون مع الحلبيين عام359/ 969، ومما جاء بابرز بنودها: يحمل الحلبيون الى الروم عن حلب وحمص واعمالهما ثلاثة قناطير ذهب عن حق الارض، وسبعة قناطير ذهب ايضا بدل خراجها، ودينار واحد سنويا عن كل رجل حالم، ويكون للروم نائبا فيها[74]. ويمكن اضافة دافع آخر لهذه الحملة البيزنطية المفاجئة وهو وقف المد الفاطمي المتنامي الذي بدأ يتدخل بامور الحمدانيين الآخذ دورهم بالضعف في حلب ليحلوا مكانهم فيها، مخافة ان يصبح البيزنطيون في مواجهة مباشرة معهم. وفعلا حققت هدفها لأن بكجور تراجع عن حصار حلب وتوجّه نحو الشام وطلب من الخليفة العزيز ولايتها، فتم له ذلك عام 373/983 على رغم معارضة الوزير الفاطمي يعقوب بن كِلِّس[75] الذي رأى في بكجور مشروع استقلال في دمشق ونزاع مستقبلي مع الخلافة الفاطمية.

    حاول بكجور الافادة ماليا قدر المستطاع من ولايته على دمشق، وجهد لابتزاز الوزير ابن كلس بان قتل احد جواسيسه المدعو ابن ابي العود اليهودي، ودارت حرب باردة بين الاثنين كانت ارجحيتها لبكجور المؤيَّد من الخليفة العزيز. واشتد ظلم بكجور على الدمشقيين في انفسهم، واموالهم. وضاق به ذرعا العزيز لكثرة ما خالف اوامره، [76]وارسل حملة للقضاء عليه بقيادة القائد منير الخادم في رجب من عام 378/988. وادرك بكجور ان العزيز لن يرض عنه فسار عن دمشق بامواله نحو الرَقّة يرافقه دغفل بن الجراح[77] بعد ان سدت كل الابواب بوجهه: ومنها انهزام الكردي المتغلّب على ميّافارقين امام الجيوش العباسية وكان كاتبه طالبا ان يجيره وان يخطب للعزيز على غراره معللا النفس بصفح العزيز، وخوفه من المؤامرات التي كان يحيكها الوزير ابن كلّس ضده، ومنها ايضا فشله في الحصول على ملجأ عند البويهيين، وخشيته من وصول نزّال والي طرابلس عونا لمنير الخادم الذي ارسله العزيز واليا على الشام. عند ذلك ترك دمشق لمنير الخادم، وطلب من سعد الدولة الحمداني اعادته الى ولاية حمص، فاجابه[78] ليأمن شره من جهة، وليستخدمه لابعاد خطر الفاطميين عن حلب من جهة ثانية، هذا على الاقل ما اعتقده سعد الدولة صوابا، والا لم يكن هناك دافع حقيقي يرغمه على اعطائه ولاية حمص. لأنه بغبائه كاد يدخل مجددا بصراع مباشر مع الفاطميين، وعن طريق بكجور بالذات، الذي فشل في الاستيلاء على حلب رغم الرشوة التي قدمها لجماعة من مماليك سعد الدولة ليساعدوه  بالانقلاب على سيدهم، ولكنه انتهى اسيرا في حلب، وتم اعدمه فورا.[79]

    ويبدو ان سياسة الفاطميين واصطناعهم القادة لم يكن دائما يوتي ثماره، فمعظم القادة الذين كانوا  يتولون دمشق كانوا يعمدون للاستقلال فيها، فيرسل الخليفة قائدا آخر لازاحة المتغلّب عليها، فلا يلبث ان يستقل بها بدوره. وحاول العزيز توحيد بلاد الشام كلها بعد ان اضعف القرامطة واستولى على معظم بلاد الشام سوى اطرافه الشمالية وبعض جنوبه، فبعث رسولا الى سعد الدولة الحمداني يدعوه لاقامة الخطبة الفاطمية، وكان الامير الحمداني على دراية بواقع الحال الفاطمي المتردي في دمشق، فاهان الرسول واطعمه الكتاب، وارسل معه تهديدا للعزيز متوعدا بالهجوم على دمشق[80]. ولكن الموت فاجأه لتنتهي بذلك مرحلة ثانية من الصراع بين الحمدانيين والفاطميين، رغم ان حالة العداء لم تنته، وظل الحمدانيون مكابرين، يستظلون الحماية البيزنطية كلما احدق بهم الخطر، الى ان انتهى امرهم عام 1002 في عهد الحاكم بامر الله الفاطمي(996-1021)

     لقد نشأت الخلافة الفاطمية على المذهب الاسماعيلي وهدف مؤسسها الى نشره في العالم الاسلامي كلّه، واعتقد ابناؤه واحفاده ان العمل على الاساس الديني بل المذهبي قد يمكنهم من تطوير خلافتهم واضعاف نظيرتها العباسية عدوتهم المذهبية بفعل انتشار الدويلات الشيعية في المشرق العربي. ولعلّ افتراض الخلفاء الفاطميين ووزرائهم وقادتهم في عهدهم الاول في مصر وبلاد الشام اي في عهدي المعز والعزيز ان الولاء المذهبي قد يوحّد بين الدويلات الشيعية المتعددة في بلاد الشام والبويهيين في العراق تحت المظلة الفاطمية، فتسود خلافتهم على كامل الرقعة الجغرافية المشرقية. ولكن سوء تقديرهم للاطماع الشخصية المغلّفة بغطاء مذهبي، وقلة دربة قادتهم وسوء سلوكهم تجاه الحمدانيين والدمشقيين، وعدم أخذهم بالاعتبار مصالح القرامطة، بل حسن قراءة العلاقات القرمطية الفاطمية منذ اعلان سعيد بن الحسين نفسه مهديا مما كان يتنافى والعقيدة القرمطية، وتاليا قلّة التبحّر بحالات العداء والوئام بين الفريقين، وعدم تنسيق الفاطميين سياسيا مع القرامطة واشراكهم في الحكم، كان له كبير الاثر في فشل المشروع الفاطمي المذهبي. ويجب الا يغيب عن بالنا دور البويهيين المناهض للتوسع الفاطمي الذي كان سيضعف من قدراتهم السياسية وتطلعهم الاستقلالي، مما جعلهم يغذّون كل الحركات الاستقلالية في بلاد الشام ماليا واحيانا عسكريا، بل كانوا هم وراء معظم تحركات القرامطة المعادية للفاطميين، وضغطوا سياسيا وعسكريا على الحمدانيين للغاية عينها.

    واذا كان من خلاصة نسترشد بها من خلال كل ذلك المسرح السياسي العسكري والديني والمذهبي، نقول ان التلطي وراء الاقنعة الدينية والمذهبية لم يكن سوى بداية مرحلة استقلالية، لا تلبث ان تتحوّل مشروعا عسكريا يهدف للقضاء على كل القوى التي تعترضه حتى وان كانت من مذهبه، وبالتالي فان عملية الدفاع عن النفس اعتبرها اصحابها عملا مشروعا يقتضي انجاحها بكل الوسائل من دون التطلع الى المصالح العليا التي طالما حلم بها فرقاء ما، وبالتالي فان الولاء المذهبي خرّ صريعا امام الولاء والسياسي والطموح الشخصي.


[1] – ابن الاثير، عز الدين ابو الحسن علي، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1965، ج7، ص32، 64،

– المسعودي، علي بن الحسن، التنبيه والاشراف، مكتبة خياط، بيروت، 1965، ص361

– شعبان، محمد عبد الحي محمد، الدولة العباسية –  الفطميون، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1981، ص98

[2] – انظر حول تفكك الخلافة العباسية الى دويلات وامارات: مؤلف مجهول، العيون والحدائق في اخبار الحقائق، تحقيق عمر السعيدي، دمشق، المعهد الفرنسي للدراسات الاسلامية، 1973، ص 298-299

  • ابن الاثير، ج8، ص322-324
  • ضومط، انطوان وآخرون، الشرق العربي  في القرون الوسطى، الدار اللبنانية للنشر الجامعي، بيروت، 1966، ص112-114

[3] – العبادي، احمد مختار، في التاريخ العباسي والفاطمي، دار النهضة العربية، بيروت، 1971، ص226-2229

[4] – القاضي النعمان، محمد بن حيّون، المجالس والمسايرات، تحقيق ابراهيم شبّوخ وآخرين، الجامعة التونسية، تونس، 1978، ص55، 73، 114، 214، وغيرها، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص 422 وما بعد، ابن عذاري، ابو عبد الله محمد المراكشي، البيان المغرب في اخبار الاندلس والمغرب، تحقيق كولان وليفي بروفنسال، ليدن، 1948، ج1، ص216-220

المقريزي، تقي الدين احمد بن علي، اتعاظ الحنفا باخبار الائمة الفاطميين الخلفا، تحقيق جمال الدين الشيال، ط2، القاهرة، 1996، ج1، ص78-79

[5] – المقريز، تقي الدين احمد بن علي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، طبعة دار صادر، بيروت، بدون تاريخ، ج1، 8

[6] – دفتري، فرهاد، مختصر تاريخ الاسماعيلية، نقله الى العربية سيف الدين القصير، دار المدى، دمشق، 2001، ص140

[7] –  المقريزي ، اتعاظ الحنفا ، ج1، 113

– ابن تغري بردي، جمال الدين ابو المحاسن، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، طبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1929، ج4، ص 29، 41

[8] – البيروني، احمد بن محمد، الآثار الباقية عن القرون الخالية، ليبزك، 1913، ص132

[9] – فوزي، فاروق عمر،الخلافة العباسية، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، 1998، ص92-93

– شعبان ، المرجع السابق، ص195-196

[10] – شعبان، الدولة العباسية، ص196-197

[11] – البيروني، ابو الريحان محمد بن احمد، كتاب الجماهر في معرفة الجواهر، عالم الكتب، بيروت، دون تاريخ، ص 22-23

[12] – ابن الاثير، الكامل، ج8، ص452

[13]  – مسكويه، تجارب الامم، طبعة امدروز، ج2، ص86

[14] – المرجع السابق، ص 196

[15] – مسكويه، ج2، ص 113، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص351

[16] – شعبان، ص200-201

[17] – المرجع السابق، ص 201

[18] – مادلونغ، ورفيلد، ” الفاطميون وقرامطة البحرين” ضمن كتاب الاسماعيليون في العصر الوسيط، جمعه فرهاد دفتري، ترجمة سيف الدين القصير، دار المدى، دمشق، 1999، ص 37، وسنشير اليه ب: الاسماعيليون

[19] – المرجع السابق، ص 37

[20] – لعل من ابرزها دراسة دي غويه، وبرنارد لويس، وحسن شرف، وحسن ابراهيم حسن…

[21] – مسكويه، تجارب، ج2، 215 ، شرف،( حسن)، و ابراهيم، (حسن)، المعز لدين الله، القاهرة، 1948، ص100، الاسماعيليون، ص49

[22] – ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والامم، حيدر آباد، 1938، ج6، ص195

[23] – مادلونغ، الاسماعيليون، ص67

[24] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص189

[25] – مادلونغ، الاسماعيليون، ص49

[26] –  ابن القلانسي، حمزة بن اسد التميمي، ذيل تاريخ دمشق، تحقيق سهيل زكار، دار حسان، دمشق، 1983، ص1 المقريزي، ابن الاثير، تاريخ، ج8، ص615 اتعاظ، ج1، ص187

[27] – مادلونع، الاسماعيليون، ص 67 ، انظر نص الكتاب كاملا في المقريزي، اتعاظ، ج1، ص189-201

[28] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص195

[29] –  الازدي، ابن ظافر، الدول المنقطعة، او اخبار الزمان في تاريخ بني العباس، مخطوط مصوّر بدار الكتب المصرية، رقم 890 تاريخ، نقلا عن امينة بيطار، مواقف امراء العرب، ص54

[30] – الانطاكي، يحي بن سعيد، تاريخ الانطاكي، تحقيق عمر تدمري، جروس برس، طرابلس لبنان، 1990، ص 128، المقريزي اتعاظ، ج1، 186-187

[31] – الانطاكي، ص 130

المقريزي، اتعاظ، ج1، ص 103-106

[32] –  ابن القلانسي، ص1

[33] – الانطاكي، ص143، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص591

[34] – ابن الاثير،  الكامل، ج8، ص 591، اتاعظ، ج1، ص186، ابن تغري بردي، نجوم، ج4، ص33

[35] – ابن الاثير، ج8، ص591-592

[36] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص188، ابن تغري بردي،، نجوم، ج4، ص74

[37] – الانطاكي، تاريخ، ص146-147، ابن القلانسي، ذيل، ص1-3، ابن الاثير، الكامل، ج8، 615-616 المقريزي

[38] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص189

[39] – ابن القلانسي، ذيل، ص3- 4

[40] – انظر الكتاب في اتعاظ الحنفا، ج1، ص189-201

[41] – المقريزي، اتعاظ، ص197

[42] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص202

[43] – ابن القلانسي، ذيل، ص3-5-9، ابن الاثير، الكامل، ج8، 638، المقريزي، اتعاظ، ج1، 202-206، ابن تغري بردي، ج4، ص74-75

[44] – ابن القلانسي، ذيل، ص16

[45] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص211

[46] – ابن القلانسي، ذيل، ص10-18، ابن الاثير، الكامل، ج8، ص640- 641،  واتعاظ، ج1، ص211-214

[47] – ابن القلانسي، ذيل، ص18

[48] – ابن القلانسي، ص20، الكامل، ج8، ص643، اتعاظ، ج1، ص214

[49] – ابن القلانسي، ص21،  المقريزي، اتعاظ، ج1، ص219 ، والطرخان هو الجندي البطال لأكثر من سبب اما لتقدمه بالعمر، او لعزله لسبب سياسي…

[50] – الانطاكي، ص161، مسكويه، تجارب الامم، ج2، ص384 ، ابن القلانسي، ص 21 ، ابو الفدا، المختصر باخبار البشر، ج2، ص 121، المقريزي، اتعاظ، ج1، ص219-220

[51] – ابن القلانسي، ذيل، ص22

[52] – الانطاكي، ص162 ابن القلانسي، ذيل، ص22، 25،  المقريزي، اتعاظ، ج1، ص220-221

[53] –  الانطاكي، ص180 ابن القلانسي، ذيل، ص 28، المقريزي، اتعاظ، ج1، ص238

[54] – ابن القلانسي، ص29

[55] – الانطاكي، ص181، ابن القلانسي، ص 33-34، اتعاظ، ج1، 242-244

[56] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص98

[57] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص187

[58] – ابن القلانسي، ذيل، ص1، الدواداري، الدرة المضيئة في اخبار الدولة الفاطمية، ج6، تحقيق صلاح الدين المنجد، القاهرة، 1961، ص 134

[59] – مسكويه، تجارب، ج2، ص401

[60] – ابن القلانسي، ذيل، ص38-39، الدواداري، ج6، ص192

[61] – مسكويه، تجارب، ج2، ص402، ابن القلانسي، ذيل، ص41-42، الدواداري، ج6، ص 193

[62] – ابن القلانسي، ذيل، ص48-49

[63] – ابن تغري بردي، نجوم، ج4، ص58

[64] – CANARD, M, Histoire de la Dynastie de Jazira et de Syrie, Paris, 1951, p. 667

[65] – الانطاكي، ص 186، ابن القلانسي، ص48

[66] – الانطاكي، ص187، ابن العديم، زبدة الحلب في تاريخ حلب، تحقيق سامي الدهان، المعهد الفرنسي، دمشق، 1954، ج1، ص172

[67] – الانطاكي، ص 187

[68] – ابن القلانسي، ص49

[69] – الانطاكي، ص199-200، الكامل، ج9، ص7، اتعاظ، ج1، ص256

[70]  – الانطاكي، ص200، ابن القلانسي، ص50

[71] – المقريزي، اتعاظ، ج1، ص258

[72] – الانطاكي، ص200-201، ابن القلانسي، ص50-51

[73] – الانطاكي، ص205

[74] – الانطاكي، ص135، ابن العديم، زبدة، ج1، ص161-168، الكامل، ج8، ص603-604

[75] – الانطاكي، ص201، ابن القلانسي، ص51، اتعاظ،ج1، ص259

[76] – ابن القلانسي، ص52، الكامل، ج9، ص18، اتعاظ، ج1، ص259

[77] – الانطاكي، ص220، ابن القلانسي، ص55، اتعاظ، ج1، ص259 – 260

[78] – الانطاكي، ص220، ابن القلانسي، ص55،

[79] – ابن القلانسي، ص61-63، ابن الاثير، الكامل، ج9، ص86-88، اتعاظ، ج1، ص269

[80] – ابن القلانسي، ذيل، ص65-66، اتعاظ،ج1، ص270

نظرة جديدة في اسباب الحملات المملوكية على كسروان.

نظرة جديدة في اسباب الحملات المملوكية على كسروان.

ان موضوع الحملات المملوكية على كسروان اشبع درسا، ومع هذا يستوقفني في هذه المداخلة ثلاث نقاط نقاط اساسية لا بد من ابراز دورها في هذا الشأن:

1 – اهمية اثبات المماليك جدارتهم بحكم مصر والشام عن طريق طرد كل القوى الغريبة غير المسلمة. تبيان دور معركة عين جالوت كنقطة تحول في تاريخ المشرق العربي عامة، وعند المماليك خاصة. اوبالتالي العمل على السيطرة على السواحل كونها مصدر خطر اساسي على الدولة الفتية.

2 –  استناد الجيش المملوكي على اجناد الحلقة كعنصر اساسي في بداية عهدهم، وعلاقته في ما بعد بالمماليك السلطانية، ودورها في الحملات على كسروان.

3 – فساد المماليك منذ نشأتهم والصراع المستمر في ما بين كبار الامراء.

1 – اثبات جدارة المماليك: وحد الخطر المغولي الامراء المماليك آنيا في معركة عين جلوت، من دون ان يتناسوا الاحقاد والاطماع الدفينة، لأن مصيرهم كان على المحك. وما كان مقتل السلطان قطز بطل عين جالوت على يد بيبرس الذي تبوأ العرش مكانه، الا دليلا على الوفاء الغادر.

اراد بيبرس اثبات جدارته، وتأمين حدود الدولة بازالة ما يمكنه من الخطرين المغولي والصليبي. فجهد يسترد المدن الساحلية في بلاد الشام من الصليبيين من دون ان يتمكن منها كلها. ونجح قلاوون ومن بعده ابنه الاشرف خليل بالاستيلاء على مدن السواحل كلها واجلاء الصليبين نهائيا عن المشرق عام 1291م، وبقيت مناطق داخلية حليفة للاعداء عصية على الدولة كان لابد من اخضاعها. وهنا تداخلت اسباب كثيرة في ما بينها حتمت على المماليك اخضاع الكسروانيين، لن اكررها بل سأربطها بالنقطة الثانية اي بدور اجناد الحلقة في حماية الدولة.

من الواضح ان الشعور الديني والمذهبي بلغ مستويات عالية جدا منذ دخول الصليبيين الى الشرق، وازداد حدة بهجوم المغول على البلاد الاسلامية بما في ذلك القضاء على الدولة الخوارزمية، ودولة سلاجقة الروم، ومن ثم القضاء على الخلافة العباسية في بغداد 1258م. فبات المسلمون في ضياع ديني ان صح التعبير. وزاد في الامر سوءا استغلال هولاكو الصراع السني الشيعي الذي ظل محتدما في تلك الاوقات الحرجة بل المصيرية، فاتخذ احتياطات امنت سلامة قبر الامام علي بالنجف من التدمير. وتشير بعض المصادر الى مساعدة الشيعة للمغول. ما اجج الصراع المذهبي الاسلامي الاسلامي.

اجتهد المماليك للاقتصاص من كل من ساعد اعداء الاسلام او يعتقدون انه سيساعدهم. وباعتقادي انهم كانوا يحاولون حفظ انفسهم من السقوط اكثر من التزامهم الديني. بات المماليك بنظر معظم  المسلمين حماة الاسلام، وما كان ممكنا لهم العمل ضد بعض رجال الدين السنة ممن كانوا يرغبون بتحويل كل السكان على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم الى الدين الحنيف. ولكن هل كانت هذه الدوافع وحدها هي التي حدت بالمماليك للتصرف بوحيشية قاتلة ضد الكسروانيين ؟!!والسؤال الذي يطرح نفسه الى اي حد كانت قوة الكسروانيين فاعلة او قادرة على لخروج على السلطة المملوكية، وهل كانوا على درجة عالية من الغباء للوقوف بوجه السلطة التي تمكنت من المغول، واستولت على الكثير من المدن والابراج الصليبية ؟!

يستوقفني امر في غاية الاهمية: لماذا اصر ابن تيمية على الكسروانيين التحول الى السنة، ولم يعرض عليهم االخضوع للسلطة الجديدة والانخراط في الحلقة، ويفيدوا من المميزات الاقطاعية على ان يظلوا على مذهبهم؟!

هذا اضافة الى سؤال آخر قد يكون اكثر اهمية: لماذا لم تعط المناطق الكسروانية بعد اخضاعها، بالوحشية التي صوّرتها المصادر، والتي افقدت الكسروانيين كل مقدرة قتالية، امكانية للعيش البسيط عموما، لماذا  تعط للتنوخيين حلفاء المماليك، وهم اجناد في الحلقة المملوكية التابعة الى نيابة دمشق؟! على الرغم من ان هناك من يزعم ان عدد اجناد الحلقة من التنوخيين لم يجاوز الخمسة وستين جنديا، وهذا صحيح لأن المماليك لم يرغبوا بزيادة هذا العدد كونه كان كافيا للمهمة التي اوكل بها التنوخيون، ما يدفعني للكلام على النقطة الثانية: اي علاقة اجناد الحلقة بالجيش المملوكي، وبالسلطان والامراء. 

ضمّت الحلقة في العهد المملوكي ثلاثة انواع رئيسة: الاجناد الاساسيين ممن حق لهم قانونا بالاقطاعات، وكانوا يشكلون في بداية العهد المملوكي عماد الجيش، بل كانوا جند السلطان المختارين. ثم قدمت الوافدية وضمّت الى الحلقة ونالوا اقطاعات فيها.ثم نافسهم المماليك السلطانية على بعض اقطاعاتهم، على الى جانب جوامكهم (رواتب) ما اثار اجناد الحلقة الاساسيين على الوافدية والمماليك السلطانية.

اما الفريق الثاني من اجناد الحلقة فتشكل عموما من العربان على اطراف الصحراء، والقبائل في ارجاء الدولة، ولا سيما في الثغور،  وكان منهم التنوخيون، الذين اعطوا اقطاعات وارزاق مقابل خدمات يؤدونها، كتأمين طرق البريد، والدفاع عن مناطقهم تجاه الغزاة، والخلود الى السكينة، من دون ان يتمتعوا بمناصب ادارية التي استمرت حكرا على المماليك والمتعممين. وحرص المماليك على الا يرتقي هؤلاء سلم الامرة الا بدرجات متدنية، وقلما حصل احدهم على امرة اربعين او طبلخاناه.

اما الفريق الثالث (لا يعنينا في هذه الدراسة ) فتشكل من المتعممين وبعض المدنيين ممن اشتروا حقوق بعض اجناد الخلقة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هل تصرف الكسروانيون بعد معركة وادي الخازندار بداعي العداء المطلق للمماليك ام بقصد الربح المادي؟ وهي عادة كانت متبعة في كل ارجاء المشرق العربي، بل في كل العالم وهي الافادة المادية من الجيوش المنهزمة. بخاصة ان المماليك ما كانوا بعد قد بسطوا سيطرتهم على كسروان؟! وبالتالي لا يعتبر سكانه من رعاياهم.

ويتجلّى الصراع بالاضافة الى ما ذكرت سابقا عن اوضاع المماليك منذ تأسيس دولتهم، بما ارساه السلطان بيبرس اذ استقدام اعداد كبيرة من الارقاء القبجاق وجعلهم من مماليكه الخاصكية، وصار يعتمد عليهم في معظم مهامه خوفا من غدر البحرية، وبالتالي صار الجيش موزع الولاء بين المماليك السلطانية الجدد، والبحرية، واجناد الحلقة بمن فيهم الوافدية.

ولما اغتصب قلاوون العرش من سلامش ابن بيبرس سنة 1279 ناصبه المماليك الظاهرية (نسبة الى الظاهر بيبرس) العداء. فاسس سنة 1281 فرقة المماليك الجراكسة واسكنها ابراج القلعة فعرفت بالبرجية، وجعلها مميزة عن بقية الجيش، فاخلصت له. وسار ابنه الاشرف خليل على خطاه حتى بلغت اعداد البرجية في نهاية عهده 5700 مملوك. وصار الجيش قسمان الاتراك بزعامة بيدرا، والبرجية الجراكسة بزعامة السلطان.وبانت علامات الغدر في اكثر من مناسبة، وصار الاشرف خليل هدفا للاتراك، حتى تمكن بيدرا من قتله غدرا سنة 1293.

صارت البرجية بدون هدف، وثائرة على كل الامراء وتقتل كل من يعترض طريقها، ما حتم اعطاء العرش الى الناصر محمد بن قلاوون وهو بعد طفل، ولم تهدأ البرجية الا بعد ان قتلت بيدرا زعيم المماليك الاتراك. ومع ذلك استمر الانقسام بين البرجية والاتراك واستغله امراء المائة النافذؤن، وتوالى على العرش في هذه الفترة العصيبة والوجيزة 1293 – 1308 خمسة سلاطين.

اذا الصراع على العرش شكل الهدف الاكبر انذاك، وفي الوقت عينه شكل تنافس الامراء على الاقطاعات والمراكز الاسياسية في الادارة سببا وجيها في ولائهم للسلطان او لمنافسه. ما يعني ان الولاء خلا من اي بعد انساني.

اذا استعرضنا قادة حملة 1292 نجد من ابرزها الامير بيدرا قاتل الاشرف خليل، والامير سنقر الاشقر الذي لا تخلو مؤامرة من اشتراكه بها، وقل الامر عينه عن الامير بدر الدين بكتوت. ويضيف ابن كثير قائلا: وخرج الشيخ ابن تيمية ومعه كثير من المتطوعة والحوارنة، وهم في حقيقة الامر اجناد في حلقة دمشق. اما في حملة 1300 حسب رواية المقريزي فقد شارك فيها نواب البلاد الشامية باجنادهم وهم من اجناد الحلقة.

يمكن اضافة الى اسباب حملات 1292 و1300، 1305  التي تناولها معظم مؤرخي المماليك والمؤرخين المحدثين، سببين اضافيين: ابعاد بعض الامراء ممن كانوا يشكلون خطرا على السلاطين اما بسبب زعامتهم على فريق من المماليك، لأنهم قد يقتلون في المعارك، وتخلو الساحة على الاقل بغيابهم من المؤامرات. السبب الثاني التخفيف قدر المستطاع من اجناد الحلقة الذين باتوا يشكلون عامل عدم ارتياح في القاهرة على الاقل، بخاصة بعد ان منح السلاطين مماليكهم اقطاعات على حساب الحلقة لا سيما في الروك الحسامي 1298. هذا فضلا عن ان كثرة تغيير السلاطين وانتساب مماليك سلطانية الى كل منهم، سبب ازعاجا كبيرا للسلاطين الجدد. بحيث كان يتوجب على كل سلطان جديد الاعتماد على قسم من مماليك السلطان السابق ممن يطلق عليهم قراصنة، ريثما يكبر مماليكه.

بالعودة الى تاريخ صالح بن يحي نلاحظ: ان التدمير الذي لحق بالكسروانيين وبممتلكاتهم كان رهيبا، ومع ذلك تم استخدام بعضهم في حلقة طرابلس أكان بوظائف مدنية ولا ندري ماذا يقصد بالمدنية لأن الوظائف المدنية كانت من حق المتعممين وحدهم. فهل هذا يعني ان من لجأ الى طرابلس بدل مذهبه؟!! واعطي قسم منهم اقطاعات في حلقة طرابلس، وهل هذا يعني انهم خضعوا للسلطة المملوكية وبدلوا مذاهبهم.

على هذا، ألم يكن اجدر بالمماليك اغراء الكسروانيين بوظائف في حلقة طرابلس اي حماية الخط الساحلي الممتد من المعاملتين حتى مغارة الاسد الذي اعطي سنة 1305 الى الامير علاء الدين بن معتب البعلبكي وابن صبح، ثم استرد منهما واعطي للعسافيين التركمان.

مداخلة الدكتور انطوان ضومط في المركز الثقافي الفرنسي في نيسان 2014

دور القدس في تجارة الافرنج خلال القرن الخامس/ الثاني عشر

                                                                مداخلة الدتور انطوان ضومط

مخطط البحث

اولا: الوضع في اوروبا عشية الحروب الافرنجية في المشرق العربي.

– القدس في المنظارين الاوروبي والاسلامي.

– حاجة الافرنج للجمهوريات الايطالية.

– اوضاع الجمهوريات الايطالية.

ثانيا: الافرنج في المشرق العربي.

  • الوضع السياسي والعسكري في العالم الاسلامي.
  • تأسيس مملكة القدس اللاتينية.
  • دور المملكة في احتلال جبيل وطرابلس.
  • دور المملكة في احتلال صور.
  • علاقة القلاع والحصون بالتجارة.

ثالثا: الامتيازات التجارية والادارية.

  • امتيازات الجنويين
  • امتيازات البيازنة
  • امتيازات البنادقة
  • امتيازات جاليات اخرى.

رابعا: التنافس التجاري.

  • دور المعاهدات الاداري.
  • الاحتكام الى السيف لصون المعاهدات.
  • نماذج من التنفيذ الفعلي للامتيازات.

خامسا: الطرق والسلع التجارية.

  • الطرق العالمية الرئيسة.
  • طرق القوافل او الداخلية.
  • السلع التجارية:
  • الصادرات
  • الواردات الايطالية.

سادسا: الحركة التجارية.

  • النقود.
  • الصيرفة والمصارف.
  • الرحلات التجارية.
  • التجار المنفردون.
  • الضرائب.

ان فهم تجارة الافرنج في المشرق العربي ابان الحملات العسكرية التي اسميت في ما بعد “الحروب الصليبية” يقتضي الوقوف على معطيات عدة لسبر اغوار بعض المعتركات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المشرق العربي من جهة، وفي اوروبا الغربية من جهة ثانية. فاذا كان للعوامل الدينية، بخاصة في العصور الوسطى، التي اسماها بعضهم عصور الايمان والبعض الآخر عصور الظلام، دور في تحريك مشاعر الشعوب في المشرق وفي اوروبا على حد سواء لرفض الآخر، وفي احتدام الصراع بين الطرفين، فانه كان ايضا للدوافع السياسية والاقتصادية على وجه الخصوص الدور الافعل في قيام تلك الحروب، وفي تطوّر مناحيها.

 ومن المفيد جدا توضيح مركزية القدس في نشأة الحملات العسكرية الافرنجية، اذ انه لولا رفع شعار حماية الاراضي المقدسة من سيطرة المسلمين وتأمين طرق الحاج المسيحي الى القدس لما كانت نشأت مملكة القدس اللاتينية، التي كان من المفترض ان تحتكر مركزية القرار في الامارت والكونتيات الافرنجية في المشرق العربي. ان تأسيس المملكة المذكورة التي تزعمها وتولى حكمها الافرنج ( الفرنسيون) ما كان ليتم لولا مساعدة  الجمهوريات او الكومونات الايطالية الفعّالة. ولم تكن خدمات الايطاليين مجانية او لقاء اموال عينية، انما لقاء اجر دائم تمثّل بامتيازات اقتصادية على وجه الخصوص واخرى سياسية وادارية في المدن التي احنلها الافرنج[1]. ولا اعتقد ان دور الدين شكل انعطافا وجدانيا عند تلك الجمهوريات التي كان الكسب المادي رائدها الدائم والافعل. وتقتضي منهجية البحث من جهة اولى فهم الوضع السياسي والاقتصادي لتلك الجمهوريات، ومدى حاجة الافرنج لخدماتهم العسكرية البحرية على وجه الخصوص. ومن جهة ثانية الوقوف على الوضع السياسي الذي كان مأزوما في العالم الاسلامي خلال القرن الثاني عشر. 

اولا: الوضع في اوروبا عشية الحروب الافرنجية:

 القدس في المنظارين الاوروبي والاسلامي: كان للقدس، في العصور الوسطى، هالة مميزة تقربها من منزلة القداسة عند المسيحيين، فهي تحتل ابدا منزلة الصدارة في وجدانهم بخاصة عند شعوب الغرب الاوروبي الذي لم يشاهدها معظمهم انما كانوا يتوقون اليها ويمنون النفس بالتبرك منها؛ فهي مركز حجّهم لأنها تضم كنيسة القيامة حيث قبر السيد المسيح. وكانت شهادات الحجاج المسيحيين الاوروبيين الى الاراضي المقدسة واخبارهم تشد المؤمنين الى التوجه الى القدس والتبرك بقبر السيد المسيح، وزيارة مغارة المهد املا بالحصول على الغفران[2]. ويكفي ان نقف على منزلتها في وجدان بعض المتدينين في عصرنا الحاضر بالاعتماد على رأي احد ابرز المثقفين المحدثين هو جون مانفيل رئيس قسم الاديان في جامعة بريتش كولومبيا الذي زكاها على ما عداها من المدن والبلاد:” …ارض الميعاد التي يطلق عليها الناس الاراضي المقدسة فهي اجل البلاد كلها، وسيدة على كل ما عداها.”[3] فاذا كانت هكذا نظرة بعض المثقفين اليها في اواخر القرن العشرين فكم كانت منزلتها مرتفعة في اذهان المؤمنين العاديين خلال العصور الوسطى؟! ذلك ان المسيح قد عاش فيها وتعتبرحياته نبراسا لهم ما جعلها اقدس الاماكن واكثرها اجلالا واحتراما.

وهي عند المسلمين تلي الحرمين الشريفين اهمية وقداسة، وكان ينظر اليها على انها عربون خير وبلاد الصالحين واكثر الاماكن تفاؤلا من حيث المناخ والاقتصاد. ويجعلها المقدسي البلد الاروع والاخصب :” اذا كانت الدنيا في بلاء وقحط كانت الشام في رخاء وعافية. واذا كانت الشام في بلاء وقحط، كانت فلسطين في رخاء وعافية، واذا كانت فلسطين في بلاء وقحط، كان بيت المقدس في رخاء وعافية. ويضيف الشام مباركة وفلسطين مقدسة وبيت المقدس قدس القدس.”[4]

وهكذا صارت السيطرة على القدس ذات بعد ديني روحاني ومادي عند المؤمنين من كلا الفريقين، وقد استخدمها القادة السياسيون والاقتصاديون بشدة لاهداف دينية في الظاهر، واقتصادية وسياسية من حيث الهدف الابعد. ومن هذا المنطلق يمكن فهم موقف البابا اوربانوس الثاني في كليرمون فيران بعد ترؤسه مجمعا كنسيا ومن ثم دعوته الى الحرب المقدسة لتحرير القدس من ايدي السلاجقة” تلك القوة الشريرة الكافرة القاصدة تهديد كيان الكنيسة الميسيحية المشريقية”[5] على حد تعبيره، بخاصة عندما تأسست دولة سلاجقة الروم في آسيا الصغرى على أثر معركة منزكرت[6].

حاجة الافرنج للجمهوريات الايطالية: ولم يكن بمقدور الافرنج، الذين شكلوا غالبية الجيش البري ان لم يكن كله، تحقيق مشروع تحرير القدس من سلطة المسلمين بمفردهم لافتقارهم على الاقل للاساطيل الضرورية. فكان ان تم الاستنجاد باساطيل الجمهوريات الايطالية وعلى الاخص: جنوا، والبندقية، وبيزا. وكان بعض تجار هذه الجمهوريات قد اقاموا علائق تجارية خجولة مع حكام المشرق عامة، في مصر وبعض الساحل اللبناني وتعرفوا الى ما يمكن ان يقدمه المشرق العربي من ثروات. فاقتنص “برجوازيوها” الدور العسكري البحري لتحقيق مشاريعهم المتعطشة الى الربح الوفير، خصوصا ان جمهوريتي جنوا وبيزا كانت قد تطورت فيهما الحياة السياسية بطريقة جعلت من العسير جدا وقف تطورهما العسكري والاقتصادي الذي كانت قد نعمت به البندقية قبل ذلك[7]. ومع ذلك جاء انخراط الجمهوريات المذكورة في المشروع الافرنجي متفاوتا، اذ لبى بعضها الطلب العسكري مباشرة ، وتريث بعضها الآخر

    وازعم ان تطور العلاقات المادية الناتج عن الحروب الافرنجية وتطورها انما يرجع بالدرجة الاولى الى القوى العسكرية، التي لم تكن تُؤْمن اجمالا الا بكسب الثروات، الذي سيطور وضعها الاقتصادي ولاسيما التجاري، وتاليا قدراتها العسكرية التي ستدفعها للسيطرة على غالبية الاسواق التجارية في المشرق العربي وفي اوروبا.

 ويصعب فهم التجارة خلال الحروب الافرنجية في المشرق العربي بمعزل عن مفهومها العام في حوض المتوسط، اومن دون التوقف عند العلاقات بين المدن او الجمهوريات الايطالية في ما بينها عداء ووئاما، كما من دون التطرق الى العلاقات عينها بين الحكام الافرنج انفسهم من جهة، ومع حكام الداخل المشرقي على تنوعهم في المدى التاريخي[8]. كما يفترض فهمها دراسة تطور التجارة المشرقية العربية والاسلامية خصوصا مع الشرق الاقصى ومع بلاد فارس، التي سيقتصر هذا البحث على دراسة طرقها التجارية ودورها في تنمية التجارة العالمية.

 وساحاول التمييز قدر المستطاع بين عدة مراحل شكلت، بتقديري، مفاصل الحركات السياسية والتجارية الافرنجية :

عهد تأسيس الممالك والامارات الافرنجية.

  تطورها في القرن الثاني عشر حتى مجيء السلطان صلاح الدين الايوبي.

عهد صلاح الدين.

 آخذا بالاعتبار تطور اساطيل الجمهوريات الايطالية، وتنوع نقودها، والمعهادات التجارية مع الحكام الافرنج من حيث مراعاة تنفيذها وتأثيراتها، كما تلك التي ابرمت مع حكام المشرق العربي. متخذا من وضع مملكة القدس ولاسيما دور عاصمتها القدس نقطة مركزية في تطور الاحداث ذات الابعاد والدلالات المتنوعة.

  وما تجدر الاشارة اليه بايجاز قبل الولوج بدراسة الحركة التجارية الافرنجية خلال القرن الثاني عشر هو مدى جهوزية الافرنج العسكرية من جهة، والاوضاع السياسية والادارية والاقتصادية في المدن او الجمهوريات الايطالية المتنافسة من جهة ثانية. اذ يبدو ان القادة والحكام الافرنج ادركوا اهمية المواقع السترتيجية للمدن الساحلية الشامية والدور التجاري الذي يمكن ان تطلع به، وكانوا على معرفة بينة بان قدراتهم العسكرية والتجارية كفرنجة غير كافية ابدا للقيام بدور الوسيط في التجارة العالمية وغير قادرين عسكريا على الاقل في البحر لاحتلال الساحل وبعض الداخل، فما كان لهم غنى عن الاساطيل العسكرية العسكرية الايطالية الضرورية ليس لفتحها فحسب بل للمحافظة عليها ايضا. وبديهي القول ان  الاستيلاء على الثغور المذكورة شكل مسألة حياة او موت بالنسبة للافرنج على حد تعبير المؤرخ هايد :” فكان امتلاكها وحده يضمن  للفرنجة الاتصالها بالغرب حتى تصلها منه المعونات البشرية والمالية الضرورية لبقائها “[9]

اوضاع الجمهوريات الايطالية: وكان يبرز انذاك في الميدانين العسكري والتجاري معا ثلاث جمهوريات ايطالية يحكمها برجواريون هي : البندقية ، وجنوا ، وبيزا. وكانت كل مدينة قد ادركت، لشدة التنافس التجاري في ما بينها، اهمية بناء الاساطيل التجارية واولوية حمايتها من القراصنة ومن منافسيها التجاريين. وأخذت ايضا بالاعتبار اهمية تنظيم الرحلات التجارية الى حوض المتوسط الشرقي والغربي. وهكذا اعتمدت البندقية على نوعين من السفن: المستديرة المخصصة للشحن التي تعتمد  كليا على الاشرعة وتستخدم في الشحنات الثقيلة، والطويلة التي خصصت لاغراض حربية صرفة[10]. اما جنوى فقد اعتمدت ثلاثة انواع : السفن الشراعية فقط، والشراعية ذات مجذاف او اثنين،  والثالث المخصص للحمولة الثقيلة ويعتمد على عدد من الاشرعة والمجاذيف[11]. غير ان هذه النماذج ستتطور خلال القرنين الثاني والثالث عشر لتلائم ازدهار الحركة التجارية المضطرد. كما ان الوضعين السياسي والتجاري في الجمهوريات الايطالية قبيل الحروب الافرنجية اثرا على دور كل منها من حيث الناحيتين الحربية والتجارية.

جنوا : في اواخر القرن الحادي عشر ، كان يحكم جنوا قناصل انتخبهم البرجوازيون الاحرار[12]، ثم شهدت هذه الجمهورية حربا اهلية ادت الى الغاء النظام القديم، حتى بدت بلا حكام شرعيين. وما كان بوسع برجوازييها تفويت فرصة المشاركة بالحروب الافرنجية، لذلك انتظم بعضهم فيما بينهم وتولوا تجهيز السفن الضرورية، وكان ابرزهم بلا شك، على حد تعبير “هايد “، الاخوان امبرياكو وبريمس امبرياتشي Embriaco Guillaume et Primus، الذان سيكون لهما شأن في كونتية طرابلس.[13]وعادت الاوضاع بعد ذلك في جنوا الى ما كانت عليه ونشأت فيها حكومة جديدة شبيهة بحكومة القناصل، رغم معارضة الاحزاب السياسية ورجال الدين.[14]ما دفعها للمشاركة الفعالة في الحروب الافرنجية. وما تجدر ملاحظته ان تجارا جنويين كانوا قد قدموا الى بلاد الشام في العهد الفاطمي، كما ان بعضهم كان اتى الى الاسكندرية والفسطاط بعد عقود على قدوم الفاطميين الى مصر في عام 969، ويؤكد ذلك نصوص ديوان التجارة الذي يشير الى رسوا سفن جنوية عام 1070 في ميناء الاسكندرية.[15]مما يعني ان الجنويين تعرفوا الى اهمية التجارة المشرقية، ما زاد باندفاعهم للمشاركة بالمشروع الافرنجي.

بيزا : كان وضعها مماثلا لوضع جنوا السياسي اذ بعد عدة صراعات بين الفيكونت، الذين انضموا الى الكومون، مع بعض الاسر البرجوازية اعترفت كل القوى المتنازعة في بيزا بسلطة القومون البرجوازيين بموجب ميثاق للسلام[16].

 وهكذا انتظم الوضع السياسي في الجمهوريتين جنوا وبيزا، وصار بامكانهما دخول حلبة الصراع الاقتصادي والسياسي، الذي كانت البندقية قد مارسته قبل ذلك التاريخ واقامت علاقات اقتصادية في اماكن عديدة في غربي المتوسط، واخرى خجولة في المشرق العربي على ما يعتقد ” بالار ”  وعلاقات تجارية بارزة في القسطنطينية[17].

امالفي : لاتشير المعلومات التي تمكنت من التبحر فيها الى دور عسكري مهم لأمالفي كالادوار التي اطلعت بها الجمهوريات الايطالية الاخرى، انما دورها التجاري السابق للحروب الافرنجية كان على مايبدو مهما؛ فهي كانت تربطها بالفاطميين علائق تجارية مهمة تعود الى عام 969، ويشير احد نصوص ديوان التجارة الى  وجود مائتي تاجر امالفي في القاهرة على حد تعبير كلود كاهين.[18]

 البندقية : كانت احدى اهم الجمهوريات الايطالية، ووضعها السياسي مستقرا اجمالا قياسا بزميلاتها، يحكمها دوق يساعده مجلس – من البرجوازيين – وكانت تربطها علاقات تجارية مميزة بالدولة البيزنطية  ولها اسواق فيها. ويرجح ميشال بالار انها كانت على علاقة تجارية متواضعة نسبيا مع الفاطميين او مع المشرق العربي عامة قبل عام 1095 [19].

وقد يكون مرد تريثها بالمشاركة بالمشروع الافرنجي الى عدم ترجيحها نجاحه الامر الذي قد يفقدها مركزها التجاري او يضعفه. ان التنافس التجاري بين الجمهوريات الايطالية وحاجة الفرنجة الملحة لقدراتها العسكرية البحرية جعلا العنصر البرجوازي الايطالي يدخل مسرح الحروب الافرنجية من بابه الكبير. فانطلقت السفن الايطالية الاولى باتجاه المشرق العربي تحمل من ثغورها المؤن واسلحة الحصار والجنود[20] متوخية  ان يحتل الايطاليون المركز الاول في العملية التجارية بين الشرق والغرب. ما دفع الحكام الصليبيين لتقديم تنازلات مهمة للجمهوريات الايطالية، التي كان حكامها مقتنعين بحاجة القادة والحكام اللافرنج لخدماتهم.  لذلك كانوا يشترطون قبل الاقدام على تنفيذ اية مهمة ثمنا لمساعدتهم، وبالتالي عقدوا معهم معاهدات لتحفظ لهم حقوقا مشروعة.

ثانيا:الافرنج في المشرق العربي

 الوضع السياسي والعسكري في العالم الاسلامي المشرقي: لن نتوسع في دراسات هذه الناحية لكي لا نخرج عن الهدف الاساسي لهذا البحث، انما ساعطي اطارا عاما لوضع الحكام المسلمين من حيث تفكك اوضاعهم السياسية والادارية انذاك، ان لم نقل العلاقات العدائية فيما بينهم. ما ان تولى العرش السلطان ملكشاه 465/1073 حتى بدأت السلطنة السلجوقية بالتفكك لكثرة قيام الامارات او الاتابكياتت المستقلة او على الاقل تمتعت بنوع من الاقطاع الاداري شبه المستقل تماما عن السلطنة الام. فنشأت دولة سلاجقة الروم في آسيا الصغرى سنة 470/1077، وحكم تاج الدولة تتش بلاد الشام باسم اخيه ملكشاه[21]. وزاد بالامر سؤا النزاع بين اولاد ملكشاه برقيا روق ومحمود ومحمد وسنجر وما تلا ذلك من احداث عسكرية زادت في ضعف السلاجقة[22].

 وكان العالم الاسلامي المشرقي منقسما بين السلاجقة السنة المتسلطين على الخلفاء العباسيين، وبين الخلفاء الفاطميين في مصر وبعض بلاد الشام المتسلط عليهم وزراؤهم بخاصة منذ تولي بدر الجمالي الوزارة سنة 1074. ودار صراع مرير بين الفريقين فاضعفهما معا بخاصة في بلاد الشام ولا سيما في مدنه الساحلية.[23] ما سهل فتوحات الافرنج في المشرق العربي وأمّن لهم تأسيس المملكة اللاتينية والامارات والكونتيات وغيرها.

تأسيس مماكة القدس: من الواضح جدا ان الافرنج هدفوا الى احتلال القدس لجعلها المرتكز الاساسي لوجودهم في المشرق، لأنها شكلت هدفهم الاسمى. لن نتحدث عن التفاصيل العسكرية للمشروع لأنه بات معروفا بل عن الدور الذي مارسته القدس بوصفها عاصمة الافرنج في احتلال المدن الساحلية وبعض الداخل لتكوين مملكة القدس، وسنربطه بالمفهوم المركيتنلي الايطالي بحيث ان الجمهوريات الايطالية التي انخرطت بالمشروع حازت على امتيازات هائلة جعلت من كل جمهورية دويلة داخل المملكة، وبالتالي تأثر دور التجارة العالمية انذاك بتلك المحورية التي مارستها المملكة اللاتينية من القدس.

سقطت القدس في 22 شعبان 422/الخميس 14 تموز 1099 بعد حصار دام شهرا، الامر الذي مكن الافرنج في المشرق من وضع قدمهم على ارض صلبة ولكنها لم تكن كافية لاستمرار وجودهم وتأمين للسلطة العليا فيها، لأن رؤيتهم لمفهوم الحكم السياسي والاداري في المشرق ما كانت واضحة، لأن القادة العسكريون جميعهم كانوا من طبقة النبلاء، بدليل انه تم انتخاب Godefroy de Bouillon غودفروا ( قيّم كنيسة القيامة)[24]، ولقب ببارون القبر المقدس وحاميه وقام بدور الملك. وتأمينا للدور الديني تم انتخاب Malecorne    Arnoul اول بطريرك لاتيني فيها[25] فنشأت ان جاز التعبير ازدواجية سلطة. ما اغرى بودوان كونت مدينة الرها وبوهيمنود امير انطاكيا للحج اليها، ليطلعا عن كثب على الاحوال الادارية والسياسية فيها لتحديد مصالحة كل منهما فيها ان من حيث الارتباط بها او الاستقلال عنها، وبالتالي تحديد وضع احدهما تجاه الآخر تبعا لمصالح الشخصية لكل منهما الامر الذي ادى احيانا الى حد التقاتل. وتصرّف غودفروا على انه الملك او على الاقل يملك السلطة العليا في المدينتة ومنع ريمون دوسانجيل Raymond de Saint Gilles من التمركز بارصوف او عسقلان[26]  ليحصر مركزية المملكة به.

لكن هذه المملكة لم تصبح صلبة العود وواضحة المعالم الى حد الا بعد ان خلف بودوان (بلدوين) اخاه في حكم القدس بعد ان نصّبه بطريرك القدس دامبير، الذي خلف البطريرك الاول، ملكا عليها سنة 1100 [27]. فقد احتل ارصوف Arsur في نيسان 1101 بمساعدة الجنويين[28]، ثم قيصرية في ايار 1101.

ان هذا المآل ليس كافيا لفهم دور القدس في تطور وانحطات تجارة الايطاليين في المشرق، انما الاحداث اللاحقة هي التي ستوضح هذا الدور، عنيت بذلك سقوط المدن الساحل الاساسية بمساهمة فعّالة من الايطاليون وبالتالي نالوا امتيازات منقطعت النظير من حيث الاهمية، هي التي ستوضّح دور القدس في تنامي التجارة او اضعافه.

دور مملكة القدس باحتلال جبيل وطرابلس: كانت طرابلس احد اهم الموانئ الفاطمية على الساحل الشامي وفيها كان يجتمع الاسطول الفاطمي. وبعد ان فشل ريمون دي سان جيل بالحصول على عرش مملكة القدس او الحصول على امارة في المدن المحيطة بها راوده حلم احتلا طرابلس وتكوين كونتية خاصة به تدور في فلك مملكة القدس وبدأ بتنفيذ مشروعه. تمكن من احتلال طرطوس في آذار 1102 بمساعدة من الجنويين، وشرع بمحاصرة طرابلس[29] . وعجز طيلة تلك السنة عن تحقيق حلمه، ولكنه احتل حصن الاكراد[30]. وصار عليه لزاما الاستيلاء على جبيل لمحاصرة طرابلس واضعافها ليتمكن من السيطرة عليها بسهولة اكبر. فاستعان بالاخوين امبرياتشي القادمين على رأس اسطول من اربعين سفينة جنوية للمشاركة بغنائم مملكة القدس واحتل المدينة التي صارت ملكا للاخوين باحتفال الملك بودوان الاول سنة 1103.[31]

توفي ريمون سنة 1105 من دون تحيق حلمه وخلفه باحتلال طرابلس فخلفه في مشروعه ابن عمه غليوم جوردان، الذي نازعه ابن ريمون ارث والده بعد ان قدم الى الشرق على رأس اسطول جنوي كبير فقدم ملك القدس بودوان الاول الى طرابلس وقسم اراضي الكونيتة فاعطى طرابلس الى ابن سان جيل، وارضى المدعين الاخرين بمدن كانوا قد احتلوها. وبالتالي لعب ملك القدس دورا حاسما باسقاط طرابلس وبحل مشاكلها، ومن ناحية ثانية بحصول الجنويين على امتيازات خيالية فيها[32]

 دور القدس في سقوط صور: من الواضح ان قيام مملكة القدس اللاتينية في القدس وبعض الساحل كان مهددا بالسقوط لان القوى الاسلامية كانت تعمل جاهدة على الحد من تطور قوة الافرنج في المشرق العربي. فاغرى الافرنج الجمهوريات الايطالية بالمسعادة العسكرية البحرية الفعالة لتوسيع رقعة المملكة وتحصينها بالسيطرة على مدن الساحلية من انطاكيا الى حدود مصر.

وكانت صور بمينائها الحصين وموقعها الستراتيجي المهم وغناها، بخاصة بعدما لجأ اليها كل الهاربين من القدس والمدن الاخرى المجاورة لها التي سقطت بيد الافرنج، محط انظار مملكة القدس[33].  فاغرى بطريركها جرمون البنادقة ومنّاهم بالحصول على امتيازات دسمة ان ساهموا باسقاطها. وبدأ حصار المدينة وعوضا عن ان يعمل الفاطميون على فكه، حاولوا الضغط على الافرنج بمهاجمة القدس وجوارها عبر عسقلان من دون ان يحققوا نتائج تذكر. تقاعس السلاجقة عن انقاذ المدينة، لأن الجهد الذي بذلوه لم يكن كافيا، بخاصة بعد مقتل بلق في منبج بحيث اتفق طغتكين مع خاكم القدس على تسليم المدينة صلحا وانقاذ سكانها وتسلمها الافرنج في 23 جمادي الاولى 518/ 8 تموز 1124.[34] – سنعود الى الامتيازات في فقرة الامتيازات-[35]

دور القلاع والحصون التجاري: بنى الصليبيون عددا مهما من الاقلاع والحصون حصانة لمملكة القدس، وحفاظا على القدس بالذات من السقوط بايدي المسلمين، ومن اشهرها: الشوبك سنة 1112 في منطقة البحر الاحمر الذي بناه بودوان الاول، وجبل غلافيان يحمي بيروت، وشقيف ارنون تحمي صور، واسكندرون تحمي صيدا[36]، وستقوم هذه الحصون والقلاع بدور اساسي في حماية التجار الافرنج والشرقيين على حد سواء بل بحماية الطرق التجارية من اللصوص وقطاع الطرق لوقوعها على الخطوط التجارية الاساسية.

ثالثا: الامتيازات التجارية.

امتيازات الجنويين: ان معظم الابحاث التاريخية التي تناولت الحروب الافرنجية تعتبر ان الجمهوريات الايطالية شاركت بتلك الحروب منذ انطلاقها، انما الباحث المدقق يلاحظ تفاوتا بين تاريخ ودور وفعالية كل منها، اذ لبت جنوا الدعوة مباشرة  وتلتها بيزا  وتريثت كل من البندقية وامالفي. ويبدو جليا ان العقدين الاولين من الوجود الافرنجي في الشرق قد تميزا بالحروب، التي ادت الى اقامة الحدود بين مدن الساحل والمنطقة الداخلية التي كان يسيطر عليها الحكام المسلمون ما اعاق انطلاق الحركة التجارية في الثغور[37]. وقد يكون لذلك الامر دوره الفعال في حصول الايطاليين على امتيازات خيالية، وقد يفسر ايضا ما ذهبت اليه آنفا أي التباين في مباشرة الجمهوريات الايطالية الاشتراك بالحملات الى الشرق.      حاولت جنوا ان تكون السباقة لتقطف ثمار مجهودها على حساب زميلاتها، فلبى الدعوة مباشرة بعض برجوازييها، انما حكومة ” الكومبانيا ” القناصل التي نشأت عقب ذلك اتخذت التدابير الضرورية لوضع الاساطيل الجنوية بخدمة الافرنج. وقام الاخوان امبرياتشي بدور حاسم في هذا المجال، وجهزا آلات حصار بعض مدن الساحلية ولا سيما حبيل من خشبهما الخاص. وكان لمشاركة الجنويين الفعالة في العمليات الحربية ما بين 1098 و 1110 الدور الحاسم بحصولهم على امتيازات تجارية مهمة في الثغور الساحلية.[38]

 وقد وقع ملك القدس معهادة اولية معهم عقب احتلال يافا عام 1110، انما المعاهدة الاساسية التي اعتبرت المستند الرئيسي لكل الامتيازات الجنوية في المشرق العربي، فهي التي وقعت بين الجانبين المذكورين سنة 1104 مكافأة للجنويين لقاء اشتراك اسطولهم شبه الكامل في خدمة الملك بلدوين الاول فتمكن من احتلال عكا الموقع الاستراتيجي المنيع، ومن الاستيلاء على بيروت. فحاز الجنويون لقاء ذلك امتلاك كنيسة في عكا وثلث المدن التالية: ارسوف وقيسارية وعكا، وتمتعوا بالسيادة الكاملة على شارع واحد في عكا وفي القدس، وباعفاءات تامة من الضرائب والمكوس، كما وعدهم  الملك بتسليم ممتلكات وسلع كل جنوي يتوفى في ارجاء مملكة القدس[39]. وقد حرص الجنويون على نقش مضمون الامتيازات المذكورة بحروف مذهبة خلف مذبح كنيسة القيامة[40]، مخافة ان يقدم الحكام الافرنج في قابل الايام على التنصل منها.

   وقد تجددت تلك المعاهدة واضيفت اليها ملحقات او اضافات حتى بات الجنوييون يتمتعون باعفاءات ضرائبية على البضائع المستوردة من الاراضي الاسلامية، كما حصلوا على محاكمهم الخاصة لا سيما في صور وعكا.[41] ونالوا في عهد يوحنا ابيلين حاكم بيروت على امتيازات مشابهة اذ اعفوا من الضرائب والرسوم على الصادرات والواردات ومنحهم محكمة خاصة بهم [42]، وسوق في بيروت نفسها[43]، مستثنيا بعض السلع من الاعفاآت الضرائبية مثل الخزف والزيت.[44]

اما  الامتيازات الجنوية في طرابلس فقد تكون الاهم بين نظيراتها التي منحها لهم الافرنج، بحيث ان الاخوين امبرياتشي مكنوا سان جيل من احتلال مدينة جبيل سنة 1104 ، فمنحهم الكونت ريمون ثلثها ثم تحولت المدينة الى مستعمرة لاسرة امبرياتشي. وفي عام 1109وقع خلاف بين برتران ابنه وابن اخيه وليم Guillaume كونت سردينيا، وشارك الجنويون في هذا النزاع وآزروا الاول مشترطين عليه الحصول على جبيل كاملة، وعلى ثلث مدينة طرابلس. وبانتصاره حصلوا على الارث واتم هو فتح المدينة ولكنه رفض تنفيذ المعاهدة ما دفع الجنويين الى احتلال كامل مدينة جبيل [45]. ولكن هايد يذكر ان برتران اعطهم، عوضا عن ثلث طرابلس ، منطقة تعرف باسم ” الهري” Puy de Connetable .[46] وفي سنة 1168 قدم آل امبرياتشي وتحديدا “هيو” امتيازات تجارية للجنويين تقوم على حرية التجارة والاعفاءات الضرائبية والجمركية[47]. ولكنهم لم يمارسوا تلك الامتيازات التجارية والضرائبية في طرابلس بشكل فعلي الا في مطلع القرن الثالث عشر على عهد بوهيمون الرابع بدءا من سنة 1205 الذي اعفاهم من ضريبة البيع في اسواق المدينة  وسمح لهم بمحكمة خاصة بهم[48].

  على الرغم من مساهمة الجنويين في احتلال المدن الساحلية فانهم لم يحصلوا في بداية الامر على امتيازات تجارية في صور على غرار امتيازات البنادقة، لانهم لم يساهموا في احتلال المدينة. ولكن الافرنج احتاجوا الى خدماتهم العسكرية لتحصين المدينة بعد هزيمتهم في حطين وخسارتهم القدس عام 1187، ما أمّني لهم الحصول تدريجا على امتيازات شبيهة بما كان قد حازه البنادقة في بداية العهد الافرنجي. ويذكر الامير موريس شهاب ان كونراد دي مونتفرات ثبت الامتيازات المذكورة وعززها بمعاهدة جديدة، ومن ابرز بنودها: اعفاء الجنويين من الضرائب على المكاييل والموازين، وحصولهم على حقول متعددة، وحمامين احدهما للنساء والآخر للرجال، وفرن، وسوق، وعدد من المنازل فضلا عن ثلث عائدات مرفأ المدينة.[49]ويقول الياس القطار ، مستندا الى دسيموني  Desimoni ، انه بفضل دو شمباني حاكم صور اصبح للجنويين في صور محاكمهم الخاصة يتقاضون فيها بكل ما يتعلق بشؤونهم بما في ذلك الجرائم. ونالوا جزءا من مكوس الجمارك المفروضة على سلع العبور ( الترانزيت )، ولا يدفعون الضرائب على البضائع المعروضة في مخازنهم او المرسلة اليهم بطريق البر[50].كما صار لهم مراكز صيرفة خاصة بهم وحمام ومجرى ماء لحاجياتهم.[51]ويضيف انهم تمتعوا بكل تلك الحقوق مقابل حمايتهم لحاكم المدينة وترميم مرفئها، وعلى الا يزيدوا طبقات منازلهم او يستحدثوا مسامك وملحمات في حيهم من دون ترخيص مسبق[52].

امتيازات البيازنة: من الواضح ان بيزا هي الجمهورية الايطالية الثانية التي وضعت قدراتها العسكرية في خدمة الافرنج بعد جنوا فجاءت امتيازاتهم الاولى في امارة انطاكيا.[53] ثم منحوا  امتيازات تجارية وضرائبية في مملكة القدس، كان معظمها في المدن الفلسطينية [54]. في عهد بلدوين الثاني ( 1118- 1131) حصلوا على خمسة بيوت في صور، ووكالة تجارية قرب المرفأ[55]. وفي عهد بلدوين الثالث وتحديدا في سنة 1156 نالوا محكمة خاصة،[56] وفرنا وخمسة افدنة من الاراضي خارجها[57].

وكلما كانت تتعرض احدى المدن الافرنجية الى خطر محدق كان يعمد حكامها الى تقديم تنازلات جديدة للايطاليين، ويحيون العمل بالمعاهدات السابقة التي كانوا قد اختزلوا بعضا من مضامينها. ويتبدى ذلك عندما احدق الخطر بصور في عهد صلاح الدين الايوبي، ولاسيما قبيل عام 1187 وخلاله، بخاصة عندما خسر الافرنج القدس. لذلك يمكن ان يتوضح دور البيازنة التجاري في المدن اللبنانية من خلال معاهدة 1187 التي ابرمها مع كونراد دي مونتفرات حاكم مدينة صور، وجاء في ابرز بنودها :”منح البيازنة قطعة ارض لبناء البيوت قرب الموانىء فضلا عن حمامات وافران، وتعيين موظفين من قبلهم للاشراف على جميع المعاملات التي يقوم بها تجارهم[58] ، واعفاؤهم من الضرائب والرسوم، ومنح قناصلهم الاستقلال في ادارة كل ما يتعلق بشؤون المستوطنة البيزاوية، منحتهم المعاهدة الآنفة سلطات قضائية على مستوطنيهم في كل الحالات ، ما عدا الجرائم الموجهة ضد غير البيازنة[59] ، وحماية بضائعهم وممتلكاتهم في حال غرق سفنهم او تحطمها قرب السواحل الافرنجية. كما نالوا فرنا وحماما وعدة منازل مع حقولها داخل المدينة[60]، كل ذلك مقابل تقديمهم المساعدة العسكرية لاسترداد مدينتي يافا وعكا من السلطان صلاح الدين الايوبي والدفاع عن مدينة صور ضد محاولات صلاح الدين للاستيلاء عليها[61].  كما حصلوا على حق استعمال المكاييل والموازين الملكية المعفاة من الضرائب. ويضيف القطار بان كونراد دي مونتفرات عزز امتيازاتهم بسماحه لهم العمل على ابواب المدينة وفي مرفئها وفي سوقها ومراقبة حسن استيفاء الضرائب واعفاهم من الضرائب على السفن الغارقة [62]. وبذلك اضحت امتيازاتهم في صور تضاهي الى حد، من حيث الاهمية، مثيلاتها التي تمتع بها البنادقة والجنويون. ولم يحصل البيازنة على امتيازات  في مدينة طرابلس الا سنة 1179 حين وهبهم ريمون الثالث بيتا، ثم حصلوا على محكمة خاصة بهم كما اعفوا من الضرائب الجمركية[63]

 امتيازات البنادقة : منذ بداية حروب الافرنج في الشرق تريث البنادقة فترة [64]. ولكن عندما وقع امير انطاكيا في الاسر وازدادت هجمات الزنكيين ضد الافرنج ارسل هؤلاء الى دوق البندقية يطلبون النجدة العسكرية على جناح السرعة، وتدخل البابا طالبا منهم تلبية المساعدة [65]. فلبوا  النداء وقاد دوقها بنفسه اسطولا قوامه مئتا سفينة وانقذ موقف الافرنج الحرج، واحتلا مدينة صور[66]، وعلى أثرها وقعت معاهدة 1124 بين البنادقة والبطريرك غورمون نيابة عن الملك المأسور، وهي تعتبر اساسا لكل المعاهدات والامتيازات البندقية في مملكة القدس، وقد اورد وليم الصوري تفاصيلها بكل دقة : يمتلك البنادقة ملكا خالصا كنيسة وحيا وفرنا وطاحونة وساحة في كل مدينة وبارونية خاضعة لبلدوين الثاني وخلفائه. ولهم حق استخدام مكاييلهم وموازينهم  الا اذا اشتروا سلعا من تجار آخرين.  ومنحتهم المعاهدة استخدام محاكم خاصة بهم يحتكمون اليها الا في حال حصول خلاف بين البنادقة وآخرين فيخضعون عندها لمحاكم الملك. واعفتهم ايضا من الرسوم والضرائب على انواعها في التصدير والاستيراد والمكوث في المملكة، واستثنت منها الضرائب على نقل الحجاج. كما اقرت لهم بوراثة كل تاجر يتوفى في المملكة، وحقهم بسلع السفن التي تغرق او تتحطم في موانئ مملكة القدس. ونالوا بموجب تلك المعاهدة ايضا ثلث مدينة صور وملحقاتها ملكا تاما، وهي اوجبت على الملك دفع مبلغ 300 دوكة لدوق البندقية من عائدات مرفأ صور.[67] اما اولى المعاهدات التي وقعت بين الجانبين فكانت في عهد غودفروا دي بيون في تموز عام 1100 عندما قدم اسطول بندقي وتوقف قبالة شواطئ يافا، طالب البنادقة مقابل خدماتنهم التي قاربت الشهر عقد معاهدة حصلوا فيها على اعفاء من الرسوم والضرائب الجمركية في مملكة القدس وثلث كل مدينة يساهمون في احتلالها، فضلا عن سوق وكنيسة[68]. منحهم حنا ابلين حاكم بيروت تشجيعا لتجارة المدينة حقوقا تجارية وامتيازات نصت على الاعفاء من الضرائب الجمركية على بعض السلع.[69]

اما معلوماتنا عن مرسيليا ومونبليه فهي قليلة، ونعرف فقط انهم اعفوا من الضرائب على تجارتهم وعلى موازينهم ومكاييلهم[70] .

امتيازات تجار آخرين: لا نملك معلومات كافية حول دور التجار الافرنج في مماكة القدس اللاتينية، انما بالعودة الى بعض المراجع الاجنبية تبيّن لنا ان تجار مرسيليا ومونبليه اعفوا من الضرائب على تجارتهم، وعلى موازينهم ومكاييلهم التي حق لهم استخدانها[71].

رابعا: التنافس التجاري وعلاقة الجاليات الايطالية بالحكام الافرنج:

دور المعاهدات الاداري:ومن الواضح ان الايطاليين لم يتمتعوا بكامل الامتيازات التي نالوها من الفرنجة اذ عمد هؤلاء الى المراوغة للتملص من تنفيذ بنود المعهدات ولا سيما في الفترة التي تلت الاحتلال الفرنجي للمدن الساحلية على امتداد الشواطئ من فلسطين الى اعالي سورية. اذ عمد بعض الملوك والحكام في مملكة القدس بخاصة في العاصمة ومعظم مدن الساوحل كطرابلس وصور وجبيل وبيروت وصيدا الى التلاعب بمضامين المعاهدات المتعاقبة تحصينا لمواقعهم الاقتصادية وكي يقاسموا الايطاليين الارباح [72]، لأن الاوضاع العسكرية فيها كانت شبه قد استقرت ولم تجابه خطرا حقيقيا الا في عهد السلطان الايوبي صلاح الدين.

 وتعتبر الامتيازات التي نالتها الجمهوريات الايطالية في القرن الثالث عشر تكملة لما كان قد حصل عليه الايطاليون سابقا منذ مساهمتهم العسكرية الاولى في القرن الحادي عشر  ومطلع الثاني عشر انما طرأعليها تحول اثناء حملات صلاح الدين الايوبي التي استرد خلالها بعض المدن وهدد المدينتين اللبنانيتين الرئيسيتين طرابلس وصور [73]، وبالتالي عمد الايطاليون الى الابتزاز كي يعيد الفرنجة العمل بالمعاهدات الاولى وللحصول ايضا على امتيازات جديدة كي يؤمنوا الحماية العسكرية ليس للمدينتين المذكورتين فحسب انما ايضا لاسترداد المدن التي استولى عليها صلاح الدين.

   ويمكن تسجيل اكثر من ملاحظة في هذا الشأن: ادراك الافرنج خطورة مشاركة الايطاليين لهم في حكم المدن الساحلية عموما على اسس فيودالية مما كان يفقدهم دور الريادة والقيادة السياسية، وقد ادت الامتيازات الى قيام نوع من حكم اقليات ضمن مملكة القدس واماراتها ولا سيما في جبيل، وفي احياء طرابلس وصور وبيروت وعكا التي تقاسمتها الجاليات الايطالية الجنوية والبيزية والبندقية.[74]وان نظرة على الجهاز الاداري للجاليات ايطالية في المدن الرئيسية تعطينا فكرة واضحة عن فعالية ذلك الجهاز، وعن دوره في تقاسم السلطة مع الافرنج. خصوصا ان الجمهوريات الايطالية، بعد ان انتزعت الامتيازات من منهم ولاسيما امتلاك الاحياء والمشاركة بالاشراف على الجمارك والحصول على محاكم خاصة الخ…، ادركت اهمية ادارة جالياتها في المشرق العربي، فعينت كل منها مديرا يشبه عمل القنصل اليوم ولقب بلقب خاص. فعرف البندقي بلقب بايلو Bailo وكان مركزه في عكا ويساعده مساعدون في المدن الالافرنجية الاخرى عرف الواحد منهم بلقب فيكونت [75] ، اذ توجب على كل جالية تملك ثلث المدينة ان تعين عليها حاكما وقاضيا، كانت الدجمهورية التابع لها تدافع عن الحاكم ضد اية اعتدآت[76]. ولينا نموذج واضح على ذلك؛ اذ عينت جنوا  عندما امتلكت ثلث جبيل حاكما من قبلها على المدينة اسمه انسالدو كارسو[77]. وقد تمتع البايلو بصلاحيات واسعة جدا: مثل عقد المعاهدات بالنيابة عن دوق البندقية، والاحتجاج لدى المراجع الافرنجية كلما دعت الحاجة الى ذلك ،  وكان يعتبر المرجع الرئيسي لكل الموظفين البنادقة في صور وطرابلس وبيروت وغيرها من المدن الافرنجية [78]، ويجهد كي لا يتلقى رعاياه امرا او يلتمسوا عدالة من موظفي الدولة الافرنجي[79].

 وكان للبيازنة موظف كبير يدير شؤونهم عرف بالقنصل وكان مركزه في عكا.[80]اما الجنويون فقد احتكر آل امبيرياتشي ادارة جالياتهم لمدة طويلة اي لغاية عام 119. وكان مقرهم في مدينة جبيل.[81]وثم مارس الحكام الجنويون هذا الدور فعينوا قنصلا لتولي المهام الادارية كلها وفيكونتا لتولي الامور القضائية[82]. وبما ان طرابلس شكلت مركز الثقل التجاري للجنويين عينت فيها جنوا فيكونتا تلي رتبته الفيكونت الاعلى[83]. ومنذ عام 1274 استبدل القنصل ب بودستا وحل مكانه في جميع صلاحياته واستقر في مدينة صور. وكان عمل ممثل الجاليات يشبه الى حد كبير دور البايل البندقي، وبالتالي تعددت الصلاحيات في المدينة الواحدة، وتضاربت مع الوظيفة الاساسية للحاكم الافرنجي ملكا كان او سنيورا وادى الى مشاكل جمة، وكادت السلطة الرئيسية تضيع في خضم تلك الصلاحيات المتداخلة، ولاسيما ان كل جالية جهدت لتأمين مصالحها التجارية على وجه الخصوص.

الاحتكام الى السيف لصون المعاهدات: ان السيطرة الايطالية العسكرية وحاجة الافرنج المستمرة لهذ القوة العسكرية افقدت الحكام الافرنج على تنوّع مستوياتهم القدرة على رعاية التجارة بحيث انهم فقدوا السيطرة على التجار الذين، وفقا لاحكام المعاهدات التجارية، احتكموا الى محاكمهم الخاصة، وعاشوا في احيائهم الخاصة، التي كانت ادارتها محض ايطالية. وبالتالي فقدوا القدرات الاقتصادية التي لو تمتعوا بها بطريقة صحيحة لتمكنوا من الاستغناء تدريجا عن الوصاية الايطالية. ولعب ايضا في هذا الشأن تصادم مصالح الحكام الافرنج في ما بينهم من جهة، ومع ملك القدس من جهة ثانية، مما زاد الارباك السياسي، والحاجة الماسة للقدرة العسكرية الايطالية، التي تماهت في ذلك الصراع جريا وراء مصالح كل جالية، ما ادى للاحتكام للسيف، وتاليا تعرض الجالية المنهزمة لفقدان امتيازاتها.

وعليه يصعب ادراك ابعاد الحركة التجارية الايطالية في المشرق العربي عموما الا من خلال التنافس التجاري والعسكري المنوه عنه آنفا. ومن الامثلة على ذلك الصراع الذي حصل ما بين  1190 و1192 بين غي دي لوزنجيان وكونراد دي مونتفرات على عرش مملكة القدس بحيث جهد كل منهما للتحالف مع القوى العسكرية التجارية الايطالية عن طريق تقديم امتيازات جديدة لمن يؤازره. فدعم البيازنة غي، في حين آزر الجنويون كونراد، وبانتصار الاخير طرد البيازنة [84]من صور. وتجدد الصراع على العرش عينه ما بين 1193و 1195 بين غي دي لوزنجيان حاكم قبرص وهنري شمبانيا متولي صور الذي آزره الجنويون فما كان من هنري الا ان طرد البيازنة من صور ولم يتمكنوا من العودة الى احيائهم الا بعد ان وقع الصلح بين الطرفين عام 1195[85].

نماذج من التنفيذ الفعلي للامتيازات:

طرابلس:لم تتمركز الجاليات الايطالية بالمدينة فعليا الا في مطلع القرن الثالث عشر او بعيده، ومرد ذلك الى ان حصول الايطاليين على الامتيازات فيها جاء متأخرا قياسا بالمدن الاخرى.

جبيل : سقطت جبيل عام 1187 بيد صلاح الدين واسر صاحبها (من آل امبرياتشي)، وتم استردادها عام 1193 وعلى الرغم من بقائها تحت سيطرة آل امبرياتشي، وعلى الرغم ايضا من ان الجاليات الايطالية فيها كانت معفية من كامل الرسم والضرائب، الا ان تلك الاسرة غدت تابعة لحكام طرابلس.

صور: كان ميناؤها افضل من ميناء عكا لانه يتسع لمعظم انواع السفن[86]. وعلى الرغم من ان فيليب دي مونتفرات طرد البناقة منها وعلى الرغم انهم لم يتمكنوا من العودة اليها الا عام 1277 فانهم استمروا في سك الدنانير الذهبية التي تحمل شعائر اسلامية لانها تجلب التجار المسلمين اليها وتسهل التعامل التجاري[87]. وازدادت اعداد الجاليات الايطالية فيها بعد عام 1187 حين حصل الجنويون والبيازنة على امتيازات تجارية وفيرة. وغدا الجنويون اكثر الجاليات الاوروبية نشاطا واهمية بسبب مساعدتهم لحكام صور، واستمر الامر على هذا النحوا الى حين الجلاء الافرنجي عن الشرق.

ان كل ذلك يمكن ان يفسّر دور المركزي لمملكة القدس بالتحول التجاري الايطالي الايجابي، فالملوك الافرنج ابتزوا الجمهوريات الايطالية في فترة الاستقرار العام وخالفوا جهارا مضامين الامتيازات التجارية والادارية – وهي لها علاقة مباشرة بالدور التجاري للجاليات في مملكة القدس- فاختزلوا من المعاهدات المبرمة ما كان يناسب اوضاعهم الاقتصادية والادارية. ولما كاد السلطان صلاح الدين ان يسقط مملكة القدس سارع حكامها لتقديم تنازلات للجمهوريات الايطالية التي عمدت بدورها الى الابتزاز للحصول على اعلى قدر ممكن من التسهيلات التجارية لتستعيد الارباح التجارية الخيالية التي كان يحققها الايطاليون. وان نظرة على تطور الطرق التجارية، وعلى انواع السلع التجارية المتبادلة بين الشرق والغرب يوضح هذه المعادلة المركزية القائمة على الحاجة الى القدرة العسكرية الايطالية في مملكة القدس اللاتينية ومحاولة الحكام الافرنج التملص من التنفيذ الفعلي لكامل بنود المعاهدات التجارية، وبالتالي الابتزاز المتبادل بين الفريقين لصالح القوي بينهما وفق الميزان السياسي والعسكري العام.

خامسا:الطرق والسلع التجارية

الطرق التجارية العالمية الرئيسة: كان في العصور الوسطى ثلاث طرق رئيسة تربط الشرق الاقصى بالمشرق العربي تراوحت المخاطر عليها تبعا للظروف السياسية والعبات الطبيعية. كان الطريق الاول بحري ينطلق من الصين مرورا بالهند فالخليج العربي حيث يتفرع باتجاهين: غربا الى دمشق، وشمالا الى ديار بكر[88]. اما الثاني فيأتي ايضا من الشرق الاقصى عبر المحيط الهندي الى البحر الاحمر، ثم يسلك اتجاهين: عبر سيناء الى دمشق فموانئ الساحل الشامي، او الى القاهرة[89]. وكان الثالث بريا عبر الهند وجبالها وهو لا يعنينا اجمالا في هذا البحث.

وقد تعددت المحطات التجارية البحرية والبرية على هذه الطرق مما سهّل عبور القوافل عليها[90]. وقد أمّنت تلك الطرق والمحطات بانتظام وصول سلع الشرق الاقصى الى موانئ ساحل بلاد الشام ومدنها الداخلية، وأمنت ايضا انتقال السلع الاوروبية باتجاه الشرق الاقصى. وحرص الحكام في منطقة الخليج العربي ومنطقة الحجاز على ان تبقى الطرق الرئيسة خفية على التجار الافرنج على اختلاف جنسياتهم، ومنعوا على الحكام الافرنج ايضا من عبور تلك المنطقة.

طرق القوافل او الداخلية : ان الطرق الداخلية التي كانت تربط المدن الداخلية في بلاد الشام والمشرق العربي عموما بالمدن الساحلية كانت متعددة، وسنركز على ابرزها. الطريق الآتي من الفسطاط( مصر القديمة) الى دمشق مارا بالرملة وطبرية ومنها الى الموانئ الرئيسة على الساحل التي يعتبرها ابن خرداذبه المخرج الطبيعي لتجارة بلاد الشام[91]. وكانت حلب وفق ناصر خسرو ملتقى الطرق التجارية الواصلة اليها من مناطق مختلفة ويأتي طريق منها الى دمشق فبيروت، او الى حمص فطرابلس، لأن حمص كانت بدورها محطة إلتقاء عدد من القوافل القادمة اليها من الرقة والفرات بمحاذاة الصحراء [92]. ويتفرع طريق حماه باتجاهين: احدهما نحو الساحل غرب الشام الى عرقة فطرابلس، والآخر نحو الجنوب الى دمشق[93]. ولشدة اهمية وازدها الطريق الذي ينطلق من حلب الى دمشق خصّه ابن جبير المعاصر لمرحلة مهمة من عهد الافرنج بوصف مهم[94] يمكن الخلوص منه: التركيز والتنويه بكثرة الخانات[95]، وسهولة عبور الطريق المذكور نظرا للتسهيلات الكثيرة المتوفرة عليه وعلى متفرعاته، وامكانية التبادل التجاري في خاناته، او التزود بسلع جديدة منها. وتؤشر كثرة الخانات الى شدة ازدهار الطرق المذكورة. وقد وصف ابن جبير ايضا الطرق البرية التي تصل الى صيدا وصور وعكا: فالقوافل كانت تنطلق من مصر عبر طبرية الى دمشق ومنها الى دارية، فبانياس، ثم الى تبنين حيث كانت السلع تمكس، ومنها الى عكا، ثم الى اسكندرونة فالى صور[96].

وتبيّن دراسة طرق القوافل ان دمشق وحلب كانتا من ابرز المراكز التجارية الداخلية وتزخران بمختلف انواع السلع، بحيث شكلتا مستودعا للسلع القادمة اليها عن طريق مصر أكانت مصرية المصدر او مجلوبة  من الشرق الاقصى. وكانت الموانئ الساحلية مخرج التجارة الدمشقية، بخاصة اللبنانية منها ولا سيما صور وطرابلس وصيدا لأنها كانت من ابرز الموانئ التجارية والعسكرية على حد سواء. ولعل صور وفق معظم المؤرخين كانت الاهم والاوسع بينها، اذ كان لها ميناآن داخلي وخارجي، الاول لاستقبال السفن الصغيرة لأن الكبيرة قد تتعرض للعواصف من دون امكانية حمايتها، على عكس الثاني الذي كان يفوق ميناء عكا اتساعا ويستقبل السفن من مختلف الاحجام، وكان يشكل مأوى امينا لها.[97]

كانت تخضع لكونتية طرابلس عدة مرافئ ما كان يسهل الاعمال التجارية فيها، لأنها كانت تتلائم مع كبر السفن واحجامها مثل طرطوس[98] ، وجبيل المخصص لاستقبال السفن الصغيرة ،[99] وميناء طرابلس نفسها تلك المدينة الشديدة التحصين باسوارها العالية الذي كان يستقبل السفن من مختلف الانواع والاحجام[100]. ولم يكن ميناء بيروت من الاهمية الكبرى ليضاهي موانئ طرابلس وصور وعكا، بل كان يستقبل السفن المتوسطة الحجم، وكانت تكمن منزلته بانه كان ملتقى التجار من حلب ودمشق وبعلبك[101].

وهكذا لعبت الموانئ المشرقية المتوسطية التي كان يسيطر عليها الافرنج دورا اساسيا وبارزا في التجارة التي مارسها الايطاليون بوجه الخصوص مستفيدين من الامتيازات التجارية التي حازوها اثناء تكوين مملكة القدس والكونتيات والامارت الاخرى، او السنيوريات التي كانت خاضعة لمملكة القدس اللاتينية. فقد كانت فريدة من حيث قرب بعضها من البعض الآخر؛ فكان اذ تعرّض ميناء منها لأي خطر كان النجدة تصله بسرعة فائقة من الموانئ الاخرى. وتتمثّل فريدتها ايضا بسهولة وصول التجار اليها بحرا او عبر القوافل، او وصول وسطائهم للقيام باعمالهم التجارية الخاصة. ناهيك بالامان الطبيعي الذي حباها الله لها من شمالي لبنان حتى مشارف عكا اذ تحيط بها الجبال العالية التي تشكل حصونا طبيعية لها يصعب اختراقها.

 السلع التجارية:

 الصادرات : كان طلب الاوروبيين على السلع في المشرق العربي شديدا أكانت منتجة فيه او مصدرة اليه من الشرق الاقصى وبلاد فارس. وقد اورد بيرين Pirenne ثبتا بابرز السلع المشرقية : الارز، الليمون، المشمش، الزبيب، العطور، الادوية، الاصباغ، الاخشاب الممتازة كالصندل … والقطن الذي اعطى اسمه العربي الى كل اللغات، والحرير الخام . هذا اضافة الى انواع من الملبوسات ، التي عرفت باسماء مصادرها، مثل الدمسق نسبة الى دمشق، وبلدكان BALDAQUIN نسبة الى بغداد، والموسلين نسبة الى الموصل، وgaz  نسبة الى غزة [102]. هذا فضلا عن اقمشة  Samit و Camelot وانسجة  سميكة من وبر الجمال او الماعز او الصوف، والصابون والاواني النحاسية المكفتة.[103]ناهيك عن المسك، وخشب الصبر، والبهار، والهال، والقرفة، والخولخان[104]، وجوز الطيب، والكافور، والقرنفل، والتين واللوز، وقصب السكر، والنبيذ، والسمسم، والثمار الزيتية، والنيلة، والفوة[105]، والخزف والزجاج.[106]

اما سلع الشرق الاقصى التي كانت تصدر الى اوروبا فقد ذكرها كل من ابن خرداذبة والادريسي. وهي مواد طبية مثل القسط والبقم[107]، والبهار والقنا [108]، والخيزران، والعود[109]، والعنبر الطيب الرائحة تزن الواحدة منه ما يقارب القنطار احيانا، واللؤلؤ، والياقوت، والماس، والزمرد، والاحجار الكريمة، واصناف عدة من العطر والبلور[110].

وحمل التجار الاوروبيون السلع المشرقية الى الغرب الاوروبي، فنقلوا من مصر الزمرد[111] قصب السكر والسكر.[112]والمنسوجات بخاصة الصناعات التي اشتهرت بها المصانع في مصر والشام وفلسطين ولبنان. فقد نقلوا من مصر عبر الاسكندرية او الموانئ اللبنانية المنسوجات الكتانية التي اشتهرت بصناعتها المدن المصرية مثل تنيس ودمياط والاسكندرية والفرما وغيرها[113]، اضافة الى المنسوجات الحريرية والقطنية والصوفية.[114] وقد تميزت طرابلس بالصناعة النسيجية خلال العصور القديمة و الاسلامية والبيزنطية وخلال العصر الصليبي ايضا [115]. وكان في طرابلس وحدها حوالى اربعة آلاف شخص يعملون في صناعة الحريرخلال القرن الثالث عشر[116]، انما على الارجح كانوا يعملون في مختلف انواع المنسوجات. وكان في صورمصانع للحرير شهيرة ولاسيما صناعة الحرير الابيض الذي شكل مصدرا رئيسا للحي البندقي فيها الذي كان يصدر الى الغرب الاوروبي [117]،  ونقلت الى المدن الافرنجية وبخاصة اللبنانية منها الاقمشة الحريرية والمنسوجات الاخرى على اختلاف انواعها من المدن الشامية ولاسيما دمشق، ومنها كانت تصدر الى اوروبا[118]. وقد احتل الزجاج الصوري المرتبة العالمية الاولى من حيث جودته [119]، وقد خصص فيها ربض لصناعة الزجاج الجيد، والفخار على حد تعبير الادريسي.[120] وتعود شهرة الزجاج المصنع فيها كالزهريات الشفافة والفائقة الجودة لاستخدام الصوريين مواد اولية ممتازة مستخرجة من المدينة عينها كالرماد مثلا[121]. وكان تلك المصنوعات معروفة في طرابلس وصيدا وتصنّع بطريقة ممتازة وان لم تكن تضاهي الزجاج الصوري[122] . وكان قصب السكر يزرع بكميات وافرة في بساتين صيدا وصور وفي طرابلس[123]. وكانت صناعة السكر من الصناعات الرئيسية في صور معاصره منتشرة داخل المدينة التي كان يملك بعضها الملك وبعضها الآخر البنادقة والجنويون[124]، واعتمدت صناعته في تركيب الادوية. وصدرت المدن اللبنانية زيت الزيتون، الذي كان يطلق عليه الافرنج الزيت الطيب، الذي كان يجلب اليها من مناطق متعددة كالخليل ونابلس.[125] وتميزت صور ايضا بصناعة الاقمشة البيضاء الممتازة الصنع والباهظة الثمن والتي لم يكن يصنع شبيه لها في سائر البلاد المحيطة بها، وكانت تصدر الى كل الآفاق.[126]وقد اشتهرت صور بعدد آخر من الصناعات ذكرها الامير موريس شهاب مثل صناعة المصاغ والحلي على انواعها.[127]ناهيك عما كان ينتجه سهل البقاع من مختلف انواع الحبوب حيث كان للافرنج ثلث محصوله على الاقل في العهد السلجوقي.[128] ونقل الايطاليون المنسوجات المصرية التي كانت تصنعها تنّيس، دمياط، الاسكندرية والفرما[129]، عبر الاسكندرية مباشرة او من الموانئ اللبنانية[130].

لقد وفّرت المدن اللبنانية ولا سيما طرابلس وصور اصنافا عديدة من منتوجاتها الزراعية. كانت سهول طرابلس فسيحة وتتمتع بخصوبة مدهشة وغنية بالحدائق والبساتين الغاصة بالفواكه مثل: النارنج، والترنج، والتين، واللوز، وقصب السكر، وحقول السمسم، والثمار الزيتية خصوصا في أنفة[131]. وتعرّف الايطاليون الى اهمية الشب في الصباغة وغدا استخدامه ضروريا في صناعات اوروبية.[132]  

  الواردات الافرنجية:  ان السلع التي صدرها الايطاليون الى المدن الافرنجية المشرقية كان قسم منها معدا للاستهلاك المحلي والقسم الاخر لاعادة التصدير للداخل المشرقي الى اسواق مصر وسوريا وفلسطين بواسطة التجار الاروربيين انفسهم او عن طريق تجار مشرقيين[133]. وتولى تصدير بعض هذه السلع تجار مشرقيون الى الشرق الاقصى. اما اهم السلع التي صدرها التجار الايطاليون الى الشرق فهي: الاخشاب والاسلحة ولاسيما الخوذ[134] والسيوف [135]، والرقيق، وشكلت صور احد اهم اسواقه [136]، والاقمشة على اختلاف انواعها ومن مصادر متعددة :ايطالية وفرنسية[137] مثل اقمشة شامبانيا Champagneواللانغدوق Languedoc، الفلاندر، بال، انكلترا، آفنيون، واقمشة اخرى مصنوعة من خيوط الذهب في جنوى ولوك، وكذلك نسيج الكتان المشبوك الحبك، ومنسوجات باريسية. ناهيك عن شحنات من القصدير، والمرجان، والزئبق، وجلود الثعالب، والفراء، والقمح، وزيت الزيتون[138]. وجلب الايطاليون الى المشرق الرقيق والعسل والشمع[139].

ان هذا الكم الكبير من السلع التجارية المتبادلة يؤشر الى الحجم الكبير بل المضطرد في الحركة التجارية الواسعة، ويؤشر ايضا على نسبة الارباح الهائلة التي كان يحققها التجار الايطاليون بصورة خاصة. وما كان ذلك ليتم لو لم يساعد الايطاليون بفعالية الافرنج بفتوحاتهم ويحصلوا على الامتيازات المذكورة آنفا. وما كان ذلك لينجح لولا تطور في المواصلات، وانتظام الطرق التجارية العالمية بين الشرق والغرب، والسهر على سلامتها بحمايتها من اللصوص وقطاع الطرق على اختلاف تلاوينهم. وأمن حمايتها كلا الجانبين الافرنج والحكام المسلمين لأن الافادة المادية شملتهما معا.

سادسا: الحركة التجارية: لا تقتصرالحركة التجارية على بيع وشراء السلع او مقايضتها وكيفية وصولها الى الاسواق، انما على مقدار الضرائب المجباة، وكمية النقود، وحركة الصيرفة، وورود السفن ومغادرتها ضمن مواعيد محددة بدقة. وان افتقارنا الى البيانات والوثائق التجارية التي تغني البحث، يدفعنا الى الاعتماد على ما جاء اجمالا في المراجع الاجنبية، وعلى تقديرات عامة.

النقود: ادى تدفق الجاليات الايطالية الى المشرق العربي وممارساتهم التجارية الى فورة نقدية على مستوى وفرة العملات وتنوعها بحيث تلاقت النقود البيزنطية مع الدنانير العربية والاسلامية، ومع النقود التي سكها الافرنج كالدينار الاسلامي الذي جاء تقليدا للدينار الفاطمي لتسهيل التبادل التجاري مع المسلمين، ثم استبدل به دنانير مسيحية بتدخل من البابا انوسانت الرابع[140]. وضربت بصور دنانير اسلامية تعود الى عهدي السلاجقة والايوبيين ومطلع العهد المملوكي[141]. وسك الافرنج البيزنت Bezant الذهبي[142] وكانت قيمته تفوق الدينار العادي.[143]وكان يحق للايطاليين رغم الامتيازات التي حازوها سك نقودا ذهبية خاصة بهم، انما اجيز لهم سك دراهم برونزية عرفت باسم “بافيش”Bafych [144]ورفض كثيرون التعامل بها لشدة ما لحق بها من غش.[145]هذا بوجه عام لأن فلامنغ يؤكد ان البناقدة سكوا نقودا ذهبية في صور اجازتها لهم معاهدة 1124 واستمروا مستفيدا منها حتى عهد فيليب دي مونتفرات، وجاءت مشابهة للدنانير الاسلامية[146]

المصارف والصيرفة: اوجب الكم الهائل من النقود والنشاط التجاري المتزايد قيام مراكز مصرفية. بخاصة ان الجمهوريات الايطالية كانت تملك مصارف ضخمة انتشرت فروعها في انحاء عديدة من العالم بما فيها المدن الساحلية الافرنجية لتسهيل التبادل التجاري[147]. وقد زاولت المؤسسات الدينية العسكرية مثل الداوية والاسبيتارية وغيرهما الصيرفة بفضل ممتلكاتها الشاسعة في مختلف انحاء اوروبا، وعرفت نظام السحب والايداع والايصالات في التعامل النقدي[148]، وشارك في هذه الاعمال مصرفيون ايطاليون ويهود.[149]

لقد جنى المصرفيون والصيارفة اموالا طائلة خوّلت ملوك المملكة اللاتينية في القدس الاستدانة منهم عند الحاجة[150]. فاذا اعتمدنا صور وحدها كنموذج لتلك العمليات، كما اوردها الياس القطار، لتبيّن لنا مقدار الدورة النقدية وتطوّرها، وبالتالي النمو المضطرد للحياة الاقتصادية عامة والتجارية خاصة. فقد كان البنادقة لوحدهم يملكون فيها تسع مراكز لصرف النقود تمركز احدها في فندق الملك، وكان للجنويين اربعة مراكز فضلا عن شارع بكامله خصص للصيرفة والاعمال المصرفية، ومركز خاص باليهود.[151] ولم تقل الاعمال الصيرفية والمصرفية في طرابلس عمّا كانت عليه في صور بخاصة بعد سقوط انطاكيا وانتقال اسرة امبرياتشي اليها.

الرحلات التجارية: ما ان استقرت الجاليات الايطالية في مدن مملكة القدس اللاتينية حتى شرعوا بتنظيم اعمالهم التجارية ومنها تنظيم الرحلات التجارية الكبرى بين اوروبا والمشرق العربي ذهابا وايابا. وقد خصصت رحلتان فقط في السنة الواحدة تتلاءم مع هبوب الرياح المرسمية التي لا تهب الا في الربيع والخريف[152]. فكانت الاولى تبدأ في شهر آذار، والثانية في شهر ايلول.[153]وتوافق قدوم السفن مع انعقاد الاسواق التي كانت على ثلاثة انواع: موسمية تنعقد في مواعيد وصول السفن لتلاؤمها مع هبوب الرياح الموسمية[154]، والسنوية التي كانت تنعقد في فترة الاعياد الدينية، وبما ان مواعيدها لم تكن ثابة فقد جرى تقليد انعقادها مرة ثانية مع وصول “سفن المدة” توخيا للربح الناتج عن التبادل التجاري مع الايطاليين[155]، والمحلية التي كانت دائمة اجمالا.[156]

زاد هذا الغنى بالاسواق وتوفر السلع بشكل مستمر بحجم التبادل التجاري، فانشئت المستودعات الكبيرة لتخزين السلع بانتظار عودة سفن المدة التي كان مجيؤها يشكل سوقا كبيرا وحركة اقتصادية تامة يشارك فيها التجار المشارقة والاوروبيون. وادى ازدهار التجارة في مملكة القدس الى تطوّر في صناعة السفن، ففي القرن الثالث عشر صار بعضها يحمل ما مقداره ستمائة طنا بعد ان كانت الحمولة القصوى في القرن السابق عليه خمسمائة [157]. لقد لبى هذا التطور حاجات التجارة المضطردة الازدهار، وصارت سفن المدة تحمل مئات التجار وعددا هائلا من المستثمرين الاوروبيين بخاصة الايطاليين الذين كانوا يقصود المشرق لتوظيف اموالهم بالتجارة[158]، فنشأ تبعا لذلك شركات تجارية ذات رؤوس اموال متعددة المصادر.

دور التجار والحجاج المنفردين: ان ما تجدر ملاحطته في هذا السياق العام هو ان الحركة التجارية لم تكن وقفا على كبار التجار والشركات التجارية الضخمة، انما شارك فيها الحجاج الاوروبيون والتجار المنفردون ممن كانوا يفتقرون الى اماكن سكنية خاصة بهم، فكان الواحد منهم ملزما استئجار مكان اقامة او منزل في حي جاليته ما كان يرفع قيمة الايجارات عند انعقاد الاسواق، وبخاصة عند قدوم سفن المدة، الامر الذي كان يزيد في زخم الحركة التجارية [159].   

  الضرائب : ان مسألة دفع الضرائب في الموانئ الفرنجية خضعت لعملية مد وجذر تبعا لحاجة الفرنجة الى الخدمات الايطالية العسكرية،وبالتالي لم تنفذ بنود المعاهدات التي تحدثنا عنها الا كيفيا ان جاز التعبير.انما من الواضح وفق المصادر والمراجع الصليبية كانت السفن عندما تصل الى قبالة اي ميناء صليبي تخضع للتدابير التالية : تقرع الاجراس اعلانا لوصولها،ويتوجه نحوها قارب صغير لارشادها للمكان المخصص لرسوها ، او تعمد عدة قوارب صغيرة لتفريغ حمولتها ونقلها الى الشاطئ. اي يكن التدبير التي كانت تخضع له السفينة من التدابير التي ذكرت ،كان يتبعها المراحل الاربع التالية: انزال البضائع، ثم تسجيلها في الدوائر المختصة منعا للتلاعب ،وبعد ذلك تخزن البضائع، واخيرا تتم عملية البيع ،وهذه العمليات الاربع ادت الى تنوع الضرائب وتعددها بحيث دفع التجار الايطاليون الضرائب التالية : الرسو، والميناء ،والمبادلات التجارية او حركة السوق من بيع وشراء واخيرا ضريبة العودة او مغادرة السفينة الميناء[160] .وقد عمد المؤرخ البريطاني الحديث ماير Mayer  بالاستناد الى مصادرة متعددة الى تحديد الى حد بعيد قيمة الضرائب التي دفعها الايطاليون في الموانئ الفرنجية وهو ميز بين الضرائب على السلع بحيث استوفى الصليبيون ضرائب مرتفعة على السلع المعدة للاستهلاك المحلي فوصلت قيتها الى 15% ،في حين تراوحت قيمة الضرائب المعدة لاعادة التصدير والتي جلبها الايطاليون بين 6،4 و2،11 % من قيمتها الاصلية.

  وكما ذكرنا سابقا فان اهم مرفأين لبنانيين في العهد الفرنجي تمثلا بطرابلس وبصور، ولم يكن فيهما على ما يبدو مراكز للضرائب على السلع المشرقية، فالسلع القادمة الى صور مثلا كانت تمكّس في حصن هونين التابع  لملك القدس[161].

وهكذا افاد الافرنج من الضرائب المتعددة التي كانوا يجبونها على السلعة الواحدة في عدد من المراكز تعويضا لهم عن الخسائر التي كانوا يتكبدونها نتيجة منحهم الامتيازات للايطاليين حين تم تأسيس مملكة القدس وملحقاتها على مراحل، وكذلك من اجل حمايتها من السقوط، الامر  الذي اعفى الايطاليين من عدد كبير من الرسوم والضرائب، واجاز لهم حق استعمالهم مكاييلهم وموازينهم الخاصة المعفاة من الضرائب، لأنهم لو استخدموا موازين ومكاييل الملك لكانوا دفعوا الضرائب المتوجبة عليها. لأن  الافرنج  لم يدركوا عند التأسيس اهمية التجارة وقيمة حركتها الحقيقية، ولا دور الايطاليين المستقبلي على المستويين التجاري والاداري.

وعلى هذا افاد الايطاليون من خدماتهم العسكرية التي وضعوها في خدمة الافرنج الى ابعد، لأنهم تمتعوا برؤية مستقبلية واسعة ودقيقة. وقد نجح احيانا الافرنج في اختزال بعض مضامين الامتيازات، انما التطورات السياسية والعسكرية كانت تجفعهم مجددا الى خدمات الايطاليين العسكرية، فتتجد اذ ذاك المعاهدات ويحصل الايطاليون على امتيازات اضافية احيانا.

.


[1] –  لنا عودة تفصيلية لتلك الامتيازات

[2] – EI2, “ Al- kuds” v. 1, pp. 324…

[3] – The travels of Sir Jhon Mandville, translated and introduced by C. W. R. D. Mosley, London. Penguin Books, 1983. p. 43

[4] – المقدسي، محمد بن احمد البشاري، احسن التقاسيم في معرفة الاقاليم، وضع مقدمته وهوامشه وفهارسه محمد مخزوم، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1978، ص 153.

[5] -“ The Springs of Western Ideas of the Holy War”, in  The Holy War, ed. Thomas P. Murphy. Columbus Ohio, Ohio State University Press, 1976, p 27

لمزيد من التفاصيل: انظر: بني كول ” فلسطين في كتابات العالم الغربي اللاتيني في القرنين 13و14 م.” ضمن كتاب الصراع الاسلامي- الفرنجي على فلسطين في القرون الوسطى، هادية الدجاني شكيل، وبرهان الدجاني، مؤسسة الدراسات الفلسطينية بيروت، 1994، ص101

[6] – ابن الاثير، عز الدين، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1979، ج10، ص 66-67

ضومط، انطوان وآخرون، الشرق العربي في القرون الوسطى، الدار اللبنانية للنشر الجامعي، بيروت، 1996، ص، 183

[7] – هايد ، تاريخ التجارة في الشرق الادنى في العصور الوسطى ، تعريب احمد محمد رضا ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة ، 4اجزاء ،  ج1 ، ص 146

[8] – سلاجقة ، فاطميون ، ايوبيون ومماليك

[9]  – هايد ، تاريخ التجارة في الشرق الادنى في العصور الوسطى ، تعريب احمد محمد رضا ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1985 ، 4اجزاء ، ج 1 ، ص 149

[10] – زيتون عادل ، العلاقات الاقتصادية بين الشرق والغرب في العصور الوسطى ، دار دمشق ، دمشق ، 1098 ، ص 55 – 56

-11 Byrne , E. H. , Genosese Shipping in the twelfth and thirteenth centuries , Cambridge , 193 pp 5-6

.

[12]  – هايد ، المرجع السابق ، ج 1 ، ص 146

[13] – المكان عينه

[14] – بالار ( ميشال ) ، ” الجمهوريات البحرية الايطالية والتجارة في الشام- فلسطين ، من القرن الحادي عشر الى القرن الثالث عشر ” ضمن كتاب الصراع الاسلامي – الفرنجي على فلسطين في القرون الوسطى ، تحرير هادية الدجاني شكيل و برهان الدجاني ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت ، 1994 ، ص 182- 183 

[15] – Ashtor , E. , A Social an Economic History of the Near East in the Middle Ages , London , 1977 , pp. 196, 353

[16]  – هايد ، ج 1 ، ص 146

[17] – بالار ، الجمهوريات البحرية ، ص 183

[18]   Cahen , C.,” Le commerce d’Amalfi avant pendant et apres la croisade “Comtes-rendus de l’Academie des Inscriptions et Belles Lettres , Paris , 1977 , pp. 29 – 31. , p. 295

[19] – بالار ، الجمهوريات البحرية ، ص 184

[20] – Recuil des Historiens des croisades , Lois , 2 T. , T.I , Assises de Jerusalem , publie par le conte

Deugnot , T.I , pp. 276 , 29.

[21]  – السيني، صدر الدين علي، زبدة التواريخ، اخبار الامراء والملوك السلجوقية، تحقيق محمد نور الدين، دار اقرأ، بيروت، 1986، ص 53، 55،

ابن القلانسي، ذيل، ص 178-183

[22]  –  لمزيد من التفاصيل انظر: الحسيني، زبدة، والاصفهاني، تاريخ دولة آل سلجوق،

وابن الاثير، عز الدين، الباهر في الدولة الاتابكية، القاهرة، 1963 …

[23] – لمزيد من الاطلاع انظر السيد، ايمن فؤاد، الدولة الفاطمية في مصر- تفسير جديد، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط2، 2000 ص 209 وما بعد

[24] –  ريشار، جان،” تكوين مملكة القدس”، ضمن كتاب، الصراع الاسلامي الفرنجي على فلسطين في القرون الوسطى، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1994، ص 149

[25] – D’Aix A, Conquete de la Terre Sainte (1096-1118), Guizot, 2t, ed. de l’Orient, Beyrouth, 1993, pp.352

De Tyr, Guillaume, Le Royaume De Jerusalem, Guizot,3t. ed. de l’Oeient, 1992, tII,pp 1-16.

[26] – D’Aixe, I, pp. 359-372, 385

– ريشار، تكوين، ص 149

[27] –  De Chartre, III, pp. 378-379.

 de Tyr, roy. II, pp 60-65

Grousset, Hist., II, pp. 204-29

[28] – D’Aix, Con., I, p. 444,

De Chartre, hist., pp. 117-118

ابن القلانسي، حمزة بن اسد، ذيل تاريخ دمشق، تحقيق سهيل زكار، دار حسان، دمشق، 1983، ص 225.

[29] – de Tyr, roy, II, pp. 84-85

 Richard, roy. P. 86

[30] – Grousset, Hist., II, pp. 167-169

لمزيد من التفاصيل انظر: قطار الياس، لبنان في القرون الوسطى، ج2، بيروت، 2008، ص65-67  

[31] – القطار المرجع السابق، ص 67-68

[32] – لمزيد من التفاصيل حول الناحية العسكرية انظر: القطار، لبنان، ص 70-77

[33] – Eracles, l’histoire de Eracles Empereur, et conquete de la terre d’outre mer, RHC. T II, Paris, 1844, pp. 558-563

Diehl, Charles, La republique de Venise. Flamarion, 1967, pp.55-56

Grousset, R, Histoire dfs Croisades et du Royoaume franc de Jerusalem, Paris, 1981, t III, pp. 114-116

[34] -De Tyr, Guillaume, Le Royaume de Jerusalem, ed. Guizot, Paris. 1992 II, pp.260-275

Lamont, J. L.Feodal monarchy in the Latin Kingdom of Jerusalem. 1100 to 1291. Cambridge, Massachusetts, 1932. p 31

Grousset, His, III, 114-129.

[35] – وساهمت مملكة القدس بسقوط كل مدن الساحل اللبناني، ولنا عودة الى الامتيازات التي هي لب موضوعنا

[36] –  ريشار، جان، تكوين مملكة القدس اللاتينية وبنيتها، ضمن كتاب الصراع الاسلامي- الفرنجي، ص 150

[37] – Cahen , C. , Orient et Occident : au temps des croisades , Paris , Aubier , 1983 , p. 1.7

[38] – Ibid , p.p. 78 – 79 

[39] – Wiilliame of Tyre , A History of deeds done beyond the sea , II vols , translated by Bebcok and Kery , Newyork , 1943 , v I , p. 434 – 438 , 454 – 456

[40] – هايد ، ج 1 ، ص 152

[41] – Lamonte , J. L. ,Feudal monarchy in the Latin Kingdom of Jerusalem 11.. – 1291 , Cambridge , Massachusetts . 1932 , p. 264 – 265

[42]   Novar , Philip de , The wars , of Frederick II , against the Ibelins in Syria and Cyprus , translated by Lamont J. I. , New york , 1936 , pp. 136 , 144

[43] – William of Tyr, op. Cit 456

[44] – Novar , op. Cit. P 136

 [45] Lamonte , J. L., Feudal minarchy in the latin kingdom of Jerusalem , 11.. to 1291 , Cambridge , Massachusetts , 1932 , p 229

[46] –    هايد ، تاريخ التجارة ،  ج 1 ، ص 162

  [47] Lamont , feudal , p. 269

[48] – القطار، الياس ، المجتمع في صور في العهد الفرنجي ، ضمن كتاب وثائق المؤتمر الثاني لتاريخ مدينة صور ، 1998 ، ص 123

[49] Chehab,M., Tyr ‏à l’époque des croisades histoire religieuse et economique, ed. Maisonneuve, T2, Paris,1979,pp. 362-372 

[50] – القطار ، الياس ، المجتمع في صور ، ص 124 – 125

[51] – المكان عينه

[52] – القطار ، المرجع السابق ، ص 125

[53] – بما ان بحثي لا يتناول الا المدن اللبنانية فلن اتحدث عن الامتيازات التي نالها البيازنة في امارة انطاكيا التي فصلها كل من : Nicholson , R. . L. , Tancrad , Chicago , 194. , pp. 166.  و Lamonte , Feudal , p. 27. ، وهايد ، ج1 ، ص 154 – 155

[54] – لمزيد من التفاصيل انظر : زيتون ، العلاقات الاقتصادية ، ص 135

[55] – القطار ، المجتمع في صور ، ص 125

[56] – Lamonte , Feudal monarchy , p 269

[57] – القطار ، المجتمع ، ص 126

[58] – Chehab , Tyr , tII , p 362-372

[59] – زيتون ، المرجع السابق ، ص 137 – 138

[60] – القطار ، المجتمع ، ص 126

[61] – هايد ، ج1 ، ص 148 ، و زيتون ، المرجع السابق ، ص 137 – 138

[62] – القطار ، المجتمع ، ص 126

[63] –     – Lamonte , Monarchy , p 271

[64] – انظر ما سبق

[65] – هايد ، ج1 ، ص 155

[66] – هايد ، ج1 ، ص 157

[67] – Guillaume of Tyr , op. Cit. , I , 552 – 556 ، وليم الصوري ، تاريخ الحروب الصليبية ، ج1 ، 702 ، وهايد  ، ج1 ، ص 166

[68] – الصوري ،( وليم ) ، تاريخ الحروب الصليبية ، ترجمة سهيل زكار ، بيروت ، 199. ، جزءان ، ج1 ، 6.1 ، وانظر ايضا ،

Nicholson , r. l. , Tancred , Chicago , 1940 , p 113

[69] – Riley- Smith ,” Governent , in latin Syria and the commercial privileges of foreign merchants “, in the relathons beween east west , Edinburgh , 1973 , p 11.

[70] Richard , J. ,Le Royaume gatin de Jerusalem , Paris . 1953 , p. 225

[71] Richard , J. ,Le Royaume gatin de Jerusalem , Paris . 1953 , p. 225

[72] -Riley-Smith , The feudal nobility and the kingdom of Jerusalem 1174- 1277, London , 1973 ,pp. 67-68

[73] – ابن الاثير ، عز الدين ، الكامل في التاريخ ، ج9 ، ص 179-182

[74] – Riley-Smith , feudality , pp. 67-68

[75] – Novar , op. Cit. , pp. 205

[76] – هايد ، ج1 ، ص 17.

[77] – المكان نفسه

[78] -Lamonte , Feudal , p. 234

[79] – بلار ، الجمهوريات البحرية ، ص 194

[80] – Riley-Smith , nobility , p. 7.

[81] – Mayer , H. E., The crusades , Oxford , 1972 , p 175

[82] – Novar , op. Cit. , p 208

[83] – Brousset , R. , L’Empire du Levant , Payot , Paris , 1979 , p 53.

[84] – Flemhng , W, B. , The history of Tyr , Cogombia , 1915 , pp. 1.7- 11.

[85] – ibid

[86] – ابن بطوطة ، الرحلة ، ص 62

[87] – Mayer , Crusades , p 163

[88] – فهمي، نعيم زكي، طرق التجارة الدولية ومحطاتها بين الشرق والغرب، الهيئة المصرية العامة العامة للكتاب، القاهرة، 1973، ص 124 .

ضومط، انطوان، الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، دار الحداثة، ط1 بيروت، 1980، ص182

[89] – فهمي، طرق، ص 124

ضومط، الدولة، ص 182

[90] – لمزيد من التفاصيل انظر:                                                                                           Heyd, T I, p. 457, II p.58

Depping, Histoire du commerce entre le Levantet l Europedepuis les Croisades des colonies d Amerique, t II, Paris, 1865, pp. 76-77, 102-103

اليوزبكي، توفيق اسكندر تاريخ تجارة مصر في عصر المماليك، الموصل، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، 1975، ص 73-77

ضومط، الدولة، المملوكية، ص 184-189

[91] – ابن خرداذبه، المسالك والممالك، تحقيق محمد مخزوم، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1988، ص74-76 

[92] – خسرو، سفر نامة، 46-47

الادريسي، ابو عبد الله محمد، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، طبعة نابولي-روما، ج2، ص137

[93] – خسرو، سفر، ص46-47

[94] – ابن جبير، محمد بن احمد، الرحلة، دار صادر، بيروت، 1983، ص227- 233

[95]  – والخان هو محطة تجارية للتجار الشرقيين، وهو يتألف من مجموعة ضخمة من الحوانيت والمستودعات التجارية، في وسطها بهو كبير مسقوف معد لحفظ سلع التجار. وفي الخان يرتاح التاجر ويريح دوابه، ويمكنه المبيت فيه، وان اراد اكمال رحلته مباشرة ان يفيد من سبيل الماء والحانوت الواقعين خارج الخان حيث يستطيع التزود بما يشاء. انظر ابن بطوطة، محمد بن عبد الله، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاقطار، المطبعة الاميرية، القاهرة، 1923، ج1، ص 43.

ضومط، الدولة المملوكية، ص210-211   

[96] – ابن جبير، الرحلة، ص 272-274، 282

ابن بطوطة، عجائب، ص 62

:” تقيّد اسواقها – اي حلب- الابصار حسنا وعجبا، ومليئة بالحوانيت، واكثر حوانيتها من خشب بديع الصنعة…ومنها الى قنسرين، فمرواحين وفيها خان كبير…يعرف بخان التركمان،  وخانات هذا الطريق كأنها القلاع امتناعا وحصانة، وابوابها حديد…ومنها الى ثمنى وفيها ايضا خان…فبلاد معرّة النعمان فجبال لبنان او الى اللاذقية…ومن معرة النعمان الى حماه…ثم الى حمص فبعلبك…الى بيروت…والطريق من حمص الى دمشق قليل العمارة…

[97] – المصدر السابق، ص 62

رانسيمانز، ستيفن، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة السيد الباز العريني، بيروت، 1967-69، ج3، ص61

Ziadeh,N, Urban life in Syria under the early Mamluk, Beyrut, 1953, pp. 135-136

[98] – الادريسي، ج1، ص358 -359

[99] – المصدر السابق، ج1، ص 365

[100] – المكان عينه

[101] – Heyd, t I, pp.459-460

Depping, T I, p. 96

[102] Pirenne , H. , Histoire economique et sociale du Moyen-Age , Presse universitaire , Paris , 1969 , p 122

[103] –  Grousset , op. Cit. , pp. 323 – 324

[104] هو نبات طبي من فصيلة الزنجبيل

[105] – هي عشبة يستخرج من جذورها مادة عشبية تستعمل في صناعة الصوف والحرير

[106] – هايد ، تاريخ النجارة ، ج1 ، ص 176 – 177 و 188 – 189 و 191

[107] – دواء يستخرج من سم الافاعي

[108] – قصب يصنع منه الحصر

[109] – ابن خرداذبه ، المسالك والممالك ، تحقيق محمد مخزوم ، دار احياء التراث العربي ، بيروت ، 1988 ، ص 62 – 63

[110] – الادريسي ( ابو عبدالله محمد ) ، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ، طبعة نابولي-روما ، دون تاريخ ، ج1 ، ص 64 – 66 ، 68 –69 ، 73 – 74 ، 77 ، 81 – 82 ، 84 ، 88 ، 91 – 92 ، 99

[111] – ابن مماتي ، ص 81 ن

[112] – المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 1.2 ، والظاهري ، ص 35

[113] – المقريزي ، ( تقي الدين احمد ) ، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار صادر، بيروت ، لا تاريخ ، جزءان ، ج1 ، ص 1.1 – 1.2

[114] – المقريزي ، ( تقي الدين احمد ) ، كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك ، تحقيق سعيد عاشور، القاهرة ، 197. ، ج1 القسم 2 ، ص 449 ، وايضا: الظاهري ، ( خليل بن شاهين  ) ، زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك ، تحقيق ، بولس راويس، باريس ن 1894 ، ص 41

[115] – Prawer , J. , The latin , kingdom of Jerusalem , London , 1972 , p 393

[116] – زيتون ،  ص 172- 173

[117] – الطليطلي ، بنيامين ، رحلة الطليطلي ، ترجمة عازار حداد ، بغداد ، 1945 ، ص 92

[118] – زيتون ، المكان عينه

[119] – Riley-Smith , nobility , pp. 63-64

[120] – الطليطلي ، الرحلة ، ص 92 ،

– الادريسي ، ( محمد بن عبد الله ) ، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ، جزءان ، عالم الكتب ، بيروت ، 1989 ، ص 365 – 366

[121] – هايد ، تاريخ التجارة ، ج1 ، ص 191

[122] – Riley- Smith , nobility , pp. 64 – 65

[123] – Fleming , p 95

[124] – القطار ، ( الياس ) ، الحياة الاقتصادية في صور ، ضمن كتاب وثائق المؤتمر الاول لتاريخ مدينة صور ، 1996 ، ص 79

[125] – ابن بطوطة ،  ج1 ، ص 6.

[126] – الطليطتلي ، الرحلة ، ص 92 ، والادريسي ، نزهة ، ج1 ، ص 366

[127] – Chihab , op , cit. , p 34.

[128] – ابن القلانسي، حمزة بن اسد، ذيل تاريخ دمشق، تحقيق سهيل زكار، دار حسان، دمشق، 1983، ص 264

[129] – المقريزي، تقي الدين احمد، كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق سعيد عاشور، القاهرة، 1970، ج1 القسم الثاني، ص449

الظاهري، خليل بن شاهين، زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، تحقيق بولس راويس، باريس، 1894، ص 41

[130] – المقريزي، تقي الدين احمد، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار صادر، بيروت، لا تاريخ، ج1، ص101-102

[131] – خسرو، ناصر، سفر نامة، ترجمة يحي الخشاب، ص 47،

هايد، تاريخ، ج1، ص 188-189

كاهن، كاود، الشرق والغرب، ص 207

[132] – ابن مماتي ، ( اسعد بن الخطير ) ، قوانين الدواوين ، جمعه وحققه عزيز عطية ، القاهرة ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، ط1 ، 1991 ن ص 328 ، والمقريزي ، خطط ، ج1 ن ص 1.8

[133] – زيتون ، ص 178

[134] – Riley-Smith , nobility , p 64

[135] – Prawer , op, cit. , p 1..

[136] – Fleming , op. Cit., pp. 113-114

[137] – Prawer , op cit. P 1..

[138] – بالار، الجمهوريات، ص208

[139] – ضومط، الدولة المملوكية، ص240

[140] Chehab, T II, pp.455-456

[141]  ابن جبير، الرحلة، ص 274.

ابن تغري بردي، النجوم في ملوك مصر والقاهرة، القاهرة، القاهرة، 1930-1956، ج6، ص37

[142] – Lamont, Feudal Mon., p.74

[143] – Chehab, op. cit. p.456

[144] Lamont, Feudal, p.74

[145] Chehab, op. cit. p456

[146] – Fleming, History of Tyr, p.160

[147] – فهمي، طرق التجارة، ص 340 .

نعينع، الاهمية التجارية، ص 103

[148] – Chehab, op. cit. p.454

[149] -chehab, op. cit. p.454

نعينع، المرجع السابق، ص 104                                                                                                           

[150] – Chehab, ibid

[151]  – القطار، الحياة الاقتصادية، ص87

[152]  ابن جبير الرحلة، ص256

[153] Depphng, T I, p60

Mayer, The crusades, p 220

Riliey-Smith, Nobility,pp.67, 447

[154] – Clerget Barcel, Le Caire etude de geographie urbaine et d’histoire economique, T II, le Caire, 1934, p39

ضومط، الدولة المملوكية، ص 211-212

[155] – ضومط، الدولة المملوكية، ص 212

[156] – زيتون، ص 171

[157] – زيتون، ص 171

[158] Byrn, Genoeses, pp. 160-161

[159]  – هايد، تاريخ التجارة، ج1، 165

[160] – Riley-Smith , nobility , pp. 7.-72

[161] – ابن جبير ، الرحلة ، ص 1.2

ملامح من الاقطاع العسكري في العصور الوسطى

نشر في مجلة المسرة في العددين 719-720 تشرين الثاني- كانون الاول 1985

1-الاقطاع في الاسلام

 الاقطاع ظاهرة حضارية تنظم العلائق الاقتصادية الزراعية بين فئات المجتمع باشراف الدولة ورعايتها. لم يغفل الاسلام هذه الظاهرة بل عززها ونظمها وفق اصوله التشريعية. ويعتبر الرسول اول المشترعين في هذا المجال حدته على ذلك عدة امور: التآلف على الدين والعون الاجتماعي والاستثمار المادي المتمثل باستصلاح الاراضي الموات. ويمكن ادراج جميع هذه العوامل في اطار الجهاد الذي لم ينحصر معناه في القتال في سبيل الدين فقط بل ايضا من اجل خير المسلمين جميعهم على مختلف الصعد، الدينية والاجتماعية والاقتصادية الخ… وان كان نصيب المجاهدين (المقاتلين) اوفر من غيرهم.

وقد حدد الرسول سياسته الاقطاعية بالنسبة الى الاراضي المزروعة[1]والاراضي المستصلحة[2]، والمراعي[3]التي اعتبرها من المنافع العامة، ومعادن الارض. وبذلك يكون قد حدد الاطر العامة للسياسة الاقتصادية الاسلامية، التي اكملها من بعده الخلفاء الراشدون، انما بنسب متفاوتة في التوسع في الاقطاع، وفي شروط استصلاح الاراضي، وتحديد قيمة الخراج والجزية. وما تجدر مىحظته عدم اجازة الشرع الاسلامي اقطاع الضرائب. ويمكن ايجاز مفهوم الاقطاع في الاسلام بما اورده الماوردي: “الاقطاع ضربان اقطاع استغلال واقطاع تمليك، والثاني ينقسم الى موات وعامر. والثاني هو ضربان احدهما ما يتعين مالكه ولا نظر للسلطان فيه الا بتلك الاراضي في حق بيت المال اذا كانت في دار الاسلام. فان كانت في دار الحرب حيث لم يثبت للمسلمين عليها يد فاراد الامام ان يقطعها ليملكها المقطع عند الظفر بها فانه يجوز.”[4]وكذلك بما حدده القلقشندي في شروط الاقطاع:” يمكن اقطاع ارض موات لم يثبت صاحبها، وان كانت الارض جاهلية جاز اقطاعها وتمليكها، وان كانت اسلامية وبارت لا تملك عرف صاحبها ام لم يعرف. اما الارض العامرة فلا يمكن تمليكها سواء كانت لذمي او مسلم في حال عرف مالكها. وان لم يعرف تصبح ملكا لبيت مال المسلمين ووقفا مؤبدا ويحق للخليفة او السلطان اقطاعها لاي كان. اما اقطاع الاستغلال فهو جزية او اجر فالجزية لا يجوز اقطاع الارض لاكثر من سنة فصاحبها قد يسلم فتسقط الجزية عنه. وان كان اجرا جاز اقطاع الارض لسنين عديدة”.[5]

من المفيد التوضيح ان ملكية الاراضي واقطاعها في الدولة الاسلامية خضع بالوجه العموم للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتأثرة اصلا بالتحولات السياسية، لأن الانتاج الزراعي شكل الدعامة الاقتصادية الرئيسة للافراد وخصوصا لبيت مال المسلمين بعد ان استقرت الدولة وتوقفت الفتوحات ونضب معين المغانم.

على الرغم من التقلبات في السياسة الاقتصادية التي شهدتها الدولة العربية الاسلامية حتى منتصف القرن 3/9 فقد ظلت اصول الاقطاع فيها، على الرغم من بعض التجاوزات، مراعية اسس الاقطاع وفق الشريعة[6].

2-الخلفية الساسية والاقتصادية لنشوء الاقطاع العسكري.

أ – الخلفية السياسية: كان للصراع على السلطة (الخلافة) بين العرب كبير الاثر في تفكك الوحدة الساسية والدينية للدولة العربية الاسلامية، ناهيك عن الصراع الاثني الثنائي حينا، والثلاثي حينا آخر بين العرب والفرس والاتراك والبربر وغيرهم. فتعددت الفرق والمذاهب الاسلامية، وتفسخت الدولة ونشأ على اطرافها وفي قلبها دويلات عرقية[7]، واخرى مذهبية كدولة القرامطة والحمدانية والبويهية واخرى في بلاد فارس. قوضت هذه الدويلات سلطة الخليفة واضعفت السلطة المركزية لا سيما في فترة النفوذ التركي او عصره 232-334/847-945 وخير دليل على ذلك قول ابن طباطبا:”واستولى الاتراك منذ مقتل المتوكل عل الخلافة، فكان الخليفة في ايديهم كالاسير ان شاءوا ابقوه، وان شاءوا خلعوه، وان شاءوا قتلوه.”[8]  

ب-الخلفية الاقتصادية: انعكست الصراعات السياسية سلبا على الحياة الاقتصادية، فقل دخل بيت المال نتيجة صراعات الدويلات في ما بينها من جهة ومع السلطة المركزية من ناحية ثانية، وتقهقرت التجارة والصناعة بفعل المصادرات وجراء خراب العديد من الاراضي الزراعية بفعل سيطرت الاغنياء من الحكام على الولايات[9]. ومن الاسباب المباشرة لنشوء الاقطاع العسكري تضمين موارد الدولة الذي بدأ في عهد الخليفة المعتضد 279-2289/892-901[10]، وغدا الامر سابقة خطيرة سار على نهجها المتنفذون العسكريون[11]. واوجد الخليفة المقتدر 295-317/908-932 سابقة ثانية تجسدت باسترجاع الاقطاعات، على مختلف انواعها، من الناس، وخصص ديوانا للمرتجع[12]. ومع ذلك افلس بيت المال، فعمد الوزراء لتغطية النفقات من اموال الخاصة عن طريق المصادرات[13]، فانغمست الدولة في اضطراب مزدوج سياسي-عسكري واقتصادي.

3-البويهيون ونشوء الاقطاع العسكري 334-447/945-1055.

أ-عوامل قيام الاقطاع العسكري: في خضم الفوضى السياسية والاقتصادية في اواخر عصر النفوذ التركي، احتل العراق جماعة من الديالمة كانوا يعيشون في بلادهم حياة بداوة، ويخضعون لعدد من الامراء وشيوخ القبائل، وفي وضع حضاري متخلف يعتمد على اقطاع شيوخ القبائل.[14]

اصطدم دخول البويهيين الى العراق بمصاعب عدة[15]ادت في ما بعد الى قيام الاقطاع العسكري، وهي اولا وجود قوى عسكرية متنوعة في بغداد ونواحي العراق كان لا بد من القضاء عليها، ثانيا افتقار البويهيين الى الفرسان في جيشهم، ما دفعهم الى تجنيد بعض الاتراك ممن اخضعوهم في النواحي، وثالثا مشكلة دفع الرواتب نظرا لشح المال في خزينة الدولة.

من هنا طبق البويهيون نظامهم الاقطاعي المتخلف على العراق وقد اشتمل بالاضافة الى الاراضي الزراعية مردود الضرائب على التجارة في الولايات[16]. فاقطعوا في بداية الامر امراء الولايات الارض والضرائب، ويعتبر اقطاع الضرائب مخالفا لمقتضيات الشرع الاسلامي، واحتفظوا لانفسهم برواتب من خزينة الدولة على غرار الخليفة[17]. ولكن المشكلة المالية لم تحل نتيجة فراغ الخزينة من المال. وقد حدد مسكويه هذه المعضلة وروحية الاقطاع البويهي بقوله:”شغب الديلم على معز الدولة سنة 334/946 شغبا قبيحا…فاضطر الى خبط الناس واستخراج الاموال من غير وجوهها، واقطع قواده وخواصه واتراكه ضياع السلطان وضياع المستترين، وضياع ابن شيرزاد، وحق بيت المال في ضياع الرعية، وصار اكثر السواد مغلقا.”[18]

ويعتبر الدوري خلو الخزينة من المال لم يكن وحده وراء هذه لتدابير، انما ايضا جهل البويهيين الناجم عن ارثهم القبلي بما ألفوه في بلادهم من اقطاع[19].

على هذا النحو اعطيت الاقطاعات اما استغلالا لوارد الارض بما يتحصل عليها من ضرائب، او ضمانا لقاء مبالغ من المال. في كلا الحالين ابرمت الصفقات بموجب عقود. ولم يكن لا الضامن ولا المستغل راضيا تمام الرضى عن وضعه وانتاجه، فجهد كل فريق لاستبدال نمط اقطاعه، لا سيما ان الاقطاع البويهي لم يكن مستقرا على مبدأ يلزم الجميع، نتيجة عجز السلطة عن اعتماد نمط اقطاعي موحد.

ب- الادارة الاقطاعية: ساهم عجز السلطة السياسية (الملك البويهي) والسلطة الدينية (الخليفة) في شلل الادارة بوجه عام، والاقطاعية منها بشكل خاص. فكان المنشور الاقطاعي من حيث المبدأ يلزم المقطع دفع قسم من الخراج لبيت المال، انما لم تعد الحسابات تمر بالدواوين، فساب الخراج. وان دفع المقطع شيئا يكون على الجزء الذي صح من اقطاعه، وليس على كامل مساحة الاقطاع[20]. وكان المقطع مسؤولا ايضا عن صيانة اعمال الري وتحسينها، غير ان نظار الدواوين لم يجرؤوا على سؤال المقطعين عن صيانة منشآت الري وتحسينها التي اهملت فتهدمت، ولا عن الرسوم الاضافية التي يجبونها من الفلاحين خلافا لمندرجات العقد الاقطاعي[21]ما شكل ربحا اضافيا لهم، لا بل تعويضا لهم عن ارباحهم المفترضة نتيجة اهمالهم اقطاعاتهم، وانهاكا لطاقة الفلاحين الاقتصادية والاجتماعية والصحية. فجاء الضرر مزدوجا: خراب القرى وبيت المال، فساء وضع الجند ففسدوا.

ج- آثار الاقطاع البويهي: ازاء سوء التصرف بالاقطاعات كادت الاراضي تبور، وقل انتاجها ومردودها المالي. فعمد المقطعون الى ارجاعها الى بيت الدواوين واستبدالها باخرى كانت ما تزال عامرة، وغدا الامر سابقة انتهجها الجند فصاروا يخربون اقطاعاتهم ويعمدون الى استبدالها حينا بالرضا وحينا آخر قسرا. ومن الامثلة على ذلك ما جرى عام 334/945 اذ ثار بعض الجنود الديالمة على رئيسهم وسلبوه اقطاعه[22].

اشترط على الجنود ممن اقطعوا اراض في السواد التوجه اليها لقبض رواتبهم، غير انهم تقاعسوا غالبا وطلبوا رواتبهم في العاصمة، فعمد المسؤولين الى تدبير جديد زاد في الوضع سوءا بحيث رتبوا لهم مخصصات يومية وضيافة مجانية في الطريق[23]، فانعكس الامر سلبا على الفلاحين والزارعين معا.

انف كبار المقطعين السكن في اقطاعاتهم وادارتها بطريقة مباشرة، واسندوا هذه المهمة الى وكلائهم وغلمانهم[24]، فظلموا جيرانهم وصادروا غلالهم، فاضطر الاهلون الى طلب حماية المتنفذين، ما ادى الى ازدياد قوة مركز المقطعين الذين استشروا في ظلمهم ولم يحموا. فتخلى معظم اصحاب الملكيات الصغيرة عن املاكهم، واستمر فلاحون آخرون بالعمل فدفعوا الضرائب ولبوا رغبات المقطع وغدوا مستأجرين الارض منه وليس من الدولة[25].

ظل نظام جباية الضرائب ساريا الى ان استشرى نفوذ المقطعين الكبار، فاستحال بوجودهم جمع الضرائب، وتخلى النظار عن هذه المهمة[26].

لم يكن الحال على هذا النحو طيلة العهد البويهي، وان شكلت سمته البارزة. ففي عهد عضد الدولة البويهي (338-373/949-983) اعيد بناء المرافق الزراعية لتنشيط الانتاج، وحذفت الزيادات الرمزية على الاقطاع[27]، وغدت الرسوم صحيحة. لكن الفساد كان قد نخر جسم الدولة والادارة معا، فاعيد العمل، وفي عهد عضد الدولة نفسه، بالتجاوزات “فزاد في المساحة واحد بالعشرة بالقلم واضافه الى الاصول، وجعله رسما جاريا، واستمر الى هذه الغاية في جميع السواد-جنوب العراق-، واحدث جنايات لم تكن ورسوم ومعاملات لم تعهد، وادخل يده في جميع الارجاء، وجبى ارتفاعها وجعل لاهلها شيئا منه وكثرت الظلامة من ذلك.”[28]

د- تقويم الاقطاع البويهي: على ضوء ما ورد يمكن الخلوص الى الملحوظات التالية:

-مهد العصر العباسي الثاني للعهد البويهي ببعض التجاوزات في جباية الضرائب وسبل انفاقها، فكان ضمان الموانئ اول هذه المظاهر، وباتت في العهد البويهي قاعدة، فضمنت الضرائب كرواتب لارباب الدولة والجند.

-حصل تجاوز حد السلطة والشرع عن طريق اقطاع حقوق بيت مال المسلمين وتضمينها، وبالتالي اعتماد نمطين لدفع الرواتب: الضمان واستغلال وارد الارض (الخراج وغيره من واردات بيت المال)، علما ان الاقطاع في الاسلام، كما اسلفنا، ضربان اجر او استغلال.

-تأصل التخلف الفكري والاقتصادي في المجتمعات البويهية الاصيلة (بلاد الديلم). فلم يستطعوا الانعتاق من تخلفه، ولم يأخذ بمدنية العراق وحضارته، ولم يتفاعلوا معهما، انما فرضوا نمط تخلفهم عليهما فتقهقر الاقتصاد، وشلت الادارة، وازداد ضعف السلطة المركزية في بغداد.

-كان الهدف من العطاء في الاسلام الجهاد في سبيل الدين وخير المسلمين. اما في العهد البويهي فصار من نصيب الجنود البويهيين (ديالمة واتراكا) الذين تقاعسوا عن الجهاد لا سيما ان الاخطار كانت جمة: البيزنطيون  القرامطة، ومصر الفاطمية…

وعليه يمكن القول ان مرحلة حكم الاجانب للدولة العربية الاسلامية قد تركز وامتد قرونا طويلة، حصل خلالها زوال للاسس الرئيسة للاقطاع واصول الشريعة في تطبيقه، واستعيض عنه بما اصطلح على تسميته الاقطاع العسكري.

4-الاقطاع السلجوقي:

أ-مفهمومه: من الواضح ان النهج الاداري السيئ الذي وصم به العهد البويهي اربك الوضع الاقتصادي، لا سيما الزراعي منه، ما دفع الحكام الاجانب الجدد اي السلاجقة الى اعادة تنظيم الادارة بوجه عام، على الاخص التنظيم الاقطاعي، وقد حظوا بشخصية فذة هي الوزير نظام الملك الطوسي برعت في هذا الشأن.

اعتمد السلاجقة في جيشهم، بعد فشل القوات التركمانية، على الرقيق الابيض الذين جلبوا صغار في السن من بلاد القبجاق على وجه العموم، وعمل على تربيتهم للخدمة العسكرية والاخلاص لسادتهم[29]. وقد حدد الاصفهاني رتب اولئك المماليك وطرق تربيتهم[30].

يعتبر نظام الملك وزير السلطان ملك شاه (ملكشاه) (465-485/1072-1092) اول من اكثر من شراء المماليك البيض وتربيتهم، فقوي بهم نفوذه كثيرا[31]، ويعتقد انه اول من اقطع مماليكه الاقطاعات[32].

يعتبر عبد العزيز الدوري ان الاقطاع السلجوقي انطلق من الرؤية القبلية السلجوقية للملكية المشتركة للارض وقدطوره السلاجقة على ضوء المفاهيم الايرانية المحلية لتلائم متطلبات سلطان مطلق يستند الى قوات عسكرية غازية[33].

من حيث المبدأ يعتبر الاقطاع العسكري او الحربي بمعناه العام اقطاع لوارد الارض لسنين معدودة ومحددة في المنشور الاقطاعي. ومن المسلم به ان نظام الملك هو اول من نظم الاقطاع في العهد السلجوقي، فقد لاحظ ان الخراج لا يجبى بالمقدار المحدد نتيجة الخراب الذي اصاب البلاد[34]، فاستعاض عن دفع رواتب الجند نقدا باقطاعهم الاراضي[35]معتبرا انه الحل الامثل لعمارة البلاد، وبالتالي لزيادة دخل بيت المال.ومنعا للوقوع بالاخطاء التي شابت الاقطاع البويهي عمد نظام الملك الى تدابير احترازية ووقائية، فوزع اقطاع الجندي الواحد في اماكن بعيدة ومتباعدة[36].

ب-الاقطاع الاداري: يتمثل الاقطاع الاداري بولاية والٍ او امير على منطقة تقطع له ويكون حر التصرف بها، ويوزع بدوره الاقطاعات على اجناده[37]. وقد اقطع السلاطين السلاجقة الولايات والقلاع والحصون والمدن امراء جيشهم واهل بيتهم، وخواصهم، بعد الاطلاق عليهم لقب “اتابك”[38]. والوزير نظام الملك هو اول من تلقب به بعد ان فوض اليه السلطان ملكشاه تدبير شؤون دولته[39].

هكذا قسمت اراضي السلطنة السلجوقية الى عدد من الاتابكيات الاقطاعية[40]، ليس فقط من اجل تربية ابن السلطان ورفاهيته، انما لغايات حربية ايضا، فكان من واجبات الاتابك اقطاع جنوده اقطاعات والمجيئ بهم الى حضرة السلطان كلما دعت الحاجات الحربية الى ذلك[41]. ما جعل الاقطاع يقاس من حيث الاهمية بعدد الجند الذي يقدمه صاحبه ابان الحرب.

لم يُرد من اقطاعات الاتابك ان تورث سلاليا على الرغم مما تمتع به صاحبها من استقلال اداري شبه تام. انما مع انحطاط السلطنة السلجوقية تطور هذا النموذج الى اقطاع عسكري حربي وما عاد مقتصرا على الافادة من وارد الاقطاع فقط، انما بات وراثيا سلاليا مارس فيه المقطع صلاحيات ادارية وعسكرية واسعة مقابل الخدمة العسكرية للسلطان. وعندما قلة او ضعفت رقابة السلطة المركزية تجاوز الجند مفهوم نظام الملك للاقطاع الذي تمثل بحقوق على الناس مالية فقط، وفرضوا على الزارعين رسوما اضافية، واعمال سخرة، ما اضطر بعضهم الى طلب الحماية من الاقطاعي الاقوى، وتدريجا بدأت الملكيات الصغيرة بالزوال لصالح الحماة الجدد[42].

هكذا توزعت السلطنة السلجوقية على عدد من الاتابكيات المستقلة اداريا وسياسيا واقتصاديا ورثت النظام الاقطاعي السلجوقي وعممته في المشرق العربي، ومن ثم نهج على منواله الايوبيون. وسيجد الاقطاع العسكري كل مقوماته في عهد المماليك.

ج- تقويم الاقطاع السلجوقي: على ضوء ما تقدم يمكن تسجيل الميزات التالية:

كان الاقطاع السلجوقي ضربين اداري وعسكري تمثل الاول بحكم الاتابك لمنطقة محددة مارس فيها صلاحيات ادارية واقطاعية واسعة. ويتميز الثاني بحصول الاجناد على رواتبهم من اقطاعاتهم، وبالتالي سقطت نظرية نظام الملك التي وجدت اصلا لمنع نشوء المقاطعات المستقلة ضمن السلطنة.

بدا هذا النمط الاقطاعي تراتبيا هرميا: الجندي تابع لقائده، والقائد للسيد الاقطاعي اي الاتابك، والاخير للسلطان، وتحول لا مركزيا وحربيا. ولم يقتصر على الجنود الاغراب وحدهم انما شارك فيه بعض العرب مثل محمد بن مسلم بن سالم العقيلي[43].

بني الاقطاع السلجوقي على الجهاد العسكري واقتصر بوجه العموم على وارد الارض ضمن المفهومين الرئيسيين الاستغلال والضمان، ومن دون ان يشتمل على اقطاع الضرائب الخاصة ببيت مال المسلمين.

حصل تطور من اقطاع اداري مؤقت الى سلالي وراثي، وعم هذا النوع جميع الاتابكيات السلجوقية، وورثه عنهم الايوبيون. ما يعني استمرار الاقطاع العسكري بعد سقوط السلطنة، ومن ثم توارثته الدول اللاحقة وطوعته بما يتلاءم مع مفهومها.

5- الاقطاع المملوكي 649-9232/1250-1517

أ-مفهومه: ورث المماليك دولة اساتذتهم الايوبيين وانتهجوا خطتهم الاقطاعية وعدلوها بما يتلاءم مع توجهاتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية. وتلازم النظامان الاقطاعي والعسكري المملوكيان تلازما عضويا بل كمل واحدهم الآخر. وبالتالي انعكس العسكري على الاقطاعي مقدارا اقطاعيا، ومنزلة اجتماعية وسياسية ومنعة داخلية وخارجية.

يمكن ترجمة مفهوم النظام الاقطاعي المملوكي بكل ما يحصل من الارض من غلة ومال، اضافة الى انتاجية بعض الاقطاعات التي تجري عليها المكوس. ويحدد المقريزي كيفية توزيع الاقطاعات  المملوكية[44] على النحو التالي: قسم يعود الى الديوان السلطاني، وقسم اقطع للاجناد والامراء، وقسم وقف على الجوامع والمدارس والخوانق وجهات اكثر، وقسم عرف بالاحباس، وقسم خامس اصبح يشرى ويباع ويورث ويوهب لأنه اشتري من بيت المال، وقسم لا يزرع للعجز عن زراعته فاصبح مراعي للمواشي، وقسم قفر. ويؤكد القلقشندي هذا التقسيم ويزيد عليه قسما ضئيلا اقطع لبعض العرب والتركمان لقاء خدمات معينة[45]. واعتمد على القيراط كوحدة اقطاعية، فقسمت الاراضي على 24 قيراطا، ووزعت على السلطان والامراء والاجناد[46] وخضعت لاكثر من عملية تغيير[47].

لم تقتصر الاقطاعات على الاراضي الزراعية وحدها انما تعدتها الى المعادن والضرائب والمكوس. وكانت الضرائب نوعين: اموال خراجية واخرى هلالية. فالهلالية دفعت شهريا وكانت على عدة انواع احدثها ولاة السوء شيئا فشيئا على حد تعبير المقريزي[48].

ب-المستفيدون من الاقطاع ومقادير اقطاعاتهم: تألف المجتمع المملوكي من ثلاثة عناصر: رجال السيف، رجال القلم والمتعممين، وعامة الناس. اما الذين شملهم الاقطاع فكانوا جميع رجال السيف وبعض رجال القلم والمتعممين.[49]

في بداية الدولة بلغت حصة السلطان اربع قراريط، وباتت نتيجة الروك الحسامي عام 1298 اربع قراريط واضيف اليها تسعة قراريط الى مماليكه[50]. واجري تعديل آخر على هذه الحصص في الروك الناصري 1313-1315 فبلغت حصة السلطان وحده عشرة قراريط[51]. وزيادة عليها كان السلطان يشتري من ماله الخاص اقطاعات اضافية[52]، واستحدث بعضهم دواوين جديدة لادارة شؤون اقطاعاتهم وغلالهم واموالهم كالديوان الخاص الذي استحدثه الناصر محمد بن قلاوون سنة 1323، فاضاف اليه الاقطاعات التي توفرت من روكه المشهور[53]. والديوان المفرد الذي انشأه السلطان برقوق (1382-1388)) وقد بلغ مردوده 400ألف دينار و300ألف اردب من قمح وشعير وفول[54]، هذا عدا عن الضرائب العقارية، والجمارك، والمصانع في البلاد، والضرائب غير العادية على التجارة، وشراء السلع ومن ثم بيعها من التجار باسعار مرتفعة المعروفة ب(الطرح) ناهيك بزياراته لكبار الامراء في اقطاعاتهم ما كان يوجب عليهم تقديم الهدايا والاموال ليظل راضيا عنهم[55].

كان يلي السلطان في الرتبة العسكرية امراء المائة وقد تراوح عددهم بين 11و26 اميرا وشغلوا المناصب الادارية والعسكرية الرئيسة في الدولة. ولا شك تفاوتت هذه المناصب من حيث الاهمية[56]. وكان الاقطاع يعطى لشاغل الوظيفة من دون ان تكون له صفة شخصية، ويسقط عنه بقتله او اعتزاله او نقله او طرده. من هنا تفاوتت انصبة الامراء الاقطاعية تبعا للوظيفة التي شغلوها، ناهيك بمدى حظوتهم عند السلطان او بسطوة الامير وتمادي نفوذه.

في مطلع العهد المملوكي كانت حصة الامراء عشرة قراريط[57]، عدلها الروك الحسامي وصارت مع حصة اجنادهم واجناد الحلقة 11 قيراطا.[58]وعدلت في الروك الحسامي مرة جديدة وباتت مع جميع الاجناد غير السلطانية 14 قيراطا[59]. لكن قيمة مداخيل الامراء لم تخضع لأي عرف او قانون انما تأثرت بالعوامل السابقة اعلاه، ناهيك بنصيب الامير نتيجة الصراعات الداخلية الدموية غير المنتهية طيلة العهد المملوكي. ويقول ابن تغري بردي :”فاق انتاج الامير عز الدين الافرم ثمن الديار المصرية”[60]

اتى امراء الطبلخاناه او الاربعون في المنزلة الثالثة بعد السلطان وامراء المائة، ولم تكن لاقطاعاتهم قيمة مالية ثابتة فتراوحتت حصصهم بين 23و40 ألف دينار جيشي[61]. ومنح امير العشرة اقطاعا يتناسب ورتبته واعداد مماليكه تراوحت بين 7و9 آلاف دينار جيشي[62]. وبلغ انتاج  امير الخمسة ثلاثة آلاف دينار جيشي وما دون[63]، واعتبر على وجه العموم زعماء بعض القبائل العربية ممن انخرطوا باجناد الحلقة من هذه الفئة[64].

كان نصيب اجناد الحلقة في مطلع العهد المملوكي وافرا جدا ما اشر على اهميتهم في الشأن الحربي، اذ بلغ عشرة قراريط من اصل اربعا وعشرين، وتراوح نصيب الجندي الواحد بين قرية ونصف قرية[65]. وتراجع نصيبهم في الروك الحسامي ليصبح 11 قيراطا مع الامراء، وفي الروك الناصري 14 قيراطا مع الاجناد جميعهم، فحصل المماليك السلطانية على افضل الاقطاعات، وما فضل اعطي لاجناد الحلقة.

هكذا اقتسم السلطان والامراء والاجناد مقدرات البلاد الاقطاعية بما في ذلك انتاج الارض، ومردود الضرائب والمكوس متجاوزين الشرع الاسلامي. وفرض على المقطعين واجبات لقاء ما حظوا به من حقوق.

ج-واجبات المقطعين: تعددت واجبات الامراء واستهلت باداء يمين الولاء للسلطان[66]، وكثرا ما حنثوا بها لا سيما منذ اواسط القرن 7/14، وترتب عليها المحافظة على الامن في الداخل، والذود عن الحدود في الخارج او شن الحرب على الاعداء. واوجبت عليهم ايضا تأمين سبل النقل ووسائله والتقادم للسلطان، ودفع الخراج على المحصول. والتزم المقطعون ايضا عمارة الجسور واستصلاح الاراضي نتيجة الفيضان وغيره من العوامل الطبيعية، ومساعدة الفلاحين لا سيما حينما تجدب المواسم[67].

توجب على الامراء اعالة مماليكهم اما باعطائهم ثلثي الاقطاع او المحصول[68]انما كعادتهم لم يحترموا كل هذه الالتزامات[69]ما سيكون له الاثر السيئ على الوضع الاقتصادي في البلاد كلها.

د- الادارة الاقطاعية: تدخل السلاطين شخصيا في توزيع الاقطاعات ووزعوا المناشير الاقطاعية بايديهم على الامراء، واستحدثوا ادارات مالية جديدة لتخدم مآربهم كما اسلفنا. لم تكن للسلاطين مهابة واحدة فاثر انواع لقوى السلاطين، فتسلط الامراء على الضعفاء منهم وحاولوا ايضا الاطاحة بالقوي منهم، ما جعل الادارة الاقطاعية متحركة تخدم الاقوياء من السلاطين والامراء على حد سواء.

كان ديوان الجيش اهم او ابرز الادارت الاقطاعية، من مهامه تسلم الاوراق (المناشير) الاقطاعية، والتدقيق في مقادير الاقطاعات في كامل ارجاء الدولة، واستيفاء الخراج المتوجب عليها، وتسجيل النقص الحاصل في مدخولها[70]، ليصار الى معاقبة المقصرين من حيث المبدأ الذي لم يتماش كثيرا مع الواقع العملي. ويليه ديوان الانشاء الذي تصدر عنه المناشير الاقطاعية  والمربعات بالارزاق بناء على احالة ديوان الجيش[71].

اختص ديوان المرتجع باستعادة الاقطاعات التي يتخلى عنها اصحابها اما نتيجة وفاتهم، او ترقيتهم او لحصولهم على اقطاعات جديدة[72]. وتولى مهمة ادارة الاقطاعات المرتجعة ريثما يقطعها السلطان مجددا ديوان الذخيرة[73]. واعتنى بادارة املاك الاوقاف ديوان الاحباس التي بلغت قيمتها، في اواسط القرن 7/14 مائة وثلاثين ألف فدان، وكثيرا ما كان يصادرها السلطان لصالح الامراء استرضاء لهم[74].

في مطلع العهد المملوكي قيدت هذه الادارات جميع المقطعين بمن فيهم السلاطين، انما عندما تعرض النظام العسكري للخلل تفشى الفساد فيها، وخضعت لاصحاب النفوذ، فخفت فعاليتها.

ه- فساد النظام الاقطاعي: بني النظام الاقطاعي المملوكي ليكون مكسبا للمقطعين وبيت المال والزارعين والفلاحين. وكانت الادارات التي نظمته وادارته فعالة وصارمة من حيث المبدأ، انما اصاب الخلل تدريجا اجهزة الدولة وموظفيها بمن فيهم القيمون على المؤسسات الاقطاعية بحيث تفشى الفساد فيها واستشرى تدريجا ايضا، فتعاضدت مع المقطعين لاستنزاف الفلاحين الذين باتوا بمنزلة الاقنان يقومون بالمتوجب عليهم لقاء ما يكاد يكفي اودهم. ولم ينحصر الظلم بالاعمال الزراعية فقط بل تجاوزها الى التزامات عديدة لم يشر اليها المنشور الاقطاعي ارهقت كواهلهم، ناهيك بعوامل اخرى تجمعت وترسبت واسهمت جميعها في انهاك النظام الاقطاعي وفساده، ولعل من ابرزها:

-قلة روك الاراضي: الروك هو عملية استرجاع الاقطاعات من اصحابها ومسح الاراضي واعادة توزيعها بطريقة ترضي السلطان القائم، ما يدفع بالمقطع الجديد العناية بالارض واستصلاحها ليحصل على مردود جيد. على ان الروك الجزئي كان يتم في مطلع عهد كل سلطان جديد مكافأة للانصار واقتصاصا من الخصوم.وكثرة الانقلابات العسكرية في الدولة قصّرت عهود معظم السلاطين، وبالتالي ازدياد المناقلات الاقطاعية الجزئية او الروك الجزئي، ما ارهق الفلاح وجعله يخضع في السنة الواحدة احيانا الى اكثر من سيد اقطاعي، ويؤدي المتوجب عليه للسابق والجديد.

كان الروك على وجه العموم يريح الفلاحين من شدة المغارم، نتيجة توزيع الاقطاعات بالتساوي ولو نسبيا، ما كان يخفف الفروقات الاقتصادية. ولكن مع الاسف لم ترك الاراضي سوى مرتين الاولى في عهد لاجين 1298 والثانية في عهد الناصر محمد بن قلاوون 1313-1315.

-المقايضات الاقطاعية: اسهمت قلة روك الاراضي وكذلك الكوارث الطبيعية كانتشار الاوبئة وشح المياه او ازدياد نسبة فيضان نهر النيل في ضعف النظام الاقطاعي. ففي سنة 1348 على عهد السلطان شعبان اطاح وباء بعدد كبير من الفلاحين، ما اضطر الاجناد للخروج بغلمانهم لجمع المحاصيل. وبما ان الموسم انذاك لم يكن جيدا عدل يعض الامراء عن استغلال اقطاعاتهم وحذا الجند حذوهم، فبارت اراضي كثيرة، وقل المحصول[75].

ادت هذه الامور مجتمعة الى ظهور المقايضات الاقطاعية والتنازل عن الاقطاعات، فكان الجندي يتخلى عن اقطاعه لقاء مبلغ من المال، فاشترى السوقة والارذال الاقطاعات حبا بالظهور والتباهي، وعجزوا عن استغلالها بشكل جيد، فخربت البلاد على حد تعبير المقريزي[76]. في عهد السلطان الكامل شعبان شجع شاد الدواوين الامير شجاع الدين اغرلو التنازل عن الاقطاعات والمقايضات الاقطاعية ايضا لقاء رسم، فانتشرت الرشوة وجمعت اموال بطرق مريبة[77]. والادهى من ذلك كله تنظيم الادارة الاقطاعية نفسها عملية التنازل والتبادل، كاستحداث الامير اغرلو ديوان البدل[78].

في سنة 1352 ظهرت طائفة دعيت بالمهيسين تقاضت 10% من ثمن الاقطاع المتنازل عنه، وبلغ عددهم حوالى ثلاثمائة مهيس طافوا على الاجناد وزينوا لهم التنازل عن الاقطاعات[79]. واضحى هذا الفساد قانونا عندما اقر البدل في ديوان البدل سنة 1353 بقيمة عشرة دراهم[80]. استغل العربان هذا الفساد وعدم قدرة المقطع من غير العسكر على التصدي لهم فاغاروا على القرى، فسرقوا وهدموا الجسور وخربوا المحاصيل[81].

في العهد الجركسي ازدادت عملية انتقال الاقطاعات، حتى قل عدد الرجال في الجيش، وازداد مدخول قوم وقل انتاج آخرين، فخربت البلاد من كثرة المغارم وعجز مقطعيها عن تأدية واجباتهم[82].

-تفتيت الاقطاعات والاعتماد على الحماية: اعتبارا من عام 1315 شرع السلاطين يبعثرون اراضي المقطع ربما مخافة استقلال الامراء الكبار بها او تقوية نفوذهم، فصاروا يعطون المقطَع من كل ضيعة قسما حتى اذا جمعت الاقسام ساوت مقدار الاقطاع[83]. وما كان باستطاعة المقطع الصغير الاشراف الشخصي على كل اقسام اقطاعه، ولم يملك ايضا الاجناد الكافية لحمايتها، ما اضطره الى طلب حماية المقطعين الكبار لقاء ضريبة استجدت او استجدها اصحاب النفوذ عرفت بضريبة الحماية [84].

-انحطاط اجناد الحلقة: انعكست عمليات التنازل والبدل وتفتيت الاقطاعات ونظام الحماية، كما تطور انصبة حصص السلطان والامراء الاقطاعية سلبا على اوضاع اجناد الحلقة. وشكل هؤلاء في مطلع الدولة المملوكية عماد جيشها، انما بسبب عدم العناية بهم لصالح المماليك السلطانية، كما لاشتداد نفوذ الامراء، وهم بدورهم ولاسباب كثيرة تخاذلوا وابدوا قلة مهارة عسكرية لا سيما في العهد الجركسي[85]. لدرجة ما عاد ينتخب منهم الى الحرب الا عدد قليل، فبات دورهم شبه ثانوي وتناسب مع مقدار اقطاعاتهم.

-سؤ وضع الفلاحين: شكلت كثرة المغارم والتزامات الفلاحين تجاه اولي الامر عوامل رئيسة بانحطاط النظام الاقطاعي، ناهيك بالكوارث الطبيعية مثل قلة الفيضان او ازدياده عن المعدل المطلوب، كما تفشي الاوبئة والامراض. اضف اليها فرض نظام المسؤولية المشتركة على القرية بكاملها بما يتوجب عليها من ضرائب ومغارم[86]. وان هرب احد الفلاحين الزم اولاده وزوجته بتسديد ما توجب عليه[87]. وغالبا ما استغل اولي الامر الظروف غير الطبيعية كأن يضرب البلاد غلاء، او يعم فيها وباء، للايقاع بالفلاحين وتغريمهم ايجارا مضاعفا تقربا من اساتذتهم (امرائهم) وحبا بالترقية[88].

لم يعمل المقطعون، بوجه عام، على تحسين وسائل الانتاج ولا صيانة اعمال الري، ولا استصلاح الاراضي التي بار بعضها تدريجا، انما انحصر همهم بجمع الاموال عن طريق زيادة الضرائب والمغارم، فهجر عدد كبير من الفلاحين زراعة الارض وفضلوا عليها رعاية الماشية[89].

هذه الامور جميعها اسهمت بانحطاط النظام الاقطاعي المملوكي، وبما ان موارد اخرى كانت متوفرة في الدولة كالتجارة والصناعة، تحول اليها ارباب الاقطاع من دون التنبه الى اهمية الاقطاع ودوره المحوري بالامرين معا.

تقويم عام: انعكست التحولات السياسية في بنية الدولة العربية والاسلامية على المقومات الاقتصادية واتجاهاتها خصوصا على الصعيد الاقطاعي الذي يحول تدريجا الى عسكري منذ وصول البويهيين الى السلطة في بغداد، بحيث شمل وارد الارض من الضرائب وحقوق بيت المال بما فيها العائدات الضرائبية، تحت ستار مفهوم الجهاد العسكري في الاسلام وحقوقه على الرغم من تقوقع البويهيين وعزوفهم قدر المستطاع عن الحروب الخارجية. وخفت حدة هذا النوع من الاقطاع بكل اساليبه الملتوية في العهد السلجوقي حين وزعت الاراضي اقطاعات على افراد الجيش تطبيقا لنظرية نظام الملك في الاقطاع. ثم تحول الى اداري عسكري بتوزع الدولة الى اتابكيات، ونحا اكثر نحو الصفة الحربية في اواخر ذلك العهد بتحول الاتابكيات الى دويلات وراثية شبه مستقلة.

لم تكتمل ملامح الاقطاع العسكري الا بتولي المماليك السلطة بحيث شمل اضافة الى الاراضي المكوس والضرائب التي انحصرت جميعها برجال السيف ما خلا الجزء اليسير الذي اقطع للمتعممين والمؤسسات الدينية والتعليمية. ما جعله يتفلت تدريجا من المفهوم الاسلامي الصحيح للاقطاع، ويرتبط كليا بالاقطاع العسكري الذي افرزته الذهنية المملوكية وطوعته وفق تطلعاتها ومكاسبها.

قد يجد الباحث عذرا لهم كونهم رجال سيف يدافعون عن المسلمين لو لم يستنزفوا المقومات الاقتصادية كلها، ويشلوا الادارت الاقطاعية تدريجا من دون العناية الاجتماعية والاقتصادية بالمسلمين، اذ عمت الرشوة والمحسوبيات واستشرى الفساد، وسحق المواطنون من كثرة الظلم والمغارم.

الجدير بالملاحظة التشابه في الانظمة الاقطاعية التي بحثناها، فكان للبويهيين شبه اقطاع اداري، استكمل في العهد السلجوقي وبات وراثيا سلاليا، وهو تشابه جزئيا من حيث الادارة في نظام النيابات المملوكية من دون ان يتخذ الصفة الوراثية، بحيث حق للنائب توزيع الاقطاعات على الاجناد من دون الامراء الذي اقتضى موافقة السلطان[90]، وانشاء بيوت خدمة على غرار السلاطين[91].

تشابهت الانظمة المذكورة من حيث بوار الاراضي نتيجة اهمال المقطعين العناية بها واستصلاحها، وترميم منشآت الري، وتقاطعت ايضا بنشوء نظام الحماية الذي ظلم الفلاحين وصغار رجال السيف من الاجناد، ولم يسلم منه الزارعون الذين اجتهدوا كثيرا للحفاظ على ملكياتهم الخاصة. والغريب بهذا الشأن تحول الحماية الى ضريبة رسمية خىلافا لاحكام الشرع الاسلامي. انما انفرد المماليك بانشاء ديواني التنازل والبدل ما اضر كثيرا بالاجناد والفلاحين وادى الى اضعاف الجيش.

الدكتور انطوان ضومط استاذ التاريخ العربي والاسلامي في العصور الوسطى في الجامعة اللبنانية


[1] – لم تكن نسبة الخراج على الاراضي المزروعة واحدة، لمزيد من الاطلاع انظر: ابو يوسف (يعقوب بن ابراهيم) كتاب الخراج، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر، 1978، ص 41، 68-69، البلاذري، (يحي بن جابر)، فتوح البلدان، بيروت، دار الكتب العلمية، 1978، ص 31-33، 36، 42-44، 47-48، 89-90، وابن سلام، (ابو عبيدة القاسم )، الاموال، بيروت، مؤسسسة ناصر الثقافية، 1981، ص 7-8، 56، وابن هشام، السيرة النبوية، بيروت، دار الكنوز الادبية، لا. ت.ج2، ص49

[2] – اجتهد بعض الفقهاء في شروط استصلاح الاراضي ومدة بقائها في ايدي اصحابها، انظر: الخراج، وابن تغري بردي،(جمال الدين ابو المحاسن، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، القاهرة، طبعة دار الكتب 1930-1956، ج2، ص 233-244

[3] – منع الرسول اقطاع الاراضي بوجه عام، وما سمح به كان مشروطا:” لا يأكلون علافها ويرعون فيها” وقال ايضا:”المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلاء والنار”، انظر الماوردي(علي بن محمد بن حبيب، الاحكام السلطانية، القاهرة، ط2، ص 176-178

[4]الاحكام السلطانية، ص 188

[5] – القلقشندي(احمد بن علي)، صبح الاعشى في صناعة الانشاء، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1913، ج13، ص 110و113، 114، 116-117

[6] – في العهد الاموي والعصر العباسي الاول كانت تجبى اموال الخراج وتوزع على الامراء والولاة والاجناد على قدر رتبهم، وعرف هذا الامر بالعطاء. انظر: الدوري، عبد العزيز، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1978، ص153-154.

[7] – نذكر من الدويلات العرقية: الطاهرية والصفارية والسامانية والطولونية والاخشيدية

[8] – ابن طباطبا، محمد بن علي، الفخري في الآداب السلطانية والدول الاسلامية، مصر، 1938، ص220

[9] – انظر حول المصادرات ابن الاثير، عزالدين، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1979، د8، ص 110 وغيرها، وايضا مسكويه، احمد بن محمد، تجارب الامم، مطبعة التمدن، القاهرة، 1914، ج1، ص 43، 217، ولمزيد من الاطلاع حول المصادرات وسوء تصرف الادارة راجع: سعد، فهمي، العامة في بغداد، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1983، ص 332-34، 37

[10] -الصابئ، هلال بن محسن، الوزراء، دار احياء الكتب العربية، القاهرة، 1958، ص13-14

[11]العامة، ص 34-35

[12] – مسكويه، ج1، ص 8، 200-201

[13] -سعد، ص 36-37

[14] – الديالمة نسبة الى اقليم الديلم من بلاد فارس الواقع في سلسلة جبال البورز، انظر: ابن حوقل، صورة الارض، ليدن، 1938، ص376-377، وعن اصلهم وكيفية دخولهم الى العراق راجع: الفخري في الآداب السلطانية، ص144، نجوم، ج3، ص245-246

[15] – لمزيد من الاطلاع انظر: شعبان، محمد عبد الحي، الدولة العباسية –الفاطميون، الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1981، ص196-197

[16] – الصابئ، ابو اسحق ابراهيم بن هلال، المختار من رسائل الصابئ، دار النهضة الحديثة، بيروت، لا. ت. ص 343 وما بعد

[17] – مسكويه، ج2، ص87

[18] -المصدر السابق، ج2، ص97-98، اما حقوق بيت المال فكانت الخمس والزكاة والفيئ، واشتمل الفيئ على الخراج والجزية والضريبة على التجار المشركين، والخمس والزكاة على المعادن والغنائم، والزكاة على المواشي والزرع والثمار والذهب والفضة والضرائب على  بضائع التجار المسلمين. انظر سعد، العامة، 39-40

[19] – الدوري، مقدمة، ص 86

[20] – مسكويه، ج2، ص 97-98

[21] – المصدر السابق، ج2، ص99، 172، 175

[22] -مسكويه، ص 96-97

[23] – خصص يوميا للغلام 10 دراهم، وللنقيب 20 ، تجارب، ج2، ص 173-175

[24] -الطرخان، ابراهيم علي، النظم الاقطاعية في الشرق الاوسط في العصور الوسطى، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1968، ص23

[25] – الدوري، مقدمة، ص89-90

[26] – ابن حوقل، ص239-240

[27] – انظر ما يلي

[28] -مسكويه، ج2، ص99

[29] -القلقشندي، صبح، ج4، ص 458

Heyd,histoire du commerce du Levant au moyen age,Leipzig,1936,t.II, p559

[30] -الاصفهاني، الفتح بن علي البنداري، دولة آل سلجوق، مصر، 1318ه، ص 113

[31] – ابو شامة،  شهاب الدين عبد الرحمن الدمشقي، كتاب الروضتين في اخبار الدولتين النورية والصلاحية، القاهرة، 1378 ه ، ج1، ص 26

[32] – الاصفهاني، ص 55

[33] – الدوري، مقدمة، ص 95

[34] – الاصفهاني، ص 55

[35] – المكان عينه

[36] – الاصفهاني، ص 55-56

[37] – الدوري، ص ص 95

[38] – الاتابك لفظ تركي معناه الامير الاب او العم، فكان السلطان السلجوقي يعهد الى احد الامراء الكبار تربية احد اولاد السلطان وقد يزوجه امه ويمنحه اقطاعا كبيرا. واطلق هذا اللقب تشريفا في ما بعد على الامراء والقواد. انظر: ابن الاثير الكامل، ج10 ص 29-30 و القلقشندي، ج4، ص 18

[39]الكامل، ج 10، ص 29-30

[40] – ابو شامة، الروضتين، ج1، ص 25، 35، 125، نجوم، ج 5، ص6-7، 125…

[41] – الاصفهاني، ص 55-57 ، حسن، حسن ابراهيم، تاريخ الاسلام، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1967، ج4، ص 60-67، والعبادي، احمد مختار، في التاريخ العباسي والفاطمي، دار النهضة العربية، بيروت، 1971، ص 166-167

[42] – الدوري، ص 96

[43] – الطرخان، ص 27

[44] – المقريزي، تقي الدين احمد، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، بولاق، 1270 هج.، ج1، ص97

[45] – القلقشندي، ج3، ص 455-458

[46]نجوم، ج8، ص 92

[47] – انظر المقادير لاحقا

[48]خطط، ج1، ص 103-106، وانظر انواع المكوس في المصدر عينه ج1، ص 103-107، ومنها على سبيل المثال: السجون، ساحل الغلة، الحوائص، الفراريج، نصف السمسرة، رسوم الولاية، الافراح والمغاني، والمشاعلية…

[49] – تألف رجال السيف من السلطان والامراء جميعهم والاجناد على اختلاف فئاتهم، اما المتعممون فتألفوا من قضاة القضاة، والقضاة، واصحاب المناصب الدينية وبعض الديوانية. وتألف رجال القلم من الذين تولوا وظائف ديوانية على اختلاف انواعها ورتبها.

[50]خطط، ج1، ص 87، بدائع، ج1، ص 137

[51]خطط، ج1، ص 90، بدائع، ج1، ص 137

[52]النظم الاقطاعية، ص 146

[53] – الظاهري، خليل بن شاهين، زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، باريس، 1891، ص 107-108

[54] – الظاهري، ص 106-107، القلقشندي، ج3، ص 457

-[55] Cahen, Claude, “Ikta’” EI2,t.3.p116

[56] – انظرهذه المناصب فيof the American oriental society, 69/3 New haven, 1949, p 468   Ayalon.”Mamlouk army: the Circassians in the Mamlouk Kingdom” Journal

[57]خطط، ج1، ص 87، ابن تغري بردي، ج8، ص 52، صبح، ج4، ص 50

[58] – المكانين السابقين عينهما

[59]خطط، ج1، ص90، صبح، ج4، ص 50

[60]نجوم، ج8، ص 80-81، ولمزيد من الاطلاع على ثراء الامراء انظر المصدر السابق، ج9، ص 153، ج10، ص 6-8، 44، وابن اياس، ج1، ص155-156 اضافة الى العديد من المصادر المملوكية

[61] – فقد الدينار الجيشي قيمته النقدية اعتبارا من سنة 1375، وظل مقياسا حسابيا نظريا لمدخول الاقطاعات عن طريق التخمين، بولياك، الاقطاعية في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان، منشورات وزارة التربية والفنون الجميلة، نقله عن الانكليزية عاطف كرم، مطابع نصار، بيروت، 1949، ص 67

[62]صبح، ج4، ص 50

[63] – المكان عينه

[64]صبح، ج4، ص 68

[65] – بولياك، الاقطاعية، ص 68

[66] – القلقشندي، ج12، ص 319

[67] – المصدر السابق، ج3، ص 481

[68] -بولياك، ص 27، mamlouk army, p459

[69]سلوك، ج3، ق1، ص130-132، الاقطاعية، ص 28، mamlouk army, 460

[70] – القلقشندي، ج4، ص185-192، وج6، ص 30-31، ج13، ص153، الاقطاعية، ص 28،  الظاهري، ص 103 mamlouk army, p460

[71]زبدة، ص 100

[72] – بولياك، ص 70

[73] – ابن اياس، ج2، ص 277، 305

[74] – المصدر السابق، ج1، ص 206

[75] -القلقشندي، ج4، ص16

[76] – خطط، ج2، ص 219

[77] – المكان عينه

[78]خطط، ج2، ص219، زبدة، ص 109

[79]خطط ، ج2، 219، نجوم، ج10، ص 194، 262، 272.

[80]نجوم، ج10، ص 324

[81]نجوم، ج10، ص 232-233

[82]سلوك، ج3، ق1، ص 33-34

[83] -Ashtor,E.,histoire des des et des salaires dans l’orient medieval,Paris. 1969. P 267

[84] – بولياك، ص77

[85] – لمزيد من الاطلاع انظر: ضومط، انطوان، الدولة المملوكية التاريخ الاقتصادي والسياسي والعسكري، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1980، ص 56-58

[86] – عاشور، سعيد عبد الفتاح، بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى، بيروت، دار الاحدب البحيري، 1977، ص149

[87] – المكان عينه

[88] – المقريزي، اغاثة الامة بكشف الغمة، القاهرة، 1940، ص 45-47

[89] – Ashtor, op. cit. p 167, 268

[90] -القلقشندي، ج4، ص 184

[91] – المصدر عينه، ج4، ص 60-63

مقدمة التأريخ في العصور الوسطى

1 – علاقة التاريخ بعلم الحديث: اذا كان لم يؤثر تماما عن عرب الجاهلية تأريخا مدونا يتمتع بكل مقومات التأريخ، فاننا نعرف ان اسلوب الايام- ايام العرب- اسس لأسلوب التأريخ الاولي خلال القرن الاول الهجري وحتى اواسط الثاني. ومنذ الربع الاول من القرن الثاني الهجري بدأت عملية جمع الاحاديث وتدوينها بسعي حكومي رسمي، وآخر فردي نابع من قناعات العلماء. والحديث كما بات معروفا يقسم منهجيا الى قسمين: رجال الاسانيد، ومتون الحديث. ونعني برجال الاحاديث الرجال الذين رووا الحديث عن الرسول او الصحابة. وقد اعطوا الاهمية لمنزلة الراوي الاجتماعية والدينية والاخلاقية ما جعل متن الرواية او الحديث قليل الاهمية اذا ما قورن بمستوى رجال الاسانيد، وصارت بالتالي الحقيقة الدينية النابعة من الاحاديث رهن بمن اسندت اليهم المتون.

   وفي بدايات التدوين التاريخي لم تسند الاخبار الى رواتها الاُول باعتبار ان الروايات كانت معروفة في الاوساط الفكرية، لكن عندما تعددت الروايات والاتجاهات الفكرية والسياسية بات الاعتماد على طريقة سليمة لتنقية الاخبار من الدس والاختلاق لتتوافق مع الواقع التاريخي. فلم يجد الاخباريون وسيلة افضل من منهج المحدثين، فصارت الروايات تؤخذ من رجال ثقة من حيث منزلتهم الاجتماعية والدينية، وتهمل روايات آخرين كانت منزلتهم متواضعة من دون التبصّر بمضامين الروايات جريا على منهج اهل الحديث، بل تمّ استبعاد روايات اخباريين من المنطلق عينه.

 وهكذا، انطلق التأريخ من علم الحديث وارتبط به لأن التاريخ مهمة دينية اجتماعية توجه سلوك المسلمين والحكام، ويسقط بعده السياسي اذا لم يرتبط بالديني. وتحوّل التوجه الديني عبر التاريخ باتجاهين: سني وشيعي حتى باتت بعض الوقائع تنطلق من المنحى المذكور، فلعبت الميول بمضمون الحقيقة التاريخية. وصار مفترض بالمؤرخ اليوم مقارنة الحوادث الماضوية ليس الفردية فقط، انما العامة ايضا. وليس ايضا ضمن الحادثة الاحادية انما ضمن الكل التاريخي خلال حقبة محددة. لأن الحادثة الفردية وان عبرت عن ذاتها بذاتها النابعة من روحية المؤرخ وميوله فانها تبقى مجتزأة ولا تطال الابعاد الحقيقية للحادثة التاريخية، كما للحدث التاريخي الذي هو خلاّق اصلاً، الا اذا وضعت في الاطار العام للحقبة المدروسة لتقارن بمداليلها في معظم المصادر اسبابا ونتائج وصيرورة عامة.

2 – مؤرخ العصور الوسطى والمفاصل التاريخية: ان المؤرخ في العصور الوسطى عموما لم يعط المفاصل التاريخية اهميتها وابعادها، بل لم يحددها في معظم الحالات، وان اشار الى بعض منها من دون قصد، بل لان ابعادها تلاءمت مع رؤيته، وليس لأهميتها. فنجد احيانا حادثة ثانوية اجمالا تحتل مركزا مرموقا على حساب تحول اساسي على مختلف الصعد.

   من هنا يفترض بالباحث في تاريخ العصور الوسطى التوقف عند هذه النقاط، ويعمد هو نفسه الى تحديد المفاصل بالسعي الى اكتشاف العوامل المؤدية اليها، والنتائج التي ترتبت عليها. وقد تكون الاسباب والنتائج بعيدة وغير مباشرة، كما يصح العكس ايضا. وقد يكتشف التأثير البعيد المدى لبعض التحولات التي لم يتوصل اليها المؤرخ المعاصر لها بسبب تركيزه على احداث اخرى فاستهلكتها وقضت عليها، وقد تكون حوّلتها الى عوامل صراعية ادت الى حدث مهم. وعند ذلك نكتشف ان ما ركّز عليه المؤرخ لم يكن يشكل مفصلا تاريخيا بارزا انما عاملا في مسار مفصل ابرز.

3 – العوامل المؤثرة في الحركة التاريخية: من غير المستحب في التأريخ دراسة عامل واحد بذاته لنجعل منه مسببا لمفصل بارز، لأن عوامل عديدة ومشتركة تتضافر لتشكل مفصلا تاريخيا، وتحدد مساره واتجاهاته. فالانطلاق من الجزئيات الى الكليات هدف اساسي لكل مؤرخ ليتمكن من اعادة صوغ الماضي كما حدث لا كما يبتغيه لعوامل في نفسه ترضي ميوله واهواءه.

   ان العوامل المؤثرة في الحركة التاريخية بكل تحولاتها سلبا او ايجابا لا يمكن ان تحصر في شخص مهما علت منزلته: خليفة، سلطان… وان كان رائدا مهما، لأن تطور السلطة او انحطاطها لم يكن ابدا مسؤولية فردية بحتة بقدر ما كان مسؤولية جماعية؛ خليفة او سلطان، ادارة: وزراء، عمال ولاة، ودواوين، وجيش الذي هو العمود الفقري لكل سلطة. وان طغى شخص مهما كانت منزلته وأثّر في تحولات السلطة يبقى عمق فهمه مرهون بمدى ادراك المؤرخ للمؤثرات الاخرى، التي ترد اشارات مؤرخي العصور الوسطى اليها تلميحا الى الكلي في احسن الحالات، او الحديث عن كل منها منفردا. ما يفرض على المؤرخ الحديث التعاطي معها باحاطة شاملة تكاملا لرؤية الحدث. ولا يمكن عزل المجتمع عن الحدث لأنه في لبّه، ولم ينل من مؤرخي العصور الوسطى الاهمية المرجوة، بل تعاطوا معه عموما كنتيجة للأحداث وليس كفاعل فيها.

  ان قلة من مؤرخي العصور الوسطى اعطوا الشأن الاقتصادي اهميته الحقيقية، بل بعضا منها، او ربطوا بين المجتمع والعامل الاقتصادي، بل احيانا اطلّوا على الوضعين الاجتماعي والاقتصادي من المنظور السياسي وتداعية بعض احداثه. اذ كان ينظر الى السياسي على انه المحرك في كل الاتجاهات، وعلى كل العناصر ان تكون جاهزة في خدمته. سوى بعض المؤرخين اعطوا العاملين الاقتصادي والاجتماعي قيمة حقيقية من دون النفاذ الى الابعاد والتحولات الا جزئيا واحيانا نادرة.

4 – الدور الديني في الاحداث: اذا كان مؤرخو العصور الوسطى اعطوا الحوادث التاريخية ابعادا وتوجهات دينية في معظم الاحيان ان لم يكن في جميعها، فان دون ذلك محاذير ومخاطر اساسية. فقد يكون لها غطاءات ودلالات دينية انما اذا فتشنا عن الدوافع الاساسية لوجدنا ابعادها سياسية واقتصادية واجتماعية احيانا. وحري بالباحث الحديث اكتشافها. بمعنى عليه الا يأخذ بظاهر النص انما الغوص الى اعماقه وتفكيكه الى جزئيات تستر ما تخفيه القراءة السطحية لأكتشاف الابعاد  الحقيقية، والعوامل المؤدية اليه، ومحاولة ترتيبها تبعا لأولياتها، واخضاعها لمنهج اكاديمي صارم، عندها فقط يمكنه الوصول الى اكبر قدر من الحقيقة التاريخية التي هي ابدا مطلقة، وكلما كان منهجه خلاقا، ومصادره واصوله وافية ، كلما اقترب من الحقيقة الماضوية.     

محمد بن جرير الطبري 225-310/840-922

 اولا: حياته ممؤلفاته

1 – حياته : ولد الطبري بآمل قصبة اقليم طبرستان عام 225/840، عهد به والده، وكان ميسور الحال، الى علمائها لتهذيبه وتدريسه. بدت عليه معالم النجابة منذ نعومة اظفاره: اذ حفظ القرآن وله من العمر سبع سنين، وصلٌى بالناس  بعمر الثمانية، وكتب الحديث بسن التاسعة. وإشباعاً لشغفه بالعلم قام بعدد من الرحلات: بدأها بالرّي ومدن بلاد فارس، ثم توجه الى العراق وحط رحاله في البصرة، فواسط ، ثم الكوفة ومنها الى بغداد، وفيها جميعها كان يحضر حلقات العلماء. ثم ترك العراق قاصدا مصر وقبل الحلول فيها مرٌ على بلاد الشام وقصد بيروت حيث لقي العباس بن الوليد البيروتي المقرىء[1]. وصل الى الفسطاط عام 253/867 ثم عاد الى الشام مجدداً فإلى مصرعام 256/870 واينما حل كان يقصد العلماء والفقهاء ينهل من علومهم. اما اشهر الذين اخذ عنهم فهم: الرازي، والدولابي، وابن حميد، ومحمد بن العلاء الهمذاني، وقد كتب عن كل من الاخيرين ما يزيد على المائة ألف حديث «حتى انتهت اليه الرئاسة في التفسير والفقه والتاريخ » على حد تعبير شاكر مصطفى[2]. وندب الطبري لتأليف كتاب في الفقه لأنه وجد الناس حوله تشعّبوا فرقا كثيرة، ولتخليص الفقه من الاسرائيليات.[3] ثم عاد الى بغداد فطبرستان، فبغداد مجدداً حيث استقر وشرع في تأليف كتبه، وقد اغفل في كتابه « اختلاف الفقهاء » ذكر احمد بن حنبل، ولما سئل عن السبب اجاب: كان ابن حنبل محدثاً ولم يكن فقيها، ما اثار عليه الحنابلة وكان عددهم كثيرا يوم ذاك في بغداد فهاجموه في المسجد ثم في داره. وتوفي الطبري في بغداد يوم 26 شوال 310/ 16 شباط 922 تاركا عدداً وافراً من المؤلفات.

2 – مؤلفاته :ترك الطبري العديد من المؤلفات بعضها لم يكمله، كما ينسب اليه بعض الكتب، اما اشهر مؤلفاته فهي:

  • تاريخ الرسل والملوك، ويسميه بعضهم تاريخ الامم والملوك
  • جامع البيان في تفسير القرآن
  • تهذيب الآثار وتفصيل معاني الثابت عن رسول الله من الاخبار
  • اختلاف الفقهاء
  • تبصير اولي النهى ومعالم الهدى
  • لطيف القول في احكام شرائع الاسلام، وفيه يشرح مذهبه في الفقه
  • الخفيف في احكام شرائع الاسلام

  وقد ذكر ياقوت الحموي عددا من مؤلفات الطبري لم تصلنا[4].

   ما يهمنا من هذه المؤلفات العديدة هو كتاب تاريخ الرسل والملوك، وهو قسمان: الاول منذ بداية الخلق، والثاني التاريخ الاسلامي حتى سنة 302/914. استهل القسم الاول ببداية الخلق، وابليس، وآدم، ثم تحدث عن الانبياء بدءأ من نوح وانتهاء بالرسول محمد. وأرّخ بعد ذلك لتاريخ الفرس منذ منوشهر حتى كسرى ابرويز، ثم بني اسرائيل، وملوك الروم ، فملوك اليمن، وانهى هذا القسم باجداد الرسول.

     اما التاريخ الاسلامي فقد تناول فيه السيرة النبوية، فالعهد الراشدي، ثم الاموي، فالعباسي حتى سنة 302/914، واقتصرت موضوعاته على التاريخ السياسي والعسكري، وقلما نجد فيه معلومات اجتماعية اواقتصادية.

ثانيا– منهجه :

أ – نظرته التاريخية : من العسير فهم نظرة الطبري الى التاريخ بمعزل عن ثقافته المشبعة بالعلوم الدينية من فقه وتفسيروحديث، التي اسبغت على شخصيته هالة خاصة، وربما مميزة. فقد كان رجل دين بامتياز جهد لوضع مذهب فقهي خاص به، اذ لم تكون إلتفاتته الى التاريخ الا من هذا المنظار والهدف. فالتاريخ محكوم اساساً بارادة الآهية تسيّر احداث الكون، وعلى الحكام ولا سيما الخلفاء ادراك هذه الحقيقة، فبقدر ما يسعون لخدمة الله بالقدر نفسه يجازون خيرا، وكلما اخفقوا في هذا التوجه تصيبهم النوازل.

   ان الكون، من المنظار الاسلامي، متسلسل الحلقات، كل دائرة من دوائره تكمل التي تليها، وللانبياء شأن كبير في ضبط جموح الحكام وارشاد الناس. من هذا المنطلق أرخ الطبري « تاريخ الرسل والملوك » فالانبياء، من حيث هم مقدسون وهداية للناس، ضرورة ماسة لهداية البشر وقيادة الحكام. لذلك كانت عودة الطبري لبداية الخلق وتدوين تاريخ الانبياء والشعوب التي ارتبطت بهم. فالهدف الاساسي هو تاريخ الانبياء ما جعل تاريخ فترة ما قبل الاسلام يدور حولهم بالدرجة الاولى، وبالدول التي ارتبطت بهم بالدرجة الثانية، على رغم المعلومات الدقيقة التي اوردها حول تاريخ الفرس والروم. محدداً بذلك نظرته الى الكون والتاريخ فكل نبي كان يمهد لمن سيليه، تلك هي المشيئة الالهية، التي ستختم الدوائر المذكورة بالرسول محمد وبرسالته السماوية « الاسلام » الذي هو « الدين عند الله ». ما يعني أنه قلّد نظرة ابن اسحق حول وحدة الفكر الديني، معتبرا ان الديانات السابقة للاسلام ليست الا مقدمة له. وتقتضي هذه النظرة وحدة الفكر التاريخي ايضاً، لأنها مبنية على المعطى السياسي الذي لا يفهم الا من خلال ارتباطه بالديني المتأثّر بدور الارادة الالهية بحياة البشر. ممّا جعل تأريخ الطبري يتمحور اساساً حول التاريخ السياسي والعسكري من دون اعطاء البعدين الحضاري والاجتماعي دوراً يذكر، لأن الاحداث السياسية تسير بمشيئة الاهية، وتعبّر عن ارادة الله في خلقه تبعاً لخضوع كل شعب من الشعوب، التي أرخ لها الطبري، لتعاليم النبي الذي ارسله الله له. وقد جاءت هذه النظرة شبه عالمية لأن الطبري اهمل التأريخ للشعوب التي لا انبياء لها ممن جاء ذكرهم في القرآن كالزنوج والهنود والصينيين وغيرهم. وربّ سائلٍ وهل كان للفرس نبي ورد ذكره في القرآن؟! قد يكون الجواب في أن الاسلام اعتبر الزرادشتية اصحاب كتاب، فضلاً عن ان معظمهم دخل في الاسلام في ما بعد وبالتالي يجب دراسة تطور تاريخهم عن طريق المقابلة بين « الجهل » و « دين الحق ».

   وجعلته هذه النظرة يخلّ بالتوازن في فترات التاريخ السابق للعهد الاسلامي بحيث قصرها على الانبياء ومن يدور في فلكهم، وعلى الساسانيين وتاريخ اليمن من دون ان يولي الشعوب الاخرى اهتماما، علما ان مؤرخين سبقوه الى كتابة تاريخ عالمي كاليعقوبي، فجاءت نظرته العالمية، من هذه الزاوية، ضيقة ربما بتأثير من مفاهيمه الدينية الصارمة لانه لم يبذل جهداً كافياً للوقوف على تواريخ شعوب اخرى كان يمكنه الوصول اليها.

    اما نظرته الى التاريخ في العصور الاسلامية فهي استمرار ببعض وجوهها للتاريخ السابق الذي شكّل المقدمة للسيرة النبوية، التي اعطت الكون انطلاقة جديدة ترضي الله، ما جعله يركز على جوهرها، فهي المحور الاساسي في تاريخ المسلمين، والنبراس الذي يجب ان يحتذى. وان التلازم بين السياسي والديني عند الطبري جعل الاحداث السياسية تتصدر كل الحركة التاريخية وتختصر المستجدات الاخرى من اقتصادية واجتماعية وحضارية بوجه عام. والطبري بحكم عمله في التفسير والفقه، لا بل كونه فقيها ومفسرا اعتبر الاجماع ركنا اساسياً للمسلمين، فمن دونه لا وحدة دينية، وبالتالي لا وحدة سياسية. من هنا جاء تركيزه على وحدة السلطة ومركزيتها، خصوصا لان الحكام على اختلاف مراتبهم تولّوا السلطة بارادة الاهية ثوابا او عقابا للمسلمين، فيجدر التركيز عليهم وجعلهم محور الاحداث أكانوا سيئين ام فاضلين، لأن في التاريخ عظات وعبرا، ولأن الاجماع وحده يوحد المسلمين ويدفعهم لتخطي كل العقبات التي تواجههم. وعلى هذا، جعل الخلفاء يتصدرون الحركة التاريخية، على الرغم من ضمور دورهم في عصر الطبري، فالاحداث السياسية والعسكرية مرتبطة بهم ومنطلقة منهم، وشكّل العراق عموما، وبغداد خصوصاً، نقطتها المحورية. اما الاحداث الجانبية، على اهميتها بنظرنا اليوم، فلم تحتل الا مركزأ ثانويا في الرسل والملوك كالدويلتين الطولونية والاخشيدية وغيرهما. في حين احتل القرامطة فسحة مهمة فيه لأنهم كانوا، بنظر الطبري، عامل قسمة وتمزيق للحالة الاسلامية، فركّز على اعمالهم التدميرية على المستويات السياسية والاخلاقية الدينية. وقد يكون الحكام، من وجهة نظره، تسنّموا السلطة بارادة الاهية فاولاهم وحدهم دورا محورياً عليهم، ولم ينل الشعب سوى نصيب ضئيل جداً من اهتمامه معتبراً ان لا دور لهم في تطور الاحداث السياسية. وباختصار يعتبر الطبري مؤرخ السلطة السياسية خلفاء وولاة وعمالاً وقادة عسكريين بامتياز، فهم وحدهم لبّ الحركة التاريخية. ولم يحتل التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والحضاري عموما منزلة تذكر في تاريخه الا في بعض لمحات او اطلالات باهتة بين الحين والآخر تتراءى لنا في معتركات الاخبار السياسية والعسكرية. ولعلّ مرد ذلك الى انغلاقه على ذاته وكتبه، وانصرافه الى مذهبه الفقهي، وعزوفه عن الزواج وتأسيس عائلة، والى نظرته المحورية للخلفاء من حيث قيادتهم للأمة، ويؤيد هذا الرأي موقف الطبري المقل بالتأريخ لأركان الحكم الآخرين ولا سيما الوزراء بحيث اطل عليهم اطلالة سريعة جدا لا تتناسب مع ادوارهم البالغة الاهمية في عصره. وعليه، يمكن الاستدلال ان ابعاد الدولة كانت مشوشة في رؤية الطبري للتاريخ بحيث اهمل الحديث عن القضاة والنظام الاداري عموما، وبالتالي جاءت نظرته التاريخ مسطحة افقية على رغم احاطته الشاملة بالاحداث، التي عززها منهجه الحولي.

ب – مصادره: وهي بدورها تقسم الى قسمين: ما قبل الاسلام والتاريخ الاسلامي. فقد استمد معلوماته عن التاريخ ما قبل الاسلام من المصادر المتوفرة: ففي ما يتعلق بالانبياء اعتمد على سيرة ابن اسحق، وما تركه وهب بن منبّه فضلاً عن كتب التفسير. واستقى معلوماته عن تاريخ الفرس من الكتب المترجمة، ومن الوثائق التي كانت محفوظة في كنائس الحيرة وغيرها. واخذ تاريخ الروم اوالبيزنطيين عن الكتب المترجمة عموماً، واخبار اليهود من الكتاب المقدس وروايات يهودية. اما اخبار تاريخ العرب في الجاهلية فقد اخذها عن كتب الاخباريين الذين تناولوا هذا الموضوع ولا سيما وهب بن منبه، وابن اسحق، وهشام بن محمد الكلبي.

   واستمد التاريخ الاسلامي من كتب الاخباريين ونكاد نقول من مؤلفات كل الاخباريين الذين محضهم ثقته التي بناها على الثقة بالاسناد، مثل: محمد بن شهاب الزهري، وابن اسحق، وسيف بن عمر، وعوانة بن الحكم، والواقدي، والمدائني، والهيثم بن عدي. كما اعتمد على المؤرخين الذين سبقوه واولئك الذين عاصروه. فجاءت مصادره غنية جدا شديدة التنوع ومستقاة اجمالاً من مناطق الاحداث، وقد تكون الاغنى والاوسع والاشمل للقرون الهجرية الثلاثة الاولى.

ج- طريقةالمعالجة: عالج الطبري مادته التاريخية من منطلق علم الحديث، فأحل الاسناد مركز الصدارة، من دون جرح وتعديل بالرواة على طريقة المحدثين مكتفياً بثقته الشخصية بالراوي المبنية اجمالاً على قوة اسانيده فمثلاً اخذ عن الواقدي في الاخبار التاريخية واهمله كثيراً في السيرة النبوية. اما مضمون الرواية فلم يخضع، عموما، الى اي جرح اوتعديل او نقد آخر. وقد يكون مرد ذلك الى امرين:

1 – ايراده لمعظم الروايات المتوفرة ما كان يشكل نقداً ضمنياً لها.

2 – امانته التاريخية  وورعه الديني الذي دفعه لنقل الروايات كما هي كي لا يتحمل مسؤولية الحكم عليها، وهذا ما صرّح به في مقدمة كتابه: « وليعلم الناظر في كتابنا هذا ان اعتمادي في كل ما احضرت ذكره فيه على ما رويت من الاخبار، التي انا ذاكرها والآثار التي انا مسندها الى رواتها فيه، دون ما ادرك بحجج العقول، واستنبط بفكر النفوس الا القليل اليسير منه…فما يكون في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما ينكره قارئه، او يستشنعه سامعه من اجل انه لم يعرف له وجها من الصحة ولا معنى في الحقيقة، فليعلم انه لم يؤت في ذلك من قبلنا، انما اتى من بعض ناقليه الينا، وانٌا ادينا ما أدي الينا. »[5]

     وعلى هذا، انتقى الطبري الروايات من منابعها وفق اسانيدها فقط لأن مضمون الرواية يزكّيه، قوة الاسانيد والثقة بمن استخدمهم، مفضّلاً السند الاكثر قربا من الحادثة. اما مضامينها، بما تحوي من صدق اواختلاس او دس، فلا اهمية لها ما دام راويها موضع ثقة. ولمّا كانت الرواية بحد ذاتها تتأثر احيانا بقوة الذاكرة او بضعفها، وبالميول والاهواء، وبالتالي لا يمكن الجزم بصحتها وصدق راويها وسلامة حواسه، رفع الطبري المسؤولية عنه واحالها على الرواة واقفاً خارج الرواية، لا بل خارج الاحداث تاركاً التثبت من صحة الرواية ونقدها لجهود مصادره ولمن سيأتي بعده . وبالتالي اقتصر عمله على نقل الاخبار من دون اتخاذ موقف نقدي منها الا احيانا قليلة بقوله :« والصحيح عندنا » او « الرواية الاولى اولى بالصحة » او « زعموا »[6].

   وقد جعله هذا الموقف من الروايات يورد كل ما وصل اليه منها، او على الاقل تلك التي اعتبر اصحابها موضع ثقة بطريقة قلّ حيادها، فتعددت الروايات حول الموضوع الواحد، لا بل حول جزء من الرواية الواحدة[7]، فتداخلت لا بل تضاربت في بعض وجوهها، وتشعّبت توجّهاتها، قاطعة السياق العام للخبر الرئيسي، اذ تعددت شخصياته ما جعل بعضها الثانوي يطغى على الشخصية الاساسية احياناً، فافتقر تاريخه الى الوحدة وارتباط السياق. وتحوّل الطبري بايراده عددا ضخما من الروايات وحياده التام ازاءها، الذي بلغ حد السلبية احيانا، الى اخباري يحاول الاحاطة بكلية الخبر من دون اعتماد افضليات في المصادر، وتالياً في متون الروايات. فشابهت طريقته هذه، على الاقل ظاهريا، اسلوب المحدثين، الذين صنفوا الاحاديث الى مستويات، من دون ان يصنّف هو الروايات التي اوردها للخبر الواحد الا نادرا. وعلى الرغم من عيوب هذه الطريقة فانها جعلت تاريخ الرسل والملوك مستودعاً هائلاً لروايات القرون الثلاثة الهجرية الاولى، مخلداً اصحابها ممن ضاعت مؤلفاتهم، وبالتالي حفظ لنا الذاكرة التاريخية للقرون المذكورة.

    وكانت اسانيده قوية جدا يعود معظمها لمن شارك او شاهد الحوادث خصوصاً في الفترة السابقة على عصره، واستخدم ايضا اسانيد مختصرة تعود الى اخباريين ثقاة عند الطبري كقوله:« قال الواقدي»[8] او « ذكر عن المدائني»[9]، او« قال ابومخنف » [10]وقد اعتمد هذا المنهج الصارم في كل مؤلفه باستثناء الاجزاء الثلاثة الاخيرة لأنه كلما اقترب من التأريخ لعصره كلما كان يوجز الاسانيد كاستخدامه صيغة المجهول:« قيل»[11] او« ذكر بعضهم»[12] او «وقال غير الهيثم» ليذكر رواية مختلفة او متعارضة في بعض وجوهها[13]. وبالتأريخ لعصره اعتمد على جهود غيره من دون ان يتجشم عناء التفتيش عن الاخبار بنفسه، واورد اخباراً من دون ذكر اسانيدها[14]، او قال «حدثني فلان او جماعة من اهل تلك الناحية»[15]. وشكل ايراده لهذا العدد الهائل من الروايات ميزة خاصة به لم نعهدها عند مؤرخ آخر، وهي _اي الروايات_ الى ذلك تتيح للمؤرخ الحديث التوغل في استقصاء الحقيقة التاريخية فاسحة له مجالاً اوسع لاعادة تركيب الماضي عن طريق مقارنة ما تركه الطبري بما كتبه معاصروه او من سبقوه كالبلاذري مثلا.

   وقد اعتمد ثلاثة مناهج في تأريخه: التاريخ حسب الموضوع، والنمط الحولي، والتراجم. فاستخدم الاول في الفترة السابقة لظهور الاسلام لصعوبة اعتماد النمط الحولي فيها خصوصا انه لم يكن للعرب تقويماً ثابتأً قبل عام 115ق.م.[16]. اما في التاريخ العربي والاسلامي فقد أرخ وفق النمط الحولي، ولم يكن الطبري رائد هذا المنهج اذ سبقه اليه، على ما يعتقد بعض المؤرخين، الهيثم بن عدي وغيره. وهذا النمط من التأريخ يفتت الحادثة بين سنة وأخرى، واحيانا في السنة عينها اذا تعدت الحوادث الشهر الواحد، او اذا جرت في الوقت عينه احداث متداخلة ممّا كان يدفع المؤرخ للحديث عنها جميعها بالتناوب، وبالتالي كان يفقد الاخبار عنصر الوحدة والتكامل بسبب العودة المتكررة اليها. ومع ذلك، فان هذا المنهج يسمح للمؤرخ بالرؤية الشمولية افقيا وعمودياًً، ذلك ان تداخل الاحداث على مستوى اقاليم الدولة كافة يتيح فرصة أكبر لاستيعابها. وان لم يكن الطبري رائد التأريخ الحولي فهو مؤسس تطويره إذ كان يفرد، في السنة التي يتوفى فيها الخليفة او احدى الشخصيات البارزة، ترجمة كاملة له يذكر فيها كل الحوادث التي جرت في عهده بشكل متسلسل وموجز[17]، ممّا كان يعيد اللحمة للحوادث بعد تمزقها، من دون ان يغنينا ذلك عن العودة الى دراسة الحوادث حين ورودها للمرة الاولى. وهذا ما قصدنا به المنهج الثالث اي التراجم الذي صار مع الطبري متلازما مع المنهج الحولي، وسيقلده مؤرخون عديدون.

    تقويم عام :نال الطبري الكثير من المديح والاستحسان كما من النقد السلبي فعدد له المؤرخون الكثير من الهنات، ولعل ابرز المآخذ عليه هي:

1– تأثرت نظرته التاريخية بالمشيئة الالهية، فابتعد عن التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والحضاري عموما فلم يعن بالادارة والقضاء والثقافة، بل حصر همٌه بخبرات الامة السياسية والعسكرية في دولة الخلافة في المشرق من دون ان يتطرق الى اوضاع المسلمين في بقية المناطق كالاندلس مثلاً.

2– جاء مفهومه للاجماع الاسلامي متمثلاً بالخلفاء وحدهم، وعلى الرغم من ضمور دورهم في عصره، ظلوا عنده يحتلون منزلة عالية، ولم ينل الوزراء، الذين مارسوا ادواراً اساسية، سوى صورة هامشية في تاريخ الرسل والملوك. وعلى رغم التفتت والتجزئة التي اصابت دولة الخلافة، فان الدويلات، التي نشأت بمباركة الخلفاء العباسيين، والتي مارست ادوارا فاقت احيانا شأن الخلفاء والقادة العسكريين المتسلطين عليهم وعلى كل الشؤون في العراق، بل شكلت احيانا كثيرة لب احداثه،لم تحتل سوى إلتفاتات باهتة جدا في تاريخه.

3– لم يبذل جهداً كافياً للتثبت بنفسه من الاحداث التي عاصرها، بل اعتمد فيها على جهود غيره، وقد جاءت الى حد موجزة، قياساً بالمراحل التاريخية السابقة. ويفسر شاكر مصطفى هذا الامر بقوله :« وقد يكون فهمه للتاريخ على انه مستودع خبرات الاجيال السابقة.»[18]

4– قبل الكثير من الاساطير والاسرائيليات في التأريخ للفترة السابقة للتاريخ الاسلامي من دون نقد خصوصا انه طبق في التاريخ الاسلامي منهج المحدثين على مصادره.

5- ان بعض هذه المأخذ مستمد ربما من قياس الحاضر على الماضي، الذي يفترض وعياً منهجياً متطوراً يستند الى رؤية شمولية للحوادث، وهو امر لم يكن متوفراً حتى في أواخر العصور الوسطى[19] إلا عند قلة من المؤرخين.

    وعلى الرغم من النقد الذي يوجه الى تاريخ الطبري خصوصا ان بعض المؤرخين افترضوا لعصره تطوراً مزعوماً لا يتناسب مع تطور التأريخ في القرن الثالث الهجري، منطلقين احياناً من مسلمات الحاضر. يبقى تاريخ الرسل والملوك احد ابرز منجزات المؤرخين العرب والمسلمين من حيث ان ذكره لهذا العدد الضخم من الروايات يشكل الذاكرة التاريخية السياسية والعسكرية للقرون الهجرية الثلاث الاولى، ولولاه لكان الكثير من حقائق التاريخ قد ضاع كما ضاعت كتب العديد من الاخباريين. وسيبقى فضل الطبري عميما على الاقل لتطويره منهج التأريخ الحولي، لأن المؤرخين استمروا يقلدونه قرونا عديدة.

   


[1] – عاصي(حسين)، الطبري، دار الكتب العلمية ، بيروت، 1992، ص 57

[2]  – مصطفى، التاريخ، ج1، ص 253

[3] – زيادة، قمم من الفكر، ص58

[4] – انظر حول مؤلفات الطبري:الحموي(ياقوت)، معجم الادباء، ج6، في اماكن متعددة، ص 424-449

[5] – الطبري(محمد بن جرير)، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، دار المعارف، مصر، 1969، ج1، ص 7-8

[6] – الطبري، تاريخ الامم والملوك، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، 1407ه، ج3، ص510

[7] – الطبري، طبعة دار الكتب العلمية، 3/466، 4/85/5/338

[8] – الطبري، طبعة دار المعارف، ج8، ص 261ونجد هذه العبارة في العديد من الاماكن، وطبعة دار الكتب العلمية، 3/424

[9] – نفسه ، دار المعارف، ج8، ص 489 وغيرها كثير

[10] – الطبري، الكتب العلمية، 3/447

[11] – نفسه، دار المعارف، ج8، 67، ودار الكتب العلمية، 4/50، 66

[12] – الطبري، دار المعارف، ج8، ص 82

[13] –  الطبري، دار المعارف، ج8، ص 104  ودار الكتب العلمية، 3/466 و4/85

[14]  – ج8، ص 598وج9، ص 29، 52، 71…

[15] –  الطبري، دار الكتب العلمية، 5/365

[16] -Ryckmans. J. L’Institution monarchique en Arabie méridionale avant l’islam, Louvain. 1951, p71

[17] – انظر مثلا :سيرة عمر بن الخطاب، ج4، ص 208-241 ، او سيرة عثمان بن عفان، ج4، ص 489 وما بعد، وسيرة المأمون (طبعة الكتب العلمية) 5/197-206

[18] – مصطفى، التاريخ، ج1، ص 260

[19] – انظر لاحقا دراستنا عن ابن طولون الدمشقي الذي توفي في القرن 16 وقد اعتمد منهج الطبري عينه ص 340 وما بعد

ركائز الاقطاع العثماني في القرن 16م وعلاقته بالانظمة الاقطاعية الاسلامية الوسيطة

       كانت الزراعة الدعامة الاقتصادية الاساسية في العصور القديمة والوسطى لان انتاجها  شكل الغذاء الرئيسي للغالبية العظمى من السكان.وهو عينه امن المواد الاولية للصناعة عموما وللعديد من السلع التجارية.وعلى هذا ، اعتنت معظم الدول ان لم نقل كلها بالزراعة واولتها اهتماما اساسيا ، ونظمتها بما يتلاءم مع توجهاتها العامة. وقد يكون الاقطاع احد ابرز سمات تلك الاهتمامات لانه ، بوجه عام ، ظاهرة حضارية تنظم العلاقات الزراعية بين فئات المجتمع باشراف الدولة ورعايتها.

    ومن الواضح ان الدولة العثمانية انبثقت من قبيلة تركية او تركمانية تبعا لاجتهادات المؤرخين.ولكن من الثابت انها تأسست في رحم دولة سلاجقة الروم التي نشأت على اثر معركة منزكرت عام 1071، وتاليا فان التأثير السلجوقي سيكون له دور في بعض نظمها ومفاهيمها على الاقل من حيث النظام الزراعي المرتبط اصلا بالنظام الاقطاعي.

      وبديهي القول ان السلاجقة قبائل غزية اعتنقت الاسلام وتمكنوا من تأسيس سلطنة مترامية الاطراف حكمت باسم الخلافة العباسية، وخلفت دولا ودويلات اسلامية في العراق وفي بلاد فارس متأثرة الى حد بالنظم التي كانت سائدة انذاك وطوعت بعضها بما يتلاءم مع تطلعاتهتا السياسية والادارية والاقطاعية.ولم تلك النظم التي ورثها السلاجقة وليدة من سبقهم مباشرة بل تراكما طويلا الامد تعود جذوره الى العهد الراشدي، وتأثر عبر الزمن التاريخي بتلون اشكال الحكم، على الرغم من انها كلها كانت اسلامية، ولكنها اصطبغت بميزات كل شعب من الشعوب التي تعاقبت على الحكم في ظل الخلافة العباسية.واذا كان البحث ينحصر بدراسة الاقطاع فبديهي القول ان العصر العباسي الثاني ( السيطرة التركية 232-334/ 847-945م) ترك بصمات اولية على نظام الاقطاع العسكري في الاسلام ام لم نقل انه شكل بداياته الخجولة.وسيجد هذا النظام مرتكزاته الاساسية في العهد البويهي (334-447/ 945-1055م) . اما العهد السلجوقي فقد اوجد النظام الاقطاعي العسكري الاداري.

    وعلى هذا، نطرح سؤالين اساسيين: – ما هي مرتكزات الاقطاع العثماني خلال القرن 16م، ومن اين استمدت، وهل ظلت جامدة ام تحولت لتواكب الظروف السياسية والعسكرية وحاجات الدولة العثمانية الاقتصادية؟ وهل كان الاقطاع عسكريا على غرار النظم الاقطاعية الاسلامية الاخرى التي نشات في المشرق العربي؟

  • الى اي مدى راعى العثمانيون السياسة الشرعية الاسلامية على مستوى الارض والزراعة وتاليا الاقطاع؟

    ومن المفيد التنويه ان الاقطاع العثماني تأثر ايضا بالاقطاع البيزنطي لان السلطنة العثمانية نشأت في بداياتها على ارض بيزنطية يعتاش من مردودها فلاحون بيزنطيون يخضعون لسياسة دولتهم الاقطاعية.كما ارتبط ببعض وجوهه بالاقطاع المغولي لاكثر من سبب: الصراع الحدودي بين المغول والعثمايين، واحتلال المغول الدولة العثمانية على عهد تيمورلنك[1]، والتحاق عدد من القبائل الغزية التي كانت خاضعة للمغول بالدولة العثمانية[2].ولكن الموضوعين لا يرتبطان بهذا البحث الذي سيقتصر على العلاقة بالانظمة الاقطاعية العثمانية.  

     1- مفهوم الاقطاع في الاسلام : ولم يغفل الاسلام عن ظاهرة  الاقطاع، بل عززها ونظمها وفق اصوله التشريعية0ويعتبر الرسول اول المشرعين[3] في هذا المجال تحدوه على ذلك عدة دوافع : التآلف على الدين ، والعون الاجتماعي ، والاستثمار المادي المتمثل باستصلاح الاراضي الموات0[4]ويمكن ادراج هذه العوامل في اطار الجهاد ، الذي لم ينحصر معناه في سبيل نشر الدين فحسب ، بل ايضا من اجل خير المسلمين على الصعد كافة : الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وان كان نصيب المجاهدين العسكريين اوفر من غيرهم

      وبما ان الدولة العثمانية والدول التي سبقتها في حكم الشرق العربي كانت اسلامية بوجه العموم ، وحكمت ايضا وباستمرار شعوبا  اسلامية واخرى غير اسلامية ، فلا بد ، والحال هذه ، من القاء الضؤ على السياسة الاقطاعية الاسلامية التي ارساها الرسول ومن بعده الخلفاء الراشدون وصولا لمعرفة مدى مراعاة العثمانيين لهذه المبادئ ، واين شذوا عليها ، ومدى الحداثة في تنظيماتهم الاقطاعية0

   حدد الرسول سياسته الاقطاعية بفرض الخراج او العشر على الاراضي الزراعية [5]، والمراعي [6]التي اعتبرها من المنافع العامة ، ومعادن الارض0

    واذا كان الشرع الاسلامي يعتبر عملية تراكمية لما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، فان ملكية الاراضي واقطاعها خضع ، بوجه العموم ، في الدول الاسلامية للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتأثرة اصلا بالتحولات الساسية ، وبارتباط فتاوى العلماء المسلمين او على الاقل بعضها بمناحي السلطة السياسية ، ما جعل عملية الاقطاع متحولة تخدم رجال السياسة او بالحري الحكام وفق متطلباتهم المالية0وتبعا لاصول الفقه فان الشرع الاسلامي لم يجز اقطاع الضرائب ولا مردود بيت المال منها0ويمكن ايجاز مفهوم الاقطاع في الاسلام بما حدده الماوردي ” الاقطاع ضربان : اقطاع استغلال ، واقطاع تمليك “[7] ، وبما شرحه القلقشندي في شروط الاقطاع[8]0وعلى هذا، ارسي مفهوم الاقطاع في الاسلام0 ويبقى السؤال الى أي مدى روعيت روحيته ، وما هي دواعي تجاوزه ؟

2 – خلفية الاقطاع العسكري : على الرغم من التقلبات السياسية والصراعات العسكرية والتحولات الاقتصادية في الدولة العربية والاسلامية ، فان الوضع الاقتصادي لم يتأثر بها سلبا بوضوح جلي الا اعتبارا من اواسط القرن الثالث هجري / التاسع الميلادي[9]0حين حدثت تحولات شبه جذرية في بنية المجتمع الاسلامي ، وفي هيكليته السياسية ، وبدأ الصراع الاثني الثنائي حينا ، والثلاثي حينا آخر : بين العرب والفرس والاتراك والبربر وغيرهم0فتفسخت الدولة العباسية ونشأ على اطرافها وفي قلبها دويلات عرقية [10]، واخرى مذهبية [11]0فاستبعد العرب اجمالا عن المسرحين السياسي والعسكري وحل مكانهم جماعات من الاتراك ممن لا حضارة مميزة لهم0وغدا الخليفة رهن ارادتهم ان شاءوا ابقوه ، وان ارادوا عزلوه او قتلوه[12]0وتزعزعت البنية الاقتصادية في دولة الخلافة ، فقل دخل بيت المال ، بفعل المصادرات وسيطرة الاغنياء من الحكام على الولايات[13]، وتشكلت ارستقراطية جديدة في دولة الخلافة قوامها الاغراب من اتراك فديالمة ( بويهيون ) ثم سلاجقة ، حتى فقدت السلطة السياسية المدنية قدرتها على ضبط الادارة المالية[14] وافلس بيت المال[15]0ونشأ مع اتراك العصر العباسي الثاني ( 232 – 334 / 847 – 945 ) نوع من الاقطاع شبه العسكري الاداري[16]0

          وبمجيء البويهيين الى السلطة حصل تجاوز لحد السلطة والشرع معا باقطاع حقوق بيت مال المسلمين وتضمينها للعسكر فقط [17]فنشأ الاقطاع العسكري بامتياز[18]0وأسس لمن جاؤ بعدهم من اغراب عن المنطقة العربية : سلاجقة ، ايوبيين ، ومماليك ، بما في ذلك عصر الانحطاط في العهد الفاطمي او ما يعرف بفترة حكم الوزراء ، الاقطاع العسكري الذي تركز في كل تلك العهود ليجد كل مقوماته في العصر المملوكي. ويبقى السؤال الابرز : هل كان الاقطاع العثماني مشابها لتلك الانماط ، ام ان تحديثا ادخل عليه ، ام انه جاء مزيجا من هذا وذاك ؟ 

       بعد ان بسيطر العثمانيون على البلاد العربية بعد انتصارهم على المماليك في مرج دابق 1516 ، والريدانية 1517 عم نموذج من الاقطاع ارتبط بالنظامين الاداري والعسكري العثمانيين المتجذرين بانماط بيزنطية واسلامية سابقة اكان في الدول الاسلامية او في الدول المغولية المتعاقبة ، مراعيا اصولا تشريعية اسلامية الى حد ومطوعا برؤية عثمانية ترعى المصالح الذاتية العثمانية العليا0وعلى الرغم من اعتماد الفتح العثماني للبلاد العربية بداية العصور الحديثة في الشرق ، يبقى سؤال مركزي هل كانت كذلك ؟ في حين ان النظم والقوانين الوضعية والعقلية كانت آخذة بالهيمنة على اوروبا الغربية لتحل مكان القوانين الكنسية ، لتتلائم ومتطلبات قيام المدن التي ولدت على حساب النظام ( الاقطاعي الاوروبي ) الفيودالي [19]ولا سيما ان عصر النهضة كان اخضع كل المسلمات القديمة لسلطان العقل[20]0

اولا : الاقطاع العثماني الحربي

1- انواع الاراضي العثمانية : لم يخرج مفهوم الاراض من حيث تصنيف استغلالهاعلى ما عهد في الدول الاسلامية السابقة أي : العشورية ، والخراجية ، والمشاع والمنافع العامة[21]0وكانت العشورية ملكا لاصحابها المسلمين ، ولهم حرية التصرف بها شرط ان يؤدوا عنها العشر الذي غالبا ما كانت تزداد قيمته عن العشر[22]0وكانت الخراجية في الاساس ملكا للذميين يدفعون عنها الخراج الذي تراوحت قيمته بين 10 و 50% [23]، والاراضي الميرية وهي ملك خالص للدولة كانت تقطع للعسكريين واحيانا للمدنين ويؤدي عنها مستغلوها او مستأجروها الخراج[24]0انما بمرور الزمن والتحايل على القانون وتجاوزه تحول بعضها الى ملكيات خاصة غير مقيدة.اما الاراضي التي ظلت خراجية فتحولت تسميتها الى اراضي ميري[25]0وكانت اراضي الوقف على ضربين : وقف غير مشروط خيري افادت منه المؤسسات الخيرية والاجتماعية على اختلاف انواعها ودور العبادة ، ووقف ذري[26]0وكان يفيد من اراضي المشاع جميع السكان كل ضمن نطاق قريته.

        لم تكن جميع انواع هذه الاراضي عثمانية في تسمياتها الاولى ، لاننا نجد اصول معظمها في الاراضي الاسلامية التي اختط سياستها وضرائبها الرسول وتبعه في هذا النهج الحكام المسلمون على اختلاف مستوياتهم ، انما العثمنة فيها تمثلت في صيرورة بعضها ، وفي نمط استغلالها0

    2- هدف الاقطاع الحربي:

    أ –اقطاع السباهية: نشأت الدولة العثمانية قبيلة توسعت تدريجا لتضم جماعات تركية متنوعت الاصول انضوت تحت زعامة مؤسسيها بدأ بعثمان بن ارطغرل وابنه اورخان [27]0واعتمدت نظاما حربيا اقطاعيا ، قوامه تأمين مصدر ثابت لضخ جيوشهم بالجنود من دون ان تتجشم الدولة تنظيم جيش نظامي يقيم في الثكنات وتدفع رواتبه من خزينة الدولة ، بحيث اقطعت المحاربين مناطق زراعية يزرعها الفلاحون ويقدمون للعساكر اموالا نقدية او عينية [28] ويؤدون عنها الضريبة للجنود – ليست لدينا معلومات واضحة فيما اذا كانت الضريبة عشرية او خراجية –الذين يظلون ابدا على استعداد دائم للاشتراك بالحملات العسكرية ، كما كانوا معفيين من دفع الضرائب لخزينة الدولة لقاء تقديمهم عدد من الفرسان للحملات العسكرية العثمانية كل بحسب نسبة اقطاعه [29]

     كان الهدف من هذا النظام ، الى جانب اعفاء الخزينة من دفع رواتب الجند ، اعفاءها من مهام ادارية كجمع الضرائب ، وتوفير رواتب جباة الضريبة على خزينة الدولة[30]0وتطور هذا النظام عندما اتسعت رقعة الدولة عن طريق الفتوحات ، وقوي نفوذ الجند ، ما ادى بامرائهم الى ان يمارسوا مهاما امنية وادارية في مناطقهم الاقطاعية0وعرف هذا النظام عند العثمانيين بعدة اسماء ، انما الصفة الغالبة عليه كانت ” درلك ” وهي تعني المعاش او مورد الرزق ، واطلق على هؤلاء الفرسان اسم ” سباهي “[31]0اما الخاص فكان من نصيب الوزراء وغيرهم من الباشوات، فضلا عن حاشية السلطان[32].وتوزع السباهية على درجات هرمية شكل ” سباشي ” قاعدتها ، وتلاه ” علاي بك ” ثم ” سنجق بك ” واعلاها ” بيلربك “[33]0

 ب – الاقطاع السلجوقي: لم يكن هذا التنظيم جديدا كليا عند العثمانيين ، فقد عرف في عهود الضعف العباسية؛ فالعهد البويهي عرف نوعا من الاقطاع العسكري غير المتكامل الصفات [34]، ولكن هذا النظام الاقطاعي العسكري سيجد الكثير من مقوماته في العهد السلجوقي ( 945 – 1055 ) حين نشأ مع السلاجقة الاقطاع العسكري الاداري المستند على نظام الاتابكة [35]0ويعتبر  نظام الملك الطوسي وزير السلطان ملكشاه ( 465 – 485 / 1072 – 1092 ) اول من تلقب بأتابك ،[36] وايضا اول من اقطع الاراضي للجنود عوضا عن الرواتب ، لانه اعتبر هذا الحل افضل لعمارة البلاد ، وبالتالي لزيادة دخل بيت المال [37]0

        وهكذا اقطع السلاطين السلاجقة القلاع والحصون والمدن والولايات لامراء جيشهم واهل بيتهم ، وبالتالي قسمت اراضي الدولة السلجوقية الى اتابكيات اقطاعية[38]، فكان على الاتابك اقطاع جنوده الاقطاعات ، والمجيء بهم الى الحضرة السلطانية كلما دعت الحاجة الحربية.وصار الاقطاع يقاس بعدد الجند الذي يقدمه الاتابك[39]الذي مارس سلطات امنية وادارية غير محدودة في اتابكيته0

     وتجدر الملاحظة الى التشابه بنسبة عالية بين النظامين الاقطاعيين السلجوقي والعثماني ان من حيث الوظيفة العسكرية والامنية والادارية ، او الرواتب العينية والضرائبية ، وتحديد نسبة الاقطاع بعدد الجنود الذي يقدمهم الاقطاعي عند الضرورة الحربية0وكما ان الاقطاع السلجوقي كن تراتبيا هرميا : الجندي تابع لقائده ، والقائد للاتابك ، والاتابك للسلطان [40] ، كذلك كان السباشي تابع لعلاي بك ، وهذا تابع لسنجق بك ، والسنجق بك لبيرل بك ، وهذا الاخير للسلطان0 ولم يرد للاتابك ان يورث اقطاعه سلاليا ، ولكن عندما ضعفت السلطنة السلجوقية تمكن الاتابكة من توريث اقطاعاتهم[41]0في حين حق للسباهية توريث اقطاعاتهم الا في حال عدم توفر وريث[42]عندها يقطع لمن تتوفر فيه الشروط القانونية[43]

ج- الاقطاع المملوكي : من الواضح تماما ان المماليك نشأوا فرقا عسكرية محترفة لحماية سادتهم الايوبيين، وانحصرت مهامهم في العهد الايوبي بالصفة العسكرية البحتة.ولكن انقلابهم على طوران شاه آخر السلاطين الايوبيين في مصر، وصراعهم مع ايوبيي بلاد الشام، ومع المغول والصليبيين في بداية دولتهم زاد من التصاقهم بالصفة الحربية، بحيث اعتبروا انفسهم مسؤولين عن حماية البلاد.وبالتالي توزعوا الاراضي التي بسطوا سلطانهم عليها اقطاعات عسكرية يعيشون من مردودها.وعندما اشتدت شوكتهم وبسطوا سلطانهم على مصر وبلاد الشام كلها زادت قوتهم وقناعتهم باقتسام كل انتاج الدولة عوضا عن الرواتب النقدية المباشرة من بيت مال المسلمين.ومارسوا، كما سنلاحظ لاحقا، مهام ادارية وامنية وعسكرية[44]جريا. على التقليد السابق الذي مارسه كل من السلاجقة والايوبيون المرتبط بذهنية الحماية، ولكنهم طوروه بما يتناسب مع ذهنيتهم الحربية.

3- الحصص الاقطاعية ومستويات المقطعين.

  أ – الاقطاعات السباهية : وقد تنوعت اقطاعات السباهية ، وكانت على ثلاث مستويات :قاعدتها التيمار، ومتوسطها الزعامت ، واعلاها الخاص[45]0وكان التيمار اقطاعا صغيرا يدر على صاحبه بين الفين الى 19999 اوقجة او آقجة [46]، ويفترض بصاحب التيمار الذي يتقاضى الحد الادنى أي الفين الى ثلاثة آلاف آقجة ان يذهب بنفسه ولوحده الى الحرب مجهزا بفرسه وترسه ( جوشنه ) وخيمته0واذا زاد اقطاعه عن الحد الادنى توجب عليه ان يصحب معه فارسا اضافيا يسمى ” الجبه لي ” وكلما زادت مساحة تيماره وارتفع دخله كلما ارتفع عدد الجنود المتوجب عليه احضارهم الى الحرب بنسبة جندي عن كل ثلاثة آلاف اوقجة من دون ان يجاوز عددهم الخمسة فرسان[47]0ويصل مردود الزعامت الى مئة الف اوقجة ، ولا يمنح الا لمن يظهر مقدرة قتالية عالية ، ويتوجب على الزعيم صاحب ( الزعامت ) ان يجهز الى الحرب حوالى عشرين فارسا [48].وبالتالي كان الاقطاع يتناسب مع عدد الفرسان المتوجب على المقطع اعدادهم كلما دعت الحاجة الحربية، ما يعني عدالته من حيث المبدأ.

       ويبدو جليا التشابه الكبير بين الاقطاعين السلجوقي والعثماني من حيث الصفة الحربية البحتة لصاحب الاقطاع عن طريق اعداد الجنود بما يتناسب مع مساحة الاقطاع ومع مردود ضرائبه، ومن ممارسته مهام ادارية ترعى شؤون الاقطاع.ولكننا نجهل ما اذا كان الاتابك حصل على قطعة ارض اضافية معفية من الضرائب على غرار السباهي.ذلك ان بعض اقطاعات السباهية كانت تتألف من قسمين : الارض الاساسية وتسمى ” قليج “، وما يضاف اليها ويسمى ” ترقي ” وكانت هذه الاضافة تمنح بغية توفير عشر الدخل الذي يدره القليج[49] ، وكانت الاقطاع الذي يجمع النوعين معا يعرف ب ” الحصت “[50]. وكانت الحكومة العثمانية تعتمد هذا الاجراء لتشجع السباهي كي يظل ابدا متأهبا للقتال ويرعى شؤون اقطاعه على اكمل وجه[51].

        اما الخاص فكان مميزا عن الاقطاعين السابقين : اولا بعدم خضوعه لتفتيش الدفتر دار ، وثانيا بانه كان من نصيب من يشغل منصبا حكوميا عاليا مثل الوالي[52]0وكان هناك نوع آخر من الخاص المعروف ب” الخاص همايون ” وكان ملكا خالصا للسلطان ، وهو اكبر الاقطاعات وافضل الاراضي جودة ، وهو لا يدخل ضمن بحثنا0

     وكانت نسبة توزيع الاقطاع في سنجق ما على النحو الآتي : 2/5 من فئة التيمار

1/10 من فئة الزعامت

1/5 خاص

1/10 اوجقلقات أي اقطاعات ملك لفئة عسكرية

1/5 وقف[53].

     وكانت الدولة تملك رقبة هذه الاقطاعات وتمنح حق استغلالها للقادة العسكريين ممن يقدمون خدمات حربية، وهؤلاء ينقلون حق الزراعة الى الفلاحين على قاعدة حق الحيازة Possessoire يجبون منهم العشر الخاص بالدولة لقاء الاقطاع فضلا عن ضرائب اخرى تشكل راتب السباهية.وكان يطلق على عائدات هذه الضرائب ” درليك” اي الاقطاع[54]      

ب- الاقطاعات المملوكية : ان الاراضي الاقطاعية المملوكية توزعها السطان وامراؤه والاجناد جميعهم ، واعتمد على القيراط كوحدة للتوزيع الاقطاعي بحيث بلغت نسبة الاراضي 24 قيراطا0وقد وزعت في بداية الامر على الوجه التالي : السلطان مع اجناده اربعة قراريط ، تم تعديلها على عهد السلطان لاجين اثر الروك المعروف باسمه عام 1298 ، وصار نصيب السلطان وحده اربعة قراريط ، وحصة مماليكه ( المماليك السلطانية ) تسعة قراريط0[55]وجرى تعديل جديد على نصيب السلطان في الروك الناصري عام 1315 وصارت حصته تبلغ تسعة قراريط[56]0اما الامراء على اختلاف مستوياتهم واجناد الحلقة صارت حصتهم 11 قيراطا[57]0وفي عهد الناصر محمد ادخل تعديل جديد على انصبتهم في الروك الناصري بين 1313 و1315 فغدت 14 قيراطا[58]0

     وكان الامراء على عدة مستويات : امير مئة ومقدم ألف ، ويحق له ان يقتني من ماله الخاص مئة مملوك ،  وكان امراء المئة يشغلون المناصب الرئيسة في الدولة ومنهم ينتخب السلطان[59]، وكان امير المئة يقود في الحرب ألف جندي[60]

   امير اربعين او طبلخاناه ويحق له ان يقتني من ماله الخاص اربعين مملوكا ، ولامير عشرين عشرين مملوكا ، ولامير عشرة عشرة مماليك[61]0اما حصصهم الاقطاعية فتراوحت كما يلي :

امير مئة : من 80 الى مئتي ألف دينار جيشي[62]

امير اربعين : من 23 الى 30 ألف دينار جيشي

امير عشرة من سبعة الى تسعة آلاف دينار جيشي

 اعيان مقدمي الحلقة من 250 الى 1500 دينار جيشي[63]

وكانت رتبة امير الخمسة تلي رتبة امير العشرة ، وهي خصصت لامراء العربان وغيرهم من ابناء البلاد ممن اعتبروا من اجناد الحلقة ، وكان يبلغ نصيب امير خمسة ثلاثة آلاف دينار جيشي وما دون[64].

    والمقطعون المماليك، كما السباهية، نقلوا استغلال الارض الى الفلاحين الذين دفعوا الضرائب كالخراج المتوجب على العبرة الاقطاعية، اضافة الى حصة المقطع من الانتاج، ناهيك بالضرائب الاستثنائية غير المبررة[65]

ج- اوجه الشبه :استند الاقطاع العثماني على الآقجة كوحدة اساسية لمردود الاقطاع وهو كان نقدا متداولا في حين استند المردود الاقطاعي المملوكي على الدينار الجيشي الذي فقد قيمته النقدية الثابة التي كانت له في بداية الدولة، ولكنه ظل نقدا رمزيا، وبتعبير اوضح مقدارا سهميا لتوزيع الاقطاعات ولتحديد منزلة صاحب الاقطاع.كما نجد تشابها آخر يتمثل بمن يحق له بالاقطاع، وبالتراتب الهرمي للمقطعين:فنلاحظ عند العثمانيين ان الوالي مثل اعلى رتبة اقطاعية وتدرج الامر نزولا الى الجندي السباهي، في حين مثل امير المئة ومقدم ألف اعلى رتبة عند المماليك وتدرج نزولا الى الجندي الحلقة.

4 – المهام    

أ-  مهام السباهية : لم تقتصر مهام السباهية ، لقاء الاقطاعات التي منحت لهم ، على الانخراط في الحملات العسكرية ، بل انيطت بقادتهم مهام ادارية ، وانتظموا تحت قيادة قادتهم الذين توزعوا الى ثلاث مستويات :

الصنف الاول ويعرف ب الآلاي بيكي ( الآلاي ) تعني الآمر ، و( بيكي ) فوج العسكر ، أي آمر فوج العسكر ، وهو اعلى الرتب واسماها ، ويعين هؤلاء القادة من بين كبار الاقطاعيين في السناجق من اصحاب الزعامات التي تمنح لهم مدى الحياة ، والتي لا يقل دخلها عن مئتي ألف اوقجة. بحيث عندما يصبح احدهم آلاي بيكي يجب الا يقل دخله عن المليون اقجه، وقد منحه  النظام الاقطاعي حق توريث وظيفته[66]0 ويحصل القائد على علم خاص ، وتقرع الطبول على بابه مرتين في اليوم ، ويعتبر نائبا للسلطان في سنجقه[67]0وكان عليهم ايضا ان يجمعوا السباهية في السنجق الذي يديرون ، ويجهزوا الجنود والخيام وما الى ذلك مما تستدعيه حالة الحرب[68]0

     ويتألف الصنف الثاني من الجيري باشي او السوباشي وينتخبون من اصحاب الزعامت في الاقضية حيث يمارسون فيها ابان السلم مهام اصحاب الشرط[69]

     اما الفئة الاخيرة فتألفت من الجيري سروجي الذين انحصر عملهم في الحرب فقط بارشاد السباهية وبحراستهم[70]0

          ويبدو جليا ان الاقطاع العثماني في بداياته اعطي للوظيفة ، يمارس صاحبه مهام عسكرية وادارية ، ويعتاش من مردود اقطاعه من دون ان يحصل على راتب نقدي من خزينة الدولة0وكان يمكن ايضا توريث هذا الاقطاع ، بمعنى ان الوظيفة بحد ذاتها كانت احيانا وراثية ، وبالتالي لا يسقط الاقطاع عن صاحبه بتقدمه بالعمر ، او بعجزه عن اداء مهماته مادام بامكان وريثه تولي مهامه0

   ب – عند السلاجقة : لذلك يبدو التشابه واضحا بين الاقطاعين السلجوقي والعثماني ، فالاول انتظم ، كما اسلفنا ، في عهد الوزير نظام الملك عندما نشأ نظام الاتابكيات التي اصبحت وراثية0وكان يساعد الاتابك اداريون آخرون منهم الشحنة وهي وظيفة ادارية وعسكرية في آن بحيث كان يقوم بمهام الوالي ، والمقدم من دون ان نعرف بالضبط مهام كل منها بالتفصيل[71]0

  ج-   مهام الامراء المماليك : اما في العهد المملوكي فنجد بعض التشابه اضافة الى بعض الاختلاف ، ان امراء المئة شكلوا النظام الاداري العسكري المملوكي لقاء اقطاعاتهم الوفيرة ، من دون ان يتوجب عليهم اعداد ممليك للحرب ، بل على الامير منهم قيادة ألف مملوك من اجناد الحلقة او المماليك السلطانية في الحملات العسكرية التي يقررها السلطان0اما الوظائف الاساسية التي تولاها امراء المئة فهي : اتابك العسكر أي قائد الجيش ، الامير الكبير وهو لقب اكبر الامراء واقربهم الى السلطان (وهي نشأت تبعا للخالدي على عهد الدولة الجركسية)  ورأس نوبة النوب ، امير سلاح كبير ، امير مجلس ، امير آخور كبير ، الدوادار الكبير ، المشير ( نشأت ايضا على عهد دولة الجراكسة ) الوزير ، حاجب الحجاب ، الاستادار ، ونواب النيابات على حد سواء في مصر وبلاد الشام وكان اعظمهم نائب الشام [72]0وكان نواب السلطان في النيابات يحكمونها اداريا وامنيا وكأنهم سلاطين مصغرين ، وعليهم جمع الاجناد في نياباتهم ولا سيما اجناد الحلقة أكان من ابناء البلاد المحليين او التابعين لاجناد الحلقة الاساسيين النظاميين والخروج بهم الى الحرب بأمر السلطان0وهم بذلك يشابهون الى حد بعيد الآلاي بيكي ، ولكنهم يختلفون عنهم جذريا في انهم لا يمنحون الاقطاع عينه مدى الحياة ، اذ كان الاقطاع مرتبط بالوظيفة ، ولا يمكن توريثه بأية طريقة[73]0والتزم المقطعون بعمارة الجسور البلدية بالاشتراك مع الفلاحين[74]0

       اما امراء الطبلخاناه فكانت مهامهم ادارية ايضا وعسكرية ابان الحرب ، وقد تولوا وظائف مشابهة لامراء المئة ولكنها برتبة ادنى ، ولعل ابرزها نائب القلعة في النيابة ، وهو الى حد جاسوس على نائب السلطان في نيابته يجهد لاعلام السلطان بكل تصرفات نائبه خصوصا المتعلقة بالانقلاب عليه[75]

      وعلى هذا كانت الوظائف في الدولة المملوكية لخدمة السلطان اولا ، ولادارة البلاد ثانيا باشرافه ، وما المهام التي تولاها مماليك الامراء الا خدمة لهم ايضا على غرار السلاطين.  وبالتالي فان النظام العسكري المملوكي المرتبط ابدا بالنظام الاقطاعي كان ارستقراطيا بامتياز – ان جاز تعبير اليوم على العصور الماضية _ ذلك ان الاقطاعات الوفيرة التي حازها امراء المئة ، والطبلخاناه ، وصولا الى امير عشرة لم تمنح لهم الا ليعتاش منها الامير ويعيل اجناده [76]، علما ان هؤلاء الاجناد ما كانوا يشاركون بالحملات العسكرية ، التي انحصر القتال فيها بالمماليك السلطانية وباجناد الحلقة0[77]اذا كانت مهام امراء المماليك خصوصا الكبار ادارية بالدرجة الاولى، وعسكرية قيادية من جهة ثانية، وامنية من جهة ثالثة بحيث كان يتوجب عليهم استتباب الامن في اقطاعاتهم. من هنا يتمايز الاقطاع العثماني بوضوح عن نظيره المملوكي بحيث كان على القادة في الاول جمع الجنود السباهية والسير بهم الى الحرب ، في حين ان في الثاني كان يقود الامير فيه الجنود التي خولهم له النظام العسكري0

      اما التشابه الواضح بين النظامين فينحصر باجناد الحلقة الذين تألفوا من ابناء المماليك على اختلاف مستوياتهم[78]وهم معروفون باولاد الناس ، ومن ابناء البلاد خصوصا العربان ، وممن اسندت اليهم مهام جهادية كالتنوخيين والعسافيين وبني سيفا في لبنان وغيرهم ، ومن القرانصة ( مماليك السلاطين المتوفين ) بعد ان ينشئ السلطان مماليكه الاجلاب0[79]كان هؤلاء قلب الجيش المملوكي يأتمرون بالسلطان من دون ان يكونوا ملكا له[80]ويشكلون ثلث الجيش المملوكي[81] ، وبلغت حصصهم الاقطاعية في بداية العهد المملوكي 10/24 قيراطا وتراوح نصيب الجندي الواحد بين قرية ونصف قرية [82]0وفي الروك الحسامي 1298 بلغت حصتهم مع الامراء 11/24 قيراطا[83]، وفي الروك الناصري 1313 – 1315م اصبحت حصتهم مع الامراء ايضا 14/24 قيراطا وبلغ مقدار اقطاع جندي الحلقة بوجه عام 250 دينارا جيشيا[84]0وانتظموا بالحرب بقيادة مقدميهم الي كان يبلغ مقدار اقطاع المقدم الواحد ألف وخمس مئة دينار جيشي[85]0ولم تكن لهم ولا لمقدميهم مهام ابان السلم سوى الاهتمام باقطاعاتهم0

     وهكذا نلاحظ بدقة التشابه بينهم وبين السباهية من حيث الحصول على الاقطاعات ، من دون ان يكون للماليك حق توريث اقطاعاتهم ، ومن حيث المهام الحربية0

    لن ندخل في دراسة المماليك السلطانية لانهم يشابهون الى حد ” ال يني جيري “

 ثانيا الاقطاع المدني : سار الاقطاع العثماني المدني جنبا الى جنب مع الاقطاع العسكري اذ وزعت الاراضي في مطلع العهد العثماني غير ذات الصفة الحربية على امناء مدنيين تقاضوا رواتبهم من خزينة الدولة ، وجبوا الضرائب المفروضة على كل ناحية[86]0وسرعان ما تسابق الموظفون العسكريون على هذه الوظائف المربحة ، فغدا الامناء ومساعدوهم من العسكريين حتى بات الامناء شبيهين الى حد بعيد بالسباهية ، لا بل يصعب التمييز بينهم[87] ما اضر بالمصالح كلها : خزانة الدولة ، طاقة الفلاحين ، واستغلال الارض على السواء0وادركت الدولة فشل هؤلاء الامناء ، ورأبا للصدع وعدم تفاقم الامور ، ألغت عام 1524م نظام الامانة واحلت مكانه نظام الالتزام ومؤداه ان تعهد الدولة الى شخص نافذ او ثري جباية الضرائب المفروضة على الفلاحين في قرية او اكثر لمدة سنة واحدة فقط على ان يؤدي الى خزانة الدولة ، وقبل مباشرة مهامه ، مبلغا من المال يساوي قيمة ضريبة سنة كاملة على الالتزام[88]، على ان تعرض الاراضي بالمزاد العلني ، ويرسو الالتزام على من يدفع السعر الاعلى[89]

     ويمكننا اعتبار الالتزام نظاما قائما بذاته ، فهو يحدد من حيث المبدأ صلاحيات وواجبات الملتزم ومساعديه ، وحقوق وواجبات الفلاحين ، بحيث توجب على الملتزم الحصول على ثلاث مستندات : التمكين ، وفاميك  Vahmik وتقسيط الالتزام ، وحق للفلاحين بالحصول على ورقة الميرة التي تحدد لهم مقدار الميرة المتوجبة عليهم[90]0

     وما كان الملتزمون متجانسين من حيث عملهم العام ، فبعضهم من رجال الحامية العسكرية ، وبعضهم الآخر من الضباط العثمانيين المتقاعدين ، وفريق ثالث من رجال الدين ، وفريق رابع من مياسير التجار ، كما حصلت بعض السيدات على الالتزام ايضا[91]0

  2 التشابه مع الاقطاع الفاطمي: لم يكن هذا النظام جديدا كليا عند العثمانيي فهو اثر في العهد الفاطمي بحيث كانت تحصل الضرائب اما مباشرة او عن طريق الضمان[92]، يتعهد بموجبه الضامن دفع كامل المبلغ المتفق عليه سنويا ، ويكون عادة اقل مما يحصله الضامن كي يبقى له ربح معين[93]، ويلزم الضامن بتسديد كامل المبلغ حتى وان جاء متحصل الضرائب اقل من المتفق عليه [94]0ويبدو من خلال المصادر الفاطمية ان هذا النوع من الضمان لم يشمل الاراضي فقط ، بل شمل ايضا الدكاكين ( الرباع ) ، والمساكن ، والحمامات ، والمساكن ، والقياسر[95] 0وكان الضامنون من الاثرياء ” الذين جمعوا ثرواتهم في حقول اخرى من النشاط الاقتصادي ولديهم القدرة على الوفاء بمثل هذه الالتزامات الكبيرة “[96]0وكانت الالتزامات تجرى بالمزاد العلني ، ويرسو الالتزام على من يدفع المبلغ الاعلى[97]، ولم يكن الملتزم بالضرورة من ابناء الناحية على جري العادة ، بل فتح المجال امام من يرغب شرط ان يكون قادرا على الايفاء بالشروط ، فتسابق موظفو الحكومة وقادة الجيش على هذا العمل المربح[98]0وبمرور الزمن صار بمقدور الملتزم توريث التزامه وتحولت بذلك الناحية الى اقطاع[99]0وندرك من خلال ذلك ان نظام الالتزام او المالكان العثماني متجذر في القدم ، وبالتالي لم تفرزه العقلية العثمانية ، على الرغم من قضائها على دولة المماليك ، وقد اعتبرت ان من ابرز اسباب حربها عليها سوء معاملة المماليك للفلاحين0خصوصا ان العثمانيين لم يتعظوا من المساوئ التي مني بها النظام الاقطاع المملوكي ، ومن قبله الايوبي وبخاصة الفاطمي الذي اعطي فيه الالتزام مدى حياة الملتزم وتوريثه0ذلك ان العثمانيين عادوا عام 1692 _ وان كان هذا التاريخ بعيدا نسبيا عن الفترة المدروسة في هذا البحث – فاصدروا قانون المالكان واعطي بموجبه الالتزام مدى حياة الملتزم ، واطلقت يده في نقل ملكيته عن طريق البيع شرط موافقة الدولة – طبعا كانت الموافقة مشروطة بالحلوان ( البرطيل ) – [100] ، وحق له توريثه ايضا لاولاده على ان يكونوا قادرين على الوفاء بالالتزام ، وبعد ان يقدموا طلبا الى ديوان الرزناماه للحصول على تمكين جديد ، ودفع مال المصالحة ( الحلوان )[101]0

  3- الجهاز الاداري للملتزم ومصير الالتزام : كان للملتزم جهاز اداري مكون من مساعديه في الالتزام ،[102]  مثل شيخ البلد ، والمباشر ، و المشد ، والشاهد ، والصراف ، والمساح[103]-وموظفيه في ارض الوسية كانوا جميعهم معهودين منذ العهد الفاطمي- وقد توضحت مهامهم اكثر في العهد المملوكي بحيث اورد النويري اسماءهم جميعهم وحدد مسؤولياتهم مثل:شيخ البلد والخولي والشاهد والمباشر…[104] فغدا الحاكم المطلق ، وتسلط على مساعديه وموظفيه والفلاحين ، بل حل مكان الدولة من حيث مسؤولياتها الاجتماعية والاقتصادية والقضائية والامنية ما يؤشر دليل تخلف خصوصا ان الانظمة الفيودالية (الاقطاعية) في الغرب كانت اندثرت او في طريق الانحلال الكامل وكانت الدولة العثمانية على اتصال مباشر بكل ما يحصل في اوروبا0

    وكان الملتزم يترك وصية تحدد حق من يفيد من المالكان بعد وفاته ، لان بلاد الاموات كانت تلزم مجددا بالمزاد العلني اذا لم تتوفر الوصية على ان تكون الافضلية لاولاده شرط ان يكونوا قادرين الوفاء بالشروط المالية ، ومنها دفع مال المصالحة للوالي وكان يساوي ثلاثة اضعاف قيمة الدخل السنوي للملتزم المتوفي ، كما عمد بعض الملتزمين الى توريثه الى من شاءوا[105]0

    4- اوضاع الفلاحين في ظل الاقطاعين المملوكي والعثماني: كانت كثرة المغارم على الفلاح في العهد المملوكي شديدة الوطأة، من حيث التزاماته المتعددة تجاه اولي الامر من العساكر على اختلاف مستوياتهم ، او من حيث فرض نظام المسؤولية المشتركة على اهل القرية الواحدة بما يترتب عليهم من اموال[106]، اضافة الى  قيام الفلاح باعمال السخرة من دون وجه حق[107]، فضلا عن عسف المقطعين بجباية الضرائب0[108] ناهيك عن الزامه بفلاحة الارض قسرا ، ومنعه من مغادرتها تحت طائلة مسؤولية رده ومعاقتبه[109]، والزامه تقديم الهدايا الى اصحاب الاقطاعات الى جانب دفعه الخراج.ان كل ذلك حول الفلاح الى شبه قن، وبات وضعه يتعارض كليا مع نظرة الاسلام الى الارض والانسان.

   اما وضع الفلاح في العهد العثماني فلربما كان اشد سوءا0ويرى جب وبوين ان غالبية سكان القرى كانوا من المالكين الفعليين للارض – على الرغم من شكنا بهذه المقولة_ ولهم حرية التصرف بها كيف شاءوا0وعلى الرغم من ذلك ارتبط الفلاح بالملتزم بصورة غير مباشرة ، وتوجب عليه اداء ضريبة له كون الارض غدت بموجب قانون الالتزام هبة من السلطان للملتزم ، وتوجب على الاخير ابقاء الارض بيد الفلاح ما دام يؤدي الضرائب المفروضة عليها ، واذا عجز حق للملتزم نقل ملكلية هذه الارض الى فلاح آخر[110]0لقد ارتبط الفلاحون بالارض بموجب قانون ناماه الذي شرع على عهد السلطان سلميان القانوني( 1520 – 1566 ) وهو اعتبر ان بوار الاراضي ناتج عن خطأ الفلاحين الذين هجروها ، وفرض على حكام المقاطعات ومساعديهم اعادتهم قسرا اليها ومعاقبتهم والزامهم بزراعتها ، وظل هذا القانون نافذا حتى عهد الاصلاحات العثمانية في القرن التاسع عشر[111]0ومن الواضح ان القانون المذكور يتنافى والشريعة الاسلامية الذي تنص ، كما اسلفنا في مطلع هذا البحث ، اذا بارت الارض ثلاث سنوات تنقل ملكيتها ، ما يدفعنا للاعتقاد ان المصلحة الذاتية العثمانية كانت تسمو على أي عرف او قانون لا بل على كل الشرائع0

     وتميزت العلاقة المادية بين الملتزم والفلاح بالقساوة والتسلط ، فعلى الرغم من ان الضريبة كانت محددة بالميرة فان الملتزم لم يعدم وسيلة لزيادتها من دون مبرر قانوني ، اذ كان يتهم الفلاح احيانا بنقص المحصول ، او بسرقته[112]0هذا ناهيك عن ان الملتزم كان يرسل مساعديه الى الارياف لينهبوا محاصيل الفلاحين وماشيتهم ، ويقتحمون بيوتهم للسطو على ما ادخروا من مال على قلته0واذا ما اضفنا الى كل ذلك تعرض الفلاحين للاوبئة ، ندرك الاسباب التي دفعت الفلاحين لهجرة اراضيهم والالتجاء الى المدن[113]0وتوجت هذه العلائق المهينة باساءتين : اعمال السخرة التي لا مندوحة من تنفيذها ولا سيما بارض الوسية او الوصية ، وفوائد المرابين الذين كانوا يكفلون الفلاحين عن طريق رهن محاصيلهم وعسفهم بالحصول على اموالهم[114]0وقد يعبر رأي المؤرخ التركي خليل اينالجيق اصدق تعبير عن معاناة الفلاحين وسؤ تصرف الدولة العثمانية بقوله :” اصبح الفلاح في ظل اصحاب الاراضي الجدد اسوأ حالا مما كان في أي وقت مضى ، فلم يعد عليه في نظام المقاطعة ( الالتزام ) ان يدفع الضرائب العادية المستحقة للدولة فحسب ، بل كان عليه ان يدفع لصاحب الارض فرائض قررها العرف ، واذا ادخلنا في اعتبارنا ضعف الحكومة المركزية امكننا ان نتصور دون مشقة ذلك الموقف الجائر الذي كان يتخذه اولئك الملاك الجدد “[115]0

       ونخلص الى ان المعاملة التي قاساها الفلاح في العهد العثماني ضاهت بسوئها مثيلتها في العصور الوسطى وربما فاقتها ،  من حيث اعتبر معينا ماليا لا ينضب ، وخادما امينا لا يعرف معنى الثورة ، واذا تجرأ وفعل سحق ، وما ادرك يوما ان هناك سلطة تفوق تسلط سيده الاقطاعي ( الملتزم ) ، او ان حكومة قائمة ترعى شؤونه ومصالحه في حدها الادنى ، وتشعر باناته ومعاناته0ولا الدولة ادركت ان لها رعايا يفترض بها رعايتهم ليظلوا منتجين0

الخاتمة  وبعد هذا التحليل والمقارنات بين الانظمة الاقطاعية في العصور الوسطى والاقطاع العثماني في بعض مظاهره _ لاننا لا يمكننا الاحاطة بكل انماط الاقطاع العثماني لتباينها ، وبين الرومللي والبلاد الاسيوية ، بين منطقة واخرى التي تحكمت فيها خصوصيات المحلية – نجد هناك من يدعي ان الدولة العثمانية حكمت البلاد العربية وغيرها من منطلق الفكر الاسلامي ، وحدود الشريعة الاسلامية على الرغم من انها خنقت هذا الفكر ، ولم تدعه ينفلت من جمود التقليد الى الابداع0ورفضت الهيئة الاسلامية برئاسة مفتي اسطنبول او شيخ الاسلام كل نوع من مناهج الاصلاح ، ليس تمسكا بحدود الشرع الاسلامي ، الذي طالما خرقته ، وهو ايضا براء من كل تلك الادعاآت ، بل من اجل الحفاظ على مصالحها الذاتية والاقتصادية[116]0وقد يكون هذا الامر دفع بالمستشرقين جب وبوين الى اعتبار ان المجتمعات الاسلامية في العصر الحديث تميزت برعاية التقاليد الموروثة والحفاظ عليها ، واعطائها ابعادا دينية بما تسبغه عليها من قوانين شبه دينية0واعتبرا من جهة ثانية ان سمة هذه المجتمعات معادات كل انواع واشكال التغيير ما ادى الى خنق روح المبادرة الفردية الخلاقة ، والمبادرة الجماعية ، والى رفض أي نوع من انواع الابتكار[117]0طبعا نحن لا نقر هذا التعميم ، على الاقل لانه ساقط منهجا ، ولان المستشرق مهما بلغ اتقانه اللغة العربية او العثمانية لا يمكنه فهم روحية المجتمع ، ولا اراءه العامة الناتجة عن ترسبات متراكمة0وقد يكون نقده للحكومات مقبولا لو لم يعممه على كل المجتمعات الاسلامية0

    كما اننا نجد في قول المستشرقين ما يبرره ولكن ليس من منطلق ديني بحت ، لان لا دور للدين في كل ذلك، بل الدور الرئيس يتمثل بذهنية الدولة العثمانية التي رسمت حدود علاقتها بالشعب في القرى بالملتزمين ، والسباهية على اختلاف درجاتهم ، وفي المدن – وان كان موضوع الادارة العثمانية ككل خارج عن اطار هذا البحث – بالولاة وجهازهم الاداري0وجسدت هذه العلاقة باستخلاص الضرائب من دون اعتماد الوسيلة الانجع للدولة والشعب معا0ناهيك عن انها فرضت على الشعب الولاء المطلق من دون السماح باي احتجاج ، لان الشكوى كانت تمر باستمرا بالوالي0من هنا كان أي احتجاج مهم او أي تذمر شديد اللهجة مصيره القمع والسحق0فقد حكمت بذهنية العصور الوسطى.

      النتائج العامة : لقد نشأ النظام الاقطاع العسكري في الاسلام في العهد العباسي الثاني (النفوذ التركي ) ما يعكس نمط تفكير الاتراك على دفع رواتب الجيش متأثرين بانماط اقطاعية بدائية في بلادهم ، وتوسع مع البويهيين الديالمة في الذهنية عينها0ونشأ النظام الاقطاعي العسكري الاداري في عصر نفوذ السلاجقة ، وقد قامت الدولة العثمانية في كنفهم ولا سيما دولة سلاجقة الروم ، وبالتالي قد يكون انتقل اليهم النمط الاقطاعي السلجوقي0 فكان نظام السباهية الذي اعتمد الاوقجة كوحدة نقدية اساسية لتوزيع الاقطاعات ، وهو ، على هذا الصعيد ، يشابه النظام الاقطاعي العسكري المملوكي ، الذي اتخذ من الدينار الجيشي مقياسا للاقطاعات0كما يتشابه مع النظام عينه التراتب العسكري والاداري المملوكيين0

     وهكذا تكون الدولة العثمانية خرجت منذ قيامها على مفهوم الاقطاع في الاسلام ، وبدلا من ان تطوره عادت فيه القهقرة ما ادى الى تظلم الفلاحين ، الذين باتوا ، في ظله ، اشبه بالاقنان ، ما يتنافى كليا مع نظرة الاسلام الى الارض والانسان0

     لقد تمكنت الدولة العثمانية منذ اواسط القرن الخامس عشر من تهديد الدول الاوروبية ، التي كانت تشهد انحلالا في الانظمة الاقطاعية لصالح الكومونات ، وتطور المدن والعناية بالانظمة الزراعية المبنية على الملكية الفردية المتفلتة الى حد من سيطرة الاقطاعيين0ولكنها لم تتأثر بموجة التحديث تلك ، وتركت الملتزمين يحكمون باسمها ، ويمارسون مختلف انواع الاساليب الملتوية لزيادة ارباحهم ، من دون النظر الى وضع الفلاحين الآخذ بالتفاقم0

        لقد حكمت الدولة العثمانية الولايات العربية ، في ظل نظامي الالتزام والولاية ، بذهنية العصور الوسطى0ولم تحاول اختراق جدار التطور ، بل ظلت انماطها الاقطاعية ، التي اجري عليها تعديلات مختلفة ، ملتزمة الى حد اطر النظم الاقطاعية في العصور الوسطى0فتعطلت عجلة الانتاج نسبيا ، ولم تتطور وسائله التي استمرت تكرار لما كانت عليه في العصور الغابرة0

                           الدكتور انطوان ضومط استاذ التاريخ العربي والاسلامي في الجامعة اللبنانية


[1] – ابن تغري بردي، ( جمال الدين ابو المحاسن)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، طبعة دار الكتب المصرية، القاهرة 1930-1956 ، ج12، ص 217 وما  بعد

[2] – ضومط( انطوان)، المماليك والعثمانيون، مكتبة حبيب، الزوق لبنان، 1995، ص 72

[3] لم تكن نسبة الخراج واحدة ، لمزيد من الاطلاع انظر : ابو يوسف ( يعقوب بن ابراهيم ) كتاب الخراج ، دار المعرفة ، بيروت ، 1979 ، ص 41 ، 68 ، 69

– والبلاذري  (احمد بن يحي ) ، فتوح البلدان ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1978 ، ص 31-33 ، 36 ، 42-44 ، 47-48 ، 89-90 ،

  • ابن سلام ، ( ابو عبيد القاسم ) ، الاموال ، مؤسسة ناصر الثقافية ، بيروت ، 1981 ، ص 7 ، 8 ، 56 ،
  • ابن هشام ، السيرة النبوية ، دار الكنوز الادبية ، بيروت ، دون تاريخ ، ج2 ، ص 49

[4] اجتهد بعض الفقهاء في شروط استصلاح الاراضي ومدة بقائها بيد اصحابها ، ابو يوسف ، الخراج ، ص 24

– وابن تغري بردي ، ( جمال الدين ابو المحاسن ) ، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، القاهرة ، طبعة دار الكتب ، 1930 – 1956 ، ج2 ، ص 233 –244

[6] -منع الرسول اقطاع المراعي ، بوجه عام ، وما سمح به كان مشروطا :” لا يأكلون علافها ويرعون فيها ، وقال ايضا :”المسلمون شركاء في ثلاث : الماء والكلاء والنار ، انظر الماوردي ( علي بن محمد بن حبيب ) ، الاحكام السلطانية ، القاهرة ، 1966 ، ط2 ، ص 176- 178

[7] – ويقسم اقطاع التمليك الى موات وعامر ، والثاني هو ضربان : احدهما ما يتعين مالكه ولا نظر للسلطان فيه الا بتلك الارض في حق لبيت المال اذا كانت في دار الاسلام ، الماوردي ، الاحكام السلطانية ، ص 188

[8] – ” يمكن اقطاع ارض موات لم يثبت صاحبها ، وان كانت الارض جاهلية جاز اقطاعها وتمليكها، وان كانت اسلامية وبارت لا تملك عرف صاحبها ام لم يعرف0اما الارض العامرة فلا يمكن تمليكهاسواء أكانت لذمي ام مسلم في حال عرف مالكها0وان لم يعرف تصبح ملكا لبيت مال المسلمين ووقفا مؤبدا ويحق للخليفة او السلطان اقطاعها لاي كان0اما اقطاع الاستغلال فهو جزية او اجر ، فالجزية لا يجوز اقطاع الارض لاكثر من سنة فصاحبها قد يسلم فتسقط الجزية عنه0وان كان اجرا جاز اقطاع الارض لسنين عديدة ” القلقشندي ( احمد بن علي )، صبح الاعشى في صناعة الانشاء ، مطبعة دار الكتب ، القاهرة ، 1913 ، ج13 ، ص 110 ، 113-114 ، 116 ، 117        

[9] – في هذه الفترة عمت المصادرات ، وظهر الاقطاع شبه الاداري 0انظر مسكويه ( احمد بن محمد ) ، تجارب الامم ، مطبعة التمدن ، القاهرة ، 1914 ، ج1 ، ص 43 ، 217

 وابن الاثير ( عز الدين ) ، الكامل في التاريخ ، دار صادر ، بيروت ، 1979 ، ج8 ، ص 110 وغيرها كثير0

[10] – نذكر من هذه الدويلات : الطاهرية ( 265- 292 / 820 – 872 ) ، الصفارية ( 254 – 290 / 867 – 903 ) ، الطولونية ( 254 – 292 / 868 – 905 ) الاخشيدية ( 323 – 358 / 935 – 969 )0

[11] – الحمدانية ( 929 – 1001 ) ودولة القرامطة ، والزيادية في اليمن ودويلات اخرى متعددة في شمالي افريقيا : الادارسة ، الرستمية ، المدرارية ، وبنو الاغلب …

[12] – ابن طباطبا ( محمد بن علي ) ، الفخري في الآداب السلطانية والدول الاسلامية ، مصر ، 1939 ، ص 220

[13] – مسكويه ، تجارب ، ج1 ، ص 43 ، 217

  • وابن الاثير ، الكامل ، ج8 ، ص 110
  •  ولمزيد من الاطلاع ، راجع : سعد ( فهمي عبد الرزاق ) ، العامة في بغداد ، الاهلية للنشر والتوزيع ، بيروت ، 1983 ، ص 33 ، 34 ، 37

[14] – مسكويه ، تجارب ، ج1 ، ص 8 ، 200 ، 201

  • و الصابئ ( الهلال بن محسن ) ، الوزراء ، دار احياء الكتب العربية ، القاهرة ، 1958 ، ص 13 – 14
  •  وسعد ،  العامة ، 33 ، 34 ، 37 

[15] – سعد ، المرحع السابق ، ص 36 -37

[16] – لمزيد من الاطلاع ، انظر : ضومط ( انطوان ) ، ملامح من الاقطاع العسكري في العصور الوسطى ، مجلة المسرة ، المطبعة البولسية ، جونيه ، 1985 ، العددان ، 719 –720 ، ص 724 – 725

[17] – مسكويه ، ج2 ، ص 173 –175 ، وسعد ، العامة ، ص 39 -40

[18] – لمزيد من الاطلاع ، انظر : ضومط ، ملامح ، ص 725 – 728

[19] – لمزيد من الاطلاع ، انظر هف ( توبي ) ، فجر العلم الحديث ، الاسلامالصين – الغرب ، ترجمة محمد عصفور ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، 2000 ، رقم 260 ، ص 144 وما بعد

[20]– Grawitz , M, Mèthodes des sciences sociales , Dalloz , 10 eme èdition , Paris , 1996 , pp 28-30

[21] – لمزيد من التفاصيل انظر: هرشلاغ ، مدخل الى التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الاوسط ، نقله الى العربية مصطفى الحسيني ، مكتبة العالم الثالث ، دار الحقيقة ، بيروت ، 1973 ، ص 54 – 55

[22] – Afetinan, Aperçu général sur l’histoire économique de l’empire Turc-Ottoman,Publications de la société d’histoire Turque,sérieVIII-No.6a, Ankara, 1916, p.24.

[23]  -ibid p 24

[24] – ibid p24

[25] – هرشلاغ ، المرجع السابق ، ص 54 –55

[26] – لمزيد من الاطلاع على الاوقاف وانواعها راجع : كرد علي ( محمد ) ، خطط الشام ، دار العلم للملايين ، بيروت ، 1983 ، ج5 ، ص 112 – 115

[27] – ضومط ( انطوان ) ، المماليك والعثمانيون وعهد السلطان سليم الاول ، مكتبة حبيب ، زوق مصبح ، لبنان ، 1995 ، ص 69 – 71

[28] – جب وبوين ، المجتمع الاسلامي ، ص 92

[29] – هرشلاغ ، مدخل الى التاريخ الاقتصادي ، ص 18

[30] – المرجع السابق ، ص 93

  • هرشلاغ ، المرجع السابق ، ص 18
  •  الشناوي ( عبد العزيز محمد ) ، الدولة العثمانية دولة اسلامية مفترى عليها ، مكتبة الانكلو المصرية ، القاهرة ، 1980 ، ج1 ، ص 130 – 131

[31] – جب وبوين ، المجتمع ، ص 94

[32] – Afetinan, op.cit. p 45

[33] – هرشلاغ ، مدخل الى التاريخ الاقتصادي ، ص 18

[34] – مسكويه ، تجارب ، ج2 ، ص 97 –98

[35] – لمزيد من الاطلاع على نظام الاتابكبة ، انظر : ابن الاثير ، الكامل ، ج10 ، ص 29 –30

  • والاصفهاني ، ( الفتح بن علي البنداري ، دولة آل سلجوق ، مصر ، 1318 هجري ، ص 55 –57
  •  القلقشندي ، صبح ، ج4 ، ص 18

[36] – ابن الاثير ، الكامل ، ج4 ، ص 29 – 30 ابو شامة ( شهاب الدين عبد الرحمن الدمشقي ) ، كتاب الروضتين في اخبار الدولتين النورية والصلاحية ، القاهرة ، 1278 هجرية ، ج1 ، ص 26

[37] – الاصفهاني ، دولة آل سلجوق ، ص 55 ،

[38] – الامثلة كثيرة على توزيع الاقطاعات على الاتابكة ، انظر : ابو شامة ، الروضتين ، ج1 ، ص 25 ، 35 ، 125

[39] – الاصفهاني ، آل سلجوق ، ص 55 – 57

[40] – ضومط ، ملامح ، ص 730

[41] – المكان عينه

[42] – هرشلاغ ، مدخل ، ص 19

[43] –  Afetinan , op. cit. p 45

[44] – ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج11، ص260 ، والقلقشندي، صبح الاعشى، ج3، ص448، وج12 ، ص219

[45] – BIBB , H , and BOWEN , H , Islamic society and the west , a study of the impact of western civilization on moslem culture in the near east, Oxford University press , 1962, vol I , p 247

– الشناوي ، ج1 ، ص 132

[46] – Gibb and Bowen , op. cit . V I , part I ,  p. 49

– ويعتبران ان الاوقجة نقد فضي عثماني لم تكن له قيمة ثابتة ، في حين يرى الفريق اول محمد شوكت انها كانت تساوي ثلث درهم من الفضة ، ومن ثم بعد ان دخل الغش الى النقود العثمانية قلت قيمتها ولم تعد ثابتة ، انظر : شوكت ( محمد ) ، التشكيلات والازياء العثمانية ، ترجمه عن التركية يوسف نعيسة ومحمود عامر ، دار طلاس ، دمشق ، 1988 ، ص 64

[47] – جب وبوين ، ج1 ، ص 95 ، 97

[48] – جب وبوين ، المجتمع الاسلامي ، ج1 ، ص97 ، وهما يريان ان عدد الجنود المفروضة على الزعيم هي فقط 18 جنديا ، في يرى الشناوي ان العدد هو عشرين ، الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص132

[49] – الشناوي ، ج1 ، ص 133

[50] – Bibb , and Bowen , v I , part I , p 49

[51] – الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص 134

[52] – الشناوي ، المرجع السابق ، ج1 ، ص 134

-Afetinan, op. cit p 45

[53] – الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص 135 – 136

[54] – Afetinan , op. cit. p 45

[55] – المقريزي ( نقي الدين احمد ) ، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ، دار صادر ، بيروت ، دون تاريخ ، ج1 ، ص 87

– ابن اياس ( محمد بن احمد ) ، بدائع الزهور في وقائع الدهور ، بولاق ، 1311 ه ،  -ج1 ، ص 137

[56] – العمري ( شهاب الدين احمد بن فضل الله ) ، مسالك الابصار في ممالك الامصار ، تحقيق دوروتيا كرافولسكي ، المركز الاسلامي المركزالاسلامي للبحوث ، ط1 ، بيروت ، 1986 ، ص 94 ،

  • القلقشندي ، صبح ، ج3 ، ص 458
  •  المقريزي خطط ، ج1 ، ص 90

[57] – المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 87

– بولتاك ، ( أ. ن . ) ، الاقطاعية في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان ، نقله الى العربية ، عاطف كرم ، منشورات وزارة التربية الوطنية والفنون الجميلة ، مطابع نصار ، بيروت ، 1949 ، ص 74 – 75

[58] – خطط ، ج1 ، ص 90

– بولياك ، الاقطاعية ، ص 75 – 76

[59] – القلقشندي ، صبح ، ج4 ، ص 14

– الظاهري ، زبدة ، ص 113

[60] – القلقشندي ، صبح ، ج4 ، ص 14

  • خطط ، ج1 ، ص 215
  •  الظاهري ، زبدة ، ص 113

[61] – الاماكن عينها

[62] – لم يكن الدينار الجيشي نقدا متداولا بل مقياسا اقطاعيا ، كما لم تكن له قيمة ثابتة ، فتراوحت قيمته عام 1315 بين سبعة وعشرة دراهم ، ثم ارتفعت الى 13 درهما عام 1377 ، وفيما بعد فقد قيمته وصار مقياسا حسابيا لمدخول الاقطاعات بالتخمين انظر : العمري ، مسالك ، 61

– ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 112 –113

[63] – العمري ، مسالك ، ص 94

  • القلقشندي ، ج4 ، ص 50

– خطط ، ج2 ، ص 215 – 216

[64] – القلقشندي ، صبح ، ج3 ، ص68

[65] – ضومط( انطوان)، الدولة المملوكية، ص 148 – 150

[66] – جب وبوين ، ج1 ، ص 188 –189

[67] – جب وبوين ، ج1 ، ص 98 ، 189

[68] – المرجع السابق ، ج1 ، ص 188

[69] – جب وبوين ، المجتمع ، ج! ، ص 98

[70] – المكان عينه

[71] – ابو شامة ، ( عبد الرحمن بن اسماعيل الدمشقي ) ، مختصر كتاب الروضتين في اخبار الدولتين النورية والصلاحية ، دار الاندلس الخضراء ، جدة ، المملكة العربية السعودية ، 1997 ، ص 84 ، 88

[72] – العمري ، مسالك ، ص 65 ، 96 ،

  • القلقشندي ، ج4 ، 16 – 18
  •  المقريزي  ،  خطط ،  ص 222 ، 225
  • الظاهري ، زبدة ، 114

– الخالدي ( عبد الله بن عبد الله بن لطف الله ) ، المقصد الرفيع المنشا الهادي الى صناعة الانشا ، اطروحة دكتوراه غير منشورة اعدها خليل شحادة جامعة القديس يوسف ، بيروت ، 1988 ، ص 241 – 245

[73] – القلقشندي ، ج3 ، ص 488

– الطرخان ( ابراهيم علي ) ، النظم الاقطاعية في الشرق الاوسط في العصور الوسطى ، دار الكتاب العربي ، القاهرة ، 1968 ، ص 198 – 199

  • Ayalon David, “Studies on the structure of the Mamlouk Army”, Bulletin of the School of Oriental and African Studies, 15/2&16/1 (London 1953-1954) pp.203-228, 448-476, 57-90 , T 15/2 , p 459 – 460
  • Demombyne , M. G , La Syrie a l’epoque des mamlouques d’apres les auteurs arabes , Paris , 1923 , p 139

[74]–  الطرخان ، النظم ،  ص 86

[75] – القلقشندي ، ج4 ، ص 184

 –  الخالدي ، المصدر السابق ، ص 245 – 246

[76] – Ayalon , op. cit. P 459

  • Demombine , op. cit, p 139
  • –           ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 118

[77] – القلقشندي ، ج3 ، 15

[78] – العمري ، مسالك ، ص 61

[79] – ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 57

[80] – بولياك ، الاقطاعية ، ص 17

[81] – العمري ، مسالك ، ص 61

– المقريزي ، خطط ، ج2 ، ص 219

[82] – القلقشندي ، ج4 ، ص 50

  • ابن تغري بردي ، نجوم ، ج8 ، ص 52
  •  المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 87 – 90

[83] – الامكنة عينها

[84] – القلقشندي ، ج4 ، ص 50

– المقريزي ، خطط ، ج2 ، ص 215

[85] – العمري ، مسالك ، ص 66

– القلقشندي ، ج4 ، ص 50

[86] – الدوري ( عبد العزيز ) ، مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي ، دار الطليعة ، بيروت ، 1978 ، ص 114

[87] – جب وبوين ، ج1 ، ص 294

[88] – الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص 147

[89] – Shaw Stanford , Landholding , op. cit. 95

[90] – كان يذكر في تقسيط الالتزام مال الميرة المتوجب دفعه ، واسم القرية او القرى الملزمة ، وعدد قراريطها ، ومساحة هذه القراريط ، لان القيراط كانت وحدة سهمية مبنية على التخمين ، ويحدد في التمكين مال الميرة ، اما الفاميك ، فهو عبارة عن مستند من الدولة الى الفلاحين يعلمهم انهم صاروا في عهدة الملتزم الجديد0انظر : الشناوي ، ج1 ، 147 

[91] – Shaw Stanford , J ,Landholding &land-tax revenues in ottoman Egypt . in “ Political & Social Changes in Modern Egypt.Historical Studies the Ottoman Conquest to the Unitd Arabs Republics : edited by P. M.Holt , London 1969 , p 96

[92] – Cahen, Cl , EI2 , article , Bayt al-Mal , tI , p 1178

[93] – السيد ( ايمن فؤاد ) ، الدولة الفاطمية في مصر ، الدار المصرية اللبنانية ، القاهرة ، ط2 ، 2000 ، ص 514

[94] – ابن ميسر ( محمد بن علي بن يوسف ) ، اخبار مصر – المنتقى من ، تحقيق ايمن فؤاد السيد ، المعهد العلمي الفرنسي ، القاهرة ، 1981 ، ص 129

– المقريزي ، اتعاظ الحنفا باخبار الائمة الفاطميين الحنفا ، تحقيق محمد حلمي احمد ، القاهرة ، 1996 ، ج3 ، ص 164

[95]  المقريزي ، خطط ، ج1 ، ص 83

– اتعاظ ، ج3 ، ص 81

[96] – السيد ، مصر ، ص 516

[97] – المقريزي ، خطط ، ج2 ، ص ص 5 –6

[98] – عينه ، ج1 ، 85

[99] – شعبان ( محمد عبد الحي ) ، الدولة العباسية – الفاطميون ، الاهلية للنشر والتوزيع ، بيروت ، 1981 ، ص 238

[100] – جب وبوين ، ج1 ، ص 295

[101] – الشناوي ، الدولة العثمانية ، ج1 ، ص 166

[102] – تقع ارض الوسية في دائرة الالتزام ، وتساوي عشره 1/10 ، ويفيد الملتزم وحده منها ، وقد عين لها موظفين يتقاضون رواتبهم من ماله الخاص مثل الوكيل والخولي والكلاف وغيرهم ، الشناوي ، ج1 ، ص 159 – 160

[103] – Shaw Stanford , J. The financial & administrative organization & development of Ottoman Egypt ( 1517 – 1798 ) , Princeton Univercity Press , Princeton N. J, 1962 , pp. 22 – 25

[104] – لمزيد من الاطلاع، انظر: النويري، نهاية الارب في فنون الادب، دار الكاتب المصري، القاهرة، 1929، ج8، ص 246-248

[105] – جب وبوين ، المجتمع ، ج1 ، ص 295 – 297

[106] – عاشور ( سعيد عبد الفتاح ) ، بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى ، دار الاحدب البحيري ، بيروت ، 1977 ، ص 149

[107] – ابن تغري بردي ، نجوم ، ج9 ، ص 51

[108] – المقريزي ( تقي الدين احمد ) ، اغاثة الامة بكشف الغمة ، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال ، القاهرة ، 1940 ، ص 45 – 47 

[109] – المكان عينه ، وخطط ، ج1 ، ص 138

[110]  – Shaw Stanford , Financial , op. cit. Pp. 20 –21

 – جب وبوين ، ج1 ، ص 294

[111] الدوري ، مقدمة ، ص 122

[112] – Shaw Stanford , Landholding , op. cit. P 100

[113] – ibid

[114] – الشناوي ، ج1 ، ص 157 – 158

[115] – اينالجيق ( خليل ) ، التقافة الاسلامية والحياة المعاصرة ، بحوث ودراسات اسلامية ، جمع محمد خلف الله ، القاهرة ، 1955 ، ص 451

[116] – كانت الهيئة الاسلامية ترعى الاوقاف التي راحت تتزايد تدريجا حتى بلغت في القرن 19م حوالى نصف اراضي الدولة العثمانية

[117] – جب وبوين ، ج1 ، ص 32 –34

مظاهر اجتماعية من دمشق على عهد الدولة المملوكية الثانية 1382-1516

ان دراسة البنى الاجتماعية لدمشق على عهد الدولة المملوكية الثانية 1382-1516 تقتضي الاحاطة بمفهوم التاريخ الاجتماعي وتاليا علاقة علم الاجتماع بالتأريخ للوقوف على المبادئ المنظمة لدراسة البنى الاجتماعية، وتبيان مظاهرها الحضارية.

ومن الواضح ان ماهية الاجتماع الانساني خضعت لمؤثرات المكان والزمان، وللتقاليد والمعتقدات الدينية، وتأثرت بالعنصر البشري وعرقه وغيرهما. والتاريخ الاجتماعي لا يُعنى بدراسة الفرد كنموذج تحليلي للواقع بل بالظواهر الاجتماعية الناجمة عن المجموعات البشرية التي تربط بينها وحدة ثقافية[1]. والوحدة بهذا المعنى تطلق على كل مجموعة محددة تربط بين افرادها صلات ومصالح كالاسرة والقبيلة والقرية واحياء المدن والطائفة الدينية، واهل الحرفة او الصنعة الواحدة، واهل الحكم جميعهم بدءا برأس الهرم وحاشيته نزولا تدريجيا الى اسفل الهرم.

وتختص دراسة كل وحدة اجتماعية بمعايير محددة لمعرفة الظواهر الاجتماعية الضرورية لدراسة التاريخ الاجتماعي لأن المعايير ليست جامدة، بل تختلف من وحدة الى اخرى تبعا لحجمها ولمعيار التراتب الاجتماعي ضمن كل منها. وتمتاز الظاهرة الاجتماعية بانها عامة فهي في الاساس توافق في التفكير والسلوك والشعور والعادات، وتبنى على اساس التقليد الذي لا يلغي التطور، كما ان التطور لا يلغيه.[2] بل هما متلازمان وضروريان لادراك اسباب التحول في المجتمعات. 

وانطلاقا من هذه الاسس نلاحظ: ان المماليك عندما اسسوا سلطنتهم وركزوها بعد ان انتصروا على المغول وصدوا رحفهم المرعب بل ابعدوه واوقفوه عند حدود بلاد الشام، ثم بسطوا سيطرتهم على الاماكن الاسلامية المقدسة، والحجاز عموما، وانهوا الوجود الصليبي في الشرق عام 690/1291 صار لدولتهم موقعا استراتيجيا مهما جدا اذ استوثق الساحل للمسلمين على حد تعبير ابن كثير[3]؛ وبسطوا سلطانهم على ثلاثة بحار اساسية: المتوسط، والاحمر، وبحر العرب المدخل الرئيسي الى المحيط الهندي والشرق الاقصى. وباتوا يسيطرون سياسيا واقتصاديا وعسكريا على كل موانئ الحوض الشرقي للمتوسط باستثناء ميناء اياس الارمني[4]، كما على معظم الموانئ في البحر الاحمر. وادرك المماليك اهمية ما انجزوه وحاولوا استثماره الى اقصى مدى بالسيطرة شبه المطلقة على الشعوب التي خضعت لسلطانهم في مصر وبلاد الشام بعد ان باتوا على الصعيد الديني الحماة الحقيقيين للمسلمين، والحاضنين الفعليين للشرعية الاسلامية الوحيدة بعد ان احي السلطان الظاهر بيبرس عام 659/1261 الخلافة العباسية في مصر.

   على هذا، اتبع المماليك في الحكم نظاما اداريا خاصا بهم شبيه باللامركزية الحالية، فكانت مصر مركز الحكم لاحتضانها  السلطان الذي اقام نوابا عنه في النيابات المتعددة في مصر وبلاد الشام. وساعد لمماليك  في الحكم عدد وافر من الموظفين العسكريين والاداريين معظمهم من المتعممين[5].

ان التركيبين السياسي والاجتماعي المملوكيين المذكورين افرزا عدة مستويات اجتماعية واضحة المعالم، لكل منها ميزاته المحددة بحيث كانت تحكمه ظواهر اجتماعية واضحة من حيث السلوك السياسي ونمط العيش ومستواه الاقتصادي. ذلك ان المماليك لم ينصهروا بالشعوب في مصر وبلاد الشام، واستمر تفاعلهم الاجتماعي مع رعايهم غير ملحوظ، واستغلوا الاقتصاد العام باسوأ الطرق مسخرين الشعب باستغلال الارض.

لم يعنَ المؤرخون في العالم العربي والمستشرقون الغربيون كفاية بدراسة التاريخ الاجتماعي في العصور الوسطى، فقد درس بمقدار ما يتيحه المؤرخ السياسي والعسكري من مساحات اجتماعية ضيقة. وهو استند بشكل رئيسي على دراسة نظم الحكم كما صورتها كتب الادارة، من دون الاخذ بعين الاعتبار الواقع العملي الذي يتباين احيانا مع النظري. وقد صُّور هذا التاريخ على انه دراسة المباني على تنوعها، مع وصف بعض المظاهر الاجتماعية كالحفلات والاعياد وما شابهها، من دون التطرق الى صلب التاريخ الاجتماعي كدراسة الفئات المكونة للمجتمع من حيث علاقة الافراد في ما بينهم ضمن كل وحدة اجتماعية على حدة، وكذلك دراسة السمات التي تشترك فيها الفئات كافة والمسماة في علم الاجتماع الظواهر الاجتماعية.

 ان التاريخ السياسي والعسكري يستطيع تحديد المفاصل التاريخية الاساسية التي اثّرت في تطوّره وفي تحويل مساراته، ولكنه يصعب عليه توضيحها بمعزل عن قراءة متأنية للعوامل الاقتصادية والاجتماعية التي قد تكون احيانا في اصل تلك التحولات بل العامل الاساسي في توجيهها.

   من هنا يعطي معظم المؤرخين اليوم اهمية قصوة للدراسات الاجتماعية الماضوية من اجل اعادة تركيب الماضي بكل ابعاده بما في ذلك التداخل بين السياسة والاجتماع والاقتصاد .”لأن الزمان يكتسب فعاليته ويمر بتحولات طويلة او متقطعة، او يستمر تراتبيا، من خلال الفعاليات البشرية، ومما يعانيه الانسان في مجتمعه وبيئته.”[6]

  ومن بديهيات الامور ان اناس المجتمع يتفرعون الى فئات متميزة من حيث مراكز اقامتهم، والعمل الذي يؤدونه، وانماط العيش التي يمارسونها، ونظم الحكم التي تسوسهم. وتبقى هذه الصفات افقية الرؤية لعجزها عن تأمين آلية دراسة التاريخ الاجتماعي، لان هذه مهمة البنية الاجتماعية[7]، التي عرّفها بعض المؤرخين وعلماء الاجتماع: بانها مجموعة عضوية من التقارير الشديدة التماسك اجتماعيا واقتصاديا ونفسيا في آن واحد، واقل ما يمكن قوله فيها: انها تتكامل في تقليد، وفي نظام خلقي، وهي تحدث اعادات ولا تتجدد، لان الحدث التاريخي هو الذي يُحدث التجديد والابداع، اذ يحوّل بعض البنى ولا يقضي كليا على تماسكها الداخلي .[8]

   على هذا، تصعب كثيرا دراسة التاريخ الاجتماعي في العصور الوسطى في الشرق العربي والاسلامي لافتقار مصادرنا للتقارير الاقتصادية الدقيقة، ولاقتصار الحوليات السياسية على لمحات اجتماعية، لان اصحابها اعتادوا التأريخ للخاصة من دون ايلاء العامة ما يستحق دورها من اهمية في تطور الاحداث. وقد ذللت، في هذه الدراسة، بعض هذه العقبات بالاعتماد على مؤلفات المؤرخ الدمشقي محمد بن طولون الغنية باخبار العامة والاعيان و الخاصة على حد سواء، اضافة مصادر اخرى اقل غنى  سترد في البحث .

     ترتبط دراسة التاريخ الاجتماعي في المدن بالتطور المديني او انحطاطه لأنه يحدد مستوى وظائف السكان تقدما او تقهقرا، ويعكس نسبة الديمغرافيا في المدينة، وازدهار الحركتين الصناعية والتجارية فيها. ومن ناحية ثانية يحدد ازدهار الابنية الحكومية، او تلك التي تتم بأمر من الحكام حتى وان كانت غايتها اجتماعية او دينية صرفة، مستوى الثقافة التي تتمظهر بعدد المدارس ومستواها الثقافي وبالمؤسسات الدينية المرتبطة بها. وتوضح دراسة الابنية على المستويين الحكومي والشعبي، بتراتبه المتعدد المنازل، من دون ادنى لبس المستويات الاقتصادية التي تنعكس على التطور الاجتماعي وتاليا على حالة الرفاه عند المجموعات السكانية على اختلاف مراتبها، لأن نوعية الابنية وهندستها البنائية ليست الا انعكاسا للتراتب الاجتماعي. وبالتالي تساهم دراسة الابنية في فهم التفرع الاجتماعي ليس ضمن الفئات المكونة للمجتمع فحسب بل ضمن الفئة الواحدة.

وعليه سندرس نمطين من الابنية: الشعبية، وتلك الخاصة بالاعيان لا سيما المماليك. وسترتبط نسبة وضوح الرؤية في دراسة النمطين بمقدار ما تتيحه لنا المصادر من معلومات.

    المساكن الفخمة: سكن المماليك في محلات خاصة بهم وحدهم، وكانت مميزة من غيرها من المساكن والابنية الاخرى بهندستها البنائية وفخامتها. ومن نماذجها البارزة الشرفان الاعلى والادنى. كانت تنتشر في الاعلى، الذي عرف ايضا ب”دار الامراء”، قصور الامراء ومساكنهم، ومدارس ومساجد[9]. وتوزعت في الشرف الادنى قصور للنزهة، وعدد من المساجد من ابرزها جامع تنكز[10]وعدد من المدارس، والعمائر، والمحلات العامرة، والخوانك[11]. وكان الشرفان يطلان على الميدان، وعلى منتزه الشقرا[12]. وكانت الربوة، الواقعة في سفح جبل قسيون والمشرفة على الغوطة، مسكن الامراء” لان فيها القصور والمباني الشريفة[13]، وتعني كلمة “شريفة” سلطانية.

   ومن الواضح ان دراسة ابنية المماليك هذه جاءت افقية الرؤية، وعامة ولم تغص في تفاصيل الهندسة البنائية، على الرغم من اهميتها على هذا المستوى، لأنها تتطلب جهدا كبيرا ليس الان مكانه. انما الغاية مما اشرت اليه فيها هو الوصول الى التمايز الاجتماعي بين السكان الاصليين في دمشق وحكامهم المماليك. وسنكتفي فقط بدراسة سريعة لقلعة دمشق لانها كانت مركزا حكوميا مهما ويختصر بوجه عام طريقة عيش المماليك في احيائهم الخاصة، بل في مجتمعاتهم التي لم يشاركهم فيها احد من السكان اجمالا.

يعود بناء القلعة الى العهد السلجوقي اذ شيدها اتسز بن اوق الخوارزمي المتوفي عام 471 / 1078م.[14]، واتمّها الايوبيون، وقد كيّفها المماليك بما يلائم نمط حياتهم. وبدت في العهد المملوكي كما يلي:

كان فيها خمسة ابواب: الجديد، السر، النصر، السلامة، والفرج[15]، ويحيط بها خندق دائري عمقه خمسين ذراعا يحميها ابان الحصار، وقد جُّرت اليه المياه من نهر بانياس على جسر عريض محفور ومخفي[16]. ويحيط بها سور ايضا فيه ابواب تفتح عند الحاجة فقط، على كل واحد منها مئذنة لجامع، وينفتح الباب على باشورة انتشرت عليها الحوانيت. وضمت القلعة حمام وطاحون – ما يدل على قلة عدد المماليك فيها- ودار للضرب، ودور حواصل، ومخازن لمختلف انواع العتاد، وآبار. ما يمكنها ابان الحصار من الاكتفاء الذاتي ولمدة طويلة[17]. وبالتالي شكلت مجتمعا مملوكيا خاصا انغلق على ذاته الى حد بعيد، خصوصا اذا ادركنا انه كان يمنع على نائب القلعة ومساعديه الاساسيين الاتصال باي شكل من الاشكال بنائب دمشق، كما كان يمنع على اي كان الدخول اليها الا بمسوغ قانوني. ولا ندري بالضبط اذا كان الامر عينه فرض على الاجناد فيها وان كنا نرجحه.

من دون شك ان هذه القلعة اعتمد في هندستها الضرورات امنية الصرفة، ومع ذلك فانها تشكل نموذجا لمجتمع مملوكي صرف يتمتع بكل خصائص المجتمعات المملوكية من حيث الرفاه على المستويات كافة، وتأمين المستلزمات الامنية واساليبها، لأن نائبها بدا كسلطان لا ينازعه في ادارتها منافس فاليه كانت تنهي الامور ومنه تصدر الاوامر.

  حارات دمشق ومحلاتها: يصعب كثيرا بناء دراسة دقيقة ومفصّلة لحارت دمشق واحيائها كلها، وسنكتفي في هذه العجالة بدراسة بعض مظاهرها المعبرة عمّ كانت عليه حالاتها الاجتماعية لتحديد ظواهرها الاجتماعية التي كانت سائدة فيها ومقارنتها بمثيلاتها عند الطبقة العسكرية الحاكمة.

ومن الواضح ان التجمعات الجغرافية تقوم على وحدة العنصر والاقامة في مكان محدد، وهي لا تلبث ان تولّد مجتمعات جديدة مبنية على حقوق الجوار وواجباته، وعلى حقوق الاقارب، وتتولّد منها جميعها عواطف مشتركة. وتنشأ عن التجمعات المذكورة في المدن مراكز انتاج، واتصال تتمثّل باماكن العبادة، وفي ظل غياب الدولة او تغاضيها عن واجباتها تتأسس فيها مراكز دفاع ضد غارات الآخرين. ما يجعل تلك التجمعات عنصرا عقليا وآخر ماديا في آن واحد.[18]

وعلى هذا شكّلت المحلات والحارات الدمشقية، التي تعددت وشغلتها العامة، تجمعات جغرافية واجتماعية، تشابهت مظاهر بعضها نسبة الى العمل الذي كان يؤدّيه افرادها من حيث الدخل على الاقل. وتفرعت كل محلة الى عدد من الاحياء والحارات. اما ابرز الحارات التي وفرتها لنا المصادر التي اطلعنا عليها فهي: الصالحية، الجسر الابيض، الميدان، برج الروس، الربوة، الخلخال، المنيع، والشرفان، [19] القصاعين، مسجد القصب، حجر الذهب، العقيبة [20]. اما احياء دمشق فهي كثيرة جدا سنذكر بعضها مثل: السنانية، باب البريد، المناخية، الشاغور، العمارة، ومسجد القصب، السويقة، المصلى، ميدان الحصى، القبيبات، القراونة، المزار، المزابل، العقيبة…[21]

   في عهد المماليك بدت دمشق داخل سورها مجموعة حارات مستقلة، وكأن الواحدة منها قرية صغيرة مستقلة بمساجدها وحماماتها وسقاية الماء فيها[22]. وجاءت ابنية بعضها، خصوصا التي شغلها العامة، والزعر متلاصقة، تمد افقيا، لعدم الاطمئنان الناتج عن سوء ادارة المماليك ولاتساع الرقعة الجغرافية[23]. وتنعدم فيها النوافذ والشرفات وقد يكون مرد ذلك لخضوع الابنية الى نظرية الحلال والحرام في الاسلام. وتألف الحي فيها من عدة بيوت شيّد لها باب خارجي مشترك يقفل في المساء وايام الاضطرابات، ويتوسطه باب خوخة ( صغير) يعبر منه سكان الحي كل الى داره[24]. ويرجع اسباب تلاصق الابنية الى ان رغبة رئيس الاسرة باسكان ابنائه واحفاده في المنزل عينه، فكان كلما ضاق المكان بهم اضافوا اليه غرفا حتى بات المسكن داخلا في بيوت الجيران[25]. وتحولت تلك البيوت الى اكواخ نظرا للنمو الديمغرافي.

   والى ذلك، كان الحي من حيث بناؤه الهندسي عبارة عن تشكيل من الابنية غير المتوازية والمتوازنة، ترتفع جدران بعضها الى اكثرمن طبقة والبعض الآخر يشبه الاكواخ ان لم يكن عبارة عن مجموعة من الاكواخ مظلمة يتسرب اليها الهواء عبر الازقة وممرات منخفضة معتمة.[26] وهو فوق ذلك كله شكل وحدة ادارية مستقلة على مستويين حكومي ومحلي اي شعبي.

       فعلى الصعيد الاداري المحلي ترأس الحي شيخ يعينه نائب السلطان المملوكي في نيابة دمشق من اجل حسن سير الاعمال المنوطة بالحي :حفظ النظام، تمثيل الحي في المناسبات العامة التي تقتضيها الدواعي السياسية والاجتماعية في المدينة، ومساعدة الشرطة في تنفيذ مهامها، او تولي هذه المهام بنفسه، كجمع الضرائب القانونية وغير القانونية مثل الرمي او الطرح[27]. لان الاحياء قد انتظمت في مناطق منعزلة ومنطوية على ذاتها لا يتمكن الغرباء من الدخول اليها، ولاسيما انها كانت متداخلة فيما بينها في حياتها العادية. وكانت تتآزر ابان الاضطرابات العسكرية، وتدافع جميعها بعضها عن البعض الآخر اذا تعرض احدها لاي اعتداء خارجي[28]. ولم يكن ينغلق الحي على نفسه اجتماعيا وسكانيا الا ابان الاضطرابات العسكرية والفتن الداخلية ،[29] ما يذكرنا بعمليات الدفاع المشترك التي اشرنا اليها اعلاه.

 ويعتبر عدد المدارس والمساجد والجوامع، وتنامي عدد الحمامات من المعايير الاساسية في ايضاح التطور الديموغرافي في دمشق، وتحديد المستوى الثقافي العام ليس بين سواد العامة انما بين بياضها بشكل رئيس. سنكتفي في هذا في هذا البحث باعطاء فكرة عن مجموعها الذي يعكس بشكل تقريبي عدد السكان، ويوضح نمطا اجتماعيا من العيش قد لا نجده الا في المدن الاسلامية.

 بلغ عدد المدارس كما ذكرها ابن كنان 111 مدرسة توزعت على المذاهب السنية الاربعة[30].وقد اورد منير الكيال ان عدد الحمامات في دشق على عهد ابن عبد الهادي المعاصر لاواخر الدولة المملوكية بلغ 167 حماما عدا حمامات الغوطة[31]، وذكر ابو علي الاربلي المتوفي عام 726 / 1326 ان تعداد حمامات دمشق بلغ خمسة وسبعين حماما. واذا سلمنا بصحة هذه الارقام تكون دمشق المملوكية قد زادت حماماتها على ما يربو على الضعف ما يعكس تطورا ديموغرافيا وبنائيا ملحوظين، لان الحمامات الخاصة كانت قليلة جدا انذاك، ويؤكّد على ان الحمامات العام استمرت حاجات ضرورية للنظافة وبما كان يتم فيها من احتفالات تفرج الناس وتؤاسي بؤسهم الاحتماعي والاقتصادي والسياسي.

الفئات الاجتماعية في دمشق: انطلاقا من النموذجين البنائيين السابقين يمكن دراسة الفئات الاجتماعية في دمشق. لأن من معايير التاريخ الاجتماعي تحديد الفئات الاجتماعية تبعا لمستوياتها المعيشي وانماط حياتها المشتركة، ومن ثم استخلاص الظواهر الاجتماعية التي تخضع لها، وبالتالي دراسة التطور البطيء او السريع الذي تؤمنه الظواهر بهدف تحديد مستوى التطور ايجابا اوسلبا، ويقتضي توضيح الرؤية ودقتها القاء الضؤ على نظام الحكم ودراسة بنية العلاقة بين الحكام وفئات الشعب لما لذلك من دور اساسي في فهم الدينامية الاجتماعية.

وعليه، لا بد من تحديد المبادىء الاساسية المنظمة للمجتمع، مما يقتضي ابراز الفئات في التفرع الطبقي التي منها نحصل على المبدأ المنظم للمجتمع، الذي منه تنتج البنى، ومن ثم دراسة العلائق بين الفئات الاجتماعية التي ستكون جد مختلفة[32]. وارتأيت اعتماد الوظيفة، على اختلاف اشكالها لحكومية والدينية، اوالمهن الحرة المتنوّعة معيارا  للتفريع الطبقي او ما يمكن تسميته المبدأ المنظم، وسيتوضح الامر بما سيلي.

    كان المجتمع المملوكي طبقيا – ان جاز التعبير كون الموضوع يرتبط بالعصور الوسطى ولان استعمال ” طبقة ” مصطلح حديث- جامدا الى حد بعيد، وغالبا مغلقا، فالطبقات مقفلة على ذاتها عموما، فالحكام كانوا جميعهم من المماليك، والطبقة العسكرية على مستويات تتدرج هرميا من السلطان الى الجندي. ورجال الدين من ابناء الشعب وكانوا ايضا على مراتب، وقل الامر عينه عن العامة التي قسّمها المقريزي الى فئتين سوادها وبياضها. وكانت هذه الفئات ( الطبقات ) متفاوتة من حيث الدخل، والطمأنينة، والاستقرار واشتغال المناصب الحكومية والدينية والاقتصادية والاجتماعية، ولم ينظر لحقوق الفرد في (طبقته) فئته الا من خلال انتمائه الوظيفي. وقد بنيت نظرتي هذه انطلاقا من رؤية المقريزي للمجتمع في عهد المماليك اذ قسّمه الى سبع فئات : ارباب الدولة.      

مياسير الناس من التجار والفقهاء والمتعممين.

متوسطو الحال من التجار والباعة واصحاب المعاش والسوقة

الفلاحون من اهل الزراعة .

سكان الارياف والقرى .

ارباب الصناعات والحرف البسيطة .

والمعدمون [33].

     ان هذا التوزيع العام الذي اورده المقريزي يشمل كل المجتمع المملوكي، اما في المدن فيصح اعتماد تفريع آخر ينبثق منه يأخذ بالاعتبار خصوصية المدينة والتجانس الاجتماعي الاكثر شمولا، ويمكن تفريعه كما يلي: الطبقة العسكرية الحاكمة، الاعيان الذين يضمون رجال الدين والتجار وارباب الصناعة، او ما يطلق عليه بياض العامة، وسواد العامة، واخيرا الزعر والارذال والاوباش.

كان سكان دمشق يتألفون من غالبية عربية كبرى، اضافة الى عدد من اجناس مختلفة وفدت اليها عبر تاريخها مثل بربر شمال افريقيا خلال العهد الفاطمي، والتركمان في العهد السلجوقي الاتابكي، والاكراد في العهد الايوبي واستمروا يشكلون اقلية[34].هذا اضافة الى الشعوب المغلوبة من المناطق المجاورة خصوصا من تلك التي تعرضت للغزو المغولي ولا سيما العراق، كما لجأ الى دمشق طائفة دينية كبيرة العدد من المغاربة لاسباب دينية[35]. يضاف اليهم الحكام المماليك على اختلاف مراتبهم، وسندرس كل فئة من هذا المجتمع على حدة لتحديد نظمها الاجتماعية، ومن ثم علاقة هذه الفئات في ما بينها.

 1 – الطبقة العسكرية الحاكمة: شكل السلطان وامراؤه واجناده طبقة عسكرية حاكمة مغلقة عن الشعب. وحدد الانتماء اليها بشروط لم تتوفر بالسكان الاصليين : كالعرق، اي ان يكون مولودا خارج الاراضي المملوكية في الشرق العربي والاسلامي وبالتحديد في السهوب الآسيوية الاوروبية الممتدة من آسيا الوسطى حتى البلقان والبحر الادرياتيكي.[36]والرق[37]، واجادة اللغة التركية لان المماليك كانو يتحدثون بالتركية في اجتماعاتهم ومجتمعاتهم[38]. وقليلون منهم من اتقنوا العربية، لا بل ان بعضهم لم يفقه منها شيئا[39]. والتربية في الطباق ( الثكنة العسكرية )، و العتق، والتدرج بالامرة[40]. وانحصر تزاوج امراء المماليك اما من نساء تركيات جيء بهن خصيصا لهذه الغاية، او من بنات امراء المماليك، وقليلون منهم من تزوجوا من بنات مياسير التجار او بنات المتعممين[41]. وكانت جميع اسماء الامراء تركية، ولم يجرؤ اي منهم مهما ارتفع مقامه على الخروج على هذه القاعدة مخافة القتل او العزل، فالسلطان جقمق ( 1438 – 1453م.) اراد ان يسمى محمدا تيمنا بالرسول (ًصلعم ) ولكنه خاف العزل فتسمى جقمق محمد[42]. انما حق لهم بالالقاب الدينية مثل ركن الدين او عز الدين… وانفرد المماليك بلبس ثياب مميزة مطرزة الكمين تمييزا لهم من افراد الشعب.[43]وارتدوا قباء طويلا ينتهي بأكمام ضيقة، واعتمروا كلوتة صفراء من دون عمامة، وشدوا على خصورهم احزمة من القطن البعلبكي، وتميزت ايضا ثياب الامراء من ثياب الجند [44].

     ومن مميزات الطبقة العسكرية الحاكمة اقتناء الرقيق وركوب الخيل الذي لم يجز ركوبها لغيرهم [45]، وعلى رغم اسلامهم فلم يُقض بين الامراء بالشرع الاسلامي بل ب”الياسة او اليسق ” وهي مجموعة القوانين المغولية التي اصدرها جانكيز خان ( 1206 – 1227م.)[46]. وحاز المماليك وحدهم، سلطانا وامراء واجنادا، الاقطاعات الزراعية وشاركهم بقسم ضئيل نسبيا بعض المتعممين ممن اشرفوا على المؤسسات الدينية والتربوية والاجتماعية[47]، وكذلك بعض العربان وغيرهم ممن اعتبروا اجنادا في الحلقة. كما توزعوا في ما بينهم المرافق الاقتصادية العامة ولا سيما الجمارك التي حازوا عليها عن طريق الاقطاع.

      ان هذه المميزات تشمل كل المماليك خصوصا في القاهرة وهي تنسحب على تواجدهم في كل المدن، لان نائب السلطان في نيابته شكل سلطانا مصغرا، وتميز بخاصات السلطان من حيث الصلاحيات وبيوت الخدمة، انما على مستوى ادنى، فالاول كانت تنعت بيوت خدمته بالشريفة والثاني بالكريمة.

11 – دور وظائف الطبقة العسكرية الحاكمة في دمشق في التفريع الطبقي : عاش بدمشق عدد كبير من ارباب السيوف كان نائب السلطان اعلاهم رتبة، يعينه السلطان بمرسوم شريف ويعبر عنه لاهميته بكافل السلطان ويخصص بألقاب ونعوت لم يسمح بها لغيره.[48] كانت تزين كل احياء المدينة وحاراتها لدخوله اليها، اذ توجّب عليه التطواف حول قلعتها سبع مرات، والصلاة ركعتين عند باب السر[49] قبل توجهه الى مقره في دار السعادة [50]. وكان النائب يخلع الخلع على قضاة القضاة الاربعة بدمشق في دار العدل[51] تعبيرا عن اقراره بدورهم في الحياتين الدينية والاجتماعية وان نظريا.

   وقد تمتع بصلاحيات واسعة جدا ان من حيث التوظيف او العزل، او منح الاقطاعات.[52]كما توجب عليه اداء مهام ادارية وامنية وسياسية واجتماعية ودينية.[53]وتمتع بمنازل خدمة كريمة على غرار منازل الخدمة الشريفة السلطانية: فكان له دواداره، وخزنداره، وامير مجلسه، وامير آخور، وشاد الشرابخاناه، ومهاتر البيوت…[54]

     وعاش في دمشق الى جانب نائبها ثمانية امراء مئة مقدمو ألوف،[55] واحد وعشرون من امراء الاربعين او الطبلخانة [56]، واثنان وعشرون من امراء العشرينات، وواحد وخمسون من امراء العشرات ، وثلاثة وعشرون من امراء الخمسات، عدا عن مقدمي الحلقة واجنادها وهم عدد كبير، اضافة الى عدد آخر من الموظفين لا يسعنا ذكرهم جميعهم بحيث يغدو الموضوع دراسة في الادارة المملوكية.[57]نذكر منهم: امير حاجب وهو مقدم ألف، ويلي نائب دمشق رتبة وينوب عنه اثناء غيابه، واستادار[58]، ونقيب الجيش[59]، والمهمندار، وشاد المهمات، ووالي الشرطة[60]، ونائب القلعة الذي لم يكن لنائب دمشق سلطة عليه[61]، واتابك العسكر ( قائد الجيش ) وبالتالي نشأ نظام عسكري بيروقراطي لتلبية متطلبات السلطان من جهة، وحاجات النائب الذي كان الى حد بعيد مستقلا من جهة ثانية. وتوزع هؤلاء جميعهم، الى جانب الوظائف الاساسية، الاراضي الزراعية بنيابة دمشق اقطاعات كل على قدر الوظيفة التي كان يشغلها، فضلا عن المعاصر المتنوعة و الطواحين وما الى ذلك من المرافق الاقتصادية.

وعلى هذا، اربتطت بهم فئات المجتمع الدمشقي بطريقة مباشرة خصوصا المتعممون الذين استخدموا في الادارة _ سيأتي الحديث عنهم بدراسة المتعممين-، واحيانا اخرى غير مباشرة. وكانت تلك العلائق فوقية لصالح الطبقة العسكرية الحاكمة، التي كان نهمها للمال مستمر، فنتج منه صراعات بين افرادها او جماعاتها اثرت سلبا على تطور الحياة الاجتماعية الدمشقية، بحيث توجّب على الفئات الشعبية كلها تلبية حاجات الطبقة العسكرية الاقتصادية وغيرها بكل السبل المشروعة وغير المشروعة.

      واذا علمنا ان مقدم الالف حق له باقتناء من ماله الخص بمائة مملوك وانه كثيرا ما تجاوز هذا الحق الى مائة وعشرين او اكثر، واجيز لامير الطبلخاناه باربعين، وجوازا بسبعين او ثمانين، وهكذا نزولا حتى امير خمسة، لادركنا العدد الكبير لمماليك الامراء الذي نشاء منه مجتع خاص بهم. اضف الى ذلك انه كان في دمشق عدد من الطباقات للمماليك السلطانية ممن يأتمرون بالسلطان فقط او من ينوب عنه، هذا عدا عن اجناد الحلقة الوافري العدد. فتشكل بذلك ضمن دمشق مجتمعا مملوكيا مغلقا وكامل المميزات، ومتدرج من حيث الدخل والسلطة والحظوة، سنوضح سماته تباعا.

 وتأمينا لسلامة الاوضاع في دمشق، وخوفا من الانقلابات العسكرية، عمد السلاطين الى تدابير احترازية عديدة : كان محظور على نائب القلعة المعين من قبل السلطان الاجتماع بنائب دمشق، ومفروض عليه الا يسلمه القلعة الا بناء على امر سلطاني. وكان السلطان يرسل الى دمشق دوداره الثاني وغيره من الموظفين العسكريين المخلصين له رقبا على نائبها والموظفين الكبار الآخرين. وبالتالي تضاربت صلاحيات ومصالح جميع هؤلاء، وادت الى صراعات شبه دائمة بينهم بدت شديدة الحدة في العهد الجركسي. ما اثر سلبا على كل الاوضاع والاقتصادية فيها،  التي كانت تنعكس باستمرار سلبا على التطور الاجتماعي.

    وقد شكل هذا العدد الكبير من رجال السيف فئة ( طبقة) اجتماعية مميزة جدا عن ابناء البلاد، تدرجت نسبتها الاجتماعية والاقتصادية تبعا للمناصب التي شغلها كل منهم بدءا بنائب المدينة، فامراء المئة نزولا حتى الاجناد. ويمكن اعتبار هذا التفرع اسرويا الى حد، بحيث شكل كل امير نوعا من اسرة قائمة بذاتها بانتماء مماليكه اليه وحده وارتباطهم به بثلاث روابط على الاقل: الرق، والعتق، والوظيفة التي شغلوها في خدمته. وتبعهم بهذا الانتماء اسرهم والعاملون بخدمة الامير في اقطاعاته المتنوعة.

 وعلى الرغم من انتماء افراد الطبقة العسكرية الحاكمة بدمشق الى رجال السيف، فانهم لم يكونو متجانسين من حيث وظائفهم وانتماآتهم، فبعضهم ارتبط بالسلطان مباشرة والبعض الاخر بنائب المدينة، ما ادى الى تمايز وظيفي واستغلال له؛ لأن بعضهم بسبب ارتباطه بالسلطان تجاوز كل الحدود الادارية والاقتصادية والسياسية والامنية[62].

ان كل ذلك جعل الفئة العسكرية الحاكمة بدمشق وحدات شبه مستقلة، ومرتبطة في آن بغيرها من حيث الوظيفة ونمط الحياة العام. ويقتضي السياق عينه الاخذ بالاعتبار التمايز الاداري والوظيفي الذي سبق الكلام عليه لفهم الظواهر الاجتماعية عند المماليك.   

     12 – ثراء الطبقة العسكرية :ادت السيطرة السياسية والادارية للمماليك الى هيمنة اقتصادية هائلة ان لم نقل هيمنة شبه مطلقة على الحياة المدنية جعلت الدمشقيين ينصاعون قسرا لهم، بما في ذلك ارباب الاقتصاد من المدنيين المسيطرين بوجه عام على التجارة. وتجلت تلك السيطرة بطلب الحماية والامان، وبتلبية الاطماع المادية للفئة العسكرية الحاكمة. ومع ذلك فان الصراعات في ما بين المماليك كانت شبه دائمة للحصول على اكبر قدر ممكن من الثراء والنفوذ. وقد يجد الباحث عذرا لهذه الطبقة في الصراعات فيما لو لم تكن امكاناتها المادية هائلة، فالمصادر المملوكية تحدثنا عن ثراء الامراء بما يعيد الى الاذهان اساطير ألف ليلة وليلة. واليك بعض النماذج: عندما توفي الامير سلار ترك كنوزا مذهلة ذكر ابن اياس بعضا منه: خمسة وعشرين رطلا احجار كريمة من زمرد وياقوت، وثلاث مئة قطعة ألماس، ومئة وخمسين حبة لؤلؤ كبيرة زنة الواحدة منها مثقالا، ومئتي ألف دينار ذهب عين ، واربع مئة ألف دينار من الفضة، واربعة قناطير من المصاغ الذهبي، عدا عن الخيل و غيرها من الماشية. ويزعم ابن اياس ان دخله بلغ من اقطاعاته وحماياته مئة ألف دينار.[63]وبلغت قيمة اموال نائب الشام التي صادرها السلطان الناصر محمد بن قلاوون ( 1309 _  1340م.) حوالى المليون ونصف المليون من الدنانير الذهبية. وقد احصي ما تركه “تنكز”الذي حكم الشام بضع سنوات فبلغ مليونين وسبع مئة ألف دينار، وسبع مئة وثلاثين ألف درهم فضي فضلا عن المجوهرات.[64]

     قد تكون هذه الارقام مبالغا بها ،علما انها استقيت من مؤرخين مملوكيين يتحدران من الطبقة العسكرية الحاكمة [65]، ولكنها تدل على مدى الثراء الفاحش الذي اصابته الطبقة العسكرية المملوكية الحاكمة، التي لم يكن لها  مبرر لظلم الفئات الشعبية، لا سيما انها اصابت بعض ثرائها من اعمال الظلم.

    وقد انصب اهتمام المماليك على تنظيم الجيش وتدريبه وتأمين رفاهيته، وبالتلي الحصول على الضرائب لتحقيق هذه الغاية. وبما ان الحكومة المركزية ما كانت مسؤولة عن الخدمات المدنية التي اضحت عرفا على عاتق نائب المدينة بشكل رئيسي، وبدرجة اقل على عاتق الامراء الكبار المتواجدين فيها، وبما ان هذا الامر لم يكن ملزما قانونيا، فان هذه الخدمات ارتبطت بهمتهم وبقدر حاجتهم للتقرب من الشعب، وبشدة الضعط الذي مارسه عليهم الشعب متوسلا رجال الدين لقيادة الحركات المعبرة عن سخطه كالتكبير في المساجد، او في الشوارع الرئيسية.[66]

وهكذا انفصل اجتماعيا رجال السيف عن ابناء البلاد بنظمهم وعاداتهم واخلاقهم وممارساتهم التي جاءت غالبا مجحفة بحق الرعية، وشكلوا فئة اجتماعية سياسية عسكرية مغلقة عن الدمشقيين، ولكن آليتها الداخلية استمرت متحركة باتجاهين اما صعودا نحو القمة، او انحدارا وصولا الى البطالة والعزل. وفي الحالين معا خضعت تلك الفئة لظاهرة اجتماعية واحدة لها خاصاتها وميزاتها في انها فئة ممتازة ومتميزة عن الدمشقيين. وجاء تحولها الاجتماعي بطيئا جدا بما اجازه القانون، او بسبب التغاضي عن تطبيفه. فقد تطلبه تامين الخدمات العامة، وادارة املاك نائب دمشق وامرائها واجنادها عدد كبير من الموظفين على اكثر من مستوى : فكان بعضهم من بياض العامة، والبعض الآخر من سوادها الامر الذي سمح لافرادها الاختلاط بالدمشقيين ضمن حدود ضيقة. وكذلك حصل لصغار الاجناد ما ادى الى تأثر متبادل بين السكان وصغار المماليك ببعض العادات.

   2 – الاعيان

   21- رجال الدين المسلمون : كان لرجال الدين الذين دور اساسي في المجتمع الدمشقي على مستويين اجتماعي ووظيفي، فهم احتلوا المنزلة الاجتماعية الارفع فيه باعين الناس الذين ما انفكوا ينظرون اليهم باكبار حتى في فترات الانحطاط التي انغمس فيها بعض رجال الدين من الرتب كافة بالمفاسد الاجتماعية لسوء ممارستهم وظائفهم. فكان يفترض بهم من حيث المبدأ القيام بدور الرقابة على ممارسة الجهاز العسكري الحاكم لردعهم عن غيّهم ومظالمهم. حتى ان رجال الدين الذين تسرب اليهم الفساد، وجروا وراء مصالحهم الذاتية، بخضوعهم لرغبات الطبقة العسكرية ونفّذوا مآربها على حساب الشعب ظلوا يحتلون منزلة مهمة، ليس على الصعيد الشخصي، انما على مستوى الوظيفة الجليلة التي شغلوها بما كان لها من تقدير عند مختلف فئات  المجتمع الذين كانوا يأملون دائما بعودة الفاسدين الى رشدهم. اما ابرز الوظائف الدينية فكانت :

قضاة القضاة :عرفت دمشق اربعة قضاة قضاة تبعا للمذاهب الاسلامية الاربعة، كان اهمهم الشافعي[67] الذي اشرف على دور الايتام والاوقاف التابعة لها، والمدارس التي كان يتولى التدريس فيها او الاشراف عليها، وهو الذي كان يقيم النائب في نيابة الشام ويثبته فيها، وله اوقاف خاصة يعتاش منها.[68]ويليه اهمية الحنفي، ثم الحنبلي واخيرا المالكي. وكان لكل واحد منهم اوقافه ومدارسه واختصاصاته الاجتماعية والسياسية[69]. ويعتبر قاضي القضاة رئيس الادارة القضائية من حيث تعيين القضاة وعزلهم، وتعيين نواب له، والفصل بين الخصوم، وتنفيذ الاوامر الشرعية.[70]كما توجب عليه افهام نائب دمشق الصحة بالاحكام واصول الشريعة كي لا يقع بالخطأ، كون النائب صاحب ولاية المظالم[71]ويجهل احيانا كثيرة اللغة العربية قراءة وكتابة وبالتالي القواعد الشرعية واحكامها.

     وكان من المفترض ان يختار اهل كل مذهب قاضي قضاتهم بعد موافقة السلطان،[72]لكن هذا الامر لم يراع باستمرار خصوصا على عهد الدولة الجركسية[73]، ولا سيما بعد ان صارت المناصب القضائية تشرى بالرشوة، وبالتالي فسد معها بوجه عام معظم النظام القضائي المملوكي، وغدت تصدر بعض الاحكام بالرشوة[74]. وتمكن بعض القضاة من جمع اموال طائلة بطرق مشبوهة، من دون ان يخجلوا لا بل ان بعضهم راح يتباهى بسطوته ونفوذه غير آبه بتهكم الناس  عليه او مكترث بأحكام الشريعة، فاحتقره زملاؤه والناس كلهم،[75]خصوصا ان بعض اولئك القضاة كان يجهل اصول القضاء واحكام الشريعة، والعلوم الدينية الاخرى التي هي في اساس التربية في المجتمع الاسلامي ومنارة السلوك فيه.[76]ولم تكن حال حميع القضاة على هذا النحو اذ أُثر عن بعضهم الصلاح واعمال الخير والتفقه بالاحاديث النبوية.[77]وقد مارس احيانا قضاة القضاة والقضاة ضغوطا على الطبقة العسكرية الحاكمة بدمشق لاطلاق من اعتقل ظلما وعدوانا، اوللشفاعة بمن اعتقل اثناء الصراع بين الاجناد المماليك والسكان، وما شابه هذه الحالات[78].  

مفتون دار العدل : كان عددهم ،بوجه عام، اثنين شافعي وحنفي، ومن مهامهم حسن تطبيق الشريعة الاسلامية. كان يعيّنهم، السلطان[79]، ما يعني انهم كانوا غير مقيّدين بسلطة نائب دمشق وجهازه الحاكم، بامكانهم ممارسة رقابة حقيقية على النائب واعوانه ان شاءوا.

 ومن الوظاءف الديوانية التي شغلها رجال الدين: وكيل بيت المال المؤتمن على اموال النيابة، و المحتسب الذي يراقب الاسعار و المكاييل و الموازين والاخلاق العامة.[80]وشيخ الشيوخ الذي يوليه نائب دمشق للاشراف على جميع الخوانق والفقراء الصوفية[81]. وكاتم السر الذي يعينه السلطان لاسداء النصح والارشاد للنائب، وكان يعاونه موظفون متعممون معينين ايضا من قبل السلطان مثل: كتاب الدست الذين يجلسون في دار العدل لمساعدته في رفع القضايا الى النائب ليتم اتخاذ القرارات بشأنها[82]، وكتاب الدرج ويعينهم السلطان ايضا.[83]

   قام رجال الدين، اضافة الى وظائفهم الشرعية، بدور مهم جدا على صعيد الحياة اليومية والدينية، اذ كان لبعضهم انصار في توجههم الديني خصوصا من سلك طريق التصوّف، الذين كثر انصارهم وانصاعوا الى تدابيرهم. فمارسوا بذلك ضغوطا كبيرة على اهل السلطة وشكلوا ازعاجا حقيقيا لها،[84] لاحقاق الحق، الذي كان يتنافى احيانا مع مصالح اركانها.

بما ان موضوع التفريع الطبقي يتعلق بالوظيفة فلا بد من ان نتحدث عن دور العلم في دمشق التي عمل فيها قسم مهم من رجال الدين علماء وفقهاء وغيرهم، اضافة الى عدد من الموظفين المدنيين.

أ – المدارس: كانت تؤسس المدارس لبعض الائمة الكبار ممن تعمقوا وتفقهوا بالعلوم الدينية لكي يمارسوا دورهم التعليمي بأمان وباحترام، وتمكين الطلاب من الحصول على الثقافة الضرورية من اجل تطوير المجتمع ليس على الصعيد الديني فقط انما ايضا في مختلف انواع العلوم الاخرى، على الرعم من انها لم تلق الاهتمام الذي خظيت به المدارس الدينية.

كانت معظم المدارس في دمشق تدرس علوم دينية وادبية باستثناء ثلاث منها فقط اعتنت بتدريس الطب نظريا فقط[85]، وهي: الدنسرية، الدخوارية، واللبودية النجمية[86]. والى جانبها اختص بدمشق اربعة بيمارستانات بتدريس الطب نظريا وتطبيقيا هي: الصغير اوالعتيق، باب البريد او الدقاقي، النوري الكبير، والقيمري[87]

وكي نتمكن من اعطاء فكرة عن الوظائف في المدرسة سأدرس الاختصاصات في مدرسة واحدة هي العادلية[88]التي كان فيها مشيخة كبرى[89]، بما في ذلك اقسامها والمدرسون فيها. فقد درس في قسم الفقه  اشهر فقهاء دمشق وقضاتها من امثال: ابن خلكان، والقزويني، وتاج الدين السبكي…وكان يؤمها العلماء واللغويون ويتناقشون بكل ما له علاقة بالفقه واللغة.[90]واعتنى قسم اللغة العربية والقراءات بلهجات القبائل العربية ومذاهب النحاة واللغويين. وسكن في هذه المدرسة المدرس المختص هو وعائلته.

 حظيت كل مدرسة بهيئة تدريس تألفت من: رأس المدرسة وهو من كبار المدرسين، يتولاها بتوقيع اما من السلطان او من نائبه في دمشق لانه ضم احيانا، الى جانب مشيخة المدرسة، مشيخة اختصاصها ( الحديث او الفقه او اللغة العربية)[91]، وتعني المشيخة بتأمين حسن سير التدريس فيها من حيث الاشراف وتأمين الاساتذة ودفع المرتبات. وتألف الجهاز التعليمي فيها من شيخها وناظرها ومدرسيها، ومعيديها[92] – وتفاوت عددهم نسبة الى اتساع المدرسة وعدد طلابها ومساحة اوقافها- ومن امامها، ومؤذنها، وقيّمها[93].

ب – الاوضاع المادية للجهاز التعليمي: تقاضى مدرسو المدارس والخوانق والربط رواتب جيدة عموما أمنت لهم مستوى لائق من العيش، خصوصا اذا كان ناظر المدرسة كريما صالحا ومتقيدا بشروط الواقف[94]. اما مدرسو المساجد فكانوا لا يطلبون اجرا اجمالا سوى الثواب عند الله وما اوقفه بعض الامراء واهل الخير من اوقاف على التعليم في المساجد.[95]وكانت رواتب مدرسي الكتاتيب زهيدة وتكاد لا تقوم بأودهم.

  وقد شكلت المدرسة الركن الاساسي للتآلف الاجتماعي لاستنادها الى مذهب شرعي واحد، ولوجودها في مكان محدد من المحلات او الاحياء، ولأن مهامها استندت على التوعية الدينية بتعليم اصول الدين من فقه واحاديث، وتلقين القرآن. لان الدين الاسلامي كان عقيدة غالبية السكان واستن نظام حياتهم، وبالتالي اصبحت المدرسة النقطة المركزية في التوحيد الشامل لابناء المذهب المنتسبة اليه.

 لم تكن غايتها التعليمية تخريج رجال دين على مختلف المستويات فقط، انما ايضا تثقيف المجتمع، فكان ينتسب اليها ابناء الفئات المتوسطة والغنية تقربا من الله وللتفقه باصول الدين، من اجل الاكتفاء الذاتي. حتى اذا تخرج الواحد منهم ومارس مهنة حرة ادرك اصول المعاملات ومقتضيات الاحوال. وقد يكون هذا الامر دفع (ايرا مارفين لابيدوس) المستند الى كتب السير والتراجم الى القول: ان كثيرين من ابناء المهن الحرة كانوا من العلماء مثل:” البنائين، وعمال الحجارة، والنجارين، والنحاسين، وصناع الصابون والصيادلة… كما كان عدد من صنّاع الحبال والاسرجة والاقواس والنساج والقصابين وتجار الصوف… مطلعين على الشريعة الاسلامية، وتقلدوا العضوية في مدارس الفقه[96].

والى جانب المدرسة اختصت مؤسسات اخرى بالتعليم سأكتفي بذكرها فقط كي لا ادخل في كامل تفاصيل النظام التعليمي الدمشقي المملوكي، وهي: الجوامع، دور القرآن، والكتاتيب، والخوانق، الربط، وبعض الترب التي نص صاحبها بوقفه على هذا الامر. وهم شكلوا فئة اجتماعية الى حد متجانسة لتعاطيهم شؤون الدين وتثقيف الطلاب والرعية معا على الرغم من الفوارق بينهم في الدخل ومستوى الوظيفة. وبالتالي لعبت المدرسة دورا رئيسا في التآلف والتجانس الاجتماعيين. 

  وهكذا تصبح المدرسة راعية الحي، والاساس في التفريع الطبقي، والرائدة في تعميم الظواهر الاجتماعية، ليس للدور التثقيفي الديني فقط انما للدور الاجتماعي والسياسي احيانا الذي كان يمارسه القيمون او المشرفون عليها ضمن الحي الواحد. لانهم شغلوا الى جانب التدريس مناصب جلية: فكانوا قضاة، ومحتسبين، ورجال ادارة، وأئمة مساجد، وكتاب سر وغير ذلك من موظفي الادارة المدنية.   

  وعلى الرغم من الدور الاجتماعي المهم الذي مارسه المتعممون الدمشقيون الذين تألفوا من قضاة القضاة ومساعديهم من القضاة، وارباب الوظائف الديوانية، والمدرسين، فقد شكلوا فئة كبيرة وخاصة ومتميزة ومتدرجة بالرتب الوظيفية، وكانوا جميعهم من المتفقهين بعلوم الدين على مختلف انواعها وان بمستويات متفاوتة، وجاءت ثيابهم متشابهة مع بعض الاختلاف[97]. وفرضوا احترامهم على الدمشقيين والحكام على حد سواء، ونالوا رواتب نقدية او اقطاعات، وبالتالي كانت احوالهم الاقتصادية جيدة الى مريحة تبعا للوظائف التي كانوا يشغلونها. كما كانت لهم منزلة وكلمة مسموعة عند الفئة العسكرية الحاكمة.    

 – رجال الدين المسيحيون : ان الكنيسة المسيحية هرمية، تتدرج الرتب فيها من اعلى الى اسفل كما يلي: البطريرك [98] وهو صاحب اعلى سلطة يأتمر به اصحاب الرتب الاخرى وعامة المسيحيين، وكان مسؤولا عن رعاياه بدمشق امام النائب. يليه نائبه الملقب بالاسقف، ثم المطران المسؤول عن المسيحيين في ناحية جغرافية محددة، ويمارس فيها سلطة قضائية، ثم الكهنة الذين يرتبهم القلقشندي كالآتي : القسيس ، والجاثليق والشماس .[99] ان هذا الترتيب الكنسي ينطبق على طائفتي اليعاقبة والملكيين معا. ويبقى السؤال هل شكل هؤلاء فئة متميزة عن بقية السكان؟ تصعب الاجابة على ذلك نظرا لقلة المعلومات التي وفرتها لنا المصادر التي اطلعنا عليها، انما المرجح، بما ان المسيحيين كانوا يعيشون في احيائهم الخاصة، ويتمتعون بنظمهم الخاصة ايضا، انهم كانوا فئة اجتماعية ميميزة ببعض وجوهها من الفئات الاجتماعية الاسلامية، علما ان الصفة العامة للمجتمع الدمشقي بما هي ظاهرة اجتماعية عامة شملتهم بدورهم، لانهم تشاركوا مع بقية الدمشقيين الاعمال عينها، واحتفلوا معهم بكل الاحتفالات والاعياد، كما شاركهم المسلمون احتفالاتهم.

رئيس اليهود : كان مسؤولا، بوجه عام عن طائفتي اليهود القرائيين و الربانيين معا .[100]اما السامرة فقد كان لهم نائب رئيس بدمشق وهو المتحدث باسمهم [101]، وكان وضعهم الاجتماعي مشابها الى حد بعيد لوضع المسيحيين.

   على ان دور رجال الدين خصوصا المسلمين لم ينحصر فقط بما ذكرت، بل مارسوا مهمات اخرى كالتدريس والافتاء وارشاد الناس والخطابة في دور العبادة مما قربهم من العامة، كما مارسوا ضغوطا على الطبقة العسكرية الحاكمة بدمشق لحل المشاكل الناجمة عن سؤ اداء افرادها تجاه مختلف الفئات الشعبية.

23  – الاعيان الآخرون: لتحديد التفريع الاجتماعي ضمن فئة الاعيان لا بد من اعتماد المبدأ المنظم وهو مبني في هذه الحالة على المستويين الاقتصادي والمنزلة الوظيفية. وان خلو مصادرنا العربية من الارقام تدفع بالباحث لاعتماد الصفة فقط بالنسبة للحالة الاقتصادية التي تعتمدها هذه المصادر كأن تقول فلانا من مياسير او كبار التجار، كتجار الخانات والقيساريات، وارباب القوافل، وتجار الجملة والسماسرة او الوسطاء التجاريين. لقد ضاهى هؤلاء، بسبب ثرائهم ومنزلاتهم الاجتماعية، كبار الامراء من حيث الاهمية وشاركوا بحضور الاحتفالات الرسمية، ونالوا احتراما مميزا من السلطات ومن الشعب على حد سواء[102]، لان التجارة تحتل مركزا مرموقا في الاسلام [103]. ويدرج في هذه الفئة اصحاب الصناعات المهمة وهم غير الحرفيين الصغار. ويصعب علينا اعطاء فكرة واضحة عن عدد هؤلاء وثرائهم حتى وان اعتمدنا على دراسة المصادرات التي كانت تقوم بها السلطات الحاكمة بدمشق لسد عجز موازناتها اولزيادة مداخيلها، لان المصادر الدمشقية تحجم في الغالب عن اعطاء ارقام، على خلاف المصادر المصرية التي تزودنا بارقام عن غنى بعض التجار وغيرهم من المياسير[104]. ولعجزنا ايضا عن تحديد نسبتهم الى مجموع تجار دمشق كما الى مجموع سكان دمشق من جهة.

   اما المبدأ الاخر المنظم للتفريع الطبقي للاعيان فهو السلم الوظيفي: فالى جانب الجهاز القضائي كان هناك العلماء، والمحتسبون، وشيوخ الاسواق ( النقباء)،[105]والاطباء، والمهندسون، وجباة الضرائب…

    ان بياض العامة ممن ذكرنا شكلوا طبقة برجوازية بالاصطلاح الحاضر لان الابناء توارثوا عمل الآباء، وجنى بعضهم ثروات مهمة جعلتهم عرضة اما للمصادرات او للطرح[106]، ما دفع بعضهم لاخفاء ثرواتهم، فكانت تقهقرت الحركة الاقتصادية نسبيا، وكذلك عدد بياض العامة.

   3- العامة [107]: من الواضح جدا ان الاسلام دعا الى المساواة بين المؤمنين بهدف الغاء التفاوت في المجتمعات الاسلامية وتحقيق العدالة على المستويات كافة. لكن سوء ممارسة الحكم لا سيما في العهد المملوكي الذي تقاسم فيه السلطان وامراؤه الخيرات الاقتصادية في الدولة، وكانت وفيرة جدا. افدى الى نوع من العداء بين الحكام والرعية، على الرغم من محاولة الحكام التقرب من الشعب عن طريق بناء المؤسسات الدينية والاجتماعية كالمساجد، والبيمارستينات ( المستشفيات ) والمدارس. انما الضرائب الفادحة وغير المنتظمة، واعمال السخرة، ومختلف انواع المصادرات افرغت كل محاولات التقرب من مضمونها. وراح بعض افراد الطبقات الاجتماعية ( الفئات ) ينحدرون من طبقة الى اخرى حتى استقروا غالبا في القاعدة. وقد افرزت ممارسات المماليك الجراكسة فئة عرفت ب” الزعر” ، وهي استمرار لفئات الاحداث والعيارين والارذال والاوباش[108]التي اثُرت في العهود السابقة على حكم المماليك، ولكنها لم تنحو الى التطرف في الفساد كما اصبح عليه الحال  مع  الزعر .

     وتعبير العامة او اصطلاحه قديم جدا في المجتمع الاسلامي، تناوله الادباء والفقهاء والمؤرخون لدور العامة البالغ الاهمية في المجتمع على الصعيدين الاجتماعي والسياسي: فهم عند الدينوري :”اصحاب الاهانات، وابناء الانذال…ومنهم الرعاع والهمج والغوغاء، واهل السفه والخفة…والدهماء.”[109]وهم عند الطبري: النطاف وباعة الطريق في محتقرات البيوع، وبائعو البطيخ والزجاج، والقصابون، والبقالون، والكناسون.[110]والعامة عند “الصفدي”خلاف الخاصة”[111].

    ولكن هذا التعريف لا ينطبق على العامة في العهد المملوكي الذي عرّفها بعضهم ومنهم (لابيدوس) بأنها الفئات الشعبية التي لم تتلق تعليما، ولا حققت ثروة، ولم تشغل منصبا حكوميا، بل هي جماعات دفعت الضرائب من دون ان تفيد منها اجمالا، وسميت العامة او عامة الناس لاضفاء عليها صبغة من الاحترام وتمييزا لها من الزعر والارذال.[112]

  وتألف العامة في العهد المملوكي كما وصفها مؤرخوه من: اصحاب الحوانيت، والباعة المتجولين، وباعة المفرق، والعمال كالنجارين والبنائين، والحرفيين[113]، وضمت ايضا اصحاب الصفقات التجارية المشبوهة والمخادعين، والسماسرة، والصيارفة،[114]وتجار النخاسة، وبائعي الخمور، والمغنين والنادبين[115]، واضاف اليهم المقريزي القصابين، واصحاب بيوت الدعارة، وضامني الافراح والمآتم، والمشاعلية اي منظفي الاقنية والبيوت[116]. وعمال الدباغة، وضاربي الرمل لكشف الغيب، وسائقي البغال والحمير وغيرهم[117]. وشمل هذا التصنيف مختلف الطوائف: الاسلامية من سنة وشيعة، والمسيحية من نساطرة ويعاقبة، ويهود قرائيين وربانيين وسامرة.

  لقد تجانس جميع طوائف العامة من حيث طبيعة العمل، فمثلا: لم يكن ممنوعا على الذميين ممارسة اي مهنة يمارسها المسلمون، فامتلك المسيحيون محلات كثيرة غصّت بمختلف انواع الملابس والاواني النحاسية وغيرها.[118]ويعتبر “اندريه نصار” ان تجارة الاقمشة شكلت واحدا من القطاعات التجارية الرئيسية للنشاط التجاري اليهودي في القرون الوسطى، اذ تاجر يهود دمشق بالالبسة ومارسوا ايضا بعض الحرف[119] . واشتهروا باعمال الصيرفة وبالربى[120].كما تولوا وظائف كتابة السر ، ودار الضرب.[121]

واختلفت اوضاع اليهود والمسيحيين عن المسلمين بدفع ضريبة الخمر، والجزية او الجوالي عملا بأحكام اهل الذمة، واجحف احيانا جباة الضرائب بحق الذميين، فكانت تصدر بسبب ذلك، ووفقا لهوى السلطان، مراسيم سلطانية تأمر النائب بجباية الجزية وغيرها بالمعروف، وتطلب ممن ظلم من الذميين التوجه الى الابواب الشريفة اي السلطانية.[122] كما طبقت عليهم احيانا شروط الذمة[123]. وعوقبوا جماعيا مرات اخرى بسبب استيلاء القراصنة الاوروبيين على السفن التجارية المملوكية في المتوسط، او اعتداء دولة اروربية او اكثر على دولة اسلامية[124]، او بناء لرغبة السلطان ومن دون اسباب حقيقية[125]. ولم يكن اليهود محبوبين من السكان، وتعرضوا مرات عدة للاهانات والضرب حتى في المواكب الرسمية او في احتفالات النائب[126].

 واختلفت ايضا اوضاع المسيحيين واليهود عن اوضاع المسلمين من حيث السكن، فكان للمسيحيين حيهم الخاص في الزاوية الشمالية الشرقية للمدينة بالقرب من باب توما. وسكن اليهود بالمحلة التي عرفت باسمهم[127]. وكان للطائفتين مقابر خاصة معروفة باسميهما على مقربة من اسوار المدينة.[128] ويصعب اعتبار ذلك اختلافا دقيقيا اومهما لان الاحياء عموما والحارات خصوصا انتظمت وفق ترتيب عائلي؛ فكان لكل عائلة اجمالا حيها الخاص على حد تعبير لابيدوس[129]، الذي يصنف الاحياء وحدات اجتماعية قائمة على التجانس الديني_ من دون ان يحدد الطائفة_ والعرق، وهي، برأيه، مماثلة للوحدات القروية داخل التكتل المديني[130].

4-الزعر: ان نشوء المعدمين في مختلف المجتمعات الانسانية نتج من الصراع على الثروة او على السلطة، او على الاثنين معا لتلازمهما في غائية جنوح الانسان الى العظمة. وفي خضم يأس المعدمين انبرت جماعات تدّعي الدفاع عن مصالحهم منّصبة نفسها قادة عليهم باسم الانسانية. وهذه القيادات، في الغالب، تكوّنت من افرازات اوضاعهم البائسة المنبثقة من رفض الواقع المظلم والمرير، ومن جنوحها بدورها للاستغلال، ولشراسة في اخلاقها وطبائعها. فتكونت اذ ذاك احزاب عفوية اخذت على عاتقها تغيير الواقع المشكو منه وفق اساليبها الخاصة، واقنعت المعدمين بأن ما تصبو وتسعى اليه، وفق وسائلها الخاصة، يمثل انجع السبل لتطوير احوالهم البائسة. ولنا امثلة  في التاريخ العربي والاسلامي الوسيط على انتظام الشطار او العيارين بما يشبه الاحزاب، او الانتظام العسكري.[131]

   تألف الزعر اجمالا من الشطار (سليلي العيارين على الارجح)، والبلاصين، والغوغاء، والاوباش، والحرامية – وهم غير اللصوص)، والاوغاد ومن شابههم[132]. ولم ينتج هؤلاء من الافراز الاجتماعي الدمشقي فقط فبعضهم كانوا دخلاء على المدينة؛ اذ لجأوا اليها على اثر الغزو المغولي للعراق وما جاوره.[133]وأنشأوا حارات خاصة بهم في عدد من احياء المدينة، ومن اشهرها: الغوطة، الشاغور، القبيبات، ميدان الحصى، القراونة، حارة المزابل، الشويكة، زقاق البركة، باب السريجة وغيرها. ولم تشكل سوى احزمة بؤس في طفرات المدن الحالية[134]. وهي ساهمت بزيادة التدهور الاجتماعي والاقتصادي الدمشقي، لأن الزعر ومن شابههم عزفوا، بوجه العموم، عن ممارسة أعمال شريفة.

لقد كوّن الزعر خلايا خاصة بهم تمركزت في العديد من حارات دمشق، وكان يتزعمالتنظيم او الخلية قائد عرف بكبير زعر محلته، واسبغ على نفسه احيانا لقبا يستشف منه المنزلة العالية او النبيلة تدليلا على كرم في المحتد: مثل “قريش” او ابن “الاستاذ”. ولكي يضفي على  تنظيمه هالة من الاحترام ظنا منه ان التسمية تمحو الصفات السيئة التي طالما اتصفت بها منظمات الزعر. وتسمى بعضهم الآخر ب” أبي طاقية”[135]، او “الجاموس”.[136]دلالة على ضخامة الجثة والقوة البدنية،[137]او كي يستشف من اللقب القوة والمهابة لاخافة الاعداء. 

 وتمييزا لهم من بقية الناس تزيّ الزعر بلباس خاص هو كناية عن”فرعاني” يلفونه على رؤوسهم، وثياب يقلبونها على أكتافهم، وارتدوا الابشات بأكمامها الطويلة والعريضة ليتمكنوا من اخفاء السلاح فيها[138]. وقد اشترطوا على المريد الذي ينوي الانخراط بصفوفهم حسن استعمال الخناجر والسيوف وغير ذلك من الاسلحة التي كانو يقتنونها[139]، لان تنظيمهم كان يقوم على القتال اما للدفاع عن انفسهم او للاعتداء على الناس بأموالهم، او مهاجمة الاسواق.[140]

-موارد رزقهم:  اعتاش الزعر من موارد متعددة: كان يمتلك بعضهم الحوانيت، وفي هذه الحال كانوا يفرضون سطوتهم على الحوانيت المجاورة واحيانا على معظم حوانيت السوق او المحلة. فكانوا يقيمون في بعضها، ورغم عن ارادة اصحابها، من يبيع لحسابهم او باسعار مرتفع نسبيا لينصرف المشترون الى محلات الزعر لتزدهر دكاكينهم. كما كانوا يفرضون الاتاوة “الخوة” على بعض الحوانيت، وذا رفض اصحابها الانصياع تعرضت حوانيتهم اما للسرقة او لاعتداءات شتى. فكان تواجد حوانيتهم في محلة ما يشكل كارثة على اصحاب الحوانيت الاخرى، ليس بسبب ما ذكرت فقط، انما لان المحلة اذا تعرضت للرمي او للطرح كانوا يفرضون، بقوة السلاح او السطوة، المال المتوجب لتلك الضرائب على الحوانيت الاخرى  [141]. واذا ارادوا الاحتفال- وكانت احتفالاتهم باذخة – بسبب اقامة الهدنة العسكرية بين منظماتهم على اثر قتال كانوا يحمعون الاموال من”المستورين او المحتاجين على وجه الحياء والقهر” على حد تعبير ابن طولون.[142]

لقد شكّل الزعر (مافيات) حقيقية امام اعين السلطة. أليس من المفارقات الغريبة ان تشجّع السلطة الحاكمة الزعر على التمادي بغيّهم، لاسيما عندما كانت تحتاج الى خدماتهم؟ فأحيانا كان نائب دمشق وبعض كبار الموظفين العسكريين فيها يحضرون العرض العسكري الذي يقيمه الزعر ارضاء لهم، وكان يتوّج ذلك الاحتفال بخلع يشرّف بها النائب اكابرهم[143]. وكانوا يشاركون باستقبال نائب المدينة الجديد شأن سكان دمشق جميعهم بعدتهم الكاملة اي بثيابهم (الميليشياوية) واسلحتهم الظاهرة،[144]مما كان يعني اعترافا ضمنيا بتنظيماتهم وسطوتهم، بل بممارساتهم غير الاخلاقية. ومما يؤكّد هذا الرأي ان النائب كان يعلم احد كبار منظماتهم انه سيمر بموكبه في محلته، فيعمد زعره الى اخذ اموال الناس قهرا كي يزيّنوا له عند زاوية المحلة[145]. وهذا اعتراف آخر وصريح بسلطتهم وتشجيع لممارساتهم الشاذة، بل ان السلطة بهكذا ممارسات كانت تشجّع، وان بطريقة غير مباشرة في ابعد تعديل، الجريمة المنظّمة. وكثيرا ما كان يعمد الحكام المماليك كنائب المدينة، او اتابك العسكر الى ملاطفة الزعر، واقامة الصلح بين فئاتهم المتنازعة عوضا عن ان يردعوهم بالاقتصاص منهم بسبب تعدياتهم اللاخلاقية المتكررة[146]، علما ان الزعر كانوا احيانا يزدرون باهل السلطة بمن فيهم اصحاب المناصب رفيعة[147]ودليلنا على ذلك تعدياتهم المتكررة على المماليك السلطانية من دون ان يردعهم احد[148]. ومن المؤسف ان نائب المدينة ساهم بطريقة فعالة باعلاء شأن الزعر والاعتراف العلني والصريح بتنظيماتهم وبتدريبهم العسكري العلني لأنه كان يستعين بهم عسكريا كلما دعت الحاجة وافتقر الى المناصرين[149].

وهكذا تمّ الاعتراف بهم رسميا، واعطوا صفة معنوية، على الرغم من ان الظاهرة الاجتماعية التي كانت تحكم تصرفهم تمثّلت بالتعديات على اختلاف انواعها بما فيها الجريمة واللصوصية، والعزوف عن ممارسة اعمال شريفة. 

  ومن المؤسف حقا ان بعض الفقهاء ساهموا بطريقة غير مباشرة بازدياد اعمال الزعر الشائنة حينما اجازوا لهم قتل اعوان الظلم والمجرمين من البلاصين واللصوص وغيرهم من دون ان يدروا ربما انهم كانوا يحاولون استئصال الجريمة بجريمة اخرى قد تكون ابشع. لان الزعر استندوا لتبرير جرائمهم على فتوى دينية، وعلى مساندة بعض رجال الدين الذين كانوا يشفعون بهم لدى نائب المدينة او غيره من المسؤولين لكي لا يقتصاصوا منهم بسبب تلك الجرائم[150]. والافدح من ذلك كله انهم صاروا يخرجون باسلحتهم ويسطون على اموال الناس، ومن كان يمتنع عليهم يعمدون الى قتله باسم الدفاع عن المساوىء الاجتماعية[151]وهم كانوا رأس حربة فيها. ولم يقف الامر عند هذا الحد بل صار الناس يبذلون لهم الاموال للقضاء على اعدائهم[152]. واذا تجرأ احد وشكا امرهم للسلطات دفاعا عن حقه الطبيعي كان يدفع حياته ثمنا، لأن كمائنهم انتشرت في كل مكان وكثرت اغتيالاتهم، والسلطة الرسمية غائبة.[153]

ومن الفضائح الاجتماعية الاقتصادية التي شجّعها المماليك بسبب نهمهم الدائم للمال مباركتهم بل تسويغهم لعادة درجت وهي: اذا وجد قتيل في محلة ما، مجهول قاتله، كان يغرّم اصحاب حوانيت المحلة او سكانها بديته، وتختم حوانيتهم ريثما يتم تسديد الدية[154]مما جعل اصحاب المحلة يتعرضون الى الخوف الدائم على حياتهم والى دفع ديات متلاحقة لكثرة تكرار تجهيل القاتل، وكان الزعر من يقومون بالقتل.

 ان كل ذلك يدفعنا للاعتقاد ان (طبقة) فئة احتماعية تم الاعتراف بها رسميا من اعلى سلطتين في دمشق المملوكية: السلطة العسكرية، ورجال الدين. وهذا يدل من دون ادنى شك على انتشار الجريمة والمساوئ الاجتماعية المتنوعة على نطاق واسع، وعلى عجز السلطة العسكرية والجهاز الحاكم عن ردع مرتكبيها، وعن عجز السلطات الدينية عن القيام بمهامها بدقة لخضوع معظم افرادها لارادة اهل الحكم تقربا منهم للحصول على الوظائف التي صارت تشرى بمال.

ان سواد العامة بوجه عام تعرض الى مصدري اساءة: الطبقة العسكرية الحاكمة التي كان من اولى واجباتها حمايتهم، والزعر الذين استغلوا حاجة الحكام المماليك الى خدماتهم، ويضاف اليهما سوء تقدير بعض رجال الدين للسبل الآيلة لتنظيف المجتمع من الجرائم.  

العلاقات بين فئات المجتمع الدمشقي :دخل معظم المماليك الى مصر وبلاد الشام صغارا، وتربوا تربية اسلامية في الطباق[155]اشرف عليها الطواشية ومقدمو المماليك السلطانية[156]، الذين كانوا بدورهم يتحدرون من المماليك، وبعض رجال الدين. وقد جهدوا جميعهم كي يتخرج طلابهم منضبطين طائعين لرؤسائهم، ومنعوا في بداية العهد المملوكي من الزاوج من بنات البلاد والاختلاط بالسكان، ما عزز التمايز الاجتماعي. وكان المماليك يشعرون باستمرار بانفة واستعلاء بما حظوا من امتيازات على مختلف الاصعدة المادية والاجتماعية، وتقاعسوا  عن تلبية حاجات الناس عموما، وما لبّوه لم يكن الا تقرّبا من الله لبراء احد السلاطين من علة، او عندما كان الناس يضجّون بسبب تردي الاحوال الاقتصادية، او عندما كان يضرب البلاد وباء ويستفحل امره.

 وزاد في الوضع سوءا عندما شرع المماليك السلطانية”الجلبان” يدخلون البلاد كبارا في السن، وتألف معظمهم ممن ثقل عليهم العيش في بلادهم، او امتهنوا حرفة او مهنة، فانخفض مستوى تعليم المماليك في الدين والتدريب على حد تعبير المقريزي.[157]

وادى ذلك التركيب الاجتماعي، الذي حافظ الحكام المماليك على استمراره، الى انفصام بين الحكام الاغراب وجهازهم العسكري من جهة، والسكان من جهة ثانية. فلم يدرك السلاطين اهمية السكان في منعة الدولة وتطور المجتمع وتماسكه بما في ذلك نواب دمشق واجهزتهم العسكرية. فاعتبروا السكان كل السكان مصدرا ماليا لاينضب، وخدما لتحقيق رفاهيتهم، ومارسوا عليهم اساليب لا يقرها لا الشرع الاسلامي ولا اي شرع آخر، ولعل ابرز تلك الاساليب الملتوية:

الرمي : وأصله ان تفرض على حارة او حي بأكمله مبالغ من المال دية لاهل قتيل وجد فيها لم يعرف قاتله عملا باجتهاد المذهب الحنفي[158]. ولكن نواب دمشق او من ينوبون عنهم صاروا يستوفون مبالغ طائلة يقتطعون قسما ضئيلا منها دية لأهل القتيل ويحتفظون ببقية المال لانفسهم. حتى غدا الامر سياسة مالية اجتماعية انتهجتها الطبقة العسكرية الحاكمة وافتنّ المماليك باختلاق الذرائع تبريرا لهذه الاساليب الملتوية، فمنها مثلا تذرع نائب دمشق بفقدان اشخاص بمحلة ما من دون التثبت من ان الغائب قتل او انه غائب لسبب غير معروف ليفرض الرمي على سكانها[159]. او من اجل ملاقاة قافلة الحج[160]. او كي يتمكن من كان يتولى من رجال الدين وظيفة برشوة من تسديد المال للنائب الذي كان يشترط عليه لتعيينه في المنصب الجديد القبول بل فرض الرمي على الحارات والاحياء[161]. او بسبب الصراع بين مملوك واحد الاهالي[162]. وبات الرمي مصدرا ماليا شبه ثابت لنائب دمشق؛ اذ فرض ايضا لتسديد نفقات الحملات العسكرية[163]، وغير ذلك من انماط الاحتيال التي ابتدعها نائب دمشق ومعاونوه.[164]ومن الامثلة الصارخة على الضرر الذي كان يلحقه الرمي بالناس هو ان تاجرا دمشقيا شنق نفسه لعجزه عن دفع مال الرمي، الذي قرره السلطان على تجار دمشق في ربيع آخر من عام 894 /1489، ولما جاء والده يشتكي للنائب امر بشنقه بعد ان اتهمه برفض اقراض ابنه المال المتوجب عليه لدفع بدل الصابون المرمي عليه[165].    

الطرح : وهو بيع قسري يفرضه نائب دمشق على التجار وبأسعار يرتئيها لسلع يريد التخلص منها، او ان يشتري سلعا من الاسواق بالسعر الذي يناسبه ثم يعيد بيعه من التجار قسرا وبثمن اغلى. ومن تلاوينه الاخرى ان يصادر النائب سلعا متذرعا بانها فاسدة ومن ثم يلزم التجار بشرائها منه[166]. ومؤلفات ابن طولون مليئة بنماذج ابتدعها نواب دمشق ليمارسوا الطرح على تجار المدينة، ومنها: بناء على مرسوم سلطاني طرح على تجار دمشق عام 886/1481 كمية كبيرة من السكر بزيادة ثلاثة دراهم على السعر الرائج للرطل الواحد[167]، وفي عام 904/1498 طرح نائب دمشق جمالا على اهاليها كان نهبها من عرب حوران، ولما شكا اهالي القبيبات فقرهم وعجزهم عن شرائها، امر المشاعلية بضرب المشتكين، ومن ثم غرّمهم اموالا كثيرة اضافية، وطرح بقية الجمالا باثمان مضاعفة على اهالي دمشق[168].  

المصادرة : وهي مصادرة اموال الناس من دون حجة شرعية. وقد برّرها السلاطين ونواب دمشق كيفيّا، حينا من دون سبب وجيه كحاجة السلطان الى المال، وفي هذه الحال كان يرسل قاصدا من عنده يحدد قيمة المبلغ الذي يجب مصادرته،[169]او لسبب لا يمكن الركون الى صوابيته كالتذرع بتسديد نفقات الحملات العسكرية للدفاع عن الاطراف الشمالية لبلاد الشام، او اعداد حملات تخدم النائب نفسه عندما كان يقرر الثورة على السلطان بقصد احتلال منصبه.[170]والمصادر المملوكية ولا سيما الدمشقية مليئة باسباب المصادرات وانواعها، لأن لجوء الحكام اليها غد اسلوبا مشروعا للحصول على الاموال من دون مشقة، وكأنهم لم يكفهم استيلاؤهم على معظم مصادر الدخل في دمشق .

المشاهرة والمجامعة :وهي كناية عن مال شهري يفرض على الاسواق لصالح السلطان او نائب دمشق. فكان يعمد التجار الى رفع اسعار سلعهم كي يتمكنوا من تسديد المتوجب عليهم، وفي الوقت عينه كانوا يستغلون الامر لزيادة الاسعار اكثر مما تقتضيه المشاهرة، فيقع سكان دمشق ضحية للتجار والحكام على حد سواء.[171]

تعديات معتنوعة:مارس المماليك تعديات متنوعة سأكتفي بذكر ابرزها: كالنهب التي طالما تعرضت له دمشق في مناسبات عديدة من دون ان يلقى المنكوبون انصافا في أكثر الاحيان[172]. وتجاوزات الاجناد التي طالمم تعرض لها الدمشقيون أكان من الذين اقامو فيها او الذين كان يستقدمون اليها لاكثر من سبب، وفي الحاليين معا سام الجند الدمشقيين انواع الاعتداءات في املاكهم وارزاقهم ونسائهم، وزهق الانفس.[173]

ثالثا: موقف الدمشقيين:لم يتقبل الدمشقيون الواقع المرير بسهولة، وادركوا انهم مغلوبون على امرهم وان اصلاح الحكام اصلاحا جذريا بات غير ممكن، فحاولو جاهدين تغيير المعادلات للتخفيف من انواع الظلم الذي تمادى الحكام بافتعاله بل افتنّوا باستنباطه، بان لجوأوا الى الوسائل الدينية في معظم الاحيان، وعبروا عن مواقفهم بما اوتوا من امكانات محدودة؛ فكانوا يهرعون الى رجال الدين لأنهم كانوا وفق الشرع الناطقين باسم المسلمين، رقباء على الحكام والمجتمع على حد سواء. وكانت لهم من منزلة عالية عند الحكام، الا اولئك الذين تولوا مناصبهم برشوة. وقد نجحوا احيانا في رفع الحيف عن المظلومين.[174]وعندما كانت تفشل الوساطة كانوا يعتمدون بدائل اخرى كالاحتجاج السلمي- المعروف بالتكبير- بالنزول الى الاسواق هاتفين الله اكبر- تدليلا على ان الله ينصر المظلومين، ويشكل مضمونه دعوة الى اهل الظلم الى الثواب. وكان يتم التكبير اما في الشوارع باعترض مواكب النائب او احد مساعديه، او في الجوامع، وفي الحالين كان القضاة والعلماء يتقدمون المتظاهرين تأكيدا على استرجاع حق سليب واضفاء الصفة الشرعية على التظاهرة علّ الحكام يرعوون. وكانت تلك التظاهرات تخيف المماليك، بوجه عام، بما تخلق من حالات عدم الاستقرار التي قد ينفذ من خلالها المصطادون بالماء العكر للاخلال بالامن او للتعدي على من يجدون من المماليك منفردين.[175]

    وكان لفشل تلك المساعي آثار سيئة على الوضع العام في دمشق، يؤدي الى يأس العديد من متوسطي الحال، لان التعديات المتكررة حولتهم الى ما دون متوسطي الحال بل الى فقراء، وعجزوا بالتالي عن تأمين اود الحياة مما دفعهم ان يسلكوا دروب الجريمة المتنوعة، فازدهرت اعمال اللصوصية والحرامية، وكثرت الجرائم، ومناسر الليل، والسرقات واعمال النهب[176]. وانخرط بعضهم في منظمات الزعر مما زاد في الطين بلة وزاد بسوء اوضاع الدمشقيين. حتى بات المجتمع الدمشقي يحفل بانواع المفاسد الاخلاقية نتيجة ممارسات الحكام الجائرة وبسسب الفقر واليأس، ولعل ابرز تلك المفاسد الدعارة على انواعها[177] والتحشيش،[178]وما الى ذلك.

من المؤسف حقاان تنتهك القيم المشرقية عامة والاسلامية خاصة في المجتمع الدمشقي على يد المماليك الجراكسة الذين هم في واقع الامر اغراب اكتسبوا حديثا الاسلام دينا ومن دون ان يتثقفوا بعمق بمبادئه وقيمه الاخلاقية، ولا هم انخرطوا اجتماعيا في مظاهر الحياة التي عاشها كل الدمشقيين المدنيين او تحسسوا روعتها وانسانيتها، وبالتالي لم يدركوا ان السكان هم الاساس لرئيسي للحياة المرفهة التي عاشها المماليك، ولم يقدروا الانسان فيهم انمانظروا اليهم بامتهان واستعلاء. وقد تأتت كل تلك العلل من سوء تدبير القادة لتأصل عاداتهم الاصلية في نفوسهم، ولامتناعهم عن فرض عقوبات صارمة على من يعتدي ممن كانوا يحمونهم، ولاعتمادهم “الياسة”قانونا عوضا عن الشرع. ويعوزني التعبير الصحيح لشرح تلك المعادلة بين الاغراب والاهلين.

     لقد غدا الفقر والظلم وعدم الاطمئنان الظاهرة الاجتماعية لمعظم احياء دمشق، وعلى الرغم من تنوع الاحياء وتمايز بعضها عن البعض الآخر بالسلوك الاجتماعي احيانا المتأتي عن الوظيفة بوجه العموم، فان اللصوصية، والنهب، وتعديات المماليك الفردية احيانا، والمنظمة احيانا اخرى، ناهيك بالصراع بين المماليك انفسهم نوابا وارباب ادارة، فضلا عن الصراعات بين طوائف الجند. اضف الى ذلك تسرّب المفاسد الاجتماعية على اختلاف انواعها الى الجهازين الاداري العسكري، والى بعض المتعممين، بسبب التنافس على المناصب وشرائها، واستشراء شرب الخمر وحماية الخمارات[179] والدعارة[180].

ان كل ذلك شكل السمات الاجتماعية لدمشق على عهد المماليك. ولم تكن اعمال البر والخير النادرة[181]، فضلا عن بناء المؤسسات الدينية العديدة على اختلاف انواعها سوى تكفير عن ممارسات الظلم غير المبررة، وتقرب من الله من جهة ثانية. وعلى الرغم من العقوبات المتعددة التي انزلت ببعض اهل الظلمة من ابناء دمشق، وببعض المماليك احيانا، فان سلوك الحكام الفاسد، بدا سلوكا عاما في اواخر عهد المماليك، حتى ان بعض المناصب الادارية العسكرية فضلا عن معظم مناصب المتعممين صار يشرى بمال. فانعكس هذا السلوك الملتوي على المجتمع الدمشقي وحول في مظاهر بنيته الاجتماعية على رغم بذل جهود بعض المتعممين من اجل التخفيف من اعمال الظلم وتوعية الحكام.

              الدكتور انطوان ضومط استاذ (متقاعد) التاريخ الاسلامي الوسيط في الجامعة اللبنانية

مصادر البحث ومراجعه :

اولا المصادر العربية:

1 -ابن ابي اصيبعة،(احمد بن القاسم)،عيون الانباء في طبقات الاطباء،تحقيق اوغست مللر،القاهرة ،1822،

2-ابن اياس،بدائع الزهور في وقائع الدهور،بولاق ،1311هجري

3-ابن بطوطة،(محمد بن عبد الله)،تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار،المطبعة الاهلية،باريس،1874-1879.

4-ابن تغري بردي،(جمال الدين ابو المحاسن)،النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة،طبعة دار الكتب ،القاهرة،1930-1956

5-ابن جبير،(حسين)، رحلة ابن جبير،دار صادر بيروت،1961.

6-ابن جماعة،(بدر الدين محمد)،تذكرة السامع والمتكلم في آداب العلم والمتعلم،مطبعة دائرة المعارف العثمانية،حيدر اباد الدكن،1353ه.

7-ابن طولون،( شمس الدين محمد)،-  مفاكهة الخلان في حوادث الزمان،نشر محمد مصطفى زيادة،القاهرة، 1962-1964

8-اعلام الورى بمن ولي من الاتراك بدمشق الشام الكبرى،تحقيق محمد احمد دهمان،دار الفكر ،دمشق،1984.

9-ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر،مجلة المشرق ،بيروت،1937،

-10نقد الطالب لزغل المناصب،حققه محمد احمد دهمان وخالد محمد دهمان،دار الفكر المعاصر نبيروت،1992.

11-الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء  الشام،تحقيق صلاح الدين المنجد،دمشق،1956.

12=القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية،تحقيق محمد احمد دهمان،دمشق،198.

13-ابن كثير،(عماد الدين اسماعيل)،البداية والنهاية في التاريخ،مكتبة المعارف،بيروت،1966.

14-ابن كنان،(محمد بن عيسى)، المواكب الاسلامية في الممالك والمحاسن الشامية، جزءان، تحقيق حكمت اسماعيل، وزارة الثقافة، دمشق، 1993

15-حدائق الياسمين في ذكر قوانين الخلفاء والسلاطين، تحقيق عباس صباغ، دار النفائس، بيروت، 1991

16-البدري،(ابو البقاء عبد الله)،نزهة الانام في محاسن الشام،القاهرة،1341ه.

17-البصروي،( علي بن يوسف الدمشقي)،تاريخ البصروي،تحقيق اكرم العلبي،دار المأمون للتراث،دمشق ،1988.

18الخالدي،(مجهول الاسم الاول)،المقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا،مخطوط حققه خليل شحادة،اطروحة دكتوراه باشراف الاب الدكتور جان فييه غير منشورة،جامعة القديس يوسف،بيروت،1988.

19-الدينوري،(نصر بن يعقوب)،التعبير في الرؤية،مخطوط في متحف بغداد،رقم 598.

20-السبكي،(تاج الدين)،معيد النعم مبيد النقم،دار الحداثة،بيروت،1983.

21-الصفدي،(خليل بن ايبك)، تحفة ذوي الالباب،وزارة الثقافة ،دمشق،1991.

22-الصولي،(محمد بن يحي)،اخبار الراضي بالله والمتقي بالله مطبعة الصاوي،مصر،دون تاريخ.

23-الطبري،(محمد بن جرير)،تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، دار المعارف بمصر،القاهرة،1960-1969.

24-الظاهري،(خليل بن شاهين)،زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك،اعتنى بتصحيحه بولس راويس،المطبعة الجمهورية،باريس،1891.

25-العمري،(ابن فضل الله)،مسالك الابصار في ممالك الامصار،تحقيق دوروتيا كراوفولسكي،المركز الاسلامي للبحوث،بيروت،1986.

26-المسعودي،(ابو الحسن)،مروج الذهي ومعادن الجوهر،تحقيق شارل بلا،منشورات الجامعة اللبنانية،بيروت،1973.

27-المقريزي،(تقي الدين احمد)- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار،بولاق،1270 ه.

28- السلوك لمعرفة دول الملوك،تحقيق محمد مصطفى زيادة،دار الكتب ،القاهرة،1934-1936.

29-النعيمي،(محي الدين عبد القادر محمد)،الدارس في تاريخ المدارس،مطبعة الترقي ،دمشق،1948.

     المراجع العربية

– الدوري،(عبد العزيز)،مقدمة في تاريخ صدر الاسلام،المطبعة الكاثوليكية،بيروت،1960.

30-العلبي،(اكرم)،دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين،الشركة المتحدة للتوزيع،دمشق،1986.

  • سوفاجيه،(جان)،دمشق،نقله الى العربية فؤاد افرام البستاني،حققه اكرم العلبي،دار الوارف،دمشق،1989.

31-زيادة،(نقولا)،دمشق في عصر المماليك،مؤسسة فرانكلن للطباعة والنشر،بيروت-نيويورك،1966.

32-سعد،(فهمي)،العامة في بغداد في القرنين 3و4 الهجريين،الاهلية للنشر والتوزيع،بيروت،1983

33-ضومط،(انطوان)،الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري،دار الحداثة،ط2،بيروت،1981

34-كرد علي،(محمد)،خطط الشام،مطبعة الترقي دمشق،1927.

35-كيال،( منير)، الحمامات الدمشقية، مطابع ابن خلدون، دمشق، 1986

36-عزب،(خالد)،”الاحياء السكنية”،مجلة الوعي الاسلامي،العدد 327،السنة 30.

37-لابيدوس،(ايرا مارفين)،مدن الشام في عصر المماليك،نقله الى العربية سهيل زكار،دار حسان،دمشق،1985.

38-نصار،(اندريه)، العامة بدمشق المملوكية،رسالة دبلوم دراسات عليا باشراف الدكتور انطوان ضومط،الجامعة اللبنانية،كلية الآداب،الفرع الثاني -الفنار،1997

                               Bibliographies

39-Ashtor,E., Histoires des Prix et des Salaires dans l,Orient Medieval , Ecole pratique des hautes etudes, Paris , 1959

40-Ayalon,D,” The Muslim City ahd the Mamluk aristocacy”,Proceeding of the  Israel Academy of Sciences and Humanities,2(Jerusalem 1968),pp. 311-329

41-Heyd,W, histoire du Commerce du Levant au Moyen-Age,T2,Leipzig, 1885-1886

-42Institut francais d,archeologie orientale du Caire,Precis d,Histoire d,Egypte,par divers historiens et archeologues, 1932.

-43Soboul,A, L,Histoire sociale- Sources et Methodes,Colloque de l,Ecole Normale Superieure de Saint-Cloud,15-16 mai 1965,Paris, 1965.


[1]  – بدوي (السيد)، مبادئ علم الاجتماع، دار المعارف، مصر، 1981، ط2، ص 204

[2]  – بدوي، علم، ص 207

[3] – ابن كثير (ابو الفداء الحافظ)، البداية والنهاية، مطبعة السعادة، مصر، لا تاريخ، 14 جزءا، ج13، ص321

[4] – ضومط (انطوان)، الدولة المملوكية، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1980، ص203

[5] – سيرد تفصيل كل ذلك بدراسة الطبقة العسكرية الحاكمة.

[6] – شرف (جان )،الايديولوجية المجتمعية ، منشورات الجامعة اللبنانية،بيروت،1996، ص 100

[7] -Soboul, Albert, L’histoire sociale_ Sources et Méthodes, Colloque de l’Ecole Normale supérieure de Saint-Cloud, 15-16 MAI 1965, Paris 1965, p.10.

[8] – ibid  , p.  15

[9] – المواكب ، ج1 ، ص251-252

[10]  – عينه ، ج1 ، 252

[11]  – المكان عينه

[12] – المكان عينه ، وانظر الحاشية رقم 6 التي استند فيها المحقق على الاعلاق الخطيرة ، ونزهة الانام

[13]  – ابن بطوطة (محمد بن عبد الله )، تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار ،المطبعة الاهلية ،باريس ، 1874 – 1879 ، ج1 ، ص235

[13] – نفسه ، ج1 ، ص 229 – 230

[14] – ابن الاثير ( عز الدين)، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، دون تاريخ، ج10، ص 68، 98 ، و نزهة الانام ، ص 27 ، والمواكب الاسلامية، ج1 حاشية رقم5

[15] – المواكب، ج1، ص 214-215

[16]  – المكان عينه

[17]  –  المواكب ، ص 215 -216

[18]  – بدوي، السيد محمد، مبادئ علم الاجتماع، دار المعارف، مصر، 1981، ص 218-221

[19] – ابن طولون ( شمس الدين محمد بن علي)، القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، تحقيق محمد احمد دهمان، نشر مكتب الدراسات الاسلامية، دمشق، 1956 ،ج1، ص 10 ، 74 ، ونزهة الانام، ص 82 ، والمواكب الاسلامية، ص 380-381

[20]  –  ابن كنان ، حدائق الياسمين في ذكر قوانين الخلفاء والسلاطين ، تحقيق، عباس صباغ، دار النفائس بيروت، 1991 ، ص 147، 149 156 ، 206

[21] – المواكب، ج1 ، ص 281 –  282، مفاكهة، ج1، ص 298، 358 ، اعلام الورى، 116 ، العلبي ،  ص 61-63

[22] – كيال ( منير)، الحمامات الدمسقية، وزارة الارشاد القومي، دمشق،  1966 ، ص212

[23] – المكان عينه

[24]  عينه

[25] – الكيال، ص 212

[26]  – نصار ، المرجع السابق ، ص 22 .

[27]  – الرمي هو ان ترمى على حارة معينة مبالغ من المال لصالح السلطان او نائب دمشق او لاقتراف احد ابناء الحي جرم او جريمة او اتهامه باحداهما ، وذلك بعدما بعدما تمكن الحكام المماليك من انتزاع فتاوى شرعية بشأن الرمي والطرح وما شابههما .انظر حول هذاه المواضيع : ابن طولون ، مفاكهة الخلان في حوادث الزمان ، نشر محمد مصطفى زيادة ، القاهرة ، 1962 – 1964 ، ج1 ، ص 227، 249 ، 309 ، 363 ، 366 ، وغيرها .

اما بالنسبة لتنظيم الاحياء فانظر ايضا ابن طولون ، المرجع السابق ، ج1 ، ص 213 ، 274 ، 282 ، 289، 330 ، 374 ، وايضا لابيدوس ، مدن الشام ، ص 152 .

[28] – ابن طولون ، المصدر السابق ، ص 227، 234 ، 267 ، 287 ، 363 ، 366 و377 .

[29] – لابيدوس ، المرجع السابق ، ص 145 وما بعد .

[30] – حدائق الياسمين ، ص 146 –157  

-38  كيال( منير)، الحمامات [31] الدمشقية، وزارة الارشاد القومي، 1966 ، ص43

[32]  – L’Histoire Sociale- Sources et Méthodes p.19 ,28 .

[33]  – المقريزي ( تقي الدين احمد ) ، اغاثة الامة بكشف الغمة ، نشر محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال ، القاهرة ، 1940 ، ص 72 – 73 .

[34] – زيادة ، دمشق ، ص 131

[35] – ابن جبير( محمد بن احمد)، الرحلة، دار صادر ، بيروت، 1980، ص 257 وابن بطوطة( شمس الدين محمد)، تحفة النظار في غرائب الامصار، جزآن، القاهرة، 1964،ج1، ص63

[36] – القلقشندي ( احمد بن علي )، صبح الاعشى في صناعة الانشاء ، مطبعة دار الكتب المصرية ،القاهرة ، 1913 ، ج4 ، ص 472 .

[37] – اعتبر الرق شرطا لدخول الفرد الى الطبقة العسكرية الحاكمة الا في احيان نادرة مثل انعام السلاطين على اولادهم احيانا او على اولاد الامراء الكبار احيانا اخرى . انظر : ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة ، ج 9 ، ص 99 -100 ، وابن اياس ، بدائع الزهور ، ج1 ، 227 ، و ج2 ، ص 5 .

[38] – – Ayalon ( david ), “the Musgim City and the Mamluk Mititary Arhstocracy “ , Proceeding of the Israel Academy of Sciences and Humanities, 2 ( Jerusalem 1968 ) , p. 323

[39] – النجوم الزاهرة ، ج9 ، ص 51 -52 .

[40] – ضومط ( انطوان ) الدولة المملوكية التاريخ السياسي والاقتصادي و العسكري ، دار الحداثة ، بيروت ، ط2 ، 1981 ، ص 86

[41] – Ayalon , ibid .

[42] – ibid

[43] – القلقشندي ، ج4 ، ص 40 – 41 .

[44] – المصدر نفسه ، ج4 ، ص 6 ، 10 ، و 40 ، وانظر المقريزي ، المواعظ والاتبار بذكر الخطط والآثار ، بولاق ، 1270 ه. ، ج2 ، ص 98 .

[45] ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 88

[46] – القلقشندي ، ج4 ، ص 310 – 312 ، وقد اورد المقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار- المعروف بالخطط – ، مطبعة الساحل ، بيروت ، 1959 ، ج3 ، ص 357 – 358 .

[47] – القلقشندي ،صبح الاعشى ، ج4 ، ص 50 – 51 ، وج3 ، ص 485 ، وج6 ، ص 185 ، المقريزي خطط ، بولاق ،ج1 ، ص 87 و90 ، ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة ، ج8 ، ص 52 ، ابن اياس ، بدائع ، ج1 ، ص 90، ج

[48] – العمري ( ابن فضل الله ) ، التعريف بالمصطلح الشريف ، مطبعة العاصمة بمصر ، 1894 ، ص 84 ، القلقشندي ، ج4 ، ص 184 ، الخالدي ، ( مجهول الاسم الاول )، المقصد الرفيع المنشا الهادي لديوان الانشا ، مخطوط حققه خليل شحادة ، اطروحة دكتوراه غير منشورة ، جامعة القديس يوسف ، بيروت ، 1988 ، ص 272 . وهو مؤلف في الادارة على غرار التعريف بالمصطلح الشريف للعمري ، وصبح الاعشى للقلقشندي . وهو يعتبر احدث المصادر المملوكية في هذا الشأن .

[49] – المقريزي ، السلوك ، تحقيق سعيد عاشور ، دار الكتب القاهرة ، 1972 – 1973 ، ج4 ، القسم الاول ، ص 174 . ابن طولون ، اعلام الورى ، ص 73 – 75 ،92 ، 99 ، 121 ، 186 وغيرها .

[50]  – اعلام الورى ، ص 82 ، 186 .

[51] – ابن طولون ، مفاكهة ، ج1 ، ص 224 . كان بدمشق اربع قضاة قضاة للمذاهب السنية الاربعة ، الخالدي ، المصدر السابق ، ص  273 .

[52] – لن ادخل في تفاصيل صلاحيات نائب دمشق لان الموضوعي ينحصر بالتاريخ الاجتماعي ، ولمزيد من الاطلاع على صلاحياته انظر : العمري ،مسالك الابصار ، ص 115 ، والقلقشندي ، ج9 ، ص 253 – 259 .

[53] – لمزيد من الاطلاع انظر  : السبكي ، ( تاج الدين عبد الوهاب ) ، معيد النعم مبيد النقم ، دار الحداثة ، بيروت ، 1983 ، ص 23، و  القلقشندي ، ج13 ، ص 124 ، 194 – 197 ، وابن طولون ، اعلام ، ص  59 ، 61 ، 70 ، 83 ، 115 – 116 ، 122 ، 153 ، 165 – 166 ، 200، 203 ، 220 و غيرها ، والسلوك ، ج4 ، ق1 ، ص 136 – 137

[54] – القلقشندي، ( ابو العباس احمد)، صبح الاعشى في صناعة الانشا ، القاهرة،ج ،4 , ص182 -183

[55] – الخالدي ، المصدر السابق ، ص 272 . بلغ عدد اراء المئة في الدولة المملوكية 24 اميرا بوجه عام ، وكان ينقص عددهم احيانا الى 18 ويزيد الى 26 او 28 اميرا ، انظر الظاهري ( خليل بن شاهين ) ، زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك ، اعتنى بتصحيحه بولس راويس ، المطبعة الجمهورية ، باريس ، 1891 ، ص 113 ، والقلقشندي ، ج4 ، ص13 – 14، و الطرخان ( ابراهيم علي ) ،مصر في عهد دولة المماليك الجراكسة ، القاهرة ، 1960 ، ص 229 .

[56] – الخالدي ، ص 272 . كان من حق امير المئة اقتناء مئة مملوك يشتريهم من ماله الخاص ، وحق لامير اربعين اقتناء اربعين مملوكا ، وسمي ” طبلخاناه ” لانه حق له بقرع الطبول على بابه كل يوم ،اما تسمية الامراء الاخرين فتنبع من عدد المماليك الذين سمح لكل واحد منهم باقتنائهم ، لمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع انظر : ضومط ، الدولة المملوكية ، ص 63 – 65 .

– الخالدي ، ص 272 .[57]، والمواكب، ج2ن ص 12

[58] – القلقشندي، ج4، ص 185 ، والمواكب، ج2، ص13

[59] – القلقشندي، ج4، ص185 ، والمواكب، ج2 ، ص15

[60] – المواكب، ج2، ص16

[61] – الصفدي ، ق2 ، ص 182 ، القلقشندي ، ج9 ، ص 253 ، السلوك ، ج4 ، ق1 ، 425 ، 442 ،والخالدي ، ص 272 .

[62] –  ابن طولون ( شمس الدين محمد)،  مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، تحقيق محمد مصطفى، الؤسسة المصرية العامة، القاهرة، 1962 ، ص50، 155، 157، 164، 183 وغيرها

[63] – ابن اياس ، بدائع ، ج1 ، ص 155 – 156

[64] – نجوم، ج10، ص 4،6، 44، ودمشق في عهد المماليك ، ص 145 .

[65] – كان والد ابن تغري بردي امير مئة ومقدم ألف وتولى نيابة دمشق ، وكذلك ابن اياس .

[66] –  ابن طولون ، مفاكهة ، ج1 ،ص 8 – 9 ، 240 ، 245 .

[67] – المواكب، ج2 ، ص 16-17

[68] – الخالدي ، ص 273 .

[69] – المكان نفسه .والمواكب، ج2 ، ص 16

[70] –  القلقشندي ، ج4 ، ص 34 – 36 .

[71] – السبكي ، 56 ، القلقشندي ، ج11 ، ص 408 – 414 ، ابن طولون ، نقد الطالب لزغل المناصب ، دار الفكر المعاصر ، بيروت ، 1992 ، ص 46 ، ونصار ، العامة ، ص 356 – 357 .

[72] – البصروي ( علي بن يوسف الدمشقي ) ، تاريخ البصروي صفحات مجهولة من تاريخ دمشق في عصر المماليك من سنة 871ه. – لغاية 904 ه. ،نحقيق اكم العلبي ، دار المأمون للتراث ،دمشق ، 1988 ، ص 136.

[73] – ابن طولون ، مفاكهة الخلان ، ج1 ، ص 36 ، 37 ، و 50 وغيرها .

[74] – ابن طولون ( شمس الدين محمد الصالحي الدمشقي )، الثغر البسام في ذكر من تولى قضاء الشام ، تحقيق صلاح الدين المنجد ،دمشق 1956، ص 130، 165، 219، 255 ،  وابن طولون ، نقد الطالب لزغل المناصب ، حققه محمد احمد دهمان وخالد محمد دهمان ، دار الفكر المعاصر ،بيروت ، 1992 ، ص 45 والمقريزي ، السلوك ، ج3، ق3، 1073 و 1168 ، والبصروي ، ص 174

[75] – ابن طولون ، الثغر البسام ، ص 128 – 130

[76] – ابن طولون ، الثغر البسام ، ص 155 . ولمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع انظر انريه نصار ، العامة ، 354 – 355 .

[77] – البصروي ، تاريخ البصروي ، ص 41، 43، 85- 86 ، وابن طولون ، الثغر البسام ، 124-125،160، 164، 180 وغيرها.

[78] – مفاكهة ،ص 115،158، 160 ، 162 وغيرها كثير

[79] – الخالدي ، ص ، 273، المواكب، ج2، ص 17

[80] – الخالدي ، ص 273 .

[81] – القلقشندي، ج4 ، ص 193

[82] – عينه، ج4 ، ص 30 ، والمواكب، ج2 ، ص 19

[83] – المكانان عينهما

[84] – لمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع انظر:انريه نصار ، العامة في دمشق ، ص 360- 364

[85] – ابن ابي اصيبعة ، ( احمد بن القاسم )، عيون الانباء في طبقات الاطباء ، تحقيق اوغست مللر ، القاهرة ، 1822 ، ج2 ، ص 155

[86] – ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج13 ، ص 262، والنعيمي الدارس ، ج2 ، ص 129 – 133،و135

[87] – كرد علي ، (محمد )،خطط الشام ،مطبعة الترقي ، دمشق ، 1927 ، اما ج6 ، فطبع في مطبعة المفيد ، دمشق ، 1928 ، ج6 ، ص 161.لن اتوسع بدراسة البيمارستانات لانها لا تتعلق اجمالا بالوظائف الدينية

[88] – اسسها نور الدين زنكي ، ابن كثير ، البداية والنهاية، ج13 ، ص 58، والنعيمي ، الدارس ، ج1 ، ص 359

[89] – المصدر السبق ، ج2 ، ص 261 – 270 .

[90] – النعيمي ، ج1 ، 365 – 367 .

[91] – البداية والنهاية ، ج13 ، ص 339 ، والقلقشندي ، ج4 ، ص 192 .

[92] – كان المدرسون بوجه عام من القضاة والفقهاء ، والمعيدون من القضاة احيانا ومن العلماء انظر حول هذا الموضوع :ابن جماعة ، تذكرة السامع ، ص 150، 201، 204، والسبكي ، معيد النعم ، ص 108، والنعيمي، الدارس ، ج1 ، ص 297

[93] – القلقشندي ، ج5 ، ص 465 .

[94] – البداية والنهاية، ج14، ص 84، 321

[95] – ابن كثير ،المصدر السابق ، ج14، ص 71، 321

[96] – لابيدوس ، مدن الشام، ص 176

[97] – لمزيد من التفاصيل عن ازياء المتعممين انظر : العمري ، مسالك الابصار ص 112-113

[98] – الخالدي ، ص275 . القلقشندي ، ج5 ، ص 473 .

[99] – القلقشندي ، ج5 ، ص 473 – 474 .

[100] – الخالدي ، ص 275 .

[101] – القلقشندي ، ج4 ، ص 194 . الخالدي ، ص 275 .

[102] – لابيدوس ،المرجع السابق ، ص 136.

[103] – سعد،( فهمي عبد الرزاق )، العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع الهجريين، الاهلية للنشر والتوزيع،بيروت ، 1983، ص 121 .

[104] – الظاهري ،زبدة كشف الممالك ، ص41 فهو يقول ان احد تجار الكارم استطاع بناء مدرسة من مدخول يوم واحد،ويقول القلقشندي ان بعض التجار دين السلطان مئة الف درهم فضة ،ج4،ص 32 وما بعد. ابن تغري بردي ، نجوم ، ج10، ص279، وابن اياس  ،ج1 ،ص 197 وانظر ايضا Ashtor , Eliahu ,Histoire des Pix et Salaires dans  l Orieht Medieval , Ecole Pratique des Hautes etudes ,Paris ,1959 , p 271

[105] – مفاكهة ، ج1 ، ص 100 وغيرها

[106] – مفاكهة ، ج1 ، ص 41، 44 – 45، 78 ، 89 ، 91 ، 119، 231، 164 وغيرها، اعلام ص194، 203 ، 222.

[107] – لن اتحدث عن بياض العامة اي مياسير التجار واصحاب الحرف الكبرى بتفصيل لان هذا الموضوع يتطلب دراسة قائمة بذاتها .

[108] – الصولي ( محمد بن يحي ) ، اخبار الراضي لله والمتقي بالله ، مطبعة الصاوي ، مصر ، دون اتريخ ، ص 202 – 211 وغيرها ، المسعودي ( ابو الحسن ) ، مروج الذهب و معادن الجوهر ، تحقيق شارل بلا ، منشورات الجامعة اللبنانية ، بيروت ، 1973 ، ج2 ، ص 307 – 308 وغيرها .

[109] – الدينوري،( ابو سعد نصر بن يعقوب )،التعبير في الرؤية،او القادر في التعبير،مخطوط متحف بغداد رقم 598 ، نقلا عن سعد ( فهمي)،العامة في بغداد، ص 66.

[110] – الطبري،( محمد بن جرير)،تاريخ الرسلوالملوك،دار المعارف، القاهرة،1960- 1969،ج8،ص448 – 468

[111] – الصفدي ، ( خليل بن ايبك) ، نكت الهميان في نكت العميان ، ص 10 ، نقلا عن العامة في بغداد لفهمي سعد ،ص66 .

[112] – لابيدوس ، مدن الشام ، ص ، 137.

[113] – خطط ج1، ص 89 ، لابيدوس ، المرجع السابق ، ص 137 – 138 .

[114] – السبكي ، معيد النعم ، ص 9 – 10

[115] – لابيدوس ن مدن الشام ، ص 138 .

[116] – المقريزي ، خطط ، ج1، ص  89

[117] – لابيدوس ، ص 138 .

[118] – ابن طولون ، مفاكهة ، ج1 ، ص 35 ، 68 ، 100 ، نصار ، العامة ، ص 88

[118] – نصار ، العامة ، ص 88 ، يستمد رأيه من Goitein  , S. D . , “Artisans en Méditerrannée orientale au haut Moyen-Age “in annales E.S.C., n 5 (1964), PP.847-868, P.852.

[119] – نصار المكان نفسه

[120] – مفاكهة ، ج2 ، ص  10

[121] – المصدر نفسه ،ج1 ،ص 115 .

[122] – المصدر نفسه ،ج1، ص 16 و 198 .

[123] – ابن طولون ،اعلام الورى ،ص 118  ، ومفاكهة، ج1، ص16 ، 87

[124] – المقريزي ، السلوك ،ج3 ، ق1 ، ص106 – 107 .Heyd .W , Histoire du commerce du Levant au Moyen -Age ,T2 , Leipzig , 1885 – 1886 ,p. 52 . 

[125] – مفاكهة، ج1، ص 130

[126] – مفاكهة، ج1، ص87

[127] – النعيمي ( عبد القادر بن محمد )،الدارس في تاريخ المدارس ،دار الكتب العلمية ، بيروت، 1990،ج2 ،ص 244.وابن طولون ،مفاكهة،ج1 ،ص 124 .

[128] – زيادة ، ( نقولا ) ، دمشق في عصر المماليك ،مؤسسة فرانكلن ،بيروت – نيويورك،1966، ص 131 – 133.

[129] – مدن الشام ، ص ، 157.

[130] – المكان نفسه .

[131] – المسعودي ، مروج الذهب ، ج2 ، ص 318 . وانظر ايضا: ضومط (انطوان )،بالاشتراك مع آخرين : الشرق العربي في العصور الوسطى ، الدار الجامعية للنشر، بيروت ، 1995 ، ص 208 – 209 .

[132] – ابن طولون ، مفاكهة، ج1 ، ص 3 ، 166 ، 168 ، 186 ،191، 195 ، 204 ، 261 – 262 ، واعلام الورى، ص 108 ، 127 ، 183 ، وغيرها .

[133] – ابن طولون ، مفاكهة ، ج1، ص 212 واعلام،ص 51 ، ونصار ،العامة ، ص 97 .

[134] – ابن طولون ،مفاكهة ، ج1 ، ص 27،92، 137، 153،160، 179- 185 ، 212 – 214 ، 224- 225، 250-252 وغيرها، واعلام،ص 101- 102 ،121 – 122 وغيرها .

[135] – مفاكهة ، ج1 ، ص 283 .

[136]  المصدر نفسه ، ج1 ، ص247 .

[137] – ابن طولون ،مفاكهة ، ج1 ، ص 65 -66 ، 196 ، 224- 225، 258 – 259 ،295 وغيرها ، و اعلام الورى ، 121- 122 ، 167 – 168 ، 196 – 197 ، وغيرها . الاستاذ في الاصطلاح المملوكي هو من يشتري المماليك ، وتعني ايضا من اشترى المماليك وتربوا بعهدته ،ومن ثم اعتقهم وظلوا ابدا يرتبطون به برابط الولاء والطاعة عموما ، من هنا تأتي اهمية لقب ابن الاستاذ . اما لقب قريش فهو ادعاء نسبي للدلالة على ان صاحبه يتحدر من آل قريش

[138] – نفسه ، ج1 ، ص 268 ، واعلام الورى ، ص 174، 195، 199، 203

[139] – مفاكهة ،ج1 ، ص 238- 239 ، 292 – 293 ،و314

[140] – ان مؤلفي ابن طولون :مفاكهة الخلان واعلام الورى مليئة بهذه الاخبار وسأكتفي فقط بذكر بعض الصفحات ، مفاكهة ، ج1 ،ص 179، 180، 182، 183، 247، 283..

[141] – مفاكهة ، ج1 ، ص 292 – 293 ، واعلام ، 195 ، ونصار ، العامة، ص 101

[142] – ابن طولون ، مفاكهة ، ج1 ، ص 180 .ويقول كانت بالغة ولم يسعدوا بها لانها نهبت.

[143] – نفسه ، ج1 ، ص 185 ، 247 ويسنهجن ابن طولون ،وكان قاضيا بدمشق، هذا الامر

[144] – مفاكهة ، ج1 ، ص  247

[145] – نفسه ، ج1 ن ص 225

[146] – مفاكهة، ج1، ص 179، 182-183،

[147] ، عينه ص 232، 200 ،

[148] -مفاكهة، ج1، ص219

[149] – مفاكهة، ج1، ص 185، 201 ، 200

[150] – عندما قتل الزعر احد الظالمين غرمهم نائب دمشق بخمس مئة دينار فتدخل لصلحهم قاضي القضاة ابن الفرفور لدى النائب فعفا عنهم ، مفاكهة ، ج1 ، ص 160

[151] – اعلام الورى ، ص 118 – 119 ، 127 و مفاكهة، ج1 ، ص 177، 204، 213-214، 238-239و181.

[152] – مفاكهة ،ج1 ، ص 181، 207 ، 278 -279، 293، واعلام ، ص 175و 181، ونصار ، ص 102 .

[153] – مفكهة ، ج1 ، ص 204

[154] – نفسه ، ص 238 – 239 .

[155] القلقشندي ،ج3، ص 375 – 376 ، Preؤprecis de l Histoire d Egipte , par divers historiens et rcheologues ,P240 t 2  , Istitut Francais De Damas ,1932   

[156] – الظاهري ، زبدة ، ص 122

[157] – خطط، ( بولاق ) ، ج3 ، ص 347 – 348 ، ولمزيد من التفاصيل حول تربية المماليك ومميزاتهم انظر : ضومط ،الدولة المملوكية ، ص 28 – 38 .

[158] – البصروي ، ص 198 ، هامش رقم1 ،ونصار ، العامة ، ص 320 .

[159] – البصروي ، ص 179

[160] – اعلام ، ص 157 ، ومفاكهة، ج1 ، ص 275

[161] – مفاكهة ، ج1 ، ص 247

[162] – نفسه ، ص 249

[163] – مفاكهة، ج1 ، ص 261

[164] – انظر ابن طولون في اماكن متعددة من كتابيه : مفاكهة،ج1 ، ص 275 ،289، 316 ، 342-343 وغيرها،واعلام، 171، 178، 205، 208،222 وغيرها

[165] – مفاكهة ، ج1 ، ص118-119

[166] – البصروي، ص 110  مفاكهة ، ج1 ، ص 41 ، 44 – 45 ، 119 ،231،292، 

[167] –  مفاكهة، ج1 ، ص44

[168] – مفاكهة، ج1، ص 213

[169] – مفاكهة، ج1 ، ص 78، 91،

[170] – المقريزي، السلوك، ج3، ق3، ص1145، مفاكهة، ج1، ص 108، ، 146 ، 180- 181 ، 209، 291،

[171] – مفاكهة، ج1، ص 287، 374، اعلام، ص 187، ونصار ن العامة، ص 326

[172] – البصروي، ص 125، 176، مفاكهة ، ج1، ص132 167،، 158،199 222، اعلام الورى، ص79، 99،119، 187، 209،

[173] – مفاكهة، ج1 ،17،92،100،101،127،208، 214،222،260،286،وغيرها،اعلام الورى، ص 79،119، وانظر نصار ،العامة، ص 327 – 331

[174] – مفاكهة، ج1، ص 6، 41، 62،  64، 65، 79،  124-125 ، 146 ، 147 ، 160، 178، 215، اعلاو الورى، ص 96، 97،

[175] – ابن طولون ، مفاكهة الخلان، ج1، ص 8-9،41، 65،124 79، – 125، 227، 299، 234،

[176] – البصروي، ص183،207،219،239، اما مفاكهة الخلان فهو مليء باخبار الجرائم واللصوصية وغيرها من المفاسد سأكتفي بذكر بعض الصفحات فقط:ج1،17، 92، 153،164،177،204،225،234،257، واعلام، ص،122، 136،164،181،وغيرها كثير

[177] – سلوك، ج4،ق3، ص 1066- 1067، السبكي، معيد النعم، ص 35-36، وفاكهة، ج1، ص 93-94، 142-143، 204- 205، 297

[178] – البصروي، ص 101- 102، ومفكهة،ج1، ص 7-9،65

[179] – مفاكهة، ج1، 30، 84، 158، 215، 248-249

[180] – مفاكهة، ج1 ، ص20-21

[181] – مفاكهة، ج1، ص 42، 203